تفسير سورة البقرة الآية ٢٣٦ عند البسيط

الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 2 البقرة > الآية ٢٣٦

لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا۟ لَهُنَّ فَرِيضَةًۭ ۚ وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى ٱلْمُوسِعِ قَدَرُهُۥ وَعَلَى ٱلْمُقْتِرِ قَدَرُهُۥ مَتَـٰعًۢا بِٱلْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ ٢٣٦

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 10 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

قوله تعالى: ﴿ لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ ﴾ الآية.

نزلت في رجل من الأنصار، تزوَّجَ امرأةً من بني حنيفة، ولم يسمِّ لها مهرًا، ثم طلقها قبل أن يَمَسَّها، فأنزل اللهُ هذه الآيةَ، فلما نزلت قال له رسول الله  : "مَتَّعْها ولو بقلنسوتك" (١) فإن قيل: ما معنى نفيِ الجناح عن المطلَّق قبل المسيس، ولا جناح على المُطَلِّقِ بعده؟

قيل: ظاهر الآية رفع الحرج عن المطلق قبل المسيس وقبل الفرض، فيحتمل أن يكون معناه: لا سبيل للنساء عليكم إذا طلقتموهن قبل المسيس والفرض بصداق ولا نفقة.

ويحتمل أن يكون معناه: إباحة الطلاق له أي وقت شاء، بخلاف ما لو طلق بعد المسيس فإنه يجب أن يطلق للعدة (٢) وقال أبو إسحاق: أعلم الله عز وجل في هذه الآية أن عقد التزويج بغير مهر جائز، وأنه لا إثم على من طَلَّقَ من تزوج بها بغير مهرٍ (٣) (٤) (٥) وقال صاحب النظم: ما في قوله: ﴿ لَمْ تَمَسُّوهُنَّ ﴾ بمعنى الذي على النعت للنساء والترجمة والبيان عنهن، على نظم: إن طلقتم النساء اللاتي لم تمسوهن.

و (ما) اسم جامد لا يتصرف، ولا يتبين فيه الإعراب ولا العدد (٦) واختلف القراء في قوله: ﴿ تَمَسُّوهُنَّ ﴾ فقرأ حمزة والكسائي من المفاعلة، والباقون من الثلاثي (٧) ﴿ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ  ﴾ ولأن أكثر الألفاظ في هذا المعنى جاء على فَعَلَ دون فاعل، كقوله ﴿ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ  ﴾ كقوله: ﴿ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ  ﴾ (٨) والنكاح عبارة عن الوطء وإن كان قد وقع على العقد (٩) فأما ما جاء في الظهار من قوله: ﴿ مِّنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا  ﴾ ، فإنه أراد المماسة التي هي عين (١٠) (١١) ومن قرأ: (تماسوهن) فلأن فَاعَل قد يراد به ما يراد بـ فعل، نحو: طارقتُ النعلَ، وعاقبت اللصَّ، وهو كثير (١٢) وقوله تعالى: ﴿ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ﴾ .

أي.

توجبوا لهن صداقًا (١٣) ﴿ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ  ﴾ .

واختلفوا في تقديره، فقال قوم: (أو) هاهنا عطف على محذوف قبله، والتقدير: ما لم تمسوهن ممن فرضتم لهن أو لم تفرضوا لهن، لأن كل منكوحة إنما هي إحدى ثنتين: مفروض لها الصداق، وغير مفروض لها.

وقال قوم: أو هاهنا بمعنى الواو، يريد: ما لم تمسوهن و (١٤) ﴿ يَزِيدُونَ  ﴾ (١٥) وقوله تعالى: ﴿ وَمَتِّعُوهُنَّ ﴾ أي: زودوهن وأعطوهن من مالكم (١٦) (١٧) فأما من يستحق المتعة: فالمرأة إذا طلقت قبل تسمية المهر وقبل المسيس، فإنها تستحق المتعة بالإجماع من العلماء، ولا مهر، وإنما تستحق المتعة في مقابلة ما حصل (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) وإن لم يدخلْ بها ولم يَفْرِضْ لها حتى مات ففيها قولان: أحدهما: لها مهر مثلها والميراث، وهو مذهب أهل العراق (٢٢) (٢٣)  بمهر نسائها، لا وَكْسَ ولا شطط، وعليها العِدّة، ولها الميراث (٢٤) والقول الثاني: وهو الصحيح: أن لها الميراث، وعليها العدة، ولا مهر لها، ولها المتعة، كما لو طَلَّقها قبل الدخول والتسمية، وهو قول علي (٢٥)  (٢٦) وقوله تعالى: ﴿ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ ﴾ المُوْسِع: الغني الذي يكون في سَعَة من غناه، يقال: أوسعَ الرجل: إذا كَثُرَ مالُه واتَّسَعت حالُه، ويقال: أوسعه كذا، أي: وسعه عليه، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ  ﴾ (٢٧) وقوله تعالى: ﴿ قَدَرُهُ ﴾ أي: قَدْرَ إمكانه وطاقته، فحذف المضاف.

والمقتر: الذي في ضيق من فقره وهو المقل الفقير.

وأقتر الرجل إذا افتقر.

وقرئ (قدْرُه) بالإسكان والتحريك (٢٨) يقال: قدر القوم أمرَهم يَقْدِرونه قَدْرًا، وهذا قَدْرُ هذا، واحمل على رأسك قَدْرَ ما تطيق، وقَدْرَ الله الرزق يَقْدِره ويَقْدُره قَدْرًا، وقَدَرْتُ الشيء بالشيء أقدِرُه قَدْرًا، وقَدَرْتُ على الأمر أقدِرُ عليه قُدْرَةً وقُدُورًا وقَدَارةً.

كل هذا يجوز فيه التسكين والتحريك، يقال: هذا قدَرُ هذا، واحمل قَدَرَ ما تطيق، وهم يختصمون في القدْرِ والقَدَر، وقدرتُ عليه الثوب قدرًا، وخذ منه بقدرِ كذا وَبِقَدَر كذا، قال الله تعالى: ﴿ فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا  ﴾ وقال: ﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ  ﴾ ولو حُرِّك كان جائزًا.

وكذلك: ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ  ﴾ ، ولو خُفِّفَ جَاز، إلا أَنَّه لِوفَاق رؤوس الآي يُحَرَّك (٢٩) وما صَبَّ رِجْلي (٣٠) (٣١) (٣٢) والمتعة غير مقدرة (٣٣) ﴿ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ ﴾ قال ابن عباس (٣٤) (٣٥) (٣٦) (٣٧) (٣٨) وهذا مذهب الشافعي رحمه الله، قال: أعلاها على الموسع (٣٩) (٤٠) وعند أبي حنيفة رحمه الله: مبلغها إذا اختلف الزوج والمرأة فيها قدر نصف مهر مثلها (٤١) وقوله تعالى: ﴿ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ ﴾ انتصب على: متعوهن متاعًا، وإن شئت على الخروج من القدر، لأنه معرفة وهذا نكرة (٤٢) وقوله تعالى: ﴿ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ أي: بما يعرفون القصد وقدر الإمكان (٤٣) وقوله تعالى: ﴿ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ ﴾ منصوب على: حقَّ ذلك عليهم حقًا، يقال: حققت عليه القضاء وأحققت: أي أوجبت (٤٤) (١) ذكره مقاتل في "تفسيره" 1/ 200، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 1174، والبغوي في "تفسيره" 1/ 283، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 279، والقرطبي في "تفسيره" 3/ 202، وأبو حيان في "البحر" 2/ 230، وقد ذكره الزيلعي في تخريج أحاديث "الكشاف" 1/ 151، وبيض له، وقال الحافظ كما في "الكشاف" 1/ 285: لم أجده، وقال الولي العراقي كما في "الفتح السماوي" 1/ 293: لم أقف عليه، وعزاه الحافظ في "العجاب" 1/ 596 إلى مجاهد ولم يذكر من خرجه.

وقد روى البيهقي 7/ 257، والخطيب في "تاريخ بغداد" 3/ 72 من حديث جابر  قال: لما طلق حفص بن المغيرة امرأته، قال له رسول الله  : "متعها ولو بصاع"، وليس فيه ذكر لسبب نزول الآية.

وينظر تحقيق "تفسير الثعلبي" للمنيع 2/ 1174.

(٢) "تفسير الثعلبي" 2/ 1175 - 1179، وينظر "تفسير الطبري" 2/ 538 - 539، و"تفسير البغوي" 1/ 284، و"البحر المحيط" 2/ 232.

(٣) من قوله.

(على من) ساقطة من (ي).

(٤) من قوله: (كما أن) ساقطة من (ش).

(٥) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 318.

(٦) ينظر: "مغني اللبيب" لابن هشام 1/ 296 وما بعدها.

(٧) ينظر: "السبعة" ص 183 - 184، "الحجة" 2/ 336، "النشر" 2/ 228.

(٨) نقله عن أبي علي الفارسي في "الحجة" 2/ 336.

(٩) "الحجة" 2/ 337.

(١٠) في (ش) و (م) (غير).

(١١) "الحجة" 2/ 337 - 338.

(١٢) "الحجة" 2/ 338.

(١٣) "تفسير الثعلبي" 2/ 1175، و"تفسير البغوي" 1/ 284.

(١٤) في (ي) (أوتفرضوا).

(١٥) ينظر: "البحر المحيط" 2/ 231.

(١٦) في (ي) (وأعطوهن ما لكم).

(١٧) "تفسير الثعلبي" 2/ 1179، و"تفسير البغوي" 1/ 284.

(١٨) في (ي) (حصلت).

(١٩) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 536، "تفسير الثعلبي" 2/ 1182، "تفسير القرطبي" 3/ 200.

(٢٠) في (ش): (فلما).

(٢١) وقع الخلاف في حكم المتعة، وقد ذكره المؤلف عند الآية رقم (241) فلينظر.

(٢٢) ينظر "اختلاف العلماء" للمروزي ص 142، "مختصر الطحاوي" ص 184، "المبسوط" 5/ 62، " المغني" 10/ 49.

(٢٣) بروع بنت واشق الرؤاسية الكلابية، وقيل: الأشجعية، زوج هلال بن مرة، صحابية اشتهرت بقصتها هذه.

ينظر "الاستيعاب" 4/ 357، "أسد الغابة" 5/ 408.

(٢٤) الحديث رواه أبو داود (2115) كتاب: النكاح، باب: فيمن تزوج ولم يسم صداقا، والنسائي 6/ 121 كتاب: النكاح، باب: إباحة التزوج بغير طلاق، والترمذي (1145) كتاب: النكاح، باب: ما جاء في الرجل يتزوج المرأة فيموت عنها قبل أن يفرض لها، وصححه، وابن ماجه (1891) كتاب: النكاح، باب: الرجل يتزوج ولا يفرض لها فيموت على ذلك، وأحمد 3/ 480، والحاكم 2/ 196، وقال: صحيح على شرط مسلم، عن معقل بن سنان الأشجعي، وقال الحافظ في "تلخيص الحبير" 3/ 191: وصححه ابن مهدي والترمذي وقال ابن حزم: لا مغمز فيه لصحة إسناده.

(٢٥) رواه عبد الرزاق في "مصنفه" 6/ 293، وسعيد بن منصور في "سنه" 1/ 265، وابن أبي شيبة في "المصنف" 4/ 301، والبيهقي 7/ 247.

(٢٦) رواه سعيد بن منصور في "سننه" 1/ 268، والبيهقي 7/ 247، قال المنذري كما في "الجوهر النقي" 7/ 247: لم يصح هذا الأثر عن علي.

(٢٧) ينظر في وسع: "تهذيب اللغة" 4/ 3889، "المفردات" ص 538، "اللسان" 8/ 4835.

(٢٨) قدْرُه: بإسكان الدال، قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم: قدَرُه، بتحريكين.

ينظر "السبعة" لابن مجاهد ص 184.

(٢٩) هذا كله كلام أبي علي الفارسي في "الحجة" 2/ 338 - 339.

(٣٠) في (ش): (رحلي).

(٣١) في (ي): (حديث).

(٣٢) البيت للفرزدق في "ديوانه" 1/ 215 وفي "إصلاح المنطق" لابن السكيت ص 99، "تفسير الطبري" 2/ 538 "تفسير الثعلبي" 2/ 1181، "لسان العرب" 4/ 2387 (مادة: صبب).

(٣٣) قال الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1189: والصحيح أن الواجب من ذلك على قدر عسر الرجل ويسره.

(٣٤) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" 5/ 156، والطبري في "تفسيره" 2/ 530، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 442 - 443.

(٣٥) أخرجه سعيد بن منصور في "تفسيره" 2/ 27، والطبري في "تفسيره" 2/ 530، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 443.

(٣٦) أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" 7/ 27، وابن أبي شيبة في "المصنف" 5/ 157، والطبري 2/ 531.

(٣٧) أخرجه الطبري في "تفسيره" 2/ 530.

(٣٨) الوقاية: مثلثة الواو: كل ما وقيت به شيئًا، والوِقاية التي للنساء.

ينظر "لسان العرب" 8/ 4901 - 4904 (مادة: وقى).

(٣٩) في (ي) (الموضع).

(٤٠) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 1187، "تكملة المجموع" 16/ 391، "تخليص الحبير" 3/ 164.

(٤١) "أحكام القرآن" للجصاص 1/ 433، "تفسير الثعلبي" 2/ 1189.

(٤٢) من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 319، وعبارته: يجوز أن يكون منصوبا على الخروج من قوله: (ومتعوهن ...

متاعًا) أي: ممتعًا متاعًا.

وينظر "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 319.

وقال الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1181: ويجوز أن يكون نصبًا على القطع، لأن المتاع نكرة والقدر معرفة.

(٤٣) من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 319.

(٤٤) من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 319، وينظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 154 - 155، و"التبيان" ص 142.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.3 / 29.5
الإضاءة 28%
البدر بعد 9 يوم
الحمد لله