الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 2 البقرة > الآية ٢٧٢
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 5 دقيقة قراءةقوله تعالى: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ ﴾ الآية.
نزلت هذه الآية حين جاءت قُتيلة (١) (٢) (٣) ، وإنكما لستما على ديني، فاستأمرته في ذلك، فأنزل الله في هذه الآية، وأمرها رسول الله أن تتصدق عليهما (٤) والمعنى: ليس عليك هدى من خالفك فتمنعهم الصدقة ليدخلوا في الإسلام حاجة منهم إليها.
وأراد بالهدى هاهنا: هدى التوفيق وخلق الهداية؛ لأنه كان على رسول الله هدى البيان والدعوة لجميع الخلق (٥) ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾ قال ابن عباس: يريد: أولياءه (٦) ﴿ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ ﴾ أي: من مالٍ (٧) ﴿ فَلِأَنْفُسِكُمْ ﴾ (٨) ﴿ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ ﴾ ظاهره خبر، وتأويله نهي، أي: ولا تنفقوا إلا ابتغاء وجه الله، فلما لم يجئ بلا وجاء بما صرفه عن وجه الجزم؛ لأن (ما) لا ينهى بها وإن كان جحدًا، وعادتهم في النهي أن يكون بـ لا، والخبرُ في النفي يأتي والمراد به النهي، كقوله: ﴿ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ﴾ .
﴿ لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا ﴾ وفي الإثبات يأتي والمراد به الأمر، كقوله: ﴿ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ﴾ .
وكقوله: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ ﴾ (٩) وأجرى كثير من أهل المعاني هذا على ظاهر الخبر (١٠) (١١) وقال غيره: المراد بهذا نفي المنّ، يقول: {وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ} فلا تَمُنُّوا به، إذ كان (١٢) وقال صاحب النظم: قوله تعالى: ﴿ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ ﴾ حالٌ متوسط بين الجزاءِ والشرط، تأويله: وما تنفقوا من خير، وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله، أي: إذا أنفقتم على هذه الحال فلأنفسكم، كما تقول في الكلام: ما تفعل من خير، ولا تفعله إلا لله، فهو مقبولٌ منك.
وقال بعضهم: القصد بقوله (١٣) ﴿ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ ﴾ أن يُعَلِّمَهُم التعميمَ بالإنفاق والصِّلَة، يقول: أنتم ما تنفقون (١٤) (١٥) (١٦) قال أهل العلم: وهذا في صدقة التطوع، أباح أن يتصدق على المليّ والذمي، فأما صدقة القرض فلا تجوز إلا للمسلمين (١٧) وفي ذكر الوجه في قوله: ﴿ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ ﴾ قولان: أحدهما: أن المراد منه تحقيق الإضافة؛ لأن ذكر الوجه يرفع الإبهام أنه له ولغيره، وذلك أنكَ لمَّا ذكرتَ الوجه ومعناه النفس، دل على أنك تصرِف الوهم عن الإشراك إلى تحقيق الاختصاص، فكنت بذلك محققًا للإضافة ومزيلًا لإبهام الشركة.
القول الثاني: أنك إذا قلت: فعلته لوجه زيد، كان أشرفَ في الذكر من: فعلتُه له، لأن وجه الشيء في الأصل أشرف ما فيه، ثم كثر حتى صارَ يدل على شرف الذكر في الصفة فقط من غير تحقيق وجه، ألا ترى أنك تقول: وجه الدليل كذا، وهذا وجه الرأي، ووجه الأمر، فلا تريد تحقيق الوجه، وإنما تريد أشرف ما فيه، من جهة شدةِ ظهورِهِ وحسن بيانه.
وقوله تعالى: ﴿ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ ﴾ أي: يوفِّر لكم جزاءه، قال ابن عباس: يريد: يجازيكم في الآخرة (١٨) وإنما حسن ﴿ إِلَيْكُمْ ﴾ مع التوفية؛ لأنها تضمنت معنى التأدية (١٩) ﴿ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ﴾ لا تنقصون من ثواب أعمالكم شيئًا، كقوله تعالى: ﴿ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا ﴾ ، يريد: لم تنقص (٢٠) (٢١) (١) قتيلة بنت عبد العزى بن سعد الحامرية القرشية، والدة أسماء بنت أبي بكر، ذكرها بعضهم في الصحابيات اللواتي تأخر إسلامهن، وقال أبو موسى: ليس في شيء من الروايات ذكر إسلامها، وقولها: راغبة، أي: في الصلة، وقال الحافظ ابن حجر: إن كانت عاشت إلى الفتح فالظاهر أنها أسلمت.
ينظر "تجريد أسماء الصحابة" 2/ 297، "الإصابة" 8/ 169.
(٢) أسماء بنت أبي بكر الصديق، عبد الله بن عثمان التيمية القرشية، ذات النطاقين، أسلمت بعد سبعة عشر إنسانا، توفيت سنة 73 أو 74 بعد مقتل ابنها عبد الله بأيام، وقد عاشت مائة عام.
ينظر: "معرفة الصحابة" لأبي نعيم 6/ 3253، "الاستيعاب" 4/ 344.
(٣) في (ي) و (م): (مشتركان).
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1655، والواحدي في "أسباب النزول" ص 90، والحافظ في "العجاب" 1/ 632 عن الكلبي، وذكره أبو الليث في "بحر العلوم" 1/ 233، ونحوه عند مقاتل في "تفسيره" 1/ 144، والقصة في الصحيحين، لكن دون ذكر لسبب النزول، رواها البخاري (2620) كتاب: الهبة، باب: الهدية للمشركين، ومسلم (1003) كتاب: الزكاة، باب: فضل النفقة والصدقة على الأقربين والزوج.
(٥) "تفسيرالثعلبي" 2/ 1658.
(٦) ذكره في "الوسيط" 1/ 387.
(٧) "تفسير الثعلبي" 2/ 1659.
(٨) "تفسير الثعلبي" 2/ 1659.
(٩) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 1659 - 1660، "البحر المحيط" 327/ 2، "غرائب التفسير" 1/ 233.
(١٠) ينظر: "البحر المحيط" 2/ 327.
(١١) "معاني القرآن" 1/ 355.
(١٢) في (ي): (ما إذا كان).
(١٣) في (ش): (تقوله).
(١٤) من قوله: (وما تنفقون)، ساقط من (ش).
(١٥) في (ي) و (ش): (لا).
(١٦) في (ش): (نصحته).
(١٧) "تفسير الثعلبي" 2/ 1660.
(١٨) ذكره في "الوسيط" 1/ 388.
وهذه الرواية تقدم الحديث عنها في قسم الدراسة.
(١٩) "تفسيرالثعلبي" 2/ 1660.
(٢٠) في (ي): (ولم تنقص)، وهي ساقطة من (م).
(٢١) "تفسير الثعلبي" 2/ 1660.
<div class="verse-tafsir"