تفسير سورة يونس الآية ٥٨ عند البسيط

الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 10 يونس > الآية ٥٨

قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِۦ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا۟ هُوَ خَيْرٌۭ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ٥٨

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 8 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

قوله تعالى: ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ ﴾ الآية، قال أبو علي: الجار في قوله: ﴿ بِفَضْلِ اللَّهِ ﴾ متعلق بمضمر استغني عن ذكره لدلالة ما تقدم من قوله: ﴿ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ ﴾ عليه، كما أن قوله: ﴿ آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ  ﴾ يتعلق الظرف فيه بمضمر يدل عليه ما تقدم ذكره من الفعل، وكذلك قوله: ﴿ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ ﴾ (١) ﴿ أَثُمَّ إِذاَ مَا وَقَعَءَامَنُم  ﴾ ، ونحو هذا قال ابن الأنباري، فقال (٢) (٣) ومعنى الإضافة في قوله: ﴿ بِفَضْلِ اللَّهِ ﴾ ، قال بعض أهل المعاني: الفضل هاهنا موضع الإفضال، كما أن النبات في موضع الإنبات في قوله: ﴿ وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا  ﴾ ، والمعنى بإفضال الله (٤) وقوله تعالى: ﴿ وَبِرَحْمَتِهِ ﴾ أعاد الجار على الأصل كقوله (٥) يا دار عفراء ودار البَخْدَنِ وكقولهم: مررت بأخيك وبأبيك، وهذا مما سبق بيانه قديمًا، ومعنى الآية على ما ذكرنا: جاءتكم هذه الموعظة وهذا الشفاء -ويعني به القرآن- بإفضال الله عليكم، وإرادته الخير بكم، ثم قال: ﴿ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا ﴾ أشار بذلك إلى القرآن؛ لأن المراد بالموعظة والشفاء القرآن، فترك اللفظ وأشار إلى المعنى.

وقال ابن الأنباري: (ذلك) إشارة إلى معنى الفضل والرحمة، تلخيصه: بذلك التطول (٦) (٧) قال أبو علي: الجار في قوله ﴿ فَبِذَلِكَ ﴾ متعلق بـ (ليفرحوا)؛ لأن هذا الفعل يصل به، يقال: فرحت بكذا، والفاء في قوله: ﴿ فَلْيَفْرَحُوا ﴾ زيادة (٨) (٩) وإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي والفاء في (فاجزعي) زيادة، كما كانت التي في قوله: ﴿ فَلْيَفْرَحُوا ﴾ كذلك (١٠) (١١) ومذهب المفسرين غير هذا، فإن ابن عباس (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) وقال أبو سعيد الخدري: فضل الله: القرآن، ورحمته أن جعلهم من أهله (١٧) ﴿ بِفَضْلِ اللَّهِ ﴾ تتعلق بمحذوف يفسره ما بعده، كأنه قيل: قل (١٨) [وقوله تعالى: ﴿ فبَذَلِك ﴾ ، قال الزجاج: هو بدل من قوله: ﴿ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ ﴾ ] (١٩) وقال صاحب النظم: قوله: ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ ﴾ يقتضي جوابًا فلم يجىء حين قال مبتدئًا: ﴿ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا ﴾ ، وأكثر ما يجيء أن يكون المبتدأ مجملاً، ثم تجيء الترجمة والبيان بعد، وهاهنا جاءت الترجمة قبل، وجاء الإجمال بعد البيان؛ لأن قوله: ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ ﴾ معروف ما هما، فلو قال نسقًا عليه ﴿ فَلْيَفْرَحُوا ﴾ لكان تامًّا مفهومًا، فلما قال: (فبذلك) أجمل به ما تقدم من الترجمة؛ لأن قوله (ذلك) يحمل ما قبله قلّ أم كثر، ذكرًا كان أم أنثى، واحداً كان أم اثنين، كما قال تعالى: ﴿ لَا فَارِضٌ ﴾ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ} [البقرة: 68] أي بين البكر والفارض (٢٠) وقوله تعالى: ﴿ فَلْيَفْرَحُوا ﴾ هو أمر للمؤمنين بالفرح.

ومعنى الفرح: لذة في القلب بإدراك المحبوب ونيل المشتهى، يقول: ليفرح المؤمنون بفضل الله ورحمته، فإن ما آتاهم الله من الموعظة وشفاء ما في الصدور، وثلج اليقين بالإيمان، وسكون النفس إليه، خير مما يجمع غيرهم من أعراض الدنيا مع فقد هذه الخلال.

فإن قيل: كيف جاء الأمر للمؤمنين (٢١) (٢٢) (٢٣) ﴿ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ  ﴾ ؟

قيل: إن عامة ما جاء مقترنًا بالذم من هذه اللفظة إذا جاءت مطلقة، فإذا قيد (٢٤) ﴿ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ  ﴾ ، وقد قيد في هذه الآية بقوله تعالى: (بذلك).

وقوله: ﴿ فَلْيَفْرَحُوا ﴾ بالياء، قال الفراء: وقد ذُكر عن زيد بن ثابت أنه قرأ بالتاء (٢٥)  ، هو خير مما يجمع الكفار، قال: وقوى هذه القراءة قراءةُ أُبيّ (فبذلك فافرحوا) (٢٦) (٢٧) (٢٨) (٢٩) ﴿ ادَّارَكُوا  ﴾ ، و ﴿ اثَّاقَلْتُمْ  ﴾ ، وكان الكسائي يعيب قولهم: فلتفرحوا؛ لأنه وجده قليلاً فوجده (٣٠)  أنه قال في بعض المشاهد: "لتأخذوا مصافكم" (٣١) (٣٢) قال أبو علي: اللام إنما تدخل عل فعل الغائب؛ لأن المواجهة (٣٣) ﴿ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ  ﴾ ، وقرئ (تجمعون) بالتاء (٣٤) (٣٥) (١) اهـ.

كلام أبي علي، انظر: "الحجة للقراء السبعة" 4/ 280.

(٢) هكذا في جميع النسخ.

(٣) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 4/ 41.

(٤) لم أقف عليه عند أهل المعاني، وقد ذكره مختصرًا في "تفسيره" 2/ 298.

(٥) البيت لرؤبة في "ديوانه" ص 161، وبعده: بك المها من مطفل ومشدن وكتاب سيبويه 2/ 188، و"المحكم" 5/ 343، و"اللسان" (بخدن) و"الجمهرة" (1116).

(٦) في (ج): (التطويل)، وهو خطأ، والتطول: التفضل.

انظر: "القاموس المحيط" (طول) ص 1026.

(٧) "زاد المسير" 4/ 41.

(٨) زيادة المبني تدل على زيادة المعنى، وليس في القرآن زيادة لا فائدة لها، ولعل أبا علي وسائر النحويين يقصدون بالزيادة عدم تأثير حذف ما قيل بزيادته من الناحية الإعرابية، وقال الزركشي: ومعنى كونه زائدًا أن أصل المعنى حاصل بدونه دون التأكيد، فبوجوده حصل فائدة التأكيد، والواضع الحكيم لا يضع الشيء إلا لفائدة.

"البرهان في علوم القرآن" 1/ 74.

(٩) هو النمر بن تولب، وصدر البيت: لا تجزعي إن منفسًا أهلكته انظر: "ديوانه" ص 72، "خزانة الأدب" 1/ 314، "شرح أبيات سيبويه" 1/ 160، "كتاب سيبويه" 1/ 134، والمنفس: الشيء النفيس.

والشاعر يخاطب امرأته لما لامته على إنفاق ماله على ضيوفه.

انظر: "الخزانة"، شرح الأبيات نفس الموضعين السابقين.

(١٠) "الحجة للقراء السبعة" 4/ 281 بتصرف.

(١١) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 65، "البحر المحيط" 5/ 171 - 172، "الدر المصون" 6/ 224.

(١٢) رواه عنه ابن جرير 11/ 125، وابن أبي حاتم 6/ 1959، وهو صحيح من رواية ابن أبي طلحة.

(١٣) رواه عبد الرازق في "تفسيره" 2/ 2/ 296، وابن جرير 11/ 125، وذكره ابن أبي حاتم 6/ 1959 بغير سند.

(١٤) رواه ابن جرير 11/ 125، والثعلبي 7/ 17 أ، والبغوي 4/ 138.

(١٥) المصادر السابقة، نفس المواضع.

(١٦) منهم هلال بن يساف وزيد بن أسلم وابنه وأبو العالية وسالم بن أبي الجعد والضحاك والربيع بن أنس، كما في "تفسير ابن أبي حاتم" 6/ 1959.

(١٧) رواه ابن جرير 11/ 124، وابن أبي حاتم 6/ 1958، وذكره بغير سند السمرقندي 2/ 102، والثعلبي 7/ 17 أ، والبغوي 4/ 138، وابن الجوزي 4/ 40.

(١٨) ساقط من (ى).

(١٩) ما بين المعقوفين (ى)، وانظر قول الزجاج في "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 25.

(٢٠) الفارض: المسنة الهرمة.

انظر: "تفسير ابن جرير" 1/ 341، 342، 243، "القاموس المحيط" فصل: الفاء، باب: الضاد 650.

(٢١) في (م): (المؤمن).

(٢٢) ساقط من (م).

(٢٣) ساقط من (ح) و (ز).

(٢٤) في (ى): (قيل)، وهو خطأ.

(٢٥) وهي قراءة رويس عن يعقوب -من العشرة- والحسن البصري وغيرهما.

انظر: "الغاية في القراءات العشرة" ص 171، "النشر" 2/ 285، "إتحاف فضلاء البشر" ص 252، "المحتسب"1/ 313، وذِكْرها في السواد وهْمٌ من ابن جني.

(٢٦) ذكرها عنه أبو جعفر النحاس في "إعراب القرآن" 2/ 65، وأبو علي الفارسي في "الحجة" 4/ 282، وابن جني في "المحتسب" 1/ 313، وهي قراءة شاذة مخالفة لرسم المصحف.

(٢٧) في (ى): (حدثت)، وهو خطأ.

(٢٨) يعني الحاضر الذي يوجّه له الخطاب.

(٢٩) هكذا في جميع النسخ، وفي "معاني القرآن": (قال)؛ لأن القول المذكور من القرآن، ولعل الواحدي لم يرد ذلك.

(٣٠) هكذا في جميع النسخ، وفي "معاني القرآن" فجعله، وهو أصوب.

(٣١) لم أجده مسندًا، وقال الزيلعي في "تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في تفسير الكشاف" 2/ 127: غريب، ولم يذكر له مخرجًا، وقد ذكره بغير سند الفراء في "المعاني" 1/ 470، والزمخشري في "الكشاف" 2/ 242، والقرطبي 8/ 354، وأبو حيان في "البحر" 5/ 172، وروى معناه في الصلاة الترمذي (3235) في التفسير سورة ص، وأحمد 5/ 243، ولفظهما: على مصافكم كما أنتم، ولا شاهد فيه بهذا اللفظ، ويشهد لهذا الحديث من الناحية اللغوية قول الرسول  : "لتأخذوا مناسككم" رواه مسلم (1297) في الحج، باب: استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبًا، قال المحقق: هذه اللام لام الأمر، ومعناه: خذوا مناسككم.

(٣٢) "معاني القرآن" للفراء 1/ 470، وقد أشار المؤلف إلى انه أدخل فيه كلام ابن الأنباري.

(٣٣) هكذا في جميع النسخ، وهو كذلك في إحدى نسخ "الحجة"، كما بين ذلك المحقق، لكنه اعتمد لفظ: المواجه، وهو أجدر بالسياق.

(٣٤) هي قراءة ابن عامر وأبي جعفر ورويس عن يعقوب.

انظر: "الغاية" ص 171، "النشر" 2/ 285، "إتحاف فضلاء البشر" ص 252.

(٣٥) "الحجة للقراء السبعة" 4/ 282 بتصرف.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.3 / 29.5
الإضاءة 28%
البدر بعد 9 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل