«كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي وَأَنَا رَاقِدَةٌ، مُعْتَرِضَةً عَلَى فِرَاشِهِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٩٩٧

الحديث رقم ٩٩٧ من كتاب «كتاب الوتر» في صحيح البخاري، تحت باب: باب إيقاظ النبي ﷺ أهله بالوتر.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «كان النبي ﷺ يصلي وأنا راقدة، معترضة على…

«كَانَ النَّبِيُّ يُصَلِّي وَأَنَا رَاقِدَةٌ، مُعْتَرِضَةً عَلَى فِرَاشِهِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُوتِرَ أَيْقَظَنِي فَأَوْتَرْتُ».

بَابٌ: لِيَجْعَلْ آخِرَ صَلَاتِهِ وِتْرًا

سند حديث: ٩٩٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا…

٩٩٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:

شرح حديث: «كان النبي ﷺ يصلي وأنا راقدة، معترضة على…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قَوْلُهُ: (وَكَأَنَّ) بِتَشْدِيدِ النُّونِ.

قَوْلُهُ: (بِأُذُنَيْهِ) أَيْ لِقُرْبِ صَلَاتِهِ مِنَ الْأَذَانِ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الْإِقَامَةُ، فَالْمَعْنَى أَنَّهُ كَانَ يُسْرِعُ بِرَكْعَتَيِ الْفَجْرِ إِسْرَاعَ مَنْ يَسْمَعُ إِقَامَةَ الصَّلَاةِ خَشْيَةَ فَوَاتِ أَوَّلِ الْوَقْتِ، وَمُقْتَضَى ذَلِكَ تَخْفِيفُ الْقِرَاءَةِ فِيهِمَا، فَيَحْصُلُ بِهِ الْجَوَابُ عَنْ سُؤَالِ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ قَدْرِ الْقِرَاءَةِ فِيهِمَا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: أَنَّ أَنَسًا قَالَ لِابْنِ عُمَرَ: إِنِّي لَسْتُ عَنْ هَذَا أَسْأَلُكَ، قَالَ: إِنَّكَ لَضَخْمٌ أَلَا تَدَعُنِي أَسْتَقْرِئُ لَكَ الْحَدِيثَ. وَيُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا جَوَابُ السَّائِلِ بِأَكْثَرَ مِمَّا سَأَلَ عَنْهُ إِذَا كَانَ مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، وَمِنْ قَوْلِهِ: إِنَّكَ لَضَخْمٌ أَنَّ السَّمِينَ فِي الْغَالِبِ يَكُونُ قَلِيلَ الْفَهْمِ.

قَوْلُهُ: (قَالَ حَمَّادٌ) أَيِ ابْنُ زَيْدٍ الرَّاوِي، وَهُوَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ.

قَوْلُهُ: (بِسُرْعَةٍ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَأَبِي الْوَقْتِ، وَابْنِ شَبُّوَيْهِ، وَلِغَيْرِهِمْ: سُرْعَةٌ بِغَيْرِ مُوَحَّدَةٍ، وَهُوَ تَفْسِيرٌ مِنَ الرَّاوِي لِقَوْلِهِ: كَانَ الْأَذَانُ بِأُذُنَيْهِ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا تَقَدَّمَ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَبِي) هُوَ حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، وَمُسْلِمٌ هُوَ أَبُو الضُّحَى لَا ابْنُ كَيْسَانَ.

قَوْلُهُ: (كُلَّ اللَّيْلِ) بِنَصْبِ كُلِّ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ. وَبِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ وَالْجُمْلَةُ خَبَرُهُ، وَالتَّقْدِيرُ: أَوْتَرَ فِيهِ. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ: مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ قَدْ أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ وَأَوْسَطِهِ وَآخِرِهِ فَانْتَهَى وِتْرُهُ إِلَى السَّحَرِ، وَالْمُرَادُ بِأَوَّلِهِ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ كَمَا تَقَدَّمَ.

قَوْلُهُ: (إِلَى السَّحَرِ) زَادَ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ: حِينَ مَاتَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اخْتِلَافُ وَقْتِ الْوِتْرِ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ، فَحَيْثُ أَوْتَرَ فِي أَوَّلِهِ لَعَلَّهُ كَانَ وَجَعًا، وَحَيْثُ أَوْتَرَ وَسَطَهُ لَعَلَّهُ كَانَ مُسَافِرًا، وَأَمَّا وِتْرُهُ فِي آخِرِهِ فَكَأَنَّهُ كَانَ غَالِبَ أَحْوَالِهِ، لِمَا عُرِفَ مِنْ مُوَاظَبَتِهِ عَلَى الصَّلَاةِ فِي أَكْثَرِ اللَّيْلِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالسَّحَرُ قُبَيْلَ الصُّبْحِ، وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّهُ السُّدُسُ الْأَخِيرُ، وَقِيلَ: أَوَّلُهُ الْفَجْرُ الْأَوَّلُ، وَفِي رِوَايَةِ طَلْحَةَ بْنِ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ: فَلَمَّا انْفَجَرَ الْفَجْرُ قَامَ فَأَوْتَرَ بِرَكْعَةٍ. قَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: الْمُرَادُ بِهِ الْفَجْرُ الْأَوَّلُ، وَرَوَى أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذٍ مَرْفُوعًا: زَادَنِي رَبِّي صَلَاةً وَهِيَ الْوِتْرُ، وَقْتُهَا مِنَ الْعِشَاءِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ، وَكَذَا فِي حَدِيثِ خَارِجَةَ بْنِ حُذَافَةَ فِي السُّنَنِ، وَهُوَ الَّذِي احْتَجَّ بِهِ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِ الْوِتْرِ، وَلَيْسَ صَرِيحًا فِي الْوُجُوبِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا حَدِيثُ بُرَيْدَةَ رَفَعَهُ: الْوِتْرُ حَقٌّ، فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا، وَأَعَادَ ذَلِكَ ثَلَاثًا. فَفِي سَنَدِهِ أَبُو الْمُنِيبِ وَفِيهِ ضَعْفٌ، وَعَلَى تَقْدِيرِ قَبُولِهِ فَيَحْتَاجُ مَنِ احْتَجَّ بِهِ إِلَى أَنْ يُثْبِتَ أَنَّ لَفْظَ: حَقٍّ بِمَعْنَى وَاجِبٍ فِي عُرْفِ الشَّارِعِ، وَأَنَّ لَفْظَ وَاجِبٍ بِمَعْنَى مَا ثَبَتَ مِنْ طَرِيقِ الْآحَادِ.

٣ - بَاب إِيقَاظِ النَّبِيِّ أَهْلَهُ بِالْوِتْرِ

٩٩٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ يُصَلِّي وَأَنَا رَاقِدَةٌ مُعْتَرِضَةً عَلَى فِرَاشِهِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُوتِرَ أَيْقَظَنِي فَأَوْتَرْتُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ إِيقَاظِ النَّبِيِّ أَهْلَهُ بِالْوِتْرِ). فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ. لِلْوِتْرِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) هُوَ الْقَطَّانُ، وَهِشَامٌ هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ.

قَوْلُهُ: (وَأَنَا رَاقِدَةٌ مُعْتَرِضَةٌ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي سُتْرَةِ الْمُصَلِّي.

قَوْلُهُ: (أَيْقَظَنِي فَأَوْتَرْتُ) أَيْ فَقُمْتُ فَتَوَضَّأْتُ فَأَوْتَرْتُ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى اسْتِحْبَابِ جَعْلِ الْوِتْرِ آخِرَ اللَّيْلِ سَوَاءٌ الْمُتَهَجِّدُ وَغَيْرُهُ، وَمَحَلُّهُ إِذَا وَثِقَ أَنْ يَسْتَيْقِظَ بِنَفْسِهِ أَوْ بِإِيقَاظِ غَيْرِهِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى وُجُوبِ الْوِتْرِ لِكَوْنِهِ سَلَكَ بِهِ مَسْلَكَ الْوَاجِبِ حَيْثُ لَمْ يَدَعْهَا نَائِمَةً لِلْوِتْرِ وَأَبْقَاهَا لِلتَّهَجُّدِ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ الْوُجُوبُ، نَعَمْ يَدُلُّ عَلَى تَأَكُّدِ أَمْرِ الْوِتْرِ، وَأَنَّهُ فَوْقَ غَيْرِهِ مِنَ النَّوَافِلِ اللَّيْلِيَّةِ، وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ إِيقَاظِ النَّائِمِ لِإِدْرَاكِ الصَّلَاةِ، وَلَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالْمَفْرُوضَةِ وَلَا بِخَشْيَةِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

منافٍ لقولهم: يُسَنُّ جعله آخرَ صلاة اللَّيل، وقد عُلِم أنَّ التَّهجُّد في النِّصف الثَّاني أفضل، فيكون مستحبًّا، ووقتُه المختار إلى ما ذكر، وحمل البُلقينيُّ ذلك على مَن لا يريد التَّهجُّد.

ورواة هذا الحديث كلُّهم كوفيُّون، وفيه: ثلاثٌة من التَّابعين يروي بعضهم عن بعضٍ، الأعمش ومسروقٌ ومسلمٌ، والتَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه مسلمٌ وأبو داود في «الصَّلاة».

(٣) (بابُ إِيقَاظِ النَّبِيِّ أَهْلَهُ بِالوِتْرِ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «للوتر» باللَّام بدل الموحَّدة، و «إيقاظ» مصدرٌ مضافٌ لفاعله، و «أهله» مفعوله.

٩٩٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى) القطَّان (قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ) هو ابن عروة (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) عروةُ بنُ الزُّبيرِ بنِ العوَّامِ (عَنْ عَائِشَةَ) (قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ يُصَلِّي) صلاةَ اللَّيل (وَأَنَا رَاقِدَةٌ) حال كوني (مُعْتَرِضَةً عَلَى فِرَاشِهِ) ولأبي ذرٍّ: «معترضةٌ» بالرَّفع (فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُوتِرَ أَيْقَظَنِي) فقمت وتوضَّأت (فَأَوْتَرْتُ) امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ﴾ [طه: ١٣٢] واستُدِلَّ به على جعلِ الوترِ آخرَ اللَّيلِ ولو نام قبلَه، سواءٌ تهجَّد -أي: صلَّى بعد الهجود، أي: النَّوم- أو لم يتهجَّد، ومحلُّه إذا وثق (١) أن يستيقظَ بنفسه أو بإيقاظِ غيره، ولا يلزم من إيقاظه لها لأجل الوتر وجوبه. نعم يدلُّ على تأكيده وأنَّه فوقَ غيره من النَّوافل.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع، وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم كوفيون. وَفِيه: ثَلَاثَة من التَّابِعين يروي بَعضهم عَن بعض وهم: الْأَعْمَش وَمُسلم ومسروق.

ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَأبي كريب، كِلَاهُمَا عَن أبي مُعَاوِيَة عَن الْأَعْمَش بِهِ وَعَن عَليّ بن حجر وَعَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن أَحْمد بن يُونُس عَن أبي بكر بن عَيَّاش عَن الْأَعْمَش بِهِ.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (كل اللَّيْل) ، يجوز فِي: كل، الرّفْع وَالنّصب. أما الرّفْع فعلى أَنه مُبْتَدأ وَالْجُمْلَة بعده خَبره، وَأما النصب فعلى الظَّرْفِيَّة لقَوْله: (أوتر) ، وَالْمرَاد مِنْهُ أَنه أوتر فِي جَمِيع اللَّيْل أَو فِي جَمِيع سَاعَات اللَّيْل، يَعْنِي: إِمَّا أَن يُرَاد بِهِ جزئيات اللَّيْل أَو أجزاؤه. وَفِي رِوَايَة مُسلم عَن مَسْرُوق، (عَن عَائِشَة قَالَت: من كل اللَّيْل قد أوتر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وانْتهى وتره إِلَى السحر) . وَله عَن عَائِشَة: (من كل اللَّيْل، قد أوتر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، من أول اللَّيْل وأوسطه وَآخره، فَانْتهى وتره إِلَى السحر) ، وَله فِي رِوَايَة أُخْرَى قَالَت: (كل اللَّيْل قد أوتر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَانْتهى وتره إِلَى آخر اللَّيْل) . وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد عَن مَسْرُوق قَالَ: قلت لعَائِشَة: مَتى كَانَ يُوتر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ قَالَت: كل ذَلِك قد فعل: أوتر أول اللَّيْل وأوسطه وَآخره، وَلَكِن انْتهى وتره حِين مَاتَ إِلَى السحر) . انْتهى. قلت: قد يكون أوتر من أَوله لشكوى حصلت، وَفِي وَسطه لاستيقاظه إِذْ ذَاك وَآخره غَايَة لَهُ، وَمعنى قَوْله: وانْتهى وتره إِلَى السحر أَي: كَانَ آخر أمره صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه أخر الْوتر إِلَى آخر اللَّيْل، وَيُقَال: فعله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أول اللَّيْل وأوسطه، بَيَان للْجُوَاز، وتأخيره إِلَى آخر اللَّيْل تَنْبِيه على الْأَفْضَل لمن يَثِق بالانتباه، وَكَانَ بعض السّلف يوترون أول اللَّيْل، مِنْهُم: أَبُو بكر وَعُثْمَان وَأَبُو هُرَيْرَة وَرَافِع بن خديج، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَبَعْضهمْ يوترون آخر اللَّيْل مِنْهُم: عمر بن الْخطاب وَعلي بن أبي طَالب وَابْن مَسْعُود وَأَبُو الدَّرْدَاء وَابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَغَيرهم من التَّابِعين، وَأما أمره صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأبي هُرَيْرَة بالوتر قبل النّوم فَهُوَ اخْتِيَار مِنْهُ لَهُ حِين خشِي عَلَيْهِ من اسْتِيلَاء النّوم، فَأمره بِالْأَخْذِ بالثقة، وَالتَّرْغِيب فِي الْوتر فِي آخر اللَّيْل هُوَ لمن قوي عَلَيْهِ، وَلم تكن عَادَته أَن تغلبه عَيناهُ، وَعند ابْن خُزَيْمَة من حَدِيث أبي قَتَادَة: (أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لأبي بكر، مَتى توتر؟ قَالَ: قبل أَن أَنَام. وَقَالَ لعمر: مَتى توتر؟ فَقَالَ: أَنَام ثمَّ أوتر. فَقَالَ لأبي بكر أخذت بالحزم أَو بالوثيقة، وَقَالَ لعمر: أخذت بِالْقُوَّةِ، وَقَالَ الْخطابِيّ: حَدثنَا مُحَمَّد بن هِشَام حَدثنَا الديري عَن عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج أَخْبرنِي ابْن شهَاب عَن ابْن الْمسيب: (أَن أَبَا بكر وَعمر تذاكرا الْوتر عِنْد النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالَ أَبُو بكر: أما أَنا فَإِنِّي أَنَام على وتر فَإِن استيقظت صليت شفعا حَتَّى الصَّباح. وَقَالَ عمر: لَكِن أَنَام على شفع ثمَّ أوتر فِي السحر. فَقَالَ النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأبي بكر: حذر هَذَا، ولعمر: قوي هَذَا) . وَفِي فَوَائِد سمويه من حَدِيث ابْن عقيل (عَن جَابر: أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لأبي بكر: أَي حِين توتر؟ قَالَ: أول اللَّيْل بعد الْعَتَمَة) . وَقد ذكرنَا الِاخْتِلَاف فِي أول وَقت الْوتر، وَآخره فِي الْبَاب الَّذِي قبله.

٣ - (بابُ إيقَاظِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أهْلَهُ بالوِتْرِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إيقاظ النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، والإيقاظ مصدر مُضَاف إِلَى فَاعله، وَقَوله: (أَهله) بِالنّصب مَفْعُوله، قَوْله: (بالوتر) بِالْبَاء الْمُوَحدَة، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (للوتر) ، بِاللَّامِ.

٧٩٩ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يَحْيَى قَالَ حدَّثنا هِشَامٌ قَالَ حدَّثني أبي عنْ عائِشَةَ قَالتْ كانَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُصَلِّي وَأَنا رَاقِدَةٌ مُعْترِضَةً عَلَى فِرَاشِهِ فإذَا أرَادَ أنْ يُوتِرَ أيْقَظَنِي فأوْتَرْتُ..

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَفَائِدَة وضع هَذِه التَّرْجَمَة الْإِشَارَة إِلَى أَن الْمُسْتَحبّ لكل أحد أَن يوقظ امْرَأَته لأجل صَلَاة الْوتر إِذا نَامَتْ قبل الإيتار. وَفِيه تَأْكِيد لأمر الْوتر والامتثال لقَوْله تَعَالَى: {وَأمر أهلك بِالصَّلَاةِ} (طه: ٢٣١) . وَفِيه مَشْرُوعِيَّة الْوتر فِي حق النِّسَاء.

وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَيحيى هُوَ الْقطَّان، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة، وَعُرْوَة هُوَ ابْن الزبير بن الْعَوام، وَقد ذكر

البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد والمتن جَمِيعًا فِي: بَاب الصَّلَاة خلف النَّائِم، وَقد استقصينا الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.

قَوْله: (فأوترت) الْفَاء فِيهِ تسمى: فَاء الفصيحة، فتقديره: فَقُمْت وتوضأت فأوترت.

٤ - (بابٌ لِيَجْعَلَ آخِرَ صلَاتِهِ وِتْرا)

أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته ليجعل إِلَى آخِره أَي: ليجعل الْمُصَلِّي آخر صلَاته بِاللَّيْلِ صَلَاة الْوتر.

٨٩٩ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يحْيَى بنُ سَعِيدٍ عنْ عُبَيْدِ الله قَالَ حدَّثني نافِعٌ عنْ عَبْدِ الله عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرا.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَن التَّرْجَمَة مَأْخُوذَة مِنْهُ. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَيحيى بن سعيد الْقطَّان، وَعبيد الله ابْن حَفْص بن عَاصِم بن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن زُهَيْر بن حَرْب وَمُحَمّد بن الْمثنى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن أَحْمد بن حَنْبَل، وَفِي رِوَايَته بعد قَوْله: (وترا، فَإِن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كَانَ يَأْمر بذلك) .

وَيُسْتَفَاد مِنْهُ حكمان: الأول: اسْتِحْبَاب تَأْخِير الْوتر، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ. وَالثَّانِي: فِيهِ الدّلَالَة على وجوب الْوتر.

وَاخْتلف الْعلمَاء فِيهِ، فَقَالَ القَاضِي أَبُو الطّيب: إِن الْعلمَاء كَافَّة قَالَت: إِنَّه سنة، حَتَّى أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد، وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَحده: هُوَ وَاجِب وَلَيْسَ بِفَرْض. وَقَالَ أَبُو حَامِد فِي تَعْلِيقه: الْوتر سنة مُؤَكدَة لَيْسَ بِفَرْض وَلَا وَاجِب، وَبِه قَالَت الإئمة كلهَا إلاّ أَبَا حنيفَة. وَقَالَ بَعضهم: وَقد اسْتدلَّ بِهَذَا الحَدِيث بعض من قَالَ بِوُجُوبِهِ، وَتعقب بِأَن صَلَاة اللَّيْل لَيست وَاجِبَة ... إِلَى آخِره، وَبِأَن الأَصْل عدم الْوُجُوب حَتَّى يقوم دَلِيله. وَقَالَ الْكرْمَانِي أَيْضا مَا يشبه هَذَا. قلت: هَذَا كُله من آثَار التعصب، فَكيف يَقُول القَاضِي أَبُو الطّيب وَأَبُو حَامِد، وهما إمامان مشهوران، بِهَذَا الْكَلَام الَّذِي لَيْسَ بِصَحِيح وَلَا قريب من الصِّحَّة؟ وَأَبُو حنيفَة لم ينْفَرد بذلك، هَذَا القَاضِي أَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ ذكر عَن سَحْنُون وَأصبغ بن الْفرج وُجُوبه، وَحكى ابْن حزم أَن مَالِكًا قَالَ: من تَركه أُدِّبَ، وَكَانَت جرحه فِي شَهَادَته، وَحَكَاهُ ابْن قدامَة فِي (الْمُغنِي) عَن أَحْمد، وَفِي (المُصَنّف) عَن مُجَاهِد بِسَنَد صَحِيح: هُوَ وَاجِب وَلم يكْتب، وَعَن ابْن عمر بِسَنَد صَحِيح: مَا أحب أَنِّي تركت الْوتر وَأَن لي حمر النعم، وَحكى ابْن بطال وُجُوبه عَن أهل الْقُرْآن عَن ابْن مَسْعُود وَحُذَيْفَة وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، وَعَن يُوسُف بب خَالِد السَّمْتِي شيخ الشَّافِعِي وُجُوبه، وَحَكَاهُ ابْن أبي شيبَة أَيْضا عَن سعيد بن الْمسيب وَأبي عُبَيْدَة بن عبد الله بن مَسْعُود وَالضَّحَّاك. انْتهى.

فَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك، كَيفَ يجوز لأبي الطّيب وَلأبي حَامِد أَن يدعيا هَذِه الدَّعْوَى الْبَاطِلَة؟ فَهَذَا يدل على عدم اطلاعهما، فِيمَا ذكرنَا، فجهل الشَّخْص بالشَّيْء لَا يَنْفِي علم غَيره بِهِ.

وَقَول من ادّعى التعقب بِأَن: صَلَاة اللَّيْل لَيست بواجبة. . إِلَى آخِره، قَول واهٍ لِأَن الدَّلَائِل قَامَت على وجوب الْوتر. مِنْهَا: مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد: حَدثنَا مُحَمَّد بن الْمثنى حَدثنَا أَبُو إِسْحَاق الطَّالقَانِي حَدثنَا الْفضل بن مُوسَى عَن عبيد الله بن عبد الله الْعَتكِي (عَن عبد الله بن بُرَيْدَة عَن أَبِيه، قَالَ: سَمِعت رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَقُول: الْوتر حق فَمن لم يُوتر فَلَيْسَ منا، الْوتر حق فَمن لم يُوتر فَلَيْسَ منا، الْوتر حق فَمن لم يُوتر فَلَيْسَ منا) . وَهَذَا حَدِيث صَحِيح، وَلِهَذَا أخرجه الْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) وَصَححهُ. فَإِن قلت: فِي إِسْنَاده أَبُو الْمُنِيب عبيد الله بن عبد الله، وَقد تكلم فِيهِ البُخَارِيّ وَغَيره. قلت: قَالَ الْحَاكِم: وَثَّقَهُ ابْن معِين، وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: سَمِعت أبي يَقُول: هُوَ صَالح الحَدِيث، وَأنكر على البُخَارِيّ إِدْخَاله فِي الضُّعَفَاء، فَهَذَا ابْن معِين إِمَام هَذَا الشَّأْن وَكفى بِهِ حجَّة فِي توثيقه إِيَّاه. فَإِن قلت: قَالَ الْخطابِيّ: قد دلّت الْأَخْبَار الصَّحِيحَة على أَنه لم يرد بِالْحَقِّ الْوُجُوب الَّذِي لَا يسع غَيره. مِنْهَا: خبر عبَادَة بن الصَّامِت لما بلغه أَن أَبَا مُحَمَّد، رجلا من الْأَنْصَار، يَقُول: (الْوتر حق، فَقَالَ: كذب أَبُو مُحَمَّد، ثمَّ روى عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي عدد الصَّلَوَات الْخمس. وَمِنْهَا: خبر طَلْحَة بن عبيد الله فِي سُؤال الْأَعرَابِي. وَمِنْهَا: خبر أنس بن مَالك فِي فرض الصَّلَوَات لَيْلَة الْإِسْرَاء قلت: سُبْحَانَ الله مَا أقرب هَذَا الْكَلَام، إِلَى السُّقُوط، فَمِنْهُ يشم أثر التعصب، وَكَيف لَا يكون وَاجِبا والشارع يَقُول الْوتر حق، أَي: وَاجِب ثَابت، وَالدَّلِيل على هَذَا الْمَعْنى. قَوْله: (فَمن لم يُوتر فَلَيْسَ منا؟) وَهَذَا وَعِيد شَدِيد، وَلَا يُقَال مثل هَذَا إلاّ فِي حق تَارِك فرض أَو وَاجِب، وَلَا سِيمَا وَقد تَأَكد ذَلِك بالتكرار ثَلَاث مَرَّات، وَمثل هَذَا الْكَلَام بِهَذِهِ التأكيدات لم يَأْتِ فِي حق السنين، فَسقط بذلك مَا قَالَه الْخطابِيّ

وَسقط أَيْضا قَوْله: الأَصْل عدم الْوُجُوب حَتَّى يقوم دَلِيله، فَهَذَا الْقَائِل وقف على دَلِيله وَلَكِن اتبع هَوَاهُ لغيره، فَالْحق أَحَق أَن يتبع، وَالْجَوَاب عَن خبر عبَادَة أَنه إِنَّمَا كذب الرجل فِي قَوْله كوجوب الصَّلَاة، وَلم يقل أحد: أَن الْوتر وَاجِب كوجوب الصَّلَاة. فَإِن قلت: قَالَ النَّجْم النَّسَفِيّ صَاحب الْمَنْظُومَة.

(وَالْوتر فرض وبدا بِذكرِهِ ... فِي فجره فَسَاد فرض فجره)

قلت: مَعْنَاهُ: فرض عملا، سنة سَببا وَاجِب علما. وَأما خبر طَلْحَة بن عبيد الله فَكَأَنَّهُ قبل وجوب الْوتر بِدَلِيل أَنه لم يذكر فِيهِ الْحَج، فَدلَّ على أَنه مُتَقَدم على وجوب الْحَج، وَلَفْظَة: (زادكم صَلَاة) مشعرة بتأخر وجوب الْوتر، وَأما خبر أنس فَلَا نزاع فِيهِ أَنه كَانَ قبل الْوُجُوب، وَمن الدَّلِيل على وُجُوبه مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد: حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن مُوسَى أخبرنَا عِيسَى عَن زَكَرِيَّا عَن أبي إِسْحَاق عَن عَاصِم وَعَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (يَا أهل الْقُرْآن أوتروا فَإِن الله وتر يحب الْوتر) ، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث حسن وَقَوله: (أوتروا) أَمر، وَهُوَ للْوُجُوب. فَإِن قلت: قَالَ الْخطابِيّ: تَخْصِيصه أهل الْقُرْآن بِالْأَمر فِيهِ يدل على أَن الْوتر غير وَاجِب، وَلَو كَانَ وَاجِبا لَكَانَ عَاما، وَأهل الْقُرْآن فِي عرف النَّاس هم الْقُرَّاء والحفاظ دون الْعَوام. قلت: أهل الْقُرْآن بِحَسب اللُّغَة يتَنَاوَل كل من مَعَه شَيْء من الْقُرْآن وَلَو كَانَ آيَة، فَيدْخل فِيهِ الْحفاظ وَغَيرهم، على أَن الْقُرْآن كَانَ فِي زَمَنه، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، مفرقا بَين الصَّحَابَة: وَبِهَذَا التَّأْوِيل الْفَاسِد لَا يبطل مُقْتَضى الْأَمر الدَّال على الْوُجُوب، وَلَا سِيمَا تَأَكد الْأَمر بالوتر بمحبة الله إِيَّاه بقوله: (فَإِن الله وتر يحب الْوتر) .

وَمِنْهَا: مَا أخرجه الطَّحَاوِيّ قَالَ: حَدثنَا يُونُس، قَالَ: حَدثنَا ابْن وهب، قَالَ: حَدثنَا ابْن لَهِيعَة وَاللَّيْث عَن يزِيد ابْن أبي حبيب عَن عبد الله بن رَاشد عَن عبد الله بن أبي مرّة: عَن خَارِجَة بن حذافة الْعَدوي، أَنه قَالَ: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: (إِن الله قد أمدكم بِصَلَاة هِيَ خير لكم من حمر النعم، مَا بَين صَلَاة الْعشَاء إِلَى طُلُوع الْفجْر الْوتر الْوتر، مرَّتَيْنِ) وَهَذَا سَنَد صَحِيح. فَإِن قلت: كَيفَ تَقول: صَحِيح، وَفِيه ابْن لَهِيعَة وَفِيه مقَال؟ قلت: ذكر ابْن لَهِيعَة فِي هَذَا وَعدم ذكره سَوَاء، والعمدة على اللَّيْث بن سعد، وَلِهَذَا أخرجه التِّرْمِذِيّ وَلم يذكر ابْن لَهِيعَة، فَقَالَ: حَدثنَا قُتَيْبَة، قَالَ: حَدثنَا اللَّيْث بن سعد عَن يزِيد بن أبي حبيب عَن عبد الله بن رَاشد الزرقي (عَن خَارِجَة بن حذافة، قَالَ: خرج علينا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: (إِن الله أمدكم بِصَلَاة هِيَ خير لكم من حمر النعم: الْوتر، جعله الله لكم فِيمَا بَين صَلَاة الْعشَاء إِلَى أَن يطلع الْفجْر) . وَقَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيث خَارِجَة بن حذافة حَدِيث غَرِيب لَا نعرفه إلاّ من حَدِيث يزِيد بن أبي حبيب، وَقد وهم بعض الْمُحدثين فِي هَذَا الحَدِيث، فَقَالَ عبد الله بن رَاشد الزرقي: وَهُوَ وهم. وَأخرجه الْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) وَقَالَ: صَحِيح الْإِسْنَاد، وَلم يخرجَاهُ لِتَفَرُّد التَّابِعِيّ من الصَّحَابِيّ قلت: كَأَنَّهُ يُشِير إِلَى أَن خَارجه تفرد عَنهُ ابْن أبي مرّة، وَلَيْسَ كَذَلِك، فَإِن أَبَا عبيد الله مُحَمَّد بن الرّبيع الجيزي فِي (كتاب الصَّحَابَة) تأليفه، روى عَنهُ أَيْضا عبد الرَّحْمَن بن جُبَير، قَالَ: وَلم يرو عَنهُ غير أهل مصر، وَقَالَ أَبُو زيد فِي (كتاب الْأَسْرَار) : هُوَ حَدِيث مَشْهُور، وَلما أخرجه أَبُو دَاوُد سكت عَنهُ، وَمن عَادَته إِذا سكت عَن حَدِيث أخرجه يدل على صِحَّته عِنْده وَرضَاهُ بِهِ، فَإِن قلت: أعل ابْن الْجَوْزِيّ فِي التَّحْقِيق هَذَا الحَدِيث بِعَبْد الله بن رَاشد، وَنقل عَن الدَّارَقُطْنِيّ أَنه ضعفه، وَقَالَ البُخَارِيّ: لَا نَعْرِف لإسناد هَذَا الحَدِيث سَماع بَعضهم من بعض. قلت: عبد الله بن رَاشد وَثَّقَهُ ابْن حبَان وَالْحَاكِم، وَالدَّارَقُطْنِيّ أخرج حَدِيثه هَذَا وَلم يتَعَرَّض إِلَيْهِ بِشَيْء، وَإِنَّمَا تعرض للْحَدِيث الَّذِي أخرجه عَن ابْن عَبَّاس، فَقَالَ: حَدثنَا الْحُسَيْن بن إِسْمَاعِيل حَدثنَا مُحَمَّد بن خلف حَدثنَا أَبُو يحيى الْحمانِي عبد الحميد حَدثنَا النَّضر أَبُو عمر عَن عِكْرِمَة (عَن ابْن عَبَّاس: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خرج إِلَيْهِم يرى الْبشر وَالسُّرُور فِي وَجهه، فَقَالَ: إِن الله أمدكم بِصَلَاة وَهِي الْوتر) . النَّضر أَبُو عمر الخراز ضَعِيف، وَهَذَا الحَدِيث مِمَّا يُقَوي حَدِيث خَارِجَة الْمَذْكُور ويزيده قُوَّة فِي صِحَّته. فَإِن قلت: قَالَ الْخطابِيّ. قَوْله: (أمدكم بِصَلَاة) ، يدل على أَنَّهَا غير لَازِمَة لَهُم، وَلَو كَانَت وَاجِبَة لخرج الْكَلَام فِيهِ على صِيغَة لفظ الْإِلْزَام، فَيَقُول: ألزمكم، أَو: فرض عَلَيْكُم أَو نَحْو ذَلِك وَقد روى أَيْضا فِي الحَدِيث: (إِن الله قد زادكم صَلَاة لم تَكُونُوا تصلونها قبل ذَلِك على تِلْكَ الصُّورَة والهيئة وَهِي الْوتر) . قلت: لَا نسلم أَن قَوْله: (أمدكم بِصَلَاة) ، يدل على أَنَّهَا غير لَازِمَة، بل يدل على أَنَّهَا لَازِمَة، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، نسب ذَلِك إِلَى الله تَعَالَى، فَلَا يكون ذَلِك إلاّ وَاجِبا. وَتَعْيِين الْعبارَة لَيْسَ بِشَرْط فِي الْوُجُوب قَوْله: وَمَعْنَاهُ

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قَوْلُهُ: (وَكَأَنَّ) بِتَشْدِيدِ النُّونِ.

قَوْلُهُ: (بِأُذُنَيْهِ) أَيْ لِقُرْبِ صَلَاتِهِ مِنَ الْأَذَانِ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الْإِقَامَةُ، فَالْمَعْنَى أَنَّهُ كَانَ يُسْرِعُ بِرَكْعَتَيِ الْفَجْرِ إِسْرَاعَ مَنْ يَسْمَعُ إِقَامَةَ الصَّلَاةِ خَشْيَةَ فَوَاتِ أَوَّلِ الْوَقْتِ، وَمُقْتَضَى ذَلِكَ تَخْفِيفُ الْقِرَاءَةِ فِيهِمَا، فَيَحْصُلُ بِهِ الْجَوَابُ عَنْ سُؤَالِ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ قَدْرِ الْقِرَاءَةِ فِيهِمَا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: أَنَّ أَنَسًا قَالَ لِابْنِ عُمَرَ: إِنِّي لَسْتُ عَنْ هَذَا أَسْأَلُكَ، قَالَ: إِنَّكَ لَضَخْمٌ أَلَا تَدَعُنِي أَسْتَقْرِئُ لَكَ الْحَدِيثَ. وَيُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا جَوَابُ السَّائِلِ بِأَكْثَرَ مِمَّا سَأَلَ عَنْهُ إِذَا كَانَ مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، وَمِنْ قَوْلِهِ: إِنَّكَ لَضَخْمٌ أَنَّ السَّمِينَ فِي الْغَالِبِ يَكُونُ قَلِيلَ الْفَهْمِ.

قَوْلُهُ: (قَالَ حَمَّادٌ) أَيِ ابْنُ زَيْدٍ الرَّاوِي، وَهُوَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ.

قَوْلُهُ: (بِسُرْعَةٍ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَأَبِي الْوَقْتِ، وَابْنِ شَبُّوَيْهِ، وَلِغَيْرِهِمْ: سُرْعَةٌ بِغَيْرِ مُوَحَّدَةٍ، وَهُوَ تَفْسِيرٌ مِنَ الرَّاوِي لِقَوْلِهِ: كَانَ الْأَذَانُ بِأُذُنَيْهِ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا تَقَدَّمَ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَبِي) هُوَ حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، وَمُسْلِمٌ هُوَ أَبُو الضُّحَى لَا ابْنُ كَيْسَانَ.

قَوْلُهُ: (كُلَّ اللَّيْلِ) بِنَصْبِ كُلِّ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ. وَبِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ وَالْجُمْلَةُ خَبَرُهُ، وَالتَّقْدِيرُ: أَوْتَرَ فِيهِ. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ: مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ قَدْ أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ وَأَوْسَطِهِ وَآخِرِهِ فَانْتَهَى وِتْرُهُ إِلَى السَّحَرِ، وَالْمُرَادُ بِأَوَّلِهِ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ كَمَا تَقَدَّمَ.

قَوْلُهُ: (إِلَى السَّحَرِ) زَادَ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ: حِينَ مَاتَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اخْتِلَافُ وَقْتِ الْوِتْرِ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ، فَحَيْثُ أَوْتَرَ فِي أَوَّلِهِ لَعَلَّهُ كَانَ وَجَعًا، وَحَيْثُ أَوْتَرَ وَسَطَهُ لَعَلَّهُ كَانَ مُسَافِرًا، وَأَمَّا وِتْرُهُ فِي آخِرِهِ فَكَأَنَّهُ كَانَ غَالِبَ أَحْوَالِهِ، لِمَا عُرِفَ مِنْ مُوَاظَبَتِهِ عَلَى الصَّلَاةِ فِي أَكْثَرِ اللَّيْلِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالسَّحَرُ قُبَيْلَ الصُّبْحِ، وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّهُ السُّدُسُ الْأَخِيرُ، وَقِيلَ: أَوَّلُهُ الْفَجْرُ الْأَوَّلُ، وَفِي رِوَايَةِ طَلْحَةَ بْنِ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ: فَلَمَّا انْفَجَرَ الْفَجْرُ قَامَ فَأَوْتَرَ بِرَكْعَةٍ. قَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: الْمُرَادُ بِهِ الْفَجْرُ الْأَوَّلُ، وَرَوَى أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذٍ مَرْفُوعًا: زَادَنِي رَبِّي صَلَاةً وَهِيَ الْوِتْرُ، وَقْتُهَا مِنَ الْعِشَاءِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ، وَكَذَا فِي حَدِيثِ خَارِجَةَ بْنِ حُذَافَةَ فِي السُّنَنِ، وَهُوَ الَّذِي احْتَجَّ بِهِ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِ الْوِتْرِ، وَلَيْسَ صَرِيحًا فِي الْوُجُوبِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا حَدِيثُ بُرَيْدَةَ رَفَعَهُ: الْوِتْرُ حَقٌّ، فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا، وَأَعَادَ ذَلِكَ ثَلَاثًا. فَفِي سَنَدِهِ أَبُو الْمُنِيبِ وَفِيهِ ضَعْفٌ، وَعَلَى تَقْدِيرِ قَبُولِهِ فَيَحْتَاجُ مَنِ احْتَجَّ بِهِ إِلَى أَنْ يُثْبِتَ أَنَّ لَفْظَ: حَقٍّ بِمَعْنَى وَاجِبٍ فِي عُرْفِ الشَّارِعِ، وَأَنَّ لَفْظَ وَاجِبٍ بِمَعْنَى مَا ثَبَتَ مِنْ طَرِيقِ الْآحَادِ.

٣ - بَاب إِيقَاظِ النَّبِيِّ أَهْلَهُ بِالْوِتْرِ

٩٩٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ يُصَلِّي وَأَنَا رَاقِدَةٌ مُعْتَرِضَةً عَلَى فِرَاشِهِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُوتِرَ أَيْقَظَنِي فَأَوْتَرْتُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ إِيقَاظِ النَّبِيِّ أَهْلَهُ بِالْوِتْرِ). فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ. لِلْوِتْرِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) هُوَ الْقَطَّانُ، وَهِشَامٌ هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ.

قَوْلُهُ: (وَأَنَا رَاقِدَةٌ مُعْتَرِضَةٌ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي سُتْرَةِ الْمُصَلِّي.

قَوْلُهُ: (أَيْقَظَنِي فَأَوْتَرْتُ) أَيْ فَقُمْتُ فَتَوَضَّأْتُ فَأَوْتَرْتُ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى اسْتِحْبَابِ جَعْلِ الْوِتْرِ آخِرَ اللَّيْلِ سَوَاءٌ الْمُتَهَجِّدُ وَغَيْرُهُ، وَمَحَلُّهُ إِذَا وَثِقَ أَنْ يَسْتَيْقِظَ بِنَفْسِهِ أَوْ بِإِيقَاظِ غَيْرِهِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى وُجُوبِ الْوِتْرِ لِكَوْنِهِ سَلَكَ بِهِ مَسْلَكَ الْوَاجِبِ حَيْثُ لَمْ يَدَعْهَا نَائِمَةً لِلْوِتْرِ وَأَبْقَاهَا لِلتَّهَجُّدِ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ الْوُجُوبُ، نَعَمْ يَدُلُّ عَلَى تَأَكُّدِ أَمْرِ الْوِتْرِ، وَأَنَّهُ فَوْقَ غَيْرِهِ مِنَ النَّوَافِلِ اللَّيْلِيَّةِ، وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ إِيقَاظِ النَّائِمِ لِإِدْرَاكِ الصَّلَاةِ، وَلَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالْمَفْرُوضَةِ وَلَا بِخَشْيَةِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

منافٍ لقولهم: يُسَنُّ جعله آخرَ صلاة اللَّيل، وقد عُلِم أنَّ التَّهجُّد في النِّصف الثَّاني أفضل، فيكون مستحبًّا، ووقتُه المختار إلى ما ذكر، وحمل البُلقينيُّ ذلك على مَن لا يريد التَّهجُّد.

ورواة هذا الحديث كلُّهم كوفيُّون، وفيه: ثلاثٌة من التَّابعين يروي بعضهم عن بعضٍ، الأعمش ومسروقٌ ومسلمٌ، والتَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه مسلمٌ وأبو داود في «الصَّلاة».

(٣) (بابُ إِيقَاظِ النَّبِيِّ أَهْلَهُ بِالوِتْرِ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «للوتر» باللَّام بدل الموحَّدة، و «إيقاظ» مصدرٌ مضافٌ لفاعله، و «أهله» مفعوله.

٩٩٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى) القطَّان (قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ) هو ابن عروة (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) عروةُ بنُ الزُّبيرِ بنِ العوَّامِ (عَنْ عَائِشَةَ) (قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ يُصَلِّي) صلاةَ اللَّيل (وَأَنَا رَاقِدَةٌ) حال كوني (مُعْتَرِضَةً عَلَى فِرَاشِهِ) ولأبي ذرٍّ: «معترضةٌ» بالرَّفع (فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُوتِرَ أَيْقَظَنِي) فقمت وتوضَّأت (فَأَوْتَرْتُ) امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ﴾ [طه: ١٣٢] واستُدِلَّ به على جعلِ الوترِ آخرَ اللَّيلِ ولو نام قبلَه، سواءٌ تهجَّد -أي: صلَّى بعد الهجود، أي: النَّوم- أو لم يتهجَّد، ومحلُّه إذا وثق (١) أن يستيقظَ بنفسه أو بإيقاظِ غيره، ولا يلزم من إيقاظه لها لأجل الوتر وجوبه. نعم يدلُّ على تأكيده وأنَّه فوقَ غيره من النَّوافل.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع، وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم كوفيون. وَفِيه: ثَلَاثَة من التَّابِعين يروي بَعضهم عَن بعض وهم: الْأَعْمَش وَمُسلم ومسروق.

ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَأبي كريب، كِلَاهُمَا عَن أبي مُعَاوِيَة عَن الْأَعْمَش بِهِ وَعَن عَليّ بن حجر وَعَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن أَحْمد بن يُونُس عَن أبي بكر بن عَيَّاش عَن الْأَعْمَش بِهِ.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (كل اللَّيْل) ، يجوز فِي: كل، الرّفْع وَالنّصب. أما الرّفْع فعلى أَنه مُبْتَدأ وَالْجُمْلَة بعده خَبره، وَأما النصب فعلى الظَّرْفِيَّة لقَوْله: (أوتر) ، وَالْمرَاد مِنْهُ أَنه أوتر فِي جَمِيع اللَّيْل أَو فِي جَمِيع سَاعَات اللَّيْل، يَعْنِي: إِمَّا أَن يُرَاد بِهِ جزئيات اللَّيْل أَو أجزاؤه. وَفِي رِوَايَة مُسلم عَن مَسْرُوق، (عَن عَائِشَة قَالَت: من كل اللَّيْل قد أوتر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وانْتهى وتره إِلَى السحر) . وَله عَن عَائِشَة: (من كل اللَّيْل، قد أوتر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، من أول اللَّيْل وأوسطه وَآخره، فَانْتهى وتره إِلَى السحر) ، وَله فِي رِوَايَة أُخْرَى قَالَت: (كل اللَّيْل قد أوتر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَانْتهى وتره إِلَى آخر اللَّيْل) . وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد عَن مَسْرُوق قَالَ: قلت لعَائِشَة: مَتى كَانَ يُوتر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ قَالَت: كل ذَلِك قد فعل: أوتر أول اللَّيْل وأوسطه وَآخره، وَلَكِن انْتهى وتره حِين مَاتَ إِلَى السحر) . انْتهى. قلت: قد يكون أوتر من أَوله لشكوى حصلت، وَفِي وَسطه لاستيقاظه إِذْ ذَاك وَآخره غَايَة لَهُ، وَمعنى قَوْله: وانْتهى وتره إِلَى السحر أَي: كَانَ آخر أمره صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه أخر الْوتر إِلَى آخر اللَّيْل، وَيُقَال: فعله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أول اللَّيْل وأوسطه، بَيَان للْجُوَاز، وتأخيره إِلَى آخر اللَّيْل تَنْبِيه على الْأَفْضَل لمن يَثِق بالانتباه، وَكَانَ بعض السّلف يوترون أول اللَّيْل، مِنْهُم: أَبُو بكر وَعُثْمَان وَأَبُو هُرَيْرَة وَرَافِع بن خديج، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَبَعْضهمْ يوترون آخر اللَّيْل مِنْهُم: عمر بن الْخطاب وَعلي بن أبي طَالب وَابْن مَسْعُود وَأَبُو الدَّرْدَاء وَابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَغَيرهم من التَّابِعين، وَأما أمره صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأبي هُرَيْرَة بالوتر قبل النّوم فَهُوَ اخْتِيَار مِنْهُ لَهُ حِين خشِي عَلَيْهِ من اسْتِيلَاء النّوم، فَأمره بِالْأَخْذِ بالثقة، وَالتَّرْغِيب فِي الْوتر فِي آخر اللَّيْل هُوَ لمن قوي عَلَيْهِ، وَلم تكن عَادَته أَن تغلبه عَيناهُ، وَعند ابْن خُزَيْمَة من حَدِيث أبي قَتَادَة: (أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لأبي بكر، مَتى توتر؟ قَالَ: قبل أَن أَنَام. وَقَالَ لعمر: مَتى توتر؟ فَقَالَ: أَنَام ثمَّ أوتر. فَقَالَ لأبي بكر أخذت بالحزم أَو بالوثيقة، وَقَالَ لعمر: أخذت بِالْقُوَّةِ، وَقَالَ الْخطابِيّ: حَدثنَا مُحَمَّد بن هِشَام حَدثنَا الديري عَن عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج أَخْبرنِي ابْن شهَاب عَن ابْن الْمسيب: (أَن أَبَا بكر وَعمر تذاكرا الْوتر عِنْد النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالَ أَبُو بكر: أما أَنا فَإِنِّي أَنَام على وتر فَإِن استيقظت صليت شفعا حَتَّى الصَّباح. وَقَالَ عمر: لَكِن أَنَام على شفع ثمَّ أوتر فِي السحر. فَقَالَ النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأبي بكر: حذر هَذَا، ولعمر: قوي هَذَا) . وَفِي فَوَائِد سمويه من حَدِيث ابْن عقيل (عَن جَابر: أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لأبي بكر: أَي حِين توتر؟ قَالَ: أول اللَّيْل بعد الْعَتَمَة) . وَقد ذكرنَا الِاخْتِلَاف فِي أول وَقت الْوتر، وَآخره فِي الْبَاب الَّذِي قبله.

٣ - (بابُ إيقَاظِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أهْلَهُ بالوِتْرِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إيقاظ النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، والإيقاظ مصدر مُضَاف إِلَى فَاعله، وَقَوله: (أَهله) بِالنّصب مَفْعُوله، قَوْله: (بالوتر) بِالْبَاء الْمُوَحدَة، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (للوتر) ، بِاللَّامِ.

٧٩٩ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يَحْيَى قَالَ حدَّثنا هِشَامٌ قَالَ حدَّثني أبي عنْ عائِشَةَ قَالتْ كانَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُصَلِّي وَأَنا رَاقِدَةٌ مُعْترِضَةً عَلَى فِرَاشِهِ فإذَا أرَادَ أنْ يُوتِرَ أيْقَظَنِي فأوْتَرْتُ..

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَفَائِدَة وضع هَذِه التَّرْجَمَة الْإِشَارَة إِلَى أَن الْمُسْتَحبّ لكل أحد أَن يوقظ امْرَأَته لأجل صَلَاة الْوتر إِذا نَامَتْ قبل الإيتار. وَفِيه تَأْكِيد لأمر الْوتر والامتثال لقَوْله تَعَالَى: {وَأمر أهلك بِالصَّلَاةِ} (طه: ٢٣١) . وَفِيه مَشْرُوعِيَّة الْوتر فِي حق النِّسَاء.

وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَيحيى هُوَ الْقطَّان، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة، وَعُرْوَة هُوَ ابْن الزبير بن الْعَوام، وَقد ذكر

البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد والمتن جَمِيعًا فِي: بَاب الصَّلَاة خلف النَّائِم، وَقد استقصينا الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.

قَوْله: (فأوترت) الْفَاء فِيهِ تسمى: فَاء الفصيحة، فتقديره: فَقُمْت وتوضأت فأوترت.

٤ - (بابٌ لِيَجْعَلَ آخِرَ صلَاتِهِ وِتْرا)

أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته ليجعل إِلَى آخِره أَي: ليجعل الْمُصَلِّي آخر صلَاته بِاللَّيْلِ صَلَاة الْوتر.

٨٩٩ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يحْيَى بنُ سَعِيدٍ عنْ عُبَيْدِ الله قَالَ حدَّثني نافِعٌ عنْ عَبْدِ الله عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرا.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَن التَّرْجَمَة مَأْخُوذَة مِنْهُ. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَيحيى بن سعيد الْقطَّان، وَعبيد الله ابْن حَفْص بن عَاصِم بن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن زُهَيْر بن حَرْب وَمُحَمّد بن الْمثنى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن أَحْمد بن حَنْبَل، وَفِي رِوَايَته بعد قَوْله: (وترا، فَإِن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كَانَ يَأْمر بذلك) .

وَيُسْتَفَاد مِنْهُ حكمان: الأول: اسْتِحْبَاب تَأْخِير الْوتر، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ. وَالثَّانِي: فِيهِ الدّلَالَة على وجوب الْوتر.

وَاخْتلف الْعلمَاء فِيهِ، فَقَالَ القَاضِي أَبُو الطّيب: إِن الْعلمَاء كَافَّة قَالَت: إِنَّه سنة، حَتَّى أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد، وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَحده: هُوَ وَاجِب وَلَيْسَ بِفَرْض. وَقَالَ أَبُو حَامِد فِي تَعْلِيقه: الْوتر سنة مُؤَكدَة لَيْسَ بِفَرْض وَلَا وَاجِب، وَبِه قَالَت الإئمة كلهَا إلاّ أَبَا حنيفَة. وَقَالَ بَعضهم: وَقد اسْتدلَّ بِهَذَا الحَدِيث بعض من قَالَ بِوُجُوبِهِ، وَتعقب بِأَن صَلَاة اللَّيْل لَيست وَاجِبَة ... إِلَى آخِره، وَبِأَن الأَصْل عدم الْوُجُوب حَتَّى يقوم دَلِيله. وَقَالَ الْكرْمَانِي أَيْضا مَا يشبه هَذَا. قلت: هَذَا كُله من آثَار التعصب، فَكيف يَقُول القَاضِي أَبُو الطّيب وَأَبُو حَامِد، وهما إمامان مشهوران، بِهَذَا الْكَلَام الَّذِي لَيْسَ بِصَحِيح وَلَا قريب من الصِّحَّة؟ وَأَبُو حنيفَة لم ينْفَرد بذلك، هَذَا القَاضِي أَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ ذكر عَن سَحْنُون وَأصبغ بن الْفرج وُجُوبه، وَحكى ابْن حزم أَن مَالِكًا قَالَ: من تَركه أُدِّبَ، وَكَانَت جرحه فِي شَهَادَته، وَحَكَاهُ ابْن قدامَة فِي (الْمُغنِي) عَن أَحْمد، وَفِي (المُصَنّف) عَن مُجَاهِد بِسَنَد صَحِيح: هُوَ وَاجِب وَلم يكْتب، وَعَن ابْن عمر بِسَنَد صَحِيح: مَا أحب أَنِّي تركت الْوتر وَأَن لي حمر النعم، وَحكى ابْن بطال وُجُوبه عَن أهل الْقُرْآن عَن ابْن مَسْعُود وَحُذَيْفَة وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، وَعَن يُوسُف بب خَالِد السَّمْتِي شيخ الشَّافِعِي وُجُوبه، وَحَكَاهُ ابْن أبي شيبَة أَيْضا عَن سعيد بن الْمسيب وَأبي عُبَيْدَة بن عبد الله بن مَسْعُود وَالضَّحَّاك. انْتهى.

فَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك، كَيفَ يجوز لأبي الطّيب وَلأبي حَامِد أَن يدعيا هَذِه الدَّعْوَى الْبَاطِلَة؟ فَهَذَا يدل على عدم اطلاعهما، فِيمَا ذكرنَا، فجهل الشَّخْص بالشَّيْء لَا يَنْفِي علم غَيره بِهِ.

وَقَول من ادّعى التعقب بِأَن: صَلَاة اللَّيْل لَيست بواجبة. . إِلَى آخِره، قَول واهٍ لِأَن الدَّلَائِل قَامَت على وجوب الْوتر. مِنْهَا: مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد: حَدثنَا مُحَمَّد بن الْمثنى حَدثنَا أَبُو إِسْحَاق الطَّالقَانِي حَدثنَا الْفضل بن مُوسَى عَن عبيد الله بن عبد الله الْعَتكِي (عَن عبد الله بن بُرَيْدَة عَن أَبِيه، قَالَ: سَمِعت رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَقُول: الْوتر حق فَمن لم يُوتر فَلَيْسَ منا، الْوتر حق فَمن لم يُوتر فَلَيْسَ منا، الْوتر حق فَمن لم يُوتر فَلَيْسَ منا) . وَهَذَا حَدِيث صَحِيح، وَلِهَذَا أخرجه الْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) وَصَححهُ. فَإِن قلت: فِي إِسْنَاده أَبُو الْمُنِيب عبيد الله بن عبد الله، وَقد تكلم فِيهِ البُخَارِيّ وَغَيره. قلت: قَالَ الْحَاكِم: وَثَّقَهُ ابْن معِين، وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: سَمِعت أبي يَقُول: هُوَ صَالح الحَدِيث، وَأنكر على البُخَارِيّ إِدْخَاله فِي الضُّعَفَاء، فَهَذَا ابْن معِين إِمَام هَذَا الشَّأْن وَكفى بِهِ حجَّة فِي توثيقه إِيَّاه. فَإِن قلت: قَالَ الْخطابِيّ: قد دلّت الْأَخْبَار الصَّحِيحَة على أَنه لم يرد بِالْحَقِّ الْوُجُوب الَّذِي لَا يسع غَيره. مِنْهَا: خبر عبَادَة بن الصَّامِت لما بلغه أَن أَبَا مُحَمَّد، رجلا من الْأَنْصَار، يَقُول: (الْوتر حق، فَقَالَ: كذب أَبُو مُحَمَّد، ثمَّ روى عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي عدد الصَّلَوَات الْخمس. وَمِنْهَا: خبر طَلْحَة بن عبيد الله فِي سُؤال الْأَعرَابِي. وَمِنْهَا: خبر أنس بن مَالك فِي فرض الصَّلَوَات لَيْلَة الْإِسْرَاء قلت: سُبْحَانَ الله مَا أقرب هَذَا الْكَلَام، إِلَى السُّقُوط، فَمِنْهُ يشم أثر التعصب، وَكَيف لَا يكون وَاجِبا والشارع يَقُول الْوتر حق، أَي: وَاجِب ثَابت، وَالدَّلِيل على هَذَا الْمَعْنى. قَوْله: (فَمن لم يُوتر فَلَيْسَ منا؟) وَهَذَا وَعِيد شَدِيد، وَلَا يُقَال مثل هَذَا إلاّ فِي حق تَارِك فرض أَو وَاجِب، وَلَا سِيمَا وَقد تَأَكد ذَلِك بالتكرار ثَلَاث مَرَّات، وَمثل هَذَا الْكَلَام بِهَذِهِ التأكيدات لم يَأْتِ فِي حق السنين، فَسقط بذلك مَا قَالَه الْخطابِيّ

وَسقط أَيْضا قَوْله: الأَصْل عدم الْوُجُوب حَتَّى يقوم دَلِيله، فَهَذَا الْقَائِل وقف على دَلِيله وَلَكِن اتبع هَوَاهُ لغيره، فَالْحق أَحَق أَن يتبع، وَالْجَوَاب عَن خبر عبَادَة أَنه إِنَّمَا كذب الرجل فِي قَوْله كوجوب الصَّلَاة، وَلم يقل أحد: أَن الْوتر وَاجِب كوجوب الصَّلَاة. فَإِن قلت: قَالَ النَّجْم النَّسَفِيّ صَاحب الْمَنْظُومَة.

(وَالْوتر فرض وبدا بِذكرِهِ ... فِي فجره فَسَاد فرض فجره)

قلت: مَعْنَاهُ: فرض عملا، سنة سَببا وَاجِب علما. وَأما خبر طَلْحَة بن عبيد الله فَكَأَنَّهُ قبل وجوب الْوتر بِدَلِيل أَنه لم يذكر فِيهِ الْحَج، فَدلَّ على أَنه مُتَقَدم على وجوب الْحَج، وَلَفْظَة: (زادكم صَلَاة) مشعرة بتأخر وجوب الْوتر، وَأما خبر أنس فَلَا نزاع فِيهِ أَنه كَانَ قبل الْوُجُوب، وَمن الدَّلِيل على وُجُوبه مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد: حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن مُوسَى أخبرنَا عِيسَى عَن زَكَرِيَّا عَن أبي إِسْحَاق عَن عَاصِم وَعَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (يَا أهل الْقُرْآن أوتروا فَإِن الله وتر يحب الْوتر) ، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث حسن وَقَوله: (أوتروا) أَمر، وَهُوَ للْوُجُوب. فَإِن قلت: قَالَ الْخطابِيّ: تَخْصِيصه أهل الْقُرْآن بِالْأَمر فِيهِ يدل على أَن الْوتر غير وَاجِب، وَلَو كَانَ وَاجِبا لَكَانَ عَاما، وَأهل الْقُرْآن فِي عرف النَّاس هم الْقُرَّاء والحفاظ دون الْعَوام. قلت: أهل الْقُرْآن بِحَسب اللُّغَة يتَنَاوَل كل من مَعَه شَيْء من الْقُرْآن وَلَو كَانَ آيَة، فَيدْخل فِيهِ الْحفاظ وَغَيرهم، على أَن الْقُرْآن كَانَ فِي زَمَنه، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، مفرقا بَين الصَّحَابَة: وَبِهَذَا التَّأْوِيل الْفَاسِد لَا يبطل مُقْتَضى الْأَمر الدَّال على الْوُجُوب، وَلَا سِيمَا تَأَكد الْأَمر بالوتر بمحبة الله إِيَّاه بقوله: (فَإِن الله وتر يحب الْوتر) .

وَمِنْهَا: مَا أخرجه الطَّحَاوِيّ قَالَ: حَدثنَا يُونُس، قَالَ: حَدثنَا ابْن وهب، قَالَ: حَدثنَا ابْن لَهِيعَة وَاللَّيْث عَن يزِيد ابْن أبي حبيب عَن عبد الله بن رَاشد عَن عبد الله بن أبي مرّة: عَن خَارِجَة بن حذافة الْعَدوي، أَنه قَالَ: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: (إِن الله قد أمدكم بِصَلَاة هِيَ خير لكم من حمر النعم، مَا بَين صَلَاة الْعشَاء إِلَى طُلُوع الْفجْر الْوتر الْوتر، مرَّتَيْنِ) وَهَذَا سَنَد صَحِيح. فَإِن قلت: كَيفَ تَقول: صَحِيح، وَفِيه ابْن لَهِيعَة وَفِيه مقَال؟ قلت: ذكر ابْن لَهِيعَة فِي هَذَا وَعدم ذكره سَوَاء، والعمدة على اللَّيْث بن سعد، وَلِهَذَا أخرجه التِّرْمِذِيّ وَلم يذكر ابْن لَهِيعَة، فَقَالَ: حَدثنَا قُتَيْبَة، قَالَ: حَدثنَا اللَّيْث بن سعد عَن يزِيد بن أبي حبيب عَن عبد الله بن رَاشد الزرقي (عَن خَارِجَة بن حذافة، قَالَ: خرج علينا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: (إِن الله أمدكم بِصَلَاة هِيَ خير لكم من حمر النعم: الْوتر، جعله الله لكم فِيمَا بَين صَلَاة الْعشَاء إِلَى أَن يطلع الْفجْر) . وَقَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيث خَارِجَة بن حذافة حَدِيث غَرِيب لَا نعرفه إلاّ من حَدِيث يزِيد بن أبي حبيب، وَقد وهم بعض الْمُحدثين فِي هَذَا الحَدِيث، فَقَالَ عبد الله بن رَاشد الزرقي: وَهُوَ وهم. وَأخرجه الْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) وَقَالَ: صَحِيح الْإِسْنَاد، وَلم يخرجَاهُ لِتَفَرُّد التَّابِعِيّ من الصَّحَابِيّ قلت: كَأَنَّهُ يُشِير إِلَى أَن خَارجه تفرد عَنهُ ابْن أبي مرّة، وَلَيْسَ كَذَلِك، فَإِن أَبَا عبيد الله مُحَمَّد بن الرّبيع الجيزي فِي (كتاب الصَّحَابَة) تأليفه، روى عَنهُ أَيْضا عبد الرَّحْمَن بن جُبَير، قَالَ: وَلم يرو عَنهُ غير أهل مصر، وَقَالَ أَبُو زيد فِي (كتاب الْأَسْرَار) : هُوَ حَدِيث مَشْهُور، وَلما أخرجه أَبُو دَاوُد سكت عَنهُ، وَمن عَادَته إِذا سكت عَن حَدِيث أخرجه يدل على صِحَّته عِنْده وَرضَاهُ بِهِ، فَإِن قلت: أعل ابْن الْجَوْزِيّ فِي التَّحْقِيق هَذَا الحَدِيث بِعَبْد الله بن رَاشد، وَنقل عَن الدَّارَقُطْنِيّ أَنه ضعفه، وَقَالَ البُخَارِيّ: لَا نَعْرِف لإسناد هَذَا الحَدِيث سَماع بَعضهم من بعض. قلت: عبد الله بن رَاشد وَثَّقَهُ ابْن حبَان وَالْحَاكِم، وَالدَّارَقُطْنِيّ أخرج حَدِيثه هَذَا وَلم يتَعَرَّض إِلَيْهِ بِشَيْء، وَإِنَّمَا تعرض للْحَدِيث الَّذِي أخرجه عَن ابْن عَبَّاس، فَقَالَ: حَدثنَا الْحُسَيْن بن إِسْمَاعِيل حَدثنَا مُحَمَّد بن خلف حَدثنَا أَبُو يحيى الْحمانِي عبد الحميد حَدثنَا النَّضر أَبُو عمر عَن عِكْرِمَة (عَن ابْن عَبَّاس: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خرج إِلَيْهِم يرى الْبشر وَالسُّرُور فِي وَجهه، فَقَالَ: إِن الله أمدكم بِصَلَاة وَهِي الْوتر) . النَّضر أَبُو عمر الخراز ضَعِيف، وَهَذَا الحَدِيث مِمَّا يُقَوي حَدِيث خَارِجَة الْمَذْكُور ويزيده قُوَّة فِي صِحَّته. فَإِن قلت: قَالَ الْخطابِيّ. قَوْله: (أمدكم بِصَلَاة) ، يدل على أَنَّهَا غير لَازِمَة لَهُم، وَلَو كَانَت وَاجِبَة لخرج الْكَلَام فِيهِ على صِيغَة لفظ الْإِلْزَام، فَيَقُول: ألزمكم، أَو: فرض عَلَيْكُم أَو نَحْو ذَلِك وَقد روى أَيْضا فِي الحَدِيث: (إِن الله قد زادكم صَلَاة لم تَكُونُوا تصلونها قبل ذَلِك على تِلْكَ الصُّورَة والهيئة وَهِي الْوتر) . قلت: لَا نسلم أَن قَوْله: (أمدكم بِصَلَاة) ، يدل على أَنَّهَا غير لَازِمَة، بل يدل على أَنَّهَا لَازِمَة، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، نسب ذَلِك إِلَى الله تَعَالَى، فَلَا يكون ذَلِك إلاّ وَاجِبا. وَتَعْيِين الْعبارَة لَيْسَ بِشَرْط فِي الْوُجُوب قَوْله: وَمَعْنَاهُ

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 20 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 21.2 / 29.5
الإضاءة 60%
الهلال الجديد بعد 8 يوم
سبحان الله