الإسلام > فتاوى > معاملات > هل سكنى المدينة ومكة أفضل مطلقا
آخر تحديث 13 يونيو 2026 - 03:50
فِيمَا بَعُدَ عَنِ الْحُجْرَةِ،
لَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ علَيْهِ ،
وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ مِن حُقُوقِهِ؛
بَل قَد نَهَى هُوَ -صلى الله عليه وسلم- أَنْ يُجْعَلَ بَيْتُهُ عِيدًا،
فَنَهَى أَنْ يُقْصَدَ بَيْتُهُ بِتَخْصِيصِ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ.
فَمَن قَصَدَ أَو اعْتَقَدَ أَنَّ فِعْلَ ذَلِكَ عِنْدَ الْحُجْرَةِ أَفْضَلُ: فَهُوَ مُخَالِفٌ لَهُ -صلى الله عليه وسلم-.
[٢٧/ ٤٢٧ - ٤٢٨]
٢٩٦٣ - قَالَ تَعَالَى:
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ}
[المائدة: ٣٥] ،
قَالَ عَامَّةُ الْمُفَسِّرِينَ؛
كَابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ وَالْفَرَّاءِ: الْوَسِيلَةُ الْقُرْبَةُ.
[٢٧/ ٤٣٤]
* * *
(هل سكنى المدينة ومكة أفضل مطلقًا؟)
٢٩٦٤ - سُكْنَى الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ هُوَ أَفْضَلُ فِي حَقِّ مَن تَتَكَرَّرُ طَاعَتُهُ للهِ وَرَسُولِهِ فِيهَا أَكْثرُ،
كَمَا كَانَ الْأَمْرُ لَمَّا كَانَ النَّاس مَأْمُورِينَ بِالْهِجْرَةِ إلَيْهَا،
فَكَانَت الْهِجْرَةُ إلَيْهَا وَالْمُقَامُ بِهَا أَفْضَلَ مِن جَمِيعِ الْبِقَاعِ مَكَّةَ وَغَيْرِهَا؛
بَل كَانَ ذَلِكَ وَاجِبًا مِن أَعْظَمِ الْوَاجِبَاتِ،
فَلَمَّا فُتِحَتْ مَكَّةُ قَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ" ،
وَكَانَ مَن أَتَى مِن أَهْلِ مَكَّةَ وَغَيْرِهِمْ لِيُهَاجِرَ وَيسْكُنَ الْمَدِينَةَ يَأْمُرُهُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى مَدِينَتِهِ وَلَا يَأْمُرُهُ بِسُكْنَاهَا،
كَمَا كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -صلى الله عليه وسلم- يَأْمُرُ النَّاسَ عَقِبَ الْحَجّ أَنْ يَذْهَبُوا إلَى بِلَادِهِمْ لِئَلَّا يُضَيِّقُوا عَلَى أَهْلِ مَكًّةَ،
وَكَانَ يَأْمُرُ كَثِيرًا مِن أَصْحَابِهِ وَقْتَ الْهِجْرَةِ أَنْ يَخْرُجُوا إلَى أَمَاكِنَ أُخَرَ لِوِلَايَةِ مَكَانٍ وَغَيْرِهِ،
وَكَانَت طَاعَةُ الرَّسُولِ بِالسَّفَرِ إلَى غَيْرِ الْمَدِينَةِ أَفْضَلَ مِنَ الْمُقَامِ عِنْدَهُ بِالْمَدِينَةِ حِينَ كَانَت دَارَ الْهِجْرَةِ،
فَكَيْفَ بِهَا بَعْدَ ذَلِكَ؟
إذ كَانَ الَّذِي يَنْفَعُ النَّاسَ: طَاعَةُ اللهِ وَرَسُولِهِ،
وَأَمَّا مَا سوَى ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَنْفَعُهُم لَا قَرَابَة وَلَا مُجَاوَرَةٌ وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ.
فَالْمَسَاجِدُ وَالْمَشَاعِرُ إنَّمَا يَنْفَعُ فَضْلُهَا لِمَن عَمِلَ فِيهَا بِطَاعَةِ اللهِ عزَّ وجلَّ،
وَإِلَّا فَمُجَرَّدُ الْبِقَاعِ لَا يَحْصُلُ بِهَا ثَوَابٌ وَلَا عِقَابٌ،
وَإِنَّمَا الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ عَلَى الْأَعْمَالِ الْمَأْمُورِ بِهَا وَالْمَنْهِيِّ عَنْهَا،
وَكَانَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- قَد آخَى بَيْنَ سَلْمَانَ الْفَارِسِيّ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ،
وَكَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ بِدِمَشْقَ وَسَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ بِالْعِرَاقِ،
فَكَتَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ إلَى سَلْمَانَ: هَلُمَّ إلَى الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ،
فَكَتَبَ إلَيْهِ سَلْمَانُ: إنَّ الْأَرْضَ لَا تُقَدِّسُ أَحَدًا وَإِنَّمَا يُقَدِّسُ الرَّجُلَ عَمَلُهُ.
وَالْمُقَامُ بِالثُّغُورِ لِلْجِهَادِ أَفْضَلُ مِن سُكْنَى الْحَرَمَينِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ.
وَلهَذَا كَانَ سُكْنَى الصَّحَابَةِ بِالْمَدِينَةِ أَفْضَلَ لِلْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ.
[٢٧/ ٤٣٤ - ٤٣٥]
٢٩٦٥ - الْإِقَامَةُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ تَكُونُ الْأسْبَابُ فِيهِ أَطْوَعَ للهِ وَرَسُولِهِ وَأَفْعَلَ لِلْحَسَنَاتِ وَالْخَيْرِ،
بِحَيْثُ يَكُونُ أَعْلَمَ بِذَلِكَ وَأَقْدَرَ عَلَيْهِ وَأَنْشَطَ لَهُ: أَفْضَلُ مِنَ الْإِقَامَةِ فِي مَوْضِعٍ يَكُونُ حَالُهُ فِيهِ فِي طَاعَةِ اللهِ وَرَسُولِهِ دُونَ ذَلِكَ،
هَذَا هُوَ الْأَصْلُ الْجَامِعُ.
وَإِذَا كَانَ هَذَا هُوَ الْأَصْلَ: فَهَذَا يَتَنَوَّعُ بِتَنَوُّعِ حَالِ الْإِنْسَانِ،
فَقَد يَكُونُ مُقَامُ الرَّجُلِ فِي أرْضِ الْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ مِن أَنْوَاعِ الْبِدَع وَالْفُجُورِ أَفْضَلَ: إذَا كَانَ مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِ اللهِ بِيَدِهِ أَو لِسَانِهِ آمِرًا بِالْمَعْرُوفِ نَاهِيًا عَنِ الْمُنْكَرِ،
بِحَيْثُ لَو انْتَقَلَ عَنْهَا إلَى أَرْضِ الْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ لَقَلَّتْ حَسَنَاتُهُ،
وَلَمْ يَكُن فِيهَا مُجَاهِدًا وَإِن كَانَ أَرْوَحَ قَلْبًا،
وَكَذَلِكَ إذَا عَدِمَ الْخَيْرَ الَّذِي كَانَ يَفْعَلُهُ فِي أَمَاكِنِ الْفُجُورِ وَالْبِدَعِ.
وَلهَذَا كَانَ الْمُقَامُ فِي الثُّغُورِ بِنِيَّةِ الْمُرَابَطَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى أَفْضَلَ مِن الْمُجَاوَرَةِ بِالْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ؛
فَإِنَّ جِنْسَ الْجِهَادِ أَفْضَلُ مِن جِنْسِ الْحَجِّ.
وَهَكَذَا لَو كَانَ عَاجِزًا عَن الْهِجْرَةِ وَالِانْتِقَالِ إلَى الْمَكَانِ الْأَفْضَلِ الَّتِي لَو
انْتَقَلَ إلَيْهَا لَكَانَت الطَّاعَةُ عَلَيْهِ أَهْوَنَ وَطَاعَةُ اللهِ وَرَسُولِهِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَاحِدَةٌ،
لَكِنَّهَا هُنَاكَ أَشَقُّ عَلَيْهِ: فَإِنَّهُ إذَا اسْتَوَت الطَّاعَتَانِ فَأَشَقُّهُمَا أَفْضَلُهُمَا؛
وَبِهَذَا نَاظَرَ مُهَاجِرَةُ الْحَبَشَةِ الْمُقِيمُونَ بَيْنَ الْكُفَّارِ لِمَن زَعَمَ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْهُم فَقَالُوا: كُنَّا عِنْدَ الْبُغَضَاءِ الْبُعَدَاء،
وَأَنْتُمْ عِنْدُ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-،
يُعلِّمُ جَاهِلَكمْ،
ويُطْعِمُ جَائِعَكُمْ،
وَذَلِكَ فِي ذَاتِ اللهِ.
وَأمَّا إذَا كَانَ دِينُهُ هُنَاكَ أَنْقَصَ: فَالِانْتِقَالُ أَفْضَلُ لَهُ،
وَهَذَا حَالُ غَالِبِ الْخَلْقِ؛
فَإِنَّ أَكْثَرَهُم لَا ئدَافِعُونَ؛
بَل يَكُونُونَ عَلَى دِينِ الْجُمْهُورِ.
[٢٧/ ٣٩ - ٤١]
* * *
⚠️ تنبيهٌ مهم: قد يختلف جوابُ الفتوى الواحدة باختلاف السائلِ وحالِه ومكانِه وزمانِه وملابساتِ سؤاله، فلا تُعمَّم على كلِّ حال. وهذه الفتوى منقولةٌ من مصدرها المذكور أعلاه للفائدة والاسترشاد، ولمعرفة الحكم في حالتك الخاصّة يُرجى الرجوع إلى أهل العلم المختصّين.