الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 4 النساء > الآية ٣٣
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 8 دقيقة قراءةوقوله تعالى: ﴿ وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ ﴾ الآية.
أراد: ولكل واحد من الرجال والنساء، جعلنا موالي.
قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد: أي عصبة (١) وقال السدي: أي ورثة (٢) ومضى الكلام في المولى، واشتقاقه في اللغة.
وقوله تعالى: ﴿ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ ﴾ فيه قولان: أحدهما: أن (من) في قوله (مما) متعلق بمحذوف، ذلك المحذوف من صفة المولى، كأنه قيل: لكل جعلنا ورثة يرثون، أو يُعطَون مما ترك والداه وأقربوه من ميراثهم له.
والوالدان والأقربون على هذا هم الذين ماتوا وورثهم المعني بقوله.
﴿ وَلِكُلٍّ ﴾ ، والألف واللام في الوالدان والأقربون بدل عن الكناية، كأنه قيل: مما ترك والداه وأقربوه، كقوله: ﴿ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾ أي مأواه.
الثاني: أن قوله: ﴿ مِمَّا تَرَكَ ﴾ في صفة (موالي) (٣) ﴿ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ ﴾ أي هم هؤلاء.
و (ما) على هذا القول بمنزلة (مَن)، والوالدان والأقربون هم الوارثون.
وعلى هذا القول يحتمل أن يكون المعنى: ولكل شخص جعلنا ورثةً ممن تركهم والداه وأقربوه، أي: تشعبت العصبة والورثة عن الوالدين والأقربين (٤) والوالدان والأقربون (٥) وعلى القولين اللذين ذكرنا يجوز أن يُعنى بقوله: (ولكل) المال والميراث فيكون المعنى على القول الأول: ولكل مال وميراث مما ترك الوالدان والأقربون جعلنا موالي، أي عصبة وورثة يرثونه، وعلى هذا يكون قد فصل بين الصفة والموصوف بقوله: ﴿ جَعَلْنَا مَوَالِيَ ﴾ .
وعلى القول الثاني يكون المعنى: ولكل مال مما ترك الميت جعلنا ورثة، ثم ابتدأ (فقال) (٦) ﴿ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ ﴾ أي هم هؤلاء، وقوله تعالى: ﴿ جَعَلْنَا مَوَالِيَ ﴾ فاصل أيضًا، وجملة هذا أنك إذا فسرت الكل بالشخص كان (من) في قوله (مما) متعلقًا بمحذوف، أو صفة لموالي، وإن (فسرته) بالمال كان في صفة (لكل)، مفصولًا بينه وبين الموصوف بقوله: ﴿ جَعَلْنَا مَوَالِيَ ﴾ ، فتدبّره تفهم إن شاء الله.
وقوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ ﴾ .
هم الحلفاء (٧) (٨) ﴿ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ ﴾ (٩) وقوله تعالى: ﴿ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ﴾ .
الكناية تعود إما إلى الموالي، أو إلى الوالدان والأقربون والحلفاء إذا جعلناهم وارثين، إلا أن المفسرين يحملون قوله: ﴿ والذين عاقدت أيمانكم ﴾ على الابتداء، ولا يعطفونه (١٠) قالوا: وكان الرجل في الجاهلية يعاقد الرجل، ويقول له: دمي دمك، ويرثني وارثك، وثأري ثأرك، وحربي حربك، وسِلمي سِلمك فلما قام الإسلام جعل للحليف السدس (١١) واختلف القراء في قوله: ﴿ عَاقَدَت ﴾ ، فقرأ أهل الكوفة (عَقَدَتْ) (١٢) والباقون (عَاقَدَت) بالألف (١٣) (١٤) (١٥) ومن قرأ (عَقَدَتْ) كان المعنى: عقدت حلفَهم أيمانكم، كالأول، إلا أنهم حملوا على لفظ الأيمان، لأن الفعل لم يُسند إلى أصحاب الأيمان في اللفظ، إنما أُسنِد إلى الأيمان (١٦) والأيمان ههنا يحتمل أن يكون جمع يمين من اليد، ويحتمل أن يكون من القَسَم، وذلك أنهم كانوا يضربون صفقة البيعة بأيمانهم ويأخذ بعضهم بيد بعض على الوفاء والتمسك بالعهد، ويتحالفون عليه أيضًا (١٧) وقوله تعالى: ﴿ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ﴾ .
أي حظهم من الميراث.
عن ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة وعامر والضحاك (١٨) ﴿ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ ﴾ .
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد السراج، أخبرنا أبو الحسن الكارزي، أخبرنا علي بن عبد العزيز، عن أبي عبيد، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، وعثمان بن عطاء، عن عطاء الخرساني، عن ابن عباس: ﴿ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُم ﴾ قال: كان الرجل قبل الإسلام يعاقد الرجل، يقول: يرثني وارثك، نسختها ﴿ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ ﴾ (١٩) وقال مجاهد في هذه الآية: كان حلف في الجاهلية، فأُمِروا أن يُعطوهم نصيبهم من المشورة والنصر والرفد، ولا ميراث (٢٠) وعلى هذا لا يكون في الآية نَسخٌ لقوله عز وجل: ﴿ أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ﴾ ، ولما رُوي أنه قال يوم فتح مكة: "ما كان من حِلف في الجاهلية فتمسّكوا به؛ فإنه لم يزده الإسلام إلا شِدّة.
ولا تُحدثوا حلفًا في الإسلام" (٢١) : "شهدت حلف المطيبين (٢٢) (٢٣) وقال سعيد بن المسيب في هذه الآية: إنما أنزل الله ذلك في الذين كانوا يتبنّون أبناء غيرهم وُيوَرِّثونهم، فأنزل الله فيهم أن يُجعل لهم نصيب من الوصية، ورد الميراث إلى الموالي من ذوي الرحم والعصبة، وأبى الله أن يجعل للمدّعَين (٢٤) (٢٥) (٢٦) وبمثل هذا قال الحسن (٢٧) (٢٨) ﴿ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ ﴾ : هم (٢٩) (٣٠) فقد حصل في قوله: ﴿ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ﴾ ثلاثة أقوال، الأول: من الميراث، ثم نُسخ.
والثاني: من النصر، والثالث: من الوصية، ولم ينسخ على هذين.
وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا ﴾ .
قال عطاء: يريد: لم يغب عنه علم ما خلق وبرأ (٣١) (١) أخرج الآثار عنهم الطبري 5/ 50 - 51، وأخرج قولًا لابن عباس كقول السدي الآتي وأن المراد الورثة، ونسب هذا القول لهم جميعًا الماوردي في "النكت والعيون" 1/ 479، وانظر: "الدر المنثور" 2/ 509.
(٢) أخرجه الطبري 5/ 51 بلفظ: هم أهل الميراث، وورد نحوه عن ابن عباس انظر: الطبري 5/ 50، والقولان متقاربان، وقد رجح الماوردي الثاني، انظر: "النكت والعيون" 1/ 479.
(٣) في (أ): (موال).
(٤) انظر "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 412، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 196 ، "الكشف والبيان" 4/ 49 أ، "غرائب التفسير" 1/ 294، "البيان" 1/ 252.
(٥) في (د): (والأقربين).
(٦) ليس في (د).
(٧) في (د): (الخلفاء)، وما أثبته هو الصواب.
(٨) انظر "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 119، الطبري 5/ 51 - 52، "معاني الزجاج" 2/ 46، "بحر العلوم" 1/ 351، "الكشف والبيان" 4/ 49 ب.
(٩) ممن قال بجواز العطف العكبري في "إملاء ما من به الرحمن بهامش الفتوحات الإلهية" 2/ 239، وقد استبعد أبو حيان هذا الوجه.
انظر: "البحر المحيط" 3/ 238، "الدر المصون" 3/ 669.
(١٠) في (أ): (ولا يعطونه).
(١١) انظر: "جامع البيان" 5/ 51 - 56، "معاني الزجاج" 2/ 46، "بحر العلوم" 1/ 351، "الكشف والبيان" 4/ 49 ب.
(١٢) لعاصم وحمزة والكسائي وخلف.
انظر: "الطبري" 5/ 51، "الحجة" 3/ 156، "المبسوط" ص 156، "النشر" 2/ 249.
(١٣) انظر المصادر السابقة.
(١٤) في (د): (المحالفين).
(١٥) في (د): (العائد).
(١٦) انتهى توجيه القراءتين من "الحجة" 3/ 156، 157 بتصرف، وانظر: الطبري 1/ 51.
(١٧) من "الكشف والبيان" 4/ 49 أ - ب بتصرف.
(١٨) أخرج الآثار عنهم إلا عامرًا الطبري 5/ 52 - 53، وعامر هذا لعله الشعبي، وقد يكون تصحف عن عكرمة، فقد أخرج له الطبري أثرًا يدل على قوله بذلك.
وانظر: ابن كثير 1/ 534 - 535.
(١٩) أخرجه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 226، وجاء نحوه عن ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة في "تفسيره" ص 145، وأخرجه الطبري 5/ 52.
(٢٠) بنحوه في "تفسيره" 1/ 154، وأخرجه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 225، والطبري 5/ 54 بلفظ قريب من هذا اللفظ، وذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 49 ب.
(٢١) هذا حديث مركب من حديثين أخرجهما الطبري، الأول -عن طريق قيس بن عاصم- قال : "ما كان من حلف في الجاهلية فتمسكوا به، ولا حلف في الإسلام".
والثاني -من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده- أن رسول الله قال في خطبته يوم فتح مكة: "فوا بحلف، فإنه لا يزيده الاسلام إلا شدة، ولا تحدثوا حِلفا في الاسلام" "جامع البيان" 5/ 55 - 56.
(٢٢) هو حلف اجتمع فيه بنو هاشم وبنو زهرة وتيم في دار ابن جدعان وتحالفوا على التناصر والأخذ للمظلوم من الظالم.
"المستدرك" 2/ 220 حاشية (1).
(٢٣) الحديث من رواية عبد الرحمن بن عوف أخرجه الإمام أحمد 1/ 190، والطبري 5/ 56، والحاكم في "المستدرك" 2/ 220، وصححه ووافقه الذهبي، وانظر: "صحيح الجامع" 3/ 230.
(٢٤) في (د): (للموصين).
(٢٥) في (د): (من).
(٢٦) أخرجه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 227، والطبري 5/ 55، وأورده الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 50 أ، وانظر: "المسير" 2/ 72.
(٢٧) لم أقف عليه، وقد أخرج الطبري عن الحسن خِلافه وأن المراد بالآية الحُلفَاء الذين يتوارثون في الجاهلية فنسخ الله ذلك.
انظر: الطبري 5/ 52.
(٢٨) هكذا في (أ)، (د)، ولعل الصواب: واختاره.
(٢٩) في (د): (هي).
(٣٠) لم أقف على قول ابن كيسان هذا.
(٣١) لم أقف عليه.
<div class="verse-tafsir"