الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 3 آل عمران > الآية ٢٠
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 10 دقيقة قراءةقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ ﴾ .
قال ابنُ عباس (١) قال الكلبي (٢) قال الزَّجَّاج (٣) (٤) ﴿ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ ﴾ الآية بأن يدعوهم إلى ما هو عليه من الإسلام.
قال أهل المعاني (٥) أراهم الدلالة على صدقه ونبوَّته، ثم دعاهم إلى اتباع أمر من أقروا بأنه خالقهم، فإذا لم يطيعوه، صاروا محجوجين.
فهذا وجه الحجة للنبي في قوله: ﴿ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ ﴾ .
ومعنى ﴿ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ ﴾ : أي: انقدت له بقلبي ولساني وجوارحي.
وذكرنا أن الإسلام معناه -في اللغة-: الانقياد (٦) (٧) وقال ابن عباس في هذه الآية (٨) ﴿ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ .
وقد ذكرنا هناك معنى (أسلم) و (أسلمْتُ).
وقال الفرَّاء (٩) (١٠) (١١) (١٢) قال: ومعنى (الوجه) ههنا: العمل، كقوله: ﴿ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ﴾ ، أي: قصده والعمل.
وقول الشاعر: ...
إليه الوجهُ والعَمَلُ (١٣) نسق بالعمل على الوجه، وهما واحدٌ؛ لاختلاف اللفْظَيْن.
ومضى الكلام في هذا عند قوله: ﴿ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ ﴾ ، الآية.
وقوله تعالى: ﴿ وَمنِ اَتَّبَعَنِ ﴾ .
﴿ مَنِ ﴾ عطف على الضمير في ﴿ أَسْلَمْتُ ﴾ من غير أن يؤكده؛ لأن الكلام طال بقوله: ﴿ وَجْهِىَ للهِ ﴾ ، فصار عِوَضًا من تأكيد الضمير المُتَّصِل.
ولو قيل: (أسْلَمْتُ وزيدٌ)، لم يَحْسُن حتى يقول: (أسلمتُ أنا وزيدٌ).
فإن قال: (أسلمتُ اليوم (١٤) (١٥) [قال أبو إسحاق (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) قال الأعشى: ومن شانئٍ كاسِفٍ بالُهُ ...
إذا ما انتسَبْتُ له أنكَرَنْ (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) (٢٤) قال ابن عباس (٢٥) ﴿ وَمَنِ اتَّبَعَنِ ﴾ : يريد: المهاجرين والأنصار.
وقوله تعالى: ﴿ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ ﴾ .
يعني: العرب (٢٦) ﴿ أَأَسْلَمْتُمْ ﴾ .
قال الفرَّاء (٢٧) (٢٨) (٢٩) ﴿ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ﴾ ؛ أي: انتهوا.
قال النحويون: إنما جاء الأمر في سورة الاستفهام؛ لأنه بمنزلته في طلب الفعل، والاستدعاء إليه، فذكر ذلك؛ للدلالة على الأمر، من غير تصريح به؛ ليُقِرَّ المأمورُ بما يلزمه من الأمر.
وقوله تعالى: ﴿ عَلَيْكَ الْبَلَاغُ ﴾ .
البلاغُ: اسمٌ (٣٠) (٣١) وقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ﴾ .
قال ابن عباس (٣٢) (٣٣) (٣٤) حين أُخبر أنه ليس عليه هداهم، إنما عليه التبليغ، فإذا بلَّغ فقد أدَّى ما عليه.
وقال بعض المفسرين: حكم هذه الآية قبل أن يُؤمر النبي بالسيف (٣٥) (١) لم أهتد إلى مصدر قوله إلا ما ورد في "تنوير المقباس" 44، فقد قال بعد قوله تعالى: ﴿ حَاجُّوكَ ﴾ (يعني: اليهود والنصارى)، وقال بعد ﴿ وَالْأُمِّيِّينَ ﴾ : (يعني: العرب).
(٢) قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 25 أ.
(٣) في "معاني القرآن" له 1/ 388، نقله عنه بتصرف.
(٤) في "معاني القرآن": (أجمعون).
(٥) لم أعثر على من نصَّ على هذا القول، ممن سبق المؤلف.
(٦) انظر ما سبق عند تفسير قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ﴾ من آية 19 من هذه السورة.
(٧) انظر: "تفسير الطبري" 3/ 214، "تفسير الثعلبي" 3/ 25 ب.
(٨) لم أهتد إلى مصدر قوله.
(٩) لم أهتد إلى مصدر قوله وهو موجود في "تفسير الثعلبي" 3/ 25 ب.
(١٠) في (ج): (فقال).
(١١) ما بين المعقوفين ساقط من: (ج)، (د).
(١٢) في (ج): (فيه).
(١٣) عجز بيت، وتمامه: أستغفرُ الله ذنبًا لست مُحصِيَهُ ...
رب العباد إليه الوجه والعمل لم أهتد إلى قائله، وقد ورد غير منسوب في المصادر التالية "كتاب سيبويه" 1/ 37، "معاني القرآن" للفرَّاء: 2/ 314، "تأويل مشكل القرآن" 177، "أدب الكاتب" 524، "المقتضب" 2/ 321، "الأصول في النحو" 1/ 178، "المحلى" لابن شقير: 68، "الخصائص" 3/ 247، "الصاحبي" 291، 339، "أمالي المرتضى" 1/ 591، "تفسير الثعلبي" 25/ 3 ب، "المخصص" 14/ 71، "الاقتضاب" 3/ 400، "شرح المفصل" 7/ 63، 8/ 51، "اللسان" 5/ 26 (غفر)، "شرح شذور الذهب" ص 445، "المقاصد النحوية" 3/ 226، "منهج السالك" (شرح الأشموني): 2/ 194، "التصريح" للأزهري: 1/ 394، "الهمع" 5/ 17، ورد فيه الشطر الأول فقط.
"خزانة الأدب" 3/ 111، "الدرر اللوامع" 2/ 106.
ومعنى البيت: أطلب المغفرة؛ أي: الستر على ذنوبي، ويريد بـ (الذنب) هنا اسم الجنس؛ أي: جميع الذنوب؛ لأنه قال بعده: (لست محصِيَهُ)؛ أي: لا أحصي عدد ذنوبي التي عملتها، وأستغفر الله من جميعها.
و (الوجه) هنا القصد، وهو بمعنى: التوجُّه؛ أي: إليه التوجه في الدعاء.
(١٤) (اليوم): ساقطة من (د).
(١٥) وفي إعراب ﴿ وَمَنِ اتَّبَعَنِ ﴾ ، وجوهٌ أخرى، وهي: أنها مرفوعة على الابتداء، وخبره محذوف، والتقدير: (ومن اتَّبعني أسلم وجهه لله).
أنها منصوبة على المعيَّة، والواو واو المعية؛ أي: (أسلمت وجهي لله مع من اتبعني)، أو (مصاحبًا لمن أسلم وجهه لله).
أنها في محل جر عطفا على اسم الله تعالى، على تأويل: (جعلت مقصدي لله بالإيمان به والطاعة له، ولمن اتَّبعني بالحفظ له والاحتفاء بعمله وبرأيه وبصحبته).
ويظهر على الوجه التكلف والتعسف.
انظر هذه الوجوه، في "الفريد في إعراب القرآن المجيد" للمنتجب الهمداني 1/ 555، "البحر المحيط" 2/ 421، "الدر المصون" 3/ 90 - 92، "الفتوحات الإلهية" 1/ 253.
(١٦) في "معاني القرآن" له 1/ 389، نقله عنه بتصرف واختصار قليل.
(١٧) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج)، (د).
(١٨) (حذفها): ساقطة من: (د).
(١٩) (تشبه): مطموسة في (ج).
(٢٠) البيت في "ديوانه" ص 207.
وورد منسوبًا له في "الكتاب" 4/ 187، "أمالي ابن الشجري" 2/ 291، و"مجاز القرآن" 2/ 195، و"الأمالي" للقالي 2/ 263، و"إيضاح الوقف والابتداء" لابن الأنباري 259، و"فقه اللغة" للثعالبي 218،== "شرح المفصل" 9/ 83، 86.
وورد غير منسوب في "غريب الحديث" للحربي: 2/ 874، "وشرح أبيات سيبويه" للنحاس: 189.
وروايته في الديوان وبعض المصادر: (..
كاسف وجهه ..)، وورد في بعض المصادر: (..
ومن كاشح ظاهِرٍ غِمْرُهُ ..).
و (الشانئ): المُبغِض، و (كاسف البال): سيِّء الحال، و (كاسف الوجه): عابِسُه؛ من سوء الحال، و (رجل كاسف): مهمومٌ، قد تغير لونه، وهزل من الحزن.
و (أنكرن): أنكرني بادِّعائه أنه لا يعرفني؛ لكراهيته لي.
أما في الرواية الثانية: فمعنى (كاشح)؛ أي عدو مبغض، وهو الذي يضمر لك العداوة في كَشْحه؛ أي: باطنه، أو يطوية عنك كشحُهُ وُيعرض عنك، و (الكشح): الخَصْر.
و (الغَمْرُ) بفتح الغين وكسرها: الحقد والغِل.
انظر: "اللسان" 4/ 2335 (شنأ)، 7/ 3877 (كسف)، 7/ 3880 (كشح)، 6/ 3294 - 3295 (غمر).
والشاهد في البيت: حذف الياء من (أنكرن) في الوقف عليها في القافية، وأصلها: (أنكرني).
(٢١) في (ب): (اتبعن).
(٢٢) في (أ)، (ب): (اتَّبعنن).
والمثبت من: (ج)، (د)، "معاني القرآن" للزجَّاج، "زاد المسير" 1/ 364.
(٢٣) في (د): (فالكسر).
(٢٤) في (ج): (إلا أن).
(٢٥) لم أعثر على مصدر قوله.
(٢٦) أي: إن الأميِّين هم العرب.
وسُمُّوا بذلك كما يقول ابن عطية: نسبة (على الأم،== أو إلى الأمَّة ...
أي: كما هي الأم، أو على حال خروج الإنسان عن الأم، أو على حال الأمة الساذجة قبل التعلم والتحذق) "المحرر الوجيز" 3/ 58؛ أي: سُمُّوا بذلك لعدم معرفتهم الكتابة والقراءة.
وانظر: "تهذيب اللغة" 1/ 204 - 205 (أمم).
وبهذا ورد الأثر عن ابن عباس، كما في "تفسير الطبري" 3/ 215، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 620.
ويعزز هذا قول النبي : "إنَّا أمة أمية، لا نكتب ولا نحسب ..
".
أخرجه البخاري في "صحيحه" 2/ 230 كتاب الصوم، باب: 13، ومسلم في: "صحيحه": 2/ 761.
كتاب الصيام، باب: وجوب صوم رمضان، رقم: 15.
وقال محمد بن جعفر بن الزبير، ومحمد بن إسحاق: الذين لا كتاب لهم.
انظر: "تفسير الطبري" 3/ 215، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 619.
(٢٧) في "معاني القرآن" له: 1/ 202.
(٢٨) في "معاني القرآن وإعرابه" له 1/ 390، وعنه نقل المؤلف العبارات التالية، بتصرف.
(٢٩) (قوله): ساقط من: (ج).
(٣٠) (اسم): ساقط من: (د).
(٣١) (السَّراح) اسم للمصدر، بمعنى: التسريح، وأصل (التسريح): إرسال الإبل في المرعى، ثم جُعِل للمطلق الإرسال، ثم استعير في الطلاق، فـ (تسبح المرأة): تطليقها، والاسم: (السَّراح)، قال تعالى: ﴿ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا ﴾ الأحزاب: 49، وقال: ﴿ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ﴾ .
ومن معاني (السَّراح): السهولة، والمصدر: (التسريح)؛ أي التسهيل.
انظر: (سرح)، في "اللسان" 4/ 1984 - 1985، "عمدة الحفاظ" 237.
(٣٢) لم أهتد إلى مصدر قوله.
(٣٣) في (ج): (من)، (د): (بمن).
(٣٤) والذي في: "تنوير المقباس" عنه: 44: (بمن يؤمن، وبمن لا يؤمن).
(٣٥) يعني أنها منسوخة، والمنسوخ منها عندهم هو قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ﴾ .
وممن قال بذلك ممن سبق المؤلف بالوفاة: أبو عبد الله، محمد بن حزم الأنصاري، المتوفى سنة (320 هـ) تقريبًا، في كتابه: "الناسخ والمنسوخ في القرآن": 30، وهبة الله بن سلامة، المتوفى سنة (410 هـ) في كتابه: "الناسخ والمنسوخ من كتاب الله عز وجل": 60.
والناسخ لها عندهم هي آية السيف، وهي في أصح أقوال العلماء: ﴿ فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ﴾ .
ومنشأ دعواهم بأنها منسوخة، هو أنَّ الآية بما تضمنته من أسلوب القصر حصرت مهمة النبي ، في تبليغ الرسالة والموادعة دون قتال المخالفين، ثم جاءت آية == السيف بالإذن بقتالهم، فنسخت الاقتصارَ على التبليغ، وصارت المهمةُ بعدها: التبليغ والقتال في سبيل ما كُلِّفَ بتبليغه، ولكن دعوى النسخ هذه لا تُسلَّم؛ لأمور منها: أن هذه الآية خبَر، والأخبار لا تقبل النسخ.
أن القول بالنسخ يقتضي معرفة تاريخ نزول الآية؛ ليقال: إن اللاحق نسخ السابق، والتاريخ هنا غير معروف.
إن القصر هنا إضافيٌّ، يُراد به تقرير أن الرسول ليس مكَلَّفًا بإيجاد الإيمان في القلوب، وهو ما يُسمَّى بهداية القبول، فذلك من حق الله تعالى، أمَّا هداية البيان والإرشاد والتبليغ فذلك من وظيفة النبي ، وهي المرادة في هذه الآية.
أن الآية كما يقول د.
مصطفى زيد: (لم تكن تقصد إلى إعفاء النبي من واجب القتال في سبيل الدعوة، وإنما قصدت إلى تقرير أنه قد بَلَّغ عن الله فأدَّى ما عليه.
وشَرْعُ القتال قبلها، ثم بعدها بآية السيف وغيرها لم يغير شيئًا من حقيقة الوظيفة التي كُلِّفَ القيام بها، وإن كان قد زاد الوسائل إليها وسيلة جديدة، هي: مشروعية القتال في سبيلها؛ لتأمين الدعوة، وحماية أرواحهم من عدوان الكفار عليهم، لا لحملهم على الدخول في الإسلام بقوة السلاح).
"النسخ في القرآن" د.
مصطفى زيد: 1/ 425، وانظر: "المحرر الوجيز" 3/ 59.
<div class="verse-tafsir"