تفسير سورة النساء الآية ٣٥ عند البسيط

الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 4 النساء > الآية ٣٥

وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَٱبْعَثُوا۟ حَكَمًۭا مِّنْ أَهْلِهِۦ وَحَكَمًۭا مِّنْ أَهْلِهَآ إِن يُرِيدَآ إِصْلَـٰحًۭا يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَآ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًۭا ٣٥

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 9 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا ﴾ .

قال ابن عباس: يريد علمتم (١) قال الزجاج: (خفتم) ههنا بمعنى: (أيقنتم) خطأ (٢) (٣) (٤) وليس الأمر على ما قال أبو إسحاق؛ فإن الخوف ههنا بمعنى العلم صحيح، وكذلك يجب أن يكون؛ لأن بعثة الحكمين إنما تكون إذا علمنا شقاقًا بينهما، ولكن لا نعلم أيهما المتعدي الظالم، فيُبعث الحكمان ليتعرفا ذلك، وقبل وقوع الشقاق ليس حاله بعثة الحكمين.

فقول أبي إسحاق: (لو علمنا الشقاق على الحقيقة لم يُحتج إلى الحكمين) وهم؛ لأنا نحتاج إلى الحكمين في هذه الحالة، وحيث نعلم المُشَاقّ بين الزوجين من هو لم يُحتج إلى الحكمين.

ولم يفصل الزجاج بين الحالتين، والذي في الآية إذا علمنا شقاقًا بينهما، ولم نعلم من أيهما ذلك الشقاق، وكلام ابن عباس شديد (٥) والشقاق: العداوة والخلاف، كالمشاقّة.

واشتقاقه من أن المشاقين (٦) (٧) والمعنى: شقاقًا بينهما، فأضيف المصدر إلى الظرف، وإضافة المصادر إلى الظروف جائزة، لحصولها فيها، كقولك: يعجبني صوم يوم عرفة، وسير الليلة المقمرة (٨) وقوله تعالى: ﴿ فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ ﴾ .

قال سعيد بن جبير والضحاك: المأمور ببعث الحكمين السلطان الذي يترافع الزوجان فيما شجر بينهما إليه (٩) والحكم بمعنى الحاكم، وهو المانع من الظلم (١٠) (١١) قال ابن عباس: يريد من أهل الفضل (١٢) يعني أن الحكم يجب أن يكون فاضلًا، يعرف ما لأحد الزوجين على الآخر، ويعرف أحكام العِشرة (١٣) وقوله تعالى: ﴿ مِنْ أَهْلِهِ ﴾ ، و ﴿ مِنْ أَهْلِهَا ﴾ .

أي من أقارب هذا وأقارب تلك.

قال ابن عباس: فإذا التقى الحكمان قال أحدهما للآخر: ادخل على قريبتك، فقل لها تخبرك الذي نقمت على زوجها، وقل لها: ألك فيه حاجة؟، وإلا فنحن ندخل فيما بينكما حتى يفارقك، وإن كان لك به حاجة فنحن نرده إلى ما تحبين.

ويقول الآخر لصاحبه: القَ قريبَك، فقل له: ألك في أهلك حاجة؟.

فيخلو حَكَمُ الرجل بصاحبه، فيقول (١٤) ويخلو حكم المرأة بالمرأة، فيقول: أعلميني ما في نفسك، أتهوَين زوجكِ أم لا؟

فإني لا أدري ما أقول في أمركِ حتى أستَطلع رأيكِ فيه، فإن كانت هي الناشزة، قالت: أنشدك الله أنْ تُفرِّق بيني وبينه، أعطه ما أراد من مالى، فلا حاجة لي فيه.

فإذا قالت ذلك علم أنها ناشزة.

وإن لم تكن ناشزة، قالت: إني أهواه، ولكني أستزيده في نفقتي، فعِظه وحُثّه عليّ بخير، فإنه إليّ مسيء.

فإذا كان النشوز من قبل المرأة أقبلا عليها، فقالا لها: يا عدو الله، أنتِ العاصية الظالمة لزوجك، المسيئة لنفسكِ، فوالله لا ينفق عليكِ أبدًا ولا يجامعك، حتى ترجعي عن فعلك وتفيئي إلى الله، فلا يأتيها زوجها ولا ينفق عليها حتى ترجع إلى الحق.

وإن كان النشوز من قبل الرجل أقبلا عليه، فقالا: أنت العاصي لله المبغض لامرأتك، الظالم لنفسك، نفقتها عليك أبدًا ما دامت، ولا تدخل لها بيتًا، ولا ترى لها وجهًا، حتى تفيء إلى أمر الله وترجع عما أنت عليه.

ثم يأخذانه بنفقتها ما دام على حاله حتى يرجع، فإذا رجع جَمَعَا بينه وبينها (١٥) وقوله تعالى: ﴿ إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ ﴾ بين الزوج والمرأة.

فالكناية في ﴿ بَيْنِهِمَا ﴾ تعود على الزوجين.

وأجاز بعضهم فيما حكاه ابن حبيب (١٦) (١٧) (١٨) ومذهب عمر  أيضًا هذا، وهو أن المعني بإرادة الإصلاح الحكمان.

وقد رُوي أنه بعث حكمين بين زوجين فرجعا وأخبراه أن الزوجين لم يصطلحا، فعلاهما بالدرّة وقال: لو أردتما إصلاحًا وفق الله بينهما.

فرجعا وأخلصا، فإذا الزوجان قد أغلقا الباب دونهما واصطلحها (١٩) وهذه القصة تُقوي عود الكناية إلى الزوجين.

هذا إذا أراد الحكمان إصلاحًا ورأيا ذلك.

فإن أدى اجتهادهما إلى التفريق، فقد اختلف العلماء في ذلك: فمذهب عثمان وعلي  ما وسعيد بن جبير والشعبي والسدي وإبراهيم وشريح: أن لهما التفريق بينهما بالطلاق إن رأياه؛ لأن التحكيم توكيل (٢٠) قال عبيدة السلماني: شهدت عليًا  وجاءته امرأة وزوجها، مع كل واحد منهما فِئَامٌ من الناس، فقال: ما شأنهما؟

فأُخْبِرَ بالشقاق بينهما، فقال: ابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها، ثم قال للحكمين: أتدريان ما عليكما؟

إن عليكما إن رأيتما أن تفرقا فرقتما، وإن رأيتما أن تجمعا جمعتما.

فقالت المرأة: رضيتُ بما في كتاب الله عليّ ولي (٢١) (٢٢) (٢٣) والظاهر من هذا الكلام أن عليًا  رأى الفُرقة من غير رضا الزوج، ولذلك قال: كذبت، ولم يقل: فلا أبعث الحكمين حتى ترضى.

وإذا تعذر تنفيذ العقد بأحكامه فالوجه رفعه، وهذا هو الظاهر الصحيح من مذهب الشافعي -رحمه الله- الذي نص عليه في كتاب الطلاق من أحكام القرآن (٢٤) (٢٥) (٢٦) وقال الحسن: الحكمان يحكمان في الاجتماع ولا يحكمان في الفرقة إلا بأمرهما (٢٧) (٢٨) قال الزجاج: وحقيقة أمر الحكمين أنهما (٢٩) والذي فعله عليّ رحمه الله من قوله: وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما، تولية منه إياهما ذلك (٣٠) وقوله تعالى: ﴿ يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ﴾ (٣١) (٣٢) قال الراعي: أما الفقير الذي كانت حَلُوبته ...

وَفقَ العِيَال فلم يُترك له سَبَدُ (٣٣) فالموافقة المواساة (٣٤) ﴿ جَزَاءً وِفَاقًا  ﴾ ، أي: على وَفق أعمالهم.

الليث يقول: لا يتوفق عبدٌ حتى يوفقه الله، وإن فلانًا موفّق رشيد (٣٥) ووَفق كل شيء ما يكون متفقًا معه، كقوله: يَهوِين شَتَّى ويقَعنَ وفْقًا (٣٦) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا ﴾ .

قال ابن عباس: يريد: عليمًا بما في قلوبهم من المودة، وخبيرًا بما يكون إذا هو طلّقها من وُجْدِه عليها، أو وُجدِها عليه (٣٧) (١) لم أقف عليه، وذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 532، دون نسبة لابن عباس ونسبه ابن الجوزي إلى أبي سليمان الدمشقي.

انظر: "زاد المسير" 2/ 77.

(٢) عبارة الزجاج في "معانيه" 2/ 48: قال بعضهم: (خفتم) ههنا في معنى: أيقنتم؛ وهذا خطأ.

(٣) عند الزجاج في "المعاني": لم يجنح.

(٤) "معاني الزجاج" 2/ 48.

(٥) هكذا في (أ)، (د)، ولعل الصواب: سديد بالسين المهملة.

(٦) في "معاني الزجاج" 2/ 48 المتشاقين.

(٧) من "معاني الزجاج" 2/ 48 بتصرف يسير، وانظر الطبري 5/ 70.

(٨) انظر: "الطبري" 5/ 70، "الدر المصون" 3/ 673.

(٩) أخرج الأثر عنهما الطبري 5/ 71، وانظر: "زاد المسير" 2/ 77، "الدر المنثور" 2/ 279 - 280.

(١٠) انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 887 (حكم).

(١١) "الأمثال" لأبي عبيد ص 54، "مجمع الأمثال" للميداني 2/ 442.

(١٢) لم أقف عليه، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 352، و"القرطبي" 5/ 175، و"ابن كثير" 2/ 539.

(١٣) انظر المراجع السابقة.

(١٤) في (د): (فيقول له).

(١٥) أخرجه بمعناه مختصرًا الطبري 5/ 73 من طريق ابن أبي طلحة وهو في "تفسير ابن عباس" / 147.

وقد ذكره السمرقندي في "بحر العلوم" دون نسبة لابن عباس بلفظ مقارب.

انظر: "بحر العلوم" 1/ 352، القرطبي 5/ 175.

وقد جاء نحوه عن السدي.

انظر: الطبري 5/ 71.

(١٦) الماوردي في "النكت والعيون" 1/ 484.

(١٧) هذا رأي جمهور المفسرين، انظر: الطبري 5/ 76 - 77، "زاد المسير" 2/ 77.

(١٨) انظر: "النكت والعيون" 1/ 484 (١٩) لم أقف عليه.

(٢٠) انظر: "الطبري" 5/ 73 - 75، و"القرطبي" 5/ 176.

(٢١) هنا عبارة (وقال ولي) وهي زياجة من الناسخ على الأغلب.

(٢٢) في (أ): أقرب بالباء الموحدة وهو تصحيف ظاهر.

والصواب بالتاء المثناة كما في (د)، "الكشف والبيان" يأتي.

(٢٣) أخرجه الشافعي في "الأم" 5/ 195، وقال الشافعي -رحمه الله-: حديث علي ثابت عندنا، والطبري 5/ 71، وعبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 158، والثعلبي 4/ 51 ب، وعزاه السيوطى إلى عبد الرزاق في "المصنف" وسعيد بن جبير وعبد == بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.

انظر: "الدر المنثور" 2/ 279.

(٢٤) انظر: "الأم" 5/ 195، و"أحكام القرآن" للشافعي جمع البيهقي 1/ 212، و"ابن كثير" 1/ 539.

(٢٥) هو أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل بن عمرو المزني المصري، تلميذ الإمام الشافعي، إمام علامة رأس في الفقه الشافعي وله المختصر مشهور متداول، قال الشافعي: المزني ناصر مذهبي، توفي -رحمه الله- سنة 264 هـ.

انظر "طبقات الفقهاء" للشيرازي ص109، "سير أعلام النبلاء" 12/ 492، "طبقات الشافعية" للأسنوي 1/ 28.

(٢٦) "مختصر المزني" ص 186.

(٢٧) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 159، والطبري بمعناه 5/ 72، وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم، انظر: "الدر المنثور" 2/ 28.

(٢٨) انظر: "مختصر المزني" ص 186.

(٢٩) فى (د): (أن).

(٣٠) انتهى من "معاني الزجاج" 2/ 49 بتصرف يسير.

(٣١) (بينهما) ليست في (أ).

(٣٢) انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3927، "اللسان" 8/ 4884 (وفق).

(٣٣) "ديوانه" ص 64، "تهذيب اللغة" 4/ 3927، "اللسان" 8/ 4884 (وفق).

ومعنى: حلوبته: قيل: معيشته وقيل حمولته، والسبَّدَ يطلق على المال وعلى ذوات الشعر من البهائم.

انظر "اللسان" 4/ 1918 (سبد).

والشاهد أن وفق الشيء ما يساوي حالته أو يكفيه.

(٣٤) لعلها المُساواة (٣٥) "العين" 5/ 226، "تهذيب اللغة" 4/ 3927 (وفق).

(٣٦) "العين" 5/ 226، وانظر: "لسان العرب" 8/ 4884 (وفق).

(٣٧) لم أقف عليه، وانظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 84 <div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل