الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 4 النساء > الآية ٣٦
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 9 دقيقة قراءةوقوله تعالى: ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾ .
قال الزجاج المعنى: أوصاكم الله بعبادته، وأوصاكم بالوالدين إحسانًا (١) وقال الفراء: وأحسنوا بالوالدين إحسانًا.
أمرهم بالإحسان (٢) قال ابن عباس: يريد البِرّ بهما مع اللطف ولين الجانب، ولا يُغلظ لهما الجواب، ولا يُحدّ إليهما النظر، ولا يرفع صوته عليهما، كما قال الله: ﴿ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ ﴾ يكون بين أيديهما ذليلًا مثل العبد بين يدي السيد الفظّ الغليظ، تذلّلًا لهما مع المحبة (٣) ﴿ وَبِذِي الْقُرْبَى ﴾ ، القربى مصدر كالقرابة (٤) قال ابن عباس: يصله ويعطف عليه (٥) (٦) ﴿ وَالْيَتَامَى ﴾ ، قال ابن عباس: يرفق بهم ويدنيهم ويمسح رأسهم.
﴿ وَالْمَسَاكِينِ ﴾ ، قال: يريد: بَذْلُ يسر، أو ردّ جميل (٧) ﴿ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى ﴾ ، قال عامة المفسرين: يعني القريب في النسب، الذي يبنك وبينه قرابة، وله حقوق؛ حق القرابة وحق الجوار وحق الإسلام (٨) ودل كلام الزجاج على أنه أراد بالقُربى ههنا قرب الدار والمعرفة والاختلاط، لأنه قال: هو الذي يقاربك ويعرفك (٩) ﴿ وَالْجَارِ الْجُنُبِ ﴾ ، فكما أن الغريب لا يعرفك لبعد داره فالجار ذي القربى هو الذي يعرفك لقرب داره وأرضه من دارك وأرضك (١٠) والذي عليه المفسرون هو الأول.
وقوله تعالى: ﴿ وَالْجَارِ الْجُنُبِ ﴾ .
الجنب نعت على فعل، مثل: (أُحُد) في: ناقةٌ أُحُد، وبابٌ غُلُق (١١) (١٢) قال علقمة بن عبدة (١٣) فَلا تَحْرمنِّى نَائِلًا عن جَنَابةٍ ...
فإني امرؤٌ وَسْط القِبَاب غَريبُ (١٤) وقال الأعشى (١٥) أتيتُ حُريثًا زائرًا عن جنابةٍ ...
وكان حُرَيثٌ عن عَطَائِيَ جَامِدًا (١٦) كِرامٌ إذا ما جئتَهم عن جنابةٍ ...
أعفّاءُ عن جار الخليطِ المجاور (١٧) ورجل جُنُب، إذا كان غريبًا متباعدًا عن أهله.
وقوم أجناب، ورجل أجنَب وأجنبي، وهو البعيد منك في القرابة (١٨) ﴿ وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ ﴾ .
والجانبان الناحيتان لتنحّي كل واحدة (١٩) (٢٠) وروى المفضَّل عن عَاصم (٢١) ﴿ وَالْجَارِ الْجُنُبِ ﴾ بفتح الجيم وسكون النون (٢٢) أحدهما: أن يريد بالجنب الناحية، ويكون المعنى على هذا: ذي الجَنْب، فحذف المضاف؛ لأن المعنى مفهوم، ألا ترى أن الناحية لا يكون الجار إياها، والمعنى: ذي ناحية ليس هو الآن بها، أي: هو غريب (٢٣) والآخر: أن يكون وصفًا، مثل: ضرب وندب وفسل (٢٤) (٢٥) قال ابن عباس وعامتهم: الجار الجنب هو الذي ليس بينك وبينه قرابة (٢٦) (٢٧) ومعنى وصفه بالبُعد ههنا أنه ليس من قومك، ونَسبُه بعيد عنك، ألا ترى أن مجاهدًا وقتادة قالا: هو جارك من قوم آخرين (٢٨) ويحتمل أن يُراد بهذا البُعد بُعد الدار، وهو الغريب من بلد غير بلدك يجاورك، فهو متباعد عن أهله وبلده.
وإلى هذا ذهب الزجاج، فإنه قال: هو الجار الغريب (٢٩) (٣٠) وحكى ابن جرير عن نَوفٍ البِكَالي (٣١) (٣٢) في المشرك الجار: "له حق الجِوَار وإن كان مشركًا" (٣٣) وقوله تعالى: ﴿ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ ﴾ .
قال ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة والحسن والسدي والضحاك: هو الرفيق في السفر (٣٤) قال عطاء عن ابن عباس: يريد صاحبك في السفر، وهو جارك إلى جانبك، فله حق الجوار وحق الصحبة (٣٥) وهذا اختيار الفراء (٣٦) (٣٧) (٣٨) وقال علي وابن مسعود وابن أبي ليلى (٣٩) (٤٠) وقال ابن جريج وابن زيد: هو الذي يلزمك ويصحبك رجاء خيرك ونفعك (٤١) وقوله تعالى: ﴿ وَابْنِ السَّبِيل ﴾ .
هو الضيف، يجب قِراه إلى أن يبلغ حيث يريد.
قال ابن عباس ومجاهد والربيع: يريد عابر السبيل، تُروِيه وتُطعِمه حتى يرحل عنك (٤٢) ﴿ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ﴾ يعني المماليك.
قال ابن عباس: يريد المملوك، تُحسن رزقَه وتحتمل مساوئه وتعفو عنه فيما يُخطئ، فإن لاءمك فاحسبه وأنت مُحسن، وإن خالفك في الملاءمة فبعه لعله يوافق غيرك وتبرأ من إثمه (٤٣) وروى عمر بن الخطاب أن رسول الله قال: "من ابتاع شيئًا من الخدم فلم يوافق شيمته شيمته فليبع ويشتر حتى يوافق شيمته شيمته، فإن الناس شِيمَ، ولا تعذبوا عباد الله" (٤٤) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا ﴾ المختال: ذو الخيلاء والكبر (٤٥) قال ابن عباس: يريد بالمختال العظيم في نفسه، الذي لا يقوم بحقوق الله (٤٦) قال الزجاج: وإنما ذكر الاختيال ههنا، لأنَّ المختال يأنف من ذوي قراباته إذا كانوا فقراء، ومن جيرانه إذا كانوا كذلك، فلا يُحسن عشرتهم (٤٧) وذكرنا اشتقاقه في اللغة عند قوله: ﴿ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ ﴾ .
ومعنى الفخر في اللغة هو البذخ والتطاول، والفخور الذي يعدِّد مناقبه كبرًا وتطاولًا (٤٨) قال ابن عباس: هو الذي يفخر على عباد الله بما خوّله الله من كرامته وما أعطاه من نعمته (٤٩) (١) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 49.
(٢) "معاني القرآن" 1/ 266، وعبارته: أمرهم بالإحسان إلى الوالدين.
وفي "زاد المسير" 2/ 79: قال الفراء: أغراهم بالإحسان إلى الوالدين.
(٣) لم أقف عليه.
(٤) انظر: الطبري 5/ 77.
(٥) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 84 (٦) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 50.
(٧) لم أقف عليه.
(٨) انظر: الطبري 5/ 78، "بحر العلوم" 1/ 353، "الكشف والبيان" 4/ 52/ أ، "النكت والعيون" 1/ 485.
(٩) "معانى القرآن وإعرابه" 2/ 50.
(١٠) عبارة الزجاج في "معانيه" 2/ 50: ﴿ وَالْجَارِ الْجُنُبِ ﴾ والجار القريب المتباعد.
واستشهد على ذلك بيت من الشعر هو: فلا تحرمنّي نائلًا عن جَنَابة ...
فإني امرؤٌ وسط القباب غريبُ وسيأتي.
(١١) في (أ): (علق) بالعين المهملة.
(١٢) انظر: "الطبري" 5/ 80، "الحجة" 3/ 158.
(١٣) هو علقمة بن عبدة بن ناشرة بن قيس التميمي، شاعر جاهلي مجيد، كان يلقب بالفحل لحادثة جرت بينه وبين امرئ القيس.
توفي قبل الهجرة بنحو عشرين سنة.
انظر: "الشعر والشعراء" ص 125، "طبقات الشعراء" 58، "الأعلام" 4/ 247.
(١٤) "ديوانه" ص 31، "الكامل" 3/ 16، والاختيارين للأخفش الأصغر ص 656، وفيه: الديار بدل القباب، "الزاهر" 1/ 430.
والجَنابة: البعد والغربة وهو الشاهد.
والمعنى: لا تحرمني بعد غربة وبعد عن دياري.
والبيت من قصيدة في فكاك أسر أخ له.
(١٥) هو ميمون بن قيس بن جندل الوائلي -الأعشى الكبير- تقدمت ترجمته.
(١٦) "ديوانه" 43، "الكامل" 3/ 15، "الطبري" 5/ 80، "معاني الزجاج" 2/ 50، الثعلبي 4/ 25 ب.
وجاء في حاشية "ديوانه": حُرَيث: تصغير لكلمة حارث، وهو ذم للحارث بن وعلة بن مجالد الى الرقاشي.
الجنابَة: البعد.
وانظر "الكامل" 2/ 902، 903.
(١٧) البيت للراعي النميري في "ديوانه" ص 108، و"تاريخ دمشق" 38/ 190.
(١٨) انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 663، "اللسان" 2/ 692 (جنب).
(١٩) في (أ): (واحد) بالتذكير.
(٢٠) انظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 446، "الحجة" 3/ 158.
(٢١) هو أبو بكر عاصم بن أبي النجود -بهدلة- الأسدي الكوفي الإمام المقرئ وأحد القراء السبعة المشاهير الحجة، وقد أخرج حديثه الجماعة، توفي -رحمه الله- سنة 120هـ.
انظر: "السبعة" ص 69، "مشاهير علماء الأمصار" ص 165، "التقريب" ص 285 رقم (3054).
(٢٢) "السبعة" ص 233، "الحجة" 3/ 157.
وقال ابن مجاهد وأبو علي - رحمهما الله: ولم يآت بها غيره.
وانظر: "معاني القراءات" 1/ 307.
(٢٣) في "الحجة" 3/ 158: هو غريب عنها، والكلام في توجيه القراءتين لأبي علي.
(٢٤) هكذا بالفاء عند أبي علي في "الحجة"، وفي النسختين من المخطوط كأنها بالنون (نسل).
(٢٥) انتهى من "الحجة" 3/ 158.
(٢٦) "تفسير ابن عباس" ص 148.
وأخرجه الطبري 5/ 79 - 80 عن ابن عباس، وهو قول قتادة والسدي ومجاهد وابن زيد والضحاك كما أخرجه الطبري، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 52 ب، "زاد المسير" 2/ 79.
(٢٧) انظر: "الطبري" 5/ 79، "بحر العلوم" 1/ 353.
(٢٨) أخرجه عنهما عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 159، والطبري 5/ 79.
(٢٩) في (د): (القريب)، وكذا في "معاني الزجاج"، ولعل ما أثبته هو الأولى.
(٣٠) "معاني الزجاج" 2/ 50.
(٣١) هو أبو عمرو نوف بن فضالة البكالي، تابعي صالح، شامي مستور، أخرج له البخاري ومسلم، وأما تكذيب ابن عباس له فلِمَا رواه عن أهل الكتاب، مات -رحمه الله - بعد سنة 90 هـ.
انظر: "مشاهير علماء الأمصار" ص 121.
(٣٢) أخرجه الطبري 5/ 80 بلفظ: اليهودي والنصراني، وانظر: "زاد المسير" 2/ 79، و"ابن كثير" 1/ 540.
(٣٣) جزء من حديث أخرجه البزار بنحوه مطولًا، كما في "كشف الأستار" 2/ 380.
وانظر: ابن كثير 1/ 541، والثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 53 أ، وهذا لفظه، وضعفه الهيثمي في "مجمع الزوائد" 1/ 164 بقوله: رواه البزار عن شيخه عبد الله ابن محمد الحارثي وهو وضاع.
(٣٤) قول ابن عباس في "تفسيره" ص 148 بلفظ: الرفيق فقط، وأخرجه عن جميعهم الطبري 5/ 80 - 81، إلا الحسن، فانظر: ابن كثير 1/ 840.
(٣٥) الذي وقفت عليه نحو ذلك من طريق علي ابن أبي طلحة عن ابن عباس في "تفسيره" ص 148، وأخرجه الطبري 5/ 80.
(٣٦) في "معاني القرآن" 1/ 267.
(٣٧) في "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 50.
(٣٨) في "غريب القرآن" ص 119.
(٣٩) هو عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري المدني، تقدمت ترجمته.
(٤٠) أخرج الآثار عنهم الطبري 5/ 81 - 82، وانظر: "زاد المسير" 2/ 80.
(٤١) ابن جرير روى نحو ذلك عن ابن عباس، وهذا لفظ ابن زيد أخرج ذلك الطبري 5/ 82، وانظر "زاد المسير" 2/ 80.
(٤٢) أخرجه عن مجاهد عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 159، وذلك عنه وعن الربيع، "الطبري" 5/ 83.
(٤٣) لم أقف عليه.
(٤٤) لم أقف عليه.
(٤٥) "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 119، وانظر الطبري 5/ 84، "بحر العلوم" 1/ 354.
(٤٦) لم أقف عليه (٤٧) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 51، وانظر: "زاد المسير" 2/ 81.
(٤٨) انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2750، "أساس البلاغة" 2/ 189، "اللسان" 6/ 3361 (فخر).
(٤٩) لم أقف عليه، وانظر: "النكت والعيون" 1/ 489.
<div class="verse-tafsir"