الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 2 البقرة > الآية ٢٧١
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 12 دقيقة قراءةقوله تعالى: ﴿ إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ﴾ الآية.
فنعما نزلت لما سألوا رسول الله ، فقالوا: صدقة السِّر أفضل أم صدقة (١) (٢) قال الزجاجي: أصل (٣) (٤) وقوله تعالى: ﴿ فَنِعِمَّا هِيَ ﴾ فيه ثلاثة أوجه من القراءة (٥) أحدها: كسر النون وجزم العين، وهو قراعةُ أبي عمروٍ، واختيار أبي عبيد، قال: لأنها لغة النبي ، حين قال لعمرو بن العاص (٦) (٧) (٨) (٩) وأما ما ذكر أبو عبيد من أنها لغة النبي ، فقال الزجاج: لا أحسب أصحاب الحديث ضبطوا هذا، ولا هذه القراءة جائز عند النحويين البتة؛ لأن فيها الجمع بين ساكنين مع غير حرف من مد ولين (١٠) ومن احتج لأبي عمرو في هذه القراءة قال: لعله أخفى حركة العين، كأخْذِه بالإخفاء في نحو: بارئكم ويأمركم، فظن السامع الإخفاء إسكانًا، للطف ذلك في السمع وخفائه (١١) وسمعت أبا الحسن القهندري رحمه الله يحتج لقراءة أبي عمرو، يقول: إنه لم يُبال الجمع بين ساكنين؛ لقوة العين، وخفاء سكون الميم عند الإدغام إذ اللسان ينبو (١٢) (١٣) الوجه الثاني من القراءة في هذا الحرف: (فنِعِما هي) بكسر النون والعين، قالوا: كسر العين اتباعًا لكسرة الفاء، فرارًا من الجمع بين ساكنين، فأتبع العين الفاء في الكسرة، هذا قول أكثرهم، وقال أبو علي الفارسي: لا يجوز أن تكون هذه القراءة ممن قال: نِعْم، فلما أدغم حرك العين، كما يقول ﴿ يَهْدِي ﴾ ، يتحرك الهاء إذا أدغمت التاء في الدال، وأنكر قول من قال: إن العين كسرت اتباعا للفاء (١٤) (١٥) (١٦) وفي (نعم) أربع لغات: أحدها: نَعِم بفتح النون وكسر العين، وهو الأصل.
والثاني: نِعِم بكسر النون والعين، أتبعوا الأول الثاني؛ لأن الكسرة أشبه بحروف الحلق.
والثالث: نَعْمَ بفتح الأول وإسكان (١٧) ﴿ بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ ﴾ بما فيه مقنع (١٨) قال سيبويه: أما قولُ بعضهم في القراءة ﴿ فَنِعِمَّا هِيَ ﴾ فَحَرَّك العين، فليس على لغة من يقول: نِعْمَ ما، فأسكن العين، ولكن على لغة من قال: نِعِم فحرك العين.
وحدثنا أبو الخطاب (١٩) (٢٠) (٢١) الوجه الثالث من القراءة: (نَعِمّا هي) بفتح النون وكسر العين، ومن قرأ بهذه القراءة فقد جاء بالكلمة على أصلها، وهو نَعِمَ كما قال طرفة: نَعِمَ السَّاعُونَ في الأمْرِ المُبِرْ [[البيت في ديوان طرفة ص 58، وروايته: خالتي والنفس قُدما إنهم ...
نعِم الساعون في القوم الشطُر وذكره أبو علي في "الحجة" 2/ 398، وكذا التبريزي في "شرح الحماسة" 2/ 85 برواية: ما أقلت قدماي إنهم ...
نَعِم الساعون في الأمر المُبِر وعند سيبويه 4/ 440 برواية: ما أقلت قدم ناعلها ...
نعم الساعون في الحي الشطر وقد استوفى الكلام على الشاهد: البغدادي في "خزانة الأدب" 4/ 101، والمُبِر: الغالب، من أبره يبره، إذا قهره بفعال أو غيره.
ينظر: "اللسان" 1/ 252، 253 [برر].]] ولا يجوز أن يكون ممن يقول: نَعْم قبل الإدغام، كما أن من قرأ: ﴿ نِعِمَّا ﴾ لا يكون ممنْ قال قبل الإدغام نِعْمَ، ولكن قارئ الوجه الثالث ممن يقول: نَعِم، فجاء بالكلمة على أصلها (٢٢) فأما (ما) في قوله: ﴿ فَنِعِمَّا ﴾ قال أبو إسحاق: (ما) في تأويل الشيء، أي: نعم الشيء هي (٢٣) وقال أبو علي: الجيد في تمثيل هذا: أن يقال: (ما) في تأويل شيء؛ لأن (ما) هنا: نكرة فتمثيله بالنكرة أبين، والدليل على أن (ما) نكرة هنا: أنها لا تخلو من أن تكون معرفة أو نكرة، فإن كانت معرفة فلا بُدّ لها من صلة، وليس هنا (ما) توصَل به (ما) (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) والمعنى في قوله: ﴿ فَنِعِمَّا هِىَ ﴾ أن في نعم ضميرُ الفاعل، و (ما) في موضع نصب، وهي تفسير الفاعل المضمر قبل الذكر، والمخصوص بالمدح بقوله: (نعم) هو.
(هي) في قوله: ﴿ فَنِعِمَّا هِىَ ﴾ والمعنى: إن تبدوا الصدقات فيكم (٢٨) ﴿ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ المعنى فيه: فالإخفاءُ خيرٌ لكم، كذلك قوله: ﴿ إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ﴾ المعنى فيه: فنعم شيئًا إبداؤها، فالإبداء هو المخصوص بالمدح، إلا أن المضاف الذي هو الإبداء حُذِفَ، وأقيم المضاف إليه الذي هو ضمير الصدقات مقامه، فعلى هذا قوله: ﴿ هِيَ ﴾ في محل الرفع (٢٩) وقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ الإخفاء: نقيض الإظهار، والخِفَاء: الغِطَاء، والخفيّة: عَرِينُ الأسد، لأنه يَخْتَفِي فيها.
والخوافي من الريش ما دون القوادم؛ لأنها تخفى بها (٣٠) وقوله تعالى: ﴿ فَهُوَ ﴾ كناية عن الإخفاء، لأن الفعل يدل على المصدر، أي: الإخفاء خير لكم (٣١) (٣٢) فأما التفسير، فأكثر المفسرين على أن المراد بالصدقات في هذه الآية التطوّع لا الفرض؛ لأن القرض إظهاره أفضل من كتمانه، والتطوع كتمانه أفضل، لأنه أبعد من الرياء، كما تقول في الصلاة، فإن فرض الصلاة (٣٣) (٣٤) (٣٥) وقال بعضهم: المراد بالصدقات، هاهنا، القرض، وكان كتمانه على عهد رسول الله أفضل، لأن المسلمين إذ ذاك لم تكن تسبق إليهم ظِنَّةٌ في منع الواجب، فأما اليوم والناس يسيئون الظن فإظهار الزكاة أحسن، أما التطوع فإخفاؤه أحسن، فإنه أدلّ على أنه يراد به الله وحده، وهذا اختيار الزجاج (٣٦) وقال بعضهم: هذه الآية عامة في الصدقات والزكاة، والإخفاء في كل صدقة من زكاة وغيرها أفضل.
وهذا قول الحسن (٣٧) (٣٨) وقوله تعالى: ﴿ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ ﴾ التكفير في اللغة: التغطية والستر، ورجل مُكَفَّرٌ في السلاح: مُغَطَّى فيه، ومنه، يقال: كفّر عن يمينه، أي: ستر ذَنْبَ الحِنْثِ بما بَذَلَ من الصدقة، والكَفَّارة الساترة لما حصل من الذنب (٣٩) والرفع (٤٠) أحدهما: أن يجعله خبرَ مبتدأ محذوف، تقديره: ونحن نكفر.
والآخر: أن تستأنف الكلام وتقطعه مما قبله، ولا تجعل العاطف للإشراك، ولكن لعطف جملةٍ على جملةٍ، ومن هذا القبيل قوله: ﴿ أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (16) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ ﴾ هو عطف جملة مستأنفة على معنى: نحن نفعل ذلك.
ومن قرأ: (ونكفر) بالنون والجزم، فوجهه: أن يُحْمَلَ الكلام على موضع قوله: ﴿ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ وموضِعُه جَزْمٌ، ألا ترى أنه لو قال: وإن تخفوها تكن أعظم لأجركم، لجزم، فقد علمتَ أن قولَه: ﴿ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ في موضع جزم، ومثله في الحمل على الموضع: قراءة من قرأ: ﴿ مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ ﴾ ، بالجزم، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.
ومن الحمل على المعنى قول أبي دؤادٍ: فَأَبْلُونِي بَلِيَّتَكُم لَعَلِّي ...
أُصَالِحْكُم وأَسْتَدْرِجْ نَوِيَّا (٤١) ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا ﴾ .
ثم قال: ﴿ وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ ﴾ (٤٢) وقوله تعالى: ﴿ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ ﴾ أدخل (من) للتبعيض؛ ليكون العباد فيها على وجل ولا يتكلوا (٤٣) وقال ابن الأنباري: (من) هاهنا توكيد للكلام، والتقدير: ويكفر عنكم سيئاتكم، فأكد (٤٤) ﴿ وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ ﴾ .
وقال عطاء عن ابن عباس: (من) هاهنا صلة للكلام، يريد: جميع سيئاتكم (٤٥) (١) سقطت من (ي).
(٢) ذكره الثعلبي 2/ 1640، وذكره الواحدي في "أسباب النزول" ص 91، وابن== الجوزي في "زاد المسير" 1/ 325، وأبو حيان في "البحر المحيط" 2/ 323، والحافظ في "العجاب" 1/ 627 عن الكلبي، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 384.
عن ابن عباس.
(٣) ليست في (أ) و (م).
(٤) لم أجده فيما بين يدي من كتب الزجاجي، وينظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1542، "المفردات" 280 - 282.
(٥) قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وخلف بفتح النون وكسر العين، وقرأ ورش وابن كثير وحفص ويعقوب بكسر النون والعين، وقرأ أبو جعفر بكسر النون وإسكان العين، واختلف عن قالون والبصري وشعبة، فروي عنهم وجهان: الأول: كسر النون واختلاس كسرة العين، وهذا هو الذي ذكره الشاطبي.
والثاني: كسر النون وإسكان العين كقراءة أبي جعفر، واتفقوا على تشديد الميم.
ينظر "السبعة" 190، "النشر" 2/ 335 - 336، "البدور الزاهرة" 55 - 56.
(٦) هو: عمرو بن العاص بن وائل بن هشام بن سُعَيد القرشي السهمي، كان في == الجاهلية من الأشداء على الإسلام، أسلم في هدنة الحديبية وأمَّرَه الرسولُ - على الجيش، كان من عظماء العربِ ودُهَاتهم، له فتوحاتٌ في الشام ومصر، توفي سنة 43 هـ.
انظر: "فضائل الصحابة" للإمام أحمد 2/ 911 "أسد الغابة" 3/ 244 - 248، "الأعلام" 5/ 79.
(٧) حديث صحيح أخرجه الإمام أحمد 4/ 197 (17763)، (17764)، 4/ 202 (17802)، وأخرجه أبو عبيد في "غريب الحديث" 1/ 93 - 94، وابن أبي شيبة 7/ 17 - 18، وأبو يعلى (7336)، وابن حبان (3210)، (3211)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (6056)، (6057).
(٨) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 354، "علل القراءات" للأزهري 1/ 97، "تفسير الثعلبي" 2/ 1641 - 1642، "والنشر" 2/ 236.
(٩) من "الحجة" 2/ 396.
(١٠) "معاني القرآن" 1/ 354.
(١١) من "الحجة" 2/ 397.
(١٢) في (أ): (بنوا).
(١٣) قال في "النشر" 2/ 236: وحكى النحويون الكوفيون سماعا من العرب (شهر رمضان) مدغمًا، وحكى ذلك سيبويه في الشعر، وروى الوجهين جميعًا عنه الحافظ أبو عمرو الداني، ثم قال: والإسكان آثر، والإخفاء أقيس، قلت: والوجهان: صحيحان غير أن النص عنهم بالإسكان، ولا يعرف الاختلاس إلا من طريق المغاربة ومن تبعهم اهـ.
(١٤) في (ي): النون مراده بالنون نون نعم والمراد فيما أثبتا الفاء أي فاء الفعل.
(١٥) هكذا بالأصل مضبوطة، وفي "الحجة": (قدم) ولعله أصوب.
(١٦) "الحجة" 2/ 397 - 398.
(١٧) في (م): (سكون).
(١٨) لم يذكر في هذا الموضع اللغة الرابعة، وهي نِعْم، بكسر النون وإسكان العين، وينظر في لغاتها: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 354، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 141.
(١٩) هو الأخفش الأكبر.
(٢٠) ينظر: "الكتاب" لسيبويه 4/ 439 - 440.
(٢١) من "الحجة" 2/ 398.
(٢٢) من "الحجة" 2/ 398 - 399.
(٢٣) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 354.
(٢٤) سقطت من (ي).
(٢٥) في "الإغفال" (لها) والمعنى واحد.
(٢٦) (هذا) ليست في (أ) و (م) و (ش).
(٢٧) من "الإغفال" ص 547 - 550 بتصرف واختصار.
(٢٨) ليست في (م) ولا (ش) وكأنها تبدو في (أ) مكشوطًا عليها.
(٢٩) من "الحجة" 2/ 399 بتصرف، وذكر الثعلبي في تفسيره "الكشف والبيان" 2/ 1640 أن (هي) في محل النصب، كما تقول: نعم رجلًا، فإذا عرفت رفعت فعلت: نعم الرجل زيد.
(٣٠) ينظر في خفي: "تهذيب اللغة" 1/ 1070، "المفردات" 159، "اللسان" 2/ 1216، "القاموس" 1280.
(٣١) "الحجة" 2/ 399، "التبيان" ص163.
(٣٢) "الحجة" 2/ 399.
(٣٣) قوله: (فإن فرض الصلاة)، ساقطة من (أ) و (م).
(٣٤) ينظر: "تفسير الطبري" 3/ 93، "تفسير الثعلبي" 2/ 1650، "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 236، "فتح الباري" 3/ 289.
(٣٥) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 3/ 92، وفي "زاد المسير" 1/ 325 - 326.
(٣٦) "معاني القرآن" 1/ 354.
(٣٧) ذكره في "زاد المسير" 1/ 326، وذكره في "النكت والعيون" 1/ 345.
(٣٨) ذكره في "زاد المسير" 1/ 326، والواحدي في "الوسيط" 1/ 385، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 537.
ورواه الطبري في "تفسيره" 3/ 92 بمعناه.
(٣٩) ينظر في (مادة: كفر): "تهذيب اللغة" 3160 - 3164، "المفردات" ص 435 - 438، "اللسان" 7/ 3897 - 3902.
(٤٠) قرأ نافع وحمزة والكسائي (ونكفر) بالنون وجزم الراء، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وشعبة (ونكفر) بالنون ورفع الراء، وقرأ ابن عامر وحفص (ويكفر) بالياء والرفع.
ينظر: "السبعة" ص 191، "الحجة" 2/ 399 - 400.
(٤١) البيت من الوافر، وهو لأبي دؤاد الإيادي في "ديوانه" ص 350، "الحجة" 2/ 401، "الخصائص" 2/ 341، "سر صناعة الإعراب" 2/ 701، "شرح شواهد المغني" 2/ 839، "مغني اللبيب" 2/ 423 بلا نسبة.
ينظر: "المعجم المفصل" 8/ 365.
(٤٢) "الحجة" 2/ 400 - 402.
وينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 355 - 356، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 338 - 339، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 141، "التبيان" ص163، "البحر المحيط" 2/ 325.
(٤٣) "تفسير الثعلبي" 2/ 1649، "البحر المحيط" 2/ 326 قال: لأن الصدقة لا تكفر جميع السيئات.
(٤٤) في (م): (وأكد).
(٤٥) ينظر في إعراب الآية: "تفسير الطبري" 5/ 586، "تفسير الثعلبي" 2/ 1649، "المحرر الوجيز" 2/ 464، "التبيان" ص 163، "البحر المحيط" 1/ 326، وقد خطأ ابن عطية من قال إنها زائدة، وضعف قول من جعلها سببية وقدر (من أجل ذنوبكم).
<div class="verse-tafsir"