الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٩٩٩
الحديث رقم ٩٩٩ من كتاب «كتاب الوتر» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الوتر على الدابة.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٩٩٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ قَالَ:
كان ابن عمر رضي الله عنهما إذا خرج إلى مكة حاجا يكون معه حمار يَتروَّح عليه إذا مل الركوب على الراحلة -أي البعير- فيستريح على هذا الحمار ثم يركب الراحلة.
وفي يوم من الأيام لقيه أعرابي فسأله ابن عمر: أنت فلان ابن فلان؟ قال: نعم، فنزل عن الحمار وقال: خذ هذا اركب عليه، وأعطاه عمامة كان قد شد بها رأسه، وقال لهذا الأعرابي: اشدد رأسك بهذا.
فقيل لعبد الله بن عمر: أصلحك الله أو غفر الله لك! إنهم الأعراب، والأعراب يرضون بدون ذلك، يعنون: كيف تنزل أنت عن الحمار تمشي على قدميك، وتعطيه عمامتك التي تشد بها رأسك، وهو أعرابي يرضى بأقل من ذلك.
فقال: «إِنَّ أَبَرَّ البِرِّ صِلَةُ الرَّجُل أَهْلَ وُدِّ أَبِيه»: يعني أن أبر البر إذا مات أبو الرجل أو أمه أو أحد من أقاربه أن تَبُرَّ أهل وُدِّهِ، يعني ليس صديقه فقط بل حتى أقارب صديقه.
وقوله:7و "إِنَّ أبا هذا كان صديقا لعمر" أي: لعمر بن الخطاب أبيه، فلما كان صديقا لأبيه؛ أكرمه برًّا بأبيه عمر رضي الله عنه .
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
فكذا آخرها، وأمَّا قوله في حديث أبي داود: «فمن لم يُوتِرْ فليس منَّا» فمعناه: ليس آخذًا بسُنَّتنا.
(٥) (بابُ) صلاة (الوِتْرِ عَلَى الدَّابَّةِ) بعيرٍ و (١) غيرِه.
٩٩٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمامُ (عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ) ليس له في «البخاري» غير هذا الحديث الواحد (عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ) بالمثنَّاة التَّحتيَّة والمهملة المخفَّفة (أَنَّهُ قَال: كُنْتُ أَسِيرُ مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵄ (بِطَرِيقِ مَكَّةَ، فَقَالَ سَعِيدٌ: فَلَمَّا خَشِيتُ الصُّبْحَ) بكسر الشِّين المعجمة، أي: دخول وقت الصُّبح (نَزَلْتُ) أي: عن مركوبي (فَأَوْتَرْتُ) على الأرض (ثُمَّ لَحِقْتُهُ، فَقَالَ) لي (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: أَيْنَ كُنْتَ؟ فَقُلْتُ) له: (خَشِيتُ الصُّبْحَ، فَنَزَلْتُ فَأَوْتَرْتُ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: أَلَيْسَ لَكَ فِي رَسُولِ اللهِ ﷺ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ؟!) بكسر الهمزة وضمِّها، أي: قدوةٌ (فَقُلْتُ: بَلَى وَاللهِ، قَالَ: فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُوتِرُ عَلَى البَعِيرِ) وسيأتي -إن شاء الله تعالى- أنَّ ابن عمر كان يصلِّي من اللَّيل على دابَّته وهو مسافرٌ، فلو كان واجبًا لما جازت صلاتُه على الدَّابة، وأمَّا ما رواه (٢) عبد الرَّزَّاق عن ابن عمر أيضًا: أنَّه كان يوتر على راحلته، وربَّما نزل فأوتر بالأرض فلِطَلَبِ الأفضل، لا أنَّه واجبٌ، ولكن يُشْكِلُ على ما ذكر أنَّ الوتر كان واجبًا على النَّبيِّ ﷺ، فكيف صلَّاه راكبًا؟ وأُجيب باحتمال
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
الزِّيَادَة فِي النَّوَافِل غير صَحِيح، لِأَن الزِّيَادَة عَن الله تَعَالَى لَا تكون نفلا، وَإِنَّمَا يكون ذَلِك إِذا كَانَ من النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بِشَرْط عدم الْمُوَاظبَة.
وَمِنْهَا حَدِيث أبي بصرة، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الصَّاد الْمُهْملَة، واسْمه: حميل بن بصرة، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الْمِيم، وَقيل: جميل، بِفَتْح الْجِيم وَكسر الْمِيم، قَالَ التِّرْمِذِيّ: لَا يَصح. قَالَ الطَّحَاوِيّ: حَدثنَا عَليّ بن شيبَة، قَالَ: حَدثنَا أَبُو عبد الرَّحْمَن الْمقري حَدثنَا ابْن لَهِيعَة أَن أَبَا تَمِيم عبد الله بن مَالك الجيشاني أخبرهُ أَنه سمع عَمْرو بن الْعَاصِ يَقُول: أَخْبرنِي رجل من أَصْحَاب النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَنه سمع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: (إِن الله قد زادكم صَلَاة فصلوها فِيمَا بَين الْعشَاء إِلَى صَلَاة الصُّبْح: الْوتر، أَلا وَإنَّهُ أَبُو بصرة الْغِفَارِيّ، قَالَ أَبُو تَمِيم: فَكنت أَنا وَأَبُو ذَر قَاعِدين. .) الحَدِيث، وَأخرج الطَّبَرَانِيّ أَيْضا فِي (الْكَبِير: نَحوه، وَعبد الله بن لَهِيعَة ثِقَة عِنْد أَحْمد والطَّحَاوِي.
وَمِنْهَا: حَدِيث أبي هُرَيْرَة أخرجه أَحْمد فِي (مُسْنده) من حَدِيث أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من لم يُوتر فَلَيْسَ منا) . وَمِنْهَا: حَدِيث عبد الله بن عمر وَأخرجه أَحْمد أَيْضا من رِوَايَة عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (إِن الله زادكم صَلَاة فحافظوا عَلَيْهَا وَهِي الْوتر) ، فَقَالَ عَمْرو بن شُعَيْب: نرى أَن يُعَاد الْوتر وَلَو بعد شهر.
وَمِنْهَا حَدِيث بُرَيْدَة أخرجه أَبُو دَاوُود وَقد ذَكرْنَاهُ وَمِنْهَا حَدِيث ابْن عَبَّاس أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادِهِ عَنهُ وَقد ذَكرْنَاهُ.
وَمِنْهَا: حَدِيث عَائِشَة أخرجه أَبُو زيد الدبوسي فِي (كتاب الْأَسْرَار) أَنَّهَا قَالَت: قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أوتروا يَا أهل الْقُرْآن، فَمن لم يُوتر فَلَيْسَ منا) . وَمِنْهَا: حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ أخرجه الْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) بِإِسْنَادِهِ إِلَى أبي سعيد قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من نَام عَن وتر أَو نَسيَه فليصله إِذا أصبح أَو ذكره) . قَالَ الْحَاكِم: صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ، وَنقل تَصْحِيحه ابْن الْحصار أَيْضا عَن شَيْخه، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ. وَمِنْهَا: حَدِيث عبد الله بن مَسْعُود أخرجه ابْن مَاجَه من حَدِيث أبي عُبَيْدَة بن عبد الله بن مَسْعُود عَن أَبِيه عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: (إِن الله وتر يحب الْوتر فأوتروا يَا أهل الْقُرْآن، فَقَالَ أَعْرَابِي: مَا تَقول؟ فَقَالَ: لَيْسَ لَك ولأصحابك) . وَأخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا. وَمِنْهَا: حَدِيث معَاذ بن جبل أخرجه أَحْمد فِي (مُسْنده) من رِوَايَة عبيد الله بن زحر عَن عبد الرحمن بن رَافع التنوخي قَاضِي أفريقية أَن معَاذ بن جبل قدم الشَّام وَأهل الشَّام لَا يوترون، فَقَالَ: وواجب ذَلِك عَلَيْهِم؟ قَالَ: نعم، سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: (زادني رَبِّي، عز وَجل، صَلَاة وَهِي الْوتر فِيمَا بَين الْعشَاء إِلَى طُلُوع الْفجْر) . قلت: عبيد الله بن زحر ضَعِيف جدا، وَمُعَاوِيَة لم يتأمر فِي حَيَاة معَاذ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَمِنْهَا: حَدِيث أبي بَرزَة أخرجه أَبُو عمر فِي (الاستذكار) عَنهُ أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (الْوتر حق فَمن لم يُوتر فَلَيْسَ منا) . وَمِنْهَا: حَدِيث أبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ فِي (سنَنه) : بِإِسْنَادِهِ إِلَيْهِ قَالَ: قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (الْوتر حق وَاجِب) الحَدِيث. وَمِنْهَا: حَدِيث سُلَيْمَان بن صرد أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) بِإِسْنَادِهِ إِلَيْهِ، قَالَ: قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (استاكوا وتنظفوا وأوتروا فَإِن الله وتر يحب الْوتر) . وَفِي سَنَده إِسْمَاعِيل بن عَمْرو، وَثَّقَهُ ابْن حبَان وَضَعفه الدَّارَقُطْنِيّ. حَدِيث عقبَة بن عَامر وَعَمْرو بن الْعَاصِ فأخرجهما الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) و (الْأَوْسَط) بِإِسْنَادِهِ إِلَيْهِمَا عَنْهُمَا عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (إِن الله زادكم صَلَاة هِيَ خير لكم من حمر النعم: الْوتر، وَهِي فِيمَا بَين صَلَاة الْعشَاء إِلَى طُلُوع الْفجْر) . وَمِنْهَا: حَدِيث عبد الله ابْن أبي أوفى أخرجه الْبَيْهَقِيّ فِي (الخلافيات) من رِوَايَة أَحْمد بن مُصعب: حَدثنَا الْفضل بن مُوسَى حَدثنَا أَبُو حنيفَة عَن أبي يَعْفُور عَن عبد الله بن أبي أوفى عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: (إِن الله زادكم صَلَاة وَهِي الْوتر) .
٥ - (بابُ الوِتْرِ عَلَى الدَّابَّةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْوتر على الدَّابَّة، وَلم يلْزم بِبَيَان حكمه اكْتِفَاء بِمَا فِي الحَدِيث، وَالْمرَاد من الدَّابَّة هُنَا دَابَّة يركب عَلَيْهَا.
٩٩٩ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ حدَّثني مالِكٌ عنْ أبي بَكْرِ بنِ عُمَرَ بنِ عبْدِ الرَّحْمانِ بنِ عَبْدِ الله ابنِ عُمَرَ بن الخَطَّابِ عنْ سَعِيدِ بنِ يَسَارٍ أنَّهُ قَالَ كُنْتُ أسيرُ مَعَ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ بِطَرِيقِ مَكَّةَ فَقَالَ سَعِيدٌ فَلَمَّا خَشِيتُ الصُّبْحَ نزَلْتُ فأوْتَرْتُ ثُمَّ لَحِقْتُهِ فقالَ عَبْدُ الله بنُ عُمَرَ أيْنَ كُنْتَ
فَقُلْتُ خَشِيتُ الصُّبْحَ فنَزَلْتُ فأوْتَرْتُ فَقَالَ عَبْدُ الله ألَيْسَ لَكَ فِي رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أسْوَةٌ حَسَنَةٌ فَقُلْتُ بَلَى وَالله قَالَ فإنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كانَ يُوتِرُ عَلَى البَعِيرِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهِي فِي قَوْله: (كَانَ يُوتر على الْبَعِير) ، وَهُوَ بَين حكم التَّرْجَمَة لِأَنَّهَا كَانَت مُبْهمَة.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: إِسْمَاعِيل بن أبي إويس، وَاسم أبي أويس عبد الله وَهُوَ ابْن أُخْت مَالك بن أنس، وَقد مر غير مرّة. الثَّانِي: مَالك بن أنس. الثَّالِث: أَبُو بكر بن عمر، لَا يعرف اسْمه، وَقَالَ ابْن حبَان: ثِقَة، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: لَا بَأْس بِهِ لَا يُسمى. الرَّابِع: سعيد بن يسَار ضد الْيَمين أَبُو الْحباب، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْبَاء الأولى، من عُلَمَاء الْمَدِينَة، مَاتَ سنة سبع عشرَة وَمِائَة. الْخَامِس: عبد الله ابْن عمر بن الْخطاب.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي خَمْسَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم مدنيون. وَفِيه: أَن أَبَا بكر لَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ غير هَذَا الحَدِيث، وَكَذَلِكَ فِي (صَحِيح مُسلم) وَفِيه: أَن أَبَا بكر قيل فِيهِ إِنَّه ابْن عَبَّاس بن عبد الرَّحْمَن بِإِسْقَاط عمر بَينهمَا، وَالصَّحِيح إثْبَاته.
ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ جَمِيعًا فِيهِ عَن قُتَيْبَة، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن أَحْمد بن سِنَان عَن عبد الرَّحْمَن بن مهْدي عَن مَالك.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (خشيت الصُّبْح) ، أَي: طلوعه. قَوْله: (أُسوة) بِكَسْر الْهمزَة وَضمّهَا، مَعْنَاهُ: الِاقْتِدَاء. قَوْله: (حَسَنَة) بِالرَّفْع صفة للأسوة. قَوْله: (بلَى وَالله) تَأْكِيد لِلْأَمْرِ الَّذِي أَرَادَهُ. قَوْله: (على الْبَعِير) الْبَعِير: الْجمل الْبَاذِل، وَقيل: الْجذع، وَقد تكون للْأُنْثَى. وَحكي عَن بعض الْعَرَب: شربت من لبن بَعِيري، وصرعتني بعير لي. وَفِي (الْجَامِع) : الْبَعِير بِمَنْزِلَة الْإِنْسَان يجمع الْمُذكر والمؤنث من النَّاس إِذا رَأَيْت جملا على الْبعد قلت: هَذَا بعير، فَإِذا استثبته قلت: جمل أَو نَاقَة. وَتجمع على أَبْعِرَة وأباعرة. وأباعير وبعران وبعران فَإِن قلت: التَّرْجَمَة بالدابة، وَفِي الحَدِيث لفظ: الْبَعِير قلت: ترْجم بهَا تَنْبِيها على أَن لَا فرق بَينهَا وَبَين الْبَعِير فِي الحكم، وَالْجَامِع بَينهمَا أَن الْفَرْض لَا يجزىء على وَاحِدَة مِنْهُمَا.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: احْتج بِهِ عَطاء وَابْن أبي رَبَاح وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَسَالم بن عبد الله وَنَافِع مولى ابْن عمر وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق: على أَن للْمُسَافِر أَن يُصَلِّي الْوتر على دَابَّته. وَقَالَ ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : حَدثنَا يحيى بن سعيد عَن ابْن عجلَان عَن نَافِع عَن ابْن عمر أَنه صلى على رَاحِلَته فأوتر عَلَيْهَا، وَقَالَ: كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُوتر على رَاحِلَته، ويروى ذَلِك عَن عَليّ وَابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَكَانَ مَالك يَقُول: لَا يُصَلِّي على الرَّاحِلَة إِلَّا فِي سفر يقصر فِيهِ الصَّلَاة، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ: قصير السّفر وطويله فِي ذَلِك سَوَاء، يُصَلِّي على رَاحِلَته. وَقَالَ ابْن حزم فِي (الْمحلى) : ويوتر الْمَرْء قَائِما وَقَاعِدا لغير عذر إِن شَاءَ، وعَلى دَابَّته. وَقَالَ مُحَمَّد بن سِيرِين: عَن عُرْوَة بن الزبير وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَأَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد: لَا يجوز الْوتر إلاّ على الأَرْض، كَمَا فِي الْفَرَائِض، ويروى ذَلِك عَن عمر بن الْخطاب وَابْنه عبد الله فِي رِوَايَة ذكرهَا ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) . وَقَالَ الثَّوْريّ: صل الْفَرْض وَالْوتر بِالْأَرْضِ، وَإِن أوترت على راحلتك فَلَا بَأْس، وَاحْتج أهل الْمقَالة الثَّانِيَة بِمَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ: حَدثنَا يزِيد بن سِنَان، قَالَ: حَدثنَا أَبُو عَاصِم، قَالَ: حَدثنَا حَنْظَلَة بن أبي سُفْيَان عَن نَافِع (عَن ابْن عمر: أَنه كَانَ يُصَلِّي على رَاحِلَته ويوتر بِالْأَرْضِ، وَيَزْعُم أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَذَلِك كَانَ يفعل) . وَهَذَا إِسْنَاد صَحِيح وَهُوَ خلاف حَدِيث الْبَاب، وروى الطَّحَاوِيّ أَيْضا عَن أبي بكرَة، بكار القَاضِي، عَن عُثْمَان بن عمر وَبكر بن بكار، كِلَاهُمَا عَن عمر بن ذَر (عَن مُجَاهِد: أَن ابْن عمر كَانَ يُصَلِّي فِي السّفر على بعيره أَيْنَمَا توجه بِهِ، فَإِذا كَانَ فِي السّفر نزل فأوتر) . رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : حَدثنَا هشيم، قَالَ: حَدثنَا حُصَيْن (عَن مُجَاهِد، قَالَ: صَحِبت ابْن عمر من الْمَدِينَة إِلَى مَكَّة فَكَانَ يُصَلِّي على دَابَّته حَيْثُ تَوَجَّهت بِهِ، فَإِذا كَانَت الْفَرِيضَة نزل فصلى) . وَأخرجه أَحْمد فِي (مُسْنده) من حَدِيث سعيد بن جُبَير (أَن ابْن عمر كَانَ يُصَلِّي على رَاحِلَته تَطَوّعا، فَإِذا أَرَادَ أَن يُوتر نزل فأوتر على الأَرْض) . وَحَدِيث حَنْظَلَة بن أبي سُفْيَان يدل على شَيْئَيْنِ: أَحدهمَا فعل ابْن عمر إِنَّه كَانَ يُوتر بِالْأَرْضِ، وَالْآخر أَنه روى عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه كَانَ يفعل كَذَلِك، وَحَدِيث الْبَاب كَذَلِك يدل على الشَّيْئَيْنِ الْمَذْكُورين فَلَا يتم الِاسْتِدْلَال للطائفتين بِهَذَيْنِ الْحَدِيثين غير أَن لأهل الْمقَالة الثَّانِيَة أَن يَقُولُوا: إِن ابْن عمر
يحْتَمل أَنه كَانَ لَا يرى بِوُجُوب الْوتر، وَكَانَ الْوتر عِنْده كَسَائِر التطوعات، فَيجوز فعله على الدَّابَّة وعَلى الأَرْض، لِأَن صلَاته إِيَّاه على الأَرْض لَا يَنْفِي أَن يكون لَهُ أَن يُصَلِّي على الرَّاحِلَة. وَأما إيتاره، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، على الرَّاحِلَة فَيجوز أَن يكون ذَلِك قبل أَن يلفظ امْر الْوتر ثمَّ أحكم من بعد وَلم يرخص فِي تَركه، فالتحق بالواجبات فِي هَذَا الْأَمر بالأحاديث الَّتِي ذَكرنَاهَا عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة فِي الْبَاب السَّابِق، وَوجه النّظر وَالْقِيَاس أَيْضا يَقْتَضِي عدم جَوَازه على الرَّاحِلَة، بَيَان ذَلِك أَن الأَصْل الْمُتَّفق عدم جَوَاز صَلَاة الرجل وتره على الأَرْض قَاعِدا، وَهُوَ يقدر على الْقيام، فالنظر على ذَلِك أَن لَا يصليه فِي السّفر على رَاحِلَته وَهُوَ يُطيق النُّزُول. قَالَ الطَّحَاوِيّ: فَمن هَذِه الْجِهَة عِنْدِي ثَبت نسخ الْوتر على الرَّاحِلَة. فَإِن قلت: مَا حَقِيقَة النّسخ فِي ذَلِك وَمَا وَجهه؟ قلت: وَجه ذَلِك أَن يكون بِدلَالَة التَّارِيخ، وَهُوَ أَن يكون أحد النصين مُوجبا للْمَنْع وَالْآخر مُوجبا للْإِبَاحَة، فَإِن التَّعَارُض بَين الْحَدِيثين الْمَذْكُورين ظَاهر، ثمَّ يَنْتَفِي ذَلِك بِدلَالَة التَّارِيخ، وَهُوَ أَن يكون النَّص الْمُوجب للْمَنْع مُتَأَخِّرًا عَن الْمُوجب للْإِبَاحَة، فَكَانَ الْأَخْذ بِهِ أولى وأحق. فَإِن قلت: كَيفَ يكون النّسخ بِمَا ذكرت وَقد صَحَّ عَن ابْن عمر أَنه كَانَ يُوتر على رَاحِلَته بعد النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَيَقُول: كَانَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يفعل ذَلِك؟ قلت: قد قُلْنَا: إِنَّه كَانَ يجوز أَن يكون الْوتر عِنْده كالتطوع، فَحِينَئِذٍ يكون لَهُ الْخِيَار فِي الصَّلَاة على الرَّاحِلَة وعَلى الأَرْض كَمَا فِي التَّطَوُّع، على أَن مُجَاهدًا قد روى عَنهُ أَنه كَانَ ينزل للوتر، على مَا ذكرنَا، فعلى هَذَا يجوز أَن يكون مَا فعله من وتره على الرَّاحِلَة قبل علمه بالنسخ، ثمَّ لما علمه رَجَعَ إِلَيْهِ وَترك الْوتر على الرَّاحِلَة، وَبِهَذَا التَّقْرِير الَّذِي ذَكرْنَاهُ بَطل مَا قَالَه ابْن بطال: هَذَا الحَدِيث أَي: حَدِيث الْبَاب حجَّة على أبي حنيفَة فِي إِيجَابه الْوتر، لِأَنَّهُ لَا خلاف أَنه لَا يجوز أَن يُصَلِّي الْوَاجِب رَاكِبًا فِي غير حَال الْعذر، وَلَو كَانَ الْوتر وَاجِبا مَا صلاه رَاكِبًا، وَكَذَلِكَ بَطل مَا قَالَه الْكرْمَانِي. فَإِن قيل: روى مُجَاهِد أَن ابْن عمر نزل فأوتر قُلْنَا: نزل طلبا للأفضل، لَا أَن ذَلِك كَانَ وَاجِبا، وَبَطل أَيْضا مَا قَالَه بَعضهم: إِن هَذَا الحَدِيث يدل على كَون الْوتر نفلا، فيا للعجب من هَؤُلَاءِ كَيفَ تركُوا الْأَحَادِيث الدَّالَّة على وجوب الْوتر، وَتركُوا الْإِنْصَاف، وسلكوا طَرِيق التعسف لترويج مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ من غير برهَان قَاطع.
٦ - (بابُ الوِتْرِ فِي السَّفَرِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْوتر فِي السّفر، قيل: إِنَّه أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى الرَّد على من قَالَ: إِن الْوتر لَا يسن فِي السّفر. وَقَالَ ابْن بطال: الْوتر سنة مُؤَكدَة فِي السّفر والحضر، وَهَذَا رد على الضَّحَّاك فِيمَا قَالَ: إِن الْمُسَافِر لَا وتر عَلَيْهِ.
٠٠٠١ - حدَّثنا مُوساى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا جُوَيْرَةُ بنُ أسمَاءٍ عنِ ابْن عُمَرَ قَالَ كَانَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُصَلِّي فِي السَّفَرِ عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ يُومِىءُ إيمَاءً صَلَاةَ اللَّيْل إلَاّ الفَرَائِضَ ويُوتِرُ عَلَى رَاحِلَتِهِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ويوتر على رَاحِلَته) .
ذكر رِجَاله: وهم أَرْبَعَة: الأول: مُوسَى بن إِسْمَاعِيل أَبُو سَلمَة الْمنْقري التَّبُوذَكِي. الثَّانِي: جوَيْرِية تَصْغِير جَارِيَة بِالْجِيم ابْن أَسمَاء، بِفَتْح الْهمزَة وبالمد على وزن: حَمْرَاء، مر فِي كتاب الْغسْل فِي: بَاب الْجنب يتَوَضَّأ. الثَّالِث: نَافِع مولى ابْن عمر. الرَّابِع: عبد الله بن عمر بن الْخطاب.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شَيْخه بَصرِي وَشَيخ شَيْخه أَيْضا وَالثَّالِث مدنِي، وَهُوَ من الرباعيات، وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (على رَاحِلَته) الرَّاحِلَة: النَّاقة الَّتِي تصلح لِأَن ترحل، وَكَذَلِكَ الرحول، وَيُقَال: الرَّاحِلَة الْمركب من الْإِبِل ذكرا كَانَ أَو أُنْثَى، قَالَه الْجَوْهَرِي. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الرَّاحِلَة من الْإِبِل: الْبَعِير الْقوي على الْأَسْفَار والأحمال، وَالذكر وَالْأُنْثَى فِيهِ سَوَاء، وَالْهَاء فِيهَا للْمُبَالَغَة، وَهِي الَّتِي يختارها الرجل لمركبه ورحله على النجابة وَتَمام الْخلق وَحسن المنظر،
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
فكذا آخرها، وأمَّا قوله في حديث أبي داود: «فمن لم يُوتِرْ فليس منَّا» فمعناه: ليس آخذًا بسُنَّتنا.
(٥) (بابُ) صلاة (الوِتْرِ عَلَى الدَّابَّةِ) بعيرٍ و (١) غيرِه.
٩٩٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمامُ (عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ) ليس له في «البخاري» غير هذا الحديث الواحد (عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ) بالمثنَّاة التَّحتيَّة والمهملة المخفَّفة (أَنَّهُ قَال: كُنْتُ أَسِيرُ مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵄ (بِطَرِيقِ مَكَّةَ، فَقَالَ سَعِيدٌ: فَلَمَّا خَشِيتُ الصُّبْحَ) بكسر الشِّين المعجمة، أي: دخول وقت الصُّبح (نَزَلْتُ) أي: عن مركوبي (فَأَوْتَرْتُ) على الأرض (ثُمَّ لَحِقْتُهُ، فَقَالَ) لي (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: أَيْنَ كُنْتَ؟ فَقُلْتُ) له: (خَشِيتُ الصُّبْحَ، فَنَزَلْتُ فَأَوْتَرْتُ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: أَلَيْسَ لَكَ فِي رَسُولِ اللهِ ﷺ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ؟!) بكسر الهمزة وضمِّها، أي: قدوةٌ (فَقُلْتُ: بَلَى وَاللهِ، قَالَ: فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُوتِرُ عَلَى البَعِيرِ) وسيأتي -إن شاء الله تعالى- أنَّ ابن عمر كان يصلِّي من اللَّيل على دابَّته وهو مسافرٌ، فلو كان واجبًا لما جازت صلاتُه على الدَّابة، وأمَّا ما رواه (٢) عبد الرَّزَّاق عن ابن عمر أيضًا: أنَّه كان يوتر على راحلته، وربَّما نزل فأوتر بالأرض فلِطَلَبِ الأفضل، لا أنَّه واجبٌ، ولكن يُشْكِلُ على ما ذكر أنَّ الوتر كان واجبًا على النَّبيِّ ﷺ، فكيف صلَّاه راكبًا؟ وأُجيب باحتمال
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
الزِّيَادَة فِي النَّوَافِل غير صَحِيح، لِأَن الزِّيَادَة عَن الله تَعَالَى لَا تكون نفلا، وَإِنَّمَا يكون ذَلِك إِذا كَانَ من النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بِشَرْط عدم الْمُوَاظبَة.
وَمِنْهَا حَدِيث أبي بصرة، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الصَّاد الْمُهْملَة، واسْمه: حميل بن بصرة، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الْمِيم، وَقيل: جميل، بِفَتْح الْجِيم وَكسر الْمِيم، قَالَ التِّرْمِذِيّ: لَا يَصح. قَالَ الطَّحَاوِيّ: حَدثنَا عَليّ بن شيبَة، قَالَ: حَدثنَا أَبُو عبد الرَّحْمَن الْمقري حَدثنَا ابْن لَهِيعَة أَن أَبَا تَمِيم عبد الله بن مَالك الجيشاني أخبرهُ أَنه سمع عَمْرو بن الْعَاصِ يَقُول: أَخْبرنِي رجل من أَصْحَاب النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَنه سمع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: (إِن الله قد زادكم صَلَاة فصلوها فِيمَا بَين الْعشَاء إِلَى صَلَاة الصُّبْح: الْوتر، أَلا وَإنَّهُ أَبُو بصرة الْغِفَارِيّ، قَالَ أَبُو تَمِيم: فَكنت أَنا وَأَبُو ذَر قَاعِدين. .) الحَدِيث، وَأخرج الطَّبَرَانِيّ أَيْضا فِي (الْكَبِير: نَحوه، وَعبد الله بن لَهِيعَة ثِقَة عِنْد أَحْمد والطَّحَاوِي.
وَمِنْهَا: حَدِيث أبي هُرَيْرَة أخرجه أَحْمد فِي (مُسْنده) من حَدِيث أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من لم يُوتر فَلَيْسَ منا) . وَمِنْهَا: حَدِيث عبد الله بن عمر وَأخرجه أَحْمد أَيْضا من رِوَايَة عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (إِن الله زادكم صَلَاة فحافظوا عَلَيْهَا وَهِي الْوتر) ، فَقَالَ عَمْرو بن شُعَيْب: نرى أَن يُعَاد الْوتر وَلَو بعد شهر.
وَمِنْهَا حَدِيث بُرَيْدَة أخرجه أَبُو دَاوُود وَقد ذَكرْنَاهُ وَمِنْهَا حَدِيث ابْن عَبَّاس أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادِهِ عَنهُ وَقد ذَكرْنَاهُ.
وَمِنْهَا: حَدِيث عَائِشَة أخرجه أَبُو زيد الدبوسي فِي (كتاب الْأَسْرَار) أَنَّهَا قَالَت: قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أوتروا يَا أهل الْقُرْآن، فَمن لم يُوتر فَلَيْسَ منا) . وَمِنْهَا: حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ أخرجه الْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) بِإِسْنَادِهِ إِلَى أبي سعيد قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من نَام عَن وتر أَو نَسيَه فليصله إِذا أصبح أَو ذكره) . قَالَ الْحَاكِم: صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ، وَنقل تَصْحِيحه ابْن الْحصار أَيْضا عَن شَيْخه، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ. وَمِنْهَا: حَدِيث عبد الله بن مَسْعُود أخرجه ابْن مَاجَه من حَدِيث أبي عُبَيْدَة بن عبد الله بن مَسْعُود عَن أَبِيه عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: (إِن الله وتر يحب الْوتر فأوتروا يَا أهل الْقُرْآن، فَقَالَ أَعْرَابِي: مَا تَقول؟ فَقَالَ: لَيْسَ لَك ولأصحابك) . وَأخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا. وَمِنْهَا: حَدِيث معَاذ بن جبل أخرجه أَحْمد فِي (مُسْنده) من رِوَايَة عبيد الله بن زحر عَن عبد الرحمن بن رَافع التنوخي قَاضِي أفريقية أَن معَاذ بن جبل قدم الشَّام وَأهل الشَّام لَا يوترون، فَقَالَ: وواجب ذَلِك عَلَيْهِم؟ قَالَ: نعم، سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: (زادني رَبِّي، عز وَجل، صَلَاة وَهِي الْوتر فِيمَا بَين الْعشَاء إِلَى طُلُوع الْفجْر) . قلت: عبيد الله بن زحر ضَعِيف جدا، وَمُعَاوِيَة لم يتأمر فِي حَيَاة معَاذ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَمِنْهَا: حَدِيث أبي بَرزَة أخرجه أَبُو عمر فِي (الاستذكار) عَنهُ أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (الْوتر حق فَمن لم يُوتر فَلَيْسَ منا) . وَمِنْهَا: حَدِيث أبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ فِي (سنَنه) : بِإِسْنَادِهِ إِلَيْهِ قَالَ: قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (الْوتر حق وَاجِب) الحَدِيث. وَمِنْهَا: حَدِيث سُلَيْمَان بن صرد أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) بِإِسْنَادِهِ إِلَيْهِ، قَالَ: قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (استاكوا وتنظفوا وأوتروا فَإِن الله وتر يحب الْوتر) . وَفِي سَنَده إِسْمَاعِيل بن عَمْرو، وَثَّقَهُ ابْن حبَان وَضَعفه الدَّارَقُطْنِيّ. حَدِيث عقبَة بن عَامر وَعَمْرو بن الْعَاصِ فأخرجهما الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) و (الْأَوْسَط) بِإِسْنَادِهِ إِلَيْهِمَا عَنْهُمَا عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (إِن الله زادكم صَلَاة هِيَ خير لكم من حمر النعم: الْوتر، وَهِي فِيمَا بَين صَلَاة الْعشَاء إِلَى طُلُوع الْفجْر) . وَمِنْهَا: حَدِيث عبد الله ابْن أبي أوفى أخرجه الْبَيْهَقِيّ فِي (الخلافيات) من رِوَايَة أَحْمد بن مُصعب: حَدثنَا الْفضل بن مُوسَى حَدثنَا أَبُو حنيفَة عَن أبي يَعْفُور عَن عبد الله بن أبي أوفى عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: (إِن الله زادكم صَلَاة وَهِي الْوتر) .
٥ - (بابُ الوِتْرِ عَلَى الدَّابَّةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْوتر على الدَّابَّة، وَلم يلْزم بِبَيَان حكمه اكْتِفَاء بِمَا فِي الحَدِيث، وَالْمرَاد من الدَّابَّة هُنَا دَابَّة يركب عَلَيْهَا.
٩٩٩ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ حدَّثني مالِكٌ عنْ أبي بَكْرِ بنِ عُمَرَ بنِ عبْدِ الرَّحْمانِ بنِ عَبْدِ الله ابنِ عُمَرَ بن الخَطَّابِ عنْ سَعِيدِ بنِ يَسَارٍ أنَّهُ قَالَ كُنْتُ أسيرُ مَعَ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ بِطَرِيقِ مَكَّةَ فَقَالَ سَعِيدٌ فَلَمَّا خَشِيتُ الصُّبْحَ نزَلْتُ فأوْتَرْتُ ثُمَّ لَحِقْتُهِ فقالَ عَبْدُ الله بنُ عُمَرَ أيْنَ كُنْتَ
فَقُلْتُ خَشِيتُ الصُّبْحَ فنَزَلْتُ فأوْتَرْتُ فَقَالَ عَبْدُ الله ألَيْسَ لَكَ فِي رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أسْوَةٌ حَسَنَةٌ فَقُلْتُ بَلَى وَالله قَالَ فإنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كانَ يُوتِرُ عَلَى البَعِيرِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهِي فِي قَوْله: (كَانَ يُوتر على الْبَعِير) ، وَهُوَ بَين حكم التَّرْجَمَة لِأَنَّهَا كَانَت مُبْهمَة.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: إِسْمَاعِيل بن أبي إويس، وَاسم أبي أويس عبد الله وَهُوَ ابْن أُخْت مَالك بن أنس، وَقد مر غير مرّة. الثَّانِي: مَالك بن أنس. الثَّالِث: أَبُو بكر بن عمر، لَا يعرف اسْمه، وَقَالَ ابْن حبَان: ثِقَة، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: لَا بَأْس بِهِ لَا يُسمى. الرَّابِع: سعيد بن يسَار ضد الْيَمين أَبُو الْحباب، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْبَاء الأولى، من عُلَمَاء الْمَدِينَة، مَاتَ سنة سبع عشرَة وَمِائَة. الْخَامِس: عبد الله ابْن عمر بن الْخطاب.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي خَمْسَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم مدنيون. وَفِيه: أَن أَبَا بكر لَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ غير هَذَا الحَدِيث، وَكَذَلِكَ فِي (صَحِيح مُسلم) وَفِيه: أَن أَبَا بكر قيل فِيهِ إِنَّه ابْن عَبَّاس بن عبد الرَّحْمَن بِإِسْقَاط عمر بَينهمَا، وَالصَّحِيح إثْبَاته.
ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ جَمِيعًا فِيهِ عَن قُتَيْبَة، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن أَحْمد بن سِنَان عَن عبد الرَّحْمَن بن مهْدي عَن مَالك.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (خشيت الصُّبْح) ، أَي: طلوعه. قَوْله: (أُسوة) بِكَسْر الْهمزَة وَضمّهَا، مَعْنَاهُ: الِاقْتِدَاء. قَوْله: (حَسَنَة) بِالرَّفْع صفة للأسوة. قَوْله: (بلَى وَالله) تَأْكِيد لِلْأَمْرِ الَّذِي أَرَادَهُ. قَوْله: (على الْبَعِير) الْبَعِير: الْجمل الْبَاذِل، وَقيل: الْجذع، وَقد تكون للْأُنْثَى. وَحكي عَن بعض الْعَرَب: شربت من لبن بَعِيري، وصرعتني بعير لي. وَفِي (الْجَامِع) : الْبَعِير بِمَنْزِلَة الْإِنْسَان يجمع الْمُذكر والمؤنث من النَّاس إِذا رَأَيْت جملا على الْبعد قلت: هَذَا بعير، فَإِذا استثبته قلت: جمل أَو نَاقَة. وَتجمع على أَبْعِرَة وأباعرة. وأباعير وبعران وبعران فَإِن قلت: التَّرْجَمَة بالدابة، وَفِي الحَدِيث لفظ: الْبَعِير قلت: ترْجم بهَا تَنْبِيها على أَن لَا فرق بَينهَا وَبَين الْبَعِير فِي الحكم، وَالْجَامِع بَينهمَا أَن الْفَرْض لَا يجزىء على وَاحِدَة مِنْهُمَا.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: احْتج بِهِ عَطاء وَابْن أبي رَبَاح وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَسَالم بن عبد الله وَنَافِع مولى ابْن عمر وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق: على أَن للْمُسَافِر أَن يُصَلِّي الْوتر على دَابَّته. وَقَالَ ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : حَدثنَا يحيى بن سعيد عَن ابْن عجلَان عَن نَافِع عَن ابْن عمر أَنه صلى على رَاحِلَته فأوتر عَلَيْهَا، وَقَالَ: كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُوتر على رَاحِلَته، ويروى ذَلِك عَن عَليّ وَابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَكَانَ مَالك يَقُول: لَا يُصَلِّي على الرَّاحِلَة إِلَّا فِي سفر يقصر فِيهِ الصَّلَاة، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ: قصير السّفر وطويله فِي ذَلِك سَوَاء، يُصَلِّي على رَاحِلَته. وَقَالَ ابْن حزم فِي (الْمحلى) : ويوتر الْمَرْء قَائِما وَقَاعِدا لغير عذر إِن شَاءَ، وعَلى دَابَّته. وَقَالَ مُحَمَّد بن سِيرِين: عَن عُرْوَة بن الزبير وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَأَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد: لَا يجوز الْوتر إلاّ على الأَرْض، كَمَا فِي الْفَرَائِض، ويروى ذَلِك عَن عمر بن الْخطاب وَابْنه عبد الله فِي رِوَايَة ذكرهَا ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) . وَقَالَ الثَّوْريّ: صل الْفَرْض وَالْوتر بِالْأَرْضِ، وَإِن أوترت على راحلتك فَلَا بَأْس، وَاحْتج أهل الْمقَالة الثَّانِيَة بِمَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ: حَدثنَا يزِيد بن سِنَان، قَالَ: حَدثنَا أَبُو عَاصِم، قَالَ: حَدثنَا حَنْظَلَة بن أبي سُفْيَان عَن نَافِع (عَن ابْن عمر: أَنه كَانَ يُصَلِّي على رَاحِلَته ويوتر بِالْأَرْضِ، وَيَزْعُم أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَذَلِك كَانَ يفعل) . وَهَذَا إِسْنَاد صَحِيح وَهُوَ خلاف حَدِيث الْبَاب، وروى الطَّحَاوِيّ أَيْضا عَن أبي بكرَة، بكار القَاضِي، عَن عُثْمَان بن عمر وَبكر بن بكار، كِلَاهُمَا عَن عمر بن ذَر (عَن مُجَاهِد: أَن ابْن عمر كَانَ يُصَلِّي فِي السّفر على بعيره أَيْنَمَا توجه بِهِ، فَإِذا كَانَ فِي السّفر نزل فأوتر) . رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : حَدثنَا هشيم، قَالَ: حَدثنَا حُصَيْن (عَن مُجَاهِد، قَالَ: صَحِبت ابْن عمر من الْمَدِينَة إِلَى مَكَّة فَكَانَ يُصَلِّي على دَابَّته حَيْثُ تَوَجَّهت بِهِ، فَإِذا كَانَت الْفَرِيضَة نزل فصلى) . وَأخرجه أَحْمد فِي (مُسْنده) من حَدِيث سعيد بن جُبَير (أَن ابْن عمر كَانَ يُصَلِّي على رَاحِلَته تَطَوّعا، فَإِذا أَرَادَ أَن يُوتر نزل فأوتر على الأَرْض) . وَحَدِيث حَنْظَلَة بن أبي سُفْيَان يدل على شَيْئَيْنِ: أَحدهمَا فعل ابْن عمر إِنَّه كَانَ يُوتر بِالْأَرْضِ، وَالْآخر أَنه روى عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه كَانَ يفعل كَذَلِك، وَحَدِيث الْبَاب كَذَلِك يدل على الشَّيْئَيْنِ الْمَذْكُورين فَلَا يتم الِاسْتِدْلَال للطائفتين بِهَذَيْنِ الْحَدِيثين غير أَن لأهل الْمقَالة الثَّانِيَة أَن يَقُولُوا: إِن ابْن عمر
يحْتَمل أَنه كَانَ لَا يرى بِوُجُوب الْوتر، وَكَانَ الْوتر عِنْده كَسَائِر التطوعات، فَيجوز فعله على الدَّابَّة وعَلى الأَرْض، لِأَن صلَاته إِيَّاه على الأَرْض لَا يَنْفِي أَن يكون لَهُ أَن يُصَلِّي على الرَّاحِلَة. وَأما إيتاره، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، على الرَّاحِلَة فَيجوز أَن يكون ذَلِك قبل أَن يلفظ امْر الْوتر ثمَّ أحكم من بعد وَلم يرخص فِي تَركه، فالتحق بالواجبات فِي هَذَا الْأَمر بالأحاديث الَّتِي ذَكرنَاهَا عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة فِي الْبَاب السَّابِق، وَوجه النّظر وَالْقِيَاس أَيْضا يَقْتَضِي عدم جَوَازه على الرَّاحِلَة، بَيَان ذَلِك أَن الأَصْل الْمُتَّفق عدم جَوَاز صَلَاة الرجل وتره على الأَرْض قَاعِدا، وَهُوَ يقدر على الْقيام، فالنظر على ذَلِك أَن لَا يصليه فِي السّفر على رَاحِلَته وَهُوَ يُطيق النُّزُول. قَالَ الطَّحَاوِيّ: فَمن هَذِه الْجِهَة عِنْدِي ثَبت نسخ الْوتر على الرَّاحِلَة. فَإِن قلت: مَا حَقِيقَة النّسخ فِي ذَلِك وَمَا وَجهه؟ قلت: وَجه ذَلِك أَن يكون بِدلَالَة التَّارِيخ، وَهُوَ أَن يكون أحد النصين مُوجبا للْمَنْع وَالْآخر مُوجبا للْإِبَاحَة، فَإِن التَّعَارُض بَين الْحَدِيثين الْمَذْكُورين ظَاهر، ثمَّ يَنْتَفِي ذَلِك بِدلَالَة التَّارِيخ، وَهُوَ أَن يكون النَّص الْمُوجب للْمَنْع مُتَأَخِّرًا عَن الْمُوجب للْإِبَاحَة، فَكَانَ الْأَخْذ بِهِ أولى وأحق. فَإِن قلت: كَيفَ يكون النّسخ بِمَا ذكرت وَقد صَحَّ عَن ابْن عمر أَنه كَانَ يُوتر على رَاحِلَته بعد النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَيَقُول: كَانَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يفعل ذَلِك؟ قلت: قد قُلْنَا: إِنَّه كَانَ يجوز أَن يكون الْوتر عِنْده كالتطوع، فَحِينَئِذٍ يكون لَهُ الْخِيَار فِي الصَّلَاة على الرَّاحِلَة وعَلى الأَرْض كَمَا فِي التَّطَوُّع، على أَن مُجَاهدًا قد روى عَنهُ أَنه كَانَ ينزل للوتر، على مَا ذكرنَا، فعلى هَذَا يجوز أَن يكون مَا فعله من وتره على الرَّاحِلَة قبل علمه بالنسخ، ثمَّ لما علمه رَجَعَ إِلَيْهِ وَترك الْوتر على الرَّاحِلَة، وَبِهَذَا التَّقْرِير الَّذِي ذَكرْنَاهُ بَطل مَا قَالَه ابْن بطال: هَذَا الحَدِيث أَي: حَدِيث الْبَاب حجَّة على أبي حنيفَة فِي إِيجَابه الْوتر، لِأَنَّهُ لَا خلاف أَنه لَا يجوز أَن يُصَلِّي الْوَاجِب رَاكِبًا فِي غير حَال الْعذر، وَلَو كَانَ الْوتر وَاجِبا مَا صلاه رَاكِبًا، وَكَذَلِكَ بَطل مَا قَالَه الْكرْمَانِي. فَإِن قيل: روى مُجَاهِد أَن ابْن عمر نزل فأوتر قُلْنَا: نزل طلبا للأفضل، لَا أَن ذَلِك كَانَ وَاجِبا، وَبَطل أَيْضا مَا قَالَه بَعضهم: إِن هَذَا الحَدِيث يدل على كَون الْوتر نفلا، فيا للعجب من هَؤُلَاءِ كَيفَ تركُوا الْأَحَادِيث الدَّالَّة على وجوب الْوتر، وَتركُوا الْإِنْصَاف، وسلكوا طَرِيق التعسف لترويج مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ من غير برهَان قَاطع.
٦ - (بابُ الوِتْرِ فِي السَّفَرِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْوتر فِي السّفر، قيل: إِنَّه أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى الرَّد على من قَالَ: إِن الْوتر لَا يسن فِي السّفر. وَقَالَ ابْن بطال: الْوتر سنة مُؤَكدَة فِي السّفر والحضر، وَهَذَا رد على الضَّحَّاك فِيمَا قَالَ: إِن الْمُسَافِر لَا وتر عَلَيْهِ.
٠٠٠١ - حدَّثنا مُوساى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا جُوَيْرَةُ بنُ أسمَاءٍ عنِ ابْن عُمَرَ قَالَ كَانَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُصَلِّي فِي السَّفَرِ عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ يُومِىءُ إيمَاءً صَلَاةَ اللَّيْل إلَاّ الفَرَائِضَ ويُوتِرُ عَلَى رَاحِلَتِهِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ويوتر على رَاحِلَته) .
ذكر رِجَاله: وهم أَرْبَعَة: الأول: مُوسَى بن إِسْمَاعِيل أَبُو سَلمَة الْمنْقري التَّبُوذَكِي. الثَّانِي: جوَيْرِية تَصْغِير جَارِيَة بِالْجِيم ابْن أَسمَاء، بِفَتْح الْهمزَة وبالمد على وزن: حَمْرَاء، مر فِي كتاب الْغسْل فِي: بَاب الْجنب يتَوَضَّأ. الثَّالِث: نَافِع مولى ابْن عمر. الرَّابِع: عبد الله بن عمر بن الْخطاب.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شَيْخه بَصرِي وَشَيخ شَيْخه أَيْضا وَالثَّالِث مدنِي، وَهُوَ من الرباعيات، وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (على رَاحِلَته) الرَّاحِلَة: النَّاقة الَّتِي تصلح لِأَن ترحل، وَكَذَلِكَ الرحول، وَيُقَال: الرَّاحِلَة الْمركب من الْإِبِل ذكرا كَانَ أَو أُنْثَى، قَالَه الْجَوْهَرِي. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الرَّاحِلَة من الْإِبِل: الْبَعِير الْقوي على الْأَسْفَار والأحمال، وَالذكر وَالْأُنْثَى فِيهِ سَوَاء، وَالْهَاء فِيهَا للْمُبَالَغَة، وَهِي الَّتِي يختارها الرجل لمركبه ورحله على النجابة وَتَمام الْخلق وَحسن المنظر،