«اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا». بَابُ الْوِتْرِ عَلَى…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٩٩٨

الحديث رقم ٩٩٨ من كتاب «كتاب الوتر» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ليجعل آخر صلاته وترا.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا». باب الوتر…

«اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا».

بَابُ الْوِتْرِ عَلَى الدَّابَّةِ

سند حديث: ٩٩٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا…

٩٩٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ عَنِ النَّبِيِّ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا». باب الوتر…

سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب على الْمِنْبَرِ، عن عدد ركعات صلاة الليل، وكيفيتها، فمن حرصه صلى الله عليه وسلم على نفع الناس، ونشر العلم فيهم، أجابه وهو في ذاك المكان، فقال: صلاة الليل مَثْنَى مَثْنَى، أي يسلم فيها المصلي من كل ركعتين، فإذا خشي طلوع الصبح، صلى ركعة واحدة فأوترت له ما صلى قبلها من الليل.
ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يختم العبد صلاة الليل بالوِتْر؛ إشارة منه -عليه الصلاة والسلام- بأن يختم الموفَّق حياته بالتوحيد.
وهناك صيغ أخرى لكيفية قيام الليل والوتر.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • السنة التي دل عليها الحديث أن تكون صلاة الليل، ركعتين ركعتين.
  • أن الوتر يكون آخر صلاة الليل لمن وثق من نفسه بالقيام.
  • أن وقت الوتر ينتهي بطلوع الفجر.
  • الأفضل أن يكون الوتر بعد صلاة شفع, ويجوز الاقتصار في الوتر على ركعة واحدة.
  • استحباب الوتر، وأنه من أفضل التطوعات، لكثرة النصوص في الأمر به وفضله، وكون النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يتركه في حضر ولا سفر.
  • أن السنة أن لا تنقص صلاة النافلة عن ركعتين, ويستثنى من ذلك الوتر.
  • جواز سؤال الخطيب على المِنْبر وإجابته.
  • إجابة السائل على مشهد من الناس لتعميم الفائدة.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا». باب الوتر…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

خُرُوجِ الْوَقْتِ بَلْ يُشْرَعُ ذَلِكَ لِإِدْرَاكِ الْجَمَاعَةِ وَإِدْرَاكِ أَوَّلِ الْوَقْتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَنْدُوبَاتِ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ وَاجِبٌ فِي الْوَاجِبِ مَنْدُوبٌ فِي الْمَنْدُوبِ، لِأَنَّ النَّائِمَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُكَلَّفًا لَكِنْ مَانِعُهُ سَرِيعُ الزَّوَالِ، فَهُوَ كَالْغَافِلِ، وَتَنْبِيهُ الْغَافِلِ وَاجِبٌ.

٤ - بَاب لِيَجْعَلْ آخِرَ صَلَاتِهِ وِتْرًا

٩٩٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ النَّبِيِّ ، قَالَ: اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا.

قَوْلُهُ: (بَابُ لِيَجْعَلَ آخِرَ صَلَاتِهِ وِتْرًا) أَيْ بِاللَّيْلِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ الْبَابِ فِي أَثْنَاءِ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِهِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ صَلَاةَ اللَّيْلِ لَيْسَتْ وَاجِبَةً فَكَذَا آخِرُهُ، وَبِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوُجُوبِ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُهُ.

٥ - بَاب الْوِتْرِ عَلَى الدَّابَّةِ

٩٩٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ أَسِيرُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بِطَرِيقِ مَكَّةَ، فَقَالَ سَعِيدٌ: فَلَمَّا خَشِيتُ الصُّبْحَ نَزَلْتُ فَأَوْتَرْتُ ثُمَّ لَحِقْتُهُ، فَقَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: أَيْنَ كُنْتَ؟ فَقُلْتُ: خَشِيتُ الصُّبْحَ فَنَزَلْتُ فَأَوْتَرْتُ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَلَيْسَ لَكَ فِي رَسُولِ اللَّهِ إِسْوَةٌ حَسَنَةٌ؟ فَقُلْتُ: بَلَى وَاللَّهِ. قَالَ: فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَانَ يُوتِرُ عَلَى الْبَعِيرِ.

[الحديث ٩٩٩ - أطرافه في ١٠٠٠، ١٠٩٥، ١٠٩٦، ١٠٩٨، ١١٠٥]

قَوْلُهُ: (بَابُ الْوِتْرِ عَلَى الدَّابَّةِ) لَمَّا كَانَ حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي إِيقَاظِهَا لِلْوِتْرِ، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي الْأَمْرِ بِالْوِتْرِ آخِرَ اللَّيْلِ قَدْ تَمَسَّكَ بِهِمَا بَعْضُ مَنِ ادَّعَى وُجُوبَ الْوِتْرِ عَقَّبَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الدَّالِّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، فَذَكَرَهُ فِي تَرْجَمَتَيْنِ. إِحْدَاهُمَا تَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ نَفْلًا، وَالثَّانِيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ آكَدُ مِنْ غَيْرِهِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُمَرَ) لَا يُعْرَفُ اسْمُهُ، وَهُوَ ثِقَةٌ لَيْسَ لَهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ.

قَوْلُهُ: (أَمَا لَكَ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ) فِيهِ إِرْشَادُ الْعَالِمِ لِرَفِيقِهِ مَا قَدْ يَخْفَى عَلَيْهِ مِنَ السُّنَنِ.

قَوْلُهُ: (بَلَى وَاللَّهِ) فِيهِ الْحَلِفُ عَلَى الْأَمْرِ الَّذِي يُرَادُ تَأْكِيدُهُ.

قَوْلُهُ: (كَانَ يُوتِرُ عَلَى الْبَعِيرِ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: تُرْجِمَ بِالدَّابَّةِ تَنْبِيهًا عَلَى أَنْ لَا فَرْقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْبَعِيرِ فِي الْحُكْمِ، وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْفَرْضَ لَا يُجْزِئُ عَلَى وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا. انْتَهَى.

وَلَعَلَّ الْبُخَارِيُّ أَشَارَ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ، فَسَيَأْتِي فِي أَبْوَابِ تَقْصِيرِ الصَّلَاةِ مِنْ طَرِيقِ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ عَلَى دَابَّتِهِ وَهُوَ مُسَافِرٌ وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ: قَالَ حَدَّثَنَا نَافِعٌ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُوتِرُ عَلَى دَابَّتِهِ. قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَأَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُخْبِرُ أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ.

(فَائِدَةٌ): قَالَ الطَّحَاوِيُّ ذُكِرَ عَنِ الْكُوفِيِّينَ أَنَّ الْوِتْرَ لَا يُصَلَّى عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَهُوَ خِلَافُ السُّنَّةِ الثَّابِتَةِ، وَاسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ بِرِوَايَةِ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ رَأَى ابْنَ عُمَرَ نَزَلَ فَأَوْتَرَ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُعَارِضٍ لِكَوْنِهِ أَوْتَرَ عَلَى الرَّاحِلَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا نِزَاعَ أَنَّ صَلَاتَهُ عَلَى الْأَرْضِ أَفْضَلُ، وَرَوَى

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (لِيَجْعَلْ) (١) أي: المصلِّي (آخِرَ صَلَاتِهِ) باللَّيل (وِتْرًا).

٩٩٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهَدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطَّان (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين وفتح الموحَّدة، ابن عمرَ بن حفص بن عاصم بن عمرَ، قَالَ: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ عَنْ عَبْدِ اللهِ) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «عن عبدِ الله بن عمرَ» أي (٢): ابن الخطَّاب (عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا). قيل: الحكمة فيه أنَّ أوَّل صلاة اللَّيل المغربُ وهي وترٌ، وللابتداء والانتهاء اعتبارٌ زائدٌ على اعتبار الوسط، فلو أوتر ثمَّ تهجَّد لم يُعِدْهُ لحديث أبي داود والتِّرمذيِّ وحسَّنه: «لا وتران في ليلةٍ»، ورُوِيَ عن الصِّدِّيق أنَّه قال: أمَّا أنا فأنام على وترٍ، فَإنِ استيقظت صلَّيت شفعًا حتَّى الصَّباح، ولأنَّ إعادته تُصَيِّرُ الصَّلاة كلَّها شفعًا، فيبطل المقصود منه، وكان ابن عمر ينقض وتره بركعةٍ، ثمَّ يصلِّي مَثْنى مَثْنى (٣)، ثمَّ يُوتِرُ، والأمر ليس للوجوب بقرينة صلاة اللَّيل، فإنَّها غيرُ واجبةٍ اتِّفاقًا،

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد والمتن جَمِيعًا فِي: بَاب الصَّلَاة خلف النَّائِم، وَقد استقصينا الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.

قَوْله: (فأوترت) الْفَاء فِيهِ تسمى: فَاء الفصيحة، فتقديره: فَقُمْت وتوضأت فأوترت.

٤ - (بابٌ لِيَجْعَلَ آخِرَ صلَاتِهِ وِتْرا)

أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته ليجعل إِلَى آخِره أَي: ليجعل الْمُصَلِّي آخر صلَاته بِاللَّيْلِ صَلَاة الْوتر.

٨٩٩ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يحْيَى بنُ سَعِيدٍ عنْ عُبَيْدِ الله قَالَ حدَّثني نافِعٌ عنْ عَبْدِ الله عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرا.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَن التَّرْجَمَة مَأْخُوذَة مِنْهُ. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَيحيى بن سعيد الْقطَّان، وَعبيد الله ابْن حَفْص بن عَاصِم بن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن زُهَيْر بن حَرْب وَمُحَمّد بن الْمثنى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن أَحْمد بن حَنْبَل، وَفِي رِوَايَته بعد قَوْله: (وترا، فَإِن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كَانَ يَأْمر بذلك) .

وَيُسْتَفَاد مِنْهُ حكمان: الأول: اسْتِحْبَاب تَأْخِير الْوتر، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ. وَالثَّانِي: فِيهِ الدّلَالَة على وجوب الْوتر.

وَاخْتلف الْعلمَاء فِيهِ، فَقَالَ القَاضِي أَبُو الطّيب: إِن الْعلمَاء كَافَّة قَالَت: إِنَّه سنة، حَتَّى أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد، وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَحده: هُوَ وَاجِب وَلَيْسَ بِفَرْض. وَقَالَ أَبُو حَامِد فِي تَعْلِيقه: الْوتر سنة مُؤَكدَة لَيْسَ بِفَرْض وَلَا وَاجِب، وَبِه قَالَت الإئمة كلهَا إلاّ أَبَا حنيفَة. وَقَالَ بَعضهم: وَقد اسْتدلَّ بِهَذَا الحَدِيث بعض من قَالَ بِوُجُوبِهِ، وَتعقب بِأَن صَلَاة اللَّيْل لَيست وَاجِبَة ... إِلَى آخِره، وَبِأَن الأَصْل عدم الْوُجُوب حَتَّى يقوم دَلِيله. وَقَالَ الْكرْمَانِي أَيْضا مَا يشبه هَذَا. قلت: هَذَا كُله من آثَار التعصب، فَكيف يَقُول القَاضِي أَبُو الطّيب وَأَبُو حَامِد، وهما إمامان مشهوران، بِهَذَا الْكَلَام الَّذِي لَيْسَ بِصَحِيح وَلَا قريب من الصِّحَّة؟ وَأَبُو حنيفَة لم ينْفَرد بذلك، هَذَا القَاضِي أَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ ذكر عَن سَحْنُون وَأصبغ بن الْفرج وُجُوبه، وَحكى ابْن حزم أَن مَالِكًا قَالَ: من تَركه أُدِّبَ، وَكَانَت جرحه فِي شَهَادَته، وَحَكَاهُ ابْن قدامَة فِي (الْمُغنِي) عَن أَحْمد، وَفِي (المُصَنّف) عَن مُجَاهِد بِسَنَد صَحِيح: هُوَ وَاجِب وَلم يكْتب، وَعَن ابْن عمر بِسَنَد صَحِيح: مَا أحب أَنِّي تركت الْوتر وَأَن لي حمر النعم، وَحكى ابْن بطال وُجُوبه عَن أهل الْقُرْآن عَن ابْن مَسْعُود وَحُذَيْفَة وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، وَعَن يُوسُف بب خَالِد السَّمْتِي شيخ الشَّافِعِي وُجُوبه، وَحَكَاهُ ابْن أبي شيبَة أَيْضا عَن سعيد بن الْمسيب وَأبي عُبَيْدَة بن عبد الله بن مَسْعُود وَالضَّحَّاك. انْتهى.

فَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك، كَيفَ يجوز لأبي الطّيب وَلأبي حَامِد أَن يدعيا هَذِه الدَّعْوَى الْبَاطِلَة؟ فَهَذَا يدل على عدم اطلاعهما، فِيمَا ذكرنَا، فجهل الشَّخْص بالشَّيْء لَا يَنْفِي علم غَيره بِهِ.

وَقَول من ادّعى التعقب بِأَن: صَلَاة اللَّيْل لَيست بواجبة. . إِلَى آخِره، قَول واهٍ لِأَن الدَّلَائِل قَامَت على وجوب الْوتر. مِنْهَا: مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد: حَدثنَا مُحَمَّد بن الْمثنى حَدثنَا أَبُو إِسْحَاق الطَّالقَانِي حَدثنَا الْفضل بن مُوسَى عَن عبيد الله بن عبد الله الْعَتكِي (عَن عبد الله بن بُرَيْدَة عَن أَبِيه، قَالَ: سَمِعت رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَقُول: الْوتر حق فَمن لم يُوتر فَلَيْسَ منا، الْوتر حق فَمن لم يُوتر فَلَيْسَ منا، الْوتر حق فَمن لم يُوتر فَلَيْسَ منا) . وَهَذَا حَدِيث صَحِيح، وَلِهَذَا أخرجه الْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) وَصَححهُ. فَإِن قلت: فِي إِسْنَاده أَبُو الْمُنِيب عبيد الله بن عبد الله، وَقد تكلم فِيهِ البُخَارِيّ وَغَيره. قلت: قَالَ الْحَاكِم: وَثَّقَهُ ابْن معِين، وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: سَمِعت أبي يَقُول: هُوَ صَالح الحَدِيث، وَأنكر على البُخَارِيّ إِدْخَاله فِي الضُّعَفَاء، فَهَذَا ابْن معِين إِمَام هَذَا الشَّأْن وَكفى بِهِ حجَّة فِي توثيقه إِيَّاه. فَإِن قلت: قَالَ الْخطابِيّ: قد دلّت الْأَخْبَار الصَّحِيحَة على أَنه لم يرد بِالْحَقِّ الْوُجُوب الَّذِي لَا يسع غَيره. مِنْهَا: خبر عبَادَة بن الصَّامِت لما بلغه أَن أَبَا مُحَمَّد، رجلا من الْأَنْصَار، يَقُول: (الْوتر حق، فَقَالَ: كذب أَبُو مُحَمَّد، ثمَّ روى عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي عدد الصَّلَوَات الْخمس. وَمِنْهَا: خبر طَلْحَة بن عبيد الله فِي سُؤال الْأَعرَابِي. وَمِنْهَا: خبر أنس بن مَالك فِي فرض الصَّلَوَات لَيْلَة الْإِسْرَاء قلت: سُبْحَانَ الله مَا أقرب هَذَا الْكَلَام، إِلَى السُّقُوط، فَمِنْهُ يشم أثر التعصب، وَكَيف لَا يكون وَاجِبا والشارع يَقُول الْوتر حق، أَي: وَاجِب ثَابت، وَالدَّلِيل على هَذَا الْمَعْنى. قَوْله: (فَمن لم يُوتر فَلَيْسَ منا؟) وَهَذَا وَعِيد شَدِيد، وَلَا يُقَال مثل هَذَا إلاّ فِي حق تَارِك فرض أَو وَاجِب، وَلَا سِيمَا وَقد تَأَكد ذَلِك بالتكرار ثَلَاث مَرَّات، وَمثل هَذَا الْكَلَام بِهَذِهِ التأكيدات لم يَأْتِ فِي حق السنين، فَسقط بذلك مَا قَالَه الْخطابِيّ

وَسقط أَيْضا قَوْله: الأَصْل عدم الْوُجُوب حَتَّى يقوم دَلِيله، فَهَذَا الْقَائِل وقف على دَلِيله وَلَكِن اتبع هَوَاهُ لغيره، فَالْحق أَحَق أَن يتبع، وَالْجَوَاب عَن خبر عبَادَة أَنه إِنَّمَا كذب الرجل فِي قَوْله كوجوب الصَّلَاة، وَلم يقل أحد: أَن الْوتر وَاجِب كوجوب الصَّلَاة. فَإِن قلت: قَالَ النَّجْم النَّسَفِيّ صَاحب الْمَنْظُومَة.

(وَالْوتر فرض وبدا بِذكرِهِ ... فِي فجره فَسَاد فرض فجره)

قلت: مَعْنَاهُ: فرض عملا، سنة سَببا وَاجِب علما. وَأما خبر طَلْحَة بن عبيد الله فَكَأَنَّهُ قبل وجوب الْوتر بِدَلِيل أَنه لم يذكر فِيهِ الْحَج، فَدلَّ على أَنه مُتَقَدم على وجوب الْحَج، وَلَفْظَة: (زادكم صَلَاة) مشعرة بتأخر وجوب الْوتر، وَأما خبر أنس فَلَا نزاع فِيهِ أَنه كَانَ قبل الْوُجُوب، وَمن الدَّلِيل على وُجُوبه مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد: حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن مُوسَى أخبرنَا عِيسَى عَن زَكَرِيَّا عَن أبي إِسْحَاق عَن عَاصِم وَعَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (يَا أهل الْقُرْآن أوتروا فَإِن الله وتر يحب الْوتر) ، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث حسن وَقَوله: (أوتروا) أَمر، وَهُوَ للْوُجُوب. فَإِن قلت: قَالَ الْخطابِيّ: تَخْصِيصه أهل الْقُرْآن بِالْأَمر فِيهِ يدل على أَن الْوتر غير وَاجِب، وَلَو كَانَ وَاجِبا لَكَانَ عَاما، وَأهل الْقُرْآن فِي عرف النَّاس هم الْقُرَّاء والحفاظ دون الْعَوام. قلت: أهل الْقُرْآن بِحَسب اللُّغَة يتَنَاوَل كل من مَعَه شَيْء من الْقُرْآن وَلَو كَانَ آيَة، فَيدْخل فِيهِ الْحفاظ وَغَيرهم، على أَن الْقُرْآن كَانَ فِي زَمَنه، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، مفرقا بَين الصَّحَابَة: وَبِهَذَا التَّأْوِيل الْفَاسِد لَا يبطل مُقْتَضى الْأَمر الدَّال على الْوُجُوب، وَلَا سِيمَا تَأَكد الْأَمر بالوتر بمحبة الله إِيَّاه بقوله: (فَإِن الله وتر يحب الْوتر) .

وَمِنْهَا: مَا أخرجه الطَّحَاوِيّ قَالَ: حَدثنَا يُونُس، قَالَ: حَدثنَا ابْن وهب، قَالَ: حَدثنَا ابْن لَهِيعَة وَاللَّيْث عَن يزِيد ابْن أبي حبيب عَن عبد الله بن رَاشد عَن عبد الله بن أبي مرّة: عَن خَارِجَة بن حذافة الْعَدوي، أَنه قَالَ: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: (إِن الله قد أمدكم بِصَلَاة هِيَ خير لكم من حمر النعم، مَا بَين صَلَاة الْعشَاء إِلَى طُلُوع الْفجْر الْوتر الْوتر، مرَّتَيْنِ) وَهَذَا سَنَد صَحِيح. فَإِن قلت: كَيفَ تَقول: صَحِيح، وَفِيه ابْن لَهِيعَة وَفِيه مقَال؟ قلت: ذكر ابْن لَهِيعَة فِي هَذَا وَعدم ذكره سَوَاء، والعمدة على اللَّيْث بن سعد، وَلِهَذَا أخرجه التِّرْمِذِيّ وَلم يذكر ابْن لَهِيعَة، فَقَالَ: حَدثنَا قُتَيْبَة، قَالَ: حَدثنَا اللَّيْث بن سعد عَن يزِيد بن أبي حبيب عَن عبد الله بن رَاشد الزرقي (عَن خَارِجَة بن حذافة، قَالَ: خرج علينا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: (إِن الله أمدكم بِصَلَاة هِيَ خير لكم من حمر النعم: الْوتر، جعله الله لكم فِيمَا بَين صَلَاة الْعشَاء إِلَى أَن يطلع الْفجْر) . وَقَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيث خَارِجَة بن حذافة حَدِيث غَرِيب لَا نعرفه إلاّ من حَدِيث يزِيد بن أبي حبيب، وَقد وهم بعض الْمُحدثين فِي هَذَا الحَدِيث، فَقَالَ عبد الله بن رَاشد الزرقي: وَهُوَ وهم. وَأخرجه الْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) وَقَالَ: صَحِيح الْإِسْنَاد، وَلم يخرجَاهُ لِتَفَرُّد التَّابِعِيّ من الصَّحَابِيّ قلت: كَأَنَّهُ يُشِير إِلَى أَن خَارجه تفرد عَنهُ ابْن أبي مرّة، وَلَيْسَ كَذَلِك، فَإِن أَبَا عبيد الله مُحَمَّد بن الرّبيع الجيزي فِي (كتاب الصَّحَابَة) تأليفه، روى عَنهُ أَيْضا عبد الرَّحْمَن بن جُبَير، قَالَ: وَلم يرو عَنهُ غير أهل مصر، وَقَالَ أَبُو زيد فِي (كتاب الْأَسْرَار) : هُوَ حَدِيث مَشْهُور، وَلما أخرجه أَبُو دَاوُد سكت عَنهُ، وَمن عَادَته إِذا سكت عَن حَدِيث أخرجه يدل على صِحَّته عِنْده وَرضَاهُ بِهِ، فَإِن قلت: أعل ابْن الْجَوْزِيّ فِي التَّحْقِيق هَذَا الحَدِيث بِعَبْد الله بن رَاشد، وَنقل عَن الدَّارَقُطْنِيّ أَنه ضعفه، وَقَالَ البُخَارِيّ: لَا نَعْرِف لإسناد هَذَا الحَدِيث سَماع بَعضهم من بعض. قلت: عبد الله بن رَاشد وَثَّقَهُ ابْن حبَان وَالْحَاكِم، وَالدَّارَقُطْنِيّ أخرج حَدِيثه هَذَا وَلم يتَعَرَّض إِلَيْهِ بِشَيْء، وَإِنَّمَا تعرض للْحَدِيث الَّذِي أخرجه عَن ابْن عَبَّاس، فَقَالَ: حَدثنَا الْحُسَيْن بن إِسْمَاعِيل حَدثنَا مُحَمَّد بن خلف حَدثنَا أَبُو يحيى الْحمانِي عبد الحميد حَدثنَا النَّضر أَبُو عمر عَن عِكْرِمَة (عَن ابْن عَبَّاس: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خرج إِلَيْهِم يرى الْبشر وَالسُّرُور فِي وَجهه، فَقَالَ: إِن الله أمدكم بِصَلَاة وَهِي الْوتر) . النَّضر أَبُو عمر الخراز ضَعِيف، وَهَذَا الحَدِيث مِمَّا يُقَوي حَدِيث خَارِجَة الْمَذْكُور ويزيده قُوَّة فِي صِحَّته. فَإِن قلت: قَالَ الْخطابِيّ. قَوْله: (أمدكم بِصَلَاة) ، يدل على أَنَّهَا غير لَازِمَة لَهُم، وَلَو كَانَت وَاجِبَة لخرج الْكَلَام فِيهِ على صِيغَة لفظ الْإِلْزَام، فَيَقُول: ألزمكم، أَو: فرض عَلَيْكُم أَو نَحْو ذَلِك وَقد روى أَيْضا فِي الحَدِيث: (إِن الله قد زادكم صَلَاة لم تَكُونُوا تصلونها قبل ذَلِك على تِلْكَ الصُّورَة والهيئة وَهِي الْوتر) . قلت: لَا نسلم أَن قَوْله: (أمدكم بِصَلَاة) ، يدل على أَنَّهَا غير لَازِمَة، بل يدل على أَنَّهَا لَازِمَة، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، نسب ذَلِك إِلَى الله تَعَالَى، فَلَا يكون ذَلِك إلاّ وَاجِبا. وَتَعْيِين الْعبارَة لَيْسَ بِشَرْط فِي الْوُجُوب قَوْله: وَمَعْنَاهُ

الزِّيَادَة فِي النَّوَافِل غير صَحِيح، لِأَن الزِّيَادَة عَن الله تَعَالَى لَا تكون نفلا، وَإِنَّمَا يكون ذَلِك إِذا كَانَ من النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بِشَرْط عدم الْمُوَاظبَة.

وَمِنْهَا حَدِيث أبي بصرة، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الصَّاد الْمُهْملَة، واسْمه: حميل بن بصرة، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الْمِيم، وَقيل: جميل، بِفَتْح الْجِيم وَكسر الْمِيم، قَالَ التِّرْمِذِيّ: لَا يَصح. قَالَ الطَّحَاوِيّ: حَدثنَا عَليّ بن شيبَة، قَالَ: حَدثنَا أَبُو عبد الرَّحْمَن الْمقري حَدثنَا ابْن لَهِيعَة أَن أَبَا تَمِيم عبد الله بن مَالك الجيشاني أخبرهُ أَنه سمع عَمْرو بن الْعَاصِ يَقُول: أَخْبرنِي رجل من أَصْحَاب النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَنه سمع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: (إِن الله قد زادكم صَلَاة فصلوها فِيمَا بَين الْعشَاء إِلَى صَلَاة الصُّبْح: الْوتر، أَلا وَإنَّهُ أَبُو بصرة الْغِفَارِيّ، قَالَ أَبُو تَمِيم: فَكنت أَنا وَأَبُو ذَر قَاعِدين. .) الحَدِيث، وَأخرج الطَّبَرَانِيّ أَيْضا فِي (الْكَبِير: نَحوه، وَعبد الله بن لَهِيعَة ثِقَة عِنْد أَحْمد والطَّحَاوِي.

وَمِنْهَا: حَدِيث أبي هُرَيْرَة أخرجه أَحْمد فِي (مُسْنده) من حَدِيث أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من لم يُوتر فَلَيْسَ منا) . وَمِنْهَا: حَدِيث عبد الله بن عمر وَأخرجه أَحْمد أَيْضا من رِوَايَة عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (إِن الله زادكم صَلَاة فحافظوا عَلَيْهَا وَهِي الْوتر) ، فَقَالَ عَمْرو بن شُعَيْب: نرى أَن يُعَاد الْوتر وَلَو بعد شهر.

وَمِنْهَا حَدِيث بُرَيْدَة أخرجه أَبُو دَاوُود وَقد ذَكرْنَاهُ وَمِنْهَا حَدِيث ابْن عَبَّاس أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادِهِ عَنهُ وَقد ذَكرْنَاهُ.

وَمِنْهَا: حَدِيث عَائِشَة أخرجه أَبُو زيد الدبوسي فِي (كتاب الْأَسْرَار) أَنَّهَا قَالَت: قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أوتروا يَا أهل الْقُرْآن، فَمن لم يُوتر فَلَيْسَ منا) . وَمِنْهَا: حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ أخرجه الْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) بِإِسْنَادِهِ إِلَى أبي سعيد قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من نَام عَن وتر أَو نَسيَه فليصله إِذا أصبح أَو ذكره) . قَالَ الْحَاكِم: صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ، وَنقل تَصْحِيحه ابْن الْحصار أَيْضا عَن شَيْخه، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ. وَمِنْهَا: حَدِيث عبد الله بن مَسْعُود أخرجه ابْن مَاجَه من حَدِيث أبي عُبَيْدَة بن عبد الله بن مَسْعُود عَن أَبِيه عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: (إِن الله وتر يحب الْوتر فأوتروا يَا أهل الْقُرْآن، فَقَالَ أَعْرَابِي: مَا تَقول؟ فَقَالَ: لَيْسَ لَك ولأصحابك) . وَأخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا. وَمِنْهَا: حَدِيث معَاذ بن جبل أخرجه أَحْمد فِي (مُسْنده) من رِوَايَة عبيد الله بن زحر عَن عبد الرحمن بن رَافع التنوخي قَاضِي أفريقية أَن معَاذ بن جبل قدم الشَّام وَأهل الشَّام لَا يوترون، فَقَالَ: وواجب ذَلِك عَلَيْهِم؟ قَالَ: نعم، سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: (زادني رَبِّي، عز وَجل، صَلَاة وَهِي الْوتر فِيمَا بَين الْعشَاء إِلَى طُلُوع الْفجْر) . قلت: عبيد الله بن زحر ضَعِيف جدا، وَمُعَاوِيَة لم يتأمر فِي حَيَاة معَاذ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَمِنْهَا: حَدِيث أبي بَرزَة أخرجه أَبُو عمر فِي (الاستذكار) عَنهُ أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (الْوتر حق فَمن لم يُوتر فَلَيْسَ منا) . وَمِنْهَا: حَدِيث أبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ فِي (سنَنه) : بِإِسْنَادِهِ إِلَيْهِ قَالَ: قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (الْوتر حق وَاجِب) الحَدِيث. وَمِنْهَا: حَدِيث سُلَيْمَان بن صرد أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) بِإِسْنَادِهِ إِلَيْهِ، قَالَ: قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (استاكوا وتنظفوا وأوتروا فَإِن الله وتر يحب الْوتر) . وَفِي سَنَده إِسْمَاعِيل بن عَمْرو، وَثَّقَهُ ابْن حبَان وَضَعفه الدَّارَقُطْنِيّ. حَدِيث عقبَة بن عَامر وَعَمْرو بن الْعَاصِ فأخرجهما الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) و (الْأَوْسَط) بِإِسْنَادِهِ إِلَيْهِمَا عَنْهُمَا عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (إِن الله زادكم صَلَاة هِيَ خير لكم من حمر النعم: الْوتر، وَهِي فِيمَا بَين صَلَاة الْعشَاء إِلَى طُلُوع الْفجْر) . وَمِنْهَا: حَدِيث عبد الله ابْن أبي أوفى أخرجه الْبَيْهَقِيّ فِي (الخلافيات) من رِوَايَة أَحْمد بن مُصعب: حَدثنَا الْفضل بن مُوسَى حَدثنَا أَبُو حنيفَة عَن أبي يَعْفُور عَن عبد الله بن أبي أوفى عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: (إِن الله زادكم صَلَاة وَهِي الْوتر) .

٥ - (بابُ الوِتْرِ عَلَى الدَّابَّةِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْوتر على الدَّابَّة، وَلم يلْزم بِبَيَان حكمه اكْتِفَاء بِمَا فِي الحَدِيث، وَالْمرَاد من الدَّابَّة هُنَا دَابَّة يركب عَلَيْهَا.

٩٩٩ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ حدَّثني مالِكٌ عنْ أبي بَكْرِ بنِ عُمَرَ بنِ عبْدِ الرَّحْمانِ بنِ عَبْدِ الله ابنِ عُمَرَ بن الخَطَّابِ عنْ سَعِيدِ بنِ يَسَارٍ أنَّهُ قَالَ كُنْتُ أسيرُ مَعَ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ بِطَرِيقِ مَكَّةَ فَقَالَ سَعِيدٌ فَلَمَّا خَشِيتُ الصُّبْحَ نزَلْتُ فأوْتَرْتُ ثُمَّ لَحِقْتُهِ فقالَ عَبْدُ الله بنُ عُمَرَ أيْنَ كُنْتَ

فَقُلْتُ خَشِيتُ الصُّبْحَ فنَزَلْتُ فأوْتَرْتُ فَقَالَ عَبْدُ الله ألَيْسَ لَكَ فِي رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أسْوَةٌ حَسَنَةٌ فَقُلْتُ بَلَى وَالله قَالَ فإنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كانَ يُوتِرُ عَلَى البَعِيرِ..

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهِي فِي قَوْله: (كَانَ يُوتر على الْبَعِير) ، وَهُوَ بَين حكم التَّرْجَمَة لِأَنَّهَا كَانَت مُبْهمَة.

ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: إِسْمَاعِيل بن أبي إويس، وَاسم أبي أويس عبد الله وَهُوَ ابْن أُخْت مَالك بن أنس، وَقد مر غير مرّة. الثَّانِي: مَالك بن أنس. الثَّالِث: أَبُو بكر بن عمر، لَا يعرف اسْمه، وَقَالَ ابْن حبَان: ثِقَة، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: لَا بَأْس بِهِ لَا يُسمى. الرَّابِع: سعيد بن يسَار ضد الْيَمين أَبُو الْحباب، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْبَاء الأولى، من عُلَمَاء الْمَدِينَة، مَاتَ سنة سبع عشرَة وَمِائَة. الْخَامِس: عبد الله ابْن عمر بن الْخطاب.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي خَمْسَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم مدنيون. وَفِيه: أَن أَبَا بكر لَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ غير هَذَا الحَدِيث، وَكَذَلِكَ فِي (صَحِيح مُسلم) وَفِيه: أَن أَبَا بكر قيل فِيهِ إِنَّه ابْن عَبَّاس بن عبد الرَّحْمَن بِإِسْقَاط عمر بَينهمَا، وَالصَّحِيح إثْبَاته.

ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ جَمِيعًا فِيهِ عَن قُتَيْبَة، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن أَحْمد بن سِنَان عَن عبد الرَّحْمَن بن مهْدي عَن مَالك.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (خشيت الصُّبْح) ، أَي: طلوعه. قَوْله: (أُسوة) بِكَسْر الْهمزَة وَضمّهَا، مَعْنَاهُ: الِاقْتِدَاء. قَوْله: (حَسَنَة) بِالرَّفْع صفة للأسوة. قَوْله: (بلَى وَالله) تَأْكِيد لِلْأَمْرِ الَّذِي أَرَادَهُ. قَوْله: (على الْبَعِير) الْبَعِير: الْجمل الْبَاذِل، وَقيل: الْجذع، وَقد تكون للْأُنْثَى. وَحكي عَن بعض الْعَرَب: شربت من لبن بَعِيري، وصرعتني بعير لي. وَفِي (الْجَامِع) : الْبَعِير بِمَنْزِلَة الْإِنْسَان يجمع الْمُذكر والمؤنث من النَّاس إِذا رَأَيْت جملا على الْبعد قلت: هَذَا بعير، فَإِذا استثبته قلت: جمل أَو نَاقَة. وَتجمع على أَبْعِرَة وأباعرة. وأباعير وبعران وبعران فَإِن قلت: التَّرْجَمَة بالدابة، وَفِي الحَدِيث لفظ: الْبَعِير قلت: ترْجم بهَا تَنْبِيها على أَن لَا فرق بَينهَا وَبَين الْبَعِير فِي الحكم، وَالْجَامِع بَينهمَا أَن الْفَرْض لَا يجزىء على وَاحِدَة مِنْهُمَا.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: احْتج بِهِ عَطاء وَابْن أبي رَبَاح وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَسَالم بن عبد الله وَنَافِع مولى ابْن عمر وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق: على أَن للْمُسَافِر أَن يُصَلِّي الْوتر على دَابَّته. وَقَالَ ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : حَدثنَا يحيى بن سعيد عَن ابْن عجلَان عَن نَافِع عَن ابْن عمر أَنه صلى على رَاحِلَته فأوتر عَلَيْهَا، وَقَالَ: كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُوتر على رَاحِلَته، ويروى ذَلِك عَن عَليّ وَابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَكَانَ مَالك يَقُول: لَا يُصَلِّي على الرَّاحِلَة إِلَّا فِي سفر يقصر فِيهِ الصَّلَاة، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ: قصير السّفر وطويله فِي ذَلِك سَوَاء، يُصَلِّي على رَاحِلَته. وَقَالَ ابْن حزم فِي (الْمحلى) : ويوتر الْمَرْء قَائِما وَقَاعِدا لغير عذر إِن شَاءَ، وعَلى دَابَّته. وَقَالَ مُحَمَّد بن سِيرِين: عَن عُرْوَة بن الزبير وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَأَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد: لَا يجوز الْوتر إلاّ على الأَرْض، كَمَا فِي الْفَرَائِض، ويروى ذَلِك عَن عمر بن الْخطاب وَابْنه عبد الله فِي رِوَايَة ذكرهَا ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) . وَقَالَ الثَّوْريّ: صل الْفَرْض وَالْوتر بِالْأَرْضِ، وَإِن أوترت على راحلتك فَلَا بَأْس، وَاحْتج أهل الْمقَالة الثَّانِيَة بِمَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ: حَدثنَا يزِيد بن سِنَان، قَالَ: حَدثنَا أَبُو عَاصِم، قَالَ: حَدثنَا حَنْظَلَة بن أبي سُفْيَان عَن نَافِع (عَن ابْن عمر: أَنه كَانَ يُصَلِّي على رَاحِلَته ويوتر بِالْأَرْضِ، وَيَزْعُم أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَذَلِك كَانَ يفعل) . وَهَذَا إِسْنَاد صَحِيح وَهُوَ خلاف حَدِيث الْبَاب، وروى الطَّحَاوِيّ أَيْضا عَن أبي بكرَة، بكار القَاضِي، عَن عُثْمَان بن عمر وَبكر بن بكار، كِلَاهُمَا عَن عمر بن ذَر (عَن مُجَاهِد: أَن ابْن عمر كَانَ يُصَلِّي فِي السّفر على بعيره أَيْنَمَا توجه بِهِ، فَإِذا كَانَ فِي السّفر نزل فأوتر) . رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : حَدثنَا هشيم، قَالَ: حَدثنَا حُصَيْن (عَن مُجَاهِد، قَالَ: صَحِبت ابْن عمر من الْمَدِينَة إِلَى مَكَّة فَكَانَ يُصَلِّي على دَابَّته حَيْثُ تَوَجَّهت بِهِ، فَإِذا كَانَت الْفَرِيضَة نزل فصلى) . وَأخرجه أَحْمد فِي (مُسْنده) من حَدِيث سعيد بن جُبَير (أَن ابْن عمر كَانَ يُصَلِّي على رَاحِلَته تَطَوّعا، فَإِذا أَرَادَ أَن يُوتر نزل فأوتر على الأَرْض) . وَحَدِيث حَنْظَلَة بن أبي سُفْيَان يدل على شَيْئَيْنِ: أَحدهمَا فعل ابْن عمر إِنَّه كَانَ يُوتر بِالْأَرْضِ، وَالْآخر أَنه روى عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه كَانَ يفعل كَذَلِك، وَحَدِيث الْبَاب كَذَلِك يدل على الشَّيْئَيْنِ الْمَذْكُورين فَلَا يتم الِاسْتِدْلَال للطائفتين بِهَذَيْنِ الْحَدِيثين غير أَن لأهل الْمقَالة الثَّانِيَة أَن يَقُولُوا: إِن ابْن عمر

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

خُرُوجِ الْوَقْتِ بَلْ يُشْرَعُ ذَلِكَ لِإِدْرَاكِ الْجَمَاعَةِ وَإِدْرَاكِ أَوَّلِ الْوَقْتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَنْدُوبَاتِ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ وَاجِبٌ فِي الْوَاجِبِ مَنْدُوبٌ فِي الْمَنْدُوبِ، لِأَنَّ النَّائِمَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُكَلَّفًا لَكِنْ مَانِعُهُ سَرِيعُ الزَّوَالِ، فَهُوَ كَالْغَافِلِ، وَتَنْبِيهُ الْغَافِلِ وَاجِبٌ.

٤ - بَاب لِيَجْعَلْ آخِرَ صَلَاتِهِ وِتْرًا

٩٩٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ النَّبِيِّ ، قَالَ: اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا.

قَوْلُهُ: (بَابُ لِيَجْعَلَ آخِرَ صَلَاتِهِ وِتْرًا) أَيْ بِاللَّيْلِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ الْبَابِ فِي أَثْنَاءِ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِهِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ صَلَاةَ اللَّيْلِ لَيْسَتْ وَاجِبَةً فَكَذَا آخِرُهُ، وَبِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوُجُوبِ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُهُ.

٥ - بَاب الْوِتْرِ عَلَى الدَّابَّةِ

٩٩٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ أَسِيرُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بِطَرِيقِ مَكَّةَ، فَقَالَ سَعِيدٌ: فَلَمَّا خَشِيتُ الصُّبْحَ نَزَلْتُ فَأَوْتَرْتُ ثُمَّ لَحِقْتُهُ، فَقَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: أَيْنَ كُنْتَ؟ فَقُلْتُ: خَشِيتُ الصُّبْحَ فَنَزَلْتُ فَأَوْتَرْتُ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَلَيْسَ لَكَ فِي رَسُولِ اللَّهِ إِسْوَةٌ حَسَنَةٌ؟ فَقُلْتُ: بَلَى وَاللَّهِ. قَالَ: فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَانَ يُوتِرُ عَلَى الْبَعِيرِ.

[الحديث ٩٩٩ - أطرافه في ١٠٠٠، ١٠٩٥، ١٠٩٦، ١٠٩٨، ١١٠٥]

قَوْلُهُ: (بَابُ الْوِتْرِ عَلَى الدَّابَّةِ) لَمَّا كَانَ حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي إِيقَاظِهَا لِلْوِتْرِ، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي الْأَمْرِ بِالْوِتْرِ آخِرَ اللَّيْلِ قَدْ تَمَسَّكَ بِهِمَا بَعْضُ مَنِ ادَّعَى وُجُوبَ الْوِتْرِ عَقَّبَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الدَّالِّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، فَذَكَرَهُ فِي تَرْجَمَتَيْنِ. إِحْدَاهُمَا تَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ نَفْلًا، وَالثَّانِيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ آكَدُ مِنْ غَيْرِهِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُمَرَ) لَا يُعْرَفُ اسْمُهُ، وَهُوَ ثِقَةٌ لَيْسَ لَهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ.

قَوْلُهُ: (أَمَا لَكَ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ) فِيهِ إِرْشَادُ الْعَالِمِ لِرَفِيقِهِ مَا قَدْ يَخْفَى عَلَيْهِ مِنَ السُّنَنِ.

قَوْلُهُ: (بَلَى وَاللَّهِ) فِيهِ الْحَلِفُ عَلَى الْأَمْرِ الَّذِي يُرَادُ تَأْكِيدُهُ.

قَوْلُهُ: (كَانَ يُوتِرُ عَلَى الْبَعِيرِ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: تُرْجِمَ بِالدَّابَّةِ تَنْبِيهًا عَلَى أَنْ لَا فَرْقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْبَعِيرِ فِي الْحُكْمِ، وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْفَرْضَ لَا يُجْزِئُ عَلَى وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا. انْتَهَى.

وَلَعَلَّ الْبُخَارِيُّ أَشَارَ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ، فَسَيَأْتِي فِي أَبْوَابِ تَقْصِيرِ الصَّلَاةِ مِنْ طَرِيقِ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ عَلَى دَابَّتِهِ وَهُوَ مُسَافِرٌ وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ: قَالَ حَدَّثَنَا نَافِعٌ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُوتِرُ عَلَى دَابَّتِهِ. قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَأَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُخْبِرُ أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ.

(فَائِدَةٌ): قَالَ الطَّحَاوِيُّ ذُكِرَ عَنِ الْكُوفِيِّينَ أَنَّ الْوِتْرَ لَا يُصَلَّى عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَهُوَ خِلَافُ السُّنَّةِ الثَّابِتَةِ، وَاسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ بِرِوَايَةِ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ رَأَى ابْنَ عُمَرَ نَزَلَ فَأَوْتَرَ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُعَارِضٍ لِكَوْنِهِ أَوْتَرَ عَلَى الرَّاحِلَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا نِزَاعَ أَنَّ صَلَاتَهُ عَلَى الْأَرْضِ أَفْضَلُ، وَرَوَى

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (لِيَجْعَلْ) (١) أي: المصلِّي (آخِرَ صَلَاتِهِ) باللَّيل (وِتْرًا).

٩٩٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهَدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطَّان (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين وفتح الموحَّدة، ابن عمرَ بن حفص بن عاصم بن عمرَ، قَالَ: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ عَنْ عَبْدِ اللهِ) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «عن عبدِ الله بن عمرَ» أي (٢): ابن الخطَّاب (عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا). قيل: الحكمة فيه أنَّ أوَّل صلاة اللَّيل المغربُ وهي وترٌ، وللابتداء والانتهاء اعتبارٌ زائدٌ على اعتبار الوسط، فلو أوتر ثمَّ تهجَّد لم يُعِدْهُ لحديث أبي داود والتِّرمذيِّ وحسَّنه: «لا وتران في ليلةٍ»، ورُوِيَ عن الصِّدِّيق أنَّه قال: أمَّا أنا فأنام على وترٍ، فَإنِ استيقظت صلَّيت شفعًا حتَّى الصَّباح، ولأنَّ إعادته تُصَيِّرُ الصَّلاة كلَّها شفعًا، فيبطل المقصود منه، وكان ابن عمر ينقض وتره بركعةٍ، ثمَّ يصلِّي مَثْنى مَثْنى (٣)، ثمَّ يُوتِرُ، والأمر ليس للوجوب بقرينة صلاة اللَّيل، فإنَّها غيرُ واجبةٍ اتِّفاقًا،

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد والمتن جَمِيعًا فِي: بَاب الصَّلَاة خلف النَّائِم، وَقد استقصينا الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.

قَوْله: (فأوترت) الْفَاء فِيهِ تسمى: فَاء الفصيحة، فتقديره: فَقُمْت وتوضأت فأوترت.

٤ - (بابٌ لِيَجْعَلَ آخِرَ صلَاتِهِ وِتْرا)

أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته ليجعل إِلَى آخِره أَي: ليجعل الْمُصَلِّي آخر صلَاته بِاللَّيْلِ صَلَاة الْوتر.

٨٩٩ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يحْيَى بنُ سَعِيدٍ عنْ عُبَيْدِ الله قَالَ حدَّثني نافِعٌ عنْ عَبْدِ الله عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرا.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَن التَّرْجَمَة مَأْخُوذَة مِنْهُ. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَيحيى بن سعيد الْقطَّان، وَعبيد الله ابْن حَفْص بن عَاصِم بن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن زُهَيْر بن حَرْب وَمُحَمّد بن الْمثنى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن أَحْمد بن حَنْبَل، وَفِي رِوَايَته بعد قَوْله: (وترا، فَإِن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كَانَ يَأْمر بذلك) .

وَيُسْتَفَاد مِنْهُ حكمان: الأول: اسْتِحْبَاب تَأْخِير الْوتر، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ. وَالثَّانِي: فِيهِ الدّلَالَة على وجوب الْوتر.

وَاخْتلف الْعلمَاء فِيهِ، فَقَالَ القَاضِي أَبُو الطّيب: إِن الْعلمَاء كَافَّة قَالَت: إِنَّه سنة، حَتَّى أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد، وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَحده: هُوَ وَاجِب وَلَيْسَ بِفَرْض. وَقَالَ أَبُو حَامِد فِي تَعْلِيقه: الْوتر سنة مُؤَكدَة لَيْسَ بِفَرْض وَلَا وَاجِب، وَبِه قَالَت الإئمة كلهَا إلاّ أَبَا حنيفَة. وَقَالَ بَعضهم: وَقد اسْتدلَّ بِهَذَا الحَدِيث بعض من قَالَ بِوُجُوبِهِ، وَتعقب بِأَن صَلَاة اللَّيْل لَيست وَاجِبَة ... إِلَى آخِره، وَبِأَن الأَصْل عدم الْوُجُوب حَتَّى يقوم دَلِيله. وَقَالَ الْكرْمَانِي أَيْضا مَا يشبه هَذَا. قلت: هَذَا كُله من آثَار التعصب، فَكيف يَقُول القَاضِي أَبُو الطّيب وَأَبُو حَامِد، وهما إمامان مشهوران، بِهَذَا الْكَلَام الَّذِي لَيْسَ بِصَحِيح وَلَا قريب من الصِّحَّة؟ وَأَبُو حنيفَة لم ينْفَرد بذلك، هَذَا القَاضِي أَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ ذكر عَن سَحْنُون وَأصبغ بن الْفرج وُجُوبه، وَحكى ابْن حزم أَن مَالِكًا قَالَ: من تَركه أُدِّبَ، وَكَانَت جرحه فِي شَهَادَته، وَحَكَاهُ ابْن قدامَة فِي (الْمُغنِي) عَن أَحْمد، وَفِي (المُصَنّف) عَن مُجَاهِد بِسَنَد صَحِيح: هُوَ وَاجِب وَلم يكْتب، وَعَن ابْن عمر بِسَنَد صَحِيح: مَا أحب أَنِّي تركت الْوتر وَأَن لي حمر النعم، وَحكى ابْن بطال وُجُوبه عَن أهل الْقُرْآن عَن ابْن مَسْعُود وَحُذَيْفَة وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، وَعَن يُوسُف بب خَالِد السَّمْتِي شيخ الشَّافِعِي وُجُوبه، وَحَكَاهُ ابْن أبي شيبَة أَيْضا عَن سعيد بن الْمسيب وَأبي عُبَيْدَة بن عبد الله بن مَسْعُود وَالضَّحَّاك. انْتهى.

فَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك، كَيفَ يجوز لأبي الطّيب وَلأبي حَامِد أَن يدعيا هَذِه الدَّعْوَى الْبَاطِلَة؟ فَهَذَا يدل على عدم اطلاعهما، فِيمَا ذكرنَا، فجهل الشَّخْص بالشَّيْء لَا يَنْفِي علم غَيره بِهِ.

وَقَول من ادّعى التعقب بِأَن: صَلَاة اللَّيْل لَيست بواجبة. . إِلَى آخِره، قَول واهٍ لِأَن الدَّلَائِل قَامَت على وجوب الْوتر. مِنْهَا: مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد: حَدثنَا مُحَمَّد بن الْمثنى حَدثنَا أَبُو إِسْحَاق الطَّالقَانِي حَدثنَا الْفضل بن مُوسَى عَن عبيد الله بن عبد الله الْعَتكِي (عَن عبد الله بن بُرَيْدَة عَن أَبِيه، قَالَ: سَمِعت رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَقُول: الْوتر حق فَمن لم يُوتر فَلَيْسَ منا، الْوتر حق فَمن لم يُوتر فَلَيْسَ منا، الْوتر حق فَمن لم يُوتر فَلَيْسَ منا) . وَهَذَا حَدِيث صَحِيح، وَلِهَذَا أخرجه الْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) وَصَححهُ. فَإِن قلت: فِي إِسْنَاده أَبُو الْمُنِيب عبيد الله بن عبد الله، وَقد تكلم فِيهِ البُخَارِيّ وَغَيره. قلت: قَالَ الْحَاكِم: وَثَّقَهُ ابْن معِين، وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: سَمِعت أبي يَقُول: هُوَ صَالح الحَدِيث، وَأنكر على البُخَارِيّ إِدْخَاله فِي الضُّعَفَاء، فَهَذَا ابْن معِين إِمَام هَذَا الشَّأْن وَكفى بِهِ حجَّة فِي توثيقه إِيَّاه. فَإِن قلت: قَالَ الْخطابِيّ: قد دلّت الْأَخْبَار الصَّحِيحَة على أَنه لم يرد بِالْحَقِّ الْوُجُوب الَّذِي لَا يسع غَيره. مِنْهَا: خبر عبَادَة بن الصَّامِت لما بلغه أَن أَبَا مُحَمَّد، رجلا من الْأَنْصَار، يَقُول: (الْوتر حق، فَقَالَ: كذب أَبُو مُحَمَّد، ثمَّ روى عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي عدد الصَّلَوَات الْخمس. وَمِنْهَا: خبر طَلْحَة بن عبيد الله فِي سُؤال الْأَعرَابِي. وَمِنْهَا: خبر أنس بن مَالك فِي فرض الصَّلَوَات لَيْلَة الْإِسْرَاء قلت: سُبْحَانَ الله مَا أقرب هَذَا الْكَلَام، إِلَى السُّقُوط، فَمِنْهُ يشم أثر التعصب، وَكَيف لَا يكون وَاجِبا والشارع يَقُول الْوتر حق، أَي: وَاجِب ثَابت، وَالدَّلِيل على هَذَا الْمَعْنى. قَوْله: (فَمن لم يُوتر فَلَيْسَ منا؟) وَهَذَا وَعِيد شَدِيد، وَلَا يُقَال مثل هَذَا إلاّ فِي حق تَارِك فرض أَو وَاجِب، وَلَا سِيمَا وَقد تَأَكد ذَلِك بالتكرار ثَلَاث مَرَّات، وَمثل هَذَا الْكَلَام بِهَذِهِ التأكيدات لم يَأْتِ فِي حق السنين، فَسقط بذلك مَا قَالَه الْخطابِيّ

وَسقط أَيْضا قَوْله: الأَصْل عدم الْوُجُوب حَتَّى يقوم دَلِيله، فَهَذَا الْقَائِل وقف على دَلِيله وَلَكِن اتبع هَوَاهُ لغيره، فَالْحق أَحَق أَن يتبع، وَالْجَوَاب عَن خبر عبَادَة أَنه إِنَّمَا كذب الرجل فِي قَوْله كوجوب الصَّلَاة، وَلم يقل أحد: أَن الْوتر وَاجِب كوجوب الصَّلَاة. فَإِن قلت: قَالَ النَّجْم النَّسَفِيّ صَاحب الْمَنْظُومَة.

(وَالْوتر فرض وبدا بِذكرِهِ ... فِي فجره فَسَاد فرض فجره)

قلت: مَعْنَاهُ: فرض عملا، سنة سَببا وَاجِب علما. وَأما خبر طَلْحَة بن عبيد الله فَكَأَنَّهُ قبل وجوب الْوتر بِدَلِيل أَنه لم يذكر فِيهِ الْحَج، فَدلَّ على أَنه مُتَقَدم على وجوب الْحَج، وَلَفْظَة: (زادكم صَلَاة) مشعرة بتأخر وجوب الْوتر، وَأما خبر أنس فَلَا نزاع فِيهِ أَنه كَانَ قبل الْوُجُوب، وَمن الدَّلِيل على وُجُوبه مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد: حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن مُوسَى أخبرنَا عِيسَى عَن زَكَرِيَّا عَن أبي إِسْحَاق عَن عَاصِم وَعَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (يَا أهل الْقُرْآن أوتروا فَإِن الله وتر يحب الْوتر) ، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث حسن وَقَوله: (أوتروا) أَمر، وَهُوَ للْوُجُوب. فَإِن قلت: قَالَ الْخطابِيّ: تَخْصِيصه أهل الْقُرْآن بِالْأَمر فِيهِ يدل على أَن الْوتر غير وَاجِب، وَلَو كَانَ وَاجِبا لَكَانَ عَاما، وَأهل الْقُرْآن فِي عرف النَّاس هم الْقُرَّاء والحفاظ دون الْعَوام. قلت: أهل الْقُرْآن بِحَسب اللُّغَة يتَنَاوَل كل من مَعَه شَيْء من الْقُرْآن وَلَو كَانَ آيَة، فَيدْخل فِيهِ الْحفاظ وَغَيرهم، على أَن الْقُرْآن كَانَ فِي زَمَنه، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، مفرقا بَين الصَّحَابَة: وَبِهَذَا التَّأْوِيل الْفَاسِد لَا يبطل مُقْتَضى الْأَمر الدَّال على الْوُجُوب، وَلَا سِيمَا تَأَكد الْأَمر بالوتر بمحبة الله إِيَّاه بقوله: (فَإِن الله وتر يحب الْوتر) .

وَمِنْهَا: مَا أخرجه الطَّحَاوِيّ قَالَ: حَدثنَا يُونُس، قَالَ: حَدثنَا ابْن وهب، قَالَ: حَدثنَا ابْن لَهِيعَة وَاللَّيْث عَن يزِيد ابْن أبي حبيب عَن عبد الله بن رَاشد عَن عبد الله بن أبي مرّة: عَن خَارِجَة بن حذافة الْعَدوي، أَنه قَالَ: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: (إِن الله قد أمدكم بِصَلَاة هِيَ خير لكم من حمر النعم، مَا بَين صَلَاة الْعشَاء إِلَى طُلُوع الْفجْر الْوتر الْوتر، مرَّتَيْنِ) وَهَذَا سَنَد صَحِيح. فَإِن قلت: كَيفَ تَقول: صَحِيح، وَفِيه ابْن لَهِيعَة وَفِيه مقَال؟ قلت: ذكر ابْن لَهِيعَة فِي هَذَا وَعدم ذكره سَوَاء، والعمدة على اللَّيْث بن سعد، وَلِهَذَا أخرجه التِّرْمِذِيّ وَلم يذكر ابْن لَهِيعَة، فَقَالَ: حَدثنَا قُتَيْبَة، قَالَ: حَدثنَا اللَّيْث بن سعد عَن يزِيد بن أبي حبيب عَن عبد الله بن رَاشد الزرقي (عَن خَارِجَة بن حذافة، قَالَ: خرج علينا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: (إِن الله أمدكم بِصَلَاة هِيَ خير لكم من حمر النعم: الْوتر، جعله الله لكم فِيمَا بَين صَلَاة الْعشَاء إِلَى أَن يطلع الْفجْر) . وَقَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيث خَارِجَة بن حذافة حَدِيث غَرِيب لَا نعرفه إلاّ من حَدِيث يزِيد بن أبي حبيب، وَقد وهم بعض الْمُحدثين فِي هَذَا الحَدِيث، فَقَالَ عبد الله بن رَاشد الزرقي: وَهُوَ وهم. وَأخرجه الْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) وَقَالَ: صَحِيح الْإِسْنَاد، وَلم يخرجَاهُ لِتَفَرُّد التَّابِعِيّ من الصَّحَابِيّ قلت: كَأَنَّهُ يُشِير إِلَى أَن خَارجه تفرد عَنهُ ابْن أبي مرّة، وَلَيْسَ كَذَلِك، فَإِن أَبَا عبيد الله مُحَمَّد بن الرّبيع الجيزي فِي (كتاب الصَّحَابَة) تأليفه، روى عَنهُ أَيْضا عبد الرَّحْمَن بن جُبَير، قَالَ: وَلم يرو عَنهُ غير أهل مصر، وَقَالَ أَبُو زيد فِي (كتاب الْأَسْرَار) : هُوَ حَدِيث مَشْهُور، وَلما أخرجه أَبُو دَاوُد سكت عَنهُ، وَمن عَادَته إِذا سكت عَن حَدِيث أخرجه يدل على صِحَّته عِنْده وَرضَاهُ بِهِ، فَإِن قلت: أعل ابْن الْجَوْزِيّ فِي التَّحْقِيق هَذَا الحَدِيث بِعَبْد الله بن رَاشد، وَنقل عَن الدَّارَقُطْنِيّ أَنه ضعفه، وَقَالَ البُخَارِيّ: لَا نَعْرِف لإسناد هَذَا الحَدِيث سَماع بَعضهم من بعض. قلت: عبد الله بن رَاشد وَثَّقَهُ ابْن حبَان وَالْحَاكِم، وَالدَّارَقُطْنِيّ أخرج حَدِيثه هَذَا وَلم يتَعَرَّض إِلَيْهِ بِشَيْء، وَإِنَّمَا تعرض للْحَدِيث الَّذِي أخرجه عَن ابْن عَبَّاس، فَقَالَ: حَدثنَا الْحُسَيْن بن إِسْمَاعِيل حَدثنَا مُحَمَّد بن خلف حَدثنَا أَبُو يحيى الْحمانِي عبد الحميد حَدثنَا النَّضر أَبُو عمر عَن عِكْرِمَة (عَن ابْن عَبَّاس: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خرج إِلَيْهِم يرى الْبشر وَالسُّرُور فِي وَجهه، فَقَالَ: إِن الله أمدكم بِصَلَاة وَهِي الْوتر) . النَّضر أَبُو عمر الخراز ضَعِيف، وَهَذَا الحَدِيث مِمَّا يُقَوي حَدِيث خَارِجَة الْمَذْكُور ويزيده قُوَّة فِي صِحَّته. فَإِن قلت: قَالَ الْخطابِيّ. قَوْله: (أمدكم بِصَلَاة) ، يدل على أَنَّهَا غير لَازِمَة لَهُم، وَلَو كَانَت وَاجِبَة لخرج الْكَلَام فِيهِ على صِيغَة لفظ الْإِلْزَام، فَيَقُول: ألزمكم، أَو: فرض عَلَيْكُم أَو نَحْو ذَلِك وَقد روى أَيْضا فِي الحَدِيث: (إِن الله قد زادكم صَلَاة لم تَكُونُوا تصلونها قبل ذَلِك على تِلْكَ الصُّورَة والهيئة وَهِي الْوتر) . قلت: لَا نسلم أَن قَوْله: (أمدكم بِصَلَاة) ، يدل على أَنَّهَا غير لَازِمَة، بل يدل على أَنَّهَا لَازِمَة، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، نسب ذَلِك إِلَى الله تَعَالَى، فَلَا يكون ذَلِك إلاّ وَاجِبا. وَتَعْيِين الْعبارَة لَيْسَ بِشَرْط فِي الْوُجُوب قَوْله: وَمَعْنَاهُ

الزِّيَادَة فِي النَّوَافِل غير صَحِيح، لِأَن الزِّيَادَة عَن الله تَعَالَى لَا تكون نفلا، وَإِنَّمَا يكون ذَلِك إِذا كَانَ من النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بِشَرْط عدم الْمُوَاظبَة.

وَمِنْهَا حَدِيث أبي بصرة، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الصَّاد الْمُهْملَة، واسْمه: حميل بن بصرة، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الْمِيم، وَقيل: جميل، بِفَتْح الْجِيم وَكسر الْمِيم، قَالَ التِّرْمِذِيّ: لَا يَصح. قَالَ الطَّحَاوِيّ: حَدثنَا عَليّ بن شيبَة، قَالَ: حَدثنَا أَبُو عبد الرَّحْمَن الْمقري حَدثنَا ابْن لَهِيعَة أَن أَبَا تَمِيم عبد الله بن مَالك الجيشاني أخبرهُ أَنه سمع عَمْرو بن الْعَاصِ يَقُول: أَخْبرنِي رجل من أَصْحَاب النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَنه سمع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: (إِن الله قد زادكم صَلَاة فصلوها فِيمَا بَين الْعشَاء إِلَى صَلَاة الصُّبْح: الْوتر، أَلا وَإنَّهُ أَبُو بصرة الْغِفَارِيّ، قَالَ أَبُو تَمِيم: فَكنت أَنا وَأَبُو ذَر قَاعِدين. .) الحَدِيث، وَأخرج الطَّبَرَانِيّ أَيْضا فِي (الْكَبِير: نَحوه، وَعبد الله بن لَهِيعَة ثِقَة عِنْد أَحْمد والطَّحَاوِي.

وَمِنْهَا: حَدِيث أبي هُرَيْرَة أخرجه أَحْمد فِي (مُسْنده) من حَدِيث أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من لم يُوتر فَلَيْسَ منا) . وَمِنْهَا: حَدِيث عبد الله بن عمر وَأخرجه أَحْمد أَيْضا من رِوَايَة عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (إِن الله زادكم صَلَاة فحافظوا عَلَيْهَا وَهِي الْوتر) ، فَقَالَ عَمْرو بن شُعَيْب: نرى أَن يُعَاد الْوتر وَلَو بعد شهر.

وَمِنْهَا حَدِيث بُرَيْدَة أخرجه أَبُو دَاوُود وَقد ذَكرْنَاهُ وَمِنْهَا حَدِيث ابْن عَبَّاس أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادِهِ عَنهُ وَقد ذَكرْنَاهُ.

وَمِنْهَا: حَدِيث عَائِشَة أخرجه أَبُو زيد الدبوسي فِي (كتاب الْأَسْرَار) أَنَّهَا قَالَت: قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أوتروا يَا أهل الْقُرْآن، فَمن لم يُوتر فَلَيْسَ منا) . وَمِنْهَا: حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ أخرجه الْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) بِإِسْنَادِهِ إِلَى أبي سعيد قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من نَام عَن وتر أَو نَسيَه فليصله إِذا أصبح أَو ذكره) . قَالَ الْحَاكِم: صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ، وَنقل تَصْحِيحه ابْن الْحصار أَيْضا عَن شَيْخه، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ. وَمِنْهَا: حَدِيث عبد الله بن مَسْعُود أخرجه ابْن مَاجَه من حَدِيث أبي عُبَيْدَة بن عبد الله بن مَسْعُود عَن أَبِيه عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: (إِن الله وتر يحب الْوتر فأوتروا يَا أهل الْقُرْآن، فَقَالَ أَعْرَابِي: مَا تَقول؟ فَقَالَ: لَيْسَ لَك ولأصحابك) . وَأخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا. وَمِنْهَا: حَدِيث معَاذ بن جبل أخرجه أَحْمد فِي (مُسْنده) من رِوَايَة عبيد الله بن زحر عَن عبد الرحمن بن رَافع التنوخي قَاضِي أفريقية أَن معَاذ بن جبل قدم الشَّام وَأهل الشَّام لَا يوترون، فَقَالَ: وواجب ذَلِك عَلَيْهِم؟ قَالَ: نعم، سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: (زادني رَبِّي، عز وَجل، صَلَاة وَهِي الْوتر فِيمَا بَين الْعشَاء إِلَى طُلُوع الْفجْر) . قلت: عبيد الله بن زحر ضَعِيف جدا، وَمُعَاوِيَة لم يتأمر فِي حَيَاة معَاذ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَمِنْهَا: حَدِيث أبي بَرزَة أخرجه أَبُو عمر فِي (الاستذكار) عَنهُ أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (الْوتر حق فَمن لم يُوتر فَلَيْسَ منا) . وَمِنْهَا: حَدِيث أبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ فِي (سنَنه) : بِإِسْنَادِهِ إِلَيْهِ قَالَ: قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (الْوتر حق وَاجِب) الحَدِيث. وَمِنْهَا: حَدِيث سُلَيْمَان بن صرد أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) بِإِسْنَادِهِ إِلَيْهِ، قَالَ: قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (استاكوا وتنظفوا وأوتروا فَإِن الله وتر يحب الْوتر) . وَفِي سَنَده إِسْمَاعِيل بن عَمْرو، وَثَّقَهُ ابْن حبَان وَضَعفه الدَّارَقُطْنِيّ. حَدِيث عقبَة بن عَامر وَعَمْرو بن الْعَاصِ فأخرجهما الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) و (الْأَوْسَط) بِإِسْنَادِهِ إِلَيْهِمَا عَنْهُمَا عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (إِن الله زادكم صَلَاة هِيَ خير لكم من حمر النعم: الْوتر، وَهِي فِيمَا بَين صَلَاة الْعشَاء إِلَى طُلُوع الْفجْر) . وَمِنْهَا: حَدِيث عبد الله ابْن أبي أوفى أخرجه الْبَيْهَقِيّ فِي (الخلافيات) من رِوَايَة أَحْمد بن مُصعب: حَدثنَا الْفضل بن مُوسَى حَدثنَا أَبُو حنيفَة عَن أبي يَعْفُور عَن عبد الله بن أبي أوفى عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: (إِن الله زادكم صَلَاة وَهِي الْوتر) .

٥ - (بابُ الوِتْرِ عَلَى الدَّابَّةِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْوتر على الدَّابَّة، وَلم يلْزم بِبَيَان حكمه اكْتِفَاء بِمَا فِي الحَدِيث، وَالْمرَاد من الدَّابَّة هُنَا دَابَّة يركب عَلَيْهَا.

٩٩٩ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ حدَّثني مالِكٌ عنْ أبي بَكْرِ بنِ عُمَرَ بنِ عبْدِ الرَّحْمانِ بنِ عَبْدِ الله ابنِ عُمَرَ بن الخَطَّابِ عنْ سَعِيدِ بنِ يَسَارٍ أنَّهُ قَالَ كُنْتُ أسيرُ مَعَ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ بِطَرِيقِ مَكَّةَ فَقَالَ سَعِيدٌ فَلَمَّا خَشِيتُ الصُّبْحَ نزَلْتُ فأوْتَرْتُ ثُمَّ لَحِقْتُهِ فقالَ عَبْدُ الله بنُ عُمَرَ أيْنَ كُنْتَ

فَقُلْتُ خَشِيتُ الصُّبْحَ فنَزَلْتُ فأوْتَرْتُ فَقَالَ عَبْدُ الله ألَيْسَ لَكَ فِي رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أسْوَةٌ حَسَنَةٌ فَقُلْتُ بَلَى وَالله قَالَ فإنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كانَ يُوتِرُ عَلَى البَعِيرِ..

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهِي فِي قَوْله: (كَانَ يُوتر على الْبَعِير) ، وَهُوَ بَين حكم التَّرْجَمَة لِأَنَّهَا كَانَت مُبْهمَة.

ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: إِسْمَاعِيل بن أبي إويس، وَاسم أبي أويس عبد الله وَهُوَ ابْن أُخْت مَالك بن أنس، وَقد مر غير مرّة. الثَّانِي: مَالك بن أنس. الثَّالِث: أَبُو بكر بن عمر، لَا يعرف اسْمه، وَقَالَ ابْن حبَان: ثِقَة، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: لَا بَأْس بِهِ لَا يُسمى. الرَّابِع: سعيد بن يسَار ضد الْيَمين أَبُو الْحباب، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْبَاء الأولى، من عُلَمَاء الْمَدِينَة، مَاتَ سنة سبع عشرَة وَمِائَة. الْخَامِس: عبد الله ابْن عمر بن الْخطاب.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي خَمْسَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم مدنيون. وَفِيه: أَن أَبَا بكر لَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ غير هَذَا الحَدِيث، وَكَذَلِكَ فِي (صَحِيح مُسلم) وَفِيه: أَن أَبَا بكر قيل فِيهِ إِنَّه ابْن عَبَّاس بن عبد الرَّحْمَن بِإِسْقَاط عمر بَينهمَا، وَالصَّحِيح إثْبَاته.

ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ جَمِيعًا فِيهِ عَن قُتَيْبَة، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن أَحْمد بن سِنَان عَن عبد الرَّحْمَن بن مهْدي عَن مَالك.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (خشيت الصُّبْح) ، أَي: طلوعه. قَوْله: (أُسوة) بِكَسْر الْهمزَة وَضمّهَا، مَعْنَاهُ: الِاقْتِدَاء. قَوْله: (حَسَنَة) بِالرَّفْع صفة للأسوة. قَوْله: (بلَى وَالله) تَأْكِيد لِلْأَمْرِ الَّذِي أَرَادَهُ. قَوْله: (على الْبَعِير) الْبَعِير: الْجمل الْبَاذِل، وَقيل: الْجذع، وَقد تكون للْأُنْثَى. وَحكي عَن بعض الْعَرَب: شربت من لبن بَعِيري، وصرعتني بعير لي. وَفِي (الْجَامِع) : الْبَعِير بِمَنْزِلَة الْإِنْسَان يجمع الْمُذكر والمؤنث من النَّاس إِذا رَأَيْت جملا على الْبعد قلت: هَذَا بعير، فَإِذا استثبته قلت: جمل أَو نَاقَة. وَتجمع على أَبْعِرَة وأباعرة. وأباعير وبعران وبعران فَإِن قلت: التَّرْجَمَة بالدابة، وَفِي الحَدِيث لفظ: الْبَعِير قلت: ترْجم بهَا تَنْبِيها على أَن لَا فرق بَينهَا وَبَين الْبَعِير فِي الحكم، وَالْجَامِع بَينهمَا أَن الْفَرْض لَا يجزىء على وَاحِدَة مِنْهُمَا.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: احْتج بِهِ عَطاء وَابْن أبي رَبَاح وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَسَالم بن عبد الله وَنَافِع مولى ابْن عمر وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق: على أَن للْمُسَافِر أَن يُصَلِّي الْوتر على دَابَّته. وَقَالَ ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : حَدثنَا يحيى بن سعيد عَن ابْن عجلَان عَن نَافِع عَن ابْن عمر أَنه صلى على رَاحِلَته فأوتر عَلَيْهَا، وَقَالَ: كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُوتر على رَاحِلَته، ويروى ذَلِك عَن عَليّ وَابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَكَانَ مَالك يَقُول: لَا يُصَلِّي على الرَّاحِلَة إِلَّا فِي سفر يقصر فِيهِ الصَّلَاة، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ: قصير السّفر وطويله فِي ذَلِك سَوَاء، يُصَلِّي على رَاحِلَته. وَقَالَ ابْن حزم فِي (الْمحلى) : ويوتر الْمَرْء قَائِما وَقَاعِدا لغير عذر إِن شَاءَ، وعَلى دَابَّته. وَقَالَ مُحَمَّد بن سِيرِين: عَن عُرْوَة بن الزبير وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَأَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد: لَا يجوز الْوتر إلاّ على الأَرْض، كَمَا فِي الْفَرَائِض، ويروى ذَلِك عَن عمر بن الْخطاب وَابْنه عبد الله فِي رِوَايَة ذكرهَا ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) . وَقَالَ الثَّوْريّ: صل الْفَرْض وَالْوتر بِالْأَرْضِ، وَإِن أوترت على راحلتك فَلَا بَأْس، وَاحْتج أهل الْمقَالة الثَّانِيَة بِمَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ: حَدثنَا يزِيد بن سِنَان، قَالَ: حَدثنَا أَبُو عَاصِم، قَالَ: حَدثنَا حَنْظَلَة بن أبي سُفْيَان عَن نَافِع (عَن ابْن عمر: أَنه كَانَ يُصَلِّي على رَاحِلَته ويوتر بِالْأَرْضِ، وَيَزْعُم أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَذَلِك كَانَ يفعل) . وَهَذَا إِسْنَاد صَحِيح وَهُوَ خلاف حَدِيث الْبَاب، وروى الطَّحَاوِيّ أَيْضا عَن أبي بكرَة، بكار القَاضِي، عَن عُثْمَان بن عمر وَبكر بن بكار، كِلَاهُمَا عَن عمر بن ذَر (عَن مُجَاهِد: أَن ابْن عمر كَانَ يُصَلِّي فِي السّفر على بعيره أَيْنَمَا توجه بِهِ، فَإِذا كَانَ فِي السّفر نزل فأوتر) . رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : حَدثنَا هشيم، قَالَ: حَدثنَا حُصَيْن (عَن مُجَاهِد، قَالَ: صَحِبت ابْن عمر من الْمَدِينَة إِلَى مَكَّة فَكَانَ يُصَلِّي على دَابَّته حَيْثُ تَوَجَّهت بِهِ، فَإِذا كَانَت الْفَرِيضَة نزل فصلى) . وَأخرجه أَحْمد فِي (مُسْنده) من حَدِيث سعيد بن جُبَير (أَن ابْن عمر كَانَ يُصَلِّي على رَاحِلَته تَطَوّعا، فَإِذا أَرَادَ أَن يُوتر نزل فأوتر على الأَرْض) . وَحَدِيث حَنْظَلَة بن أبي سُفْيَان يدل على شَيْئَيْنِ: أَحدهمَا فعل ابْن عمر إِنَّه كَانَ يُوتر بِالْأَرْضِ، وَالْآخر أَنه روى عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه كَانَ يفعل كَذَلِك، وَحَدِيث الْبَاب كَذَلِك يدل على الشَّيْئَيْنِ الْمَذْكُورين فَلَا يتم الِاسْتِدْلَال للطائفتين بِهَذَيْنِ الْحَدِيثين غير أَن لأهل الْمقَالة الثَّانِيَة أَن يَقُولُوا: إِن ابْن عمر

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 20 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 21.2 / 29.5
الإضاءة 60%
الهلال الجديد بعد 8 يوم
سبحان الله وبحمده