الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 2 البقرة > الآية ١٨٣
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 7 دقيقة قراءةقوله تعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ ﴾ الآية، الصيام: مصدر صام كالقيام، وأصله في اللغة: الإمساكُ عن الشيء والتركُ له، ومنه: قيل للصمت: صوم، لأنه إمساك عن الكلام، قال الله تعالى: ﴿ إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا ﴾ ، وصام النهار: إذا اعتدل وقام قائم الظهيرة، قال امرؤ القيس: فَدَعْها وسَلِّ الهَمَّ عنكَ بجَسْرةٍ ...
ذَمُولٍ إذا صامَ النهارُ وهَجَّرا (١) وقال آخر: حتى إذا صَام النهارُ واعتدَلْ (٢) خيل صيامٌ وخيلٌ غير صائمة (٣) ويقال: بكرة صائمة: إذا قامتْ فلم تَدُر، وقال الراجز: والبكراتُ شَرُّهن الصائمه (٤) ومَصَام الشمس: حيث تَستَوى في مُنتصف النهار، وكذلك مَصَام النجم، وروي في شعر امرئ القيس: كَأنَّ نُجومًا عُلِّقَتْ في مَصَامِها ...
بأَمْراسِ كَتّانٍ إلى صُمِّ جَنْدَلِ (٥) هذا هو الأصلُ في اللغة (٦) وفي الشريعة: هو الإمساك عن الطعام والشراب والجماع مع اقتران النية به (٧) وإجماعُ المفسرين على أن المراد بهذا الصيام صيام شهر رمضان (٨) (٩) وقوله تعالى: ﴿ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ﴾ قال بعضهم: التشبيه عائد إلى الإيجاب، فنحن متعبدون بالصيام كما تعبد الله من قبلنا من الأمم وأهل الكتابين (١٠) وقيل: إن التشبيه يعود إلى وقت الصوم، وقدر الصوم (١١) (١٢) .
فأما النصارى فإنهم حَوَّلوا صيامهم إلى فصل اعتدال الهواء؛ لأنهم ربما صاموه في القيظ، فكان يشتدُّ عليهم، فاستدعوا أحبارهم أن ينقلوا الصوم إلى وقت اعتدال الهواء، ويزيدوا عليه زيادة، ففعلوا، وزادوا عشرة أيام، ثم إن حبرًا لهم اشتكى فمه، فنذر إن (١٣) ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾ (١٤) وقال الشعبي: إنهم أخذوا بالوثيقة فصاموا قبل الثلاثين يومًا، وبعدهَا يومًا ثم لم يزل الآخر يَسْتَنّ بسُنَّة القرن (١٥) (١٦) قال أبو إسحاق: وموضع ﴿ كَمَا ﴾ نصب على المصدر، المعنى: فرض عليكم فرضًا كالذي فرض على الذين من قبلكم (١٧) وقال ابن الأنبارى: يجوز أن يكون في موضع نصب على الحال من الصيام، يراد بها: كتب عليكم الصيام مشبهًا ومماثلًا ما كتب على الذين من قبلكم (١٨) وقال أبو علي الفارسي: هو صفة لمصدر محذوف، تقديره: كتابة كما كتب يعني: مثل ما كتب عليهم، فحذف المصدر، وأقيم نعته مقامه، قال: ومثله في الاتساع والحذف قولهم في صريح الطلاق: أنتِ واحدة، يريدون: أنت ذات تطليقة واحدة، فحذف المضاف والمضاف إليه، وأقيم صفة المضاف إليه مقام الاسم المضاف إليه (١٩) وقوله تعالى: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ قال ابن عباس: يريد كي تخافوني في حدودي وفرائضي (٢٠) وقال السُدي: لكي تتقوا الأكل والشرب والجماع في وقت وجوب الصوم (٢١) وقال الزجاج: (٢٢) (٢٣) (٢٤) (١) البيت لامرئ القيس في "ديوانه" 63، "الكامل" للمبرد 3/ 89، "أساس البلاغة" (مادة: كنز).
"لسان العرب" 4/ 2530 (صوم) والجسرة: الناقة النشيطة، والذمول: هو "السير" السريع، وهجرا: من الهاجرة، وهي شدة الحر.
ينظر: "الديوان" ص 63.
(٢) ورد هذا الرجز بلا نسبة في "تفسير الثعلبي" 2/ 226، بعده عنده: وسال للشمس لعابٌ فنزل وكذا في "تهذيب اللغة" 2/ 1581، وفي "لسان العرب" 3/ 1524، 3/ 1901 (ذوب، زيق)، بالرواية التالية: وقام ميزان النهار فاعتدل (٣) عجزالبيت: تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما في ملحق "ديوانه" ص 240، "الكامل" للمبرد 3/ 89، "لسان العرب" 5/ 3077 (مادة: علك)، 4/ 3529 (مادة: صوم).
(٤) ذكره في "البحر" 2/ 26، ولم ينسبه، وذكره في "اللسان" 2/ 33.
وقوله: الصائمة: أي التي لا تدور.
(٥) ينظر: "ديوانه" ص 19، "اللسان" 4/ 2530 (مادة: صوم).
(٦) ينظر في (مادة: صوم): "تفسير الطبري" 2/ 128، "الثعلبي" 2/ 225، "المفردات" ص 293، "البحر المحيط" 2/ 26، "اللسان" 4/ 2530، "أساس البلاغة" 2/ 33.
(٧) ينظر في تعريفه: "المغني" 4/ 323 - 325، "المحرر الوجيز" 2/ 99 - 102.
(٨) حكى الواحدي هذا الإجماع في "الوسيط" 1/ 272، ولا يسلم له؛ لورود الخلاف؛ حيث يرى جماعة أن المراد صيام ثلاثة أيام من كل شهر، أو صيامها وصيام عاشوراء، على خلاف بين القائلين بذلك، وبه قال قتادة وعطاء، وروي عن ابن عباس.
وقد بيَّن الحافظ في "الفتح" 8/ 178 أن الناس اختلفوا في التشبيه الذي دلت عليه الكاف، هل هو على الحقيقة، فيكون صيام رمضان قد كتب على الذين من قبلنا؟
أو المراد: مطلق الصيام دون وقته وقدره؟
قولان، والثاني قول الجمهور.
وينظر في ذكر الخلاف: "تفسير الطبري" 2/ 130، "المحرر الوجيز" 2/ 99 - 102، "النكت والعيون" 1/ 230، "الإجماع في التفسير" ص 199 - 200.
(٩) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 129 - 130، "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 304 - 305، "الدر المنثور" 1/ 322.
قال البغوي 1/ 196: قيل: كان في ابتداء الإسلام صوم ثلاثة أيام من كل شهر، ثم نسخ بصوم رمضان، ويقال.
نزل صوم شهر رمضان قبل بدر بشهر وأيام، قال محمد بن إسحاق: كانت غزوة بدر يوم الجمعة، لسبع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان على رأس ثمانية عشر شهرًا من الهجرة، ثم ذكر حديث عائشة في الصحيحين، قالت: كان يوم عاشوراء يومًا تصومه قريش في الجاهلية، فلما قدم رسول الله المدينة صامه وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان كان هو الفريضة، وترك يوم عاشوراء، فمن شاء صامه ومن شاء تركه.
البخاري (2002) كتاب الصوم، باب: صوم عاشوراء، ومسلم (1125) كتاب الصوم، باب: صوم عاشوراء.
(١٠) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 129، "المحرر الوجيز" 2/ 101.
(١١) روي عن ابن عباس والحسن وقتادة والسدي.
ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 129، 130، "ابن أبي حاتم" 1/ 305، "الثعلبي" 2/ 232، "المحرر الوجيز" 2/ 101.
(١٢) في (ش): (بزعم).
(١٣) في (ش): (لأن).
(١٤) رواه الطبري 2/ 129 عن السدي، وذكره الفراء في "معاني القرآن" 1/ 112، والثعلبي 2/ 233، والبغوي 1/ 195، وعند الثعلبي أن الذي اشتكى ملك وليس حبرًا، وقد روي نحوه مرفوعا إلى النبي ، فقد روى البخاري في "التاريخ الكبير" 3/ 254، والطبراني في "الكبير" 4/ 226، "الأوسط" 9/ 90، والنحاس== في "الناسخ والمنسوخ" 1/ 492 عن دغفل بن حنظلة، والطبراني في الكبير وقفه عليه، قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 3/ 142: رواه الطبراني في "الأوسط" مرفوعا، ورواه الطبراني في الكبير موقوفًا على دغفل، ورجال إسنادهما رجال الصحيح، وقال الدكتور المنيع في تحقيق "تفسير الثعلبي" 2/ 234: الحديث مرسل، دغفل بن حنظلة مخضرم، ولم يصح أن له صحبة.
(١٥) في (ش): (القران).
(١٦) ذكره الفراء في "معاني القرآن" 1/ 111، ورواه الطبري عنه 2/ 129، والثعلبي 2/ 234، وقد ورد النهي عن صيام يوم الشك في أحاديث، منها: حديث أبي هريرة، رواه البخاري (1914) كتاب الصوم، باب: لا يتقدمن رمضان بصوم يوم ولا يومين، ومسلم (1082) كتاب الصوم، باب: لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين.
(١٧) من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 251، وليس فيه الجملة الأولى.
(١٨) ينظر: "التبيان" 1/ 148، "المحرر الوجيز" 1/ 250.
(١٩) ينظر: "التبيان" 1/ 148، وزاد وجهًا رابعًا، وهو أن يكون في موضع رفع صفة للصيام، "المحرر الوجيز" 1/ 250، "البحر المحيط" 2/ 29.
(٢٠) من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 252، وينظر معنى لعل في: "المفردات" ص 454.
(٢١) رواه عنه الطبري 2/ 129، وابن أبي حاتم 1/ 305.
(٢٢) من قوله: (يريد: كي) مكرر في نسخة (م)، وفيه تقديم وتأخير.
(٢٣) في (ش): (أتتقون).
(٢٤) من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 252، وينظر: "البحر المحيط" 2/ 31، فيه مناقشات للأعاريب المذكورة.
<div class="verse-tafsir"