الآية ٢٠ من سورة آل عمران

الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ٢٠ من سورة آل عمران

فَإِنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ لِلَّهِ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِ ۗ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْأُمِّيِّـۧنَ ءَأَسْلَمْتُمْ ۚ فَإِنْ أَسْلَمُوا۟ فَقَدِ ٱهْتَدَوا۟ ۖ وَّإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَـٰغُ ۗ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِٱلْعِبَادِ ٢٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 138 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٠ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٠ من سورة آل عمران عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال تعالى : ( فإن حاجوك ) أي : جادلوك في التوحيد ( فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن ) أي : فقل أخلصت عبادتي لله وحده ، لا شريك له ولا ند [ له ] ولا ولد ولا صاحبة له ( ومن اتبعن ) على ديني ، يقول كمقالتي ، كما قال تعالى : ( قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني [ وسبحان الله وما أنا من المشركين ] ) [ يوسف : 108 ] .

ثم قال تعالى آمرا لعبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم أن يدعو إلى طريقته ودينه ، والدخول في شرعه وما بعثه الله به الكتابيين من الملتين والأميين من المشركين فقال : ( وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ ) أي : والله عليه حسابهم وإليه مرجعهم ومآبهم ، وهو الذي يهدي من يشاء ، ويضل من يشاء ، وله الحكمة في ذلك ، والحجة البالغة ، ولهذا قال : ( والله بصير بالعباد ) أي : هو عليم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الضلالة ، وهو الذي ( لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ) [ الأنبياء : 33 ] وما ذاك إلا لحكمته ورحمته .

وهذه الآية وأمثالها من أصرح الدلالات على عموم بعثته ، صلوات الله وسلامه عليه ، إلى جميع الخلق ، كما هو معلوم من دينه ضرورة ، وكما دل عليه الكتاب والسنة في غير ما آية وحديث ، فمن ذلك قوله تعالى : ( قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا ) [ الأعراف : 158 ] وقال تعالى : ( تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا ) [ الفرقان : 1 ] وفي الصحيحين وغيرهما ، مما ثبت تواتره بالوقائع المتعددة ، أنه بعث كتبه صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الله ملوك الآفاق ، وطوائف بني آدم من عربهم وعجمهم ، كتابيهم وأميهم ، امتثالا لأمر الله له بذلك .

وقد روى عبد الرزاق ، عن معمر ، عن همام ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " والذي نفسي بيده ، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ، ومات ولم يؤمن بالذي أرسلت به ، إلا كان من أهل النار " رواه مسلم .

وقال صلى الله عليه وسلم : " بعثت إلى الأحمر والأسود " وقال : " كان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة " .

وقال الإمام أحمد : حدثنا مؤمل ، حدثنا حماد ، حدثنا ثابت عن أنس ، رضي الله عنه : أن غلاما يهوديا كان يضع للنبي صلى الله عليه وسلم وضوءه ويناوله نعليه ، فمرض ، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم فدخل عليه وأبوه قاعد عند رأسه ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " يا فلان ، قل : لا إله إلا الله " فنظر إلى أبيه ، فسكت أبوه ، فأعاد عليه النبي صلى الله عليه وسلم ، فنظر إلى أبيه ، فقال أبوه : أطع أبا القاسم ، فقال الغلام : أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله ، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول : " الحمد لله الذي أخرجه بي من النار " أخرجه البخاري في الصحيح إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: فإن حاجَّك: يا محمد، النفرُ من نصارى أهل نجران في أمر عيسى صلوات الله عليه، فخاصموك فيه بالباطل، (44) فقل: انقدت لله وحده بلساني وقلبي وجميع جوارحي.

وإنما خَصّ جل ذكره بأمره بأن يقول: " أسلمت وجهي لله "، لأن الوجه أكرمُ جوارح ابن آدم عليه، وفيه بهاؤه وتعظيمه، فإذا خضع وجهه لشيء، فقد خضع له الذي هو دونه في الكرامة عليه من جوارح بدنه.

(45) * * * وأما قوله: " ومن اتبعني"، فإنه يعني: وأسلم من اتبعني أيضًا وجهه لله معي.

و " من " معطوف بها على " التاء " في" أسلمت "، كما:- 6773 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: " فإن حاجُّوك " أي: بما يأتونك به من الباطل، من قولهم: " خَلقنا، وفعلنا، وجعلنا، وأمرنا "، فإنما هي شبه باطلة قد عرفوا ما فيها من الحق =" فقل أسلمت وَجهي لله ومن اتبعني".

(46) * * * &; 6-281 &; القول في تأويل قوله : وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: " وقل "، يا محمد، = للذين أوتوا الكتاب " من اليهود والنصارى =" والأميين " الذين لا كتاب لهم من مشركي العرب =" أأسلمتم "، يقول: قل لهم: هل أفردتم التوحيد وأخلصتم العبادة والألوهة لرب العالمين، دون سائر الأنداد والأشراك التي تشركونها معه في عبادتكم إياهم وإقراركم بربوبيتهم، (47) وأنتم تعلمون أنه لا ربّ غيره ولا إله سواه =" فإن أسلموا "، يقول: فإن انقادوا لإفراد الوحدانية لله وإخلاص العبادة والألوهة له =" فقد اهتدوا "، يعني: فقد أصابوا سبيل الحق، وسلكوا مَحَجَّة الرشد.

(48) * * * فإن قال قائل: وكيف قيل: " فإن أسلموا فقد اهتدوا " عقيب الاستفهام؟

وهل يجوز على هذا في الكلام أن يقال لرجل: " هل تقوم؟

فإن تقم أكرمك "؟

قيل: ذلك جائز، إذا كان الكلام مرادًا به الأمر، وإن خرج مخرج الاستفهام، كما قال جل ثناؤه: وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [سورة المائدة: 91]، يعني: انتهوا، وكما قال جل ثناؤه مخبرًا عن الحواريين أنهم قالوا لعيسى: يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَـزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ [سورة المائدة: 112]، وإنما هو مسألة، كما يقول الرجل: " هل أنت &; 6-282 &; كافٌّ عنا "؟

بمعنى: اكفف عنا، وكما يقول الرجل للرجل: " أينَ، أين "؟

بمعنى: أقم فلا تبرح، ولذلك جُوزي في الاستفهام كما جوزي في الأمر في قراءة عبد الله: ( هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ آمِنُوا ) [سورة الصف: 10، 11]، ففسرها بالأمر، (49) وهي في قراءتنا على الخبر.

فالمجازاة في قراءتنا على قوله: " هل أدلكم "، وفي قراءة عبد الله على قوله: "آمنوا "، على الأمر، لأنه هو التفسير.

(50) * * * وبنحو معنى ما قلنا في ذلك قال بعض أهل التأويل: 6774 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: " وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين "، الذين لا كتاب لهم =" أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا " الآية.

(51) 6775 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: " وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين "، قال: الأميون الذين لا يكتبون.

* * * &; 6-283 &; القول في تأويل قوله : وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (20) قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " وإن تولوا "، وإن أدبروا مُعرضين عما تدعوهم إليه من الإسلام وإخلاص التوحيد لله رب العالمين، (52) فإنما أنت رسولٌ مبلِّغ، وليس عليك غير إبلاغ الرسالة إلى من أرسلتك إليه من خلقي، وأداء ما كلَّفتك من طاعتي =" والله بصيرٌ بالعباد "، (53) يعني بذلك: والله ذو علم بمن يقبل من عباده ما أرسلتك به إليه فيطيعك بالإسلام، وبمن يتولَّى منهم عنه معرضًا فيردّ عليك ما أرسلتك به إليه، فيعصيك بإبائه الإسلامَ.

------------------------- الهوامش : (44) انظر تفسير"حاج" فيما سلف 3: 120 ، 201 / ثم 5: 429 ، 430.

(45) انظر تفسير"أسلم وجهه" فيما سلف 2: 510-512 ، وتفسير"الإسلام" في مراجعه التي ذكرتها آنفًا ص: 275 تعليق: 1.

(46) الأثر: 6773 - رواه ابن هشام في سيرته 2: 227 ، وهو من بقية الآثار التي آخرها رقم: 6770.

(47) "الأشراك" جمع"شريك" ، كما يقال: يتيم وأيتام وشريف وأشراف.

وقياسه شركاء ، مثل شرفاء.

(48) انظر تفسير ألفاظ هذه الآية فيما سلف في فهارس اللغة.

وتفسير"الأميين" فيما سلف: 257-259 ، والأثر رقم: 5827 ، وفي كلام الطبري نفسه 5: 441 ، تعليق: 2.

(49) في معاني القرآن للفراء 1: 202"ففسر (هل أدلكم) بالأمر" ، وما هاهنا شبيه بالصواب أيضًا.

هذا ، وقراءتنا في مصحفنا"تؤمنون بالله" مكان"آمنوا" في قراءة عبد الله.

(50) هذا نص ما في معاني القرآن للفراء 1: 202.

(51) الأثر: 6774- ابن هشام في سيرته عن ابن إسحاق 2: 227 ، وهو بقية الآثار التي آخرها رقم: 6773.

(52) انظر تفسير"تولى" فيما سلف 2: 162-164 ، 298 ، 299 / ثم 3: 115 ، 131 / ثم 4: 237.

(53) انظر تفسير"بصير بالعباد" فيما سلف آنفًا: 262.

والمراجع في التعليق: 3.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد قوله تعالى : فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله أي جادلوك بالأقاويل المزورة والمغالطات ، فأسند أمرك إلى ما كلفت من الإيمان والتبليغ وعلى الله نصرك .

وقوله وجهي بمعنى ذاتي ; ومنه الحديث سجد وجهي للذي خلقه وصوره .

وقيل : الوجه هنا بمعنى القصد ; كما تقول : خرج فلان في وجه كذا .

وقد تقدم هذا المعنى في البقرة [ ص: 44 ] مستوفى ; والأول أولى .

وعبر بالوجه عن سائر الذات إذ هو أشرف أعضاء الشخص وأجمعها للحواس .

وقال :أسلمت وجهي لمن أسلمت له المزن تحمل عذبا زلالاوقد قال حذاق المتكلمين في قوله تعالى : ويبقى وجه ربك : إنها عبارة عن الذات وقيل : العمل الذي يقصد به وجهه .

وقوله : ومن اتبعن " من " في محل رفع عطفا على التاء في قوله أسلمت أي ومن اتبعني أسلم أيضا ، وجاز العطف على الضمير المرفوع من غير تأكيد للفصل بينهما .

وأثبت نافع وأبو عمرو ويعقوب ياء " اتبعني " على الأصل ، وحذف الآخرون اتباعا للمصحف إذ وقعت فيه بغير ياء .

وقال الشاعر :ليس تخفى يسارتي قدر يوم ولقد تخفي شيمتي إعساريقوله تعالى : وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد يعني اليهود والنصارى والأميين الذين لا كتاب لهم وهم مشركو العرب .

أأسلمتم استفهام معناه التقرير وفي ضمنه الأمر ، أي أسلموا ; كذا قال الطبري وغيره .

وقال الزجاج : أأسلمتم تهديد .

وهذا حسن لأن المعنى أأسلمتم أم لا .

وجاءت العبارة في قوله فقد اهتدوا بالماضي مبالغة في الإخبار بوقوع الهدى لهم وتحصيله .

و " البلاغ " مصدر بلغ بتخفيف عين الفعل ، أي إنما عليك أن تبلغ .

وقيل : إنه مما نسخ بالجهاد .

وقال ابن عطية : وهذا يحتاج إلى معرفة تاريخ نزولها ; وأما على ظاهر نزول هذه الآيات في وفد نجران فإنما المعنى فإنما عليك أن تبلغ ما أنزل إليك بما فيه من قتال وغيره .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم أمر تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم عند محاجة النصارى وغيرهم ممن يفضل غير دين الإسلام عليه أن يقول لهم: قد { أسلمت وجهي لله ومن اتبعن } أي: أنا ومن اتبعني قد أقررنا وشهدنا وأسلمنا وجوهنا لربنا، وتركنا ما سوى دين الإسلام، وجزمنا ببطلانه، ففي هذا تأييس لمن طمع فيكم، وتجديد لدينكم عند ورود الشبهات، وحجة على من اشتبه عليه الأمر، لأنه قد تقدم أن الله استشهد على توحيده بأهل العلم من عباده ليكونوا حجة على غيرهم، وسيد أهل العلم وأفضلهم وأعلمهم هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ثم من بعده أتباعه على اختلاف مراتبهم وتفاوت درجاتهم، فلهم من العلم الصحيح والعقل الرجيح ما ليس لأحد من الخلق ما يساويهم أو يقاربهم، فإذا ثبت وتقرر توحيد الله ودينه بأدلته الظاهرة، وقام به أكمل الخلق وأعلمهم، حصل بذلك اليقين وانتفى كل شك وريب وقادح، وعرف أن ما سواه من الأديان باطلة، فلهذا قال { وقل للذين أوتوا الكتاب } من النصارى واليهود { والأميين } مشركي العرب وغيرهم { أأسلمتم فإن أسلموا } أي: بمثل ما أمنتم به { فقد اهتدوا } كما اهتديتم وصاروا إخوانكم، لهم ما لكم، وعليهم ما عليكم { وإن تولوا } عن الإسلام ورضوا بالأديان التي تخالفه { فإنما عليك البلاغ } فقد وجب أجرك على ربك، وقامت عليهم الحجة، ولم يبق بعد هذا إلا مجازاتهم بالعقاب على جرمهم، فلهذا قال { والله بصير بالعباد }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( فإن حاجوك ) أي خاصموك يا محمد في الدين ، وذلك أن اليهود والنصارى قالوا : لسنا على ما سميتنا به يا محمد إنما اليهودية والنصرانية نسب ، والدين هو الإسلام ونحن عليه فقال الله تعالى ( فقل أسلمت وجهي لله ) أي انقدت لله وحده بقلبي ولساني وجميع جوارحي ، وإنما خص الوجه لأنه أكرم الجوارح من الإنسان وفيه بهاؤه ، فإذا خضع وجهه للشيء خضع له جميع جوارحه ، وقال الفراء : معناه أخلصت عملي لله ( ومن اتبعن ) أي ومن اتبعني أسلم كما أسلمت ، وأثبت نافع وأبو عمرو الياء في قوله تعالى ( اتبعني ) على الأصل وحذفها الآخرون على الخط لأنها في المصحف بغير ياء وقوله : ( وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين ) يعني العرب ( أأسلمتم ) لفظه استفهام ومعناه أمر ، أي أسلموا كما قال " فهل أنتم منتهون " ( 91 - المائدة ) أي انتهوا ، ( فإن أسلموا فقد اهتدوا ) فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية فقال أهل الكتاب : أسلمنا ، فقال لليهود : أتشهدون أن عيسى كلمة الله وعبده ورسوله قالوا : معاذ الله ، وقال للنصارى : أتشهدون أن عيسى عبد الله ورسوله ؟

قالوا : معاذ الله أن يكون عيسى عبدا فقال الله عز وجل ( وإن تولوا فإنما عليك البلاغ ) أي تبليغ الرسالة وليس عليك الهداية ( والله بصير بالعباد ) عالم بمن يؤمن وبمن لا يؤمن .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فإن حاجوك» خاصمك الكفار يا محمد في الدين «فقل» لهم «أسلمت وجهي لله» أنقدت له أنا «ومن اتبعن» وخص الوجه بالذكر لشرفه فغيره أولى «وقل للذين أوتوا الكتاب» اليهود والنصارى و «الأميين» مشركي العرب «أأسلمتم» أي أسلموا «فإن أسلموا فقد اهتدوا» من الضلال «وإن تولوا» عن الإسلام «فإنما عليك البلاغ» أي التبليغ للرسالة «والله بصير بالعباد» فيجازيهم بأعمالهم وهذا قبل الأمر بالقتال

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فإن جادلك -أيها الرسول- أهل الكتاب في التوحيد بعد أن أقمت الحجة عليهم فقل لهم: إنني أخلصت لله وحده فلا أشرك به أحدًا، وكذلك من اتبعني من المؤمنين، أخلصوا لله وانقادوا له.

وقل لهم ولمشركي العرب وغيرهم: إن أسلمتم فأنتم على الطريق المستقيم والهدى والحق، وإن توليتم فحسابكم على الله، وليس عليَّ إلا البلاغ، وقد أبلغتكم وأقمت عليكم الحجة.

والله بصير بالعباد، لا يخفى عليه من أمرهم شيء.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم لقن الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم ما يرد به على أهل الكتاب إذا ما جادلوه أو خاصموه ليحسم الأمر معهم ومع غيرهم من المشركين وليمضى فى طريقه الواضح المستقيم فقال - تعالى - { فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للَّهِ وَمَنِ اتبعن } .وقوله { حَآجُّوكَ } من المحاجة وهى أن يتبادل المتجادلان الحجة ، بأن يقدم كل واحد حجته ويطلب من الآخر أن يرد عليها أو يقدم الحجة على ما يدعيه ويزعم أنه الحق الذى لا شك فيه .والمعنى : فإن جادلك - يا محمد - أهل الكتاب ومن لف لفهم بالأقاويل المزورة والمغالطات الباطلة بعد أن قامت الحجج على صدقك .

فلا تسر معهم في لجاجتهم ، ولا تلتفت إلى أكاذيبهم ، بل قل لهم { أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للَّهِ وَمَنِ اتبعن } أى أخلصت عبادتى لله وحده ، وأطعته وانقدت له ، وكذلك من اتبعنى وآمن بى قد أسلم وجهه له وأخلص له العبادة .والمراد بالوجه هنا الذات ، وعبر بالوجه عن سائر الذات لأنه أشرف أعضاء الشخص ، ولأنه هو الذي تكون به المواجهة ، وهو مجمع محاسن الجسم فالتعبير به عن الجسم كله تعبير بجزء له شأن خاص وتتم به إرادة الكل .و { وَمَنِ } في قوله { وَمَنِ اتبعن } في محل رفع عطفا على الضمير المتصل في { أَسْلَمْتُ } أى أسلمت أنا ومن اتبعنى ، وجاء العطف على الضمير المرفوع من غير تأكيد لوجود الفاصل بينهما .وقوله { وَقُلْ لِّلَّذِينَ أُوتُواْ الكتاب والأميين أَأَسْلَمْتُمْ } عطف على الجملة الشرطية ، والمراد بالأميين الذين لا كتاب لهم وهم مشركو العرب .والاستفهام فى قوله { أَأَسْلَمْتُمْ } للحض على أن يسلموا وجوههم لله ، ويتبعوا الرسول صلى الله عليه وسلم كما اتبعه المسلمون .والمعنى : فإن جادلوك في الدين - يا محمد - بعد أن تبين لكل عاقل صدقك ، فقل لهؤلاء المعاندين إني أسلمت وجهى لله وكذلك أتباعى أسلموا وجوههم لله ، وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أسلموا تسلموا فقد تبين لكن أنى على حق ، ومن شأن العاقل أنه إذا تبين له الحق أن يدخل فيه وأن يترك العناد والمكابرة .قال صاحب الكشاف : وقوله { أَأَسْلَمْتُمْ } يعنى أنه قد أتاكم من البينات ما يوجب الإسلام ويقتضى حصوله لا محالة فهل أسلمتم أم أنتم بعد على كفركم وهذا كقولك لمن لخصت له المسألة ولم تبق من طرق البيان طريقا إلا سلكته : هل فهمتها لا أم لك .

ومنه قوله - تعالى - { فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ } بعد ما ذكر الصوارف عن الخمر والميسر .

وفي هذا الاستفهام استقصار - أى عد المخاطب قاصرا - وتعيير بالمعاندة وقلة الإنصاف ، لأن المنصف إذا تجلت له الحجة لم يتوقف في إذعانه للحق .ثم بين - سبحانه - ما يترتب على إسلامهم من نتائج ، وما يترتب على إعراضهم من شرور تعود عليهم فقال : { فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهتدوا وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البلاغ والله بَصِيرٌ بالعباد } .أى : فإن أسلموا وجوههم لله وصدقوا بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فقد اهتدوا إلى طريق الحق ، لأن هذا الإسلام هو الدين الذى ارتضاه الله للناس وإن أعرضوا عن هذا الطريق المستقيم ، فإن إعراضهم لن يضرك - أيها الرسول الكريم - لأن الذى عليك إنما هو تبليغ الناس ما أمرك الله بتبليغه إياهم .

وهو - سبحانه - بصير بخلقه لا تخفى عليه خافية من أقوالهم أو أفعالهم ، وسيجازى كل إنسان بما يستحقه .وعبر بالماضى فى قوله { فَقَدِ اهتدوا } مبالغة في الإخبار بوقوع الهدى لهم وقوله { فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البلاغ } قائم مقام جواب الشرط أى وإن تولوا لا يضرك توليهم شيئا إذا ما عليك إلا البلاغ وقد أديته على أكمل وجه وأبلغه .وقوله { والله بَصِيرٌ بالعباد } تذييل فيه عزاء للنبي صلى الله عليه وسلم عن كفرهم ، وإشارة إلى أحوالهم ، وإنذار بسوء مصيرهم ، لأنه - سبحانه - عليم بنفوس الناس جميعا وسيجازى كل إنسان بما يستحقه ، وفيه كذلك وعد للمؤمنين بحسن العاقبة ، وجزيل الثواب .قال ابن كثير : وهذه الآية وأمثالها من أصرح الدلالات على عموم بعثته صلى الله عليه وسلم إلى جميع الخلق كما هو معلوم من دينه ضرورة ، وكما دل عليه الكتاب والسنة فى غير ما آية وحديث فمن ذلك قوله - تعالى - { قُلْ ياأيها الناس إِنِّي رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ جَمِيعاً } وقال - تعالى - { تَبَارَكَ الذي نَزَّلَ الفرقان على عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً } وفي الصحيحين وغيرهما مما ثبت تواتره بالوقائع المتعددة أنه صلى الله عليه وسلم بعث كتبه يدعو إلى الله ملوك الآفاق وطوائف بنى آدم من عربهم وعجمهم .

كتابيهم وأميهم امتثالا لأمر الله له بذلك ، فعن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال : " والذى نفسى بيده لا يسمع بى أحد من هذه الأمة يهدى ولا نصرانى ومات ولم يؤمن بالذى أرسلت به إلا كان من أهل النار " .وقال صلى الله عليه وسلم " بعثت إلى الأحمر والأسود " وقال : " كان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة " وعن أنس - رضى الله عنه - أن غلاما يهوديا كان يضع للنبى صلى الله عليه وسلم وضوءه ويناوله نعليه فمرض .

فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم فدخل عليه وأبوه قاعد عند رأسه ، فقال له النبى صلى الله عليه وسلم : " يا فلان قل لا إله إلا الله ، فنظر إلى أبيه فسكت أبوه فأعاد عليه النبي صلى الله عليه وسلم القول .

فنظر إلى أبيه ، فقال له أبوه أطع أبا القاسم .

فقال الغلام أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله .

فخرج النبى صلى الله عليه وسلم وهو يقول : الحمد لله الذى أخرجه بى من النار "رواه البخاري في الصحيح .

إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث .وبهذا نرى أن الآيات الكريمة قد بينت للناس في كل زمان ومكان أن دين الإسلام هو الدين الحق الذى ارتضاه الله لعباده وشهد بذلك خالق هذا الكون - عز وجل - وكفى بشهادته شهادة كما شهد بذلك الملائكة المقربون والعلماء المخلصون .

كما بينت أن كثيرا من الذين أوتوا الكتاب يعلمون هذه الحقيقة ولكنهم يكتمونها ظلما وبغيا ، كما بينت - أيضاً - أن الذين يدخلون فى هذا الدين يكونون بدخولهم قد اهتدوا إلى الطريق القويم ، وأن الذين يعرضون عنه سيعاقبون بما يستحقونه بسبب هذا الإعراض عن الحق المبين .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما ذكر من قبل أن أهل الكتاب اختلفوا من بعد ما جاءهم العلم، وأنهم أصروا على الكفر مع ذلك بيّن الله تعالى للرسول صلى الله عليه وسلم ما يقوله في محاجتهم، فقال: ﴿ فَإنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ للَّهِ وَمَنِ اتبعن ﴾ وفي كيفية إيراد هذا الكلام طريقان: الطريق الأول: أن هذا إعراض عن المحاجة، وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم كان قد أظهر لهم الحجة على صدقه قبل نزول هذه الآية مراراً وأطواراً، فإن هذه السورة مدنيّة، وكان قد أظهر لهم المعجزات بالقرآن، ودعاء الشجرة وكلام الذئب وغيرها، وأيضاً قد ذكر قبل هذه الآية آيات دالة على صحة دينه، فأولها: أنه تعالى ذكر الحجة بقوله: ﴿ الحى القيوم ﴾ على فساد قول النصارى في إلهية عيسى عليه السلام وبقوله: ﴿ نَزَّلَ عَلَيْكَ الكتاب بالحق  ﴾ على صحة النبوّة، وذكر شبه القوم، وأجاب عنها بأسرها على ما قررناه فيما تقدم، ثم ذكر لهم معجزة أخرى، وهي المعجزات التي شاهدوها يوم بدر على ما بيناه في تفسير قوله تعالى: ﴿ قَدْ كَانَ لَكُمْ ءايَةٌ فِي فِئَتَيْنِ التقتا  ﴾ ثم بيّن صحة القول بالتوحيد، ونفى الضد والند والصاحبة والولد بقوله: ﴿ شَهِدَ الله أَنَّهُ لا إله إِلاَّ هُوَ  ﴾ ثم بيّن تعالى أن ذهاب هؤلاء اليهود والنصارى عن الحق، واختلافهم في الدين، إنما كان لأجل البغي والحسد، وذلك ما يحملهم على الانقياد للحق والتأمل في الدلائل لو كانوا مخلصين، فظهر أنه لم يبق من أسباب إقامة الحجة على فرق الكفار شيء إلا وقد حصل، فبعد هذا قال: ﴿ فَإنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ للَّهِ وَمَنِ اتبعن ﴾ يعني إنا بالغنا في تقرير الدلائل، وإيضاح البينات، فإن تركتم الأنف والحسد، وتمسكتم بها كنتم أنتم المهتدين، وإن أعرضتم فإن الله تعالى من وراء مجازاتكم، وهذا التأويل طريق معتاد في الكلام، فإن المحق إذا ابتلى بالمبطل اللجوج، وأورد عليه الحجة حالاً بعد حال، فقد يقول في آخر الأمر: أما أنا ومن اتبعني فمنقادون للحق، مستسلمون له، مقبلون على عبودية الله تعالى، فإن وافقتم واتبعتم الحق الذي أنا عليه بعد هذه الدلائل التي ذكرتها فقد اهتديتم، وإن أعرضتم فإن الله بالمرصاد، فهذا الطريق قد يذكره المحتج المحق مع المبطل المصر في آخر كلامه.

الطريق الثاني: وهو أن نقول: إن قوله: ﴿ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ للَّهِ ﴾ محاجة، وإظهار للدليل، وبيانه من وجوه: الوجه الأول: أن القوم كانوا مقرين بوجود الصانع، وكونه مستحقاً للعبادة، فكأنه عليه الصلاة والسلام قال للقوم: هذا متفق عليه بين الكل فأنا مستمسك بهذا القدر المتفق عليه وداع للخلق إليه، وإنما الخلاف في أمور وراء ذلك وأنتم المدعون فعليكم الاثبات، فإن اليهود يدعون التشبيه والجسمية، والنصارى يدعون إلهية عيسى، والمشركين يدعون وجوب عبادة الأوثان فهؤلاء هم المدعون لهذه الأشياء فعليهم إثباتها، وأما أنا فلا أدعي إلا وجوب طاعة الله تعالى وعبوديته، وهذا القدر متفق عليه، ونظيره هذه الآية قوله تعالى: ﴿ ياأهل الكتاب تَعَالَوْاْ إلى كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ الله وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً  ﴾ .

والوجه الثاني: في كيفية الاستدلال ما ذكره أبو مسلم الأصفهاني، وهو أن اليهود والنصارى وعبدة الأوثان كانوا مقرين بتعظيم إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه، والإقرار بأنه كان محقاً في قوله صادقاً في دينه، إلا في زيادات من الشرائع والأحكام، فأمر الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم بأن يتبع ملته فقال: ﴿ ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتبع مِلَّةَ إبراهيم حَنِيفًا  ﴾ ثم إنه تعالى أمر محمداً صلى الله عليه وسلم في هذا الموضع أن يقول كقول إبراهيم صلى الله عليه وسلم حيث قال: ﴿ إِنّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ السموات والأرض  ﴾ فقول محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ ﴾ كقول إبراهيم عليه السلام ﴿ وَجَّهْتُ وَجْهِىَ ﴾ أي اعترضت عن كل معبود سوى الله تعالى، وقصدته بالعبادة وأخلصت له، فتقدير الآية كأنه تعالى قال: فإن نازعوك يا محمد في هذه التفاصيل فقل: أنا مستمسك بطريقة إبراهيم، وأنتم معترفون بأن طريقته حقة، بعيدة عن كل شبهة وتهمة، فكان هذا من باب التمسك بالإلزامات، وداخلاً تحت قوله: ﴿ وجادلهم بالتى هِىَ أَحْسَنُ  ﴾ .

والوجه الثالث: في كيفية الاستدلال ما خطر ببالي عند كتبة هذا الموضع، وهو أنه ادعى قبل هذه الآية أن الدين عند الله الإسلام لا غير، ثم قال: ﴿ فَإنْ حَاجُّوكَ ﴾ يعني فإن نازعوك في قولك ﴿ إِنَّ الدّينَ عِندَ الله الإسلام  ﴾ فقل: الدليل عليه أني أسلمت وجهي لله، وذلك لأن المقصود من الدين إنما هو الوفاء بلوازم الربوبية، فإذا أسلمت وجهي لله فلا أعبد غيره ولا أتوقع الخير إلا منه ولا أخاف إلا من قهره وسطوته، ولا أشرك به غيره، كان هذا هو تمام الوفاء بلوازم الربوبية والعبودية، فصح أن الدين الكامل هو الإسلام، وهذا الوجه يناسب الآية.

الوجه الرابع: في كيفية الاستدلال، ما خطر ببالي أن هذه الآية مناسبة لقوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام ﴿ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ وَلاَ يُغْنِى عَنكَ شَيْئاً  ﴾ يعني لا تجوز العبادة إلا لمن يكون نافعاً ضاراً، ويكون أمري في يديه، وحكمي في قبضة قدرته، فإن كان كل واحد يعلم أن عيسى ما كان قادراً على هذه الأشياء امتنع في العقل أن أسلم له، وأن انقاد له، وإنما أسلم وجهي للذي منه الخير، والشر، والنفع، والضر، والتدبير، والتقدير.

الوجه الخامس: يحتمل أيضاً أن يكون هذا الكلام إشارة إلى طريقة إبراهيم عليه الصلاة والسلام في قوله: ﴿ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبّ العالمين  ﴾ وهذا مروي عن ابن عباس.

أما قوله: ﴿ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ للَّهِ ﴾ ففيه وجوه: الأول: قال الفرّاء أسلمت وجهي لله، أي أخلصت عملي لله يقال أسلمت الشيء لفلان أي أخلصته له، ولم يشاركه غيره قال: ويعني بالوجه هاهنا العمل كقوله: ﴿ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ  ﴾ أي عبادته، ويقال: هذا وجه الأمر أي خالص الأمر وإذا قصد الرجل غيره لحاجة يقول: وجهت وجهي إليك، ويقال للمنهمك في الشيء الذي لا يرجع عنه: مرّ على وجهه الثاني: أسلمت وجهي لله أي أسلمت وجه عملي لله، والمعنى أن كل ما يصدر مني من الأعمال فالوجه في الإتيان بها هو عبودية الله تعالى والانقياد لإلهيته وحكمه الثالث: أسلمت وجهي لله أي أسلمت نفسي لله وليس في العبادة مقام أعلى من إسلام النفس لله فيصير كأنه موقوف على عبادته، عادل عن كل ما سواه.

وأما قوله: ﴿ وَمَنِ اتبعن ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: حذف عاصم وحمزة والكسائي، الياء من اتبعن اجتزاء بالكسر واتباعاً للمصحف، وأثبته الآخرون على الأصل: المسألة الثانية: ﴿ مِنْ ﴾ في محل الرفع عطفاً على التاء في قوله: ﴿ أَسْلَمْتُ ﴾ أي ومعنى اتبعني أسلم أيضاً.

فإن قيل: لم قال أسلمت ومن اتبعن، ولم يقل: أسلمت أنا ومن اتبعن.

قلنا: إن الكلام طال بقوله: ﴿ وَجْهِىَ للَّهِ ﴾ فصار عوضاً من تأكيد الضمير المتصل، ولو قيل أسلمت وزيد لم يحسن حتى يقال: أسلمت أنا وزيد ولو قال أسلمت اليوم بانشراح صدر، ومن جاء معي جاز وحسن.

ثم قال تعالى: ﴿ وَقُلْ لّلَّذِينَ أُوتُواْ الكتاب والاميين ءَأَسْلَمْتُمْ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: هذه الآية متناولة لجميع المخالفين لدين محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك لأن منهم من كان من أهل الكتاب، سواء كان محقاً في تلك الدعوى كاليهود والنصارى، أو كان كاذباً فيه كالمجوس، ومنهم من لم يكن من أهل الكتاب وهم عبدة الأوثان.

المسألة الثانية: إنما وصف مشركي العرب بأنهم أميون لوجهين: الأول: أنهم لما لم يدعوا الكتاب الإلهي وصفوا بأنهم أُميون تشبيهاً بمن لا يقرأ ولا يكتب والثاني: أن يكون المراد أنهم ليسوا من أهل القراءة والكتابة فهذه كانت صفة عامتهم وإن كان فيهم من يكتب فنادر من بينهم والله أعلم.

المسألة الثالثة: دلّت هذه الآية على أن المراد بقوله: ﴿ فَان حاجوك ﴾ عام في كل الكفار، لأنه دخل كل من يدعي الكتاب تحت قوله: ﴿ الذين أُوتُواْ الكتاب ﴾ ودخل من لا كتاب له تحت قوله: ﴿ الأميين ﴾ .

ثم قال الله تعالى: ﴿ ءَأَسْلَمْتُمْ ﴾ فهو استفهام في معرض التقرير، والمقصود منه الأمر قال النحويون: إنما جاء بالأمر في صورة الاستفهام، لأنه بمنزلته في طلب الفعل والاستدعاء إليه إلا أن في التعبير عن معنى الأمر بلفظ الاستفهام فائدة زائدة، وهي التعبير بكون المخاطب معانداً بعيداً عن الانصاف، لأن المنصف إذا ظهرت له الحجة لم يتوقف بل في الحال يقبل ونظيره قولك لمن لخصت له المسألة في غاية التلخيص والكشف والبيان؛ هل فهمتها؟

فإن فيه الإشارة إلى كون المخاطب بليداً قليل الفهم، وقال الله تعالى في آية الخمر: ﴿ فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ  ﴾ وفيه إشارة إلى التقاعد عن الانتهاء والحرص الشديد على تعاطي المنهي عنه.

ثم قال الله تعالى: ﴿ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهتدوا ﴾ وذلك لأن هذا الإسلام تمسك بما هدي إليه، والمتمسك بهداية الله تعالى يكون مهتدياً، ويحتمل أن يريد: فقد اهتدوا للفوز والنجاة في الآخرة إن ثبتوا عليه ثم قال: ﴿ وَإِن تَوَلَّوْاْ ﴾ عن الإسلام واتباع محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البلاغ ﴾ والغرض منه تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم وتعريفه أن الذي عليه ليس إلا إبلاغ الأدلة وإظهار الحجة فإذا بلغ ما جاء به فقد أدى ما عليه، وليس عليه قبولهم ثم قال: ﴿ والله بَصِيرٌ بالعباد ﴾ وذلك يفيد الوعد والوعيد، وهو ظاهر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ فَإنْ حَاجُّوكَ ﴾ فإن جادلوك في الدين ﴿ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ للَّهِ ﴾ أي أخلصت نفسي وجملتي لله وحده لم أجعل فيها لغيره شريكاً بأن أعبده وأدعوه إلها معه؛ يعني أن ديني التوحيد وهو الدين القديم الذي ثبتت عندكم صحته كما ثبتت عندي، وما جئت بشيء بديع حتى تجادلوني فيه.

ونحوه ﴿ قُلْ ياأهل الكتاب تَعَالَوْاْ إلى كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ الله وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً ﴾ [آل عمران: 64] فهو دفع للمحاجة بأن ما هو عليه ومن معه من المؤمنين هو حق اليقين الذي لا لبس فيه؛ فما معنى المحاجة فيه؟

﴿ وَمَنِ اتبعن ﴾ عطف على التاء في أسلمت وحسن للفاصل.

ويجوز أن تكون الواو بمعنى مع فيكون مفعولاً معه ﴿ وَقُلْ لّلَّذِينَ أُوتُواْ الكتاب ﴾ من اليهود والنصارى ﴿ والاميين ﴾ والذين لا كتاب لهم من مشركي العرب ﴿ ءأَسْلَمْتُمْ ﴾ يعني أنه قد أتاكم من البينات ما يوجب الإسلام ويقتضي حصوله لا محالة؛ فهل أسلمتم أم أنتم بعد على كفركم؟

وهذا كقولك لمن لخصت له المسألة ولم تبق من طرق البيان والكشف طريقاً إلا سلكته: هل فهمتها لا أم لك، ومنه قوله عزّ وعلا ﴿ فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ ﴾ [المائدة: 91] بعد ما ذكر الصوارف عن الخمر والميسر.

وفي هذا الاستفهام استقصار وتعيير بالمعاندة وقلة الإنصاف، لأن المنصف إذا تجلت له الحجة لم يتوقف إذعانه للحق، وللمعاند بعد تجلي الحجة ما يضرب أسداداً بينه وبين الإذعان، وكذلك في: هل فهمتها؟

توبيخ بالبلادة وكلة القريحة.

وفي ﴿ فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ ﴾ [المائدة: 91] بالتقاعد عن الانتهاء والحرص الشديد على تعاطي المنهي عنه ﴿ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهتدوا ﴾ فقد نفعوا أنفسهم حيث خرجوا من الضلال إلى الهدى ومن الظلمة إلى النور ﴿ وَإِن تَوَلَّوْاْ ﴾ لم يضروك فإنك رسول منبه عليك أن تبلغ الرسالة وتنبه على طريق الهدى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَإنْ حاجُّوكَ ﴾ في الدِّينِ، أوْ جادَلُوكَ فِيهِ بَعْدَ ما أقَمْتَ الحُجَجَ.

﴿ فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ ﴾ أخْلَصْتُ نَفْسِي وجُمْلَتِي لَهُ لا أُشْرِكُ فِيها غَيْرَهُ، وهو الدِّينُ القَوِيمُ الَّذِي قامَتْ بِهِ الحُجَجُ ودَعَتْ إلَيْهِ الآياتُ والرُّسُلُ، وإنَّما عَبَّرَ بِالوَجْهِ عَنِ النَّفْسِ لِأنَّهُ أشْرَفُ الأعْضاءِ الظّاهِرَةِ ومَظْهَرُ القُوى والحَواسِّ ﴿ وَمَنِ اتَّبَعَنِ ﴾ عُطِفَ عَلى التّاءِ في أسْلَمْتُ وحُسْنٌ لِلْفَصْلِ، أوْ مَفْعُولٌ مَعَهُ.

﴿ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والأُمِّيِّينَ ﴾ الَّذِينَ لا كِتابَ لَهم كَمُشْرِكِي العَرَبِ.

﴿ أأسْلَمْتُمْ ﴾ كَما أسْلَمْتُ لَمّا وضَحَتْ لَكُمُ الحُجَّةُ، أمْ أنْتُمْ بَعْدُ عَلى كُفْرِكم ونَظِيرُهُ وقَوْلُهُ: ﴿ فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ ﴾ وفِيهِ تَعْيِيرٌ لَهم بِالبَلادَةِ أوِ المُعانَدَةِ.

﴿ فَإنْ أسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا ﴾ فَقَدْ نَفَعُوا أنْفُسَهم بِأنْ أخْرَجُوها مِنَ الضَّلالِ.

﴿ وَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ ﴾ أيْ فَلَمْ يَضُرُّوكَ إذْ ما عَلَيْكَ إلّا أنْ تُبَلِّغَ وقَدْ بَلَّغْتَ.

﴿ واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ ﴾ وعْدٌ ووَعِيدٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٢٠)

{فَإنْ حَاجُّوكَ} فإن جادلوك في أن دين الله الإسلام والمراد بهم وفد بني نجران عند الجمهور {فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للَّهِ} أي أخلصت نفسي وجملتي لله وحده لم أجعل فيها لغيره شريكاً بأن أعبده وأدعو إلهاً معه يعني أن ديني دين التوحيد وهو الدين القويم الذي ثبتت عندكم صحته كما ثبتت عندى وما جئت بشئ بديع حتى تجادلونى فيه ونحوه قل يا أهل الكتاب تَعَالَوْاْ إلى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَن لا نَعْبُدَ إِلاَّ الله وَلاَ نُشْرِكَ به شيئا فهو دفع للمحاجة بأن ما هو عليه ومن معه من المؤمنين هو اليقين الذي لا شك فيه فما معنى المحاجة {وَمَنِ اتبعن} عطف على التاء في أسلمت

أى أسلمت أنا ومن اتبعنى وحسن للمفاصل ويجوز أن يكون الواو بمعنى مع فيكون مفعولاً معه ومن اتبعني في الحالين سهل ويعقوب وافق أبو عمرو في الوصل وجهي مدني وشامي وحفص والأعشى والبرجمي {وَقُلْ لّلَّذِينَ أُوتُواْ الكتاب} من اليهود والنصارى {والأميين} والذين لا كتاب لهم من مشركى العرب {أأسلمتم} بهمزتين كوفى يعنى أنه قدأتاكم من البينات ما يقتضي حصول الإسلام فهل أسلمتم أم انتم عبد على كفركم وقيل لفظه لفظ الاستفهام أم ومعناه الأمر أي أسلموا كقوله فَهَلْ أَنْتُمْ منتهون أي انتهوا {فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهتدوا} فقد أصابوا الرشد حيث خرجوا من الضلال إلى الهدى {وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البلاغ} أي لم يضروك فإنك رسول منبه ما عليك إلا أن

آل عمران (٢٠ _ ٢٤)

تبلغ الرسالة وتنبه على طريق الهدى {والله بَصِيرٌ بالعباد} فيجازيهم على إسلامهم وكفرهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَإنْ حاجُّوكَ ﴾ أيْ جادَلُوكَ في الدِّينِ بَعْدَ أنْ أقَمْتَ الحُجَجَ، والضَّمِيرَ لِلَّذِينِ أُوتُوا الكِتابَ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، قالَهُ الحَسَنُ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: لِجَمِيعِ النّاسِ، وقِيلَ: وفْدُ نَصارى نَجْرانَ؛ وإلى هَذا يُشِيرُ كَلامُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ ﴿ فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ ﴾ أيْ أخْلَصْتُ وخَضَعْتُ بِقَلْبِي وقالَبِي لِلَّهِ لا أُشْرِكُ بِهِ غَيْرَهُ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الجِدالَ مَعَهم لَيْسَ في مَوْقِعِهِ لِأنَّهُ إنَّما يَكُونُ في أمْرٍ خَفِيٍّ واَلَّذِي جادَلُوا بِهِ أمْرٌ مَكْشُوفٌ، وحُكْمُ حالِهِ مَعْرُوفٌ وهو الدِّينُ القَوِيمُ فَلا تَكُونُ المُحاجَّةُ والمُجادَلَةُ إلّا مُكابَرَةً، وحِينَئِذٍ يَكُونُ هَذا القَوْلُ إعْراضًا عَنْ مُجادَلَتِهِمْ، وقِيلَ: إنَّهُ مُحاجَّةٌ وبَيانُهُ أنَّ القَوْمَ كانُوا مُقِرِّينَ بِوُجُودِ الصّانِعِ وكَوْنِهِ مُسْتَحِقًّا لِلْعِبادَةِ، فَكَأنَّهُ قالَ: هَذا القَوْلُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الكُلِّ فَأنا مُسْتَمْسِكٌ بِهَذا القَدْرِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ، وداعِي الخَلْقِ إلَيْهِ، وإنَّما الخِلافُ في أُمُورٍ وراءَ ذَلِكَ فاليَهُودُ يَدْعُونَ التَّشْبِيهَ والجِسْمِيَّةَ، والنَّصارى يَدْعُونَ إلَهِيَّةَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ والمُشْرِكُونَ يَدْعُونَ وُجُوبَ عِبادَةِ الأوْثانِ فَهَؤُلاءِ هُمُ المُدَّعُونَ فَعَلَيْهِمُ الإثْباتَ، ونَظِيرُ ذَلِكَ ﴿ قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وبَيْنَكم ألا نَعْبُدَ إلا اللَّهَ ولا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا ﴾ ، وعَنْ أبِي مُسْلِمٍ أنَّ الآيَةَ في هَذا المَوْضِعِ كَقَوْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَإنْ نازَعُوكَ يا مُحَمَّدُ في هَذِهِ التَّفاصِيلِ فَقُلْ: أنا مُتَمَسِّكٌ بِطَرِيقِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنْتُمْ مُعْتَرِفُونَ بِأنَّهُ كانَ مُحِقًّا في قَوْلِهِ صادِقًا في دِينِهِ فَيَكُونُ مِن بابِ التَّمَسُّكِ بِالإلْزاماتِ وداخِلًا تَحْتَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ ﴾ ولَعَلَّ القَوْلَ بِالإعْراضِ أوْلى لِما فِيهِ مِنَ الإشارَةِ إلى سُوءِ حالِهِمْ وحَطِّ مِقْدارِهِمْ، وعَبَّرَ عَنِ الجُمْلَةِ -بِالوَجْهِ- لِأنَّهُ أشْرَفُ الأعْضاءِ الظّاهِرَةِ ومَظْهَرُ القُوى والمَشاعِرِ ومَجْمَعُ مُعْظَمِ ما يَقَعُ بِهِ العِبادَةُ وبِهِ يَحْصُلُ التَّوَجُّهُ إلى كُلِّ شَيْءٍ، وفَتَحَ الياءَ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ وسَكَّنَها الباقُونَ.

﴿ ومَنِ اتَّبَعَنِ ﴾ عَطْفٌ عَلى الضَّمِيرِ المُتَّصِلِ في ﴿ أسْلَمْتُ ﴾ وحَسُنَ لِلْفَصْلِ، أوْ مَفْعُولٌ مَعَهُ، وأُورِدُ عَلَيْهِما أنَّهُما يَقْتَضِيانِ اِشْتِراكَهم مَعَهُ  في إسْلامِ وجْهِهِ ولَيْسَ المَعْنى: أسْلَمْتُ وجْهِي وهم أسْلَمُوا وُجُوهَهم إذْ لا يَصِحُّ -أكَلْتُ رَغِيفًا وزَيْدًا، وقَدْ أكَلَ كُلٌّ مِنهُما رَغِيفًا، فالواجِبُ أنْ يَكُونَ (مَن) مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيْ: ومَنِ اِتَّبَعَنِ كَذَلِكَ، أوْ يَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى الجَلالَةِ وإسْلامِهِ  لِمَنِ اِتَّبَعَهُ بِالحِفْظِ والنَّصِيحَةِ، وأُجِيبَ بِأنَّ فَهْمَ المَعْنى وعَدَمَ الإلْباسِ يُسَوِّغُ كِلا الأمْرَيْنِ ويَسْتَغْنِي بِذَلِكَ عَنْ مَئُونَةِ الحَذْفِ وتَكَلُّفِ خِلافِ الظّاهِرِ جِدًّا، وأثْبَتَ الياءَ في (اِتَّبَعَنِي) عَلى الأصْلِ أبُو عَمْرٍو ونافِعٌ، وحَذَفَها الباقُونَ، وحَذْفُها أحْسَنُ لِمُوافَقَةِ خَطِّ المُصْحَفِ، وقَدْ جاءَ الحَذْفُ في مِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرًا كَقَوْلِ الأعْشى: فَهَلْ يَمْنَعُنِي اِرْتِيادِي البِلا دَ مِن حَذَرَ المَوْتِ أنْ (يَأْتِينِ) ﴿ وقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والأُمِّيِّينَ ﴾ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ، والمَعْنى فَإنْ حاجَّكَ أهْلُ الكِتابِ فَقابِلْهم بِذَلِكَ فَإنْ أجْدى فَعَمِّمِ الدَّعْوَةَ وقُلْ لِلْأسْوَدِ والأحْمَرِ ﴿ أأسْلَمْتُمْ ﴾ مُتَّبِعِينَ لِي كَما فَعَلَ المُؤْمِنُونَ فَإنَّهُ قَدْ جاءَكم مِنَ الآياتِ ما يُوجِبُهُ ويَقْتَضِيهِ أمْ أنْتُمْ عَلى كُفْرِكم بِآياتِ اللَّهِ تَعالى وإصْرارِكم عَلى العِنادِ، وهَذا كَما تَقُولُ -إذا لَخَّصْتَ لِسائِلٍ مَسْألَةً ولَمْ تَدَعْ مِن طُرُقِ البَيانِ مَسْلَكًا إلّا سَلَكْتَهُ -فَهَلْ فَهِمْتَها؟

عَلى طُرُزِ ﴿ فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ ﴾ إثْرَ تَفْصِيلِ الصَّوارِفِ عَنْ تَعاطِي ما حُرِّمَ تَعاطِيهِ، وفي ذَلِكَ تَعْيِيرٌ لَهم بِالمُعانِدَةِ وقِلَّةِ الإنْصافِ وتَوْبِيخٌ بِالبَلادَةِ وجُمُودِ القَرِيحَةِ، والكَثِيرُونَ عَلى أنَّ الِاسْتِفْهامَ لِلتَّقْرِيرِ وفي ضِمْنِهِ الأمْرُ، ووَضْعُ المَوْصُولِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِرِعايَةِ التَّقابُلِ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ، والمُرادُ مِنَ الأُمِّيِّينَ الَّذِينَ لا يَكْتُبُونَ مِن مُشْرِكِي العَرَبِ، قالَهُ اِبْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ.

﴿ فَإنْ أسْلَمُوا ﴾ أيِ اِتَّصَفُوا بِالإسْلامِ والدِّينِ الحَقِّ ﴿ فَقَدِ اهْتَدَوْا ﴾ عَلى تَضْمِينِ مَعْنى الخُرُوجِ أيِ اِهْتَدَوْا خارِجِينَ مِنَ الضَّلالِ كَذا قِيلَ، وبَعْضٌ يُفَسِّرُ الِاهْتِداءَ بِاللّازِمِ وهو النَّفْعُ أيْ فَقَدْ نَفَعُوا أنْفُسَهم قالُوا: وسَبَبُ إخْراجِهِ عَنْ ظاهِرِهِ أنَّ الإسْلامَ عَيْنُ الِاهْتِداءِ فَإنْ فُسِّرَ عَلى الأصْلِ اِتَّحَدَ الشَّرْطُ والجَزاءُ، وفِيهِ مَنعٌ ظاهِرٌ.

﴿ وإنْ تَوَلَّوْا ﴾ أيْ أعْرَضُوا عَنِ الإسْلامِ ولَمْ يَقْبَلُوا ﴿ فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ ﴾ قائِمٌ مَقامَ الجَوابِ، أيْ لا يَضُرُّكَ شَيْئًا إذْ ما عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ وقَدْ أدَّيْتَهُ عَلى أكْمَلِ وجْهٍ وأبْلَغِهِ، وهَذا قَبْلَ الأمْرِ بِالقِتالِ فَهو مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، ﴿ واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ  ﴾ تَذْيِيلٌ فِيهِ وعْدٌ عَلى الإسْلامِ ووَعِيدٌ عَلى التَّوَلِّي عَنْهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال تعالى: فَإِنْ حَاجُّوكَ أي خاصموك وجادلوك في الدين فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ أي أخلصت ديني لله.

وقال الزجاج: أن الله تعالى أمر نبيه أن يحتج على أهل الكتاب والمشركين، بأنه اتبع أمر الله الذي هم أجمعون مقرون.

أنه خالقهم ورازقهم، فأراهم الآيات والدلالات بأنه رسوله.

وقوله: أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ أي قصدت بعبادتي الله، وأقررت بأنه لا إله غيره وَكذلك مَنِ اتَّبَعَنِ وقال القتبي: معنى أسلمت وجهي لله، يعني أسلمت لله، والوجه زيادة كما قال: كل شىء هالك إلا وجهه، يعني إلا هو وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يعني أُعْطُوا التَّوْرَاة والإنْجيل وَالْأُمِّيِّينَ يعني مشركي العرب أَأَسْلَمْتُمْ يعني أخلصتم بالتوحيد.

ويقال: اللفظ لفظ الاستفهام، والمراد به الأمر، فكأنه يقول أَسْلِمُوا، كما قال في آية أخرى: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ؟

يعني انتهوا.

وقال في آية أخرى: أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ [المائدة: 74] ، أي توبوا إلى الله.

فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا يعني أخلصوا بالتوحيد وأسلموا وصدقوا بمحمد  وبالكتاب، فقد اهتدوا من الضلالة وَإِنْ تَوَلَّوْا يقول إن أَبَوا أن يُسلموا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ بالرسالة وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ يعني بأعمالهم، ومعناه ليس عليك من عملهم شيء وإنما عليك التبليغ، وقد فَعلتَ ما أُمرت به.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وخرج أبو بكر بن الخطيب بسنده، عن عبد الرحمن بن عوف «١» ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم:

قَالَ: «إِنَّ نُزُولَ اللَّهِ تعالى إِلَى الشَّيْءِ إِقْبَالُهُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ نُزُولٍ» «٢» .

اهـ.

والسَّحَر: آخرُ الليل، قال نافِعٌ: «كان ابْنُ عُمَرَ يُحْيِي الليْلَ صلاةً، ثم يقولُ: يا نَافِعُ، أسْحَرْنَا، فأقول: لاَ، فَيُعَاوِدُ الصَّلاة، ثم يسأل، فَإِذا قُلْتُ: نَعَمْ، قَعَدَ يَسْتَغْفِرُ» .

قال ع «٣» : وحقيقةُ السَّحَرِ في هذه الأحكامِ الشرعيَّة من الاستغفار المحمودِ، وسُحُورِ الصَّائِمِ، ومِنْ يَمِين لَوْ وَقَعَتْ، إنما هي مِنْ ثُلُثِ اللَّيْلِ الآخر إلى الفجر.

شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (١٩) فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (٢٠)

وقوله تعالى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ ...

الآية: معنى: شَهِدَ اللَّهُ: أعلم عباده بهذا الأمْر الحَقِّ، وقال ص: شَهِدَ، بمعنى عَلِمَ أو قضى، أوْ حَكَم، أو بَيَّن، وهي أقوال اهـ.

وأسند أبو عُمَرَ بن عبد البر في كتاب «فضل العلم» عن غالبٍ القَطَّان، قَالَ: كُنْتُ أختلِفُ إِلى الأَعْمَشِ، فرأيته ليلةً قَامَ يتهجَّد من الليل، وقرأ بهذه الآية: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ قال الأعمش: وأنا أشْهَدُ بما شَهِدَ اللَّه به، وأسْتَوْدِعُ اللَّهَ هذه الشهادةَ، فقلْتُ للأعمش: إِني سمعتُكَ تقرأُ هذه الآية تردِّدها، فما بَلَغَكَ فيها؟

قال: حدَّثني أبو وَائِلٍ، عن ابنِ مَسْعُودٍ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، قَالَ: يُجَاءُ بِصَاحِبِهَا يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيَقُولُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: عَبْدِي عهدَ إلَيَّ، وَأَنَا أَحَقُّ مِنْ وفى بِالعَهْدِ، أدْخِلُوا عَبْدِي/ الجَنَّةَ» «١» .

اهـ.

وقرأ جميعُ القرَّاء «أَنَّهُ» بفتح الهمزةِ وبكَسْرها من قوله: إِنَّ الدِّينَ على استئناف الكلامِ، وقرأ الكِسَائيُّ وحْده: «أَنَّ الدِّينَ» بفتح الهمزةِ بَدَلاً من «أَنَّهُ» الأولى، وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ: عطْفٌ على اسم الله، قال الفَخْر «٢» : المراد بِأُولِي العِلْمِ هنا:

الذينَ عَرَفُوا اللَّه بالدَّلاَلة القطعيَّة لأن الشهادة، إنما تكونُ مقبولةً، إِذا كان الإِخبار مقروناً بالعلْمِ، وهذا يدلُّ أنَّ هذه الدرجةَ الشريفَةَ لَيْسَتْ إِلا للعلماء بالأُصُولِ، وتكرَّرت «لا إِله إِلا اللَّه» هنا، وفائدةُ هذا التكرير الإِعلامُ بأنَّ المسلم يجبُ أنْ يكون أَبداً في تكرير هذه الكلمة، فإِنَّ أشرفَ كلمةٍ يذكرها الإِنسان هي هذه الكلمةُ، وإذا كان في أكثر الأوقات مُشْتَغِلاً بذكْرِها، وبتكريرها، كان مُشْتَغِلاً بأعظمِ أنواعِ العباداتِ، فكان من التكريرِ في هذه الآيةِ حضُّ العبادِ على تكريرها.

اهـ.

وصحّ في البخاريّ، عنه صلّى الله عليه وسلّم أنَّهُ قَالَ: «أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ من قال:

لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ خَالِصاً مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ» «١» ، وروى زيْدُ بن أرْقَم «٢» ، عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال:

«مَنْ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ مُخْلِصاً دَخَلَ الجَنَّةَ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا إخْلاَصُهَا؟

قَالَ: أَنْ تَحْجِزَهُ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ» «٣» ، خرَّجه الترمذيُّ الحَكِيمُ في «نَوَادِرِ الأصول» اهـ من «التّذكرة» .

وقائِماً: حالٌ من اسمِهِ تعالى في قوله: شَهِدَ اللَّهُ، أو من قوله: إِلَّا هُوَ، والقسط: العَدْل، وقوله تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ ...

الآية: الدِّينُ في هذه الآية: الطاعةُ والمِلَّة، والمعنى: أنَّ الدين المَقْبُول أو النافع هو الإِسلام، والإِسلام في هذه الآية هو الإِيمانُ والطَّاعات، قاله أبو العالية «٤» وعليه جمهور المتكلِّمين، وحديثُ:

«بُنِيَ الإِسْلاَمُ على خَمْسٍ» «٥» ، وحديثُ مجيء جبريل يعلّم النّاس................

دينَهُمْ «١» يفسِّر ذلك، ثم أخبر تعالى عن اختلاف أهْلِ الكتابِ بَعْد علمهم بالحقائقِ، وأنه

كان بَغْياً وطلباً للدنيا قاله ابن عُمَر وغيره «١» ، والَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ: لفظٌ يعُمُّ اليهودَ والنصارى، لكنَّ الرَّبِيعَ بنَ أنسٍ «٢» قال: المرادُ بهذه الآية اليهود اختلفوا بعد موت

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ حاجُّوكَ ﴾ أيْ: جادَلُوكَ، وخاصَمُوكَ.

قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي اليَهُودَ، وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَعْنِي نَصارى نَجْرانَ في أمْرِ عِيسى، وقالَ غَيْرُهُما: اليَهُودُ والنَّصارى.

﴿ فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ: أخْلَصْتُ عَمَلِي، وقالَ الزَّجّاجُ: قَصَدْتُ بِعِبادَتِي إلى اللَّهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَنِ اتَّبَعَنِ ﴾ أثْبَتَ الياءَ في الوَصْلِ دُونَ الوَقْفِ أهْلُ المَدِينَةِ والبَصْرَةِ، وابْنُ شَنَبُوذَ عَنْ قُنْبُلٍ، ووَقَفَ ابْنُ شَنَبُوذَ ويَعْقُوبُ بِياءٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: والأحَبُّ إلى اتِّباعِ المُصْحَفِ.

وما حُذِفَ مِنَ الياءاتِ في مِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: (وَمَنِ اتَّبَعْنَ) و(لَئِنْ أخَّرْتَنِ) و(رَبِّي أكْرَمْنَ) و(رَبِّي أهانَنِ) .

فَهو عَلى ضَرْبَيْنِ.

أحَدُهُما: ما كانَ مَعَ النُّونِ، فَإنْ كانَ رَأْسَ آَيَةٍ، فَأهْلُ اللُّغَةِ يُجِيزُونَ حَذْفَ الياءِ، ويُسَمُّونَ أواخِرَ الآَيَ الفَواصِلَ، كَما أجازُوا ذَلِكَ في الشِّعْرِ، قالَ الأعْشى: ومِن شانِئٍ كاسِفٍ بالَهُ إذا ما انْتَسَبْتَ لَهُ أنْكَرَنْ وهَلْ يَمْنَعَنِّي ارْتِيادِي البِلا ∗∗∗ دَ مِن حَذِرِ المَوْتِ أنْ يَأْتِيَنْ فَأمّا إذا لَمْ يَكُنْ آَخِرَ آَيَةٍ أوْ قافِيَةٍ، فالأكْثَرُ إثْباتُ الياءِ، وحَذْفُها جَيِّدٌ أيْضًا، خاصَّةً مَعَ النُّوناتِ، لِأنَّ أصْلَ "اتَّبَعَنِي" "اتَّبِعِي" ولَكِنَّ "النُّونَ" زِيدَتْ لِتَسْلَمَ فَتْحَةَ العَيْنِ، فالكَسْرَةُ مَعَ النُّونِ تَنُوبُ عَنِ الياءِ، فَأمّا إذا لَمْ تَكُنِ النُّونُ، نَحْوُ غُلامِي وصاحِبِي، فالأجْوَدُ إثْباتُها، وحَذْفُها عِنْدَ عَدَمِ النُّونِ جائِزٌ عَلى قِلَّتِهِ، تَقُولُ: هَذا غُلامٌ، قَدْ جاءَ غُلامِي، وغُلامِي بِفَتْحِ الياءِ وإسْكانِها، فَجازَ الحَذْفُ، لِأنَّ الكَسْرَةَ تَدُلُّ عَلَيْها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ﴾ يُرِيدُ اليَهُودَ والنَّصارى ﴿ والأُمِّيِّينَ ﴾ بِمَعْنى مُشْرِكِي العَرَبِ، وقَدْ سَبَقَ في البَقَرَةِ شَرْحُ هَذا الِاسْمِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أأسْلَمْتُمْ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: هو اسْتِفْهامٌ ومَعْناهُ الأمْرُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ  ﴾ .

* فَصْلٌ اخْتَلَفَ عُلَماءُ النّاسِخِ والمَنسُوخِ في هَذِهِ الآَيَةِ، فَذَهَبَتْ طائِفَةٌ إلى أنَّها مُحْكَمَةٌ، وأنَّ المُرادَ بِها تَسْكِينُ نَفْسِ النَّبِيِّ  عِنْدَ امْتِناعِ مَن لَمْ يُجِبْهُ، لِأنَّهُ كانَ يَحْرِصُ عَلى إيمانِهِمْ، ويَتَألَّمُ مَن تَرَكَهُمُ الإجابَةَ.

وذَهَبَتْ طائِفَةٌ إلى أنَّ المُرادَ بِها الِاقْتِصارُ عَلى التَّبْلِيغِ، وهَذا مَنسُوخٌ بِآَيَةِ السَّيْفِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَإنْ حاجُّوكَ فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ ومَنِ اتَّبَعَنِ وقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والأُمِّيِّينَ أأسْلَمْتُمْ فَإنْ أسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ واللهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ ﴾ "حاجُّوكَ" فاعَلُوكَ مِنَ الحُجَّةِ، والضَمِيرُ في حاجُّوكَ لِلْيَهُودِ ولِنَصارى نَجْرانَ، والمَعْنى: إنْ جادَلُوكَ وتَعَنَّتُوا بِالأقاوِيلِ المُزَوَّرَةِ، والمُغالَطاتِ، فَأسْنِدْ إلى ما كُلِّفْتَ مِنَ الإيمانِ والتَبْلِيغِ، وعَلى اللهِ نَصْرُكَ.

وقَوْلُهُ "وَجْهِيَ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ المَقْصِدُ كَما تَقُولُ: خَرَجَ فُلانٌ في وجْهِ كَذا، فَيَكُونَ مَعْنى الآيَةِ: جَعَلْتُ مَقْصِدِي لِلَّهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْنى الآيَةِ: أسْلَمْتُ شَخْصِي وذاتِي وكُلِّيَّتِي؛ وجَعَلْتُ ذَلِكَ لِلَّهِ.

وعَبَّرَ بِالوَجْهِ إذِ الوَجْهُ أشْرَفُ أعْضاءِ الشَخْصِ وأجْمَعُها لِلْحَواسِّ.

وقَدْ قالَ حُذّاقُ المُتَكَلِّمِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَيَبْقى وجْهُ رَبِّكَ  ﴾ أنَّها عِبارَةٌ عَنِ الذاتِ.

"أسْلَمْتُ" في هَذا المَوْضِعِ بِمَعْنى دَفَعْتُ وأمْضَيْتُ، ولَيْسَتْ بِمَعْنى دَخَلْتُ في السَلْمِ لِأنَّ تِلْكَ لا تَتَعَدّى.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَمَنِ اتَّبَعَنِ ﴾ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، عُطِفَ عَلى الضَمِيرِ في "أسْلَمْتُ"، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، أىْ: ومَنِ اتَّبَعَنِ أسْلَمَ وجْهَهُ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَطْفًا عَلى اسْمِ اللهِ تَعالى كَأنَّهُ يَقُولُ: جَعَلْتُ مَقْصِدِي لِلَّهِ بِالإيمانِ بِهِ والطاعَةِ لَهُ، ولِمَنِ اتَّبَعَنِ بِالحِفْظِ لَهُ والتَحَفِّي بِتَعْلِيمِهِ وصُحْبَتِهِ.

ولَكَ في "اتَّبَعَنِ" حَذْفُ الياءِ وإثْباتُها، وحَذْفُها أحْسَنُ اتِّباعًا لِخَطِّ المُصْحَفِ.

وهَذِهِ النُونُ إنَّما هي لِتَسْلَمَ فَتْحَةُ لامِ الفِعْلِ، فَهي مَعَ الكَسْرَةِ تُغْنِي عَنِ الياءِ لا سِيَّما إذا كانَتْ رَأْسَ آيَةٍ، فَإنَّها تُشَبَّهُ بِقَوافِي الشِعْرِ، كَما قالَ الأعْشى: وهَلْ يَمْنَعُنَّ ارْتِيادِي البِلادَ ∗∗∗ مِن حَذَرِ المَوْتِ أنْ يَأْتِيَنْ ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبِّي أكْرَمَنِ  ﴾ ، فَإذا لَمْ تَكُنْ نُونٌ فَإثْباتُ الياءِ أحْسَنُ، لَكِنَّهم قَدْ قالُوا: هَذا غُلامِ قَدْ جاءَ، فاكْتَفَوْا بِالكَسْرَةِ دَلالَةً عَلى الياءِ.

و( الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ) في هَذا المَوْضِعِ يَجْمَعُ اليَهُودَ والنَصارى بِاتِّفاقٍ.

والأُمِّيُّونَ: هُمُ الَّذِينَ لا يَكْتُبُونَ، وهُمُالعَرَبُ في هَذِهِ الآيَةِ، وهَذِهِ النِسْبَةُ هي إلى الأُمِّ أو إلى الأُمَّةِ أيْ كَما هي الأُمُّ، أو عَلى حالِ خُرُوجِ الإنْسانِ عَنِ الأُمِّ، أو عَلى حالِ الأُمَّةِ الساذَجَةِ قَبْلَ التَعَلُّمِ والتَحَذُّقِ.

وقَوْلُهُ: "أأسْلَمْتُمْ" تَقْرِيرٌ في ضِمْنِهِ الأمْرُ، كَذا قالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ، "وَذَلِكَ بَيِّنٌ"، وقالَ الزَجّاجُ "أأسْلَمْتُمْ" تَهَدُّدٌ، وهَذا حَسَنٌ، لِأنَّ المَعْنى: أأسْلَمْتُمْ أمْ لا؟

وَقَوْلُهُ: ﴿ فَقَدِ اهْتَدَوْا  ﴾ جاءَتِ العِبارَةُ بِالماضِي مُبالَغَةً في الإخْبارِ بِوُقُوعِ الهُدى لَهم وتَحَصُّلِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ ﴾ ، ذَكَرَ بَعْضُ الناسِ أنَّها آيَةُ مُوادَعَةٍ، وأنَّها مِمّا نَسَخَتْهُ آيَةُ السَيْفِ.

وهَذا يَحْتاجُ أنْ يَقْتَرِنَ بِهِ مَعْرِفَةُ تارِيخِ نُزُولِها، وأمّا عَلى ظاهِرِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ في وقْتِ وفْدِ نَجْرانَ فَإنَّما المَعْنى: ﴿ فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ ﴾ بِما فِيهِ قِتالٌ وغَيْرُهُ، والبَلاغُ مَصْدَرُ بَلَغَ بِتَخْفِيفِ عَيْنِ الفِعْلِ.

وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ ﴾ وعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، ووَعِيدٌ لِلْكافِرِينَ..

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تفريع على قوله: ﴿ إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب ﴾ [آل عمران: 19] الآية فإنّ الإسلام دين قد أنكروه، واختلافهم في أديانهم يفضي بهم إلى محاجّة الرسول في تبرير ما هم عليه من الدين، وأنّهم ليسوا على أقلّ مما جاء به دين الإسلام.

والمحاجة مُفاعلة ولم يجئ فِعلها إلاَّ بصيغة المفاعلة.

ومعنى المحاجّة المخاصمة، وأكثر استعمال فعل حاجّ في معنى المخاطمة بالباطل: كما في قوله تعالى: ﴿ وحاجّهُ قومه ﴾ [الأنعام: 80] وتقدم عنذ قوله تعالى: ﴿ ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه ﴾ في سورة [البقرة: 258].

فالمعنى: فإن خاصموك خاصمَ مكابرة فقل أسلمت وجهي لله.

وضمير الجمع في قوله: فإن حاجوك} عائد إلى غير مذكور في الكلام، بل معلوم من المقام، وهو مقام نزول السورة، أعني قضية وفد نجران؛ فإنّهم الذين اهتمّوا بالمحاجّة حينئذ.

فأما المشركون فقد تباعدَ ما بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم بَعْدَ الهجرة، فانقطعت محاجّتهم، وأما اليهود فقد تظاهروا بمسالمة المسلمين في المدينة.

وقد لقّن الله رسوله أن يجيب مجادلتهم بقوله: ﴿ أسلمت وجهي لله ﴾ والوجه أطلق على النفس كما في قوله تعالى: ﴿ كل شيء هالك إلاّ وجهه ﴾ [القصص: 88] أي ذاته.

وللمفسّرين في المراد من هذا القول طرايق ثلاث: إحداها أنّه متاركة وإعْراض عن المجادلة أي اعترفت بأن لا قدرة لي على أن أزيدكم بياناً، أي أنّي أتيت بمنتهى المقدور من الحجّة فلم تقتنعوا، فإذ لم يقنعكم ذلك فلا فائدة في الزيادة من الأدلة النظرية، فليست محاجّتكم إياي إلاّ مكابرة وإنكاراً للبديهيات والضروريات، ومباهته، فالأجدر أن أكفّ عن الازدياد.

قال الفخر: فإن المُحِقّ إذا ابتُلي بالمُبْطل اللَّجوج يقول: أمّا أنا فمنقاد إلى الحق.

وإلى هذا التفسير مال القرطبي.

وعلى هذا الوجه تكون إفادة قطع المجادلة بجملة: ﴿ أسلمت وجهي لله ومن اتّبعن ﴾ وقوله: ﴿ أأسلمتم ﴾ دون أن يقال: فأعرض عنهم وقُل سلام، ضَرْباً من الإدماج؛ إذ أدمج في قطع المجادلة إعادةَ الدعوة إلى الإسلام، بإظهار الفرق بين الدينين.

والقصد من ذلك الحرصُ على اهتدائهم، والإعذارُ إليهم، وعلى هذا الوجه فإنّ قوله: ﴿ وقل للذين أوتوا الكتاب والأمين أأسلمتم ﴾ خارج عن الحاجة، وإنّما هو تكرّر للدعوة، أي اتْرُكْ محاجَّتهم ولا تَترك دعوتهم.

وليس المراد بالحِجاج الذي حاجَّهم به خصوصَ ما تقدم في الآيات السابقة، وإنّما المراد ما دار بين الرسول وبين وفد نجران من الحجاج الذي علِموه فمنهُ ما أشير إليه في الآيات السابقة، ومنه ما طُوي ذكره.

الطريقة الثانية أنّ قوله: ﴿ فقل أسلمت وجهي ﴾ تلخيص للحجة، واستدراج لتسليمهم إياها، وفي تقريره وجوه مآلها إلى أنّ هذا استدلال على كون الإسلام حقاً، وأحسنها ما قال أبو مسلم الأصفهاني: إنّ اليهود والنصارى والمشركين كانوا متّفقين على أحقّية دين إبراهيم عليه السلام إلاّ زيادات زادتها شرائعهم، فكما أمر الله رسوله أن يتّبع ملة إبراهيم في قوله: ﴿ ثم أوحينا إليك أن اتّبع ملة إبراهيم حنيفاً ﴾ [النحل: 123] أمَرَه هنا أن يجادل الناس بمثل قوله إبراهيم: فإبراهيم قال: ﴿ إنّي وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض ﴾ [الأنعام: 79] ومحمد عليه الصلاة والسلام قال: " أسلمت وجهي لله " أي فقد قلتُ ما قاله الله، وأنتم معترفون بحقيقة ذلك، فكيف تنكرون أنّي عتلى الحق، قال: وهذا من باب التمسّك بالإلزامات وداخل تحت قوله: ﴿ وجادلهم بالتي هي أحسن ﴾ [النحل: 125].

الطريقة الثالثة ما قاله الفخر وحاصله مع بيانه أن يكون هذا مرتبطً بقوله: ﴿ إن الذين عند الله الإسلام ﴾ [آل عمران: 19] أي فإن حاجّوك في أنّ الدين عند الله الإسلام، فقل: إنّي بالإسلام أسلمتُ وجهي لله فلا ألتفتُ إلى عبادة غيره مثلكم، فديني الذي أرسلتُ به هو الدين عند الله (أي هو الدين الحقّ وما أنتم عليه ليس ديناً عند الله).

وعلى الطريقتين الأوليين في كلام المفسّرين جعلوا قوله: ﴿ وقل للذين أوتوا الكتاب والأمين أأسلمتم ﴾ خارجاً عن الحجة؛ إذ لا علاقة بينه وبين كون الإسلام هو ملّة إبراهيم، ويكون مراداً منه الدعوة إلى الإسلام مرة أخرى بطريقة الاستفهام المستعمل في التحْضيض كقوله: ﴿ فهل أنتم منتهون ﴾ [المائدة: 91] أي قل لأولئك: أتُسلمون.

وعندي أنّ التعليق بالشرط لما اقتضى أنّه للمستقبل فالمراد بفعل: «حاجُّوك» الاستمرار على المحاجّة: أي فإن استمرّ وفدُ نجران على محاجّتهم فقل لهم قولاً فَصْلاً جامعاً للفَرْق بين دينك الذي أرسلتَ به وبين ما هُم متديّنون به.

فمعنى ﴿ أسلمت وجهي لله ﴾ أخلصت عبوديتي له لا أوَجِّه وجهي إلى غيره، فالمراد أنّ هذا كُنْه دين الإسلام، وتَبيَّن أنَّه الدين الخالص، وأنّهم لا يُلْفُوْن تَدَيّنهم على هذا الوصففِ.

وقوله: ﴿ وقل للذين أوتوا الكتاب والأمين أأسلمتم ﴾ معطوف على جملة الشرط المفرّعة على ما قبلها، فيدخل المعطوف في التفريع، فيكون تقديرُ النظم: ومن يكفر بآيات الله فإنّ الله سريع الحساب فقُل للذين كفروا بآيات الله الذين أوتوا الكتاب والأميّين: أأسلمتم، أي فكرِّرْ دعوتهم إلى الإسلام.

والاستفهامُ مستعمل في الاستبطاء والتحضيض كما في قوله تعالى: ﴿ فهل أنتم منتهون ﴾ [المائدة: 91].

وجيء بصيغة الماضي في قوله: ﴿ أأسلمتم ﴾ دون أن يقول أتسلمون على خلاف مقتضى الظاهر، للتنبيه على أنّه يَرجو تحقق إسلامهم، حتى يكونَ كالحاصل في الماضي.

اعلم أنّ قوله: ﴿ أسلمت وجهي لله ﴾ كلمة جامعة لمعاني كنه الإسلام وأصوله ألقيت إلى الناس ليتدبّروا مطاويها فيهتدي الضالون، ويزداد المسلمون يقيناً بدينهم؛ إذ قد علمنا أنّ مجيء قوله: ﴿ أسلمت وجهي لله ﴾ عقب قوله: ﴿ إن الدين عند الله الإسلام ﴾ [آل عمران: 19] وقوله: ﴿ فإن حاجوك ﴾ وتعقيبه بقوله: ﴿ أأسلمتم ﴾ أنّ المقصود منه بيان جامع معاني الإسلام حتى تسهل المجادلة، وتختصر المقاولة، ويسهل عَرض المتشككين أنفسهم على هذه الحقيقة، ليعلموا ما هم عليه من الديانة.

وبَيّنتْ هذه الكلمة أنّ هذا الدين يترجم عن حقيقة اسمه؛ فإنّ اسمه الإسلام، وهو مفيد معنى معروفاً في لغتهم يرجع إلى الإلقاء والتسليم، وقد حذف مفعوله ونُزِّل الفعل منزلة الفعل اللاّزم فعلم أنّ المفعول حذف لدلالة معنى الفاعل عليهِ، فكأنّه يقول: أسلمتُني أي أسلمتُ نفسي، فبُين هنا هذا المفعول المحذوف من اسم الإسلام لئلاّ يقع فيه التباس أو تأويل لما لا يطابق المراد، فعبّر عنه بقوله: (وجهي) أي نفسي: لظهور ألاّ يحسن محمل الوجه هنا على الجزء المعروف من الجسد، ولا يفيد حمله عليه ما هو المقصود، بل المعنى البَيِّن هو أن يراد بالوجه كامل الذات، كقوله تعالى: ﴿ كل شيء هالك إلا وجهه ﴾ [القصص: 88].

وإسلام النفس لله معناه إسلامها لأجله وصيرورتها ملكاً له، بحيث يكون جميع أعمال النفس في مرضاة الله، وتحت هذا معاننٍ جمّة هي جماع الإسلام: نحصرها في عشرة: المعنى الأول: تمام العبودية لله تعالى، وذلك بألاّ يعبد غير الله، وهذا إبطال للشرك لأنّ المشرك بالله غير الله لم يسلم نفسه لله بل أسلم بعضَها.

المعنى الثاني: إخلاصُ العمل لله تعالى فلا يلحظ في عمله غير الله تعالى، فلا يرائي ولا يصانع فيما لا يرضي الله ولا يُقدّم مرضاةَ غير الله تعالى على مرضاة الله.

الثالث: إخلاص القول لله تعالى فلا يقول ما لا يرضَى به الله، ولا يصدر عنه قول إلاّ فيما أذن الله فيه أن يقال، وفي هذا المعنى تجيء الصراحة، والأمرُ بالمعروف، والنهيُ عن المنكر، على حسب المقدرة والعلممِ، والتَّصدِي للحجة لتأييد مراد الله تعالى، وهي صفة امتاز بها الإسلام، ويندفع بهذا المعنى النفاق، والملق، قال تعالى في ذكر رسوله: ﴿ وما أنا من المتكلّفين ﴾ [يس: 86].

الرابع: أن يكون ساعياً لِتَعَرُّف مرادِ الله تعالى من الناس، ليُجري أعماله على وفقه، وذلك بالإصغاء إلى دعوة الرسل المخبرين بأنّهم مرسلون من الله، وتلقّيها بالتأمّل في وجود صدقها، والتمييز بينها وبين الدعاوي الباطلة، بدون تحفّز للتكذيب، ولا مكابرة في تلقّي الدعوة، ولا إعراضضٍ عنها بداعي الهوى وهو الإفحام، بحيث يكون علمه بمراد الله من الخلق هو ضالته المنشودة.

الخامس: امتثال ما أمر الله به، واجتناب ما نهى عنه، على لسان الرسل الصادقين، والمحافظة على اتّباع ذلك بدون تغيير ولا تحريف، وأن يذود عنه من يريد تغييره.

السادس: ألاّ يجعل لنفسه حُكماً مع الله فيما حكم به، فلا يتصدّى للتحكّم في قبول بعض ما أمر الله به ونبذِ البعض.

كما حكى الله تعالى: ﴿ وإذا دُعوا إلى الله ورسوله لِيحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين ﴾ [النور: 48، 49]، وقد وصف الله المسلمين بقوله: ﴿ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسولُه أمراً أنْ يكون لهم الخِيَرَةُ من أمرهم ﴾ [الأحزاب: 36]، فقد أعرض الكفّار عن الإيمان بالبعث؛ لأنّهم لم يشاهدوا ميّتاً بُعث.

السابع: أن يكون متطلّباً لمراد الله ممّا أشكل عليه فيه، واحتاج إلى جريه فيه على مراد الله: بتطلّبه من إلحاقه بنظائره التامةِ التنظيرِ بما عُلم أنّه مراد الله، كما قال الله تعالى: ﴿ ولو ردون إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ﴾ [النساء: 83] ولهذا أدخل علماء الإسلام حكم التفقّه في الدين والاجتهاد، تحت التقوى المأمور بها في قوله تعالى: ﴿ فاتقوا الله ما استطعتم ﴾ [التغابن: 16].

الثامن: الإعراض عن الهوى المذموم في الدين، وعن القوللِ فيه بغير سلطان: ﴿ ومن أضَلُّ ممن اتّبع هواه بغير هُدًى من الله ﴾ [القصص: 50].

التاسع: أن تكون معاملة أفراد الأمة بعضها بعضاً، وجماعاتِها، ومعاملتها الأممَ كذلك، جارية على مراد الله تعالى من تلك المعاملات.

العاشر: التصديق بما غُيّب عنّا، مما أنبأنا الله به: من صفاته، ومن القضاء والقدر، وأنّ الله هو المتصرّف المطلق.

وقوله: ﴿ وقل للذين أوتوا الكتاب والأمين أأسلمتم ﴾ إبطال لكونهم حاصلين على هذا المعنى، فأمّا المشركون فبعدهم عنه أشدّ البعد ظاهر، وأمّا النصارى فقد ألَّهوا عيسى، وجعلوا مريم صاحبة لله تعالى فهذا أصل لبطلان أن يكونوا أسلموا وجوههم لله؛ لأنّهم عبدوا مع الله غيره، وصانعوا الأمم الحاكمة والملوك، فأسّسوا الدين على حسب ما يلذّ لهم ويكسبهم الحظوة عندهم.

وأما اليهود فإنّهم وإن لم يشركوا بالله قد نقضوا أصول التقوى، فسفّهوا الأنبياء وقتلوا بعضهم، واستهزءوا بدعوة الخير إلى الله، وغيّروا الأحكام اتّباعاً للهوى، وكذّبوا الرسل، وقتلوا الأحبار، فأنَّى يَكون هؤلاء قد أسلموا لله، وأكبر مُبطل لذلك هو تكذيبهم محمداً صلى الله عليه وسلم دون النظر في دلائل صدقه.

ثم إنّ قوله: ﴿ فإن أسلموا فقد اهتدوا ﴾ معناه: فإن التزموا النزول إلى التحقّق بمعنى أسلمت وجهي لله فقد اهتدوا، ولم يبق إلا أن يتّبعوك لتَلقي ما تُبَلِّغِهم عن الله؛ لأنّ ذلك أول معاني إسلام الوجه لله، وإن تولّوا وأعرضوا عن قولك لهم: آسلمتم فليس عليك من إعراضهم تبِعة، فإنّما عليك البلاغ، فقوله: ﴿ فإنما عليك البللاغ ﴾ وقع موقع جواب الشرط، وهو في المعنى علة الجواب، فوقوعه موقع الجواب إيجاز بديع، أي لا تحزن، ولا تظنّن أنّ عدم اهتدائهم، وخيبتَك في تحصيل إسلامهم، كان لتقصير منك؛ إذ لم تُبعث إلاّ للتبليغ، لا لتحصيل اهتداء المبلَّغ إليهم.

وقوله: ﴿ والله بصير بالعباد ﴾ أي مطّلع عليهم أتمّ الأطّلاع، فهو الذي يتولّى جَزاءهم وهو يعلم أنّك بلّغت ما أمرت به.

وقرأ نافع، وأبو عمرو، وحمزة والكسائي، وأبو جعفر، وخلف «اتبعني» بإثبات ياء المتكلم في الوصل دون الوقف.

وقرأه الباقون بإثبات الياء في الوصل والوقف.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلا هُوَ ﴾ في هَذِهِ الشَّهادَةِ مِنَ اللَّهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: بِمَعْنى قَضى اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو.

والثّانِي: يَعْنِي بَيَّنَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو.

والثّالِثُ: أنَّها الشَّهادَةُ مِنَ اللَّهِ بِأنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو.

وَيَحْتَمِلُ أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ مَعْناها الإخْبارُ بِذَلِكَ، تَأْكِيدًا لِلْخَبَرِ بِالمُشاهَدَةِ، كَإخْبارِ الشّاهِدِ بِما شاهَدَ، لِأنَّهُ أوْكَدُ لِلْخَبَرِ.

والثّانِي: أنَّهُ أحْدَثَ مِن أفْعالِهِ المُشاهَدَةَ ما قامَتْ مَقامَ الشَّهادَةِ بِأنْ لا إلَهَ إلّا هو، فَأمّا شَهادَةُ المَلائِكَةِ وأُولِي العِلْمِ، فَهي اعْتِرافُهم بِما شاهَدُوهُ مِن دَلائِلِ وحْدانِيَّتِهِ.

﴿ قائِمًا بِالقِسْطِ ﴾ أيْ بِالعَدْلِ.

وَيَحْتَمِلُ قِيامُهُ بِالعَدْلِ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَتَكَفَّلَ لَهم بِالعَدْلِ فِيهِمْ، مِن قَوْلِهِمْ: قَدْ قامَ فُلانٌ بِهَذا الأمْرِ إذا تَكَفَّلَ بِهِ، فَيَكُونُ القِيامُ بِمَعْنى الكَفالَةِ.

والثّانِي: مَعْناهُ أنَّ قِيامَ ما خَلَقَ وقَضى بِالعَدْلِ أيْ ثَباتُهُ، فَيَكُونُ قِيامُهُ بِمَعْنى الثَّباتِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُتَدَيِّنَ عِنْدَ اللَّهِ بِالإسْلامِ مَن سَلِمَ مِنَ النَّواهِي.

والثّانِي: أنَّ الدِّينَ هُنا الطّاعَةُ، فَصارَ كَأنَّهُ قالَ: إنَّ الطّاعَةَ لِلَّهِ هي الإسْلامُ.

وَفي أصْلِ الإسْلامِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ أصْلَهُ مَأْخُوذٌ مِنَ السَّلامِ وهو السَّلامَةُ، لِأنَّهُ يَعُودُ إلى السَّلامَةِ.

والثّانِي: أنَّ أصْلَهُ التَّسْلِيمُ لِأمْرِ اللَّهِ في العَمَلِ بِطاعَتِهِ.

﴿ وَما اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ﴾ في أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم أهْلُ التَّوْراةِ مِنَ اليَهُودِ، قالَهُ الرَّبِيعُ.

والثّانِي: أنَّهم أهْلُ الإنْجِيلِ مِنَ النَّصارى، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ.

والثّالِثُ: أنَّهم أهْلُ الكُتُبِ كُلِّها، والمُرادُ بِالكِتابِ الجِنْسُ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ، وهو قَوْلُ بَعْضِ المُتَأخِّرِينَ.

وَفِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: في أدْيانِهِمْ بَعْدَ العِلْمِ بِصِحَّتِها.

والثّانِي: في عِيسى وما قالُوهُ فِيهِ مِن غُلُوٍّ وإسْرافٍ.

والثّالِثُ: في دِينِ الإسْلامِ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: طَلَبُهُمُ الرِّياسَةَ.

والثّانِي: عُدُولُهم عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَإنْ حاجُّوكَ فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ ﴾ الآيَةَ.

فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أيْ أسْلَمْتُ نَفْسِي، ومَعْنى أسْلَمْتُ: انْقَدْتُ لِأمْرِهِ في إخْلاصِ التَّوْحِيدِ لَهُ.

والثّانِي: أنَّ مَعْنى أسْلَمْتُ وجْهِي: أخْلَصْتُ قَصْدِي إلى اللَّهِ في العِبادَةِ، مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِ الرَّجُلِ إذا قَصَدَ رَجُلًا فَرَآهُ في الطَّرِيقِ: هَذا وجْهِي إلَيْكَ، أيْ قَصْدِي.

﴿ والأُمِّيِّينَ ﴾ هُمُ الَّذِينَ لا كِتابَ لَهم، مَأْخُوذٌ مِنَ الأُمِّيِّ الَّذِي لا يَكْتُبُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم مُشْرِكُو العَرَبِ.

( ءَأسْلَمْتُمْ ) هو أمْرٌ بِالإسْلامِ عَلى صُورَةِ الِاسْتِفْهامِ.

فَإنْ قِيلَ: في أمْرِهِ تَعالى عِنْدَ حِجاجِهِمْ بِأنْ يَقُولَ: ﴿ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ ﴾ عُدُولٌ عَنْ جَوابِهِمْ وتَسْلِيمٌ لِحِجاجِهِمْ، فَعَنْهُ جَوابانِ: أحَدُهُما: لَيْسَ يَقْتَضِي أمْرُهُ بِهَذا القَوْلِ النَّهْيَ عَنْ جَوابِهِمْ والتَّسْلِيمَ بِحِجاجِهِمْ، وإنَّما أمْرُهُ أنْ يُخْبِرَهم بِما يَقْتَضِيهِ مُعْتَقَدُهُ، ثُمَّ هو في الجَوابِ لَهم والِاحْتِجاجِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ السُّؤالُ.

والثّانِي: أنَّهم ما حاجُّوهُ طَلَبًا لِلْحَقِّ فَيَلْزَمُهُ جَوابُهم، وإنَّما حاجُّوهُ إظْهارًا لِلْعِنادِ، فَجازَ لَهُ الإعْراضُ عَنْهم بِما أمَرَهُ أنْ يَقُولَ لَهم.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن السني في عمل يوم وليلة وأبو منصور الشجامي في الأربعين عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن فاتحة الكتاب، وآية الكرسي، والآيتين من آل عمران ﴿ شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائماً بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم، إن الدين عند الله الإسلام ﴾ و ﴿ قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء ﴾ [ آل عمران: 26] إلى قوله: ﴿ بغير حساب ﴾ هن معلقات بالعرش.

ما بينهن وبين الله حجاب يقلن: يا رب تهبطنا إلى أرضك وإلى من يعصيك.

قال الله: إني حلفت لا يقرأكن أحد من عبادي دبر كل صلاة يعني المكتوبة إلا جعلت الجنة مأواه على ما كان فيه، وإلا أسكنته حظيرة الفردوس، وإلا نظرت إليه كل يوم سبعين نظرة، وإلا قضيت له كل يوم سبعين حاجة أدناها المغفرة، وإلا أعذته من كل عدوّ ونصرته منه» .

وأخرج الديلمي في مسند الفردوس عن أبي أيوب الأنصاري مرفوعاً: «لما نزلت ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ [ الفاتحة: 1] ، وآية الكرسي، و ﴿ شهد الله ﴾ ، و ﴿ قل اللهم مالك الملك ﴾ [ آل عمران: 26] إلى ﴿ بغير حساب ﴾ [ آل عمران: 27] تعلقن بالعرش وقلن: أنزلتنا على قوم يعملون بمعاصيك فقال: وعزتي وجلالي وارتفاع مكاني، لا يتلوكن عبد عند دبر كل صلاة مكتوبة إلا غفرت له ما كان فيه، وأسكنته جنة الفردوس، ونظرت له كل يوم سبعين مرة، وقضيت له سبعين حاجة أدناها المغفرة» .

وأخرج أحمد والطبراني وابن السني في عمل يوم وليلة وابن أبي حاتم عن الزبير بن العوّام قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بعرفة يقرأ هذه الآية ﴿ شهد الله أنه لا إله إلا هو ﴾ إلى قوله: ﴿ العزيز الحكيم ﴾ فقال: وأنا على ذلك من الشاهدين يا رب.

ولفظ الطبراني فقال: وأنا أشهد أنك لا إله إلا أنت العزيز الحكيم» .

وأخرج ابن عدي والطبراني في الأوسط والبيهقي في شعب الإيمان وضعفه والخطيب في تاريخه وابن النجار عن غالب القطان قال: أتيت الكوفة في تجارة، فنزلت قريباً من الأعمش، فلما كان ليلة أردت أن أنحدر قام فتهجد من الليل، فمر بهذه الآية ﴿ شهد الله أنه لا إله إلا هو ﴾ إلى قوله: ﴿ إن الدين عند الله الإِسلام ﴾ فقال: وأنا أشهد بما شهد الله به، واستودع الله هذه الشهادة، وهي لي وديعة عند الله.

قالها مراراً فقلت: لقد سمع فيها شيئاً، فسألته فقال: حدثني أبو وائل، عن عبدالله قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يُجاءُ بصاحبها يوم القيامة فيقول الله: عبدي عهد إلي وأنا أحق من وفى بالعهد، أدخلوا عبدي الجنة» .

وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن حمزة الزيات قال: خرجت ذات ليلة أريد الكوفة، فآواني الليل إلى خربة فدخلتها، فبينا أنا فيها دخل علي عفريتان من الجن فقال أحدهما لصاحبه: هذا حمزة بن حبيب الزيات الذي يقرئ الناس بالكوفة قال: نعم والله لأقتلنَّه قال: دعه.

المسكين يعيش قال: لأقتلنه.

فلما أزمع على قتلي قلت: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائماً بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم ﴾ وأنا على ذلك من الشاهدين فقال له صاحبه: دونك الآن فاحفظه راغماً إلى الصباح.

وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن الأعمش قال: في قراءة عبدالله ﴿ شهد الله أن لا إله إلا هو ﴾ وفي قراءته ﴿ إن الدين عند الله الإسلام ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ قائماً بالقسط ﴾ قال: ربنا قائماً بالعدل.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الضحاك عن ابن عباس ﴿ بالقسط ﴾ قال: بالعدل.

وأخرج ابن جرير عن السدي في الآية قال: فإن الله شهد هو، والملائكة، والعلماء من الناس ﴿ إن الدين عند الله الإِسلام ﴾ .

وأخرج عن محمد بن جعفر بن الزبير ﴿ شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم ﴾ بخلاف ما قال نصارى نجران.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ إن الدين عند الله الإِسلام ﴾ قال: الإِسلام شهادة أن لا إله إلا الله، والإِقرار بما جاء به من عند الله.

وهو دين الله الذي شرع لنفسه، وبعث به رسله، ودل عليه أولياءه.

لا يقبل غيره، ولا يجزي إلا به.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: ﴿ إن الدين عند الله الإِسلام ﴾ قال: «لم أبعث رسولاً إلا بالإِسلام» .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن سعيد بن جبير قال: كان حول البيت ستون وثلاثمائة صنم، لكل قبيلة من قبائل العرب صنم أو صنمان.

فأنزل الله: ﴿ شهد الله أنه لا إله إلا هو...

﴾ الآية.

قال: فأصبحت الأصنام كلها قد خرت سجداً للكعبة.

قوله تعالى: ﴿ وما اختلف ﴾ الآية.

أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ وما اختلف الذين أوتوا الكتاب ﴾ قال: بنو إسرائيل.

وأخرج ابن جرير عن أبي العالية في قوله: ﴿ إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم ﴾ ويقول: بغيا على الدنيا، وطلب ملكها وسلطانها، فقتل بعضهم بعضاً على الدنيا من بعدما كانوا علماء الناس.

وأخرج ابن جرير عن الربيع قال: إن موسى عليه السلام لما حضره الموت دعا سبعين حبراً من أحبار بني إسرائيل، فاستودعهم التوراة، وجعلهم أمناء عليه.

كل حبر جزء منه، واستخلف موسى عليه السلام يوشع بن نون، فلما مضى القرن الأول، ومضى الثاني، ومضى الثالث، وقعت الفرقة بينهم.

وهم الذين أوتوا العلم من أبناء أولئك السبعين حتى أهرقوا بينهم الدماء، ووقع الشر والاختلاف.

وكان ذلك كله من قبل الذين أوتوا العلم بغيا بينهم على الدنيا، طلباً لسلطانها وملكها وخزائنها وزخرفها، فسلط الله عليهم جبابرتهم.

وأخرج ابن جرير عن محمد بن جعفر بن الزبير ﴿ وما اختلف الذين أوتوا الكتاب ﴾ يعني النصارى ﴿ إلا من بعد ما جاءهم العلم ﴾ الذي جاءك أي أن الله الواحد الذي ليس له شريك.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ فإن الله سريع الحساب ﴾ قال إحصاؤه عليهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ فإن حَاجُّوك ﴾ قال: إن حاجَّكَ اليهود والنصارى.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج ﴿ فإن حاجُّوك ﴾ قال: اليهود والنصارى فقالوا: إن الدين اليهودية والنصرانية فقل يا محمد ﴿ أسلمت وجهي لله ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن محمد بن جعفر بن الزبير ﴿ فإن حاجُّوك ﴾ أي بما يأتون به من الباطل من قولهم: خلقنا، وفعلنا، وجعلنا، وأمرنا، فإنما هي شبهة باطل قد عرفوا ما فيها من الحق ﴿ فقل أسلمت وجهي لله ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ ومن اتبعن ﴾ قال: ليقل من اتبعك مثل ذلك.

وأخرج الحاكم وصححه عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: «أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا نبي الله إني أسألك بوجه الله بم بعثك ربنا؟

قال: بالإسلام...

قلت: وما آيته؟

قال: أن تقول ﴿ أسلمت وجهي لله ﴾ وتخليت، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة.

كل مسلم على مسلم محرم أخوان نصيران، لا يقبل الله من مسلم أشرك بعدما أسلم عملاً حتى يفارق المشركين إلى المسلمين، ما لي آخذ بحجزكم عن النار.

ألا إن ربي داعيّ، ألا وإنه سائلي هل بلغت عبادي؟

وإني قائل: رب قد أبلغتهم، فليبلغ شاهدكم غائبكم.

ثم أنه تدعون مقدمة أفواهكم بالفدام، ثم أوّل ما يبين عن أحدكم لفخذه وكفه.

قلت: يا رسول الله هذا ديننا؟

قال: هذا دينكم وأينما تحسن يَكْفِكَ» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ وقل للذين أوتوا الكتاب ﴾ قال: اليهود والنصارى ﴿ والأميين ﴾ قال: هم الذين لا يكتبون.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع ﴿ فإن أسلموا فقد اهتدوا ﴾ قال: من تكلم بهذا صدقاً من قلبه يعني الإِيمان فقد اهتدى ﴿ وإن تولوا ﴾ يعني عن الإِيمان.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ  ﴾ .

قال ابنُ عباس (١) قال الكلبي (٢) قال الزَّجَّاج (٣) (٤) ﴿ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ ﴾ الآية بأن يدعوهم إلى ما هو عليه من الإسلام.

قال أهل المعاني (٥)  أراهم الدلالة على صدقه ونبوَّته، ثم دعاهم إلى اتباع أمر من أقروا بأنه خالقهم، فإذا لم يطيعوه، صاروا محجوجين.

فهذا وجه الحجة للنبي  في قوله: ﴿ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ ﴾ .

ومعنى ﴿ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ ﴾ : أي: انقدت له بقلبي ولساني وجوارحي.

وذكرنا أن الإسلام معناه -في اللغة-: الانقياد (٦) (٧) وقال ابن عباس في هذه الآية (٨) ﴿ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ  ﴾ .

وقد ذكرنا هناك معنى (أسلم) و (أسلمْتُ).

وقال الفرَّاء (٩) (١٠) (١١) (١٢) قال: ومعنى (الوجه) ههنا: العمل، كقوله: ﴿ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ  ﴾ ، أي: قصده والعمل.

وقول الشاعر: ...

إليه الوجهُ والعَمَلُ (١٣) نسق بالعمل على الوجه، وهما واحدٌ؛ لاختلاف اللفْظَيْن.

ومضى الكلام في هذا عند قوله: ﴿ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ  ﴾ ، الآية.

وقوله تعالى: ﴿ وَمنِ اَتَّبَعَنِ ﴾ .

﴿ مَنِ ﴾ عطف على الضمير في ﴿ أَسْلَمْتُ ﴾ من غير أن يؤكده؛ لأن الكلام طال بقوله: ﴿ وَجْهِىَ للهِ ﴾ ، فصار عِوَضًا من تأكيد الضمير المُتَّصِل.

ولو قيل: (أسْلَمْتُ وزيدٌ)، لم يَحْسُن حتى يقول: (أسلمتُ أنا وزيدٌ).

فإن قال: (أسلمتُ اليوم (١٤) (١٥) [قال أبو إسحاق (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) قال الأعشى: ومن شانئٍ كاسِفٍ بالُهُ ...

إذا ما انتسَبْتُ له أنكَرَنْ (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) (٢٤) قال ابن عباس (٢٥) ﴿ وَمَنِ اتَّبَعَنِ ﴾ : يريد: المهاجرين والأنصار.

وقوله تعالى: ﴿ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ ﴾ .

يعني: العرب (٢٦) ﴿ أَأَسْلَمْتُمْ ﴾ .

قال الفرَّاء (٢٧) (٢٨) (٢٩) ﴿ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ  ﴾ ؛ أي: انتهوا.

قال النحويون: إنما جاء الأمر في سورة الاستفهام؛ لأنه بمنزلته في طلب الفعل، والاستدعاء إليه، فذكر ذلك؛ للدلالة على الأمر، من غير تصريح به؛ ليُقِرَّ المأمورُ بما يلزمه من الأمر.

وقوله تعالى: ﴿ عَلَيْكَ الْبَلَاغُ ﴾ .

البلاغُ: اسمٌ (٣٠) (٣١) وقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ﴾ .

قال ابن عباس (٣٢) (٣٣) (٣٤)  حين أُخبر أنه ليس عليه هداهم، إنما عليه التبليغ، فإذا بلَّغ فقد أدَّى ما عليه.

وقال بعض المفسرين: حكم هذه الآية قبل أن يُؤمر النبي  بالسيف (٣٥) (١) لم أهتد إلى مصدر قوله إلا ما ورد في "تنوير المقباس" 44، فقد قال بعد قوله تعالى: ﴿ حَاجُّوكَ ﴾ (يعني: اليهود والنصارى)، وقال بعد ﴿ وَالْأُمِّيِّينَ ﴾ : (يعني: العرب).

(٢) قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 25 أ.

(٣) في "معاني القرآن" له 1/ 388، نقله عنه بتصرف.

(٤) في "معاني القرآن": (أجمعون).

(٥) لم أعثر على من نصَّ على هذا القول، ممن سبق المؤلف.

(٦) انظر ما سبق عند تفسير قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ﴾ من آية 19 من هذه السورة.

(٧) انظر: "تفسير الطبري" 3/ 214، "تفسير الثعلبي" 3/ 25 ب.

(٨) لم أهتد إلى مصدر قوله.

(٩) لم أهتد إلى مصدر قوله وهو موجود في "تفسير الثعلبي" 3/ 25 ب.

(١٠) في (ج): (فقال).

(١١) ما بين المعقوفين ساقط من: (ج)، (د).

(١٢) في (ج): (فيه).

(١٣) عجز بيت، وتمامه: أستغفرُ الله ذنبًا لست مُحصِيَهُ ...

رب العباد إليه الوجه والعمل لم أهتد إلى قائله، وقد ورد غير منسوب في المصادر التالية "كتاب سيبويه" 1/ 37، "معاني القرآن" للفرَّاء: 2/ 314، "تأويل مشكل القرآن" 177، "أدب الكاتب" 524، "المقتضب" 2/ 321، "الأصول في النحو" 1/ 178، "المحلى" لابن شقير: 68، "الخصائص" 3/ 247، "الصاحبي" 291، 339، "أمالي المرتضى" 1/ 591، "تفسير الثعلبي" 25/ 3 ب، "المخصص" 14/ 71، "الاقتضاب" 3/ 400، "شرح المفصل" 7/ 63، 8/ 51، "اللسان" 5/ 26 (غفر)، "شرح شذور الذهب" ص 445، "المقاصد النحوية" 3/ 226، "منهج السالك" (شرح الأشموني): 2/ 194، "التصريح" للأزهري: 1/ 394، "الهمع" 5/ 17، ورد فيه الشطر الأول فقط.

"خزانة الأدب" 3/ 111، "الدرر اللوامع" 2/ 106.

ومعنى البيت: أطلب المغفرة؛ أي: الستر على ذنوبي، ويريد بـ (الذنب) هنا اسم الجنس؛ أي: جميع الذنوب؛ لأنه قال بعده: (لست محصِيَهُ)؛ أي: لا أحصي عدد ذنوبي التي عملتها، وأستغفر الله من جميعها.

و (الوجه) هنا القصد، وهو بمعنى: التوجُّه؛ أي: إليه التوجه في الدعاء.

(١٤) (اليوم): ساقطة من (د).

(١٥) وفي إعراب ﴿ وَمَنِ اتَّبَعَنِ ﴾ ، وجوهٌ أخرى، وهي: أنها مرفوعة على الابتداء، وخبره محذوف، والتقدير: (ومن اتَّبعني أسلم وجهه لله).

أنها منصوبة على المعيَّة، والواو واو المعية؛ أي: (أسلمت وجهي لله مع من اتبعني)، أو (مصاحبًا لمن أسلم وجهه لله).

أنها في محل جر عطفا على اسم الله تعالى، على تأويل: (جعلت مقصدي لله بالإيمان به والطاعة له، ولمن اتَّبعني بالحفظ له والاحتفاء بعمله وبرأيه وبصحبته).

ويظهر على الوجه التكلف والتعسف.

انظر هذه الوجوه، في "الفريد في إعراب القرآن المجيد" للمنتجب الهمداني 1/ 555، "البحر المحيط" 2/ 421، "الدر المصون" 3/ 90 - 92، "الفتوحات الإلهية" 1/ 253.

(١٦) في "معاني القرآن" له 1/ 389، نقله عنه بتصرف واختصار قليل.

(١٧) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج)، (د).

(١٨) (حذفها): ساقطة من: (د).

(١٩) (تشبه): مطموسة في (ج).

(٢٠) البيت في "ديوانه" ص 207.

وورد منسوبًا له في "الكتاب" 4/ 187، "أمالي ابن الشجري" 2/ 291، و"مجاز القرآن" 2/ 195، و"الأمالي" للقالي 2/ 263، و"إيضاح الوقف والابتداء" لابن الأنباري 259، و"فقه اللغة" للثعالبي 218،== "شرح المفصل" 9/ 83، 86.

وورد غير منسوب في "غريب الحديث" للحربي: 2/ 874، "وشرح أبيات سيبويه" للنحاس: 189.

وروايته في الديوان وبعض المصادر: (..

كاسف وجهه ..)، وورد في بعض المصادر: (..

ومن كاشح ظاهِرٍ غِمْرُهُ ..).

و (الشانئ): المُبغِض، و (كاسف البال): سيِّء الحال، و (كاسف الوجه): عابِسُه؛ من سوء الحال، و (رجل كاسف): مهمومٌ، قد تغير لونه، وهزل من الحزن.

و (أنكرن): أنكرني بادِّعائه أنه لا يعرفني؛ لكراهيته لي.

أما في الرواية الثانية: فمعنى (كاشح)؛ أي عدو مبغض، وهو الذي يضمر لك العداوة في كَشْحه؛ أي: باطنه، أو يطوية عنك كشحُهُ وُيعرض عنك، و (الكشح): الخَصْر.

و (الغَمْرُ) بفتح الغين وكسرها: الحقد والغِل.

انظر: "اللسان" 4/ 2335 (شنأ)، 7/ 3877 (كسف)، 7/ 3880 (كشح)، 6/ 3294 - 3295 (غمر).

والشاهد في البيت: حذف الياء من (أنكرن) في الوقف عليها في القافية، وأصلها: (أنكرني).

(٢١) في (ب): (اتبعن).

(٢٢) في (أ)، (ب): (اتَّبعنن).

والمثبت من: (ج)، (د)، "معاني القرآن" للزجَّاج، "زاد المسير" 1/ 364.

(٢٣) في (د): (فالكسر).

(٢٤) في (ج): (إلا أن).

(٢٥) لم أعثر على مصدر قوله.

(٢٦) أي: إن الأميِّين هم العرب.

وسُمُّوا بذلك كما يقول ابن عطية: نسبة (على الأم،== أو إلى الأمَّة ...

أي: كما هي الأم، أو على حال خروج الإنسان عن الأم، أو على حال الأمة الساذجة قبل التعلم والتحذق) "المحرر الوجيز" 3/ 58؛ أي: سُمُّوا بذلك لعدم معرفتهم الكتابة والقراءة.

وانظر: "تهذيب اللغة" 1/ 204 - 205 (أمم).

وبهذا ورد الأثر عن ابن عباس، كما في "تفسير الطبري" 3/ 215، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 620.

ويعزز هذا قول النبي  : "إنَّا أمة أمية، لا نكتب ولا نحسب ..

".

أخرجه البخاري في "صحيحه" 2/ 230 كتاب الصوم، باب: 13، ومسلم في: "صحيحه": 2/ 761.

كتاب الصيام، باب: وجوب صوم رمضان، رقم: 15.

وقال محمد بن جعفر بن الزبير، ومحمد بن إسحاق: الذين لا كتاب لهم.

انظر: "تفسير الطبري" 3/ 215، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 619.

(٢٧) في "معاني القرآن" له: 1/ 202.

(٢٨) في "معاني القرآن وإعرابه" له 1/ 390، وعنه نقل المؤلف العبارات التالية، بتصرف.

(٢٩) (قوله): ساقط من: (ج).

(٣٠) (اسم): ساقط من: (د).

(٣١) (السَّراح) اسم للمصدر، بمعنى: التسريح، وأصل (التسريح): إرسال الإبل في المرعى، ثم جُعِل للمطلق الإرسال، ثم استعير في الطلاق، فـ (تسبح المرأة): تطليقها، والاسم: (السَّراح)، قال تعالى: ﴿ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا ﴾ الأحزاب: 49، وقال: ﴿ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ  ﴾ .

ومن معاني (السَّراح): السهولة، والمصدر: (التسريح)؛ أي التسهيل.

انظر: (سرح)، في "اللسان" 4/ 1984 - 1985، "عمدة الحفاظ" 237.

(٣٢) لم أهتد إلى مصدر قوله.

(٣٣) في (ج): (من)، (د): (بمن).

(٣٤) والذي في: "تنوير المقباس" عنه: 44: (بمن يؤمن، وبمن لا يؤمن).

(٣٥) يعني أنها منسوخة، والمنسوخ منها عندهم هو قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ﴾ .

وممن قال بذلك ممن سبق المؤلف بالوفاة: أبو عبد الله، محمد بن حزم الأنصاري، المتوفى سنة (320 هـ) تقريبًا، في كتابه: "الناسخ والمنسوخ في القرآن": 30، وهبة الله بن سلامة، المتوفى سنة (410 هـ) في كتابه: "الناسخ والمنسوخ من كتاب الله عز وجل": 60.

والناسخ لها عندهم هي آية السيف، وهي في أصح أقوال العلماء: ﴿ فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ  ﴾ .

ومنشأ دعواهم بأنها منسوخة، هو أنَّ الآية بما تضمنته من أسلوب القصر حصرت مهمة النبي  ، في تبليغ الرسالة والموادعة دون قتال المخالفين، ثم جاءت آية == السيف بالإذن بقتالهم، فنسخت الاقتصارَ على التبليغ، وصارت المهمةُ بعدها: التبليغ والقتال في سبيل ما كُلِّفَ بتبليغه، ولكن دعوى النسخ هذه لا تُسلَّم؛ لأمور منها: أن هذه الآية خبَر، والأخبار لا تقبل النسخ.

أن القول بالنسخ يقتضي معرفة تاريخ نزول الآية؛ ليقال: إن اللاحق نسخ السابق، والتاريخ هنا غير معروف.

إن القصر هنا إضافيٌّ، يُراد به تقرير أن الرسول ليس مكَلَّفًا بإيجاد الإيمان في القلوب، وهو ما يُسمَّى بهداية القبول، فذلك من حق الله تعالى، أمَّا هداية البيان والإرشاد والتبليغ فذلك من وظيفة النبي  ، وهي المرادة في هذه الآية.

أن الآية كما يقول د.

مصطفى زيد: (لم تكن تقصد إلى إعفاء النبي  من واجب القتال في سبيل الدعوة، وإنما قصدت إلى تقرير أنه قد بَلَّغ عن الله فأدَّى ما عليه.

وشَرْعُ القتال قبلها، ثم بعدها بآية السيف وغيرها لم يغير شيئًا من حقيقة الوظيفة التي كُلِّفَ القيام بها، وإن كان قد زاد الوسائل إليها وسيلة جديدة، هي: مشروعية القتال في سبيلها؛ لتأمين الدعوة، وحماية أرواحهم من عدوان الكفار عليهم، لا لحملهم على الدخول في الإسلام بقوة السلاح).

"النسخ في القرآن" د.

مصطفى زيد: 1/ 425، وانظر: "المحرر الوجيز" 3/ 59.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِنَّ الدِّينَ ﴾ بكسر الهمزة ابتداء، وبفتحها بدل من أنه، وهو بدل شيء من شيء، لأن التوحيد هو الإسلام ﴿ وَمَا اختلف الذين ﴾ الآية: إخبار أنهم اختلفوا بعد معرفتهم بالحقائق من أجل البغي، وهو الحسد، والآية في اليهود، وقيل: في النصارى، وقيل: فيهما ﴿ سَرِيعُ الحساب ﴾ قد تقدّم معناه في البقرة وهو هنا تهديد، ولذلك وقع في جواب من يكفر ﴿ فَإنْ حَآجُّوكَ ﴾ أي جادلوك في الدين، والضمير لليهود ونصارى نجران ﴿ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ ﴾ أي أخلصت نفسي وجملتي ﴿ للَّهِ ﴾ وعبّر بالوجه على الجملة ومعنى الآية: إقامة الحجة عليهم؛ لأن من أسلم وجهه لله فهو على الحق بلا شك، فسقطت حجة من خالفه ﴿ وَمَنِ اتبعن ﴾ عطف على التاء في أسلمت ويجوز أن يكون مفعولاً معه ﴿ أَأَسْلَمْتُمْ ﴾ تقرير بعد إقامة الحجة عليهم أي: قد جاءكم من البراهين ما يقتضي أن تسلموا ﴿ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البلاغ ﴾ أي: إنما عليكم أن تبلغ رسالة ربك، فإذا أبلغتها فقد فعلت ما عليك، وقيل: إن فيها موادعة نسختها آية السيف.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ سيغلبون ويحشرون ﴾ بياء الغيبة: حمزة وعليّ وخلف وعباس مخير.

الباقون بتاء الخطاب ﴿ ترونهم ﴾ بتاء الخطاب: أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب.

الباقون بالياء ﴿ مثليهم ﴾ بضم الهاء: سهل ويعقوب وكذلك ما انفتح قبل الياء مثل ﴿ بجنتيهم  ﴾ ﴿ رأى العين ﴾ بغير همز: أبو عمرو غير شجاع ويزيد والأعشى والأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف.

الباقون بهمزة ساكنة ﴿ أونبئكم ﴾ بهمزة غير ممدودة بعدها واو مضمومة: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب غير عباس وأوقية وأبي شعيب ونافع غير قالون.

﴿ آونبئكم ﴾ بالمد والواو المضمومة: يزيد وقالون وعباس وأوقية وأبو شعيب.

الباقون بهمزتين هشام يدخل بينهما مدة.

﴿ ورضوان ﴾ بضم الراء حيث كان: الأعشى والبرجمي وافقا يحيى وحماداً إلا في ﴿ من اتبع رضوانه  ﴾ في المائدة ﴿ أن الدين ﴾ بفتح "إن" علي.

الباقون بالكسر.

﴿ وجهي ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن عامر غير النجاري عن هشام وحفص والمفضل والأعشى والبرجمي.

﴿ ومن اتبعني ﴾ بإثبات الياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل وافق أبو عمر وأبا جعفر ونافع غير قالون في الوصل.

﴿ ويقاتلون الذين ﴾ : حمزة ونصير في رواية علي بن نصير.

الباقون ﴿ ويقتلون ﴾ .

﴿ ليحكم ﴾ بضم الياء وفتح الكاف: أبو جعفر.

الباقون بالعكس.

/ الوقوف: ﴿ جهنم ﴾ ط، ﴿ المهاد ﴾ ه، ﴿ التقتا ﴾ ط لأن التقدير منهما فئة أو إحداهما.

﴿ العين ﴾ ط ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ الأبصار ﴾ ه، ﴿ والحرث ﴾ ط ﴿ الدنيا ﴾ ج للفصل بين النقيضين مع اتفاق الجملتين.

﴿ المآب ﴾ ج ﴿ من ذلكم ﴾ ط لتناهي الاستفهام.

﴿ من الله ﴾ ط ﴿ بالعباد ﴾ ج للاية على جعل "الذين" خبر مبتدأ محذوف أي هم الذين، أو مدحاً على "أعني الذين" ولجواز أنه نعت للعباد أو للمتقين.

﴿ النار ﴾ ج لأن "الصابرين" يصلح بدلاً من "الذين" والوقف أجود نصباً على المدح.

﴿ بالأسحار ﴾ ط ﴿ إلا هو ﴾ ط للعطف،ولو وقف احترازاً عن وهم دخول الملائكة وأولو العلم في الاستثناء والمشاركة في الألوهية كان جيداً.

﴿ بالقسط ﴾ ط، ﴿ الحكيم ﴾ ط إلا لمن قرأ "إن" بالفتح على البدل من "أنه" ﴿ الإسلام ﴾ ه، ﴿ بينهم ﴾ ط لإطلاق حكم غير مخصوص بما قبله.

﴿ الحساب ﴾ ه ﴿ ومن اتبعن ﴾ ط لابتداء أمر يشمل أهل الكتاب والعرب، والأول مختص بأهل الكتاب فلم يكن الثاني من جملة جزاء الشرط، ﴿ أأسلمتم ﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى الشرط ﴿ اهتدوا ﴾ ج لابتداء شرط آخر مع العطف.

﴿ البلاغ ﴾ ط، ﴿ بالعباد ﴾ ه، ﴿ بغير حق ﴾ ز لمن قرأ ﴿ ويقاتلون ﴾ لعدول المعنى من قوله ﴿ يقتلون ﴾ ﴿ أليم ﴾ ه، ﴿ والآخرة ﴾ ز للابتداء بالنفي مع اتحاد المقصود.

﴿ من ناصرين ﴾ ه، ﴿ معرضون ﴾ ه، ﴿ معدودات ﴾ ص لأن الواو للعطف أو الحال.

﴿ يفترون ﴾ ه، ﴿ يظلمون ﴾ ه.

التفسير: عن ابن عباس في رواية أبي صالح عنه قال: "لما هزم الله المشركين يوم بدر قالت يهود المدينة: هذا والله النبي الأمي الذي بشرنا به موسى ونجده في كتابنا بنعته وصفته وأنه لا ترد له راية وأرادوا تصديقه واتباعه.

ثم قال بعضهم لبعض: لا تعجلوا حتى ننظر إلى وقعة أخرى.

فلما كان يوم أحد ونكب أصحاب رسول الله  شكوا فقالوا: لا والله ما هو به.

وغلب عليهم الشقاء فلم يسلموا.

وكان بينهم وبين رسول الله عهد إلى مدة فنقضوا ذلك العهد.

وانطلق كعب بن الأشرف في ستين راكباً إلى أهل مكة أبي سفيان وأصحابه فوافقوهم وأجمعوا أمرهم وقالوا: لتكونن كلمتنا واحدة.

ثم رجعوا إلى المدينة فأنزل الله فيهم هذه الآية" .

وقال محمد بن إسحق بن يسار في رواية عكرمة وسعيد بن جبير عن ابن عباس: "لما أصاب رسول الله  قريشاً ببدر وقدم المدينة جمع اليهود في سوق بني قينقاع فقال: يا معشر اليهود احذروا من الله مثل ما نزل بقريش يوم بدر، وأسلموا قبل أن ينزل بكم ما نزل بهم، فقد عرفتم أني نبي مرسل تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله إليكم.

فقالوا: يا محمد، لا يغرّنك أنك لقيت قوماً أغماراً لا علم لهم بالحرب فأصبت فيهم فرصة.

أما والله لو قاتلناك لعرفت أنا نحن الناس" فأنزل الله ﴿ قل للذين كفروا ﴾ يعني اليهود ﴿ ستغلبون ﴾ / تهزمون ﴿ وتحشرون إلى جهنم ﴾ في الآخرة.

ومعنى جهنم قد مر في البقرة في قوله: ﴿ فحسبه جهنم ولبئس المهاد  ﴾ وقيل: هم مشركو مكة ﴿ ستغلبون ﴾ يعني يوم بدر من قرأ بتاء الخطاب فمعناه الأمر بأن يخبرهم بما سيجري عليهم من الغلبة والحشر بأي لفظ أراد  ، ومن قرأ بالياء فالأمر متوجه إلى حكاية هذا اللفظ أي قل لهم قولي لك: ﴿ سيغلبون ﴾ .

وفي الآية حجاج للقائل بتكليف ما لا يطاق، فإنه  أخبر عنهم بأنهم يحشرون إلى جهنم، فلو آمنوا وأطاعوا لانقلب الخبر كذباً.

وفيها دليل على صحة البعث والحشر بإخبار الصادق وفي قوله ﴿ ستغلبون ﴾ وقد وقع كما أخبر إخبار عن الغيب فيكون معجزاً دالاً على صدق النبي  .

نظيره في حق عيسى  ﴿ وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم  ﴾ ثم إنه  ذكر ما يجري مجرى الدلالة على صحة ذلك الحكم فقال ﴿ قد كان لكم آية في فئتين التقتا ﴾ يوم بدر ﴿ فئة ﴾ إحداهما جماعة ﴿ تقاتل في سبيل الله ﴾ وهم المسلمون لأنهم يقاتلون لنصرة دين الله وإعلاء كلمته ﴿ وفئة ﴾ أخرى ﴿ كافرة ﴾ هم كفار قريش.

وبيان كون تلك الواقعة آية من وجوه: أحدها أن المسلمين كان قد اجتمع فيهم من أسباب الضعف أمور منها: قلة العَدَدِ والعُدَدِ، كانوا ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً مع كل أربع منهم بعير، ومعهم من الدروع ستة ومن الخيل فرسان.

ومنها أنهم خرجوا غير قاصدين للحرب فلم يتأهبوا.

ومنها أن ذلك ابتداء غارة في الحرب لأنها من أول غزوات رسول الله  ، وكان قد حصل في المشركين أضداد هذه المعاني.

كانوا تسعمائة وخمسين رجلاً وفيهم أبو سفيان وأبو جهل، ومعهم مائة فرس وسبعمائة بعير، وأهل الخيل كلهم دارعون، وكان معهم دروع سوى ذلك، وكانوا قد مرنوا على الحرب والغارات.

وإذا كان كذلك كانت غلبة المسلمين خارقة للعادة فكانت معجزة.

وثانيها أنه  كان قد أخبر عن ذلك بإخبار الله في قوله  ﴿ وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين  ﴾ يعني جمع قريش أو عير أبي سفيان.

وكان أخبر قبل الحرب بأن هذا مصرع فلان وهذا مصرع فلان والإخبار عن الغيب معجز.

وثالثها إمداد الملائكة كما سيجيء في هذه السورة.

ورابعها قوله ﴿ يرونهم مثليهم ﴾ وفيه أربعة احتمالات لأن الضمير في "يرون" إما أن يعود إلى الفئة الكافرة أو إلى الفئة المسلمة، وعلى كلا التقديرين يجوز عود الضمير في ﴿ مثليهم ﴾ إلى كل منهما فهذه أربعة: الأول أن الفئة الكافرة رأت المسلمين مثلي عدد المشركين قريباً من ألفين.

الثاني أنها رأت المسلمين مثلي عدد المسلمين ستمائة ونيفاً وعشرين، ودليل هذا الاحتمال قراءة من قرأ ﴿ ترونهم ﴾ بتاء الخطاب أي ترون يا مشركي قريش المسلمين مثلي أنفسهم.

ودليل الاحتمالين جميعاً أن عود الضمير في "يرون" إلى /الأقرب وهو الفئة الكافرة أولى، ولأنه  جعل هذه الحالة آية للكفار حيث خاطبهم بقوله ﴿ قد كان لكم آية ﴾ فوجب أن يكون الراؤون هم الكفار حتى تكون حجة عليهم، ولو كانت الآية مما شاهدها المؤمنون لم يصلح جعلها حجة على الكفرة.

والحكمة في ذلك أن يهابهم المشركون ويجبنوا عن قتالهم وهذا لا يناقض قوله في سورة الأنفال ﴿ ويقللكم في أعينهم  ﴾ لاختلاف الوقتين فكأنهم قللوا أوّلاً في أعينهم حتى اجترؤا عليهم، فلما لاقوهم كثروا في أعينهم حتى غلبوا.

على أن تقليلهم تارة في أعينهم وتكثيرهم أخرى أبلغ في القدرة وإظهار الآية.

الاحتمال الثالث أن الرائين هم المسلمون والمرئيين هم المشركون.

فالمسلمون رأوا المشركين مثلي المسلمين والسبب فيه ما قرر عليه أمرهم من مقاومة الواحد الاثنين في قوله  : ﴿ إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين  ﴾ والكافرون كانوا قريباً من ثلاثة أمثالهم، فلو رأوهم كما هم لجبنوا وضعفوا.

الاحتمال الرابع أن يكون الراؤون هم المسلمين، ثم إنهم رأوا المشركين على الضعف من عدد المشركين وهذا قول لا يمكن أن يقول به أحد لأن هذا يوجب نصرة الكفار وإيقاع الخوف في قلوب المؤمنين، والآية تنافي ذلك.

وفي الآية احتمال خامس وهو أن أول الآية قد بينا أنه خطاب مع اليهود فيكون المراد: ترون أيها اليهود المشركين مثلي المؤمنين في القوة.

وههنا بحث وهو أن الاحتمال الأول والثاني يقتضي أن المعدوم صار مرئياً، والاحتمال الثالث يوجب أن يكون الموجود والحاضر غير مرئي.

أما الأول فهو محال عقلاً والقول به سفسطة فلهذا قيل: لعل الله  أنزل الملائكة حتى صار عسكر المسلمين كثيراً.

وعلى هذا تكون الرؤية البصر، ويكون ﴿ مثليهم ﴾ نصباً على الحال، أو تحمل الرؤية على الظن والحسبان فإن من اشتد خوفه قد يظن في الجمع القليل أنه في غاية الكثرة، لكن قوله: ﴿ رأى العين ﴾ لا يجاوب ذلك إذ معناه رؤية ظاهرة مكشوفة لا لبس فيها معاينة كسائر المعاينات.

وأما الثاني فهو جائز عند الأشاعرة إذ عند حصول الشرائط وصحة الحاسة لا يكون الإدراك واجب الحصول بل يكون عندهم جائزاً لا واجباً والزمان زمان خوارق العادات.

وأما المعتزلة فعندهم الإدراك واجب الحصول عند استجماع الشروط وسلامة الحس، فاعتذروا عن ذلك بأن الإنسان عند الخوف لا يتفرغ للتأمل البالغ، فقد يرى البعض دون البعض.

أو لعل الغبار صار مانعاً عن إدراك البعض، أو خلق الله  في الهواء ما صار مانعاً عن رؤية ثلث العسكر، أو يحدث في عيونهم ما يستقل به الكثير كما أحدث في أعين الحول ما يرون به الواحد اثنين وكل ذلك محتمل.

﴿ والله يؤيد بنصره من يشاء ﴾ إما بالغلبة كيوم بدر، وإما بالحجة والعاقبة كيوم أحد.

﴿ إن في ذلك ﴾ الذي ذكره من / الآية ﴿ لعبرة ﴾ نوع عبور وهو المجاوزة من منزل الجهل إلى مقام العلم ﴿ لأولي الأبصار ﴾ ذوي العقول التي تصير القضايا معها كالمشاهد المعاين.

ثم ذكر ما هو كالشرح والبيان لمعتبر الإنسان وهو أنه ﴿ زين للناس ﴾ اللذات الجسمانية والآخرة.

وهي عالم الروحانيات - خير وأبقى، وأنها معدة لمن واظب على العبودية واتصف بالخصال الحميدة.

وأما ما يتعلق بالقصة فإنا روينا أن أبا حارثة بن علقمة النصراني اعترف لأخيه بأنه يعرف صدق محمد  إلا أنه يمنعه من اتباعه حب المال والجاه.

وروينا أيضاً أنه  لما دعا اليهود إلى الإسلام بعد غزوة بدر أظهروا من أنفسهم القوة والشدة والاستظهار بالعدة والعدد، فبيّن الله  في هذه الآية أن تلك الأشياء متاع الدنيا وزينتها، والآخرة خير.

والمزين هو الله  .

أما عند الأشاعرة فلأنه خالق أفعال العباد كلها، ولو كان المزين هو الشيطان فمن الذي زين الكفر والبدعة للشيطان؟

وأما عند جمهور المعتزلة فلحكمة الابتلاء ﴿ إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملاً  ﴾ ولأنها وسائل إلى منافع الآخرة وهو أن يتصدق بها أو يتقوى بها على طاعة الله أو يشتغل بشكرها.

كان الصاحب بن عباد يقول: شرب الماء البارد في الصيف يستخرج الحمد لله من أقصى القلب.

ولأن القادر على وجوه اللذات إذا تركها وأقبل على أداء وظائف الخدمة كان أشق له وأكثر ثواباً.

وعن الجبائي واختاره القاضي، أن كل ما كان واجباً أو مندوباً أو مباحاً فالتزيين فيه من الله تعالى، وكل ما كان حراماً فالتزيين فيه من الشيطان.

وحكي عن الحسن أنه قال: الشيطان زينها لهم وكان يحلف بالله على ذلك.

واحتجاجه في الآية بأنه أطلق الشهوات فيدخل فيها المحرمات، وإن تزيينها وظيفة الشيطان.

وذكر القناطير المقنطرة وحب المال الكثير إلى هذه الغاية لا يليق إلا بمن جعل الدنيا قبلة طلبه ومنتهى مقصوده.

وقال في معرض الذم ﴿ ذلك متاع الحياة الدنيا ﴾ والذام للشيء لا يكون مزيناً له.

وقال ﴿ قل أؤنبئكم بخير من ذلكم ﴾ والغرض تقبيح الدنيا فكيف يكون مزيناً لها؟.

ثم إنه  جعل الأعيان المشتهاة شهوات مبالغة في كونها مشتهاة محروصاً على الاستمتاع بها وذلك للتعلق والاتصال كما يقال للمقدور "قدرة" وللمرجو "رجاء".

وفيه فائدة أخرى هي أن الشهوة صفة مسترذلة عند الحكماء، مذموم من اتبعها، شاهد على نفسه بالبهيمية.

فكان المقصود من ذكر هذا اللفظ تخسيسها والتنفير عنها.

قال المتكلمون: في الآية دليل على أن الحب غير الشهوة لأن المضاف يجب أن يكون مغايراً للمضاف إليه.

فالشهوة من فعل الله  ، والمحبة من أفعال العباد، وهي أن يجعل الإنسان كل همته مصروفة إلى اللذات والطيبات.

واعلم أن الإنسان قد يحب شيئاً ولكنه يحب أن لا يحبه، وقد يحبه ويحب أن يحبه ويعتقد مع ذلك أن تلك المحبة حسنة وفضيلة وهذا هو كمال المحبة، ومنه قوله  حكاية عن سليمان /  ﴿ إني أحببت حب الخير  ﴾ ومعناه أحب الخير وأحب أن أكون محباً للخير.

فقوله: ﴿ حب الشهوات ﴾ قريب من ذلك لأن الشهوة نوع محبة.

ولفظ ﴿ الناس ﴾ عام فظاهره يقتضي أن هذا المعنى عام لجميع الناس ولا شك أنه موجود في الأغلب وفي أكثر الأوقات فلا يبعد التعميم، فطالما أعطى للأغلب حكم الكل.

على أن من همته بجوامعها مقصورة على طلب اللذات الروحانية في غاية الندرة، وبقاء ذلك النادر في جميع الأحيان على ذلك الخاطر أعز وأمنع.

ثم شرع في بيان تلك الأعيان المشتهيات فذكر منها ما هي الأمهات ورتبها في سبع مراتب: الأولى النساء لأن الالتذاذ بهن أكثر والاستئناس بهن أتم ﴿ خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودّة ورحمة  ﴾ وقال  : " إن أخوف ما أخاف على أمتي النساء" " الثانية الأولاد ولا سيما البنين ولهذا خصوا بالذكر، ومحبة النساء والأولاد كأنها حالة غريزية ولولاها لم يتصور بقاء النسل للحيوانات.

الثالثة والرابعة القناطير المقنطرة من الذهب والفضة.

قال الزجاج: القنطار مأخوذ من عقد الشيء وإحكامه ومنه القنطرة.

والمال الكثير قنطار لأن الإنسان يتوثق بها في دفع النوائب.

أبو عبيد: إنه وزن لا يحد.

روى أبو هريرة عن النبي  : " "القنطار اثنا عشر ألف أوقية " وروى أنس عنه هو ألف دينار.

وروى أبي بن كعب عنه هو ألف ومائتا أوقية.

وقال ابن عباس: ألف دينار أو اثنا عشر ألف درهم وهو مقدار الدية.

وبه قال الحسن.

وزعم الكلبي أن القنطار بلسان الروم ملء مسك ثور من ذهب أو فضة.

وعن سعيد بن جبير أنه مائة ألف دينار.

والمقنطرة مبنية من لفظ القنطار للتوكيد كقولهم "ألف مؤلفة وبدرة مبدّرة وإبل مؤبلة".

قال الكلبي: القناطير ثلاثة والمقنطرة المضاعفة فكان المجموع ستة.

وإنما كان الذهب والفضة محبوبين لأنهما جعلا ثمن جميع الأشياء فمالكهما كالمالك لجميع الأشياء.

وكل الصيد يوجد في الفرا *** ولولا التقى لقلت جلت قدرته وصفة المالكية هي القدرة، وأنها صفة كمال والكمال محبوب لذاته.

والخامسة الخيل المسوّمة قال الواحدي: الخيل جمع لا واحد له من لفظه كالقوم والنساء والرهط، وسميت الأفراس خيلاً لاختيالها وهو جولانها في مشيتها.

ويسمى الخيال خيالاً لجولان هذه القوة في استحضار الصور.

والمسومة قيل المرعية.

أسمت الدابة وسوّمتها إذا أرسلتها في مرجها للرعي.

ولا شك أنها إذا رعت ازدادت حسناً وبهاء.

وقيل: هي المعلمة من السومة / العلامة.

ثم اختلفوا في تلك العلامة فعن أبي مسلم: الغرة والتحجيل، وقال الأصم: هي البلق.

وقال قتادة: الشية - وقيل: الكي.

وقال مجاهد وعكرمة: المسومة المطهمة أي الحسان.

قال الأصمعي: رجل مطهم وفرس مطهم وفرس مطهم أي تام، كل شيء على حدته فهو بارع الجمال.

السادسة الأنعام وهو جمع نعم وهي الإبل والبقر والغنم.

ولا يقال للجنس الواحد منها نعم إلا للإبل خاصة فإنها غلبت عليها.

السابعة الحرث وهو الزراعة ذلك الذي ذكر متاع الحياة الدنيا لأن وجوه الانتفاعات الدنيوية للإنسان إما أن تكون من بني نوعه أو من غيره.

والأول أصل وهو المرأة وفرع وهو الولد، وإنما فرض الكلام في الذكور لشرفهم.

والثاني إما أن تكون من المعدنيات وأكثرها فائدة وأعمها عائدة الجوهران الثمينان فخصا بالذكر، وإما أن تكون من الحيوانات للركوب والكر والفر وهو الخيل، أو للحمل واللحم وهو الأنعام، وإما أن تكون من النباتات وهو الحاصل من الزراعة وإنما لم يتعرض للدور والقصور لأنها لم تكن معتادة عند العرب، والقرآن يخاطب أولاً معهم.

﴿ والله عنده حسن المآب ﴾ أي المرجع.

وإنما لم يذكر المآب القبيح وهو النار لأنها غير مقصودة بالذات لأنه  خلق الخلق للرحمة لا للعذاب ولهذا قال: " "سبقت رحمتي غضبي" " ثم بيّن أن ذلك المرجع كما أنه حسن في نفسه فهو أحسن وأفضل من هذه الدنيا.

والمقصود أن يعلم العبد أنه كما أن الدنيا أطيب وأفسح من بطن الأم فكذلك الآخرة أفسح وأوسع من الدنيا، أو لأنه لما عدد نعم الدنيا بين أن منافع الآخرة خير منها فقال مستفهماً على سبيل التقرير ﴿ قل أؤنبئكم بخير ﴾ أي بشيء هو خير ﴿ من ذلكم ﴾ الذي عددنا.

ثم استأنف بيانه وتقريره فقال: ﴿ للذين اتقوا عند ربهم جنات ﴾ كما تقول: هل أدلكم على حبر خير من فلان؟

عندي رجل من صفته كيت وكيت.

وبيان الخيرية ظاهر من وصف الجنات والأزواج مع قيد الخلود، فإن النعمة وإن عظمت، فتوهم الانقطاع والزوال ينغص صفوها وينقص لذتها، وبعد زوال هذا الوهم لن يتكامل طيبها إلا بالنساء فبهن يحصل الأنس.

ثم وصف الأزواج بصفة واحدة جامعة فقال: ﴿ مطهرة ﴾ أي من الأقذار والمنفرات.

وبعد ذكر تمام النعمة ذكر ماهو فوق التمام فقال: ﴿ ورضوان من الله ﴾ ويندرج فيه جميع المطالب والمقاصد لأن العبد إذا رضي عنه المولى لم يتصور منصب أجل منه وأعلى، وكأن المولى وما يملكه للعبد، كما أن العبد وما يملكه للمولى ﴿ ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم  ﴾ ويحتمل أن يكون اللام في قوله: ﴿ للذين اتقوا ﴾ متعلقاً بخير.

واختص المتقين لأنهم /هم المنتفعون به ويرتفع ﴿ جنات ﴾ على الخبر أي هو جنات ويعضده قراءة بعضهم ﴿ جنات ﴾ بالجر على البدل من ﴿ خير ﴾ وذلك أن اللام في هذه القراءة يتعين أن يكون متعلقاً بخير.

وقوله: ﴿ عند ربهم ﴾ يحتمل أن يتعلق بما يتعلق بما تعلق به قوله: ﴿ للذين ﴾ أي ثبت لهم عند ربهم.

ويحتمل أن يكون صفة لخير، ويحتمل أن يكون من تمام قوله: ﴿ اتقوا ﴾ فيكون إشارة إلى أن هذا الثواب لا يحصل إلا لمن كان متقياً عند الله  فلا يدخل فيه إلا من كان مؤمناً في علم الله ﴿ والله بصير بالعباد ﴾ عالم بمصالحهم فيجب أن يرضوا لأنفسهم ما اختار لهم من نعيم الآخرة، وأن يزهدوا فيما زهدهم فيه من أمور الدنيا، أو بصير بهم يثيب ويعاقب بحسب الاستحقاق، أو بصير بالذين اتقوا ربهم وبأحوالهم فلذلك أعدّ لهم الجنات ﴿ الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا ﴾ توسلوا بمجرد الإيمان إلى طلب المغفرة.

وقد حكى الله  ذلك عنهم في معرض المدح لهم والثناء عليهم فقيل: دل ذلك على أن الإيمان هو التصديق فقط، فإن العمل الصالح لو كان داخلاً فيه كما زعموا كان إدخاله في النار قبيحاً عندهم فيكون ممتنع الوقوع من الله  ، وضده واجب الوقوع، وسؤال الواجب وقوعه عبث فلا يصلح للمدح.

ويمكن أن يجاب عنه بأن العبد قد يدعو بما يعلم أنه حاصل له إظهار الذل و العبودية وإبداء للاستكانة والخشوع.

وأيضاً صورة العمل الصالح لا تفيد ما لم تقع في حيز القبول.

فعلى المتقي أن لا يتكل عليها ويبتهل إلى الله في مواجب الغفران.

ثم عدد من أوصاف عباده خمسة ووسط العاطف بينها دلالة على كمالهم في كل واحد منها، أو إشارة إلى أن كل واحد منها يكفي في استحقاق المدح والثواب فقال: ﴿ الصابرين ﴾ أي في أداء الطاعات وعلى ترك المحظورات وعند المحن والشدائد.

وقف رجل على الشبلي فقال: أيّ صبر أشد على الصابرين؟

فقال: الصبر في الله  .

فقال: لا.

فقال: الصبر لله.

فقال: لا.

فقال: الصبر مع الله.

قال: لا.

قال: فأي شيء؟

قال: الصبر عن الله.

فصرخ الشبلي صرخة كاد يتلف روحه.

﴿ والصادقين ﴾ أي في الأقوال وفي الأفعال بأن لا ينصرف عنها قبل تمامها، وفي النيات بأن يمضي العزم على الخيرات.

﴿ والقانتين ﴾ والمقيمين على الطاعات والمواظبين عليها ﴿ والمنفقين ﴾ ما تيسر على من تيسر بشروطه ومصارفه وجوباً وندباً ﴿ والمستغفرين بالأسحار ﴾ أي فيها.

والسحر قبل طلوع الفجر.

وخص هذا الوقت لأنهم كانوا يقدمون قيام الليل حتى إذا كان السحر أخذوا في الدعاء والاستغفار هذا ليلهم وذلك نهارهم.

وللاستغفار بالأسحار مزيد آثار وأنوار لأن السحر وقت النوم والغفلة، فإذا أعرض العبد عن تلك اللذة عرض الذلة على حضرة العزة لا يبعد أن يفيض عليه سجال المغفرة وأن يطلع صبح العالم الصغير عند طلوع صبح العالم الكبير فيستنير قلب المؤمن بأنوار المعارف وآثار اللطائف.

أما بيان ترتيب الأوصاف، / فالصبر يشمل أداء جميل التكاليف.

ثم الإنسان قد يلتزم من نفسه ما هو غير واجب عليه، فالصادق من يخرج عن عهدة ذلك ﴿ رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه  ﴾ ثم المواظبة على سلوك سبيل الخيرات أمر محمود فأشير إلى ذلك بقوله: ﴿ والقانتين ﴾ ثم إن ههنا أمرين يعينان على الطاعة: الخدمة بالمال والابتهال والتضرع إلى حصرة القدس والجلال وذلك قوله: ﴿ والمنفقين والمستغفرين بالأسحار ﴾ فقوله: ﴿ والمنفقين ﴾ معناه الشفقة على خلق الله وباقي الأوصاف حاصله التعظيم لأمر الله.

قال الكلبي: "لما ظهر رسول الله  بالمدينة قدم عليه حبران من أحبار أهل الشام، فلما أبصرا المدينة قال أحدهما لصاحبه: ما أشبه هذه المدينة بصفة مدينة النبي  الذي يخرج في آخر الزمان!

فلما دخلا على النبي  عرفاه بالصفة والنعت فقالا: أنت محمد؟

قال: نعم.

قالا: وأنت أحمد؟

قال: نعم.

قالا: إنا نسألك عن شهادة فإن أنت أخبرتنا بها آمنا بك وصدقناك.

فقال لهما رسول الله  : سلاني.

قالا: أخبرنا من أعظم شهادة في كتاب الله فأنزل الله على نبيه ﴿ شهد الله أنه لا إله إلا هو ﴾ فأسلم الرجلان وصدقا رسول الله  " .

ووجه النظم أنه مدح المؤمنين وأثنى عليهم بقوله: ﴿ ربنا إننا آمنا ﴾ ثم بين أن دلائل الإيمان ظاهرة جلية.

واعلم أن الشهادة من الله  ومن الملائكة ومن أولي العلم يحتمل أن تكون بمعنى واحد، ويحتمل أن لا تكون كذلك.

أما الأول فتقريره من وجهين: أحدهما أن الشهادة عبارة عن الإخبار المقرون بالعلم، فهذا المعنى مفهوم واحد وهو حاصل في حق الله  وفي حق الملائكة وفي حق أولي العلم.

أما من الله فذلك أنه أخبر في القرآن أنه إله واحد لا إله إلا هو وذلك في مواضع كثيرة كالإخلاص وآية الكرسي وغيرهما، التمسك بالدلائل السمعية في هذه المسألة جائز لأن العلم بنبوّة محمد  لا يتوقف على العلم بها.

وأما من الملائكة وأولي العلم وهم الذين عرفوا وحداينة الله  بالدلائل القاطعة، فكلهم أخبروا أيضاً أن الله واحد لا شريك له.

وثاني الوجهين أن تجعل الشهادة عبارة عن الإظهار والبيان.

فالله  أظهر ذلك وبيّن بأن خلق ما يدل على ذلك، والملائكة وأولو العلم أظهروا ذلك وبينوه.

أيضاً الملائكة للرسل والرسل للعلماء والعلماء لعامة الخلق.

فالتفاوت إنما وقع في الشيء الذي به حصل الإظهار والبيان.

فأما مفهوم الإظهار والبيان فشيء واحد في حق الكل، فكأنه قيل للنبي  : إن وحدانية الله  أمر قد ثبت بشهادة الله وشهادة جميع المعتبرين من خلقه، ومثل هذا الدين المبين والمنهج القويم لا يضعف بمخالفة بعض الجهال من النصارى وعبدة الأوثان، فأثبت أنت وقومك يا محمد على ذلك، فإنه هو الإسلام والدين عند الله هو الإسلام.

وأما الثاني فهو قول من يقول شهادة الله  على / توحيده عبارة عن أنه خلق الدلائل الدالة على توحيده، وشهادة الملائكة وأولي العلم عبارة عن إقرارهم بذلك ونظيره قوله  : ﴿ إن الله وملائكته يصلون على النبي  ﴾ فالصلاة من الله غير الصلاة من الملائكة.

فإن قيل: المدعي للوحدانية هو الله.

فكيف يكون المدعي شاهداً؟

فالجواب أنه ليس الشاهد بالحقيقة إلا الله لأنه خلق الأشياء وجعلها دلائل على توحيده، ثم وفق العلماء لمعرفة تلك الدلائل والتوصل بها إلى معرفة الوحدانية، ثم وفقهم حتى أرشدوا غيرهم إلى ذلك ولهذا قال: ﴿ قل أي شيء أكبر شهادة قل الله  ﴾ وفي انتصاب ﴿ قائماً بالقسط ﴾ وجوه: الأول أنه حال مؤكدة والتقدير: شهد الله قائماً بالقسط، أو لا إله إلا هو قائماً بالقسط.

وهذا أوجه لكون الإلهية والتفرد بها مقتضياً للعدالة مثل: هذا أبوك عطوفاً.

أو لا رجل إلا عبد الله شجاعاً.

ويحتمل أن يكون حالاً من "أولي العلم" أي حال كون كل واحد منهم قائماً بالقسط في أداء هذه الشهادة.

الثاني أن يكون صفة للمنفي كأنه قيل: لا إله قائماً بالقسط إلا هو.

وقد رأيناهم يتسعون في الفصل بين الصفة والموصوف.

الثالث أن يكون نصباً على المدح وإن كان نكرة كقوله: ويأوي إلى نسوة عطل *** وشعثاً مراضيع مثل السعالى ومعنى كونه قائماً بالقسط قائماً بالعدل كما يقال: فلان قائم بالتدبير أي يجريه على سن الاستقامة، أو مقيماً للعدل فيما يقسم من الأرزاق والآحال، ويثيب ويعاقب وفيما يأمر به عباده من إنصاف بعضهم لبعض والعمل على السوية فيما بينهم.

واعلم أن وجوب الوجود يلزمه الغنى المطلق والعلم التام والفيض العام والحكمة الكاملة والرحمة الشاملة وعدم الانقسام بجهة من الجهات وعدم الافتقار بوجه من الوجوه إلى شيء من الأشياء وعدم النقص والنقض في شيء من الأفعال والأحكام إلى غير ذلك من الأسماء الحسنى والصفات العليا.

ومركوز في العقل السليم أن من هذا شأنه لا يصدر منه شيء إلا على وفق العدالة وقضية التسوية ورعاية الأصلح عموماً أو خصوصاً.

فكل ما يخيل إلى المكلف أنه خارج عن قانون العدالة أو يشبه الجور أو القبح، وجب أن ينسب ذلك إلى قصور فهمه وعدم إحاطته التامة بسلسلة الأسباب والمسببات والمبادىء والغايات، فانظر في كيفية خلقه أعضاء الإنسان حتى تعرف عدل الله وحكمته فيها، ثم انظر إلى اختلاف أحوال الخلق في الحسن والقبح والغنى والفقر والصحة والسقم وطول العمر وقصره واللذة والألم، واقطع بأن كل ذلك عدل وصواب.

ثم انظر في كيفية خلقه العناصر وأجرام الأفلاك والكواكب وتقدير كل منها بقدر معين وخاصية معينة، فكلها حكمة وعدالة.

وانظر إلى تفاوت الخلائق / في العلم والجهل والفطانة والبلادة والهداية والغواية واقطع بأن كل ذلك عدل وقسط، فإن الإنسان بل كل ما سوى الله  لم يخلق مستعداً لإدراك تفاصيل كلمات الله.

فالخوض في ذلك خوض فيما لا يعنيه بل لا يسعه ولا ينفعه إلا العلم الإجمالي بأنه  واحد في ملكه، وملكه لا منازع له فيه ولا مضاد ولا مانع لقضائه ولا راد، وأن الكل بقضائه وقدره، وفي كل واحد من مصنوعاته ولكل شيء من أفعاله حكم ومصالح لا يحيط بذلك علماً إلا موجده وخالقه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.

هذا هو الدين القويم والاعتقاد المستقيم، والعدول عنه مراء، والجدال فيه هراء.

فمن نسبه إلى الجور في فعل من الأفعال فهو الجائر لا على غيره بل على نفسه إذ لا يعترف بجهله وقصوره، ولكن ينسب ذلك إلى علام الخفيات والمطلع على الكليات والجزئيات من أزل الآزال إلى أبد الآباد.

ومن زعم أن شيئاً من الأشياء خيراً أو شراً في اعتقاده حسناً أو قبيحاً بحسب نظره خارج عن مشيئته وإرادته فقد كذب ابن أخت خالته، لأنه يدعي التوحيد ثم يثبت قادراً آخر أو خالقاً غير الله  ، ولا خالق إلا هو، فلهذا كرر مضمون الشهادة وقال: ﴿ لا إله إلا هو ﴾ والتقدير: شهد الله أنه لا إله إلا هو.

وإذا شهد بذلك فقد صح أنه لا إله إلا هو كقولك: الدليل دل على وحدانية الله، ومتى كان كذلك فقد صح القول بوحدانية الله.

وفيه إيقاظ لأمة محمد أن يقولوا على وفق شهادة الله والملائكة وأولي العلم ﴿ لا إله إلا هو ﴾ وإعلام بأن هذه الكلمة يجب أن يكررها المسلم ما أمكنه هو المسك ما كررته يتضوّع *** ثم أكد كونه منفرداً بالألوهية وقائماً بالعدل بقوله: ﴿ الغزيز الحكيم ﴾ فالعزيز إشارة إلى كمال القدرة، والحكيم إشارة إلى كمال العلم.

ولا تتم القدرة إلا بالتفرد والاستقلال، ولا العدالة إلا بالاطلاع على المصالح والأحوال ﴿ إن الدين عند الله الإسلام ﴾ جملة مستأنفة مؤكدة للأولى.

والدين في اللغة الجزاء ثم الطاعة.

سميت ديناً لأنها سبب الجزاء.والإسلام في اللغة الانقياد والدخول في السلم أو في السلامة أو في إخلاص العبادة من قولهم: "سلم له الشيء" أي خلص له.

والإسلام في عرف الشرع يطلق تارة على الإقرار باللسان في الظاهر ومنه قوله  : ﴿ قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا  ﴾ ويطلق أخرى على الانقياد الكلي وهو المراد ههنا.

وفيه إيذان بأن الدين هو العدل والتوحيد.

أما التوحيد فأن يعلم أن الله  لا شريك له ولا نظير في الذات ولا في صفة من الصفات كما شهد هو به، وأما العدل فهو أن يعلم أن كل ما خلق وأمر المكلف به ونهاه / عنه فإنه عدل وصواب وفيه حكم ومصالح، فيأتمر بذلك وينتهي عنه ليكون عبداً منقاداً معترفاً بأنه  قائم بالقسط.

ومن قرأ بفتح "أن" فتقديره عند البصريين ذلك بدل من الأول، بدل الكل فكأنه قيل: شهد الله أن الدين عند الله الإسلام فيكون من باب وضع الظاهر موضع المضمر كقوله: لا أرى الموت يسبق الموت شيء *** وقيل: تقديره شهد الله أنه لا إله إلا هو وأن الدين عند الله الإسلام.

وقيل: شهد الله أنه لا إله إلا هو أن الدين عند الله الإسلام.

لأن كونه  واحداً يوجب أن يكون الدين الحق هو الإسلام، لأن دين الإسلام مشتمل على هذه الواحدانية.

وقرىء الأول بالكسر والثاني بالفتح على أن الفعل واقع على الثاني وما بينهما اعتراض.

ثم ذكر أنه أوضح الدلائل وأزل الشبهات، والقوم ما كفروا إلا لقصورهم وتقصيرهم فقال: ﴿ وما اختلف الذين أوتوا الكتاب ﴾ قيل: هم اليهود واختلافهم أن موسى عليه موسى  لما قرب وفاته سلم التوراة إلى سبعين رجلاً من الأحبار وجعلهم أمناء عليها واستخلف يوشع، فلما مضى قرن بعد قرن اختلف أبناء السبعين بعد ما جاءهم التوراة بغياً بينهم وتحاسداً على طلب الدنيا.

وقيل: المراد النصارى واختلافهم في أمر عيسى  بعد ما جاءهم العلم أنه عبد الله ورسوله.

وقيل: المراد اليهود والنصارى واختلافهم هو أنه قالت اليهود عزير ابن الله، وقالت النصارى المسيح ابن الله.

وأنكروا نبوة محمد  وقالوا: نحن أحق بالنبوة من قريش لأنهم أميون ونحن أهل كتاب.

﴿ إلا من بعد ما جاءهم العلم ﴾ أي الدلائل التي لو نظروا فيها لحصل لهم العلم.

لأنا لو حملناه على العلم لزم نسبة العناد إلى جمع عظيم وهو بعيد قاله في التفسير الكبير.

﴿ ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب ﴾ لا يصعب عليه عدة أفعاله ومعاصيه وإن كانت كثيرة، أو المراد أنه سيصل إلى الله سريعاً فيحاسبه أي يجازيه على كفره.

ثم بين للرسول  ما يقوله في محاجتهم فقال: ﴿ فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ﴾ قال الفراء: أي أخلصت عملي لله.

فعلى هذا "الوجه" في معنى العمل.

وقيل: أي أسلمت وجه عملي لله.

فحذف المضاف والمعنى كل ما يصدر مني من الأعمال.

فالوجه في الإتيان بها هو عبودية الله والانقياد لإلهيته وحكمه.

وقيل: الوجه مقحم، والتقدير: أسلمت نفسي لله، وليس في العبادة مقام أعلى من إسلام النفس كأنه موقوف على عبادته معرض عن كل ما سواه، وقوله: ﴿ ومن اتبعن ﴾ معطوف على الضمير المرفوع في ﴿ أسلمت ﴾ وحسن للفصل.

أو مفعول معه والواو بمعنى "مع".

ثم في كيفية إيراد هذا الكلام طريقان: أحدهما أن هذا إعراض عن المحاجة لأنه  كان قد أظهر المعجزات / كالقرآن ودعاء الشجرة وكلام الذئب وغيرها، وقد مر في هذه السورة إبطال إلهية عيسى وإثبات نبوة محمد  .

ثم بيّن نفي الضد والند والصاحبة والولد بقوله: ﴿ شهد الله أنه لا إله إلا هو ﴾ وذكر أن اختلاف هؤلاء اليهود والنصارى إنما هو لأجل البغي والحسد فلم يبق إلا أن يقول: أما أنا ومن اتبعن فمنقادون للحق مستسلمون له مقبلون على عبودية الله  .

وهذا طريق قد يذكره المحتج المحق مع المبطل المصر في آخر كلامه.

وثانيهما أن قوله: ﴿ أسلمت ﴾ محاجة وبيانه أن القوم كانوا مقرين بوجود الصانع وكونه مستحقاً للعبادة، فكأنه  قال هذا القول متفق عليه بين الكل فأنا متمسك بهذا القدر المتفق عليه وداعي الخلق إليه، وإنما الخلاف في أمور وراء ذلك.

فاليهود يدعون التشبيه والجسمية، والنصارى يدعون إلهية عيسى، والمشركون يدعون وجوب عبادة الأوثان.

فهؤلاء هم المدعون لهذه الأشياء فعليهم إثباتها ونظير هذه الآية ﴿ قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً  ﴾ وعن أبي مسلم أن الآية في هذا الموضع كقول إبراهيم  ﴿ إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض  ﴾ كأنه قيل: فإن نازعوك يا محمد في هذه التفاصيل فقل: أنا متمسك بطريقة إبراهيم وأنتم معترفون بأنه كان محقاً في قوله صادقاً في دينه، فيكون من باب التمسك بالإلزامات وداخلاً تحت قوله: ﴿ وجادلهم بالتي هي أحسن  ﴾ ﴿ وقل للذين أوتوا الكتاب ﴾ من اليهود والنصارى ﴿ والأميين ﴾ وهم مشركو العرب الذين لا كتاب لهم ﴿ أأسلمتم ﴾ ومعناه الأمر وفائدته التعيير بالعناد وقلة الإنصاف كقولك لمن لخصت له المسئلة ولم تأل جهداً في سلوك طريقة الكشف والبيان له: هل فهمتها؟

فإنه يكون توبيخاً له بالبلادة وكلال الذهن ومثله في آية تحريم الخمر ﴿ فهل أنتم منتهون  ﴾ إشارة إلى التقاعد عن الانتهاء.

﴿ فإن أسلموا فقد اهتدوا ﴾ إلى ما يهدي الله إليه أو إلى الفوز والنجاة في الآخرة ﴿ وإن تولوا ﴾ أعرضوا عن الإسلام لي والاتباع لك ﴿ فإنما عليك البلاغ ﴾ .

ما عليك إلا أن تبلغ الرسالة وتنبه على طريق الرشاد ﴿ والله بصير بالعباد ﴾ يوفق للصلاح من شاء ويترك على الضلالة من أراد.

ثم وصف المتولي بصفات ثلاث وأردفه بوعيده فقال: ﴿ إن الذين يكفرون بآيات الله ﴾ أي ببعضها المعهود لأن اليهود كانوا مقرين ببعض الآيات الدالة على وجود الصانع وقدرته وعلمه وشيء من المعاد أو بكلها كما هو ظاهر الجمع المضاف، وتوجيهه أن المكذب ببعض آيات الله كالكافر بجميعها ﴿ ويقتلون النبيين ﴾ أي المعهودين لأنهم ما قتلوا كلهم ولا أكثرهم ﴿ بغير حق ﴾ من غير ما شبهة عندهم ﴿ ويقتلون ﴾ أو يقاتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس.

عن الحسن أن في الآية دلالة على أن الآمر / بالمعروف والناهي عن المنكر تلي منزلته عند الله منزل الأنبياء فلهذا ذكرهم عقيبهم.

"وروي أن رجلاً قام إلى رسول الله  فقال: أيّ الجهاد أفضل؟

فقال  : أفضل الجهاد كلمة حق عند سطان جائر" .

فإن قيل: إذا كان قوله: ﴿ إن الذين يكفرون ﴾ في حكم المستقبل لا أقل من الحال لأنه وعيد لمن هو في زمن رسول الله، ولم يقع منهم قتل الأنبياء ولا القائمين بالقسط، فكيف يصح الكلام؟

قلنا: إن القوم كانوا يريدون قتل رسول الله  والمؤمنين جميعاً، إلا أنه  عصمهم منهم فصح إطلاق القاتل عليهم كما يقال: السم قاتل أي ذلك من شأنه إن وجد القابل.

أو نقول: وصفوا بسيرة أسلافهم لأنهم راضون بذلك.

عن أبي عبيدة بن الجراح "قلت: يا رسول الله أيّ الناس أشد عذاباً يوم القيامة؟

قال: رجل قتل نبياً أو رجلاً أمر بمعروف ونهى عن منكر ثم قرأ هذه الآية.

ثم قال: يا أبا عبيدة قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبياً من أول النهار في ساعة واحدة.

فقام مائة واثنا عشر رجلاً من عباد بني إسرائيل فأمروا قتلتهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوا جميعاً من آخر النهار" ﴿ فبشرهم بعذاب أليم ﴾ إنما دخلت الفاء لتضمن اسم "إن" معنى الشرط، فإن لا يغير معنى الابتداء بخلاف "ليت" و"لعل".

واعلم أنه  قسم وعيدهم إلى ثلاثة أقسام: الأول اجتماع أسباب الآلام والمكاره عليهم وهو العذاب الأليم، واستعارة البشارة ههنا للتهكم.

الثاني زوال أسباب المنافع عنهم بالكلية وهو قوله: ﴿ أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة ﴾ أما في الدنيا فإبدال المدح بالذم والثناء باللعن وأسباب الاحترام والاحتشام بأصناف الذل والهوان من السبي والقتل والجزية، وأما في الآخرة فكما قال عز من قائل ﴿ وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً  ﴾ الثالث لزوم ذلك في حقهم وهو قوله: ﴿ وما لهم من ناصرين ﴾ ثم ذكر غاية عناد أهل الكتاب فقال: ﴿ ألم تر إلى الذين ﴾ عن ابن عباس قال: "دخل رسول الله  بيت المدراس على جماعة من اليهود فدعاهم إلى الله فقال له نعيم بن عمرو والحرث بن زيد: على أي دين أنت يا محمد؟

فقال: على ملة إبراهيم.

فقالا: إن إبراهيم كان يهودياً.

فقال رسول الله: فهلموا إلى التوراة فهي بيننا وبينكم فأبيا" فنزلت.

وقال الكلبي: نزلت في اللذين زنيا من خيبر وحكم رسول الله  فيهما بالرجم وأنكر اليهود عليه  وسوف تجيء القصة في سورة المائدة مفصلة.

وقيل: دعاهم النبي  أو إياهم والنصارى إلى الآيات الدالة على صحة نبوته من التوراة أو منها ومن الإنجيل فأبوا فنزلت.

ومعنى قوله: ﴿ أوتوا نصيباً ﴾ أي حظاً وافراً من علم الكتاب يريد أحبار اليهود.

و"من" إما للتبعيض وإما للبيان.

والكتاب يراد به غير القرآن من الكتب التي كانوا مقرين بحقيتها.

/ وقيل: أي حصلوا من جنس الكتب المنزلة أو من اللوح التوراة وهي نصيب عظيم.

ثم بين سبب التعجيب بقوله: ﴿ يدعون إلى كتاب الله ﴾ وهو التوراة كما مر في أسباب النزول، ولأنه  عجب رسوله من تمردهم وإعراضهم، وإنما يتوجه التعجيب إذا تمردوا عن حكم الكتاب الذي يعتقدون صحته.

وعن ابن عباس أنه القرآن وليس ببعيد لأنهم دعوا إليه بعد قيام الحجج على أنه كتاب من عند الله ليحكم أي الكتاب بينهم أي بينهم وبين رسول الله  ، فحذف الثاني للعلم به.

أو يراد الحكم في الاختلاف الواقع بينهم كما في قصة الزانيين، ولهذا راجعوا في ذلك رسول الله  رجاء أن يكون عنده رخصة في ترك الرجم، قال في الكشاف: والوجه أن يراد ما وقع من الاختلاف والتعادي بين من أسلم من أحبارهم وبين من لم يسلم وأنهم دعوا إلى كتاب الله الذي لا اختلاف بينهم في صحته وهو التوراة ليحكم بين المحق والمبطل منهم ﴿ ثم يتولى فريق منهم ﴾ وهم الرؤساء والأحبار أو الذين لم يسلموا من أحبارهم ومعنى "ثم" استبعاد ما بين رتبتي الدعاء والتولي ﴿ وهم معرضون ﴾ قوم لا يزال الإعراض ديدنهم وهجيراهم.

والضمير في "هم" إما أن يرجع إلى الفريق أي هم جامعون بين التولي والإعراض لا عن استماعهم الحجة في ذلك المقام فقط، بل عنه وعن سائر المقامات.

وإما أن يرجع إلى الباقين منهم فيكون قد وصف العلماء والرؤساء بالتولي والباقين بالإعراض لأجل إعراض علمائهم ومتقدميهم.

وإما أن يرجع إلى كل أهل الكتاب أي هم قوم عادتهم الإعراض عن قبول الحق ذلك التولي والإعراض، أو ذلك العقاب أو الوعيد بسبب أنهم كانوا يتساهلون في أمر العقاب ولا يفرقون بين ما يتعلق بأصول الدين وبين ما يتعلق بفروعها فقالوا: ﴿ لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات  ﴾ هي أيام عبادة العجل فاستوجبوا الذم من وجوه: أحدها استقصار مدة العذاب ومن أين لهم العلم بذلك؟

وثانيها أن عبادة العجل كفر والكفر يستحق به الكافر عذاباً دائماً.

وثالثها أن استثناء الأيام المعدودات فقط فيه دليل على أنهم استحقروا تكذيب محمد  والقرآن وذلك كفر صريح.

﴿ وغرّهم في دينهم ما كانوا يفترون ﴾ من قولهم: ﴿ نحن أبناء الله وأحباؤه  ﴾ أو من قولهم: ﴿ لن تمسنا النار إلا أياماً  ﴾ أو من قولهم "نحن أولى بالنبوة من قريش" أو من زعمهم أن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم.

﴿ فكيف ﴾ يصنعون؟

أو فكيف حالهم؟

وفي هذا الحذف فخامة لما فيه من تحريك النفس على استحضار كل نوع من العذاب ﴿ إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ﴾ قال الفراء: إذا قلت جمعوا اليوم الخميس معناه جمعوا لفعل يوجد في يوم الخميس.

أما إذا قلت: جمعوا في يوم الخميس فلا تضمر فعلاً.

وأيضاً من المعلوم أن ذلك اليوم لا فائدة فيه إلا المجازاة والفرق بين المثاب والمعاقب.

﴿ ووفيت كل نفس ما كسبت ﴾ من ثواب أو عقاب أو جزاء / ما عملت ﴿ وهم لا يظلمون ﴾ يرجع إلى كل نفس على المعنى لأنه في معنى كل الناس كما تقول: ثلاثة أنفس تريد ثلاثة أناسي.

روي أن أول راية ترفع لأهل الموقف من رايات الكفار راية اليهود فيفضحهم الله على رؤوس الإشهاد ثم يأمر بهم إلى النار.

التأويل: ﴿ ستغلبون ﴾ إشارة إلى أن المبتلى بالكفر مغلوب الحكم الأزلي بالشقاوة ﴿ ربنا غلبت علينا شقوتنا ﴾ \[المؤمنون: 106\] ثم مغلوب الهوى والنفس والشيطان ولذات الدنيا.

فبغلبات النفس والهوى يرد إلى أسفل سافلي الطبيعة فيعيش فيها ثم يموت على ما عاش فيه ويحشر على ما مات عليه في قعر جهنم وبئس المهاد، مهاد مهده في معاشه.

﴿ قد كان لكم آية في فئتين التقتا ﴾ إن لله  فئتين في الظاهر من المؤمن والكافر، وفئتين في الباطن من القلب وصفاته والنفس وصفاتها الذميمة، ولهما الحرب والالتقاء على الدوام وهو الجهاد الأكبر ﴿ والله يؤيد بنصره من يشاء ﴾ من القلب وجنوده وهم الروح والسر والأوصاف الحميدة والملائكة، ومن النفس وأعوانها وهم الهوى والدنيا والأوصاف الذميمة والشياطين ثم أخبر عن جنود الفئتين وأعوان الفرقتين بقوله: ﴿ زين للناس ﴾ .

واعلم أنالله خلق الخلق على طبقات ثلاث: العوام ويعبر عنهم بلفظ الناس والغالب عليهم الهوى وهم أصحاب النفوس، والخواص ويعبر عنهم بلفظ المؤمن وهم أرباب الأرواح والغالب عليهم التقوى، وخواص الخواص ويذكرهم بلفظ الولي ﴿ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون  ﴾ والغالب فهيم المحبة والشوق.

ثم إن لجهنم سبع دركات محفوفة بالشهوات.

فأشار بالنساء إلى شهوة الفرج، وبالبنين إلى شهوة الطبيعة الحيوانية المائلة إلى الولد، وبالقناطير المقنطرة من الذهب والفضة إلى شهوة الحرص على المال، وبالخيل المسوّمة إلى شهوة الجاه والخيلاء بالركوب عليها، وبالأنعام إلى شهوة الجمال والاقتناء ﴿ ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون  ﴾ وبالحرث إلى شهوة الحكم والرياسة على الرعايا وأهل القرى.

ثم ذكر درجات الجنات الثمانية للخواص منها التقوى للذين اتقوا والرضا بالقضاء ﴿ ورضوان من الله ﴾ والإيمان ﴿ ربنا إننا آمنا ﴾ والصبر والصدق والقنوت والإنفاق والاستغفار بالأسحار هذه جنات عاجلة تجري من تحتها الأنهار الألطاف والواردات.

والأزواج المطهرة الأخلاق الفاضلة التي تتولد منها، فإذا عاش في الجنات مات وحشر كذلك.

ثم أشار إلى أحوال خواص الخواص مستورة من نظر الخواص محفوظة عن فهم العوام بقوله: ﴿ والله عنده حسن المآب ﴾ ما احلولى لهم الدنيا يا دنيا مري على أوليائي ولا وقفوا عند جنة المأوى ﴿ ما زاغ البصر وما طغى  ﴾ وإنما طلبوا قرب المولى ﴿ للذين أحسنوا الحسنى  ﴾ ﴿ شهد الله ﴾ بكلامه / الأزلي عن عمله السرمدي على ذاته الأحدي وكونه الصمدي ﴿ أنه لا إله إلا هو ﴾ وهي شهادة الحق للحق بالحق أنه الحق، وهو متفرد بهذه الشهادة الأزلية الأبدية لا يشاركه فيها أحد، فكما أن ذاته لا تشبه الذوات وصفاته لا تشبه الصفات، فشهادته لا تشبه الشهادات.

شهد بجلال قدره على كمال عزه حين لا حين ولا أين ولا عقل ولا جهل ولا غير ولا شرك ولا عرش ولا فرش ولا الجنة ولا النار ولا الليل ولا النهار ولا الجن ولا الإنس ولا الملائكة ولا أولو العلم ولا الإنكار ولا الإقرار، فأخبر الذي كان عما كان كما كان وهو أنه لا إله إلا هو، ثم أبدع الموجودات كما شاء على ما شاء لما شاء.

فكل جزء من أجزائها، وكل ذرة من ذراتها، بوجوده مفصح، ولربوبيته موضح، وعلى قدمه شاهد، ولكن ينبوع ماء التوحيد هو القدم فجرى في مجاري أنهار المحدثات إلى أن ظهر من عيون الملائكة وأولي العلم.

ثم الملائكة وإن كانوا مظهر ماء التوحيد كما كان أولو العلم، ولكن اختص أولو العلم منهم بمشربية ﴿ وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها  ﴾ .

لي سكرتان وللندمان واحدة *** شيء خصصت به من بينهم وحدي فحقيقة معنى الآية: شهد الله أنه لا إله إلا هو وهو قائم بالقسط على أمور عباده حتى يشهد على شهادته الملائكة وأولو العلم.

ثم فائدة التكرار بقوله ﴿ لا إله إلا هو ﴾ عائدة إلى أولي العلم الذين لهم شركة مع الملائكة في مظهرية ماء التوحيد بالشهادة، ولهم اختصاص بالمشربية لماء التوحيد فشاهدوا حقيقة ﴿ لا إله إلا هو العزيز ﴾ الذي لا يشاهد عزته إلا أعزته من بين البرية ﴿ الحكيم ﴾ الذي بحكمته اختارهم لهذه العزة من جملة الخليقة.

﴿ وما اختلف الذين أوتوا الكتاب ﴾ الاختلاف في الصورة من نتائج تناكر الأرواح في عالم المعنى والأرواح فما تعارف منها في الميثاق لتقاربهم في الصف أو لتقابلهم في المنزل ائتلف، وما تناكر منها لتباعدهم في الصف أو لتدابرهم في المنزل اختلف.

﴿ إلا من بعد ما جاءهم العلم ﴾ فيه أن العلم مظنة الحسد، ولكن المحمود منه ما يخص باسم الغبطة.

﴿ ويقتلون النبيين ﴾ الإنسان خلق مستعداً لقبول فيض صفات لطف الحق وقهره، فكما أن كمال الإنسان في قبول فيض اللطف أن يفدي نفسه في متابعة الأنبياء حتى يكون خير البرية، فنقصانه في قبول فيض القهر أن يقتل الأنبياء حتى يكون شر البرية، فلهذا تحبط أعماله ولا ترجى توبته وترجى توبة إبليس ﴿ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب ﴾ فيه إشارة إلى أن من أوتي حظاً من العلم فعليه إذا دعي إلى حكم من أحكام الله أو إلى ترك الدنيا ومخالفة الهوى أن يمتثل وينقاد وإلا كان مغروراً بالدنيا مفترياً في الدعوى، وهذه حال أكثر من أوتي نصيباً / من علم الظاهر ولم يؤت حظاً من علم الباطن، فهم أهل العزة بالله فكيف حال المغرورين إذا جمعهم الله؟

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ﴾ .

قيل: فيه بوجوه: قيل: شهد الله شهادة ذاتية، أي: هو بذاته، ﴿ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ﴾ ؛ إذ في ذاته ما تليق الشهادة بمثله له من الألوهية والربوبية، وليس ذلك في ذات غيره، وبالله العصمة.

وقيل: شهد الله بما خلق من الخلائق أنه لا إله إلا هو، أي: خلق من الخلائق ما يشهد خلقه كل أحد على وحدانيته وإلهيته، لو نظروا في خلقتهم وتدبوا فيها؛ وكذلك الملائكة، وأولو العلم شهدوا أنه لا إله إلا هو، على تأويل الأول.

وعلى تأويل الثاني: أن خلقَه الملائكةَ - وأولي العلم - يشهد على وحدانيته؛ فشهدوا على ذلك، إلا الجهّال؛ فإنهم لم يتأمّلوا في أنفسهم، ولا تفكروا في أنفسهم؛ فلم يشهدوا به؛ لأنه أمر الرسل والأنبياء بأن يقولوا: لا إله إلا الله، فقوله وأمره به - شهادةٌ منه، ويحتمل شهادة القول؛ كقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلاَئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّ  ﴾ ، وذلك من الله: الربوبية، ومن الخلق: العبودية له؛ فيجب أن تعرف الربوبية من العبودية؛ ففيه دلالة خلق الإيمان؛ فمن قال: إنه غير مخلوق - لم يعرف ذا من ذلك، وبالله التوفيق.

وقيل: "شهد الله" أي: علم الله أنه لا إله إلا هو، وكذلك علم الملائكة وأولوا العلم أنه لا إله إلا هو، فإن قال لنا ملحد: كيف صح، وهو دعوى؟!

قيل: لأن دعوى من ظهر صدقه في شهادته إذا شهد، وهو مقبول، وهو بما ادعى من الألوهية والربوبية؛ إذا لم يَسْتَقِلهُ أحد - ظهر صدقه، وقهر كل مذكب له في دعواه، وبالله النجاة.

وقوله: ﴿ قَآئِمَاً بِٱلْقِسْطِ ﴾ : أي: حافظ ومتولٍّ؛ كقوله: ﴿ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ  ﴾ ، أي: حافظ لها ومتولٍّ؛ كما يقال: فلان قائم على أمر فلان، أي: حافظ لأمره، ومتعاهد لأسبابه.

قال الشيخ - رحمه الله -: وقيل: هو عادل، أي: لا يجور، لا أن ثم معنى القيام؛ كقوله: ﴿ قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ  ﴾ : مقسطين، لا أن ثم للقيام فيه معنى يسبق الوهمُ إليه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ ﴾ .

قال قائلون: إن الدّين الذي هو حق [مِنْ] بين الأديان، وهو الإسلام؛ لأن كل أحد منهم ممن دان ديناً يدعي أنَّه هو دين الله الذي أمر به.

وقال قوم: إن الدِّين الذي أمر به الآمر من عند الله هو دين الإسلام؛ لأنهم كانوا مع اختلافهم مقرين بالإيمان، لكن بعضهم لا يقرون بالإسلام؛ فأخبر - [عز وجلّ] - أن الدّين الذي أمر به وفيه التوحيد هو دين الإسلام، لاغيره؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً...

 ﴾ : أخبر [عز وجل] أن إبراهيم -  - ليس على دين سوى دين الإسلام، والإسلام هو الإخلاص، على ما ذكرنا فيما تقدم، وعن ابن عباس -  - قال: "شَهِدَ الله أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ، وَالمَلائِكَةُ شَهِدُوا وَأُولُو العِلْمِ: أَنَّ الدِّينَ عِنْدَ الإِسْلامُ، وَأَنَّهُ قَائِمٌ بِالقِسْطِ، وَالقِسْطُ: هُوَ العَدْلُ فِى جَميعِ القُرآنِ".

وقوله: ﴿ وَمَا ٱخْتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ ﴾ : يحتمل وجهين.

يحتمل الاختلاف: التفرق، أي: تفرقوا في الكفر؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخْتَلَفُواْ ﴾ الآية [آل عمران: 105].

ويحتمل: الاختلاف: نفس الاختلاف في الدين؛ كقوله: ﴿ وَلَـٰكِنِ ٱخْتَلَفُواْ فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَّن كَفَرَ  ﴾ : أخبر أنهم لم يختلفوا عن جهل؛ ولكن عن علم وبيان؛ كقوله: ﴿ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ ﴾ .

ثم يحتمل قوله: ﴿ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ ﴾ وجهين: أي: لم يختلفوا إلا من بعد ما علموا وعرفوا.

ويحتمل: أي: لم يختلفوا إلا من بعد ما أوتوا أسباب: ما لو تفكروا وتدبّروا - لوقع العلم لهم بذلك والبيان، لكنهم تعنتوا وكابروا؛ فاختلفوا.

ثم في الآية دليل ألا يجوز أن يفسّر قوله: ﴿ وَجَآءَ رَبُّكَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ  ﴾ ونحوه: بالانتقال من حال إلى حال، أو من مكان إلى مكان؛ لأنه ذَكَرَ مجيءَ العلم، والعلم لا يوصف بالمجيء ولا ذهاب، وكذلك قوله: ﴿ وَقُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ  ﴾ : ذكر مجيء الحق وزهق الباطل؛ فهما لا يوصفان بمجيء الأجسام، وذهابهم بالانتقال والتحول من مكان إلى مكان، ولا يعرف ذلك ولا يصرف إليه؛ فعلى ذلك لا جائز أن يصرف قوله: ﴿ وَجَآءَ رَبُّكَ  ﴾ ، ﴿ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ  ﴾ ، ونحوه - إلى المعروف من استواء الخلق ومجيئهم؛ لتعاليه عن ذلك، قال: والمجيء لا يكون عن الانتقال خاصة؛ بل يكون مرة ذاك وأخرى غيره، وكذلك الإتيان، والله أعلم.

وقوله: ﴿ بَغْياً بَيْنَهُمْ ﴾ .

قيل: حسداً بينهم؛ لأنهم طمعوا أن يبعث الرسول  من بني إسرائيل، على ما بعث سائر الرسل بعد إسرائيل منهم، فلما بعث من غير بني إسرائيل حسدوه، وخالفوا دينه الإسلام، ويحتمل "بغياً": من البغي، وهو الجور.

وقوله: ﴿ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ ﴾ .

أي: من المختلفين.

﴿ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ ﴾ : كأنه على الإضمار - أنْ قل يا محمد: ومن يكفر بآيات الله من بعد ما جاءهم العلم والبيان، فإن الله سريع الحساب.

وله ثلاثة أوجه؛ لأن ظاهر الجواب على غير إضمار أن يكن: ﴿ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ ﴾ ، أي: العذاب - والله أعلم - سمي به؛ لأن بعد الحساب عذاب؛ لقوله  : "مَنْ نُوقِشَ الحِسَابَ عُذِّبَ" ، فجعل الحساب عذاباً.

ثم أخبر - [عز وجل] - أنه سريع الحساب، لا كحساب الذي يكون بين الخلق؛ لأن الخلق تشغلهم أسباب، وتمنعهم أشياء يحتاجون إلى التفكر والتدبّر، والله يتعالى عن أن يشغله شيء أو يمنعه معنى، جلّ الله عن ذلك.

وقيل: على التقريب حسابه سريع؛ كَأْن قد جاء لقربه، والله أعلم.

قوله: ﴿ شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ﴾ : هو شهادة ربوبية، لا يتوهم له كيفية، ولا يخطر بالبال له المائية، ولا يحتمل الوصول إلى حقيقة ذلك بالتفكر، ولا أن يُحتمل بلوغُ العقل الوقوفَ على ذلك؛ إذ هو خَلْقٌ قصر عن الإحاطة بمائية نفسه، وعن إدراك وجه قيامه بالذي ركب أو تجديد من حيث نفسه، وهو تحت جميع ما ذكرت؛ إذ هو خلق وحَدَثٌ جرى عيه التدبير، ودخل تحت التقدير؛ فالربوبية أحق أن ينحسر عنها الأوهام، وتَكِلَّ عن توهم إدراكها الأفهام؛ وعلى ذلك أمر تكوين الله الأشياءَ، على ما شهدت الأشياء، والتي هي تحت التكوين في العبارة، لا على توهمٍ في التكوين تحتمله الأفهام، أو تبلغه العقول؛ وإنما هو عبارة بها جعل لا يقف على العبارات عن المتعالي عن صفات الخلق، المحقق له الجلال عن جهاتهم إلا من حيث المفهوم في الخلق؛ للتقريب إلى الأفهام دون تحقيق المفهوم، مما عن العبارة عنه - قدرت العبارات في الإخبار عن الله  ، عن ذلك وعلى هذا القول الله والرحمن وجميع ما يتعارف الخلق من الأسماء على ما يقرب من الأفهام - المراد بها لا تحقيق الحروف، أو إدخال تحت تركيب الكلام وتأليف العبارة، وهذا معنى معرفة وحدانيته من جهة ضرورات توجب المعرفة، على الوصف بالسبحانية له عن معاني جميع المعروفين، وبالله العصمة والمعونة.

ثم قد يحتمل أن يؤذن في العبارة عن ذلك بما هو ألطف وأدفع للتوهم: توهم ما لعل للقلب عند ذكر الشهادة فضل حيرة، ليس عند تلك العبارة، وذلك يخرج على وجوه في الاحتمال؛ لما يسعه عقولنا دون القطع على شيء مما وقع عندنا يمكن الرجوع إليه، والله - [  ] - أعلم من ذلك بشهادة الخلائق كلهم: ما فيها من آثار الصنعة، ودلالة الربوبية، وشهادة الألوهية؛ لتكون شهادة بالذي ذكر: [بأنْ] لا إله إلا هو؛ إذ في كل شيء سواه هذه الشهادة بالصفة التي جعلها هو فيه له، والله أعلم.

والثاني: أن يكون بذاته متعالياً عن جميع معاني من سواه من المعاني، التي أدخلتها اسم مربوب، وظهر كل شيء في الحقيقة له عند توهم المعبود، [لا] يستحق غيرُهُ غير آثار الحدثيَّة وجهات المدخلة تحت القدرة والتدبير، وهو بذاته متعالٍ عن كلية الجهات والمعاني، التي كانت بها بعد أن لم تكن، وبها صارت مربوبة عبداً، وهو متعال أيضاً عن الوصف بالجهات والمعاني؛ بل هو خلق الخلق، ولا قوة إلا بالله.

ويحتمل: شهد: علم، وكذلك مَنْ شهد الشيء فقد علم مخبره خلقته بإله العالم، وأنه واحد لا شريك له، إله الكل وخالقهم؛ ليعلموا أنما أعلمهم أنه كما أخبر، وذلك في نقض قول كثير ممن ينفون عن الله - [تعالى] - أنه عالم وشاهد كل شيء، والله الموفق.

[ويحتمل: شهد على الخلائق أن يكن عليهم القول والاعتقاد أنه لا إله غيره؛ بمعنى: قضى وأمر، و الله الموفق.] وليس فيما جمعه الله بشهادة من ذكر توهم معنى لشهادته بما هو بشهادة من ذكر، مع ما قد يحتمل لما جمع إلى شهادته شهادة من ذكر وجهان: أحدهما: فضل من ذكر بما ذكر شهادته عند ذكر شهادتهم؛ على نحو قوله: ﴿ وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ﴾ الآية [الأنفال: 41]؛ ذكر ما له، وإن كان له الخلق كله؛ بوجهين: أحدهما: بما جعل ذلك لوجوه العبادة؛ كما أضاف إليه المساجد على أنها وغيرها له، وذكر في الملائكة الذين عنده في أمر القيامة، وإليه المصير، ونحو ذلك، إما مخصوص لما ذكر من الأوقات في فضل أو غير جعل له، أو لما كان [ذلك] لرسول الله  نسب إليه، أو كان لكلية المعاني للعبادة؛ فمثله أمر شهادات من ذكرتها بشهادة الله؛ تفضلاً لأولئك وتخصيصاً، من بين الخلائق، والله أعلم.

والثاني: على كون الشهادة من الإخبار بحق الأمر، نسبه إليه؛ كما نسب إليه كتابة الألواح ونفخ جبريل الروح بما كان منه أمر به؛ فكذا فعله في الإضافة إليه، والله أعلم.

ثم حق ذلك - فيما على التحقيق - أن يفهم ما عن الله ربوبيّه وعن العبد عبودية، على جميع ما يضاف إلى الله أنه يفهم من غير الوجه الذي يضاف إلى الخلق؛ فمثله أمر الشهادة، والله أعلم.

وروي عن ابن عباس -  - أنه قال: ﴿ شَهِدَ ٱللَّهُ ﴾ إلى قوله: ﴿ إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ ﴾ على معنى جَعْلِ أَنَّهُ صِلَةٌ في الكلام، وحقيقته: شهد الله الذي لا إله إلا هو، والملائكة، ومن ذكر: أن الدّين عند الله الإسلام، والإسلام - في الحقيقة -: جعل كلية الأشياء لله له؛ لا شريك له فيها: في ملك، ولا إنشاء، ولا تقدير.

والإيمان: التصديق بشهادة كلية الأشياء لله  ، بأنه ربّها وخالقها على ما هي عليها، جلّ عن الشركاء.

وقد قيل: الإسلام: خضوع.

وقيل: الإخلاص، وهو يرجع إلى ما بيّنا، وذلك كقوله: ﴿ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ  ﴾ ، والإيمان: هو التصديق [لله  ] بما أخبر أنه ربّ كل شيء، وأن له الخلق والأمر.

وقيل: هو التصديق بما جاءت به الرسل، وذلك يرجع إلى ما بينّا، أيضاً.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ قَآئِمَاً بِٱلْقِسْطِ ﴾ : قيل: هو عادل لا يجور، [لا أن] للقيام معنى في ذلك؛ كقوله: ﴿ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ  ﴾ بمعنى : كونوا عادلين مقسطين، والله أعلم.

وقيل: قيام تولٍّ وحفظ، أو كفاية وتدبير؛ كما يقال: فلان قائم بأمر كذا، لا على توهم انتصاب؛ وعلى ذلك قوله: ﴿ أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ  ﴾ .

وقوله: ﴿ فَإنْ حَآجُّوكَ ﴾ .

ولم يقل: في ماذا يحاجوك؛ فيحتمل - والله أعلم - أن يكون هذا بعد ما علم الله أنهم لا يؤمنون ولا يقبلون الحجة - أمره بترك المحاجّة بقوله: ﴿ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للَّهِ ﴾ ؛ وكذلك: من اتبعني أسلموا أنفسهم لله؛ كقوله: ﴿ وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ  ﴾ ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ  ﴾ أيأسه عن إيمانهم، وأمره بترك المحاجة معهم.

وقوله: ﴿ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للَّهِ ﴾ : أي: أخلصت.

ثم يحتمل قوله: ﴿ وَجْهِيَ للَّهِ ﴾ ، أي: نفسي لله لا أشرك فيها أحداً، ولا أجعل لغير الله فيها حقا، على ما جعل الكفار في أنفسهم شركاء وأرباباً.

قال الشيخ - [رحمه الله] -: وقيل: الإسلام أن يجعل نفسه بكليتها لله - [تعالى] - سالمة، لا شركة فيها لأحد؛ كما قال: ﴿ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ  ﴾ والإيمان: هو التصديق لشهود الربوبية لله من نفسه وغيره؛ لأنه ما من شيء إلا وفيه شهادة الربوبية.

وقوله: ﴿ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِ ﴾ : أي: ومن اتبع ديني، فقد أسلموا أنفسهم لله [تعالى] أيضاً، لم يشركوا فيها شركاء وأرباباً.

ويحتمل قوله: ﴿ وَجْهِيَ للَّهِ ﴾ ، أي: أسلمت أمر ديني وعملي لله؛ وكذلك من اتبعني واتبع ديني، فقد أسلموا أعمالهم وأمورهم لله؛ كقوله - [تعالى] -: ﴿ وَأُفَوِّضُ أَمْرِيۤ إِلَى ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ  ﴾ ، وفي حرف ابن مسعود [  ]: "ومن اتبعني" أي: ومن معي.

وقوله: ﴿ وَقُلْ لِّلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلأُمِّيِّينَ ﴾ : قيل: الذين أوتوا الكتاب: اليهود والنصارى، والأميين: العرب الذين لا يقرءون الكتاب، ولا لهم كتاب.

﴿ أَأَسْلَمْتُمْ ﴾ أنتم لله؛ كما أسلمت أنا وجهي لله، ومن اتبعني.

﴿ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ ٱهْتَدَواْ ﴾ : وأخلصوا وجوههم لله وأعمالهم.

﴿ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَٰغُ ﴾ : أي: فإن أبوا أن يسلموا فليس عليك إلا البلاغ؛ كقوله - [تعالى] -: ﴿ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِّن شَيْءٍ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ عَلَيْكَ ٱلْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا ٱلْحِسَابُ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ ﴾ : هو حرف وعيد.

قيل: ﴿ بَصِيرٌ ﴾ : غير غافل.

وقيل: بصير بجزاء أعمالهم.

وقيل: بصير بما أسرُّوا وأعلنوا، وفي كل وجه وعد ووعيد.

قال الشيخ - رحمه الله - في قوله: ﴿ فَإنْ حَآجُّوكَ ﴾ : ولم يبين في ماذا، فقد يجوز ترك الإخبار عن القصة بوجهين: أحدهما: بعلم أهله.

والثاني: بما في الجواب؛ دليله: قوله: ﴿ يَسْتَفْتُونَكَ  ﴾ ﴿ يَسْأَلُونَكَ  ﴾ في غير موضع، على غير البيان أنه عن ماذا؟

وهو - والله أعلم - داخل تحت ذينك الوجهين.

ثم يحتمل أن تكون المحاجة قد كثرت فيما قال: ﴿ فَإنْ حَآجُّوكَ ﴾ ، والحجة قد ظهرت فيه؛ فكانوا يعودون إليها مرة [بعد مرّة]؛ عود تعنت وعناد؛ فأكرم الله رسوله بالإعراض عن محاجتهم، ذلك كمَّا ظهر تعنتهم فقال: ﴿ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للَّهِ ﴾ على الإعراض عن محاجتهم، والله أعلم.

وعلى ذلك يخرج معنى الأمر بالتولي عنهم في غير موضع.

ويحتمل أن تكون المحاجة في عبادة الواحد القهار والأوثان التي كانوا يعبدونها من دون الله؛ فبين - جلّ ثناؤه - في ذلك بالذي يقول لهم هو ومن اتبعه على ذلك؛ نحو قوله: ﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ﴾ الآية [الشورى: 15]، ونحو ذلك، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فإن جادلوك -أيها الرسول- في الحق الذي نزل عليك، فقل مجيبًا إياهم: أسلمت أنا ومن تبعني من المؤمنين لله تعالى، وقل -أيها الرسول- لأهل الكتاب والمشركين: أأسلمتم لله تعالى مخلصين له متبعين لما جِئتُ به؛ فإن أسلموا لله واتبعوا شريعتك فقد سلكوا سبيل الهدى، وإن أعرضوا عن الإسلام فليس عليك إلا أن تبلغهم ما أرسلت به، وأمرهم إلى الله، فهو تعالى بصير بعباده، وسيجازي كل عامل بما عمل.

<div class="verse-tafsir" id="91.vBoQb"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

﴿ فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ  ﴾ : كأنه يقول إن من يقصد إلى الحجاج بعد تأييد الحق وتفنيد الباطل لا يقصد إلا إلى المجادلة والمشاغبة لمحض العناد والمشاكسة وذلك شأن المبطلين، وأما طالب الحق فإنه يبخل بالوقت أن يضيع سدى ﴿ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ  ﴾ .

الاستفهام للتقريع والمراد بالإسلام روح الدين الذي نزل به الكتاب ومقصده يعني أنه ليس لهم إلا الرسوم منه ﴿ فَإِنْ أَسْلَمُوا  ﴾ هذا الإسلام ﴿ فَقَدِ اهْتَدَوْا  ﴾ لأن هذا هو روح الدين فمن أصابه فهو على هداية من هذا الوجه، فإن غشيه مع ذلك شيء من الباطل الصوري فهو لا يلبث أن يزول متى ظهر له الدليل على بطلانه، ولذلك كان إسلامهم هذا لا بد أن يستتبع اتباعك في ما جئت به لأن من كان كذلك فهو نير القلب متوجه دائمًا إلى طلب الحق، فهو أقرب الناس إلى قبوله متى جاءه وظهر له ﴿ وَإِنْ تَوَلَّوْا  ﴾ معرضين عن لاعتراف بما سألت عنه، لعلمهم أنهم ليسوا على شيء منه، ﴿ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ  ﴾ لحقيقة الإسلام، وما أمرت به من الأحكام، ﴿ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ  ﴾ فهو أعلم بمن طمس قلبه فارتكس في شقائه، ووقع اليأس من اهتدائه، ومن يرجى له بتوفيق الله من بعد ما لا يرجى له اليوم.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله