الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٩٦٦
الحديث رقم ٩٦٦ من كتاب «كتاب العيدين» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب ما يكره من حمل السلاح في العيد والحرم.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
٩٦٦ - حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى أَبُو السُّكَيْنِ قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُحَارِبِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُوقَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٩٦٦ - حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى أَبُو السُّكَيْنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُحَارِبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُوقَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ حِينَ أَصَابَهُ سِنَانُ الرُّمْحِ فِي أَخْمَصِ قَدَمِهِ، فَلَزِقَتْ قَدَمُهُ بِالرِّكَابِ، فَنَزَلْتُ فَنَزَعْتُهَا - وَذَلِكَ بِمِنًى - فَبَلَغَ الْحَجَّاجَ فَجَعَلَ يَعُودُهُ، فَقَالَ الْحَجَّاجُ: لَوْ نَعْلَمُ مَنْ أَصَابَكَ؟ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: أَنْتَ أَصَبْتَنِي. قَالَ: وَكَيْفَ؟ قَالَ: حَمَلْتَ السِّلَاحَ فِي يَوْمٍ لَمْ يَكُنْ يُحْمَلُ فِيهِ، وَأَدْخَلْتَ السِّلَاحَ الْحَرَمَ، وَلَمْ يَكُنْ السِّلَاحُ يُدْخَلُ الْحَرَمَ.
[الحديث ٩٦٦ - طرفه في: ٩٦٧]
٩٦٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: دَخَلَ الْحَجَّاجُ عَلَى ابْنِ عُمَرَ وَأَنَا عِنْدَهُ، فَقَالَ: كَيْفَ هُوَ؟ فَقَالَ: صَالِحٌ. فَقَالَ: مَنْ أَصَابَكَ؟ قَالَ: أَصَابَنِي مَنْ أَمَرَ بِحَمْلِ السِّلَاحِ فِي يَوْمٍ لَا يَحِلُّ فِيهِ حَمْلُهُ. يَعْنِي: الْحَجَّاجَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنْ حَمْلِ السِّلَاحِ فِي الْعِيدِ وَالْحَرَمِ) هَذِهِ التَّرْجَمَةُ تُخَالِفُ فِي الظَّاهِرِ التَّرْجَمَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ، وَهِيَ: بَابُ الْحِرَابِ وَالدَّرَقِ يَوْمَ الْعِيدِ؛ لِأَنَّ تِلْكَ دَائِرَةٌ بَيْنَ الْإِبَاحَةِ وَالنَّدْبِ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُهَا، وَهَذِهِ دَائِرَةٌ بَيْنَ الْكَرَاهَةِ وَالتَّحْرِيمِ لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: فِي يَوْمٍ لَا يَحِلُّ فِيهِ حَمْلُ السِّلَاحِ. وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ الْحَالَةِ الْأُولَى عَلَى وُقُوعِهَا مِمَّنْ حَمَلَهَا بِالدُّرْبَةِ وَعُهِدَتْ مِنْهُ السَّلَامَةُ مِنْ إِيذَاءِ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ بِهَا، وَحَمْلِ الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ عَلَى وُقُوعِهَا مِمَّنْ حَمَلَهَا بَطَرًا وَأَشَرًا أَوْ لَمْ يَتَحَفَّظْ حَالَ حَمْلِهَا وَتَجْرِيدِهَا مِنْ إِصَابَتِهَا أَحَدًا مِنَ النَّاسِ، وَلَا سِيَّمَا عِنْدَ الْمُزَاحَمَةِ وَفِي الْمَسَالِكِ الضَّيِّقَةِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ الْحَسَنُ) أَيِ الْبَصْرِيُّ (نُهُوا أَنْ يَحْمِلُوا السِّلَاحَ يَوْمَ عِيدٍ إِلَّا أَنْ يَخَافُوا عَدُوًّا) لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ مَوْصُولًا، إِلَّا أَنَّ ابْنَ الْمُنْذِرِ قَدْ ذَكَرَ نَحْوَهُ عَنِ الْحَسَنِ، وَفِيهِ تَقْيِيدٌ لِإِطْلَاقِ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ، وَقَدْ وَرَدَ مِثْلُهُ مَرْفُوعًا مُقَيَّدًا وَغَيْرَ مُقَيَّدٍ، فَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادٍ مُرْسَلٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُخْرَجَ بِالسِّلَاحِ يَوْمَ الْعِيدِ وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يُلْبَسَ السِّلَاحُ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ فِي الْعِيدَيْنِ، إِلَّا أَنْ يَكُونُوا بِحَضْرَةِ الْعَدُوِّ وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْعِيدِ، وَأَمَّا فِي الْحَرَمِ فَرَوَى مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ مَعْقِلِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُحْمَلَ السِّلَاحُ بِمَكَّةَ.
قَوْلُهُ: (أَبُو السُّكَيْنِ) بِالْمُهْمَلَةِ وَالْكَافِ مُصَغَّرًا، وَالْمُحَارِبِيُّ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ لَا ابْنُهُ عَبْدُ الرَّحِيمِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سُوقَةَ بِضَمِّ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ، وَبِالْقَافِ تَابِعِيٌّ صَغِيرٌ مِنْ أَجِلَّاءِ النَّاسِ.
قَوْلُهُ: (أَخْمَصِ قَدَمِهِ) الْأَخْمَصُ بِإِسْكَانِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْمِيمِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ: بَاطِنُ الْقَدَمِ وَمَا رَقَّ مِنْ أَسْفَلِهَا، وَقِيلَ: هُوَ خَصْرُ بَاطِنِهَا الَّذِي لَا يُصِيبُ الْأَرْضَ عِنْدَ الْمَشْيِ.
قَوْلُهُ: (بِالرِّكَابِ) أَيْ وَهِيَ فِي رَاحِلَتِهِ.
قَوْلُهُ: (فَنَزَعْتُهَا) ذَكَرَ الضَّمِيرَ مُؤَنَّثًا مَعَ أَنَّهُ أَعَادَهُ عَلَى السِّنَانِ وَهُوَ مُذَكَّرٌ لِأَنَّهُ أَرَادَ الْحَدِيدَةَ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ الْقَدمَ.
قَوْلُهُ: (فَبَلَغَ الْحَجَّاجَ) أَيِ ابْنَ يُوسُفَ الثَّقَفِيَّ، وَكَانَ إِذْ ذَاكَ أَمِيرًا عَلَى الْحِجَازِ، وَذَلِكَ بَعْدَ قَتْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ.
قَوْلُهُ: (فَجَعَلَ يَعُودُهُ) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي: فَجَاءَ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: فَأَتَاهُ.
قَوْلُهُ: (لَوْ نَعْلَمُ مَنْ أَصَابَكَ) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْحَمَوِيِّ، وَالْمُسْتَمْلِي: مَا أَصَابَكَ، وَحَذَفَ الْجَوَابَ لِدَلَالَةِ السِّيَاقِ عَلَيْهِ، أَوْ هِيَ لِلتَّمَنِّي فَلَا مَحْذُوفَ، وَيُرَجِّحُ الْأَوَّلَ أَنَّ ابْنَ سَعْدٍ أَخْرَجَهُ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ سَعِيدٍ، فَقَالَ فِيهِ: لَوْ نَعْلَمُ مَنْ أَصَابَكَ عَاقَبْنَاهُ، وَهُوَ يُرَجِّحُ رِوَايَةَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الياء، فنُقِلت إلى ما قبلها بعد سلب حركة ما قبلها، ثمَّ حُذِفت الياء لالتقاء السَّاكنين (أَنْ يَحْمِلُوا السِّلَاحَ) في (١) (يَوْمَ عِيدٍ) خوفًا أن يصل الإيذاء لأحدٍ، و «عيدٍ» بالتَّنكير، وللأَصيليِّ وأبي الوقت وأبي ذَرٍّ (٢) في نسخةٍ: «يوم العيد» (إِلَّا أَنْ يَخَافُوا عَدُوًّا) فيُباح حمله للضَّرورة، وقد روى ابن ماجه بإسنادٍ ضعيفٍ عن ابن عبَّاسٍ: «أنَّه ﷺ نهى أن يُلبَس السِّلاحُ في بلاد (٣) الإسلام في العيدين (٤)، إلَّا أن يكون (٥) بحضرة العدوِّ» وروى مسلمٌ عن جابرٍ نَهيَ النَّبيِّ ﷺ أن يُحمَل السِّلاح بمكَّة.
٩٦٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى) الطَّائيُّ الكوفيُّ، كنيته (أَبُو السُّكَيْنِ) بضمِّ المهملة وفتح الكاف مُصغَّرًا (قَالَ: حَدَّثَنَا المُحَارِبِيُّ) بضمِّ الميم وبالمهملة وبعد الألف والرَّاء المكسورة مُوحَّدةٌ، عبد الرَّحمن بن محمَّدٍ، لا ابنه عبد الرَّحيم (قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُوْقَةَ) بضمِّ المُهمَلة وسكون الواو وفتح القاف، التَّابعيُّ الصَّغير، الكوفيُّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵄ (حِينَ أَصَابَهُ سِنَانُ الرُّمْحِ فِي أَخْمَصِ قَدَمِهِ) بإسكان الخاء المعجمة (٦) وفتح الميم ثمَّ صادٍ مُهمَلةٍ، ما دخل من القدم فلم يصب الأرض عند المشي (فَلَزِقَتْ) بكسر الزَّاي (قَدَمُهُ بِالرِّكَابِ، فَنَزَلْتُ فَنَزَعْتُهَا) أُنِّث الضَّمير مع عوده إلى السِّنان
المُذكَّر (١)، إمَّا باعتبار إرادة الحديدة، أو السِّلاح لأنَّه مُؤنَّثٌ، أو هو راجعٌ إلى القدم، فيكون من باب القلب كما في: أدخلت الخفَّ في الرِّجْل. (وَذَلِكَ) أي: وقوع الإصابة (بِمِنًى) بعد قتل عبد الله بن الزُّبير بسنةٍ (فَبَلَغَ الحَجَّاجَ) بن يوسف الثَّقفيَّ، وكان إذ ذاك أميرًا على الحجاز (فَجَعَلَ يَعُودُهُ) جعل: من أفعال المقاربة الموضوعة (٢) للشَّروع في العمل، و «يعوده» خبره، ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر عن المُستملي: «فجاء يعوده» والجملة حاليَّةٌ (فَقَالَ الحَجَّاجُ) له: (لَوْ نَعْلَمُ مَنْ أَصَابَكَ) عاقبناه، ولأبي الوقت عن الحَمُّويي والمُستملي كما في الفرع، وقال العينيُّ كالحافظ ابن حجرٍ: ولأبي ذَرٍّ بدل: أبي الوقت: «ما أصابك؟» (فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ) للحجَّاج: (أَنْتَ أَصَبْتَنِي) نسب الفعل إليه لأنَّه أمر رجلًا معه حربةٌ يُقال: إنَّها كانت مسمومةً، فلصق ذلك الرَّجل به، فَأَمَرَّ الحربة على قدمه، فمرض منها أيَّامًا ثمَّ مات، وذلك في سنة أربعٍ وسبعين، وكان سبب ذلك: أنَّ عبد الملك كتب إلى الحجَّاج: ألَّا يخالف ابن عمر، فشقَّ عليه ذلك، وأمر ذلك الرَّجل بما ذكر، حكاه الزُّبير (٣) في «الأنساب». وفي «كتاب الصَّرِيفِينِيِّ»: لمَّا أنكر عبد الله على الحجَّاج نصب المنجنيق، يعني: على الكعبة، وقتل عبد الله بن الزُّبير، أمر الحجَّاج بقتله، فضربه رجلٌ من أهل الشَّام ضربةً، فلمَّا أتاه الحجَّاج يعوده قال له عبد الله: تقتلني ثمُّ تعودني؟ كفى الله حَكَمًا بيني وبينك، فصرَّح بأنَّه (٤) أمر بقتله، وأنَّه قاتله، بخلاف ما حكاه الزُّبير (٥) فإنَّه غير صريحٍ. (قَالَ) الحجَّاج: (وَكَيْفَ) أصبتك؟ (قَالَ) ابن عمر له: (حَمَلْتَ
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٩٦٦ - حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى أَبُو السُّكَيْنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُحَارِبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُوقَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ حِينَ أَصَابَهُ سِنَانُ الرُّمْحِ فِي أَخْمَصِ قَدَمِهِ، فَلَزِقَتْ قَدَمُهُ بِالرِّكَابِ، فَنَزَلْتُ فَنَزَعْتُهَا - وَذَلِكَ بِمِنًى - فَبَلَغَ الْحَجَّاجَ فَجَعَلَ يَعُودُهُ، فَقَالَ الْحَجَّاجُ: لَوْ نَعْلَمُ مَنْ أَصَابَكَ؟ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: أَنْتَ أَصَبْتَنِي. قَالَ: وَكَيْفَ؟ قَالَ: حَمَلْتَ السِّلَاحَ فِي يَوْمٍ لَمْ يَكُنْ يُحْمَلُ فِيهِ، وَأَدْخَلْتَ السِّلَاحَ الْحَرَمَ، وَلَمْ يَكُنْ السِّلَاحُ يُدْخَلُ الْحَرَمَ.
[الحديث ٩٦٦ - طرفه في: ٩٦٧]
٩٦٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: دَخَلَ الْحَجَّاجُ عَلَى ابْنِ عُمَرَ وَأَنَا عِنْدَهُ، فَقَالَ: كَيْفَ هُوَ؟ فَقَالَ: صَالِحٌ. فَقَالَ: مَنْ أَصَابَكَ؟ قَالَ: أَصَابَنِي مَنْ أَمَرَ بِحَمْلِ السِّلَاحِ فِي يَوْمٍ لَا يَحِلُّ فِيهِ حَمْلُهُ. يَعْنِي: الْحَجَّاجَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنْ حَمْلِ السِّلَاحِ فِي الْعِيدِ وَالْحَرَمِ) هَذِهِ التَّرْجَمَةُ تُخَالِفُ فِي الظَّاهِرِ التَّرْجَمَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ، وَهِيَ: بَابُ الْحِرَابِ وَالدَّرَقِ يَوْمَ الْعِيدِ؛ لِأَنَّ تِلْكَ دَائِرَةٌ بَيْنَ الْإِبَاحَةِ وَالنَّدْبِ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُهَا، وَهَذِهِ دَائِرَةٌ بَيْنَ الْكَرَاهَةِ وَالتَّحْرِيمِ لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: فِي يَوْمٍ لَا يَحِلُّ فِيهِ حَمْلُ السِّلَاحِ. وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ الْحَالَةِ الْأُولَى عَلَى وُقُوعِهَا مِمَّنْ حَمَلَهَا بِالدُّرْبَةِ وَعُهِدَتْ مِنْهُ السَّلَامَةُ مِنْ إِيذَاءِ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ بِهَا، وَحَمْلِ الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ عَلَى وُقُوعِهَا مِمَّنْ حَمَلَهَا بَطَرًا وَأَشَرًا أَوْ لَمْ يَتَحَفَّظْ حَالَ حَمْلِهَا وَتَجْرِيدِهَا مِنْ إِصَابَتِهَا أَحَدًا مِنَ النَّاسِ، وَلَا سِيَّمَا عِنْدَ الْمُزَاحَمَةِ وَفِي الْمَسَالِكِ الضَّيِّقَةِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ الْحَسَنُ) أَيِ الْبَصْرِيُّ (نُهُوا أَنْ يَحْمِلُوا السِّلَاحَ يَوْمَ عِيدٍ إِلَّا أَنْ يَخَافُوا عَدُوًّا) لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ مَوْصُولًا، إِلَّا أَنَّ ابْنَ الْمُنْذِرِ قَدْ ذَكَرَ نَحْوَهُ عَنِ الْحَسَنِ، وَفِيهِ تَقْيِيدٌ لِإِطْلَاقِ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ، وَقَدْ وَرَدَ مِثْلُهُ مَرْفُوعًا مُقَيَّدًا وَغَيْرَ مُقَيَّدٍ، فَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادٍ مُرْسَلٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُخْرَجَ بِالسِّلَاحِ يَوْمَ الْعِيدِ وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يُلْبَسَ السِّلَاحُ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ فِي الْعِيدَيْنِ، إِلَّا أَنْ يَكُونُوا بِحَضْرَةِ الْعَدُوِّ وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْعِيدِ، وَأَمَّا فِي الْحَرَمِ فَرَوَى مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ مَعْقِلِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُحْمَلَ السِّلَاحُ بِمَكَّةَ.
قَوْلُهُ: (أَبُو السُّكَيْنِ) بِالْمُهْمَلَةِ وَالْكَافِ مُصَغَّرًا، وَالْمُحَارِبِيُّ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ لَا ابْنُهُ عَبْدُ الرَّحِيمِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سُوقَةَ بِضَمِّ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ، وَبِالْقَافِ تَابِعِيٌّ صَغِيرٌ مِنْ أَجِلَّاءِ النَّاسِ.
قَوْلُهُ: (أَخْمَصِ قَدَمِهِ) الْأَخْمَصُ بِإِسْكَانِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْمِيمِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ: بَاطِنُ الْقَدَمِ وَمَا رَقَّ مِنْ أَسْفَلِهَا، وَقِيلَ: هُوَ خَصْرُ بَاطِنِهَا الَّذِي لَا يُصِيبُ الْأَرْضَ عِنْدَ الْمَشْيِ.
قَوْلُهُ: (بِالرِّكَابِ) أَيْ وَهِيَ فِي رَاحِلَتِهِ.
قَوْلُهُ: (فَنَزَعْتُهَا) ذَكَرَ الضَّمِيرَ مُؤَنَّثًا مَعَ أَنَّهُ أَعَادَهُ عَلَى السِّنَانِ وَهُوَ مُذَكَّرٌ لِأَنَّهُ أَرَادَ الْحَدِيدَةَ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ الْقَدمَ.
قَوْلُهُ: (فَبَلَغَ الْحَجَّاجَ) أَيِ ابْنَ يُوسُفَ الثَّقَفِيَّ، وَكَانَ إِذْ ذَاكَ أَمِيرًا عَلَى الْحِجَازِ، وَذَلِكَ بَعْدَ قَتْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ.
قَوْلُهُ: (فَجَعَلَ يَعُودُهُ) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي: فَجَاءَ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: فَأَتَاهُ.
قَوْلُهُ: (لَوْ نَعْلَمُ مَنْ أَصَابَكَ) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْحَمَوِيِّ، وَالْمُسْتَمْلِي: مَا أَصَابَكَ، وَحَذَفَ الْجَوَابَ لِدَلَالَةِ السِّيَاقِ عَلَيْهِ، أَوْ هِيَ لِلتَّمَنِّي فَلَا مَحْذُوفَ، وَيُرَجِّحُ الْأَوَّلَ أَنَّ ابْنَ سَعْدٍ أَخْرَجَهُ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ سَعِيدٍ، فَقَالَ فِيهِ: لَوْ نَعْلَمُ مَنْ أَصَابَكَ عَاقَبْنَاهُ، وَهُوَ يُرَجِّحُ رِوَايَةَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الياء، فنُقِلت إلى ما قبلها بعد سلب حركة ما قبلها، ثمَّ حُذِفت الياء لالتقاء السَّاكنين (أَنْ يَحْمِلُوا السِّلَاحَ) في (١) (يَوْمَ عِيدٍ) خوفًا أن يصل الإيذاء لأحدٍ، و «عيدٍ» بالتَّنكير، وللأَصيليِّ وأبي الوقت وأبي ذَرٍّ (٢) في نسخةٍ: «يوم العيد» (إِلَّا أَنْ يَخَافُوا عَدُوًّا) فيُباح حمله للضَّرورة، وقد روى ابن ماجه بإسنادٍ ضعيفٍ عن ابن عبَّاسٍ: «أنَّه ﷺ نهى أن يُلبَس السِّلاحُ في بلاد (٣) الإسلام في العيدين (٤)، إلَّا أن يكون (٥) بحضرة العدوِّ» وروى مسلمٌ عن جابرٍ نَهيَ النَّبيِّ ﷺ أن يُحمَل السِّلاح بمكَّة.
٩٦٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى) الطَّائيُّ الكوفيُّ، كنيته (أَبُو السُّكَيْنِ) بضمِّ المهملة وفتح الكاف مُصغَّرًا (قَالَ: حَدَّثَنَا المُحَارِبِيُّ) بضمِّ الميم وبالمهملة وبعد الألف والرَّاء المكسورة مُوحَّدةٌ، عبد الرَّحمن بن محمَّدٍ، لا ابنه عبد الرَّحيم (قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُوْقَةَ) بضمِّ المُهمَلة وسكون الواو وفتح القاف، التَّابعيُّ الصَّغير، الكوفيُّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵄ (حِينَ أَصَابَهُ سِنَانُ الرُّمْحِ فِي أَخْمَصِ قَدَمِهِ) بإسكان الخاء المعجمة (٦) وفتح الميم ثمَّ صادٍ مُهمَلةٍ، ما دخل من القدم فلم يصب الأرض عند المشي (فَلَزِقَتْ) بكسر الزَّاي (قَدَمُهُ بِالرِّكَابِ، فَنَزَلْتُ فَنَزَعْتُهَا) أُنِّث الضَّمير مع عوده إلى السِّنان
المُذكَّر (١)، إمَّا باعتبار إرادة الحديدة، أو السِّلاح لأنَّه مُؤنَّثٌ، أو هو راجعٌ إلى القدم، فيكون من باب القلب كما في: أدخلت الخفَّ في الرِّجْل. (وَذَلِكَ) أي: وقوع الإصابة (بِمِنًى) بعد قتل عبد الله بن الزُّبير بسنةٍ (فَبَلَغَ الحَجَّاجَ) بن يوسف الثَّقفيَّ، وكان إذ ذاك أميرًا على الحجاز (فَجَعَلَ يَعُودُهُ) جعل: من أفعال المقاربة الموضوعة (٢) للشَّروع في العمل، و «يعوده» خبره، ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر عن المُستملي: «فجاء يعوده» والجملة حاليَّةٌ (فَقَالَ الحَجَّاجُ) له: (لَوْ نَعْلَمُ مَنْ أَصَابَكَ) عاقبناه، ولأبي الوقت عن الحَمُّويي والمُستملي كما في الفرع، وقال العينيُّ كالحافظ ابن حجرٍ: ولأبي ذَرٍّ بدل: أبي الوقت: «ما أصابك؟» (فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ) للحجَّاج: (أَنْتَ أَصَبْتَنِي) نسب الفعل إليه لأنَّه أمر رجلًا معه حربةٌ يُقال: إنَّها كانت مسمومةً، فلصق ذلك الرَّجل به، فَأَمَرَّ الحربة على قدمه، فمرض منها أيَّامًا ثمَّ مات، وذلك في سنة أربعٍ وسبعين، وكان سبب ذلك: أنَّ عبد الملك كتب إلى الحجَّاج: ألَّا يخالف ابن عمر، فشقَّ عليه ذلك، وأمر ذلك الرَّجل بما ذكر، حكاه الزُّبير (٣) في «الأنساب». وفي «كتاب الصَّرِيفِينِيِّ»: لمَّا أنكر عبد الله على الحجَّاج نصب المنجنيق، يعني: على الكعبة، وقتل عبد الله بن الزُّبير، أمر الحجَّاج بقتله، فضربه رجلٌ من أهل الشَّام ضربةً، فلمَّا أتاه الحجَّاج يعوده قال له عبد الله: تقتلني ثمُّ تعودني؟ كفى الله حَكَمًا بيني وبينك، فصرَّح بأنَّه (٤) أمر بقتله، وأنَّه قاتله، بخلاف ما حكاه الزُّبير (٥) فإنَّه غير صريحٍ. (قَالَ) الحجَّاج: (وَكَيْفَ) أصبتك؟ (قَالَ) ابن عمر له: (حَمَلْتَ