الآية ٢١ من سورة آل عمران

الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ٢١ من سورة آل عمران

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ بِغَيْرِ حَقٍّۢ وَيَقْتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِٱلْقِسْطِ مِنَ ٱلنَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ٢١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 102 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢١ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢١ من سورة آل عمران عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

هذا ذم من الله تعالى لأهل الكتاب فيما ارتكبوه من المآثم والمحارم في تكذيبهم بآيات الله قديما وحديثا ، التي بلغتهم إياها الرسل ، استكبارا عليهم وعنادا لهم ، وتعاظما على الحق واستنكافا عن اتباعه ، ومع هذا قتلوا من قتلوا من النبيين حين بلغوهم عن الله شرعه ، بغير سبب ولا جريمة منهم إليهم ، إلا لكونهم دعوهم إلى الحق ( ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس ) وهذا هو غاية الكبر ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : " الكبر بطر الحق وغمط الناس " .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو الزبير الحسن بن علي بن مسلم النيسابوري ، نزيل مكة ، حدثني أبو حفص عمر بن حفص - يعني ابن ثابت بن زرارة الأنصاري - حدثنا محمد بن حمزة ، حدثني أبو الحسن مولى لبني أسد ، عن مكحول ، عن قبيصة بن ذؤيب الخزاعي ، عن أبي عبيدة بن الجراح ، رضي الله عنه قال : قلت يا رسول الله ، أي الناس أشد عذابا يوم القيامة ؟

قال : " رجل قتل نبيا أو من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر " .

ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم ) [ إلى قوله : ( وما لهم من ناصرين ] ) الآية .

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا أبا عبيدة ، قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا ، من أول النهار في ساعة واحدة ، فقام مائة وسبعون رجلا من بني إسرائيل ، فأمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر ، فقتلوا جميعا من آخر النهار من ذلك اليوم ، فهم الذين ذكر الله عز وجل " .

وهكذا رواه ابن جرير عن أبي عبيد الوصابي محمد بن حفص ، عن ابن حمير ، عن أبي الحسن مولى بني أسد ، عن مكحول ، به .

وعن عبد الله بن مسعود ، رضي الله عنه ، قال : قتلت بنو إسرائيل ثلاثمائة نبي من أول النهار ، وأقاموا سوق بقلهم من آخره .

رواه ابن أبي حاتم .

ولهذا لما أن تكبروا عن الحق واستكبروا على الخلق ، قابلهم الله على ذلك بالذلة والصغار في الدنيا والعذاب المهين في الآخرة ، فقال : ( فبشرهم بعذاب أليم ) أي : موجع مهين .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: (54) " إن الذين يكفرون بآيات الله "، أي: يجحدون حجج الله وأعلامه فيكذبون بها، من أهل الكتابين التوراة والإنجيل، كما:- 6776 - حدثني ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير قال: ثم جمع أهل الكتابين جميعًا، وذكر ما أحدثوا وابتدعوا، &; 6-284 &; من اليهود والنصارى فقال: " إنّ الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حقّ" إلى قوله: قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ .

(55) * * * وأما قوله: " ويقتلون النبيين بغير حقّ"، فإنه يعني بذلك - أنهم كانوا يقتلون رُسل الله الذين كانوا يُرسَلون إليهم بالنهي عما يأتون من معاصي الله، وركوب ما كانوا يركبونه من الأمور التي قد تقدم الله إليهم في كتبهم بالزجر عنها، نحو زكريا وابنه يحيى، وما أشبههما من أنبياء الله.

(56) * * * القول في تأويل قوله : وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأه عامة أهل المدينة والحجاز والبصرة والكوفة وسائر قرأة الأمصار: ( وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ )، بمعنى القتل.

* * * وقرأه بعض المتأخرين من قرأة الكوفة: ( وَيُقَاتِلُونَ )، بمعنى القتال، تأوّلا منه قراءةَ عبد الله بن مسعود، وادعى أن ذلك في مصحف عبد الله: ( وَقَاتَلُوا )، فقرأ الذي وصفنا أمرَه من القراءة بذلك التأويل: ( وَيُقَاتِلُونَ ).

* * * قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك عندنا قراءة من قرأه: " ويقتلون "، لإجماع الحجة من القرأة عليه به، (57) مع مجيء التأويل من أهل التأويل بأن ذلك تأويله.

&; 6-285 &; ذكر من قال ذلك: 6777 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن معقل بن أبي مسكين في قول الله: " ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس "، قال: كان الوحي يأتي إلى بني إسرائيل فيذكِّرون [قومهم] - ولم يكن يأتيهم كتاب - فيقتلون، (58) فيقوم رجال ممن اتبعهم وصدقهم، فيذكِّرون قومهم فيقتلون، فهم: الذين يأمرون بالقسط من الناس.

6778 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن قتادة، في قوله: " ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس "، قال: هؤلاء أهل الكتاب، كان أتباع الأنبياء ينهونهم ويذكِّرونهم، فيقتلونهم.

6779 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج في قوله: " إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس "، قال: كان ناس من بني إسرائيل ممن لم يقرأ الكتاب، كان الوحي يأتي إليهم فيذكِّرون قومهم فيقتلون على ذلك، (59) فهم: الذين يأمرون بالقسط من الناس.

6780 - حدثني أبو عبيد الرصّابي محمد بن حفص قال، حدثنا ابن حِمْير قال، حدثنا أبو الحسن مولى بني أسد، عن مكحول، عن قبيصة بن ذؤيب الخزاعي، عن أبي عبيدة بن الجراح قال: قلت: يا رسول الله، أىّ الناس أشدّ عذابًا يوم القيامة؟

&; 6-286 &; قال: " رجل قتل نبيًّا، أو رجل أمر بالمنكر ونهى عن المعروف.

ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنّ الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس " (60) إلى أن انتهى إلى " وما لهم من ناصرين "، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا عبيدة، قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيًّا من أول النهار في ساعة واحدة!

فقام مائة رجل واثنا عشر رجلا من عُبَّاد بني إسرائيل، فأمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر، فقتلوا جميعًا من آخر النهار في ذلك اليوم، وهم الذين ذكر الله عز وجل.

(61) * * * قال أبو جعفر: فتأويل الآية إذًا: إنّ الذين يكفرون بآيات الله، ويقتلون النبيين بغير حق، ويقتلون آمريهم بالعدل في أمر الله ونهيه، الذين يَنهونهم عن قتل أنبياء الله وركوب * * * &; 6-287 &; القول في تأويل قوله : فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (21) قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: ( فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) فأخبرهم يا محمد وأعلمهم: أنّ لهم عند الله عذابًا مؤلمًا لهم، وهو الموجع.

----------------- الهوامش : (54) في المطبوعة والمخطوطة: "يعني بذلك جل ثناءه" والسياق يقتضي ما أثبت.

(55) الأثر: 6776- ابن هشام 2: 227 من بقية الآثار السالفة التي آخرها رقم: 6774.

(56) انظر تفسير"يقتلون النبيين بغير الحق" فيما سلف 2: 140-142.

(57) هكذا في المخطوطة والمطبوعة ، وهي عبارة لا أرتضيها ، وأظن صوابها"لإجماع الحجة من القرأة على القراءة به".

وانظر معاني القرآن للفراء 1: 202 في بيان قراءة الكسائي هذه.

(58) هكذا نص الطبري ، ونقله كذلك في الدر المنثور 2: 13 وزدت منه ما بين القوسين.

ومعنى عبارته أن الوحي كان يأتي إلى أنبياء بني إسرائيل ، كما هو بين في الروايات الأخرى ، التي رواها البغوي في تفسيره (هامش ابن كثير) 2: 117 ، 118 ، والقرطبي 4: 46.

(59) قوله: "كان ناس من بني إسرائيل.

.

.

كان الوحي يأتي إليهم" بحذف خبر"كان" الأولى ، عبارة فصيحة محكمة في العربية ، قد نبهت إلى مثلها مرارًا فيما سلف.

(60) في المخطوطة والمطبوعة ، والدر المنثور 2: 13"الذين يقتلون النبيين" ، وفي غيرها"ويقتلون" وأثبت ما جاء في رواية ابن أبي حاتم ، فيما أخرجه ابن كثير في تفسيره 2: 118 ، وهو نص التلاوة.

(61) الأثر: 6780-"أبو عبيد الوصابي: محمد بن حفص الحمصي" مضت ترجمته برقم: 129 (وانظر ما سيأتي رقم: 7009) ، وكان هناك في الإسناد"حدثني أبو عبيد الوصابي ، قال حدثنا محمد بن حفص" فرجح أخي السيد أحمد أن يكون خطأ ، وقد أصاب ، وكان الأجود حذف"قال حدثنا" من ذلك الإسناد.

وكان في المطبوعة والمخطوطة هنا"أبو عبيد الرصافي محمد بن جعفر" والصواب من تفسير ابن كثير 2: 118."وابن حمير" هو: "محمد بن حمير بن أنيس القضاعي" ، روى عن إبراهيم عن أبي عبلة ، ومحمد بن زياد الألهاني ، ومعاوية بن سلام وغيرهم.

سئل عنه أحمد فقال: "ما علمت إلا خيرًا" ، وقال ابن معين: "ثقة" وقال ابن أبي حاتم: "يكتب حديثه ولا يحتج به".

وكان في المطبوعة: "ابن حميد" بالدال ، وهو خطأ ، صوابه من ابن كثير ، والبغوي بهامشه: 2: 118.

وهو مترجم في التهذيب.

وقال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ، وذكر أبا عبيد الوصابي هذا فقال: "أدركته وقصدت السماع منه ، فقال لي بعض أهل حمص: ليس بصدوق ، ولم يدرك محمد بن حمير ، فتركته".

أما "أبو الحسن مولى بني أسد" ، فقد ترجمه الحافظ في لسان الميزان 6: 364 قال؛: "أبو الحسن الأسدي" حدثنا عنه أبو كريب.

مجهول ، انتهى.

ولم ينفرد عنه أبو كريب ، بل روى عنه محمد بن حمير.

وقال في روايته"مولى بني أسد ، عن مكحول" ، أخرج حديثه الطبري وابن أبي حاتم ، وذكره أبو حاتم فيمن لا يعرف اسمه".

هذا وقد خرجه البغوي من طريق محمد بن عمرو بن حنان الكلبي ، عن محمد بن حمير" (بهامش تفسير ابن كثير 2: 118).

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليمفيه ست مسائل ( الأولى ) قوله تعالى : إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين قال أبو العباس المبرد : كان ناس من بني إسرائيل جاءهم النبيون يدعونهم إلى الله - عز وجل - فقتلوهم ، فقام أناس من بعدهم من المؤمنين فأمروهم بالإسلام فقتلوهم ; ففيهم نزلت هذه الآية .

وكذلك قال معقل بن أبي مسكين : كانت الأنبياء صلوات الله عليهم تجيء إلى بني إسرائيل بغير كتاب فيقتلونهم ، فيقوم قوم ممن اتبعهم فيأمرون بالقسط ، أي بالعدل ، فيقتلون .

وقد روي عن ابن مسعود قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : بئس القوم قوم يقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس ، بئس القوم قوم لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر ، بئس القوم قوم يمشي المؤمن بينهم بالتقية وروى أبو عبيدة بن الجراح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا من أول النهار في ساعة واحدة فقام مائة رجل واثنا عشر رجلا من عباد بني إسرائيل فأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر فقتلوا جميعا في آخر النهار من ذلك اليوم وهم الذين ذكرهم الله في هذه الآية .

ذكره المهدوي وغيره .

وروى شعبة عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله قال : كانت بنو إسرائيل تقتل في اليوم سبعين نبيا ثم تقوم سوق بقلهم من آخر النهار .فإن قال قائل : الذين وعظوا بهذا لم يقتلوا نبيا .

فالجواب عن هذا أنهم رضوا فعل من قتل فكانوا بمنزلته ; وأيضا فإنهم قاتلوا النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه وهموا بقتلهم ; قال الله عز وجل : وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك .( الثانية ) دلت هذه الآية على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان واجبا في الأمم المتقدمة ، وهو فائدة الرسالة وخلافة النبوة .

قال الحسن قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : من أمر بالمعروف أو نهى عن المنكر فهو خليفة الله في أرضه وخليفة رسوله وخليفة كتابه .

وعن درة بنت أبي لهب قالت : جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو على المنبر فقال : من خير الناس يا رسول الله ؟

قال : ( آمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأتقاهم لله وأوصلهم لرحمه ) .

وفي التنزيل : المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ثم قال [ ص: 46 ] : والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر .

فجعل تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرقا بين المؤمنين والمنافقين ; فدل على أن أخص أوصاف المؤمن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ورأسها الدعاء إلى الإسلام والقتال عليه .

ثم إن الأمر بالمعروف لا يليق بكل أحد ، وإنما يقوم به السلطان إذ كانت إقامة الحدود إليه ، والتعزيز إلى رأيه ، والحبس والإطلاق له ، والنفي والتغريب ; فينصب في كل بلدة رجلا صالحا قويا عالما أمينا ويأمره بذلك ، ويمضي الحدود على وجهها من غير زيادة .

قال الله تعالى : الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر .( الثالثة ) وليس من شرط الناهي أن يكون عدلا عند أهل السنة ، خلافا للمبتدعة حيث تقول : لا يغيره إلا عدل .

وهذا ساقط ; فإن العدالة محصورة في القليل من الخلق ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عام في جميع الناس .

فإن تشبثوا بقوله تعالى : أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم ، وقوله : كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ونحوه ، قيل لهم : إنما وقع الذم هاهنا على ارتكاب ما نهي عنه لا على نهيه عن المنكر .

ولا شك في أن النهي عنه ممن يأتيه أقبح ممن لا يأتيه ، ولذلك يدور في جهنم كما يدور الحمار بالرحى ، كما بيناه في البقرة عند قوله تعالى : أتأمرون الناس بالبر.

( الرابعة ) أجمع المسلمون فيما ذكر ابن عبد البر أن المنكر واجب تغييره على كل من قدر عليه ، وإنه إذا لم يلحقه بتغييره إلا اللوم الذي لا يتعدى إلى الأذى فإن ذلك لا يجب أن يمنعه من تغييره ; فإن لم يقدر فبلسانه ، فإن لم يقدر فبقلبه ليس عليه أكثر من ذلك .

وإذا أنكر بقلبه فقد أدى ما عليه إذا لم يستطع سوى ذلك .

قال : والأحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في تأكيد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كثيرة جدا ولكنها مقيدة بالاستطاعة .

قال الحسن : إنما يكلم مؤمن يرجى أو جاهل يعلم ; فأما من وضع سيفه أو سوطه فقال : اتقني اتقني فما لك وله .

وقال ابن مسعود : بحسب المرء إذا رأى منكرا لا يستطيع تغييره أن يعلم الله من قلبه أنه له كاره .

وروى ابن لهيعة عن الأعرج عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا يحل لمؤمن أن يذل [ ص: 47 ] نفسه .

قالوا : يا رسول الله وما إذلاله نفسه ؟

قال : ( يتعرض من البلاء لما لا يقوم له ) .قلت : وخرجه ابن ماجه عن علي بن زيد بن جدعان عن الحسن بن جندب عن حذيفة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وكلاهما قد تكلم فيه .

وروي عن بعض الصحابة أنه قال : إن الرجل إذا رأى منكرا لا يستطيع النكير عليه فليقل ثلاث مرات " اللهم إن هذا منكر " فإذا قال ذلك فقد فعل ما عليه ، وزعم ابن العربي أن من رجا زواله وخاف على نفسه من تغييره الضرب أو القتل جاز له عند أكثر العلماء الاقتحام عند هذا الغرر ، وإن لم يرج زواله فأي فائدة عنده .

قال : والذي عندي أن النية إذا خلصت فليقتحم كيف ما كان ولا يبالي .قلت : هذا خلاف ما ذكره أبو عمر من الإجماع .

وهذه الآية تدل على جواز الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع خوف القتل .

وقال تعالى : وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك .

وهذا إشارة إلى الإذاية .( الخامسة ) روى الأئمة عن أبي سعيد الخدري قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان .

قال العلماء : الأمر بالمعروف باليد على الأمراء ، وباللسان على العلماء ، وبالقلب على الضعفاء ، يعني عوام الناس .

فالمنكر إذا أمكنت إزالته باللسان للناهي فليفعله ، وإن لم يمكنه إلا بالعقوبة أو بالقتل فليفعل ، فإن زال بدون القتل لم يجز القتل ; وهذا تلقي من قول الله تعالى : فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله .

وعليه بنى العلماء أنه إذا دفع الصائل على النفس أو على المال عن نفسه أو عن ماله أو نفس غيره فله ذلك ولا شيء عليه .

ولو رأى زيد عمرا وقد قصد مال بكر فيجب عليه أن يدفعه عنه إذا لم يكن صاحب المال قادرا عليه ولا راضيا به ; حتى لقد قال العلماء : لو فرضنا قودا .

وقيل : كل بلدة يكون فيها أربعة [ ص: 48 ] فأهلها معصومون من البلاء : إمام عادل لا يظلم ، وعالم على سبيل الهدى ، ومشايخ يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويحرضون على طلب العلم والقرآن ، ونساؤهم مستورات لا يتبرجن تبرج الجاهلية الأولى .( السادسة ) روى أنس بن مالك قال : قيل يا رسول الله ، متى نترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؟

قال : ( إذا ظهر فيكم ما ظهر في الأمم قبلكم ) .

قلنا : يا رسول الله وما ظهر في الأمم قبلنا ؟

قال : ( الملك في صغاركم والفاحشة في كباركم والعلم في رذالتكم ) .

قال زيد : تفسير معنى قول النبي - صلى الله عليه وسلم - ( والعلم في رذالتكم ) إذا كان العلم في الفساق .

خرجه ابن ماجه .

وسيأتي لهذا الباب مزيد بيان في " المائدة " وغيرها إن شاء الله تعالى وتقدم معنى فبشرهم وحبطت في البقرة فلا معنى للإعادة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

هؤلاء الذين أخبر الله عنهم في هذه الآية، أشد الناس جرما وأي: جرم أعظم من الكفر بآيات الله التي تدل دلالة قاطعة على الحق الذي من كفر بها فهو في غاية الكفر والعناد ويقتلون أنبياء الله الذين حقهم أوجب الحقوق على العباد بعد حق الله، الذين أوجب الله طاعتهم والإيمان بهم، وتعزيرهم، وتوقيرهم، ونصرهم وهؤلاء قابلوهم بضد ذلك، ويقتلون أيضا الذين يأمرون الناس بالقسط الذي هو العدل، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي حقيقته إحسان إلى المأمور ونصح له، فقابلوهم شر مقابلة، فاستحقوا بهذه الجنايات المنكرات أشد العقوبات، وهو العذاب المؤلم البالغ في الشدة إلى غاية لا يمكن وصفها، ولا يقدر قدرها المؤلم للأبدان والقلوب والأرواح.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( إن الذين يكفرون بآيات الله ) يجحدون بآيات الله يعني القرآن ، وهم اليهود والنصارى ( ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس ) قرأ حمزة : ويقاتلون الذين يأمرون ، قال ابن جريج : كان الوحي يأتي على [ أنبياء ] بني إسرائيل ولم يكن يأتيهم كتاب ، فيذكرون قومهم فيقتلون ، فيقوم رجال ممن اتبعهم وصدقهم فيذكرون قومهم فيقتلون أيضا فهم الذين يأمرون بالقسط من الناس .

أخبرنا أبو سعيد الشريحي ، أنا أبو إسحاق الثعلبي ، أنا أبو عبد الله الحسين بن محمد بن فنجويه الدينوري ، أنا أبو نصر منصور بن جعفر النهاوندي ، أنا أحمد بن يحيى بن الجارود ، أنا محمد بن عمرو بن حيان ، أنا محمد بن ( حمير ) ، أنا أبو الحسن مولى بني أسد عن مكحول عن قبيصة بن ذؤيب الخزاعي عن أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه قال : قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أي الناس أشد عذابا يوم القيامة؟

قال : " رجل قتل نبيا أو رجلا أمر بالمعروف ونهى عن المنكر " ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس ) إلى أن انتهى إلى قوله ( وما لهم من ناصرين ) ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا أبا عبيدة قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا في أول النهار في ساعة واحدة ، فقام مائة واثنا عشر رجلا من عباد بني إسرائيل أمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر ، فقتلوهم جميعا في آخر النهار في ذلك اليوم فهم الذين ذكرهم الله في كتابه وأنزل الآية فيهم .

.

.

" ( بشرهم ) أخبرهم ( بعذاب أليم ) وجيع ، وإنما أدخل الفاء على خبر إن وتقديره الذين يكفرون ويقتلون فبشرهم ، لأنه لا يقال : إن زيدا فقائم

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون» وفي قراءة يقاتلون «النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط» بالعدل «من الناس» وهم اليهود رُوى أنهم قتلوا ثلاثة وأربعين نبياً فنهاهم مائة وسبعون من عبَّادهم فقتلوهم من يومهم «فبشِّرهم» أعلمهم «بعذاب اليم» مؤلم وذكر البشارة تهكم بهم ودخلت الفاء في خبر إن لشبه اسمها الموصول بالشرط.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إن الذين يجحدون بالدلائل الواضحة وما جاء به المرسلون، ويقتلون أنبياء الله ظلمًا بغير حق، ويقتلون الذين يأمرون بالعدل واتباع طريق الأنبياء، فبشِّرهم بعذاب موجع.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم انتقل القرآن إلى سرد بعض الرذائل التى عرف بها اليهود وعرف بها أسلافهم ، وبين سوء مصيرهم ومصير كل من يفعل فعلهم فقال - تعالى - : { إِنَّ الذين يَكْفُرُونَ .

.

} .أنت ترى أن الله - تعالى - قد وصف هؤلاء المارقين بصفات ينفر منها كل عاقل وصفهم أولا بأنهم : { يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ الله } أى لا يكتفون بالكفر بالله - تعالى - ، بل يكفرون بالآيات المثبتة لوحدانيته ، وبالرسل الذين جاءوهم بالهدى والحق .ووصفهم ثانيا بأنهم { يَقْتُلُونَ النبيين بِغَيْرِ حَقٍّ } وقتل النبيين بغير حق فعل معروف عن اليهود ، فهم الذين قتلوا زكريا - عليه السلام - لأنه حاول أن يخلص ابنه يحيى -عليه السلام - من القتل وقتلوا يحيى لأنه لم يوافقهم في أهوائهم وحاولوا قتل عيسى - عليه السلام - ولكن الله تعالى نجاه من مكرهم ، وقتلوا غيرهم من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام .فإن قيل إن اليهود ما قتلوا كل الأنبياء فلم أخبر القرآن عنه أنهم يقتلون النبيين ولم يقل يقتلون بعض النبيين؟فالجواب أنهم بقتلهم لبعض النبيين فقد استهانوا بمقام النبوة ، ومن استهان بمقام النبوة بقتله لبعض الأنبياء فكأنه قد قتل الأنبياء جميعا ، ونظير هذا قوله - تعالى - : { مِنْ أَجْلِ ذلك كَتَبْنَا على بني إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأرض فَكَأَنَّمَا قَتَلَ الناس جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً } وقيد القتل بأنه { بِغَيْرِ حَقٍّ } مع أن قتل الأنبياء لا يكون بحق أبداً ، للتصريح بموضع الاستنكار ، لأن موضع الاستنكار هو اعتداؤهم على الحق بقتلهم الأنبياء ، وللإشارة إلى أنهم لتوغلهم في الظلم والعدوان قد صاروا أعداء للحق لا يألفونه ولا تميل إليه نفوسهم ، وللتسجيل عليهم أن هذا القتل للأنبياء كان مخالفاً لما في شريعتهم فإنها قد نهتهم عن قتلهم ، بل عن مخالفتهم .

فهذا القيد من باب الاحتجاج عليهم بما نهت عنه شريعتهم لتخليد مذمتهم في كل زمان ومكان .وقال - سبحانه - { بِغَيْرِ حَقٍّ } بصيغة التنكير ، لعموم النفى ، بحيث يتناول الحق الثابت ، والحق المزعوم ، أى أنهم لم يكونوا معذروين بأي لون من ألوان العذر في هذا الاعتداء فقد أقدموا على ما أقدموا عليه وهم يعلمون أنهم على الباطل ، فكان فعلهم هذا إجراما في بواعثه وفي حقيقته ، وأفظع أنواع الإجرام في موضوعه .وقوله { بِغَيْرِ حَقٍّ } في موضع الحال المؤكدة لمضمون جملة { يَقْتُلُونَ النبيين } إذ لا يكون قتل النبيين إلا كذلك .ووصفهم ثالثا بأنهم { وَيَقْتُلُونَ الذين يَأْمُرُونَ بالقسط مِنَ الناس } .والقسط : العدل .

يقال : قسَط يقسِط ويقسُط قِسطا ، وأقسط إقساطا إذا عدل .أى : لا يكتفون بقتل النبيين الذين جاءوا لهدايتهم وسعادتهم ، وإنما يقتلون مع ذلك الذين يأمرونهم بالعدل من مرشديهم ونصحائهم .وفي قوله { مِنَ الناس } إشارة غلى أنهم ليسوا بأنبياء ، بل من الناس غير المبعوثين .وفي قرنهم بالأنبياء ، وإثبات أن الاعتداء عليهم قرين الاعتداء على الأنبياء ، إشارة إلى بيان علو منزلتهم ، وأنهم ورثتهم الذين يدعون بدعوتهم .وعبرعن جرائمهم بصيغة الفعل المضارع - يكفرون ويقتلون لاستحضار صورة أفعالهم الشنيعة في أذهان المخاطبين ، ولإفادة أن أفعالهم هذه متجددة كلما استطاعوا إليها سبيلا ، وللإشعار بأن اليهود المعاصرين للنبى صلى الله عليه وسلم كانوا راضين بفعل آبائهم وأسلافهم ، ولقد حاول اليهود في العهد النبوى أن يقتلوا النبي صلى الله عليه وسلم ولكن الله - تعالى - نجاه من شرورهم .هذا ، وقد وردت آثار متعددة تصرح بأن اليهود قد دأبوا على قتل الأنبياء والمصلحين ، ومن ذلك ما جاء عن أبي عبيدة بن الجراح أنه قال : " قلت يا رسول الله : أي الناس أشد عذابا يوم القيامة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أشد الناس عذابا يوم القيامة رجل قتل نبيا ، أو قتل من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر ، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم { إِنَّ الذين يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ الله } الآية .

ثم قال : يا أبا عبيدة قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا من أول النهار في ساعة واحدة ، فقام مائة وسبعون رجلا منهم فأمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوهم جميعاً من آخر النهار في ذلك اليوم " " .هذه بعض جرائمهم فماذا كانت نتيجتها؟

كانت نتيجتها العذاب الأليم الذى أخبرهم الله به في قوله { فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } .والجملة الكريمة خبر إن ، وجاز دخول الفاء على خبرها لتضمن اسمها وهو { الذين } معنى الشرط في العموم .وحقيقة التبشير : الإبخار بما يظهر سرور المخبر - بفتح الباء - على بشرة وجهه ، وهو هنا مستعمل فى ضد حقيقته على سبيل التهكم بهم ، وذلك لأن هؤلاء المعتدين مع أنهم كفروا بآيات الله وقتلوا أنبياءه وأولياءه ، وفعلوا ما فعلوا من منكرات ، مع كل ذلك زعموا أنهم أبناء الله وأحباؤه ، فساق لهم القرآن ما يخبرهم به على سبيل الاستهزاء بعقولهم أن بشارتهم التى يرتقبونها بسبب كفرهم ودعواهم الباطلة هي : العذاب الأليم .واستعمال اللفظ في ضده عند علماء البيان من باب الاستعارة التهكمية ، لأن تشبيه الشىء بضده لا يروج في عقل العقلاء إلى على معنى التهكم والاستهزاء .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما ذكر من قبل حال من يعرض ويتولى بقوله: ﴿ وإن تُوَلُّواْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البلاغ ﴾ أردفه بصفة هذا المتولي فذكر ثلاثة أنواع من الصفات: الصفة الأولى: قوله: ﴿ إِنَّ الذين يَكْفُرُونَ بآيات الله ﴾ .

فإن قيل: ظاهر الآية يقتضي كونهم كافرين بجميع آيات الله واليهود والنصارى ما كانوا كذلك لأنهم كانوا مقرين بالصانع وعلمه وقدرته والمعاد.

قلنا: الجواب من وجهين: الأول: أن نصرف آيات الله إلى المعهود السابق وهو القرآن، ومحمد صلى الله عليه وسلم الثاني: أن نحمله على العموم، ونقول إن من كذب بنبوّة محمد صلى الله عليه وسلم يلزمه أن يكذب بجميع آيات الله تعالى لأن من تناقض لا يكون مؤمناً بشيء من الآيات إذ لو كان مؤمناً بشيء منها لآمن بالجميع.

الصفة الثانية: قوله تعالى: ﴿ وَيَقْتُلُونَ النبيين بِغَيْرِ حَقّ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ الحسن ﴿ وَيَقْتُلُونَ النبيين بِغَيْرِ حَقّ ﴾ وهو للمبالغة.

المسألة الثانية: روي عن أبي عبيدة بن الجراح أنه قال: قلت يا رسول الله أي الناس أشد عذاباً يوم القيامة؟

قال: رجل قتل نبياً أو رجلاً أمر بالمعروف ونهى عن المنكر، وقرأ هذه الآية ثم قال: يا أبا عبيدة قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيّاً من أول النهار في ساعة واحدة، فقام مائة رجل وإثنا عشر رجلاً من عباد بني إسرائيل، فأمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوا جميعاً من آخر النهار في ذلك اليوم فهم الذين ذكرهم الله تعالى، وأيضاً القوم قتلوا يحيى بن ذكريا، وزعموا أنهم قتلوا عيسى بن مريم فعلى قولهم ثبت أنهم كانوا يقتلون الأنبياء.

وفي الآية سؤالات: السؤال الأول: إذا كان قوله: ﴿ إِنَّ الذين يَكْفُرُونَ بآيات الله ﴾ في حكم المستقبل، لأنه وعيد لمن كان في زمن الرسول عليه الصلاة والسلام ولم يقع منهم قتل الأنبياء ولا القائمين بالقسط فكيف يصح ذلك؟.

والجواب من وجهين: الأول: أن هذه الطريقة لما كانت طريقة أسلافهم صحت هذه الإضافة إليهم، إذ كانوا مصوبين وبطريقتهم راضين، فإن صنع الأب قد يضاف إلى الابن إذا كان راضياً به وجارياً على طريقته الثاني: إن القوم كانوا يريدون قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتل والمؤمنين إلا أنه تعالى عصمه منهم، فلما كانوا في غاية الرغبة في ذلك صح إطلاق هذا الاسم عليهم على سبيل المجاز، كما يقال: النار محرقة، والسم قاتل، أي ذلك من شأنهما إذا وجد القابل، فكذا هاهنا لا يصح أن يكون إلا كذلك.

السؤال الثاني: ما الفائدة في قوله: ﴿ وَيَقْتُلُونَ النبيين بِغَيْرِ حَقّ ﴾ وقتل الأنبياء لا يكون إلا كذلك.

والجواب: ذكرنا وجوه ذلك في سورة البقرة، والمراد منه شرح عظم ذنبهم، وأيضاً يجوز أن يكون المراد أنهم قصدوا بطريقة الظلم في قتلهم طريقة العدل.

السؤال الثالث: قوله: ﴿ وَيَقْتُلُونَ النبيين ﴾ ظاهره مشعر بأنهم قتلوا الكل، ومعلوم أنهم ما قتلوا الكل ولا الأكثر ولا النصف.

والجواب: الألف واللام محمولان على المعهود لا على الاستغراق.

الصفة الثالثة: قوله: ﴿ وَيَقْتُلُونَ الذين يَأْمُرُونَ بالقسط مِنَ الناس ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة وحده ﴿ ويقاتلون ﴾ بالألف والباقون ﴿ وَيَقْتُلُونَ ﴾ وهما سواء، لأنهم قد يقاتلون فيقتلون بالقتال، وقد يقتلون ابتداء من غير قتال وقرأ أُبي ﴿ وَيَقْتُلُونَ النبيين والذين يَأْمُرُونَ ﴾ .

المسألة الثانية: قال الحسن: هذه الآية تدل على أن القائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند الخوف، تلي منزلته في العظم منزلة الأنبياء، وروي أن رجلاً قام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أي الجهاد أفضل؟

فقال عليه الصلاة والسلام: «أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر».

واعلم أنه تعالى كما وصفهم بهذه الصفات الثلاثة، فقد ذكر وعيدهم من ثلاثة أوجه: الأول: قوله: ﴿ فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: إنما دخلت الفاء في قوله: ﴿ فَبَشّرْهُم ﴾ مع أنه خبران، لأنه في معنى الجزاء والتقدير: من يكفر فبشرهم.

المسألة الثانية: هذا محمول على الاستعارة، وهو أن إنذار هؤلاء بالعذاب قائم مقام بشرى المحسنين بالنعيم، والكلام في حقيقة البشارة تقدم في قوله تعالى: ﴿ وَبَشّرِ الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات  ﴾ .

النوع الثاني من الوعيد: قوله: ﴿ أولئك الذين حَبِطَتْ أعمالهم فِي الدنيا والأخرة ﴾ .

اعلم أنه تعالى بيّن بهذا أن محاسن أعمال الكفار محبطة في الدنيا والآخرة، أما الدنيا فإبدال المدح بالذم والثناء باللعن، ويدخل فيه ما ينزل بهم من القتل والسبي، وأخذ الأموال منهم غنيمة والاسترقاق لهم إلى غير ذلك من الذل الظاهر فيهم، وأما حبوطها في الآخرة فبإزالة الثواب إلى العقاب.

النوع الثالث من وعيدهم: قوله تعالى: ﴿ وَمَا لَهُم مّن ناصرين ﴾ .

اعلم أنه تعالى بيّن بالنوع الأول من الوعيد اجتماع أسباب الآلام والمكروهات في حقهم وبيّن بالنوع الثاني زوال أسباب المنافع عنهم بالكلية وبيّن بهذا الوجه الثالث لزوم ذلك في حقهم على وجه لا يكون لهم ناصر ولا دافع والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

قرأ الحسن: ﴿ يقتلون النبيين ﴾ وقرأ حمزة: ﴿ ويقاتلون الذين يأمرون ﴾ وقرأ عبد الله: ﴿ وقاتلوا ﴾ وقرأ أبيّ.

﴿ يقتلون النبيين ﴾ ، والذين يأمرون.

وهم أهل الكتاب.

قتل أولوهم الأنبياء وقتلوا أتباعهم وهم راضون بما فعلوا، وكانوا حول قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين لولا عصمة الله.

وعن أبي عبيدة بن الجراح: قلت يا رسول الله، أي الناس أشدّ عذاباً يوم القيامة؟

قال: «رجل قتل نبياً؛ أو رجلاً أمر بمعروف ونهى عن منكر» ثم قرأها ثم قال: «يا أبا عبيدة، قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيّا من أول النهار في ساعة واحدة، فقام مائة واثنا عشر رجلاً من عباد بني إسرائيل فأمروا قتلتهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوا جميعاً في آخر النهار» .

﴿ فِى الدنيا والاخرة ﴾ لأنّ لهم اللعنة والخزي في الدنيا والعذاب في الآخرة.

فإن قلت: لم دخلت الفاء في خبر إن؟

قلت: لتضمن اسمها معنى الجزاء، كأنه قيل: الذين يكفرون فبشرهم بمعنى من يكفر فبشرهم، و (إن) لا تغير معنى الابتداء فكأنّ دخولها كلا دخول، ولو كان مكانها (ليت) أو (لعل) لامتنع إدخال الفاء لتغير معنى الابتداء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ ويَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ مِنَ النّاسِ فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ ﴾ هم أهْلُ الكِتابِ الَّذِينَ في عَصْرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ.

قَتَلَ أوَّلُهُمُ الأنْبِياءَ ومُتابِعِيهِمْ وهم رَضُوا بِهِ وقَصَدُوا قَتْلَ النَّبِيِّ  والمُؤْمِنِينَ ولَكِنَّ اللَّهَ عَصَمَهُمْ، وقَدْ سَبَقَ مِثْلُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ «وَيُقاتِلُونَ الَّذِينَ» .

وقَدْ مَنَعَ سِيبَوَيْهِ إدْخالَ الفاءِ في خَبَرِ إنَّ كَلَيْتَ ولَعَلَّ ولِذَلِكَ قِيلَ الخَبَرُ.

﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴾ كَقَوْلِكَ: زَيْدٌ فافْهَمْ رَجُلٌ صالِحٌ، والفَرْقُ أنَّهُ لا يُغَيِّرُ مَعْنى الِابْتِداءِ بِخِلافِهِما.

﴿ وَما لَهم مِن ناصِرِينَ ﴾ يَدْفَعُ عَنْهُمُ العَذابَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢١)

{إِنَّ الذين يَكْفُرُونَ بآيات الله وَيَقْتُلُونَ النبيين} هم أهل الكتاب راضون بقتل آبائهم الأنبياء {بِغَيْرِ حَقّ} حال مؤكدة لأن قتل النبي لا يكون حقاً {وَيَقْتُلُونَ الذين يَأْمُرُونَ} ويقاتلون حمزة {بالقسط} بالعدل {مِنَ الناس} أي سوى الأنبياء قال عليه السلام قتلت بنو اسرئيل ثلاثة وأربعين نبياً من أول النهار في ساعة واحدة فقام مائة واثنا عشر رجلاً من عباد بني إسرائيل فأمروا قتلتهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوا جميعاً في آخر النهار من ذلك اليوم {فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} دخلت الفاء فى خبران لتضمن اسمها معنى الجزاء كأنه قيل الذين يكفرون فبشرهم بعذاب أليم بمعنى من يكفر

فبشرهم وهذا لأن إن لا تغير معنى الابتداء فهي للتحقيق فكأن دخولها كلا دخول ولو كان مكانها ليت أو لعل لامتنع دخول الفاء

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ﴾ أيَّةِ آيَةٍ كانَتْ، ويَدْخُلُ فِيهِمُ الكافِرُونَ بِالآياتِ النّاطِقَةِ بِحَقِّيَّةِ الإسْلامِ دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿ ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴾ هم أهْلُ الكِتابِ الَّذِينَ كانُوا في عَصْرِهِ  إذْ لا مَعْنى لِإنْذارِ الماضِينَ، قالَ القُطْبُ: وإسْنادُ القَتْلِ إلَيْهِمْ ولَمْ يَصْدُرْ مِنهم قَتْلٌ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ لَمّا كانَتْ طَرِيقَةَ أسْلافِهِمْ صَحَّتْ إضافَتُها إلَيْهِمْ إذْ صُنْعُ الأبِ قَدْ يُضافُ إلى الِابْنِ لا سِيَّما إذا كانَ راضِيًا بِهِ، الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن شَأْنِهِمُ القَتْلُ إنْ لَمْ يُوجَدْ مانِعٌ، والتَّقْيِيدُ بِغَيْرِ حَقٍّ لِما تَقَدَّمَ، وتُرِكَتْ ألْ هُنا دُونَ ما سَبَقَ لِتَفاوُتِ مَخْرَجِ الجُمْلَتَيْنِ وقَدْ مَرَّ ما يَنْفَعُكَ في هَذِهِ الآيَةِ، فَتَذَكَّرْ، وقَرَأ الحَسَنُ (يَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ).

﴿ ويَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ مِنَ النّاسِ ﴾ أيْ بِالعَدْلِ، ولَعَلَّ تَكْرِيرَ الفِعْلِ لِلْإشْعارِ بِما بَيْنَ القَتْلَيْنِ مِنَ التَّفاوُتِ أوْ بِاخْتِلافِهِما في الوَقْتِ، أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ «عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرّاحِ قالَ: قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ: ”أيُّ النّاسِ أشَدُّ عَذابًا يَوْمَ القِيامَةِ؟

قالَ: رَجُلٌ قَتَلَ نَبِيًّا أوْ رَجُلًا أمَرَ بِالمَعْرُوفِ ونَهى عَنِ المُنْكَرِ، ثُمَّ قَرَأ الآيَةَ، ثُمَّ قالَ  : يا أبا عُبَيْدَةَ قَتَلَتْ بَنُو إسْرائِيلَ ثَلاثَةً وأرْبَعِينَ نَبِيًّا أوَّلَ النَّهارِ في ساعَةٍ واحِدَةٍ فَقامَ مِائَةُ رَجُلٍ وسَبْعُونَ رَجُلًا مِن عِبادِ بَنِي إسْرائِيلَ، فَأمَرُوا مَن قَتَلَهم بِالمَعْرُوفِ ونَهَوْهم عَنِ المُنْكَرِ فَقُتِلُوا جَمِيعًا مِن آخِرِ النَّهارِ مِن ذَلِكَ اليَوْمِ فَهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى“،» وقَرَأ حَمْزَةُ (ويُقاتِلُونَ الَّذِينَ) وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ (وقاتَلُوا) وقَرَأ أُبَيٌّ (ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ والَّذِينَ يَأْمُرُونَ) .

﴿ فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ ﴾ خَبَرُ (إنَّ) [ 21 ] ودَخَلَتِ الفاءُ فِيهِ لِتَضَمُّنِ الِاسْمِ مَعْنى الشَّرْطِ ولا يَمْنَعُ النّاسِخُ الَّذِي لَمْ يُغَيِّرْ مَعْنى الِابْتِداءِ مِنَ الدُّخُولِ ومَتى غَيَّرَ كَ لِيتَ ولَعَلَّ اِمْتَنَعَ ذَلِكَ إجْماعًا، وسِيبَوَيْهِ والأخْفَشُ يَمْنَعانِهِ عِنْدَ النُّسَخِ مُطْلَقًا فالخَبَرُ عِنْدَهُما قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ يعني يجحدون بالقرآن وبمحمد  وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ يعني يتولون آباءهم بالقتل، ويرضون بذلك.

قرأ حمزة يقاتلون بألف من المقاتلة، والباقون بغير ألف، وقرأ نافع النبيئين بالهمزة.

وقرأ الباقون بغير همز وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ يعني بالعدل، وهم مؤمنو بني إسرائيل يأمرونهم بالمعروف، فكانوا يقتلونهم، فعَيَّرهم الله بذلك، وأوعدهم النار فقال: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ أي وجيع ويقال: أليم يعني مؤلم أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ يعني بطل ثواب حسناتهم، فلا ثواب لهم فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ يعني مانعين يمنعونهم من النار.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

موسى، وبعد مُضِيِّ ثلاثة قرون «١» ، وقيل: الآيةُ توبيخٌ لنصارى نَجْرَانَ، وسُرْعَةُ الحسَاب:

يحتمل أنْ يراد بها: مَجِيءُ القيامةِ والحِسَابِ إذ كل آت قريبٌ، ويحتمل أنْ يراد بسُرْعَةِ الحِسَابِ: أنَّ اللَّه تعالى بإِحاطته بكلِّ شَيْءٍ عِلْماً لا يحتاجُ إلى عَدٍّ ولا فكْرة قاله مجاهد «٢» .

وقوله تعالى: فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ ...

الآية: الضميرُ في حَاجُّوكَ لليهودِ، ولنصارى نَجْرَانَ، والمعنى: إنْ جادَلُوك وتعنَّتوا بالأقاويلِ المزوَّرة والمغالطاتِ، فأسند إلى ما كُلِّفْتَ من الإِيمانِ، والتبليغِ، وعلى اللَّه نَصْرُكَ.

وقوله: وَجْهِيَ: يحتمل أنْ يراد به المَقْصِدُ، أي: جعلتُ مقصدي للَّه، ويحتمل أنْ يراد به الذاتُ، أي: أَسْلَمْتُ شخْصي وَذاتِي للَّه، وأسلَمْتُ في هذا الموضعِ بمعنى:

دَفَعْتُ، وأمضَيْتُ، وليستْ بمعنى دَخَلْتُ في السِّلْم/ لأنَّ تلك لا تتعدى، ومَنِ اتبعني:

في موضع رفعٍ عطْفاً على الضميرِ في «أَسْلَمْتُ» ، والَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ، في هذا الموضعِ: يجمعُ اليهودَ والنصارى باتفاق، والأميُّونَ: الذين لا يكتبون، وهم العَرَبُ في هذه الآية، وقوله: أَأَسْلَمْتُمْ: تقرير في ضمنه الأمر، وقال الزّجّاج: أَأَسْلَمْتُمْ:

تهدّد، وهو حسن، والْبَلاغُ: مَصْدَرُ بَلَغَ بتخفيف عَيْنِ الفعل.

وفي قوله تعالى: وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ وعدٌ للمؤمنين، ووعيد للكافرين.

إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٢١) أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٢٢) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٥)

وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ...

الآية: هذه الآية نزلت في اليهود

والنصارى، وتعمُّ كلَّ من كان بهذه الحال، وفيها توبيخ للمعاصرين لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم، روى أبو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرَّاحِ «١» ، عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم «أَنَّ بَنِي إسْرَائِيلَ قَتَلُوا ثَلاَثَةً وَأَرْبَعِينَ نَبِيًّا، فاجتمع مِنْ عُبَّادِهِمْ وأَحْبَارِهِمْ مِائَةٌ وعِشْرُونَ لِيُغَيِّرُوا المُنْكَرَ، وَيُنْكِرُوا، فَقُتِلُوا جَمِيعاً، كُلُّ ذَلِكَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، وذَلِكَ معنى قَوْلِهِ تعالى: وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ «٢» ، وحَبِطَتْ: معناه: بَطَلَتْ.

وقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ ...

الآية: قال ابن عبَّاس: نزَلَتْ هذه الآية بسبب أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم دخَلَ بيْتَ المِدْرَاسِ على جماعةٍ من يَهُود، فدعاهمْ إِلى اللَّه تعالى، فقال له نُعَيْمُ بْنُ عَمْرٍو، والحَارِثُ بْنُ زَيْدٍ: على أَيِّ دِينٍ أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ، فقالَ رسولُ اللَّه صلّى الله عليه وسلّم: أنا على ملّة إبراهيم صلّى الله عليه وسلّم، فَقَالا: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ يَهُودِيًّا، فَقَالَ لَهُمُ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: فَهَلُمُّوا إِلَى التَّوْرَاةِ، فَهِيَ بَيْنَنَا، وَبَيْنَكُمْ، فَأَبَيَا عَلَيْهِ، وَنَزَلَتِ الآيةُ «٣» .

قال ع «٤» : فالكتابُ في قوله: مِنَ الْكِتابِ: اسمُ جنس، والكتابُ في قوله: إِلى كِتابِ اللَّهِ هو التوراةُ، وقال قتادةُ وابنُ جُرَيْجٍ: هو القرآن «٥» ، ورجَّح الطبريُّ الأولَ «٦» .

وقوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا: الإشارة فيه إٍلى التولِّي والإِعراض، أي: إِنما تولَّوْا، وأعرضوا لاغترارهم بأقوالهم، وافترائهم، ثم قال تعالى خطابا لنبيّه محمّد صلّى الله عليه وسلّم،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ﴾ قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: عَنى بِذَلِكَ اليَهُودَ والنَّصارى.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والمُرادُ بِآَياتِ اللَّهِ مُحَمَّدٌ والقُرْآَنُ.

وقَدْ تَقَدَّمَ في "البَقَرَةِ" شَرْحُ قَتْلِهُمُ الأنْبِياءَ، والقِسْطُ، والعَدْلُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ "وَيُقاتِلُونَ" بِألِفٍ.

ورَوى أبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرّاحِ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "قَتَلَتْ بَنُو إسْرائِيلَ ثَلاثَةً وأرْبَعِينَ نَبِيًّا مِن أوَّلِ النَّهارِ في ساعَةٍ واحِدَةٍ، فَقامَ مِائَةٌ واثْنا عَشَرَ رَجُلًا مِن عِبادِ بَنِي إسْرائِيلَ، فَأمَرُوا مَن قَتَلَهم بِالمَعْرُوفِ، ونَهَوْهم عَنِ المُنْكَرِ، فَقُتِلُوا جَمِيعًا فِي آَخِرِ النَّهارِ، فَهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ في كِتابِهِ وأنْزَلَ الآَيَةَ فِيهِمْ.» وإنَّما وبَّخَ بِهَذا اليَهُودَ الَّذِينَ كانُوا في زَمَنِ النَّبِيِّ  لِأنَّهم تَوَلَّوْا أُولَئِكَ، ورَضُوا بِفِعْلِهِمْ ﴿ فَبَشِّرْهُمْ ﴾ بِمَعْنى: أخْبِرْهم، وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ في "البَقَرَةِ" ومَعْنى حَبِطَتْ: بَطَلَتْ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ ويَقْتُلُونَ النَبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ ويَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ مِنَ الناسِ فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ ﴾ ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُنْيا والآخِرَةِ وما لَهم مِن ناصِرِينَ ﴾ قالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُبَيْرِ وغَيْرُهُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ في اليَهُودِ والنَصارى.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَعُمُّ كُلَّ مَن كانَ بِهَذِهِ الحالِ.

والآيَةُ تَوْبِيخٌ لِلْمُعاصِرِينَ لِرَسُولِ اللهِ  بِمَساوِئِ أسْلافِهِمْ وبِبَقائِهِمْ أنْفُسِهِمْ عَلى فِعْلِ ما أمْكَنَهم مِن تِلْكَ المَساوِئِ؛ لِأنَّهم كانُوا حَرْصى عَلى قَتْلِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ.

ورُوِيَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ قَتَلُوا في يَوْمٍ واحِدٍ سَبْعِينَ نَبِيًّا وقامَتْ سُوقُ البَقْلِ بَعْدَ ذَلِكَ.

ورَوى أبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرّاحِ عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ «أنَّهم قَتَلُوا ثَلاثَةً وأرْبَعِينَ نَبِيًّا، فاجْتَمَعَ مِن خِيارِهِمْ وأحْبارِهِمْ مِائَةٌ وعِشْرُونَ لِيُغَيِّرُوا ويُنْكِرُوا فَقُتِلُوا أجْمَعِينَ، كُلُّ ذَلِكَ في يَوْمٍ واحِدٍ؛» وذَلِكَ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴾ مُبالَغَةٌ في "التَحْرِيرِ لِلذَّنْبِ إذْ في الإمْكانِ" أنْ يَقْتَضِيَ ذَلِكَ أمْرُ اللهِ تَعالى بِوَجْهٍ ما مِن تَكْرِمَةِ النَبِيِّ أو غَيْرِ ذَلِكَ.

وعَلى هَذا المَعْنى تَجِيءُ أفْعَلُ مِن كَذا، إذا كانَ فِيها شِياعٌ مِثْلُ: أحَبُّ وخَيْرٌ وأفْضَلُ ونَحْوُهُ مَقُولَةً بَيْنَ شَيْئَيْنِ ظاهِرُهُما الِاشْتِراكُ بَيْنَهُما.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ" وقَرَأ حَمْزَةُ وجَماعَةٌ مِن غَيْرِ السَبْعَةِ: "وَيُقاتِلُونَ الَّذِينَ"، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَقاتِلُوا الَّذِينَ"، وقَرَأها الأعْمَشُ، وكُلُّها مُتَوَجِّهَةٌ، وأبْيَنُها قِراءَةُ الجُمْهُورِ.

والقِسْطُ: العَدْلُ، وجاءَتِ البِشارَةُ بِالعَذابِ مِن حَيْثُ نُصَّ عَلَيْهِ، وإذا جاءَتِ البِشارَةُ مُطْلَقَةً فَمُجْمَلُها فِيما يُسْتَحْسَنُ.

ودَخَلَتِ الفاءُ في قَوْلِهِ: "فَبَشِّرْهُمْ" لِما في "الَّذِي" مِن مَعْنى الشَرْطِ في هَذا المَوْضِعِ، فَذَلِكَ بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: الَّذِي يَفْعَلُ كَذا فَلَهُ كَذا، إذا أرَدْتَ أنَّ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ لَهُ بِسَبَبِ فِعْلِهِ الشَيْءَ الآخَرَ، فَيَكُونُ الفِعْلُ في صِلَتِها، وتَكُونُ بِحَيْثُ لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْها عامِلٌ يُغَيِّرُ مَعْناها، كَلَيْتَ ولَعَلَّ، وهَذا المَعْنى نَصٌّ في كِتابِ سِيبَوَيْهِ في بابٍ تَرْجَمَتُهُ "هَذا بابُ الحُرُوفِ الَّتِي تَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ الأمْرِ والنَهْيِ، لِأنَّ فِيها مَعْنى الأمْرِ والنَهْيِ".

"وَحَبِطَتْ" مَعْناهُ: بَطَلَتْ وسَقَطَ حُكْمُها، وحَبْطُها في الدُنْيا: بَقاءُ الذَمِّ واللَعْنَةِ عَلَيْهِمْ، وحَبْطُها في الآخِرَةِ: كَوْنُها هَباءً مُنْبَثًّا وتَعْذِيبُهم عَلَيْها.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو السَمّالِ العَدَوِيُّ: "حَبَطَتْ" بِفَتْحِ الباءِ وهي لُغَةٌ، ثُمَّ نَفى النَصْرَ عنهم في كِلا الحالَيْنِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف لبيان بعض أحوال اليهود، المنافية إسلامَ الوجه لله، فالمراد بأصحاب هذه الصلات خصوص اليهود، وهم قد عُرفوا بمضمون هذه الصلات في مواضع كثيرة من القرآن.

والمناسبة: جريان الجدال مع النصارى وأن جُعلوا جميعاً في قَرَن قولِه: ﴿ وقل للذين أوتوا الكتاب والأمين أأسلمتم ﴾ (آل عمران: 20.

(وجيء في هاته الصلات بالأفعال المضارعة لتدل على استحضار الحالة الفظية، وليس المراد إفادة التجدّد؛ لأنّ ذلك وإن تأتَّى في قوله: ﴿ يكفرون ﴾ لا يتأتَّى في قوله: ﴿ ويقتلون ﴾ لأنَّهم قتلوا الأنبياء والذين يأمرون بالقسط في زمننٍ مضى.

والمراد من أصحاب هذه الصلات يهود العَصر النبوي: لأنّهم الذين توعّدهم بعذاب أليم، وإنّما حَمَل هؤلاء تبِعة أسلافهم لأنّهم معتقدون سداد ما فعله أسلافهم، الذين قتلوا زكرياء لأنّه حاول تخليصَ ابنه يَحيَى من القتل، وقتلوا يحيَى لإيمانه بعيسى، وقتلوا النبي إرْمِيَاء بمصر، وقتلوا حزقيال النبي لأجل توبيخه لهم على سوء أفعالهم، وزعموا أنّهم قتلوا عيسى عليه السلام، فهو معدود عليهم بإقرارهم وإن كانوا كاذبين فيه، وقَتَل مَنشا ابنُ حزقيال، ملكُ إسرائيل، النبي أشعياء: نشره بالمِنشار لأنّه نهاه عن المنكر، بمرأى ومسمع من بني إسرائيل، ولم يحموه، فكان هذا القتل معدوداً عليهم، وكم قتلوا ممّن يأمرون بالقسط، وكل تلك الجرائم معدودة عليهم؛ لأنّهم رضُوا بها، وألَحّوا في وقوعها.

وقوله: ﴿ بغير حق ﴾ ظرف مستقر في موضع الحال المؤكّدة لمضمون جملةِ ﴿ يقتلون النبيّئين ﴾ إذ لا يكون قتل النبيّئين إلاّ بغير حق، وليس له مفهوم لظهور عدم إرادة التقييد والاحترازِ؛ فإنّه لا يقتل نبيء بحق، فذكر القيد في مثله لا إشكال عليه، وإنّما يجيء الإشكال في القيد الواقع في حَيّز النفي، إذا لم يكن المقصود تسلّط النفي عليه مثل قوله تعالى: ﴿ لا يسألون الناس إلحافاً ﴾ [البقرة: 273] وقولِه: ﴿ ولا تكونوا أول كافر به ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً ﴾ وقد تقدم في سورة البقرة (41).

والمقصود من هذه الحال زيادة تشويه فعلهم.

ولما كان قوله: ويقتلون الذين يأمرون بالقسط} مومئاً إلى وجه بناء الخبر: وهو أنَّهم إنّما قتلوهم لأنّهم يأمرون بالقسط أي بالحق، فقد اكتفي بها في الدلالة على الشناعة، فلم تحتج إلى زيادة التشنيع.

وقرأ الجمهور من العشرة ﴿ يقتلون ﴾ الثاني مثل الأول بسكون القاف وقرأه حمزة وحده «ويُقاتلون» بفتح القاف بعدها بصيغة المفاعلة وهي مبالغة في القتل.

والفاء في ﴿ فبشّرهم ﴾ فاء الجواب المستعملةُ في الشرط، دخلت على خبر إنّ لأنّ اسم إنّ وهو موصول تضمن معنى الشرط، إشارة إلى أنّه ليس المقصود، قوماً معيّنين، بل كل من يتَّصف بالصلة فجزاؤه أنّ يَعلم أنّ له عذاباً أليماً.

واستعمل بشّرهم في معنى أنذرهم تهكّماً.

وحقيقة التبشير: الإخبار بما يُظهر سرور المخبَر (بفتح الباء) وهو هنا مستعمل في ضدّ حقيقته، إذ أريد به الإخبار بحصول العذاب، وهو موجب لحزن المخبَرين، فهذا الاستعمال في الضدّ معدود عند علماء البيان من الاستعارة، ويسمّونها تهكّمية لأنّ تشبيه الضدّ بضدّه لا يروج في عقل أحد إلاّ على معنى التهكّم، أو التمليح، كما أطلق عمرو ابن كلثوم.

اسم الأضياف على الأعداء، وأطلق القرى على قتل الأعداء، في قوله: نزلتم مَنزل الأضياففِ منّا *** فعَجَّلْنَا القِرى أن تشتمونا قَزَيْنَاكُم فعَجَّلْنا قِراكم *** قُبَيْل الصُّبْح مِرْداةً طَحُونا قال السكاكي: وذلك بواسطة انتزاع شَبه التضادّ وإلحافه بشَبه التناسب.

وجيء باسم الإشارة في قوله: ﴿ أولئك الذين حبطت أعمالهم ﴾ لأنّهم تميّزوا بهذه الأفعال التي دلت عليها صِلاتُ الموصول أكملَ تمييز، وللتنبيه على أنّهم أحِقَّاءِ بما سيخبر به عنهم بعدَ اسم الإشارة.

واسم الإشارة مبتدأ، وخبره ﴿ الذين حَبِطتْ أعمالهم ﴾ ، وقيل هو خبر (إنّ) وجملة ﴿ فبشرهم بعذاب أليم ﴾ وهو الجاري على مذهب سيبويه لأنّه يمنع دخول الفاء في الخبر مطلقاً.

وحَبَط الأعماللِ إزالةِ آثارها النافعة من ثواببٍ ونعيم في الآخرة، وحياةٍ طيّبة في الدنيا، وإطلاق الحَبَط على ذلك تمثيل بحال الإبل التي يصيبها الحَبَط وهو انتفاخ في بطونها من كثرة الأكل، يكون سبب موتها، في حين أكلت ما أكلت للالتذاذ به.

وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ ومن يرتدد منكم عن دينه فيَمُت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة ﴾ في سورة البقرة (217).

والمعنى هنا أنّ اليهود لما كانوا متديّنين يَرجون من أعمالهم الصالحة النفعَ بها في الآخرة بالنجَاة من العقاب، والنفع في الدنيا بآثار رضا الله على عباده الصالحين، فلمّا كفروا بآيات الله، وجحدوا نبوءة محمد، وصوّبوا الذين قَتَلوا الأنبياء والذين يأمرون بالقسط، فقد ارتدُّوا عن دينهم فاستحقّوا العذاب الأليم، ولذلك ابتُدئ به بقوله: فبشرهم بعذاب أليم } .

فلا جرم تَحْبَطُ أعمالهم فلا ينتفعون بثوابها في الآخرة، ولا بآثارها الطيّبة في الدنيا، ومعنى ﴿ وما لهم من ناصرين ﴾ ما لهم من ينقذهم من العذاب الذي أنذروا به.

وجيء بمن الدالة على تنصيص العموم لئلاّ يترك لهم مدخل إلى التأويل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ ويَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ مِنَ النّاسِ ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ: (وَيُقاتِلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ)، وقِيلَ: إنَّها كَذَلِكَ في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ.

وَفي ( القِسْطِ ) هُنا وجْهانِ: أحَدُهُما: العَدْلُ.

والثّانِي: الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ.

﴿ فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ ﴾ رُوِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرّاحِ قالَ: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أيُّ النّاسِ أشَدُّ عَذابًا يَوْمَ القِيامَةِ؟

قالَ: رَجُلٌ قَتَلَ نَبِيًّا أوْ رَجُلًا أمَرَ بِمَعْرُوفٍ أوْ نَهى عَنْ مُنْكَرٍ، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ، ثُمَّ قالَ: (يا أبا عُبَيْدَةَ، قَتَلَتْ بَنُو إسْرائِيلَ ثَلاثَةً وأرْبَعِينَ نَبِيًّا مِن أوَّلِ النَّهارِ في ساعَةٍ واحِدَةٍ فَقامَ مِائَةُ رَجُلٍ واثْنا عَشَرَ رَجُلًا مِن عُبّادِ بَنِي إسْرائِيلَ فَأمَرُوا مَن قَتَلَهم بِالمَعْرُوفِ ونَهَوْهم عَنِ المُنْكَرِ، فَقُتِلُوا جَمِيعًا في آخِرِ النَّهارِ مِن ذَلِكَ اليَوْمِ)» .

( فَبَشِّرْهم ) أيْ فَأخْبِرْهم، والأغْلَبُ في البِشارَةِ إطْلاقُها عَلى الإخْبارِ بِالخَيْرِ، وقَدْ تُسْتَعْمَلُ في الإخْبارِ بِالشَّرِّ كَما اسْتُعْمِلَتْ في هَذا المَوْضِعِ وفي تَسْمِيَتِها بِذَلِكَ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِأنَّها تُغَيِّرُ بَشَرَةَ الوَجْهِ بِالسُّرُورِ في الخَيْرِ، وبِالغَمِّ في الشَّرِّ.

والثّانِي: لِأنَّها خَبَرٌ يُسْتَقْبَلُ بِهِ البَشَرَةُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي عبيدة بن الجراح قال: «قلت يا رسول الله أي الناس أشد عذاباً يوم القيامة؟

قال: رجل قتل نبياً، أو رجل أمر بالمنكر ونهى عن المعروف.

ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس ﴾ إلى قوله: ﴿ وما لهم من ناصرين ﴾ ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا عبيدة قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبياً أول النهار في ساعة واحدة، فقام مائة رجل وسبعون رجلاً من عباد بني إسرائيل، فأمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر، فقتلوا جميعاً من آخر النهار من ذلك اليوم، فهم الذين ذكر الله» .

وأخرج ابن أبي الدنيا فيمن عاش بعد الموت وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه عن ابن عباس قال: بعث عيسى يحيى في اثني عشر رجلاً من الحواريين يعلمون الناس، فكان ينهى عن نكاح بنت الأخ، وكان ملك له بنت أخ تعجبه، فأرادها وجعل يقضي لها كل يوم حاجة فقالت لها أمها: إذا سألك عن حاجتك، فقولي: حاجتي أن تقتل يحيى بن زكريا فقال الملك: حاجتك...؟

قالت حاجتي أن تقتل يحيى بن زكريا.

فقال سلي غير هذا.

قالت: لا أسألك غير هذا.

فلما أبت أمر به فذبح في طست، فبدرت قطرة من دمه فلم تزل تغلي حتى بعث الله بختنصر، فدلت عجوز عليه فألقى في نفسه أن لا يزال يقتل حتى يسكن هذا الدم، فقتل في يوم واحد، من ضرب واحد، وسن واحد، سبعين ألفاً فسكن.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن معقل بن أبي مسكين في الآية قال: كان الوحي يأتي بني إسرائيل فيذكرون قومهم ولم يكن يأتيهم كتاب فيقتلون، فيقوم رجال ممن اتبعهم وصدقهم فيذكرون قومهم فيقتلون.

فهم الذين يأمرون بالقسط من الناس.

وأخرج ابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس ﴾ قال: هؤلاء أهل الكتاب.

كان أتباع الأنبياء ينهونهم ويذكرونهم بالله فيقتلونهم.

وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير قال: أقحط الناس في زمان ملك من ملوك بني إسرائيل فقال الملك: ليرسلن علينا السماء أو لنؤذينه فقال له جلساؤه: كيف تقدر على أن تؤذيه أو تغيظه وهو في السماء؟

قال: اقتل أولياءه من أهل الأرض، فيكون ذلك أذى له.

قال: فأرسل الله عليهم السماء.

وأخرج ابن عساكر من طريق زيد بن أسلم عن ابن عباس في قول الله: ﴿ إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم ﴾ قال: الذين يأمرون بالقسط من الناس ولاة العدل، عثمان وأضرابه.

وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن الأعمش قال: في قراءة عبدالله «إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق وقاتلوا الذين يأمرون بالقسط من الناس» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴾ نزلت في اليهود (١) ﴿ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ ﴾ .

روى أبو عبيدة بن الجرَّاح (٢)  قال: قَتَلَت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين (٣) (٤) (٥) وقرأ حمزةُ (٦) (٧) (٨) (٩) ﴿ يُقَاتِلُونَ ﴾ ، وهو يريد: (قاتَلُوا)، كما روي في حرف عبد الله.

ويجوز أن يكون المضارع، بمعنى الماضي؛ كقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ  ﴾ ، وقال في أخرى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا ﴾ (١٠) (١١) (١٢) والمعنى في قراءة حمزة: أنهم لا يوالون الذي يأمرون بالقسط؛ ليقلَّ نهيُهم (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) وقوله تعالى: ﴿ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ .

ذكرنا معنى التبشير، وجواز إطلاقه فيما [لا] (١٨) ﴿ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا  ﴾ .

وأما (١٩) ﴿ فَبَشِّرْهُمْ ﴾ وهو خبر الابتداء، فقد (٢٠) ﴿ وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ  ﴾ .

(١) وقال محمد بن جعفر، وقتادة، وأبو سليمان الدمشقي: إن المراد هنا هم اليهود والنصارى.

انظر: "تفسير الطبري" 3/ 215، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 621، "تفسير البغوي" 2/ 20، "زاد المسير" 1/ 365، "تفسير الخازن" 1/ 279، "البحر المحيط" 2/ 413 وقال ابن عطية، عن الآية بعد أن ذكر قول محمد بن جعفر: وتعم كلَّ من كان بهذه الحال، والآية توبيخ للمعاصرين لرسول الله  بمساوئ أسلافهم، وببقائهم أنفسهم على فعل ما أمكنهم من تلك المساوئ؛ لأنهم كانوا حرصى على قتل محمد  .

"المحرر الوجيز" 3/ 60.

(٢) هو: عامر بن عبد الله الجَرَّاح، الفِهْري القرشي.

من كبار الصحابة، والسابقين منهم، سماه رسول الله  (أمينَ هذه الأمة)، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، شهد بدرًا وما بعدها من المشاهد، توفي بالأردن، سنة (18هـ).

انظر: "الاستيعاب" 2/ 341 - 343، "الإصابة" 2/ 252 - 254.

(٣) في (ب): (وأربعون).

(٤) في (د): (واثنى).

(٥) الأثر عن أبي عبيدة، أخرجه: الطبري في "تفسيره" 3/ 216، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 621 وفيه بلفظ (..

فقام مائة رجل وسبعون رجلًا ..)، والثعلبي في "تفسيره" 3/ 26 ب، وذكره (8) الماوردي في "النكت والعيون" 1/ 381، والبغوي في "تفسيره" 1/ 20 - 21، والديلمي في: "مسند الفردوس": 5/ 361 رقم (8441) وأورده القرطبي في "تفسيره" 4/ 46، ونسب إخرا جه للمهدوي، وذكره ابن كثير في "تفسيره" 1/ 381، والسيوطي في "الدر المنثور" 2/ 23.

وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 272، وقال: (رواه البزار، وفيه ممن لم أعرفه اثنان).

وفيه عندهم جميعًا: أبو الحسن مولى بني أسد، وهو مجهول.

انظر: "الجرح والتعديل" 9/ 357، "ميزان الاعتدال" 6/ 188، "المغني في الضعفاء" للذهبي: 2/ 780.

(٦) هو: أبو عمارة، حمزة بن حبيب الزيات، تقدمت ترجمته.

(٧) من قوله: (لأنه ..) إلى (..

قتال المباين المشاق لهم): نقله عن "الحجة" للفارسي 3/ 24 بتصرف كثير.

(٨) هو ابن مسعود  .

وانظر قراءته، في "المصاحف" لابن أبي داود: == 59، "تفسير الثعلبي" 3/ 26 أ، "الحجة" للفارسي 3/ 24، "البحر المحيط" 2/ 414.

(٩) من قوله: (فقرأ ..) إلى (..

يريد قاتلوا): ساقط من: (ج).

(١٠) سورة النساء: 167، وورد هذا المقطع كذلك في: سورة النحل: 88، وسورة محمد: 32، 34.

(١١) من قوله: (كذلك ..) إلى (..

حكاية للحال): ساقط من: (د).

(١٢) في (ج): (ويجوز).

(١٣) في (أ)، (ب): (نبيهم)، والمثبت من: (ج)، (د)، ومن "الحجة" للفارسي.

وورد في إحدى نسخ "الحجة" أشار إليها محققه: (لِثِقَلِ نَهْيِهِم).

(١٤) هكذا جاءت في جميع النسخ، وفي "الحجة" للفارسي: (مباينين)، وهي الأصْوَب، ولكني تركت ما في الأصل كما هو؛ لاتفاق جميع النسخ عليه.

(١٥) في (ج): (يقاتلوهم).

(١٦) فى (ج): (يقاتلوهم).

(١٧) قال النحاس في "معاني القرآن" 1/ 375: (فإن قال قائل: الذين وُعظوا بهذا لم يقتلوا نبيًا.

فالجواب عن هذا: أنهم رضوا فِعْلَ من قَتَل، فكانوا بمنزلته، وأيضًا فَإنهم قاتلوا النبي  وأصحابه وهمُّوا بقتلهم ..).

(١٨) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج)، (د)؛ ليستقيم بها المعنى.

(١٩) من قوله: (وأما ..) إلى (..

ذكرنا ما فيه عند قوله): ساقط من (د).

(٢٠) في (ج): (وقد).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِنَّ الذين يَكْفُرُونَ ﴾ الآية: نزلت في اليهود والنصارى توبيخاً لهم، ووعيداً على قبح أفعالهم، وأفعال أسلافهم ﴿ الذين أُوتُواْ الكتاب ﴾ [آل عمران: 19] هم اليهود، والكتاب هنا التوراة، أو جنس ﴿ يَدْعُونَ إِلَى النار والله ﴾ [البقرة: 221] قال ابن عباس: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على جماعة من اليهود فيهم النعمان بن عمرو والحارث بن زيد، فقالوا له: على أي دين أنت؟

فقال لهم: على دين إبراهيم، فقالوا: إنّ إبراهيم كان يهودياً، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: فهلمّوا إلى التوراة فهي بيننا وبينكم، فأبوا عليه فنزلت الآية، فكتاب الله على هذا التوراة، وقيل: هو القرآن: كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعوهم إليه فيعرضون عنه ﴿ ذلك بِأَنَّهُمْ ﴾ الإشارة إلى إعراضهم عن كتاب الله والباء سببية: والمعنى أن كفرهم بسبب اعتراضهم وأكاذيبهم، والأيام المعدودات قد ذكرت في البقرة ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ ﴾ أي: كيف يكون حالهم يوم القيامة، والمعنى: تهويل واستعظام لما أعدّ لهم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ سيغلبون ويحشرون ﴾ بياء الغيبة: حمزة وعليّ وخلف وعباس مخير.

الباقون بتاء الخطاب ﴿ ترونهم ﴾ بتاء الخطاب: أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب.

الباقون بالياء ﴿ مثليهم ﴾ بضم الهاء: سهل ويعقوب وكذلك ما انفتح قبل الياء مثل ﴿ بجنتيهم  ﴾ ﴿ رأى العين ﴾ بغير همز: أبو عمرو غير شجاع ويزيد والأعشى والأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف.

الباقون بهمزة ساكنة ﴿ أونبئكم ﴾ بهمزة غير ممدودة بعدها واو مضمومة: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب غير عباس وأوقية وأبي شعيب ونافع غير قالون.

﴿ آونبئكم ﴾ بالمد والواو المضمومة: يزيد وقالون وعباس وأوقية وأبو شعيب.

الباقون بهمزتين هشام يدخل بينهما مدة.

﴿ ورضوان ﴾ بضم الراء حيث كان: الأعشى والبرجمي وافقا يحيى وحماداً إلا في ﴿ من اتبع رضوانه  ﴾ في المائدة ﴿ أن الدين ﴾ بفتح "إن" علي.

الباقون بالكسر.

﴿ وجهي ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن عامر غير النجاري عن هشام وحفص والمفضل والأعشى والبرجمي.

﴿ ومن اتبعني ﴾ بإثبات الياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل وافق أبو عمر وأبا جعفر ونافع غير قالون في الوصل.

﴿ ويقاتلون الذين ﴾ : حمزة ونصير في رواية علي بن نصير.

الباقون ﴿ ويقتلون ﴾ .

﴿ ليحكم ﴾ بضم الياء وفتح الكاف: أبو جعفر.

الباقون بالعكس.

/ الوقوف: ﴿ جهنم ﴾ ط، ﴿ المهاد ﴾ ه، ﴿ التقتا ﴾ ط لأن التقدير منهما فئة أو إحداهما.

﴿ العين ﴾ ط ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ الأبصار ﴾ ه، ﴿ والحرث ﴾ ط ﴿ الدنيا ﴾ ج للفصل بين النقيضين مع اتفاق الجملتين.

﴿ المآب ﴾ ج ﴿ من ذلكم ﴾ ط لتناهي الاستفهام.

﴿ من الله ﴾ ط ﴿ بالعباد ﴾ ج للاية على جعل "الذين" خبر مبتدأ محذوف أي هم الذين، أو مدحاً على "أعني الذين" ولجواز أنه نعت للعباد أو للمتقين.

﴿ النار ﴾ ج لأن "الصابرين" يصلح بدلاً من "الذين" والوقف أجود نصباً على المدح.

﴿ بالأسحار ﴾ ط ﴿ إلا هو ﴾ ط للعطف،ولو وقف احترازاً عن وهم دخول الملائكة وأولو العلم في الاستثناء والمشاركة في الألوهية كان جيداً.

﴿ بالقسط ﴾ ط، ﴿ الحكيم ﴾ ط إلا لمن قرأ "إن" بالفتح على البدل من "أنه" ﴿ الإسلام ﴾ ه، ﴿ بينهم ﴾ ط لإطلاق حكم غير مخصوص بما قبله.

﴿ الحساب ﴾ ه ﴿ ومن اتبعن ﴾ ط لابتداء أمر يشمل أهل الكتاب والعرب، والأول مختص بأهل الكتاب فلم يكن الثاني من جملة جزاء الشرط، ﴿ أأسلمتم ﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى الشرط ﴿ اهتدوا ﴾ ج لابتداء شرط آخر مع العطف.

﴿ البلاغ ﴾ ط، ﴿ بالعباد ﴾ ه، ﴿ بغير حق ﴾ ز لمن قرأ ﴿ ويقاتلون ﴾ لعدول المعنى من قوله ﴿ يقتلون ﴾ ﴿ أليم ﴾ ه، ﴿ والآخرة ﴾ ز للابتداء بالنفي مع اتحاد المقصود.

﴿ من ناصرين ﴾ ه، ﴿ معرضون ﴾ ه، ﴿ معدودات ﴾ ص لأن الواو للعطف أو الحال.

﴿ يفترون ﴾ ه، ﴿ يظلمون ﴾ ه.

التفسير: عن ابن عباس في رواية أبي صالح عنه قال: "لما هزم الله المشركين يوم بدر قالت يهود المدينة: هذا والله النبي الأمي الذي بشرنا به موسى ونجده في كتابنا بنعته وصفته وأنه لا ترد له راية وأرادوا تصديقه واتباعه.

ثم قال بعضهم لبعض: لا تعجلوا حتى ننظر إلى وقعة أخرى.

فلما كان يوم أحد ونكب أصحاب رسول الله  شكوا فقالوا: لا والله ما هو به.

وغلب عليهم الشقاء فلم يسلموا.

وكان بينهم وبين رسول الله عهد إلى مدة فنقضوا ذلك العهد.

وانطلق كعب بن الأشرف في ستين راكباً إلى أهل مكة أبي سفيان وأصحابه فوافقوهم وأجمعوا أمرهم وقالوا: لتكونن كلمتنا واحدة.

ثم رجعوا إلى المدينة فأنزل الله فيهم هذه الآية" .

وقال محمد بن إسحق بن يسار في رواية عكرمة وسعيد بن جبير عن ابن عباس: "لما أصاب رسول الله  قريشاً ببدر وقدم المدينة جمع اليهود في سوق بني قينقاع فقال: يا معشر اليهود احذروا من الله مثل ما نزل بقريش يوم بدر، وأسلموا قبل أن ينزل بكم ما نزل بهم، فقد عرفتم أني نبي مرسل تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله إليكم.

فقالوا: يا محمد، لا يغرّنك أنك لقيت قوماً أغماراً لا علم لهم بالحرب فأصبت فيهم فرصة.

أما والله لو قاتلناك لعرفت أنا نحن الناس" فأنزل الله ﴿ قل للذين كفروا ﴾ يعني اليهود ﴿ ستغلبون ﴾ / تهزمون ﴿ وتحشرون إلى جهنم ﴾ في الآخرة.

ومعنى جهنم قد مر في البقرة في قوله: ﴿ فحسبه جهنم ولبئس المهاد  ﴾ وقيل: هم مشركو مكة ﴿ ستغلبون ﴾ يعني يوم بدر من قرأ بتاء الخطاب فمعناه الأمر بأن يخبرهم بما سيجري عليهم من الغلبة والحشر بأي لفظ أراد  ، ومن قرأ بالياء فالأمر متوجه إلى حكاية هذا اللفظ أي قل لهم قولي لك: ﴿ سيغلبون ﴾ .

وفي الآية حجاج للقائل بتكليف ما لا يطاق، فإنه  أخبر عنهم بأنهم يحشرون إلى جهنم، فلو آمنوا وأطاعوا لانقلب الخبر كذباً.

وفيها دليل على صحة البعث والحشر بإخبار الصادق وفي قوله ﴿ ستغلبون ﴾ وقد وقع كما أخبر إخبار عن الغيب فيكون معجزاً دالاً على صدق النبي  .

نظيره في حق عيسى  ﴿ وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم  ﴾ ثم إنه  ذكر ما يجري مجرى الدلالة على صحة ذلك الحكم فقال ﴿ قد كان لكم آية في فئتين التقتا ﴾ يوم بدر ﴿ فئة ﴾ إحداهما جماعة ﴿ تقاتل في سبيل الله ﴾ وهم المسلمون لأنهم يقاتلون لنصرة دين الله وإعلاء كلمته ﴿ وفئة ﴾ أخرى ﴿ كافرة ﴾ هم كفار قريش.

وبيان كون تلك الواقعة آية من وجوه: أحدها أن المسلمين كان قد اجتمع فيهم من أسباب الضعف أمور منها: قلة العَدَدِ والعُدَدِ، كانوا ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً مع كل أربع منهم بعير، ومعهم من الدروع ستة ومن الخيل فرسان.

ومنها أنهم خرجوا غير قاصدين للحرب فلم يتأهبوا.

ومنها أن ذلك ابتداء غارة في الحرب لأنها من أول غزوات رسول الله  ، وكان قد حصل في المشركين أضداد هذه المعاني.

كانوا تسعمائة وخمسين رجلاً وفيهم أبو سفيان وأبو جهل، ومعهم مائة فرس وسبعمائة بعير، وأهل الخيل كلهم دارعون، وكان معهم دروع سوى ذلك، وكانوا قد مرنوا على الحرب والغارات.

وإذا كان كذلك كانت غلبة المسلمين خارقة للعادة فكانت معجزة.

وثانيها أنه  كان قد أخبر عن ذلك بإخبار الله في قوله  ﴿ وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين  ﴾ يعني جمع قريش أو عير أبي سفيان.

وكان أخبر قبل الحرب بأن هذا مصرع فلان وهذا مصرع فلان والإخبار عن الغيب معجز.

وثالثها إمداد الملائكة كما سيجيء في هذه السورة.

ورابعها قوله ﴿ يرونهم مثليهم ﴾ وفيه أربعة احتمالات لأن الضمير في "يرون" إما أن يعود إلى الفئة الكافرة أو إلى الفئة المسلمة، وعلى كلا التقديرين يجوز عود الضمير في ﴿ مثليهم ﴾ إلى كل منهما فهذه أربعة: الأول أن الفئة الكافرة رأت المسلمين مثلي عدد المشركين قريباً من ألفين.

الثاني أنها رأت المسلمين مثلي عدد المسلمين ستمائة ونيفاً وعشرين، ودليل هذا الاحتمال قراءة من قرأ ﴿ ترونهم ﴾ بتاء الخطاب أي ترون يا مشركي قريش المسلمين مثلي أنفسهم.

ودليل الاحتمالين جميعاً أن عود الضمير في "يرون" إلى /الأقرب وهو الفئة الكافرة أولى، ولأنه  جعل هذه الحالة آية للكفار حيث خاطبهم بقوله ﴿ قد كان لكم آية ﴾ فوجب أن يكون الراؤون هم الكفار حتى تكون حجة عليهم، ولو كانت الآية مما شاهدها المؤمنون لم يصلح جعلها حجة على الكفرة.

والحكمة في ذلك أن يهابهم المشركون ويجبنوا عن قتالهم وهذا لا يناقض قوله في سورة الأنفال ﴿ ويقللكم في أعينهم  ﴾ لاختلاف الوقتين فكأنهم قللوا أوّلاً في أعينهم حتى اجترؤا عليهم، فلما لاقوهم كثروا في أعينهم حتى غلبوا.

على أن تقليلهم تارة في أعينهم وتكثيرهم أخرى أبلغ في القدرة وإظهار الآية.

الاحتمال الثالث أن الرائين هم المسلمون والمرئيين هم المشركون.

فالمسلمون رأوا المشركين مثلي المسلمين والسبب فيه ما قرر عليه أمرهم من مقاومة الواحد الاثنين في قوله  : ﴿ إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين  ﴾ والكافرون كانوا قريباً من ثلاثة أمثالهم، فلو رأوهم كما هم لجبنوا وضعفوا.

الاحتمال الرابع أن يكون الراؤون هم المسلمين، ثم إنهم رأوا المشركين على الضعف من عدد المشركين وهذا قول لا يمكن أن يقول به أحد لأن هذا يوجب نصرة الكفار وإيقاع الخوف في قلوب المؤمنين، والآية تنافي ذلك.

وفي الآية احتمال خامس وهو أن أول الآية قد بينا أنه خطاب مع اليهود فيكون المراد: ترون أيها اليهود المشركين مثلي المؤمنين في القوة.

وههنا بحث وهو أن الاحتمال الأول والثاني يقتضي أن المعدوم صار مرئياً، والاحتمال الثالث يوجب أن يكون الموجود والحاضر غير مرئي.

أما الأول فهو محال عقلاً والقول به سفسطة فلهذا قيل: لعل الله  أنزل الملائكة حتى صار عسكر المسلمين كثيراً.

وعلى هذا تكون الرؤية البصر، ويكون ﴿ مثليهم ﴾ نصباً على الحال، أو تحمل الرؤية على الظن والحسبان فإن من اشتد خوفه قد يظن في الجمع القليل أنه في غاية الكثرة، لكن قوله: ﴿ رأى العين ﴾ لا يجاوب ذلك إذ معناه رؤية ظاهرة مكشوفة لا لبس فيها معاينة كسائر المعاينات.

وأما الثاني فهو جائز عند الأشاعرة إذ عند حصول الشرائط وصحة الحاسة لا يكون الإدراك واجب الحصول بل يكون عندهم جائزاً لا واجباً والزمان زمان خوارق العادات.

وأما المعتزلة فعندهم الإدراك واجب الحصول عند استجماع الشروط وسلامة الحس، فاعتذروا عن ذلك بأن الإنسان عند الخوف لا يتفرغ للتأمل البالغ، فقد يرى البعض دون البعض.

أو لعل الغبار صار مانعاً عن إدراك البعض، أو خلق الله  في الهواء ما صار مانعاً عن رؤية ثلث العسكر، أو يحدث في عيونهم ما يستقل به الكثير كما أحدث في أعين الحول ما يرون به الواحد اثنين وكل ذلك محتمل.

﴿ والله يؤيد بنصره من يشاء ﴾ إما بالغلبة كيوم بدر، وإما بالحجة والعاقبة كيوم أحد.

﴿ إن في ذلك ﴾ الذي ذكره من / الآية ﴿ لعبرة ﴾ نوع عبور وهو المجاوزة من منزل الجهل إلى مقام العلم ﴿ لأولي الأبصار ﴾ ذوي العقول التي تصير القضايا معها كالمشاهد المعاين.

ثم ذكر ما هو كالشرح والبيان لمعتبر الإنسان وهو أنه ﴿ زين للناس ﴾ اللذات الجسمانية والآخرة.

وهي عالم الروحانيات - خير وأبقى، وأنها معدة لمن واظب على العبودية واتصف بالخصال الحميدة.

وأما ما يتعلق بالقصة فإنا روينا أن أبا حارثة بن علقمة النصراني اعترف لأخيه بأنه يعرف صدق محمد  إلا أنه يمنعه من اتباعه حب المال والجاه.

وروينا أيضاً أنه  لما دعا اليهود إلى الإسلام بعد غزوة بدر أظهروا من أنفسهم القوة والشدة والاستظهار بالعدة والعدد، فبيّن الله  في هذه الآية أن تلك الأشياء متاع الدنيا وزينتها، والآخرة خير.

والمزين هو الله  .

أما عند الأشاعرة فلأنه خالق أفعال العباد كلها، ولو كان المزين هو الشيطان فمن الذي زين الكفر والبدعة للشيطان؟

وأما عند جمهور المعتزلة فلحكمة الابتلاء ﴿ إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملاً  ﴾ ولأنها وسائل إلى منافع الآخرة وهو أن يتصدق بها أو يتقوى بها على طاعة الله أو يشتغل بشكرها.

كان الصاحب بن عباد يقول: شرب الماء البارد في الصيف يستخرج الحمد لله من أقصى القلب.

ولأن القادر على وجوه اللذات إذا تركها وأقبل على أداء وظائف الخدمة كان أشق له وأكثر ثواباً.

وعن الجبائي واختاره القاضي، أن كل ما كان واجباً أو مندوباً أو مباحاً فالتزيين فيه من الله تعالى، وكل ما كان حراماً فالتزيين فيه من الشيطان.

وحكي عن الحسن أنه قال: الشيطان زينها لهم وكان يحلف بالله على ذلك.

واحتجاجه في الآية بأنه أطلق الشهوات فيدخل فيها المحرمات، وإن تزيينها وظيفة الشيطان.

وذكر القناطير المقنطرة وحب المال الكثير إلى هذه الغاية لا يليق إلا بمن جعل الدنيا قبلة طلبه ومنتهى مقصوده.

وقال في معرض الذم ﴿ ذلك متاع الحياة الدنيا ﴾ والذام للشيء لا يكون مزيناً له.

وقال ﴿ قل أؤنبئكم بخير من ذلكم ﴾ والغرض تقبيح الدنيا فكيف يكون مزيناً لها؟.

ثم إنه  جعل الأعيان المشتهاة شهوات مبالغة في كونها مشتهاة محروصاً على الاستمتاع بها وذلك للتعلق والاتصال كما يقال للمقدور "قدرة" وللمرجو "رجاء".

وفيه فائدة أخرى هي أن الشهوة صفة مسترذلة عند الحكماء، مذموم من اتبعها، شاهد على نفسه بالبهيمية.

فكان المقصود من ذكر هذا اللفظ تخسيسها والتنفير عنها.

قال المتكلمون: في الآية دليل على أن الحب غير الشهوة لأن المضاف يجب أن يكون مغايراً للمضاف إليه.

فالشهوة من فعل الله  ، والمحبة من أفعال العباد، وهي أن يجعل الإنسان كل همته مصروفة إلى اللذات والطيبات.

واعلم أن الإنسان قد يحب شيئاً ولكنه يحب أن لا يحبه، وقد يحبه ويحب أن يحبه ويعتقد مع ذلك أن تلك المحبة حسنة وفضيلة وهذا هو كمال المحبة، ومنه قوله  حكاية عن سليمان /  ﴿ إني أحببت حب الخير  ﴾ ومعناه أحب الخير وأحب أن أكون محباً للخير.

فقوله: ﴿ حب الشهوات ﴾ قريب من ذلك لأن الشهوة نوع محبة.

ولفظ ﴿ الناس ﴾ عام فظاهره يقتضي أن هذا المعنى عام لجميع الناس ولا شك أنه موجود في الأغلب وفي أكثر الأوقات فلا يبعد التعميم، فطالما أعطى للأغلب حكم الكل.

على أن من همته بجوامعها مقصورة على طلب اللذات الروحانية في غاية الندرة، وبقاء ذلك النادر في جميع الأحيان على ذلك الخاطر أعز وأمنع.

ثم شرع في بيان تلك الأعيان المشتهيات فذكر منها ما هي الأمهات ورتبها في سبع مراتب: الأولى النساء لأن الالتذاذ بهن أكثر والاستئناس بهن أتم ﴿ خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودّة ورحمة  ﴾ وقال  : " إن أخوف ما أخاف على أمتي النساء" " الثانية الأولاد ولا سيما البنين ولهذا خصوا بالذكر، ومحبة النساء والأولاد كأنها حالة غريزية ولولاها لم يتصور بقاء النسل للحيوانات.

الثالثة والرابعة القناطير المقنطرة من الذهب والفضة.

قال الزجاج: القنطار مأخوذ من عقد الشيء وإحكامه ومنه القنطرة.

والمال الكثير قنطار لأن الإنسان يتوثق بها في دفع النوائب.

أبو عبيد: إنه وزن لا يحد.

روى أبو هريرة عن النبي  : " "القنطار اثنا عشر ألف أوقية " وروى أنس عنه هو ألف دينار.

وروى أبي بن كعب عنه هو ألف ومائتا أوقية.

وقال ابن عباس: ألف دينار أو اثنا عشر ألف درهم وهو مقدار الدية.

وبه قال الحسن.

وزعم الكلبي أن القنطار بلسان الروم ملء مسك ثور من ذهب أو فضة.

وعن سعيد بن جبير أنه مائة ألف دينار.

والمقنطرة مبنية من لفظ القنطار للتوكيد كقولهم "ألف مؤلفة وبدرة مبدّرة وإبل مؤبلة".

قال الكلبي: القناطير ثلاثة والمقنطرة المضاعفة فكان المجموع ستة.

وإنما كان الذهب والفضة محبوبين لأنهما جعلا ثمن جميع الأشياء فمالكهما كالمالك لجميع الأشياء.

وكل الصيد يوجد في الفرا *** ولولا التقى لقلت جلت قدرته وصفة المالكية هي القدرة، وأنها صفة كمال والكمال محبوب لذاته.

والخامسة الخيل المسوّمة قال الواحدي: الخيل جمع لا واحد له من لفظه كالقوم والنساء والرهط، وسميت الأفراس خيلاً لاختيالها وهو جولانها في مشيتها.

ويسمى الخيال خيالاً لجولان هذه القوة في استحضار الصور.

والمسومة قيل المرعية.

أسمت الدابة وسوّمتها إذا أرسلتها في مرجها للرعي.

ولا شك أنها إذا رعت ازدادت حسناً وبهاء.

وقيل: هي المعلمة من السومة / العلامة.

ثم اختلفوا في تلك العلامة فعن أبي مسلم: الغرة والتحجيل، وقال الأصم: هي البلق.

وقال قتادة: الشية - وقيل: الكي.

وقال مجاهد وعكرمة: المسومة المطهمة أي الحسان.

قال الأصمعي: رجل مطهم وفرس مطهم وفرس مطهم أي تام، كل شيء على حدته فهو بارع الجمال.

السادسة الأنعام وهو جمع نعم وهي الإبل والبقر والغنم.

ولا يقال للجنس الواحد منها نعم إلا للإبل خاصة فإنها غلبت عليها.

السابعة الحرث وهو الزراعة ذلك الذي ذكر متاع الحياة الدنيا لأن وجوه الانتفاعات الدنيوية للإنسان إما أن تكون من بني نوعه أو من غيره.

والأول أصل وهو المرأة وفرع وهو الولد، وإنما فرض الكلام في الذكور لشرفهم.

والثاني إما أن تكون من المعدنيات وأكثرها فائدة وأعمها عائدة الجوهران الثمينان فخصا بالذكر، وإما أن تكون من الحيوانات للركوب والكر والفر وهو الخيل، أو للحمل واللحم وهو الأنعام، وإما أن تكون من النباتات وهو الحاصل من الزراعة وإنما لم يتعرض للدور والقصور لأنها لم تكن معتادة عند العرب، والقرآن يخاطب أولاً معهم.

﴿ والله عنده حسن المآب ﴾ أي المرجع.

وإنما لم يذكر المآب القبيح وهو النار لأنها غير مقصودة بالذات لأنه  خلق الخلق للرحمة لا للعذاب ولهذا قال: " "سبقت رحمتي غضبي" " ثم بيّن أن ذلك المرجع كما أنه حسن في نفسه فهو أحسن وأفضل من هذه الدنيا.

والمقصود أن يعلم العبد أنه كما أن الدنيا أطيب وأفسح من بطن الأم فكذلك الآخرة أفسح وأوسع من الدنيا، أو لأنه لما عدد نعم الدنيا بين أن منافع الآخرة خير منها فقال مستفهماً على سبيل التقرير ﴿ قل أؤنبئكم بخير ﴾ أي بشيء هو خير ﴿ من ذلكم ﴾ الذي عددنا.

ثم استأنف بيانه وتقريره فقال: ﴿ للذين اتقوا عند ربهم جنات ﴾ كما تقول: هل أدلكم على حبر خير من فلان؟

عندي رجل من صفته كيت وكيت.

وبيان الخيرية ظاهر من وصف الجنات والأزواج مع قيد الخلود، فإن النعمة وإن عظمت، فتوهم الانقطاع والزوال ينغص صفوها وينقص لذتها، وبعد زوال هذا الوهم لن يتكامل طيبها إلا بالنساء فبهن يحصل الأنس.

ثم وصف الأزواج بصفة واحدة جامعة فقال: ﴿ مطهرة ﴾ أي من الأقذار والمنفرات.

وبعد ذكر تمام النعمة ذكر ماهو فوق التمام فقال: ﴿ ورضوان من الله ﴾ ويندرج فيه جميع المطالب والمقاصد لأن العبد إذا رضي عنه المولى لم يتصور منصب أجل منه وأعلى، وكأن المولى وما يملكه للعبد، كما أن العبد وما يملكه للمولى ﴿ ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم  ﴾ ويحتمل أن يكون اللام في قوله: ﴿ للذين اتقوا ﴾ متعلقاً بخير.

واختص المتقين لأنهم /هم المنتفعون به ويرتفع ﴿ جنات ﴾ على الخبر أي هو جنات ويعضده قراءة بعضهم ﴿ جنات ﴾ بالجر على البدل من ﴿ خير ﴾ وذلك أن اللام في هذه القراءة يتعين أن يكون متعلقاً بخير.

وقوله: ﴿ عند ربهم ﴾ يحتمل أن يتعلق بما يتعلق بما تعلق به قوله: ﴿ للذين ﴾ أي ثبت لهم عند ربهم.

ويحتمل أن يكون صفة لخير، ويحتمل أن يكون من تمام قوله: ﴿ اتقوا ﴾ فيكون إشارة إلى أن هذا الثواب لا يحصل إلا لمن كان متقياً عند الله  فلا يدخل فيه إلا من كان مؤمناً في علم الله ﴿ والله بصير بالعباد ﴾ عالم بمصالحهم فيجب أن يرضوا لأنفسهم ما اختار لهم من نعيم الآخرة، وأن يزهدوا فيما زهدهم فيه من أمور الدنيا، أو بصير بهم يثيب ويعاقب بحسب الاستحقاق، أو بصير بالذين اتقوا ربهم وبأحوالهم فلذلك أعدّ لهم الجنات ﴿ الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا ﴾ توسلوا بمجرد الإيمان إلى طلب المغفرة.

وقد حكى الله  ذلك عنهم في معرض المدح لهم والثناء عليهم فقيل: دل ذلك على أن الإيمان هو التصديق فقط، فإن العمل الصالح لو كان داخلاً فيه كما زعموا كان إدخاله في النار قبيحاً عندهم فيكون ممتنع الوقوع من الله  ، وضده واجب الوقوع، وسؤال الواجب وقوعه عبث فلا يصلح للمدح.

ويمكن أن يجاب عنه بأن العبد قد يدعو بما يعلم أنه حاصل له إظهار الذل و العبودية وإبداء للاستكانة والخشوع.

وأيضاً صورة العمل الصالح لا تفيد ما لم تقع في حيز القبول.

فعلى المتقي أن لا يتكل عليها ويبتهل إلى الله في مواجب الغفران.

ثم عدد من أوصاف عباده خمسة ووسط العاطف بينها دلالة على كمالهم في كل واحد منها، أو إشارة إلى أن كل واحد منها يكفي في استحقاق المدح والثواب فقال: ﴿ الصابرين ﴾ أي في أداء الطاعات وعلى ترك المحظورات وعند المحن والشدائد.

وقف رجل على الشبلي فقال: أيّ صبر أشد على الصابرين؟

فقال: الصبر في الله  .

فقال: لا.

فقال: الصبر لله.

فقال: لا.

فقال: الصبر مع الله.

قال: لا.

قال: فأي شيء؟

قال: الصبر عن الله.

فصرخ الشبلي صرخة كاد يتلف روحه.

﴿ والصادقين ﴾ أي في الأقوال وفي الأفعال بأن لا ينصرف عنها قبل تمامها، وفي النيات بأن يمضي العزم على الخيرات.

﴿ والقانتين ﴾ والمقيمين على الطاعات والمواظبين عليها ﴿ والمنفقين ﴾ ما تيسر على من تيسر بشروطه ومصارفه وجوباً وندباً ﴿ والمستغفرين بالأسحار ﴾ أي فيها.

والسحر قبل طلوع الفجر.

وخص هذا الوقت لأنهم كانوا يقدمون قيام الليل حتى إذا كان السحر أخذوا في الدعاء والاستغفار هذا ليلهم وذلك نهارهم.

وللاستغفار بالأسحار مزيد آثار وأنوار لأن السحر وقت النوم والغفلة، فإذا أعرض العبد عن تلك اللذة عرض الذلة على حضرة العزة لا يبعد أن يفيض عليه سجال المغفرة وأن يطلع صبح العالم الصغير عند طلوع صبح العالم الكبير فيستنير قلب المؤمن بأنوار المعارف وآثار اللطائف.

أما بيان ترتيب الأوصاف، / فالصبر يشمل أداء جميل التكاليف.

ثم الإنسان قد يلتزم من نفسه ما هو غير واجب عليه، فالصادق من يخرج عن عهدة ذلك ﴿ رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه  ﴾ ثم المواظبة على سلوك سبيل الخيرات أمر محمود فأشير إلى ذلك بقوله: ﴿ والقانتين ﴾ ثم إن ههنا أمرين يعينان على الطاعة: الخدمة بالمال والابتهال والتضرع إلى حصرة القدس والجلال وذلك قوله: ﴿ والمنفقين والمستغفرين بالأسحار ﴾ فقوله: ﴿ والمنفقين ﴾ معناه الشفقة على خلق الله وباقي الأوصاف حاصله التعظيم لأمر الله.

قال الكلبي: "لما ظهر رسول الله  بالمدينة قدم عليه حبران من أحبار أهل الشام، فلما أبصرا المدينة قال أحدهما لصاحبه: ما أشبه هذه المدينة بصفة مدينة النبي  الذي يخرج في آخر الزمان!

فلما دخلا على النبي  عرفاه بالصفة والنعت فقالا: أنت محمد؟

قال: نعم.

قالا: وأنت أحمد؟

قال: نعم.

قالا: إنا نسألك عن شهادة فإن أنت أخبرتنا بها آمنا بك وصدقناك.

فقال لهما رسول الله  : سلاني.

قالا: أخبرنا من أعظم شهادة في كتاب الله فأنزل الله على نبيه ﴿ شهد الله أنه لا إله إلا هو ﴾ فأسلم الرجلان وصدقا رسول الله  " .

ووجه النظم أنه مدح المؤمنين وأثنى عليهم بقوله: ﴿ ربنا إننا آمنا ﴾ ثم بين أن دلائل الإيمان ظاهرة جلية.

واعلم أن الشهادة من الله  ومن الملائكة ومن أولي العلم يحتمل أن تكون بمعنى واحد، ويحتمل أن لا تكون كذلك.

أما الأول فتقريره من وجهين: أحدهما أن الشهادة عبارة عن الإخبار المقرون بالعلم، فهذا المعنى مفهوم واحد وهو حاصل في حق الله  وفي حق الملائكة وفي حق أولي العلم.

أما من الله فذلك أنه أخبر في القرآن أنه إله واحد لا إله إلا هو وذلك في مواضع كثيرة كالإخلاص وآية الكرسي وغيرهما، التمسك بالدلائل السمعية في هذه المسألة جائز لأن العلم بنبوّة محمد  لا يتوقف على العلم بها.

وأما من الملائكة وأولي العلم وهم الذين عرفوا وحداينة الله  بالدلائل القاطعة، فكلهم أخبروا أيضاً أن الله واحد لا شريك له.

وثاني الوجهين أن تجعل الشهادة عبارة عن الإظهار والبيان.

فالله  أظهر ذلك وبيّن بأن خلق ما يدل على ذلك، والملائكة وأولو العلم أظهروا ذلك وبينوه.

أيضاً الملائكة للرسل والرسل للعلماء والعلماء لعامة الخلق.

فالتفاوت إنما وقع في الشيء الذي به حصل الإظهار والبيان.

فأما مفهوم الإظهار والبيان فشيء واحد في حق الكل، فكأنه قيل للنبي  : إن وحدانية الله  أمر قد ثبت بشهادة الله وشهادة جميع المعتبرين من خلقه، ومثل هذا الدين المبين والمنهج القويم لا يضعف بمخالفة بعض الجهال من النصارى وعبدة الأوثان، فأثبت أنت وقومك يا محمد على ذلك، فإنه هو الإسلام والدين عند الله هو الإسلام.

وأما الثاني فهو قول من يقول شهادة الله  على / توحيده عبارة عن أنه خلق الدلائل الدالة على توحيده، وشهادة الملائكة وأولي العلم عبارة عن إقرارهم بذلك ونظيره قوله  : ﴿ إن الله وملائكته يصلون على النبي  ﴾ فالصلاة من الله غير الصلاة من الملائكة.

فإن قيل: المدعي للوحدانية هو الله.

فكيف يكون المدعي شاهداً؟

فالجواب أنه ليس الشاهد بالحقيقة إلا الله لأنه خلق الأشياء وجعلها دلائل على توحيده، ثم وفق العلماء لمعرفة تلك الدلائل والتوصل بها إلى معرفة الوحدانية، ثم وفقهم حتى أرشدوا غيرهم إلى ذلك ولهذا قال: ﴿ قل أي شيء أكبر شهادة قل الله  ﴾ وفي انتصاب ﴿ قائماً بالقسط ﴾ وجوه: الأول أنه حال مؤكدة والتقدير: شهد الله قائماً بالقسط، أو لا إله إلا هو قائماً بالقسط.

وهذا أوجه لكون الإلهية والتفرد بها مقتضياً للعدالة مثل: هذا أبوك عطوفاً.

أو لا رجل إلا عبد الله شجاعاً.

ويحتمل أن يكون حالاً من "أولي العلم" أي حال كون كل واحد منهم قائماً بالقسط في أداء هذه الشهادة.

الثاني أن يكون صفة للمنفي كأنه قيل: لا إله قائماً بالقسط إلا هو.

وقد رأيناهم يتسعون في الفصل بين الصفة والموصوف.

الثالث أن يكون نصباً على المدح وإن كان نكرة كقوله: ويأوي إلى نسوة عطل *** وشعثاً مراضيع مثل السعالى ومعنى كونه قائماً بالقسط قائماً بالعدل كما يقال: فلان قائم بالتدبير أي يجريه على سن الاستقامة، أو مقيماً للعدل فيما يقسم من الأرزاق والآحال، ويثيب ويعاقب وفيما يأمر به عباده من إنصاف بعضهم لبعض والعمل على السوية فيما بينهم.

واعلم أن وجوب الوجود يلزمه الغنى المطلق والعلم التام والفيض العام والحكمة الكاملة والرحمة الشاملة وعدم الانقسام بجهة من الجهات وعدم الافتقار بوجه من الوجوه إلى شيء من الأشياء وعدم النقص والنقض في شيء من الأفعال والأحكام إلى غير ذلك من الأسماء الحسنى والصفات العليا.

ومركوز في العقل السليم أن من هذا شأنه لا يصدر منه شيء إلا على وفق العدالة وقضية التسوية ورعاية الأصلح عموماً أو خصوصاً.

فكل ما يخيل إلى المكلف أنه خارج عن قانون العدالة أو يشبه الجور أو القبح، وجب أن ينسب ذلك إلى قصور فهمه وعدم إحاطته التامة بسلسلة الأسباب والمسببات والمبادىء والغايات، فانظر في كيفية خلقه أعضاء الإنسان حتى تعرف عدل الله وحكمته فيها، ثم انظر إلى اختلاف أحوال الخلق في الحسن والقبح والغنى والفقر والصحة والسقم وطول العمر وقصره واللذة والألم، واقطع بأن كل ذلك عدل وصواب.

ثم انظر في كيفية خلقه العناصر وأجرام الأفلاك والكواكب وتقدير كل منها بقدر معين وخاصية معينة، فكلها حكمة وعدالة.

وانظر إلى تفاوت الخلائق / في العلم والجهل والفطانة والبلادة والهداية والغواية واقطع بأن كل ذلك عدل وقسط، فإن الإنسان بل كل ما سوى الله  لم يخلق مستعداً لإدراك تفاصيل كلمات الله.

فالخوض في ذلك خوض فيما لا يعنيه بل لا يسعه ولا ينفعه إلا العلم الإجمالي بأنه  واحد في ملكه، وملكه لا منازع له فيه ولا مضاد ولا مانع لقضائه ولا راد، وأن الكل بقضائه وقدره، وفي كل واحد من مصنوعاته ولكل شيء من أفعاله حكم ومصالح لا يحيط بذلك علماً إلا موجده وخالقه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.

هذا هو الدين القويم والاعتقاد المستقيم، والعدول عنه مراء، والجدال فيه هراء.

فمن نسبه إلى الجور في فعل من الأفعال فهو الجائر لا على غيره بل على نفسه إذ لا يعترف بجهله وقصوره، ولكن ينسب ذلك إلى علام الخفيات والمطلع على الكليات والجزئيات من أزل الآزال إلى أبد الآباد.

ومن زعم أن شيئاً من الأشياء خيراً أو شراً في اعتقاده حسناً أو قبيحاً بحسب نظره خارج عن مشيئته وإرادته فقد كذب ابن أخت خالته، لأنه يدعي التوحيد ثم يثبت قادراً آخر أو خالقاً غير الله  ، ولا خالق إلا هو، فلهذا كرر مضمون الشهادة وقال: ﴿ لا إله إلا هو ﴾ والتقدير: شهد الله أنه لا إله إلا هو.

وإذا شهد بذلك فقد صح أنه لا إله إلا هو كقولك: الدليل دل على وحدانية الله، ومتى كان كذلك فقد صح القول بوحدانية الله.

وفيه إيقاظ لأمة محمد أن يقولوا على وفق شهادة الله والملائكة وأولي العلم ﴿ لا إله إلا هو ﴾ وإعلام بأن هذه الكلمة يجب أن يكررها المسلم ما أمكنه هو المسك ما كررته يتضوّع *** ثم أكد كونه منفرداً بالألوهية وقائماً بالعدل بقوله: ﴿ الغزيز الحكيم ﴾ فالعزيز إشارة إلى كمال القدرة، والحكيم إشارة إلى كمال العلم.

ولا تتم القدرة إلا بالتفرد والاستقلال، ولا العدالة إلا بالاطلاع على المصالح والأحوال ﴿ إن الدين عند الله الإسلام ﴾ جملة مستأنفة مؤكدة للأولى.

والدين في اللغة الجزاء ثم الطاعة.

سميت ديناً لأنها سبب الجزاء.والإسلام في اللغة الانقياد والدخول في السلم أو في السلامة أو في إخلاص العبادة من قولهم: "سلم له الشيء" أي خلص له.

والإسلام في عرف الشرع يطلق تارة على الإقرار باللسان في الظاهر ومنه قوله  : ﴿ قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا  ﴾ ويطلق أخرى على الانقياد الكلي وهو المراد ههنا.

وفيه إيذان بأن الدين هو العدل والتوحيد.

أما التوحيد فأن يعلم أن الله  لا شريك له ولا نظير في الذات ولا في صفة من الصفات كما شهد هو به، وأما العدل فهو أن يعلم أن كل ما خلق وأمر المكلف به ونهاه / عنه فإنه عدل وصواب وفيه حكم ومصالح، فيأتمر بذلك وينتهي عنه ليكون عبداً منقاداً معترفاً بأنه  قائم بالقسط.

ومن قرأ بفتح "أن" فتقديره عند البصريين ذلك بدل من الأول، بدل الكل فكأنه قيل: شهد الله أن الدين عند الله الإسلام فيكون من باب وضع الظاهر موضع المضمر كقوله: لا أرى الموت يسبق الموت شيء *** وقيل: تقديره شهد الله أنه لا إله إلا هو وأن الدين عند الله الإسلام.

وقيل: شهد الله أنه لا إله إلا هو أن الدين عند الله الإسلام.

لأن كونه  واحداً يوجب أن يكون الدين الحق هو الإسلام، لأن دين الإسلام مشتمل على هذه الواحدانية.

وقرىء الأول بالكسر والثاني بالفتح على أن الفعل واقع على الثاني وما بينهما اعتراض.

ثم ذكر أنه أوضح الدلائل وأزل الشبهات، والقوم ما كفروا إلا لقصورهم وتقصيرهم فقال: ﴿ وما اختلف الذين أوتوا الكتاب ﴾ قيل: هم اليهود واختلافهم أن موسى عليه موسى  لما قرب وفاته سلم التوراة إلى سبعين رجلاً من الأحبار وجعلهم أمناء عليها واستخلف يوشع، فلما مضى قرن بعد قرن اختلف أبناء السبعين بعد ما جاءهم التوراة بغياً بينهم وتحاسداً على طلب الدنيا.

وقيل: المراد النصارى واختلافهم في أمر عيسى  بعد ما جاءهم العلم أنه عبد الله ورسوله.

وقيل: المراد اليهود والنصارى واختلافهم هو أنه قالت اليهود عزير ابن الله، وقالت النصارى المسيح ابن الله.

وأنكروا نبوة محمد  وقالوا: نحن أحق بالنبوة من قريش لأنهم أميون ونحن أهل كتاب.

﴿ إلا من بعد ما جاءهم العلم ﴾ أي الدلائل التي لو نظروا فيها لحصل لهم العلم.

لأنا لو حملناه على العلم لزم نسبة العناد إلى جمع عظيم وهو بعيد قاله في التفسير الكبير.

﴿ ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب ﴾ لا يصعب عليه عدة أفعاله ومعاصيه وإن كانت كثيرة، أو المراد أنه سيصل إلى الله سريعاً فيحاسبه أي يجازيه على كفره.

ثم بين للرسول  ما يقوله في محاجتهم فقال: ﴿ فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ﴾ قال الفراء: أي أخلصت عملي لله.

فعلى هذا "الوجه" في معنى العمل.

وقيل: أي أسلمت وجه عملي لله.

فحذف المضاف والمعنى كل ما يصدر مني من الأعمال.

فالوجه في الإتيان بها هو عبودية الله والانقياد لإلهيته وحكمه.

وقيل: الوجه مقحم، والتقدير: أسلمت نفسي لله، وليس في العبادة مقام أعلى من إسلام النفس كأنه موقوف على عبادته معرض عن كل ما سواه، وقوله: ﴿ ومن اتبعن ﴾ معطوف على الضمير المرفوع في ﴿ أسلمت ﴾ وحسن للفصل.

أو مفعول معه والواو بمعنى "مع".

ثم في كيفية إيراد هذا الكلام طريقان: أحدهما أن هذا إعراض عن المحاجة لأنه  كان قد أظهر المعجزات / كالقرآن ودعاء الشجرة وكلام الذئب وغيرها، وقد مر في هذه السورة إبطال إلهية عيسى وإثبات نبوة محمد  .

ثم بيّن نفي الضد والند والصاحبة والولد بقوله: ﴿ شهد الله أنه لا إله إلا هو ﴾ وذكر أن اختلاف هؤلاء اليهود والنصارى إنما هو لأجل البغي والحسد فلم يبق إلا أن يقول: أما أنا ومن اتبعن فمنقادون للحق مستسلمون له مقبلون على عبودية الله  .

وهذا طريق قد يذكره المحتج المحق مع المبطل المصر في آخر كلامه.

وثانيهما أن قوله: ﴿ أسلمت ﴾ محاجة وبيانه أن القوم كانوا مقرين بوجود الصانع وكونه مستحقاً للعبادة، فكأنه  قال هذا القول متفق عليه بين الكل فأنا متمسك بهذا القدر المتفق عليه وداعي الخلق إليه، وإنما الخلاف في أمور وراء ذلك.

فاليهود يدعون التشبيه والجسمية، والنصارى يدعون إلهية عيسى، والمشركون يدعون وجوب عبادة الأوثان.

فهؤلاء هم المدعون لهذه الأشياء فعليهم إثباتها ونظير هذه الآية ﴿ قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً  ﴾ وعن أبي مسلم أن الآية في هذا الموضع كقول إبراهيم  ﴿ إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض  ﴾ كأنه قيل: فإن نازعوك يا محمد في هذه التفاصيل فقل: أنا متمسك بطريقة إبراهيم وأنتم معترفون بأنه كان محقاً في قوله صادقاً في دينه، فيكون من باب التمسك بالإلزامات وداخلاً تحت قوله: ﴿ وجادلهم بالتي هي أحسن  ﴾ ﴿ وقل للذين أوتوا الكتاب ﴾ من اليهود والنصارى ﴿ والأميين ﴾ وهم مشركو العرب الذين لا كتاب لهم ﴿ أأسلمتم ﴾ ومعناه الأمر وفائدته التعيير بالعناد وقلة الإنصاف كقولك لمن لخصت له المسئلة ولم تأل جهداً في سلوك طريقة الكشف والبيان له: هل فهمتها؟

فإنه يكون توبيخاً له بالبلادة وكلال الذهن ومثله في آية تحريم الخمر ﴿ فهل أنتم منتهون  ﴾ إشارة إلى التقاعد عن الانتهاء.

﴿ فإن أسلموا فقد اهتدوا ﴾ إلى ما يهدي الله إليه أو إلى الفوز والنجاة في الآخرة ﴿ وإن تولوا ﴾ أعرضوا عن الإسلام لي والاتباع لك ﴿ فإنما عليك البلاغ ﴾ .

ما عليك إلا أن تبلغ الرسالة وتنبه على طريق الرشاد ﴿ والله بصير بالعباد ﴾ يوفق للصلاح من شاء ويترك على الضلالة من أراد.

ثم وصف المتولي بصفات ثلاث وأردفه بوعيده فقال: ﴿ إن الذين يكفرون بآيات الله ﴾ أي ببعضها المعهود لأن اليهود كانوا مقرين ببعض الآيات الدالة على وجود الصانع وقدرته وعلمه وشيء من المعاد أو بكلها كما هو ظاهر الجمع المضاف، وتوجيهه أن المكذب ببعض آيات الله كالكافر بجميعها ﴿ ويقتلون النبيين ﴾ أي المعهودين لأنهم ما قتلوا كلهم ولا أكثرهم ﴿ بغير حق ﴾ من غير ما شبهة عندهم ﴿ ويقتلون ﴾ أو يقاتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس.

عن الحسن أن في الآية دلالة على أن الآمر / بالمعروف والناهي عن المنكر تلي منزلته عند الله منزل الأنبياء فلهذا ذكرهم عقيبهم.

"وروي أن رجلاً قام إلى رسول الله  فقال: أيّ الجهاد أفضل؟

فقال  : أفضل الجهاد كلمة حق عند سطان جائر" .

فإن قيل: إذا كان قوله: ﴿ إن الذين يكفرون ﴾ في حكم المستقبل لا أقل من الحال لأنه وعيد لمن هو في زمن رسول الله، ولم يقع منهم قتل الأنبياء ولا القائمين بالقسط، فكيف يصح الكلام؟

قلنا: إن القوم كانوا يريدون قتل رسول الله  والمؤمنين جميعاً، إلا أنه  عصمهم منهم فصح إطلاق القاتل عليهم كما يقال: السم قاتل أي ذلك من شأنه إن وجد القابل.

أو نقول: وصفوا بسيرة أسلافهم لأنهم راضون بذلك.

عن أبي عبيدة بن الجراح "قلت: يا رسول الله أيّ الناس أشد عذاباً يوم القيامة؟

قال: رجل قتل نبياً أو رجلاً أمر بمعروف ونهى عن منكر ثم قرأ هذه الآية.

ثم قال: يا أبا عبيدة قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبياً من أول النهار في ساعة واحدة.

فقام مائة واثنا عشر رجلاً من عباد بني إسرائيل فأمروا قتلتهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوا جميعاً من آخر النهار" ﴿ فبشرهم بعذاب أليم ﴾ إنما دخلت الفاء لتضمن اسم "إن" معنى الشرط، فإن لا يغير معنى الابتداء بخلاف "ليت" و"لعل".

واعلم أنه  قسم وعيدهم إلى ثلاثة أقسام: الأول اجتماع أسباب الآلام والمكاره عليهم وهو العذاب الأليم، واستعارة البشارة ههنا للتهكم.

الثاني زوال أسباب المنافع عنهم بالكلية وهو قوله: ﴿ أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة ﴾ أما في الدنيا فإبدال المدح بالذم والثناء باللعن وأسباب الاحترام والاحتشام بأصناف الذل والهوان من السبي والقتل والجزية، وأما في الآخرة فكما قال عز من قائل ﴿ وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً  ﴾ الثالث لزوم ذلك في حقهم وهو قوله: ﴿ وما لهم من ناصرين ﴾ ثم ذكر غاية عناد أهل الكتاب فقال: ﴿ ألم تر إلى الذين ﴾ عن ابن عباس قال: "دخل رسول الله  بيت المدراس على جماعة من اليهود فدعاهم إلى الله فقال له نعيم بن عمرو والحرث بن زيد: على أي دين أنت يا محمد؟

فقال: على ملة إبراهيم.

فقالا: إن إبراهيم كان يهودياً.

فقال رسول الله: فهلموا إلى التوراة فهي بيننا وبينكم فأبيا" فنزلت.

وقال الكلبي: نزلت في اللذين زنيا من خيبر وحكم رسول الله  فيهما بالرجم وأنكر اليهود عليه  وسوف تجيء القصة في سورة المائدة مفصلة.

وقيل: دعاهم النبي  أو إياهم والنصارى إلى الآيات الدالة على صحة نبوته من التوراة أو منها ومن الإنجيل فأبوا فنزلت.

ومعنى قوله: ﴿ أوتوا نصيباً ﴾ أي حظاً وافراً من علم الكتاب يريد أحبار اليهود.

و"من" إما للتبعيض وإما للبيان.

والكتاب يراد به غير القرآن من الكتب التي كانوا مقرين بحقيتها.

/ وقيل: أي حصلوا من جنس الكتب المنزلة أو من اللوح التوراة وهي نصيب عظيم.

ثم بين سبب التعجيب بقوله: ﴿ يدعون إلى كتاب الله ﴾ وهو التوراة كما مر في أسباب النزول، ولأنه  عجب رسوله من تمردهم وإعراضهم، وإنما يتوجه التعجيب إذا تمردوا عن حكم الكتاب الذي يعتقدون صحته.

وعن ابن عباس أنه القرآن وليس ببعيد لأنهم دعوا إليه بعد قيام الحجج على أنه كتاب من عند الله ليحكم أي الكتاب بينهم أي بينهم وبين رسول الله  ، فحذف الثاني للعلم به.

أو يراد الحكم في الاختلاف الواقع بينهم كما في قصة الزانيين، ولهذا راجعوا في ذلك رسول الله  رجاء أن يكون عنده رخصة في ترك الرجم، قال في الكشاف: والوجه أن يراد ما وقع من الاختلاف والتعادي بين من أسلم من أحبارهم وبين من لم يسلم وأنهم دعوا إلى كتاب الله الذي لا اختلاف بينهم في صحته وهو التوراة ليحكم بين المحق والمبطل منهم ﴿ ثم يتولى فريق منهم ﴾ وهم الرؤساء والأحبار أو الذين لم يسلموا من أحبارهم ومعنى "ثم" استبعاد ما بين رتبتي الدعاء والتولي ﴿ وهم معرضون ﴾ قوم لا يزال الإعراض ديدنهم وهجيراهم.

والضمير في "هم" إما أن يرجع إلى الفريق أي هم جامعون بين التولي والإعراض لا عن استماعهم الحجة في ذلك المقام فقط، بل عنه وعن سائر المقامات.

وإما أن يرجع إلى الباقين منهم فيكون قد وصف العلماء والرؤساء بالتولي والباقين بالإعراض لأجل إعراض علمائهم ومتقدميهم.

وإما أن يرجع إلى كل أهل الكتاب أي هم قوم عادتهم الإعراض عن قبول الحق ذلك التولي والإعراض، أو ذلك العقاب أو الوعيد بسبب أنهم كانوا يتساهلون في أمر العقاب ولا يفرقون بين ما يتعلق بأصول الدين وبين ما يتعلق بفروعها فقالوا: ﴿ لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات  ﴾ هي أيام عبادة العجل فاستوجبوا الذم من وجوه: أحدها استقصار مدة العذاب ومن أين لهم العلم بذلك؟

وثانيها أن عبادة العجل كفر والكفر يستحق به الكافر عذاباً دائماً.

وثالثها أن استثناء الأيام المعدودات فقط فيه دليل على أنهم استحقروا تكذيب محمد  والقرآن وذلك كفر صريح.

﴿ وغرّهم في دينهم ما كانوا يفترون ﴾ من قولهم: ﴿ نحن أبناء الله وأحباؤه  ﴾ أو من قولهم: ﴿ لن تمسنا النار إلا أياماً  ﴾ أو من قولهم "نحن أولى بالنبوة من قريش" أو من زعمهم أن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم.

﴿ فكيف ﴾ يصنعون؟

أو فكيف حالهم؟

وفي هذا الحذف فخامة لما فيه من تحريك النفس على استحضار كل نوع من العذاب ﴿ إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ﴾ قال الفراء: إذا قلت جمعوا اليوم الخميس معناه جمعوا لفعل يوجد في يوم الخميس.

أما إذا قلت: جمعوا في يوم الخميس فلا تضمر فعلاً.

وأيضاً من المعلوم أن ذلك اليوم لا فائدة فيه إلا المجازاة والفرق بين المثاب والمعاقب.

﴿ ووفيت كل نفس ما كسبت ﴾ من ثواب أو عقاب أو جزاء / ما عملت ﴿ وهم لا يظلمون ﴾ يرجع إلى كل نفس على المعنى لأنه في معنى كل الناس كما تقول: ثلاثة أنفس تريد ثلاثة أناسي.

روي أن أول راية ترفع لأهل الموقف من رايات الكفار راية اليهود فيفضحهم الله على رؤوس الإشهاد ثم يأمر بهم إلى النار.

التأويل: ﴿ ستغلبون ﴾ إشارة إلى أن المبتلى بالكفر مغلوب الحكم الأزلي بالشقاوة ﴿ ربنا غلبت علينا شقوتنا ﴾ \[المؤمنون: 106\] ثم مغلوب الهوى والنفس والشيطان ولذات الدنيا.

فبغلبات النفس والهوى يرد إلى أسفل سافلي الطبيعة فيعيش فيها ثم يموت على ما عاش فيه ويحشر على ما مات عليه في قعر جهنم وبئس المهاد، مهاد مهده في معاشه.

﴿ قد كان لكم آية في فئتين التقتا ﴾ إن لله  فئتين في الظاهر من المؤمن والكافر، وفئتين في الباطن من القلب وصفاته والنفس وصفاتها الذميمة، ولهما الحرب والالتقاء على الدوام وهو الجهاد الأكبر ﴿ والله يؤيد بنصره من يشاء ﴾ من القلب وجنوده وهم الروح والسر والأوصاف الحميدة والملائكة، ومن النفس وأعوانها وهم الهوى والدنيا والأوصاف الذميمة والشياطين ثم أخبر عن جنود الفئتين وأعوان الفرقتين بقوله: ﴿ زين للناس ﴾ .

واعلم أنالله خلق الخلق على طبقات ثلاث: العوام ويعبر عنهم بلفظ الناس والغالب عليهم الهوى وهم أصحاب النفوس، والخواص ويعبر عنهم بلفظ المؤمن وهم أرباب الأرواح والغالب عليهم التقوى، وخواص الخواص ويذكرهم بلفظ الولي ﴿ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون  ﴾ والغالب فهيم المحبة والشوق.

ثم إن لجهنم سبع دركات محفوفة بالشهوات.

فأشار بالنساء إلى شهوة الفرج، وبالبنين إلى شهوة الطبيعة الحيوانية المائلة إلى الولد، وبالقناطير المقنطرة من الذهب والفضة إلى شهوة الحرص على المال، وبالخيل المسوّمة إلى شهوة الجاه والخيلاء بالركوب عليها، وبالأنعام إلى شهوة الجمال والاقتناء ﴿ ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون  ﴾ وبالحرث إلى شهوة الحكم والرياسة على الرعايا وأهل القرى.

ثم ذكر درجات الجنات الثمانية للخواص منها التقوى للذين اتقوا والرضا بالقضاء ﴿ ورضوان من الله ﴾ والإيمان ﴿ ربنا إننا آمنا ﴾ والصبر والصدق والقنوت والإنفاق والاستغفار بالأسحار هذه جنات عاجلة تجري من تحتها الأنهار الألطاف والواردات.

والأزواج المطهرة الأخلاق الفاضلة التي تتولد منها، فإذا عاش في الجنات مات وحشر كذلك.

ثم أشار إلى أحوال خواص الخواص مستورة من نظر الخواص محفوظة عن فهم العوام بقوله: ﴿ والله عنده حسن المآب ﴾ ما احلولى لهم الدنيا يا دنيا مري على أوليائي ولا وقفوا عند جنة المأوى ﴿ ما زاغ البصر وما طغى  ﴾ وإنما طلبوا قرب المولى ﴿ للذين أحسنوا الحسنى  ﴾ ﴿ شهد الله ﴾ بكلامه / الأزلي عن عمله السرمدي على ذاته الأحدي وكونه الصمدي ﴿ أنه لا إله إلا هو ﴾ وهي شهادة الحق للحق بالحق أنه الحق، وهو متفرد بهذه الشهادة الأزلية الأبدية لا يشاركه فيها أحد، فكما أن ذاته لا تشبه الذوات وصفاته لا تشبه الصفات، فشهادته لا تشبه الشهادات.

شهد بجلال قدره على كمال عزه حين لا حين ولا أين ولا عقل ولا جهل ولا غير ولا شرك ولا عرش ولا فرش ولا الجنة ولا النار ولا الليل ولا النهار ولا الجن ولا الإنس ولا الملائكة ولا أولو العلم ولا الإنكار ولا الإقرار، فأخبر الذي كان عما كان كما كان وهو أنه لا إله إلا هو، ثم أبدع الموجودات كما شاء على ما شاء لما شاء.

فكل جزء من أجزائها، وكل ذرة من ذراتها، بوجوده مفصح، ولربوبيته موضح، وعلى قدمه شاهد، ولكن ينبوع ماء التوحيد هو القدم فجرى في مجاري أنهار المحدثات إلى أن ظهر من عيون الملائكة وأولي العلم.

ثم الملائكة وإن كانوا مظهر ماء التوحيد كما كان أولو العلم، ولكن اختص أولو العلم منهم بمشربية ﴿ وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها  ﴾ .

لي سكرتان وللندمان واحدة *** شيء خصصت به من بينهم وحدي فحقيقة معنى الآية: شهد الله أنه لا إله إلا هو وهو قائم بالقسط على أمور عباده حتى يشهد على شهادته الملائكة وأولو العلم.

ثم فائدة التكرار بقوله ﴿ لا إله إلا هو ﴾ عائدة إلى أولي العلم الذين لهم شركة مع الملائكة في مظهرية ماء التوحيد بالشهادة، ولهم اختصاص بالمشربية لماء التوحيد فشاهدوا حقيقة ﴿ لا إله إلا هو العزيز ﴾ الذي لا يشاهد عزته إلا أعزته من بين البرية ﴿ الحكيم ﴾ الذي بحكمته اختارهم لهذه العزة من جملة الخليقة.

﴿ وما اختلف الذين أوتوا الكتاب ﴾ الاختلاف في الصورة من نتائج تناكر الأرواح في عالم المعنى والأرواح فما تعارف منها في الميثاق لتقاربهم في الصف أو لتقابلهم في المنزل ائتلف، وما تناكر منها لتباعدهم في الصف أو لتدابرهم في المنزل اختلف.

﴿ إلا من بعد ما جاءهم العلم ﴾ فيه أن العلم مظنة الحسد، ولكن المحمود منه ما يخص باسم الغبطة.

﴿ ويقتلون النبيين ﴾ الإنسان خلق مستعداً لقبول فيض صفات لطف الحق وقهره، فكما أن كمال الإنسان في قبول فيض اللطف أن يفدي نفسه في متابعة الأنبياء حتى يكون خير البرية، فنقصانه في قبول فيض القهر أن يقتل الأنبياء حتى يكون شر البرية، فلهذا تحبط أعماله ولا ترجى توبته وترجى توبة إبليس ﴿ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب ﴾ فيه إشارة إلى أن من أوتي حظاً من العلم فعليه إذا دعي إلى حكم من أحكام الله أو إلى ترك الدنيا ومخالفة الهوى أن يمتثل وينقاد وإلا كان مغروراً بالدنيا مفترياً في الدعوى، وهذه حال أكثر من أوتي نصيباً / من علم الظاهر ولم يؤت حظاً من علم الباطن، فهم أهل العزة بالله فكيف حال المغرورين إذا جمعهم الله؟

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ ﴾ : قيل: بآيات الله التي في كتابهم: من بعث محمد  ، وصفته.

وقيل: : ﴿ بِآيَاتِ ﴾ بالقرآن، وبمحمد  .

﴿ وَيَقْتُلُونَ ﴾ : يحتمل قوله: ﴿ وَيَقْتُلُونَ ﴾ أي: يهمون يريدون قتلهم؛ كقوله: ﴿ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَٱقْتُلُوهُمْ  ﴾ ، فلو كان على حقيقة القتل، فإذا قتلونا لم نقدر على قتلهم؛ وكقوله: ﴿ فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْآنَ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ  ﴾ أي: إذا أردت أن تقرأ القرآن؛ وكقوله: ﴿ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ فٱغْسِلُواْ  ﴾ كذا، أي: إذا أردتم أن تقوموا إلى الصَّلاة؛ لأنه إذا قام إلى الصّلاة لم يقدر على الغسل؛ فكذلك الأوّل.

ويحتمل أن يريد: الرضا بقتل آبائهم الأنبياء، فأضاف ذلك إليهم.

وقيل: إنه أراد آباءهم الذين قتلوا الأنبياء.

وقيل: جاءَ أنهم كانوا يقتلون ألف نبي كل يوم، قال [الشيخ]: لا أعرف هذا، فإن صح فهو على أنهم تمنوا ذلك، أو قتلوا نبيّاً وأنصاره، فسمّوا أنبياء؛ لما كان ينبىء بعضهم بعضاً، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ : لو كان أراد آباءَهم كيف يأمر رسوله  بالبشارة وهم موتى؟!

دل هذا على أن التأويل هو الأوّل: أنهم هموا بقتلهم، أو ورضوا بصنع آبائهم، والله أعلم.

والبشارة المطلقة إنما تستعمل في السّرور والخيرات خاصَّة، إلا أن تكون مقيّدة؛ فحينئذ تجوز في غيرها؛ كقوله: ﴿ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ قيدها هنا؛ لذلك قال أصحابنا - رحمهم الله -: أن ليست الحقائق أولى من المجاز، ولا الظاهر أولى من الباطن؛ إلا بدليل على ما صرفت أشياء كثيرة عن حقائقها بالعرف؛ من نحو: الإيمان، وغيرها.

وقوله: ﴿ أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ ﴾ يحتمل وجوهاً: يحتمل: أعمالهم التي فعلوا؛ قبل أن يبعث محمد  ، فلما بعث كفروا به، فبطلت تلك الأعمال.

ويحتمل: ما كان لهم ن الأعمال: من صلة المحارم، والقربات، والصدقات، فبطلت لما لا قوام لها إلا بالإيمان، فلما لم يأتوا به - بطلت.

وقوله: ﴿ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ ﴾ : أمَّا في الآخرة: فثوابها، وأمَّا في الدنيا: فحمدها وثناؤها.

ويحتمل في الدنيا: ثواب الدنيا؛ كقوله: ﴿ مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا فَعِندَ ٱللَّهِ ثَوَابُ ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ  ﴾ ٍ، والله أعلم.

قال الشيخ - رحمه الله - في قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ ﴾ : فالآيات أعلام وحجج، وهنّ أنواع: منها حسِّيات، نحو: الخلائق؛ في الدلالة على وحدانية الله  .

الخارجة منها عن احتمال وسع البشر يظهر عند أداء الرسل الرسالة، يشهد على أن الذي أرسلهم هو الذي تولاهم؛ ليعلم بها محجة ويوضح بها رسالتهم.

ومنها: السمعيات: وهي التي جاءت بها الرسل من الأنباء؛ عما لا سبيل إلى الوقوف عليها، إلا بالتعلم بلا تقدم تعليم، أو ما لا يعلم حقيقة ذلك إلا الله؛ ليعلم أن الله هو الذي أطلعهم عليها؛ ليكون آية لهم، والله أعلم.

ومنها العقليات: وهي التي تعرف بالمحن، والبحث عنها مما بها يوصل إلى معرفة التوحيد والرسالة ونحوها، ثم قد جعلها كلها لرسول الله  ، فمن يكفر بها يخرج على وجهين: أحدهما: على الكفران بحقيقة الآيات؛ أن يكون هن آيات لما أقيمت له، وهن من الوجوه التي ذكرت، فقضى الله -  - لمن يكفر بها بما ذكرت؛ لتعنتهم ومعاندتهم، والله أعلم.

والثاني: أن يريد بالكفر بالآيات: الكفر بمن له الآيات؛ فنسب إلى الآيات؛ لما بها تعلم الحقيقة، كما تنسب الأشياء إلى أسبابها التي بها يوصل إليها، فذلك معنى الكفر بالآيات، ثم كانت الكتب السماوية، وما فيها من النعوت، وما أعجزهم عن إتيان مثل القرآن، وغير ذلك من الحسّيات، والله أعلم.

فعلى ما ذكرنا يخرج معنى الكفر بالآيات؛ لأنها بحيث يأخذها الحواس، ويحيط بها الأوهام والعقول؛ ولكن على أنهن آيات للذي دَلَّكُم عليه، أو على الكفر بالذي له آيات توجب تحقيقه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ ﴾ .

وقال في ذلك الكتاب: ﴿ لاَّ رَيْبَ فِيهِ  ﴾ ، وقد ارتاب فيها أكثر أهل الأرض؛ قيل: قوله: ﴿ لاَّ رَيْبَ فِيهِ ﴾ قد يتكلم به على تثبيت المقول به عند قائله، لا على نفي الشك عن كل من سمعه؛ إرادة التأكيد؛ فعلى ذلك أمكن أن يخرج معناه؛ إذ هو مخاطبة على ما عليه كلامهم؛ وكذلك قولهم أبداً على دوامه وامتداده، لا على حقيقة الأبدية؛ وكذلك يقولون: ﴿ هَـٰذَآ إِفْكٌ قَدِيمٌ  ﴾ ، وأمر قديم: لا على حقيقة القدم؛ التي تخرج على الكون بعد أن لم يكن، والله الموفق.

والثاني: على أنه لا يرتاب فيه المتأمّل المنصف بما جعل الله لذلك من الآيات، وعليه من الأدلة التي من تدبر فيها - أظهرته له، حتى يصير كالمعاين، ولا قوة إلا بالله.

والثالث: أن يخبر به رسوله  عن قوم مخصوصين مما كانوا ينازعون فيه، بعد علمهم بصدقة؛ ليعرف به تعنتهم، ويؤيسه عن الطمع فيهم، ولا قوة إلا بالله.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إن الذين يكفرون بحجج الله التي أنزلها عليهم، ويقتلون أنبياءه بغير حق، وإنما ظلمًا وعدوانًا، ويقتلون الذين يأمرون بالعدل من الناس، وهم الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، بشِّر هؤلاء الكفار القتلة بعذاب أليم.

<div class="verse-tafsir" id="91.Jz0nl"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

قيل إن الآية في اليهود، وعندي أن القول على أنها عامة هو الأولى، وهي تتحدث عن مشركي العرب الذين حاولوا قتل نبي واحد، على حد كون قتل النفس الواحدة كقتل جميع الناس.

﴿ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ  ﴾ : إن مرتبة هؤلاء تلي مرتبة الأنبياء.

وقوله تعالى: ﴿ مِنَ النَّاسِ  ﴾ يشعر بقلتهم.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله