الآية ٣٥ من سورة النساء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ٣٥ من سورة النساء

وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَٱبْعَثُوا۟ حَكَمًۭا مِّنْ أَهْلِهِۦ وَحَكَمًۭا مِّنْ أَهْلِهَآ إِن يُرِيدَآ إِصْلَـٰحًۭا يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَآ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًۭا ٣٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 167 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٥ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٥ من سورة النساء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ذكر [ تعالى ] الحال الأول ، وهو إذا كان النفور والنشوز من الزوجة ، ثم ذكر الحال الثاني وهو : إذا كان النفور من الزوجين فقال تعالى : ( وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها ) قال الفقهاء : إذا وقع الشقاق بين الزوجين ، أسكنهما الحاكم إلى جنب ثقة ، ينظر في أمرهما ، ويمنع الظالم منهما من الظلم ، فإن تفاقم أمرهما وطالت خصومتهما ، بعث الحاكم ثقة من أهل المرأة ، وثقة من قوم الرجل ، ليجتمعا وينظرا في أمرهما ، ويفعلا ما فيه المصلحة مما يريانه من التفريق أو التوفيق ، وتشوف الشارع إلى التوفيق; ولهذا قال : ( إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما ) وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : أمر الله عز وجل ، أن يبعثوا رجلا صالحا من أهل الرجل ، ورجلا مثله من أهل المرأة ، فينظران أيهما المسيء ، فإن كان الرجل هو المسيء ، حجبوا عنه امرأته وقصروه على النفقة ، وإن كانت المرأة هي المسيئة ، قصروها على زوجها ومنعوها النفقة .

فإن اجتمع رأيهما على أن يفرقا أو يجمعا ، فأمرهما جائز .

فإن رأيا أن يجمعا ، فرضي أحد الزوجين وكره ذلك الآخر ، ثم مات أحدهما ، فإن الذي رضي يرث الذي كره ولا يرث الكاره الراضي .

رواه ابن أبي حاتم وابن جرير .

وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر ، عن ابن طاوس ، عن عكرمة بن خالد ، عن ابن عباس قال : بعثت أنا ومعاوية حكمين ، قال معمر : بلغني أن عثمان بعثهما ، وقال لهما : إن رأيتما أن تجمعا جمعتما ، وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما .

وقال : أنبأنا ابن جريج ، حدثني ابن أبي مليكة ، أن عقيل بن أبي طالب تزوج فاطمة بنت عتبة بن ربيعة فقالت : تصير إلي وأنفق عليك .

فكان إذا دخل عليها قالت : أين عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة ؟

قال : على يسارك في النار إذا دخلت .

فشدت عليها ثيابها فجاءت عثمان ، فذكرت له ذلك فضحك وأرسل ابن عباس ومعاوية ، فقال ابن عباس : لأفرقن بينهما .

فقال معاوية : ما كنت لأفرق بين شيخين من بني عبد مناف .

فأتياهما فوجداهما قد أغلقا عليهما أبوابهما فرجعا .

وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر ، عن أيوب ، عن محمد بن سيرين ، عن عبيدة قال : شهدت عليا وجاءته امرأة وزوجها ، مع كل واحد منهما فئام من الناس ، فأخرج هؤلاء حكما وهؤلاء حكما ، فقال علي للحكمين : أتدريان ما عليكما ؟

إن عليكما إن رأيتما أن تجمعا ، جمعتما .

فقالت المرأة : رضيت بكتاب الله لي وعلي .

وقال الزوج : أما الفرقة فلا .

فقال علي : كذبت ، والله لا تبرح حتى ترضى بكتاب الله ، عز وجل ، لك وعليك .

رواه ابن أبي حاتم ، ورواه ابن جرير ، عن يعقوب ، عن ابن علية ، عن أيوب ، عن ابن سيرين ، عن عبيدة ، عن علي ، مثله .

ورواه من وجه آخر ، عن ابن سيرين ، عن عبيدة ، عن علي ، به .

وهذا مذهب جمهور العلماء : أن الحكمين إليهما الجمع والتفرقة ، حتى قال إبراهيم النخعي : إن شاء الحكمان أن يفرقا بينهما بطلقة أو بطلقتين أو ثلاث فعلا .

وهو رواية عن مالك .

وقال الحسن البصري : الحكمان يحكمان في الجمع ولا يحكمان في التفريق ، وكذا قال قتادة ، وزيد بن أسلم .

وبه قال أحمد بن حنبل ، وأبو ثور ، وداود ، ومأخذهم قوله تعالى : ( إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما ) ولم يذكر التفريق .

وأما إذا كانا وكيلين من جهة الزوجين ، فإنه ينفذ حكمهما في الجمع والتفرقة بلا خلاف .

وقد اختلف الأئمة في الحكمين : هل هما منصوبان من عند الحاكم ، فيحكمان وإن لم يرض الزوجان ، أو هما وكيلان من جهة الزوجين ؟

على قولين : فالجمهور على الأول; لقوله تعالى : ( فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها ) فسماهما حكمين ، ومن شأن الحكم أن يحكم بغير رضا المحكوم عليه ، وهذا ظاهر الآية ، والجديد من مذهب الشافعي ، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه .

الثاني منهما ، بقول علي ، رضي الله عنه ، للزوج - حين قال : أما الفرقة فلا - قال : كذبت ، حتى تقر بما أقرت به ، قالوا : فلو كانا حاكمين لما افتقر إلى إقرار الزوج ، والله أعلم .

قال الشيخ أبو عمر بن عبد البر : وأجمع العلماء على أن الحكمين - إذا اختلف قولهما - فلا عبرة بقول الآخر ، وأجمعوا على أن قولهما نافذ في الجمع وإن لم يوكلهما الزوجان ، واختلفوا : هل ينفذ قولهما في التفرقة ؟

ثم حكي عن الجمهور أنه ينفذ قولهما فيها أيضا .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه " وإن خفتم شقاق بينهما "، وإن علمتم أيها الناس (62) =" شقاق بينهما "، وذلك مشاقة كل واحد منهما صاحبه، وهو إتيانه ما يشق عليه من الأمور.

فأما من المرأة، فالنشوز وتركها أداء حق الله عليها الذي ألزمها الله لزوجها.

وأما من الزوج، فتركُه إمساكها بالمعروف أو تسريحها بإحسان.

* * * و " الشقاق " مصدر من قول القائل: " شاقَّ فلان فلانًا " = إذا أتى كل واحد منهما إلى صاحبه ما يشق عليه من الأمور =" فهو يُشاقُّه مشاقَّة وشقاقًا "، وذلك قد يكون عداوة، (63) كما:- 9403 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي في قوله: " وإن خفتم شقاق بينهما "، قال: إن ضربها فأبت أن ترجع وشاقَّته = يقول: عادته.

* * * وإنما أضيف " الشقاق " إلى " البين "، لأن " البين " قد يكون اسمًا، كما قال جل ثناؤه: لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ [سورة الأنعام: 94]، في قراءة من قرأ ذلك.

(64) * * * وأما قوله: " فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها "، فإن أهل التأويل اختلفوا في المخاطبين بهذه الآية: مَنِ المأمور ببعثة الحكمين؟

(65) فقال بعضهم: المأمور بذلك: السلطانُ الذي يرفع ذلك إليه.

*ذكر من قال ذلك: 9404 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا أيوب، عن سعيد بن جبير: أنه قال في المختلعة: يعظها، فإن انتهت وإلا هجرها.

فإن انتهت، وإلا ضربها.

فإن انتهت، وإلا رفع أمرَها إلى السلطان، فيبعث حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها، فيقول الحكم الذي من أهلها: " يفعل بها &; 8-320 &; كذا "، ويقول الحكم الذي من أهله: " تفعل به كذا ".

فأيهما كان الظالم ردَّه السلطان وأخذ فوق يديه، وإن كانت ناشزًا أمره أن يَخْلع.

9405 - حدثنا يحيى بن أبي طالب قال، حدثنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك: " وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها "، قال: بل ذلك إلى السلطان.

* * * وقال آخرون: بل المأمور بذلك: الرجل والمرأة.

*ذكر من قال ذلك: 9406 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها "، إن ضربها.

فإن رجعت، فإنه ليس له عليها سبيل.

فإن أبت أن ترجع وشاقّته، فليبعث حكمًا من أهله، وتبعث حكمًا من أهلها.

* * * ثم اختلف أهل التأويل فيما يُبعث له الحكمان، وما الذي يجوز للحكمين من الحكم بينهما، وكيف وَجْهُ بَعْثهِما بينهما؟

فقال بعضهم: يبعثهما الزوجان بتوكيل منهما إياهما بالنظر بينهما.

وليس لهما أن يعملا شيئًا في أمرهما إلا ما وكَّلاهما به، أو وكله كل واحد منهما بما إليه، فيعملان بما وكلهما به مَن وكلهما من الرجل والمرأة فيما يجوز توكيلهما فيه، أو توكيل من وُكل منهما في ذلك.

*ذكر من قال ذلك: 9407 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن محمد، عن عبيدة قال: جاء رجل وامرأته بينهما شقاقٌ إلى علي رضي الله عنه، مع كل واحد منهما فِئام من الناس، (66) فقال علي رضي الله عنه: ابعثوا حكمًا &; 8-321 &; من أهله وحكمًا من أهلها.

ثم قال للحكمين: تدرِيان ما عليكما؟

عليكما إن رأيتما أن تجمعا أن تجمعا، وإن رأيتما أن تفرِّقا أن تفرقا، (67) قالت المرأة: رضيت بكتاب الله، بما عليَّ فيه ولي.

قال الرجل: أما الفرقة فلا.

فقال علي رضي الله عنه: كذبتَ والله، لا تنقلب حتى تقرَّ بمثل الذي أقرَّت به.

(68) 9408 - حدثنا مجاهد بن موسى قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا هشام بن حسان وعبد الله بن عون، عن محمد: أن عليَّا رضي الله عنه أتاه رجل وامرأته، ومع كل واحد منهما فئام من الناس.

فأمرهما علي رضي الله عنه أن يبعثا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها، لينظرا.

فلما دنا منه الحكمان، قال لهما علي رضي الله عنه: أتدريان ما لكما؟

لكما إن رأيتما أن تفرّقا فرقتما، وإن رأيتما أن تجمعا جمعتما = قال هشام في حديثه: فقالت المرأة: رضيت بكتاب الله لي وعليّ، فقال الرجل: أما الفرقة فلا!

فقال عليّ: كذبتَ والله، حتى ترضى مثل ما رضيت به = وقال ابن عون في حديثه: كذبتَ والله، لا تبرَحُ حتى ترضى بمثل ما رضيت به.

(69) 9409 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا منصور وهشام، عن ابن سيرين، عن عبيدة قال: شهدت عليًّا رضي الله عنه، فذكر مثله.

(70) 9410 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، &; 8-322 &; عن السدي قال: إذا هجرها في المضجع وضربها، فأبت أن ترجع وشاقّته، فليبعث حكمًا من أهله وتبعث حكمًا من أهلها.

تقول المرأة لحكمها: " قد وليتك أمري، فإن أمرتني أن أرجعَ رجعت، وإن فرَّقت تفرقنا "، وتخبره بأمرها إن كانت تريد نفقة أو كرهت شيئًا من الأشياء، وتأمره أن يرفع ذلك عنها وترجع، أو تخبره أنها لا تريد الطلاق، ويبعث الرجل حكمًا من أهله يوليه أمره، ويخبره يقول له حاجته: إن كان يريدها أو لا يريد أن يطلقها، أعطاها ما سألت وزادها في النفقة، وإلا قال له: " خذ لي منها ما لها علي، وطلقها "، فيوليه أمره، فإن شاء طلق، وإن شاء أمسك.

ثم يجتمع الحكمان، فيخبر كل واحد منهما ما يريد لصاحبه، ويجهد كل واحد منهما ما يريد لصاحبه.

فإن اتفق الحكمان على شيء فهو جائز، إن طلَّقا وإن أمسكا.

فهو قول الله: " فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما ".

فإن بعثت المرأة حكمًا وأبى الرجل أن يبعث، فإنه لا يقربها حتى يبعث حكمًا.

* * * وقال آخرون: إن الذي يبعث الحكمين هو السلطان، غير أنه إنما يبعثهما ليعرفا الظالم من المظلوم منهما، ليحملهما على الواجب لكل واحد منهما قِبَل صاحبه، لا التفريق بينهما.

*ذكر من قال ذلك: 9411 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن = وهو قول قتادة = أنهما قالا إنما يبعث الحكمان ليصلحا ويشهدا على الظالم بظلمه.

وأما الفرقة، فليست في أيديهما ولم يملَّكا ذلك = يعني: " وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها ".

9412 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا &; 8-323 &; من أهلها "، الآية، إنما يبعث الحكمان ليصلحا.

فإن أعياهما أن يصلحا، شهدا على الظالم بظلمه، وليس بأيديهما فرقة، ولا يملَّكان ذلك.

9413 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن قيس بن سعد قال: وسألت عن الحكمين، (71) قال: ابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها، فما حكم الحكمان من شيء فهو جائزٌ، يقول الله تبارك وتعالى: إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا .

قال: يخلو حكم الرجل بالزوج، وحكم المرأة بالمرأة، فيقول كل واحد منهما لصاحبه: " اصدقني ما في نفسك ".

فإذا صَدق كل واحد منهما صاحبه، اجتمع الحكمان، وأخذ كل واحد منهما على صاحبه ميثاقًا: " لتصدقني الذي قال لك صاحبك، ولأصدقنك الذي قال لي صاحبي"، فذاك حين أرادا الإصلاح، يوفق الله بينهما.

فإذا فعلا ذلك، اطَّلع كل واحد منهما على ما أفضى به صاحبه إليه، فيعرفان عند ذلك من الظالم والناشز منهما، فأتيا عليه فحكما عليه.

فإن كانت المرأة قالا " أنت الظالمة العاصية، لا ينفق عليك حتى ترجعي إلى الحق وتطيعي الله فيه ".

وإن كان الرجل هو الظالم قالا " أنت الظالم المضارّ، لا تدخل لها بيتًا حتى تنفق عليها وترجع إلى الحق والعدل ".

فإن أبت ذلك كانت هي الظالمةَ العاصيةَ، (72) وأخذ منها ما لها، وهو له حلال طيب.

وإن كان هو الظالمَ المسيءَ إليها المضارَّ لها طلقها، ولم يحلّ له من مالها شيء.

فإن أمسكها، أمسكها بما أمر الله، وأنفق عليها وأحسن إليها.

(73) 9414 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب القرظي قال: كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يبعث الحكمين، حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها.

فيقول الحكم من أهلها: " يا فلان، ما تنقِم من زوجتك "؟

فيقول: " أنقِم منها كذا وكذا ".

قال فيقول: " أفرأيت إن نـزعَت عما تكره إلى ما تحب، هل أنت مُتقي الله فيها، ومعاشرها بالذي يحق عليك في نفقتها وكسوتها "؟

فإذا قال: " نعم "، قال الحكم من أهله: " يا فلانة ما تنقمين من زوجك فلان "؟

فيقول مثل ذلك، فإن قالت: " نعم "، جمع بينهما.

قال: وقال علي رضي الله عنه: الحكمان، بهما يجمع الله وبهما يفرِّق.

9415 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر قال، قال الحسن: الحكمان يحكمان في الاجتماع، ولا يحكمان في الفُرقة.

9416 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ ، وهي المرأة التي تنشز على زوجها، فلزوجها أن يخلعها حين يأمر الحكمان بذلك، وهو بعد ما تقول لزوحها: " والله لا أُبرُّ لك قسمًا ولآذنَنَّ في بيتك بغير أمرك "!

ويقول السلطان: " لا نجيز لك خلعًا " = حتى تقول المرأة لزوجها: " والله لا أغتسل لك من جنابة، ولا أقيم لك صلاة "!

فعند ذلك يقول السلطان: " اخلع المرأة "!

9417 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن "، قال: تعظها، فإن أبت وغَلبت، فاهجرها في مضجعها.

فإن غلبت هذا أيضًا، فاضربها.

فإن غلبت هذا أيضًا، بُعث حكم من أهله وحكم من أهلها.

فإن غلبت هذا أيضًا وأرادت غيره، فإنَّ أبِي قال = أو: كان أبي يقول (74) = ليس بيد الحكمين من الفرقة شيء، إن رأيا الظلم من ناحية الزوج قالا " أنت يا فلان ظالم، انـزع "!

فإن أبى، رفعا ذلك إلى السلطان.

ليس إلى الحكمين من الفراق شيء.

* * * وقال آخرون: بل إنما يبعث الحكمين السلطانُ، على أن حكمهما ماضٍ على الزوجين في الجمع والتفريق.

*ذكر من قال ذلك: 9418 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها "، فهذا الرجل والمرأة، إذا تفاسد الذي بينهما، فأمر الله سبحانه أن يبعثوا رجلا صالحًا من أهل الرجل، ومثله من أهل المرأة، فينظران أيهما المسيء.

فإن كان الرجل هو المسيء، حَجَبوا عنه امرأته وقَصَروه على النفقة، (75) وإن كانت المرأة هي المسيئة، قصروها على زوجها، ومنعوها النفقة.

فإن اجتمع رأيهما على أن يفرّقا أو يجمعا، فأمرهما جائز.

فإن رأيا أن يجمعا، فرضي أحد الزوجين وكره ذلك الآخر، ثم ماتَ أحدهما، فإنّ الذي رضي يَرِث الذي كره، ولا يرث الكارهُ الراضيَ، وذلك قوله: " إن يريدا إصلاحًا "، قال: هما الحكمان =" يوفق الله بينهما ".

9419 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا روح قال، حدثنا عوف، عن محمد بن سيرين: أن الحكم من أهلها والحكم من أهله، يفرِّقان ويجمعان إذا رأيا ذلك =" فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها ".

9420 - حدثني محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، قال: سألت سعيد بن جبير عن الحكمين فقال: لم أولد إذ ذاك!

(76) فقلت: إنما أعني حَكم الشقاق.

قال: يقبلان على الذي جاء التداري من عنده.

(77) فإن فعل، وإلا أقبلا على الآخر.

فإن فعل، وإلا حكما.

فما حكما من شيء فهو جائز.

9421 - حدثنا عبد الحميد بن بيان قال، أخبرنا محمد بن يزيد، عن إسماعيل، عن عامر في قوله: " فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها "، قال: ما قضى الحكمان من شيء فهو جائز.

9422 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن داود، &; 8-327 &; عن إبراهيم قال: ما حكما من شيء فهو جائز.

إن فرّقا بينهما بثلاث تطليقات أو تطليقتين، فهو جائز.

وإن فرقا بتطليقة فهو جائز.

وإن حكما عليه بجزاء بهذا من ماله، (78) فهو جائز: فإن أصلحا فهو جائز.

وإن وضَعا من شيء فهو جائز.

9423 - حدثنا المثنى قال، حدثنا حبان قال، أخبرنا ابن المبارك قال، حدثنا أبو جعفر، عن المغيرة، عن إبراهيم في قوله: " وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها "، قال: ما صنع الحكمان من شيء فهو جائز عليهما.

إن طلقا ثلاثا فهو جائز عليهما.

وإن طلقا واحدة وطلقاها على جُعْل، فهو جائز، (79) وما صنعا من شيء فهو جائز.

9424 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: إن شاء الحكمان أن يفرقا فرّقا.

وإن شاءا أن يجمعا جمعَا.

9425 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني هشيم، عن حصين، عن الشعبي: أن امرأة نشزت على زوجها، فاختصموا إلى شريح، فقال شريح: ابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها.

فنظر الحكمان في أمرهما، فرأيا أن يفرِّقا بينهما، فكره ذلك الرجل، فقال شريح: ففيم كانا اليوم؟

وأجاز قولهما.

(80) 9426 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن عكرمة بن خالد، عن ابن عباس قال: بعثت &; 8-328 &; أنا ومعاوية حكمين = قال معمر: بلغني أن عثمان رضي الله عنه بعثهما، وقال لهما: إن رأيتما أن تجمعا جمعتما، وإن رأيتما أن تفرِّقا فرقتما.

(81) 9427 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا روح بن عبادة قال، حدثنا ابن جريج قال، حدثني ابن أبي مليكة: أن عقيل بن أبي طالب تزوج فاطمة ابنة عتبة، فكان بينهما كلام.

فجاءت عثمان فذكرت ذلك له، فأرسل ابن عباس ومعاوية، فقال ابن عباس: لأفرقنَّ بينهما!

وقال معاوية: ما كنت لأفرّق بين شيخين من بني عبد مناف!

فأتياهما وقد اصطلحا.

(82) .

9428 - حدثني يحيى بن أبي طالب قال، حدثنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله: " وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها "، يكونان عَدْلين عليهما وشاهدين.

وذلك إذا تدارأ الرجل والمرأة وتنازعا إلى السلطان، (83) جعل عليهما حكمين: حكمًا من أهل الرجل، وحكمًا من أهل المرأة، يكونان أمينين عليهما جميعًا، وينظران مِن أيهما يكون الفساد.

فإن كان من قبل المرأة، أجبرت على طاعة زوجها، وأمِرَ أن يتقي الله ويحسن صحبتها، وينفق عليها بقدر ما آتاه الله، إمساكٌ بمعروف أو تسريح بإحسان.

وإن كانت الإساءة من قبل الرجل، أُمر بالإحسان إليها، فإن لم يفعل قيل له: " أعطها حقها وخَلِّ سبيلها ".

وإنما يلي ذلك منهما السلطان.

* * * قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصواب في قوله: " فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها "، أن الله خاطب المسلمين بذلك، وأمرهم ببعثة الحكمين عند خوف الشِّقاق بين الزوجين للنظر في أمرهما، ولم يخصص بالأمر بذلك بعضهم دون بعض.

&; 8-329 &; وقد أجمع الجميع على أن بعثة الحكمين في ذلك ليست لغير الزوجين، وغير السلطان الذي هو سائس أمر المسلمين، أو من أقامه في ذلك مقام نفسه.

واختلفوا في الزوجين والسلطان، ومن المأمورُ بالبعثة في ذلك: الزوجان، أو السلطان؟

(84) ولا دلالة في الآية تدل على أن الأمر بذلك مخصوص به أحد الزوجين، ولا أثر به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأمة فيه مختلفة.

وإذْ كان الأمر على ما وصفنا، فأولى الأقوال في ذلك بالصواب: أن يكون مخصوصًا من الآية ما أجمع الجميع على أنه مخصوص منها.

(85) وإذْ كان ذلك كذلك، فالواجب أن يكون الزوجان والسلطان ممن قد شمله حكم الآية، والأمر بقوله: " فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها "، إذْ كان مختلفًا بينهما: هل هما معنيِّان بالأمر بذلك أم لا؟

= وكان ظاهر الآية قد عمهما = فالواجبُ من القول، إذ كان صحيحًا ما وصفنا، صحيحًا أن يقال (86) إن بعث الزوجان كل واحد منهما حكمًا من قبله لينظر في أمرهما، وكان كل واحد منهما قد بعثه من قبله في ذلك، لما لَه على صاحبه ولصاحبه عليه، (87) فتوكيله بذلك من وكِّل جائز له وعليه.

وإن وكَّله ببعض ولم يوكله بالجميع، كان ما فعله الحكم مما وكله به صاحبه ماضيًا جائزًا على ما وكله به.

وذلك أن يوكله أحدهما بما له دون ما عليه.

وإن لم يوكل كل واحد من الزوجين بما له وعليه، (88) أو بما له، أو بما عليه، &; 8-330 &; إلا الحكمين كليهما، (89) [لم يجز] إلا ما اجتمعا عليه، دون ما انفرد به أحدهما.

(90) وإن لم يوكلهما واحد منهما بشيء، وإنما بعثاهما للنظر بينهما ، ليعرفا الظالم من المظلوم منهما، (91) ليشهدا عليهما عند السلطان إن احتاجا إلى شهادتهما = لم يكن لهما أن يُحدثا بينهما شيئًا غير ذلك من طلاق، أو أخذ مال، أو غير ذلك، ولم يلزم الزوجين ولا واحدًا منهما شيء من ذلك.

(92) * * * فإن قال قائل: وما معنى الحكمين، إذ كان الأمر على ما وصفت؟

قيل: قد اختلف في ذلك.

فقال بعضهم: معنى " الحكم "، النظرُ العدلُ، كما قال الضحاك بن مزاحم في الخبر الذي ذكرناه، الذي:- 9429 - حدثنا به يحيى بن أبي طالب، عن يزيد، عن جويبر عنه: لا أنتما قاضيان تقضيان بينهما= * * * =على السبيل التي بيَّنَّا من قوله.

(93) * * * وقال آخرون: معنى ذلك: أنهما القاضيان، يقضيان بينهما ما فوَّض إليهما الزوجان.

* * * قال أبو جعفر: وأي الأمرين كان، فليس لهما، ولا لواحد منهما، الحكم بينهما بالفرقة، ولا بأخذ مال إلا برضى المحكوم عليه بذلك، وإلا ما لزم من حق لأحد الزوجين على الآخر في حكم الله، وذلك ما لزم الرجلَ لزوجته من النفقة والإمساك بمعروف، إن كان هو الظالم لها.

فأما غير ذلك، فليس ذلك لهما، ولا لأحد من الناس غيرهما، لا السلطان ولا غيره.

وذلك أن الزوج إن كان هو الظالمَ للمرأة، فللإمام السبيلُ إلى أخذه بما يجب لها عليه من حق.

وإن كانت المرأة هي الظالمةَ زوجها الناشزةَ عليه، فقد أباح الله له أخذَ الفدية منها، وجعل إليه طلاقها، على ما قد بيناه في" سورة البقرة ".

(94) وإذْ كان الأمرُ كذلك، لم يكن لأحدٍ الفرقةُ بين رجل وامرأة بغير رضى الزوج، ولا أخذُ مال من المرأة بغير رضاها بإعطائه، إلا بحجة يجب التسليم لها من أصل أو قياس.

وإن بعث الحكمين السلطانُ، فلا يجوز لهما أن يحكما بين الزوجين بفرقة إلا بتوكيل الزوج إياهما بذلك، (95) ولا لهما أن يحكما بأخذ مال من المرأة إلا برضى المرأة.

يدل على ذلك ما قد بيناه قبلُ من فعل علي بن أبي طالب رضي الله عنه بذلك، والقائلين بقوله.

(96) ولكن لهما أن يصلحا بين الزوجين، ويتعرفا الظالم منهما من المظلوم، ليشهدا عليه إن احتاج المظلوم منهما إلى شهادتهما.

وإنما قلنا: " ليس لهما التفريق "، للعلة التي ذكرناها آنفًا.

وإنما يبعث السلطانُ الحكمين إذا بعثهما، إذا ارتفع إليه الزوجان، فشكا كل واحد منهما صاحبه، وأشكلَ عليه المحقّ منهما من المبطل.

لأنه إذا لم يشكل المحق من المبطل، فلا وجه لبعثه الحكمين في أمر قد عرف الحكم فيه.

* * * القول في تأويل قوله : إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: " إن يريدا إصلاحًا "، إن يرد الحكمان إصلاحًا بين الرجل والمرأة = أعني: بين الزوجين المخوف شقاقُ بينهما = يقول: " يوفق الله " بين الحكمين فيتفقا على الإصلاح بينهما.

وذلك إذا صدق كل واحد منهما فيما أفضى إليه: مَنْ بُعِثَ للنظر في أمر الزوجين.

* * * وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك: 9430 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يحيى، عن سفيان، عن أبي هاشم، عن مجاهد في قوله: " إن يريدا إصلاحًا "، قال: أمَا إنه ليس بالرجل والمرأة، ولكنه الحكمان.

9431 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عمرو، عن عطاء، عن سعيد بن جبير: " إن يريدا إصلاحًا يوفق الله بينهما "، قال: هما الحكمان، إن يريدا إصلاحًا يوفق الله بينهما.

9432 - حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " إن يريدا إصلاحًا يوفق الله بينهما "، وذلك الحكمان، وكذلك كل مصلح يوفقه الله للحق والصواب.

9433 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " إن يريدا إصلاحًا يوفق الله بينهما "، يعني بذلك الحكمين.

9434 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن عطاء بن السائب، عن &; 8-333 &; سعيد بن جبير: " إن يريدا إصلاحًا "، قال: إن يرد الحكمان إصلاحًا أصلحا.

9435 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن أبي هاشم، عن مجاهد: " إن يريدا إصلاحًا يوفق الله بينهما "، يوفق الله بين الحكمين.

9436 - حدثني يحيى بن أبي طالب قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا جويبر، عن الضحاك قوله: " إن يريدا إصلاحًا "، قال: هما الحكمان إذا نصحا المرأةَ والرجلَ جميعًا.

* * * القول في تأويل قوله : إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (35) قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه: " إنّ الله كان عليمًا "، بما أراد الحكمان من إصلاح بين الزوجين وغيره =" خبيرًا "، بذلك وبغيره من أمورهما وأمور غيرهما، (97) لا يخفى عليه شيء منه، حافظ عليهم، حتى يجازي كلا منهم جزاءه، بالإحسان إحسانًا، وبالإساءة غفرانًا أو عقابًا.

------------------------------ الهوامش : (62) انظر تفسير"الخوف" بمعنى العلم فيما سلف قريبًا ص: 298 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.

(63) انظر تفسير"الشقاق" فيما سلف 3: 115 ، 116 ، 336.

(64) هذه القراءة برفع"بينكم" ، بمعنى: وصلكم الذي يصل بينكم.

(65) في المطبوعة: "ببعثه الحكمين" ، وهو خطأ في قراءة المخطوطة ، وهي غير منقوطة.

(66) "الفئام": الجماعة الكثيرة.

(67) في المخطوطة: "فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها ، إن رأيتما أن تجمعا ، وإن رأيتما أن تفرقا أن تفرقا" ، سقط من الكلام ما ثبت في المخطوطة ، وهو نص ما في المراجع التي سأذكرها بعد.

(68) الأثر: 9407 - رواه الشافعي في الأم 5: 177 من طريق عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي ، عن أيوب بن أبي تميمة ، بمثله سواء.

وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى 7: 305 ، 306.

وقال الشافعي: "حديث علي ثابت عندنا".

(69) الأثران: 9408 ، 9409 - أخرجه البيهقي في السنن 7: 306 ، مختصرًا.

(70) الأثران: 9408 ، 9409 - أخرجه البيهقي في السنن 7: 306 ، مختصرًا.

(71) في المطبوعة: "سألت عن الحكمين" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صواب ، فالظاهر أنه بعض خبر ، لا بدء خبر ، وانظر التعليق رقم: 3.

(72) في المطبوعة: "وترجع إلى الحق والعدل ، فإن كانت هي الظالمة العاصية أخذ..." ، وفسد الكلام: وفي المخطوطة: "وترجع إلى الحق والعدل ما دامت ذلك كانت هي الظالمة العاصية وأخذ..." ، وهو تحريف من الناسخ ، وصواب قراءتها"فإن أبت ذلك" كما أثبتها.

والصواب أيضًا إثبات الواو في"وأخذ" ، لا حذفها ، كما في المطبوعة.

(73) الأثر: 9413 -"قيس بن سعد المكي" مولى نافع بن علقمة ، روى عن طاوس ، وعطاء ، ومجاهد ، وسعيد بن جبير.

ثقة.

مترجم في التهذيب.

وكان هذا الإسناد في المطبوعة: "قال حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، عن قيس بن سعد" ، وكان في المخطوطة مثله ، إلا أن وضع بعد"شبل" إلى أعلى: "لا" وبعد"مجاهد" إلى أعلى"إلى" ، وذلك من إشاراتهم إلى حذف ما بينهما ، استغنوا بذلك عن الضرب عليه بالقلم.

فلم يعرف الناشر قاعدتهم في الكتابة والحذوف ، فأثبت ما حقه الحذف.

و"قيس بن سعد" كما ترى يروي عن مجاهد ، وليس مجاهد ممن يروي عنه.

وهذا الخبر ، كأنه مما سأل عنه قيس بن سعد مجاهدًا أو عطاء ، كما مر في بعض أسانيده السالفة ، التي غاب عني مكانها اليوم.

(74) في المطبوعة: "فإن أبي كان يقول" ، وفي المخطوطة: "فإن أبي قال وكان أبي يقول" والصواب ما في المخطوطة ، إلا قوله"وكان أبي يقول" ، فصوابه"أو: كان أبي يقول" ، وقائل هذه الجملة هو: عبد الله بن زيد أسلم = وأبوه هو: زيد بن أسلم.

(75) "قصره على الشيء" حبسه عليه ، وألزمه إياه ، إجبارًا وقهرًا ، وفي الحديث: "لتقصرنه على الحق قصرًا" ، أي: قهرًا وغلبة ، وهو من"القسر" ، وأبدلت السين صادًا ، وهما يتبادلان في كثير من الكلام.

(76) ذهب سعيد بن جبير حين سأله عمرو بن مرة عن"الحكمين" ، إلى أنه عنى الحكمين في أمر علي ومعاوية رضي الله عنهما ، واجتماعهما بدومة الجندل سنة 37 من الهجرة.

فلذلك قال: "لم أولد إذ ذاك" ، لأن سعيد بن جبير رحمه الله قتله الحجاج سنة 95 ، وهو ابن تسع وأربعين سنة ، كأنه ولد سنة 46 من الهجرة ، بعد التحكيم.

وروي أن سعيد بن جبير دعا ابنه حين دعي ليقتل ، فجعل ابنه يبكي ، فقال: ما يبكيك؟

ما بقاء أبيك بعد سبع وخمسين سنة؟

= فكأنه ولد - على هذه الرواية سنة 38 من الهجرة ، وذلك أيضًا بعد تحكيم الحكمين.

(77) في المطبوعة: "الذي جاء الأذى من عنده" لم يحسن قراءة المخطوطة ، لأنها غير منقوطة.

وهو من"التدارؤ" ، ترك همزه ، "تدارأ الرجلان" ، أي تشاغبا وخالف أحدهما صاحبه.

وفي قول بعض الحكماء: "لا تتعلموا العلم لثلاث ، ولا تتركوه لثلاث: لا تتعلموه للتداري ، ولا للتماري ، ولا للتباهي = ولا تدعوه رغبة عنه ، ولا رضًا بالجهل ، ولا استحياء من الفعل له".

وعنى بقوله: "التداري" هنا الخصومة والتداعي.

وانظر الأثر التالي رقم: 9428.

(78) في المطبوعة: "بهذا من ماله" ، وهي في المخطوطة غير منقوطة ، وليس لها معنى هنا.

ورجحت أن صوابها"بجزاء" ، لأنه سيأتي في الأثر التالي: "أو طلقاها على جعل" و"الجعل" (بضم فسكون) ، وهو المال المعطى على شيء ، أجرًا كان أو غيره.

و"الجزاء" البدل ، فكأنه يعطي لها بدلا مما لقيت من إساءته ، وعقوبة للمسيء.

(79) انظر التعليق السالف.

(80) الأثر: 9425 - أخرجه البيهقي في السنن الكبرى 7: 306.

(81) الأثر: 9426 - أخرجه البيهقي في السنن الكبرى 7: 306 (82) الأثر: 9427 - رواه الشافعي في الأم 5: 177 ، 178 من طريق مسلم بن خالد ، عن ابن جريج ، وخرجه البيهقي في السنن 7: 306.

(83) انظر تفسير"تدارأ" فيما سلف ص: 326 ، تعليق: 2.

(84) في المخطوطة: "الزوجين أو السلطان" ، وهو خطأ ظاهر.

(85) في المخطوطة والمطبوعة: "من أجمع الجميع" ، وهو خطأ ظاهر ، وفساد ، والصواب ما أثبت.

(86) في المطبوعة حذف"صحيحًا" هذه الثانية ، مع أنها مستقيمة لا ضير منها.

(87) في المطبوعة: "وكان لكل واحد منهما ممن بعثه من قبله في ذلك طاقة على صاحبه ولصاحبه عليه" ، وهو كلام لا يستقيم البتة.

وفي المخطوطة: "وكان كل واحد منهما من بعثه من قبله في ذلك لماقه على صاحبه ، ولصاحبه عليه" ، وظاهر أن قوله"من بعثه" هي: "قد بعثه" وأما قوله: "في ذلك لماقه" فإني رجحت أن صوابها"في ذلك لما له" ، وكأنه عنى أنه قد أرسله مملكًا في جميع أمره ، في جميع ماله على صاحبه ، ولصاحبه عليه.

واستأنست في ذلك بالجزء التالي من هذا الكلام.

(88) في المطبوعة: "أو لم يوكل واحد من الزوجين" مكان ما في المخطوطة: "وإن لم يوكل" وهو تصرف معيب ، فإنه أفسد الكلام ، وزادها خلطًا على خلط.

(89) في المطبوعة: "فليس للحكمين..." مكان ما في المطبوعة: "إلا الحكمين" ، وزاد الكلام اضطرابًا.

(90) الذي بين القوسين ، ظاهر جدًا أنه سقط من الناسخ ، هو أو ما في معناه.

وبهذا استقامت هذه العبارة التي اقتضت من الجهد ما كنا في غنى عنه ، لو صحح الناسخ كتابته.

(91) في المطبوعة ، حذف قوله: "بينهما".

(92) في المخطوطة: "لم يلزم" بحذف الواو ، والصواب ما في المطبوعة.

(93) قوله: "على السبيل التي بينا من قوله" ، هذا من كلام الطبري ، تعليقًا على سائر كلامه السالف.

وعنى بذلك قول الضحاك الذي ذكره آنفًا برقم: 9428.

ولو ترك هذا السياق بغير فواصل ، لما استطاع أن يفهمه إلا المصابر على المشقات.

(94) انظر ما سلف 4: 549-583.

(95) في المطبوعة والمخطوطة: "ولا يجوز لهما" بالواو ، والصواب بالفاء.

(96) انظر الآثار السالفة من 9407-9409.

(97) انظر تفسير"الخبير" فيما سلف 1: 496 / 5: 94 ، 586.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرافيه خمس مسائل :الأولى : قوله تعالى وإن خفتم شقاق بينهما قد تقدم معنى الشقاق في " البقرة " .

فكأن كل واحد من الزوجين يأخذ شقا غير شق صاحبه ، أي ناحية غير ناحية صاحبه .

والمراد إن خفتم شقاقا بينهما ؛ فأضيف المصدر إلى الظرف كقولك : يعجبني سير الليلة المقمرة ، وصوم يوم عرفة .

وفي التنزيل : بل مكر الليل والنهار .

وقيل : إن " بين " أجري مجرى الأسماء وأزيل عنه الظرفية ؛ إذ هو بمعنى حالهما وعشرتهما ، أي وإن خفتم تباعد عشرتهما وصحبتهما فابعثوا .

وخفتم على الخلاف المتقدم .

قال سعيد بن جبير : الحكم أن يعظها أولا ، فإن قبلت وإلا هجرها ، فإن هي قبلت وإلا ضربها ، فإن هي قبلت وإلا بعث الحاكم حكما من أهله وحكما من أهلها ، فينظران ممن الضرر ، وعند ذلك يكون الخلع .

وقد قيل : له أن يضرب قبل الوعظ .

والأول أصح لترتيب ذلك في الآية .الثانية : والجمهور من العلماء على أن المخاطب بقوله : " وإن خفتم " الحكام والأمراء .

وأن قوله : إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما يعني الحكمين ؛ في قول ابن عباس ومجاهد وغيرهما .

أي إن يرد الحكمان إصلاحا يوفق الله بين الزوجين .

وقيل : المراد الزوجان ؛ أي إن يرد الزوجان إصلاحا وصدقا فيما أخبرا به الحكمين يوفق الله بينهما .

وقيل : الخطاب للأولياء .

يقول : إن خفتم أي علمتم خلافا بين الزوجين فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها والحكمان لا يكونان إلا من أهل الرجل والمرأة ؛ إذ هما أقعد بأحوال الزوجين ، ويكونان من أهل العدالة وحسن النظر والبصر بالفقه .

فإن لم يوجد من أهلهما من يصلح لذلك فيرسل من غيرهما عدلين عالمين ؛ وذلك إذا أشكل أمرهما ولم يدر ممن الإساءة منهما .

فأما إن عرف الظالم فإنه يؤخذ منه الحق لصاحبه ويجبر على إزالة الضرر .

ويقال : إن الحكم من [ ص: 154 ] أهل الزوج يخلو به ويقول له : أخبرني بما في نفسك أتهواها أم لا حتى أعلم مرادك ؟

فإن قال : لا حاجة لي فيها خذ لي منها ما استطعت وفرق بيني وبينها ، فيعرف أن من قبله النشوز .

وإن قال : إني أهواها فأرضها من مالي بما شئت ولا تفرق بيني وبينها ، فيعلم أنه ليس بناشز .

ويخلو الحكم من جهتها بالمرأة ويقول لها : أتهوين زوجك أم لا ؛ فإن قالت : فرق بيني وبينه وأعطه من مالي ما أراد ؛ فيعلم أن النشوز من قبلها .

وإن قالت : لا تفرق بيننا ولكن حثه على أن يزيد في نفقتي ويحسن إلي ، علم أن النشوز ليس من قبلها .

فإذا ظهر لهما الذي كان النشوز من قبله يقبلان عليه بالعظة والزجر والنهي ؛ فذلك قوله تعالى : فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها .الثالثة : قال العلماء : قسمت هذه الآية النساء تقسيما عقليا ؛ لأنهن إما طائعة وإما ناشز ؛ والنشوز إما أن يرجع إلى الطواعية أو لا .

فإن كان الأول تركا ؛ لما رواه النسائي أن عقيل بن أبي طالب تزوج فاطمة بنت عتبة بن ربيعة فكان إذا دخل عليها تقول : يا بني هاشم ، والله لا يحبكم قلبي أبدا !

أين الذين أعناقهم كأباريق الفضة !

ترد أنوفهم قبل شفاههم ، أين عتبة بن ربيعة ، أين شيبة بن ربيعة ؛ فيسكت عنها ، حتى دخل عليها يوما وهو برم فقالت له : أين عتبة بن ربيعة ؟

فقال : على يسارك في النار إذا دخلت ؛ فنشرت عليها ثيابها ، فجاءت عثمان فذكرت له ذلك ؛ فأرسل ابن عباس ومعاوية ، فقال ابن عباس : لأفرقن بينهما ؛ وقال معاوية : ما كنت لأفرق بين شيخين من بني عبد مناف .

فأتياهما فوجداهما قد سدا عليهما أبوابهما وأصلحا أمرهما .

فإن وجداهما قد اختلفا ولم يصطلحا وتفاقم أمرهما سعيا في الألفة جهدهما ، وذكرا بالله وبالصحبة .

فإن أنابا ورجعا تركاهما ، وإن كانا غير ذلك ورأيا الفرقة فرقا بينهما .

وتفريقهما جائز على الزوجين ؛ وسواء وافق حكم قاضي البلد أو خالفه ، وكلهما الزوجان بذلك أو لم يوكلاهما .

والفراق في ذلك طلاق بائن .

وقال قوم : ليس لهما الطلاق ما لم يوكلهما الزوج في ذلك ، وليعرفا الإمام ؛ وهذا بناء على أنهما رسولان شاهدان .

ثم الإمام يفرق إن أراد ويأمر الحكم بالتفريق .

وهذا أحد قولي الشافعي ؛ وبه قال الكوفيون ، وهو قول عطاء وابن زيد والحسن ، وبه قال أبو ثور .

والصحيح الأول ، لأن للحكمين التطليق دون توكيل ؛ وهو قول مالك والأوزاعي وإسحاق وروي عن عثمان وعلي وابن عباس ، وعن الشعبي والنخعي ، وهو قول الشافعي ؛ لأن الله تعالى قال : فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها وهذا نص من الله سبحانه بأنهما قاضيان لا وكيلان ولا شاهدان .

وللوكيل اسم في الشريعة ومعنى ، وللحكم اسم في الشريعة ومعنى ؛ فإذا بين الله كل واحد منهما فلا ينبغي لشاذ - فكيف لعالم - أن يركب معنى أحدهما على الآخر !

.

وقد روى الدارقطني من حديث محمد بن [ ص: 155 ] سيرين عن عبيدة في هذه الآية وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها قال : جاء رجل وامرأة إلى علي مع كل واحد منهما فئام من الناس فأمرهم فبعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها ، وقال للحكمين : هل تدريان ما عليكما ؟

عليكما إن رأيتما أن تفرقا فرقتما .

فقالت المرأة : رضيت بكتاب الله بما علي فيه ولي .

وقال الزوج : أما الفرقة فلا .

فقال علي : كذبت ، والله لا تبرح حتى تقر بمثل الذي أقرت به .

وهذا إسناد صحيح ثابت روي عن علي من وجوه ثابتة عن ابن سيرين عن عبيدة ؛ قاله أبو عمر .

فلو كانا وكيلين أو شاهدين لم يقل لهما : أتدريان ما عليكما ؟

إنما كان يقول : أتدريان بما وكلتما ؟

وهذا بين .

احتج أبو حنيفة بقول علي رضي الله عنه للزوج : لا تبرح حتى ترضى بما رضيت به .

فدل على أن مذهبه أنهما لا يفرقان إلا برضا الزوج ، وبأن الأصل المجتمع عليه أن الطلاق بيد الزوج أو بيد من جعل ذلك إليه .

وجعله مالك ومن تابعه من باب طلاق السلطان على المولى والعنين .الرابعة : فإن اختلف الحكمان لم ينفذ قولهما ولم يلزم من ذلك شيء إلا ما اجتمعا عليه .

وكذلك كل حكمين حكما في أمر ؛ فإن حكم أحدهما بالفرقة ولم يحكم بها الآخر ، أو حكم أحدهما بمال وأبى الآخر فليسا بشيء حتى يتفقا .

وقال مالك في الحكمين يطلقان ثلاثا قال : تلزم واحدة وليس لهما الفراق بأكثر من واحدة بائنة ؛ وهو قول ابن القاسم .

وقال ابن القاسم أيضا : تلزمه الثلاث إن اجتمعا عليها ؛ وقاله المغيرة وأشهب وابن الماجشون وأصبغ .

وقال ابن المواز : إن حكم أحدهما بواحدة والآخر بثلاث فهي واحدة .

وحكى ابن حبيب عن أصبغ أن ذلك ليس بشيء .الخامسة : ويجزئ إرسال الواحد ؛ لأن الله سبحانه حكم في الزنى بأربعة شهود ، ثم قد أرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المرأة الزانية أنيسا وحده وقال له : إن اعترفت فارجمها وكذلك قال عبد الملك في المدونة .قلت : وإذا جاز إرسال الواحد فلو حكم الزوجان واحدا لأجزأ ، وهو بالجواز أولى إذا رضيا بذلك ، وإنما خاطب الله بالإرسال الحكام دون الزوجين .

فإن أرسل الزوجان حكمين وحكما نفذ حكمهما ؛ لأن التحكيم عندنا جائز ، وينفذ فعل الحكم في كل مسألة .

هذا إذا كان كل واحد منهما عدلا ، ولو كان غير عدل قال عبد الملك : حكمه منقوض ؛ لأنهما تخاطرا بما لا ينبغي من الغرر .

قال ابن العربي : والصحيح نفوذه ؛ لأنه إن كان توكيلا ففعل الوكيل نافذ ، [ ص: 156 ] وإن كان تحكيما فقد قدماه على أنفسهما وليس الغرر بمؤثر فيه كما لم يؤثر في باب التوكيل ، وباب القضاء مبني على الغرر كله ، وليس يلزم فيه معرفة المحكوم عليه بما يئول إليه الحكم .

قال ابن العربي : مسألة الحكمين نص الله عليها وحكم بها عند ظهور الشقاق بين الزوجين ، واختلاف ما بينهما .

وهي مسألة عظيمة اجتمعت الأمة على أصلها في البعث ، وإن اختلفوا في تفاصيل ما ترتب عليه .

وعجبا لأهل بلدنا حيث غفلوا عن موجب الكتاب والسنة في ذلك وقالوا : يجعلان على يدي أمين ؛ وفي هذا من معاندة النص ما لا يخفى عليكم ، فلا بكتاب الله ائتمروا ولا بالأقيسة اجتزءوا .

وقد ندبت إلى ذلك فما أجابني إلى بعث الحكمين عند الشقاق إلا قاض واحد ، ولا بالقضاء باليمين مع الشاهد إلا آخر ، فلما ملكني الله الأمر أجريت السنة كما ينبغي .

ولا تعجب لأهل بلدنا لما غمرهم من الجهالة ، ولكن اعجب لأبي حنيفة ليس للحكمين عنده خبر ، بل اعجب مرتين للشافعي فإنه قال : الذي يشبه ظاهر الآية أنه فيما عم الزوجين معا حتى يشتبه فيه حالاهما .

قال : وذلك أني وجدت الله عز وجل أذن في نشوز الزوج بأن يصطلحا وأذن في خوفهما ألا يقيما حدود الله بالخلع وذلك يشبه أن يكون برضا المرأة .

وحظر أن يأخذ الزوج مما أعطى شيئا إذا أراد استبدال زوج مكان زوج ؛ فلما أمر فيمن خفنا الشقاق بينهما بالحكمين دل على أن حكمهما غير حكم الأزواج ، فإذا كان كذلك بعث حكما من أهله وحكما من أهلها ، ولا يبعث الحكمين إلا مأمونين برضا الزوجين وتوكيلهما بأن يجمعا أو يفرقا إذا رأيا ذلك .

وذلك يدل على أن الحكمين وكيلان للزوجين .

قال ابن العربي : هذا منتهى كلام الشافعي ، وأصحابه يفرحون به وليس فيه ما يلتفت إليه ولا يشبه نصابه في العلم ، وقد تولى الرد عليه القاضي أبو إسحاق ولم ينصفه في الأكثر .

أما قوله : " الذي يشبه ظاهر الآية أنه فيما عم الزوجين " فليس بصحيح بل هو نصه ، وهي من أبين آيات القرآن وأوضحها جلاء ؛ فإن الله تعالى قال : الرجال قوامون على النساء - ومن خاف من امرأته نشوزا وعظها ، فإن أنابت وإلا هجرها في المضجع ، فإن ارعوت وإلا ضربها ، فإن استمرت في غلوائها مشى الحكمان إليهما .

وهذا إن لم يكن نصا فليس في القرآن بيان .

ودعه لا يكون نصا ، يكون ظاهرا ؛ فأما أن يقول الشافعي : يشبه الظاهر فلا ندري ما الذي أشبه الظاهر ؟

.

ثم قال : " وأذن في خوفهما ألا يقيما حدود الله بالخلع وذلك يشبه أن يكون برضا المرأة ، بل يجب أن يكون كذلك وهو نصه " .

ثم قال : " فلما أمر بالحكمين علمنا أن حكمهما غير حكم الأزواج ، ويجب أن يكون غيره بأن ينفذ عليهما من غير اختيارهما فتتحقق الغيرية .

فأما إذا أنفذا عليهما ما وكلاهما به فلم يحكما بخلاف أمرهما فلم تتحقق الغيرية " .

وأما قوله " برضى [ ص: 157 ] الزوجين وتوكيلهما " فخطأ صراح ؛ فإن الله سبحانه خاطب غير الزوجين إذا خاف الشقاق بين الزوجين بإرسال الحكمين ، وإذا كان المخاطب غيرهما كيف يكون ذلك بتوكيلهما ، ولا يصح لهما حكم إلا بما اجتمعا عليه .

هذا وجه الإنصاف والتحقيق في الرد عليه .

وفي هذه الآية دليل على إثبات التحكيم ، وليس كما تقول الخوارج إنه ليس التحكيم لأحد سوى الله تعالى .

وهذه كلمة حق ولكن يريدون بها الباطل .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: وإن خفتم الشقاق بين الزوجين والمباعدة والمجانبة حتى يكون كل منهما في شق { فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا } أي: رجلين مكلفين مسلمين عدلين عاقلين يعرفان ما بين الزوجين، ويعرفان الجمع والتفريق.

وهذا مستفاد من لفظ "الحكم" لأنه لا يصلح حكما إلا من اتصف بتلك الصفات.

فينظران ما ينقم كل منهما على صاحبه، ثم يلزمان كلا منهما ما يجب، فإن لم يستطع أحدهما ذلك، قنَّعا الزوج الآخر بالرضا بما تيسر من الرزق والخلق، ومهما أمكنهما الجمع والإصلاح فلا يعدلا عنه.

فإن وصلت الحال إلى أنه لا يمكن اجتماعهما وإصلاحهما إلا على وجه المعاداة والمقاطعة ومعصية الله، ورأيا أن التفريق بينهما أصلح، فرقا بينهما.

ولا يشترط رضا الزوج، كما يدل عليه أن الله سماهما حكمين، والحكم يحكم ولو لم يرض المحكوم عليه، ولهذا قال: { إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا } أي: بسبب الرأي الميمون والكلام الذي يجذب القلوب ويؤلف بين القرينين.

{ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا } أي: عالمًا بجميع الظواهر والبواطن، مطلعا على خفايا الأمور وأسرارها.

فمن علمه وخبره أن شرع لكم هذه الأحكام الجليلة والشرائع الجميلة.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( وإن خفتم شقاق بينهما ) يعني : شقاقا بين الزوجين ، [ والخوف بمعنى اليقين ، وقيل : هو بمعنى الظن يعني : إن ظننتم شقاق بينهما .

وجملته : أنه إذا ظهر بين الزوجين ] شقاق واشتبه حالهما فلم يفعل الزوج الصفح ولا الفرقة ولا المرأة تأدية الحق ولا الفدية وخرجا إلى ما لا يحل قولا وفعلا بعث الإمام حكما من أهله إليه وحكما من أهلها إليها ، رجلين حرين عدلين ، ليستطلع كل واحد من الحكمين رأي من بعث إليه إن كانت رغبته في الوصلة أو في الفرقة ، ثم يجتمع الحكمان فينفذان ما يجتمع عليه رأيهما من الصلاح ، فذلك قوله عز وجل : ( فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا ) يعني : الحكمين ، ( يوفق الله بينهما ) يعني : بين الزوجين ، وقيل : بين الحكمين ، ( إن الله كان عليما خبيرا ) [ أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الكسائي ، أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ، أنا أبو العباس الأصم ، أنا الربيع ، أنا الشافعي ، أنا الثقفي ، عن أيوب عن ابن سيرين عن ] عبيدة أنه قال في هذه الآية ( وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها ) قال : جاء رجل وامرأة إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومع كل واحد منهما فئام من الناس ، فأمرهم علي رضي الله عنه فبعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها ثم قال للحكمين : أتدريان ما عليكما؟

إن رأيتما أن تجمعا جمعتما وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما ، قالت المرأة رضيت بكتاب الله بما علي فيه ولي ، فقال الرجل : أما الفرقة فلا فقال علي رضي الله عنه : كذبت والله حتى تقر بمثل الذي أقرت به .

واختلف القول في جواز بعث الحكمين من غير رضا الزوجين : وأصح القولين أنه لا يجوز إلا برضاهما ، وليس لحكم الزوج أن يطلق دون رضاه ، ولا لحكم المرأة أن يخالع على مالها إلا بإذنها ، وهو قول أصحاب الرأي لأن عليا رضي الله عنه ، حين قال الرجل : أما الفرقة فلا قال : كذبت حتى تقر بمثل الذي أقرت به .

فثبت أن تنفيذ الأمر موقوف على إقراره ورضاه .

والقول الثاني : يجوز بعث الحكمين دون رضاهما ، ويجوز لحكم الزوج أن يطلق دون رضاه ولحكم المرأة أن يخلع دون رضاها ، إذا رأيا الصلاح ، كالحاكم يحكم بين الخصمين وإن لم يكن على وفق مرادهما ، وبه قال مالك ، ومن قال بهذا قال : ليس المراد من قول علي رضي الله عنه للرجل حتى تقر : أن رضاه شرط ، بل معناه : أن المرأة رضيت بما في كتاب الله [ فقال الرجل : أما الفرقة فلا يعني : الفرقة ليست في كتاب الله ] ، فقال علي : كذبت ، حيث أنكرت أن الفرقة في كتاب الله ، بل هي في كتاب الله ، [ فإن قوله تعالى : ( يوفق الله بينهما ) يشتمل على الفراق وغيره ] لأن التوفيق أن يخرج كل واحد منهما من الوزر وذلك تارة يكون بالفرقة وتارة بصلاح حالهما في الوصلة .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وإن خفتم» علمتم «شقاق» خلاف «بينهما» بين الزوجين والإضافة للاتساع أي شقاقا بينهما «فابعثوا» إليهما برضاهما «حكما» رجلا عدلا «من أهله» أقاربه «وحكما من أهلها» ويوكل الزوج حكمه في طلاق وقبول عوض عليه وتوكل هي حكمها في الاختلاع فيجتهدان ويأمران الظالم بالرجوع أو يُفَرِّقَان إن رأياه، قال تعالى: «إن يريدا» أي الحكمان «إصلاحا يوفِّق الله بينهما» بين الزوجين أي يقدرهما على ما هو الطاعة من إصلاح أو فراق «إن الله كان عليما» بكل شيء «خبيرا» بالبواطن كالظواهر.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وإن علمتم -يا أولياء الزوجين- شقاقًا بينهما يؤدي إلى الفراق، فأرسلوا إليهما حكمًا عدلا من أهل الزوج، وحكمًا عدلا من أهل الزوجة؛ لينظرا ويحكما بما فيه المصلحة لهما، وبسبب رغبة الحكمين في الإصلاح، واستعمالهما الأسلوب الطيب يوفق الله بين الزوجين.

إن الله تعالى عليم، لا يخفى عليه شيء من أمر عباده، خبير بما تنطوي عليه نفوسهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - ما يجب عمله إذا ما نشب خلاف بين الزوجين فقال - تعالى - : ( وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فابعثوا حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَآ إِن يُرِيدَآ إِصْلاَحاً يُوَفِّقِ الله بَيْنَهُمَآ إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً خَبِيراً ) .والمراد بالخوف هنا العلم .

والخطاب لولاة الأمور وصلحاء الأمة .

وقيل لأهل الزوجين .والمراد بالشقاق ما يحصل بين الزوجين من خلاف ومعاداة .

وسمى الخلاف شقاقاً لأن المخالف يفعل ما يشق على صاحبه ، أو لأن كل واحد من الزوجين صار فى شق وجانب غير الذى فيه صاحبه .وقوله ( شِقَاقَ بَيْنِهِمَا ) أصله شقاقا بينهما .

فأضيف الشقاق إلى الظرف إما على إجرائه مجرى لمفعول فيه إتساعا .

كقوله - تعالى - ( بَلْ مَكْرُ الليل والنهار ) وأصله بل مكر فى الليل والنهار .وإما على إجرائه مجرى الفاعل بجعل البين مشاقا والليل والنهار ماكرين .

كما فى قولك : نهارك صائم .والمعنى : وإن علمتم أيها المؤمنون أن هناك خلافا بين الزوجين قد يتسبب عنه النفور الشديد ، وانقطاع حبال الحياة الزوجية بينهما ، ففى هذه الحالة عليكم أن تبعثوا ( حَكَماً ) أى رجلا صالحا عاقلا أهلا للإِصلاح ومنع الظالم من الظلم ( مِّنْ أَهْلِهِ ) أى من أهل الزوج وأقاربه ( وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَآ ) أى من أقارب الزوجة بحيث يكون على صفة الأول : لأن الأقارب فى الغالب أعرف ببواطن الأحوال ، وأطلب للإِصلاح ، وتسكن إليهم النفس أكثر من غيرهم .وعلى الحكمين فى هذه الحالة أن يستكشفا حقيقة الخلاف ، وان يعرفا هل الإِصلاح بين الزوجين ممكن أو أن الفراق خير لهما؟

.وظاهر الأمر فى قوله ( فابعثوا ) أنه للوجوب ، لأنه من باب رفع المظالم ورفع المظالم من الأمور الواجبة على الحكام .وظاهر وصف الحكمين بان يكون أحدهما من أهل الزوج والثانى من أهل الزوجة .

أن ذلك شرط على سبيل الوجوب ، إلا أن كثيرا من العلماء حمله على الاستحباب ، وقالا : إذا بعث القاضى بحكمين من الأجانب جاز ذلك ، لأن فائدة بعث الحكمين استطاع حقيقة الحال بين الزوجين ، وهذا أمر يستطيعه الأقارب وغير الأقارب إلا أنه يستحب الأقارب فيه لأنهم أعرف بأحوال الزوجين ، وأشد طلباً للإِصلاح ، وأبعد عن الظنة والريبة ، وأقرب إلى أن تسكن إليهم النفس .والضمير فى قوله - تعالى - ( إِن يُرِيدَآ إِصْلاَحاً ) يجوز أن يعود للحكمين ويجوز أن يكون للزوجين .

وكذلك الضمير فى قوله ( يُوَفِّقِ الله بَيْنَهُمَآ ) يحتمل أن يكون للحكمين وأن يكون للزوجين .والأولى جعل الضمير الأول للحكمين والثانى للزوجين فيكون المعنى : إن يريدا أى الحكمان إصلاحا بنية صحيح وعزيمة صادقة ، يوفق الله بين الزوجين بإلقاء الألفة والمودة فى نفسيهما ، وانتزاع أسباب الخلاف من قلبيهما .هذا ، وقد اختلف العلماء فيما يتولاه الحكمان ، أيتوليان الجمع والتفريق بين الزوجين بدون .

إذنهما أم ليس لهما تنفيذ أمر يتعلق بالزوجين إلا بعد استئذانهما؟

.يرى بعضهم أن للحكمين أن يلزما الزوجين بما يريانه بدون إذنهما ، لأن الله - تعالى - سماهما حكمين ، والحكم هو الذى بحسم الخلاف بما تقتضيه المصلحة سواء أرضى المحكوم عليه أم لم يرض؛ ولأن القاضى هو الذى كلفهما بهذه المهمة فلما أن يتصرفا بما يريانه خيراً بدون إذن الزوجين؛ ولأن عليا - رضى الله عنه - عندما بعث الحكمين لحسم الخلاف الذى نشب بين أخيه عقيل وبين زوجته قال لهما : أتدريان ما عليكما؟

إن عليكما إن رأيتم أن تجمعا جمعتما وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما .

.

.وإلى هذا الرأى اتجه ابن عباس والشعبى ومالك وأحمد بن حنبل وغيرهم .ويرى الحسن وأبو حنيفة وغيرهما أنه ليس للحكمين أن يفرقا بين الزوجين إلا رضاهما لأنهما وكيلان للزوجين ، ولأن الآية الكريمة قد بينت أن عملها هو الإصلاح فإن عجزا عنه فقد انتهت مهمتهما ، ولأن الطلاق من الزوج وحده ، ولا يتولاه غيره إلا بالنيابة عنه .ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : ( إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً خَبِيراً ) أى : إنه - سبحانه - عليهم بظواهر الأمور وبواطنها .

خبير بأحوال النفوس وطرق علاجها ، ولا يخفى عليه شئ من تصرفات الناس وأعمالهم ، وسيحاسبهم عليها .فالجملة الكريمة تذييل المقصود منه الوعيد للحكمين إذا ما سلكوا طريقا يخالف الحق والعدل .وبهذا نرى أن هاتين الآيتين الكريمتين قد بينتا جانبا هاما مما يجب للرجال على النساء ، ومما يجب للنساء على الرجال ، فقد مدحت أولاهما النساء الصالحات المطيعات الحافظات لحق أزواجهن ، ورسمت العلاج الناجع الذى يجب على الرجال أن يستعملوه إذا ما حدث نشوز من زوجاتهم ، وحذرت الرجال من البغى على النساء إذا ما تركن النشوز وعدن إلى الطاعة والاستقامة ( فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ الله كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً ) .

ثم طلبت الآية الثانية من ولاة الأمور وصلحاء الأمة أن يتدخلوا بين الزوجين إذا ما نشب خلاف بينهما ، وأن يكون هذا التدخل عن طريق حكمين عدلين عاقلين يتوليان الإِصلاح بينهما ، ويقضيان بما فيه مصلحة الزوجين ، وقد وعد - سبحانه - بالتوفيق بين الزوجين متى صلحت النيات ، وصفت النفوس ، ومالت القلوب نحو التسامح والتعاطف قال - تعالى - ( إِن يُرِيدَآ إِصْلاَحاً يُوَفِّقِ الله بَيْنَهُمَآ إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً خَبِيراً ) .وبهذا التشريع الحكيم تسعد الأمم والأسر ، وتنال ما تصبوا إليه من رقى واستقرار .وبعد هذا البيان الحكيم الذى ساقته السورة الكريمة فيما يتعلق بأحكام الأسرة ووسائل استقرارها ، وعلاج ما يكون بين الزوجين من أسباب النزاع .

.

بعد هذا البيان الحكيم عن ذلك أخذت السورة الكريمة فى دعوة الناس إلى عبادة الله وحده ، وإلى التحلى بمكارم الأخلاق ، ونهتهم عن الإِشراك بالله - تعالى - ، وعن الغرور والبخل والرياء ، وغير ذلك من الأعمال التى ترضى الشيطان وتغضب الرحمن فقال - تعالى - : ( واعبدوا الله .

.

.

حَدِيثاً ) .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما ذكر عند نشوز المرأة أن الزوج يعظها، ثم يهجرها، ثم يضربها، بين أنه لم يبق بعد الضرب إلا المحاكمة إلى من ينصف المظلوم من الظالم فقال: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا ﴾ إلى آخر الآية وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: قال ابن عباس: ﴿ خِفْتُمْ ﴾ أي علمتم.

قال: وهذا بخلاف قوله: ﴿ واللاتى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ ﴾ فإن ذلك محمول على الظن، والفرق بين الموضعين أن في الابتداء يظهر له أمارات النشوز فعند ذلك يحصل الخوف وأما بعد الوعظ والهجر والضرب لما أصرت على النشوز، فقد حصل العلم بكونها ناشزة: فوجب حمل الخوف هاهنا على العلم.

طعن الزجاج فيه فقال: ﴿ خِفْتُمْ ﴾ هاهنا بمعنى أيقنتم خطأ، فإنا لو علمنا الشقاق على الحقيقة لم نحتج إلى الحكمين.

وأجاب سائر المفسرين بأن وجود الشقاق وإن كان معلوما، الا أنا لا نعلم أن ذلك الشقاق صدر عن هذا أو عن ذاك، فالحاجة إلى الحكمين لمعرفة هذا المعنى.

ويمكن أن يقال: وجود الشقاق في الحال معلوم، ومثل هذا لا يحصل منه خوف، إنما الخوف في أنه هل يبقى ذلك الشقاق أم لا؟

فالفائدة في بعث الحكمين ليست إزالة الشقاق الثابت في الحال فإن ذلك محال، بل الفائدة إزالة ذلك الشقاق في المستقبل.

المسألة الثانية: للشقاق تأويلان: أحدهما: أن كل واحد منهما يفعل ما يشق على صاحبه.

الثاني: أن كل واحد منهما صار في شق بالعداوة والمباينة.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا ﴾ معناه: شقاقا بينهما، إلا أنه أضيف المصدر إلى الظرف وإضافة المصادر إلى الظروف جائزة لحصولها فيها، يقال: يعجبني صوم يوم عرفة، وقال تعالى: ﴿ بَلْ مَكْرُ اليل والنهار  ﴾ .

المسألة الرابعة: المخاطب بقوله: ﴿ فابعثوا حَكَماً مّنْ أَهْلِهِ ﴾ من هو؟

فيه خلاف: قال بعضهم إنه هو الامام أو من يلي من قبله، وذلك لأن تنفيذ الأحكام الشرعية اليه، وقال آخرون: المراد كل واحد من صالحي الأمة وذلك لأن قوله: ﴿ خِفْتُمْ ﴾ خطاب للجميع وليس حمله على البعض أولى من حمله على البقية، فوجب حمله على الكل، فعلى هذا يجب أن يكون قوله: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ ﴾ خطابا لجميع المؤمنين.

ثم قال: ﴿ فابعثوا ﴾ فوجب أن يكون هذا أمراً لآحاد الأمة بهذا المعنى، فثبت أنه سواء وجد الامام أو لم يوجد، فللصالحين أن يبعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها للاصلاح.

وأيضا فهذا يجري مجرى دفع الضرر، ولكل أحد أن يقوم به.

المسألة الخامسة: إذا وقع الشقاق بينهما، فذاك الشقاق إما أن يكون منهما أو منه أو منها، أو يشكل، فان كان منها فهو النشوز وقد ذكرنا حكمه، وان كان منه، فإن كان قد فعل فعلا حلالا مثل التزوج بامرأة أخرى، أو تسرى بجارية، عرفت المرأة أن ذلك مباح ونهيت عن الشقاق، فان قبلت وإلا كان نشوزا، وإن كان بظلم من جهته أمره الحاكم بالواجب، وإن كان منهما أو كان الأمر متشابها، فالقول أيضاً ما قلناه.

المسألة السادسة: قال الشافعي رضي الله عنه: المستحب أن يبعث الحاكم عدلين ويجعلهما حكمين، والأولى أن يكون واحد من أهله وواحد من أهلها، لأن أقاربهما أعرف بحالهما من الأجانب، وأشد طلباً للصلاح، فان كانا أجنبيين جاز.

وفائدة الحكمين أن يخلو كل واحد منهما بصاحبه ويستكشف حقيقة الحال، ليعرف أن رغبته في الإقامة على النكاح، أو في المفارقة، ثم يجتمع الحكمان فيفعلان ما هو الصواب من إيقاع طلاق أو خلع.

المسألة السابعة: هل يجوز للحكمين تنفيذ أمر يلزم الزوجين بدون إذنهما، مثل أن يطلق حكم الرجل، أو يفتدى حكم المرأة بشيء من مالها؟

للشافعي فيه قولان: أحدهما: يجوز، وبه قال مالك واسحق.

والثاني: لا يجوز، وهو قول أبي حنيفة.

وعلى هذا هو وكالة كسائر الوكالات وذكر الشافعي رضي الله عنه حديث علي رضي الله عنه، وهو ما روى ابن سيرين عن عبيدة أنه قال جاء رجل وامرأة إلى علي رضي الله عنه، ومع كل واحد منهما جمع من الناس، فأمرهم علي بأن يبعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها، ثم قال للحكمين: تعرفان ما عليكما؟

عليكما إن رأيتما أن تجمعا فاجمعا، وإن رأيتما أن تفرقا ففرقا، فقالت المرأة: رضيت بكتاب الله تعالى فيما علي ولي فيه.

فقال الرجل: أما الفرقة فلا، فقال علي: كذبت والله حتى تقر بمثل الذي أقرت به.

قال الشافعي رضي الله عنه: وفي هذا الحديث لكل واحد من القولين دليل.

أما دليل القول الأول فهو أنه بعث من غير رضا الزوجين وقال: عليكما إن رأيتما أن تجمعا فاجمعا، وأقل ما في قوله: عليكما، أن يجوز لهما ذلك.

وأما دليل القول الثاني: أن الزوج لما لم يرض توقف على، ومعنى قوله: كذبت، أي لست بمنصف في دعواك حيث لم تفعل ما فعلت هي.

ومن الناس من احتج للقول الأول بأنه تعالى سماهما حكمين.

والحكم هو الحاكم وإذا جعله حاكما فقد مكنه من الحكم، ومنهم من احتج للقول الثاني بأنه تعالى لما ذكر الحكمين، لم يضف إليهما إلا الإصلاح، وهذا يقتضي أن يكون ما وراء الاصلاح غير مفوض اليهما.

المسألة الثامنة: قوله: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا ﴾ أي شقاقا بين الزوجين، ثم إنه وإن لم يجر ذكرهما إلا أنه جرى ذكر ما يدل عليهما، وهو الرجال والنساء.

ثم قال تعالى: ﴿ إِن يُرِيدَا إصلاحا يُوَفّقِ الله بَيْنَهُمَا ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: في قوله: ﴿ إِن يُرِيدَا ﴾ وجوه: الأول: إن يرد الحكمان خيرا وإصلاحا يوفق الله بين الحكمين حتى يتفقا على ما هو خير.

الثاني: إن يرد الحكمان إصلاحا يوفق الله بين الزوجين.

الثالث: إن يرد الزوجان إصلاحا يوفق الله بين الزوجين.

الرابع: إن يرد الزوجان إصلاحا يوفق الله بين الحكمين حتى يعملا بالصلاح، ولا شك أن اللفظ محتمل لكل هذه الوجوه.

المسألة الثانية: أصل التوفيق الموافقة، وهي المساواة في أمر من الأمور، فالتوفيق اللطف الذي يتفق عنده فعل الطاعة، والآية دالة على أنه لا يتم شيء من الأغراض والمقاصد إلا بتوفيق الله تعالى، والمعنى أنه إن كانت نية الحكمين إصلاح ذات البين يوفق الله بين الزوجين.

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً خَبِيراً ﴾ والمراد منه الوعيد للزوجين وللحكمين في سلوك ما يخالف طريق الحق.

النوع التاسع: من التكاليف المذكورة في هذه السورة قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا ﴾ أصله: شقاقاً بينهما، فأضيف الشقاق إلى الظرف على طريق الإتساع، كقوله: ﴿ بَلْ مَكْرُ اليل والنهار ﴾ [سبأ: 33] وأصله: بل مكر في الليل والنهار.

أو على أن جعل البين مشاقاً والليل والنهار ماكرين، على قولهم: نهارك صائم.

والضمير للزوجين.

ولم يجر ذكرهما لجري ذكر ما يدل عليهما، وهو الرجال والنساء ﴿ حَكَماً مّنْ أَهْلِهِ ﴾ رجلاً مقنعاً رضياً يصلح لحكومة العدل والإصلاح بينهما، وإنما كان بعث الحكمين من أهلهما، لأنّ الأقارب أعرف ببواطن الأحوال، وأطلب للصلاح، وإنما تسكن إليهم نفوس الزوجين، ويبرز إليهم ما في ضمائرهما من الحب والبغض وإرادة الصحبة والفرقة، وموجبات ذلك ومقتضياته وما يزويانه عن الأجانب ولا يحبان أن يطلعوا عليه.

فإن قلت: فهل يليان الجمع بينهما والتفريق إن رأيا ذلك؟

قلت: قد اختلف فيه، فقيل: ليس إليهما ذلك إلا بإذن الزوجين.

وقيل: ذلك إليهما، وما جعلا حكمين إلا وإليهما بناء الأمر على ما يقتضيه اجتهادهما.

وعن عبيدة السلماني: شهدت علياً رضي الله عنه وقد جاءته امرأة وزوجها ومع كل واحد منهما فئام من الناس، فأخرج هؤلاء حكماً وهؤلاء حكماً.

فقال عليّ رضي الله عنه للحكمين: أتدريان ما عليكما؟

إن عليكما إن رأيتما أن تفرقا فرقتما، وإن رأيتما أن تجمعا جمعتما.

فقال الزوج: أما الفرقة فلا.

فقال عليّ: كذب والله لا تبرح حتى ترضى بكتاب الله لك وعليك.

فقالت المرأة: رضيت بكتاب الله لي وعليّ.

وعن الحسن: يجمعان ولا يفرقان.

وعن الشعبي: ما قضى الحكمان جاز.

والألف في ﴿ إِن يُرِيدَا إصلاحا ﴾ للحكمين.

وفي ﴿ يُوَفّقِ الله بَيْنَهُمَا ﴾ للزوجين أي إن قصدا إصلاح ذات البين وكانت نيتهما صحيحة وقلوبهما ناصحة لوجه الله، بورك في وساطتهما، وأوقع الله بطيب نفسهما وحسن سعيهما بين الزوجين الوفاق والألفة، وألقى في نفوسهما المودّة والرحمة.

وقيل: الضميران للحكمين، أي إن قصدا إصلاح ذات البين والنصيحة للزوجين يوفق الله بينهما، فيتفقان على الكلمة الواحدة، ويتساندان في طلب الوفاق حتى يحصل الغرض ويتم المراد.

وقيل: الضميران للزوجين.

أي: إن يريدا إصلاح ما بينهما وطلبا الخير وأن يزول عنهما الشقاق يطرح الله بينهما الألفة، وأبدلهما بالشقاق وفاقا وبالبغضاء مودة.

﴿ إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً خَبِيراً ﴾ يعلم كيف يوفق بين المختلفين ويجمع بين المفترقين ﴿ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأرض جَمِيعاً مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ولكن الله أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ﴾ [الأنفال: 63] .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما ﴾ خِلافًا بَيْنَ المَرْأةِ وزَوْجِها، أضْمَرَهُما وإنْ لَمْ يَجْرِ ذِكْرُهُما لِجَرْيِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِما وإضافَةُ الشِّقاقِ إلى الظَّرْفِ إمّا لِإجْرائِهِ مَجْرى المَفْعُولِ بِهِ كَقَوْلِهِ: يا سارِقَ اللَّيْلَةَ أهْلَ الدّارِ.

أوْ لِفاعِلٍ كَقَوْلِهِمْ نَهارُكَ صائِمٌ.

﴿ فابْعَثُوا حَكَمًا مِن أهْلِهِ وحَكَمًا مِن أهْلِها ﴾ فابْعَثُوا أيُّها الحُكّامُ مَتى اشْتَبَهَ عَلَيْكم حالُهُما لِتَبْيِينِ الأمْرِ أوْ إصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ، رَجُلًا وسَطًا يَصْلُحُ لِلْحُكُومَةِ والإصْلاحِ مِن أهْلِهِ وآخَرَ مِن أهْلِها، فَإنَّ الأقارِبَ أعْرَفُ بِبَواطِنِ الأحْوالِ وأطْلَبُ لِلصَّلاحِ، وهَذا عَلى وجْهِ الِاسْتِحْبابِ فَلَوْ نُصِّبا مِنَ الأجانِبِ جازَ.

وَقِيلَ الخِطابُ لِلْأزْواجِ والزَّوْجاتِ، واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى جَوازِ التَّحْكِيمِ، والأظْهَرُ أنَّ النَّصْبَ لِإصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ أوْ لِتَبْيِينِ الأمْرِ ولا يَلِيانِ الجَمْعَ والتَّفْرِيقَ إلّا بِإذْنِ الزَّوْجَيْنِ، وقالَ مالِكٌ لَهُما أنْ يَتَخالَعا إنْ وجَدا الصَّلاحَ فِيهِ.

﴿ إنْ يُرِيدا إصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما ﴾ الضَّمِيرُ الأوَّلُ لِلْحَكَمَيْنِ والثّانِي لِلزَّوْجَيْنِ، أيْ إنْ قَصَدا الإصْلاحَ أوْقَعَ اللَّهُ بِحُسْنِ سَعْيِهِما المُوافَقَةَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ.

وقِيلَ كِلاهُما لِلْحَكَمَيْنِ أيْ إنْ قَصَدا الإصْلاحَ يُوَفِّقُ اللَّهُ بَيْنَهُما لِتَتَّفِقَ كَلِمَتُهُما ويَحْصُلَ مَقْصُودُهُما.

وقِيلَ لِلزَّوْجَيْنِ أيْ إنْ أرادا الإصْلاحَ وزَوالَ الشِّقاقِ أوْقَعَ اللَّهُ بَيْنَهُما الأُلْفَةَ والوِفاقَ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ مَن أصْلَحَ نِيَّتَهُ فِيما يَتَحَرّاهُ أصْلَحَ اللَّهُ مُبْتَغاهُ.

﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا خَبِيرًا ﴾ بِالظَّواهِرِ والبَواطِنِ، فَيَعْلَمُ كَيْفَ يَرْفَعُ الشِّقاقَ ويُوقِعُ الوِفاقَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

ثم خاطب الولاة بقوله {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا} أصله شقاقاً بينهما فأضيف الشقاق إلى الظرف على سبيل الاتساع كقوله بَلْ مَكْرُ الليل والنهار وأصله بل مكر في الليل والنهار والشقاق العداوة والخلاف لأن كلاًّ منهما يفعل ما يشق على صاحبه أو يميل إلى شق أي ناحية غير شق صاحبه والضمير للزوجين ولم يجر ذكرهما لجري ذكر ما يدل عليهما وهو الرجال والنساء {فابعثوا حَكَماً مّنْ أهله} رجلا يصلح للحكومة والإصلاح بينهما {وَحَكَماً مّنْ أَهْلِهَا} وإنما كان بعث الحكمين من أهلهما لأن الأقارب أعرف ببواطن الأحوال وأطلب للصلاح ونفوس الزوجين أسكن إليهم فيبرزان ما في ضمائرهما من الحب والبغض وإرادة الصحبة والفرقة والضمير في {إِن يُرِيدَا إصلاحا} للحكمين وفي {يُوَفّقِ الله بَيْنَهُمَا} للزوجين أي أن قصدا إصلاح ذات اليمين وكانت نيتهما صحيحة بورك في وساطتهما وأوقع الله بحسن سعيهما بين الزوجين الألفة والوفاق وألقى في نفوسهما المودة والاتفاق أو الضمير ان للحكمين أي إن قصدا إصلاح ذات البين والنصيحة للزوجين يوفق الله بينهما فينفقات على الكلمة الواحدة ويتساندان في طلب الوفاق حتى يتم المراد أو الضمير أن للزوجين أي إن يريدا إصلاح ما بينهما وطلب الخير وأن يزول عنهما الشقاق يلق الله بينهما الألفة وأبدلهما بالشقاق الوفاق وبالبغضاء المودة {إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً} بإرادة الحكمين {خَبِيراً} بالظالم من الزوجين وليس لهما ولاية التفريق عندنا خلافا لمالك رحمه الله

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإنْ خِفْتُمْ ﴾ الخِطابُ كَما قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ والضَّحّاكُ وغَيْرُهُما لِلْحُكّامِ، وهو وارِدٌ عَلى بِناءِ الأمْرِ عَلى التَّقْدِيرِ المَسْكُوتِ عَنْهُ لِلْإيذانِ أنَّ ذَلِكَ مِمّا لَيْسَ يَنْبَغِي أنْ يُفْرَضَ تَحَقُّقُهُ، أعْنِي عَدَمَ الإطاعَةِ، وقِيلَ: لِأهْلِ الزَّوْجَيْنِ أوْ لِلزَّوْجَيْنِ أنْفُسِهِما، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ السُّدِّيِّ، والمُرادُ: فَإنْ عَلِمْتُمْ، كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، أوْ: فَإنْ ظَنَنْتُمْ كَما قِيلَ.

﴿ شِقاقَ بَيْنِهِما ﴾ أيِ الزَّوْجَيْنِ، وهُما وإنْ لَمْ يَجْرِ ذِكْرُهُما صَرِيحًا فَقَدْ جَرى ضِمْنًا؛ لِدَلالَةِ النُّشُوزِ الَّذِي هو عِصْيانُ المَرْأةِ زَوْجَها، والرِّجالُ والنِّساءُ عَلَيْهِما، والشِّقاقُ الخِلافُ والعَداوَةُ، واشْتِقاقُهُ مِنَ الشِّقِّ وهو الجانِبُ؛ لِأنَّ كُلًّا مِنَ المُتَخالِفَيْنِ في شِقٍّ غَيْرِ شِقٍّ الآخَرِ، و(بَيْنَ) مِنَ الظَّرْفِيَّةِ المَكانِيَّةِ، الَّتِي يَقِلُّ تَصَرُّفُها، وإضافَةُ الشِّقاقِ إلَيْها إمّا لِإجْراءِ الظَّرْفِ مَجْرى المَفْعُولِ كَما في قَوْلِهِ: يا سارِقُ اللَّيْلَةَ أهْلَ الدّارِ أوِ الفاعِلِ، كَقَوْلِهِمْ: صامَ نَهارُهُ، والأصْلَ (شِقاقًا بَيْنَهُما) أيْ أنْ يُخالِفَ أحَدُهُما الآخَرَ، فَلِلْمُلابَسَةِ بَيْنَ الظَّرْفِ والمَظْرُوفِ نَزَلَ مَنزِلَةَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ، وشُبِّهَ بِأحَدِهِما، ثُمَّ عُومِلَ مُعامَلَتَهُ في الإضافَةِ إلَيْهِ، وقِيلَ: الإضافَةُ بِمَعْنى فِي، وقِيلَ: إنَّ (بَيْنَ) هُنا بِمَعْنى الوَصْلِ الكائِنِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، أعْنِي المُعاشَرَةَ، وهو لَيْسَ بِظَرْفٍ، وإلى ذَلِكَ يُشِيرُ كَلامُ أبِي البَقاءِ، ولَمْ يَرْتَضِ ذَلِكَ المُحَقِّقُونَ.

﴿ فابْعَثُوا ﴾ أيْ: وجِّهُوا وأرْسِلُوا إلى الزَّوْجَيْنِ لِإصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ ﴿ حَكَمًا ﴾ أيْ رَجُلًا عَدْلًا عارِفًا حَسَنَ السِّياسَةِ والنَّظَرِ في حُصُولِ المُصْلِحَةِ ﴿ مِن أهْلِهِ ﴾ أيِ: الزَّوْجِ و(مِن) إمّا مُتَعَلِّقٌ بِـ(ابْعَثُوا) فَهو لِابْتِداءِ الغايَةِ، وإمّا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِلنَّكِرَةِ، فَهي لِلتَّبْعِيضِ ﴿ وحَكَمًا ﴾ آخَرَ عَلى صِفَةِ الأوَّلِ ﴿ مِن أهْلِها ﴾ أيِ الزَّوْجَةِ، وخُصَّ الأهْلُ؛ لِأنَّهم أطْلُبُ لِلصَّلاحِ وأعْرَفُ بِباطِنِ الحالِ، وتَسْكُنُ إلَيْهِمُ النَّفْسُ، فَيَطَّلِعُونَ عَلى ما في ضَمِيرِ كُلٍّ مِن حُبٍّ، وبُغْضٍ، وإرادَةٍ، وصُحْبَةٍ أوْ فُرْقَةٍ، وهَذا عَلى وجْهِ الِاسْتِحْبابِ، وإنْ نُصِبا مِنَ الأجانِبِ جازَ، واخْتُلِفَ في أنَّهُما هَلْ يَلِيانِ الجَمْعَ والتَّفْرِيقَ إنْ رَأيا ذَلِكَ؟

فَقِيلَ: لَهُما، وهو المَرْوِيُّ عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ - وابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -وإحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ، وبِهِ قالَ الشَّعْبِيُّ، فَقَدْ أخْرَجَ الشّافِعِيُّ في الإمامِ، والبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ، وغَيْرُهُما، عَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمانِيِّ قالَ: جاءَ رَجُلٌ وامْرَأةٌ إلى عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - ومَعَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما فِئامٌ مِنَ النّاسِ، فَأمَرَهم عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - أنْ يَبْعَثُوا رَجُلًا حَكَمًا مَن أهْلِهِ، ورَجُلًا حَكَمًا مَن أهْلِها، ثُمَّ قالَ لِلْحَكَمَيْنِ: تَدْرِيانِ ما عَلَيْكُما؟

عَلَيْكُما إنْ رَأيْتُما أنْ تَجْمَعا أنْ تَجْمَعا، وإنْ رَأيْتُما أنْ تُفَرِّقا أنْ تُفَرِّقا، قالَتِ المَرْأةُ: رَضِيتُ بِكِتابِ اللَّهِ تَعالى بِما عَلَيَّ فِيهِ ولِي، وقالَ الرَّجُلُ: أمّا الفُرْقَةُ فَلا، فَقالَ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ -: كَذَبْتَ واللَّهِ حَتّى تُقِرَّ بِمِثْلِ الَّذِي أقَرَّتْ بِهِ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -أنَّهُ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ وإنْ خِفْتُمْ ﴾ إلَخْ، هَذا في الرَّجُلِ والمَرْأةِ إذا تَفاسَدَ الَّذِي بَيْنَهُما، أمَرَ اللَّهُ تَعالى أنْ يَبْعَثُوا رَجُلًا صالِحًا مِن أهْلِ الرَّجُلِ ورَجُلًا مِثْلَهُ مِن أهْلِ المَرْأةِ، فَيَنْظُرانِ أيَّهُما المُسِيئُ، فَإنْ كانَ الرَّجُلُ هو المُسِيئَ حَجَبُوا عَنْهُ امْرَأتَهُ، وقَسَرُوهُ عَلى النَّفَقَةِ، وإنْ كانَتِ المَرْأةُ هي المُسِيئَةُ قَسَرُوها عَلى زَوْجِها ومَنَعُوها النَّفَقَةَ، فَإنِ اجْتَمَعَ أمْرُهُما عَلى أنْ يُفَرِّقا أوْ يَجْمَعا فَأمْرُهُما جائِزٌ، فَإنْ رَأيا أنْ يَجْمَعا فَرْضِيَ أحَدُ الزَّوْجَيْنِ وكَرِهَ ذَلِكَ الآخَرُ، ثُمَّ ماتَ أحَدُهُما، فَإنَّ الَّذِي رَضِيَ يَرِثُ الَّذِي كَرِهَ، ولا يَرِثُ الكارِهُ الرّاضِيَ، وقِيلَ: لَيْسَ لَهُما ذَلِكَ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ.

فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وغَيْرُهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: إنَّما يُبْعَثُ الحَكَمانِ لِيُصْلِحا، ويَشْهَدا عَلى الظّالِمِ بِظُلْمِهِ، وأمّا الفُرْقَةُ فَلَيْسَتْ بِأيْدِيهِما، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الزَّجّاجُ، ونُسِبَ إلى الإمامِ الأعْظَمِ، وأُجِيبَ عَنْ فِعْلِ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - بِأنَّهُ إمامٌ، ولِلْإمامِ أنْ يَفْعَلَ ما رَأى فِيهِ المَصْلَحَةَ، فَلَعَلَّهُ رَأى المَصْلَحَةَ فِيما ذُكِرَ، فَوَكَّلَ الحَكَمَيْنِ عَلى ما رَأى، عَلى أنَّ في كَلامِهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ تَنْفِيذَ الأمْرِ مَوْقُوفٌ عَلى الرِّضا، حَيْثُ قالَ لِلرَّجُلِ: كَذَبْتَ حَتّى تُقِرَّ بِمِثْلِ الَّذِي أقَرَّتْ بِهِ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا عَلى ما فِيهِ لا يَصْلُحُ جَوابًا عَمّا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ولَعَلَّ المَسْألَةَ اجْتِهادِيَّةٌ، وكَلامُ أحَدِ المُجْتَهِدِينَ لا يَقُومُ حُجَّةً عَلى الآخَرِ، وذَهَبَ الإمامِيَّةُ إلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الحَسَنُ، وكَأنَّ الخَبَرَ عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهُهُ - لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهم.

وعَنِ الشّافِعِيِّ رِوايَتانِ في المَسْألَةِ، وعَنْ مالِكٍ أنَّ لَهُما أنْ يَتَخالَعا إنْ وجَدا الصَّلاحَ فِيهِ، ونُقِلَ عَنْ بَعْضِ عُلَمائِنا أنَّ الإساءَةَ إنْ كانَتْ مِنَ الزَّوْجِ فَرَّقا بَيْنَهُما، وإنْ كانَتْ مِنها فَرَّقا عَلى بَعْضِ ما أصْدَقَها، والظّاهِرُ أنَّ مَن ذَهَبَ إلى القَوْلِ بِنَفاذِ حُكْمِهِما جَعَلَهُما وكِيلَيْنِ حَكَما عَلى ذَلِكَ.

وقالَ ابْنُ العَرَبِيِّ في الأحْكامِ: إنَّهُما قاضِيانِ لا وكِيلانِ فَإنَّ الحَكَمَ اسْمٌ في الشَّرْعِ لَهُ.

﴿ إنْ يُرِيدا ﴾ أيِ الحَكَمانِ ﴿ إصْلاحًا ﴾ أيْ: بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ وتَأْلِيفًا ﴿ يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما ﴾ فَتَتَّفِقُ كَلِمَتُهُما ويَحْصُلُ مَقْصُودُهُما، فالضَّمِيرُ أيْضًا لِلْحَكَمَيْنِ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والسُّدِّيُّ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرانِ لِلزَّوْجَيْنِ، أيْ: إنْ أرادا إصْلاحَ ما بَيْنَهُما مِنَ الشِّقاقِ أوْقَعَ اللَّهُ تَعالى بَيْنَهُما الأُلْفَةَ والوِفاقَ، وأنْ يَكُونَ الأوَّلُ لِلْحَكَمَيْنِ والثّانِي لِلزَّوْجَيْنِ، أيْ: إنْ قَصَدا إصْلاحَ ذاتِ البَيْنِ وكانَتْ نِيَّتُهُما صَحِيحَةً وقُلُوبُهُما ناصِحَةً لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى أوْقَعَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ الأُلْفَةَ والمَحَبَّةَ، وألْقى في نُفُوسِهِما المُوافَقَةَ والصُّحْبَةَ، وأنْ يَكُونَ الأوَّلُ لِلزَّوْجَيْنِ والثّانِي لِلْحَكَمَيْنِ، أيْ: إنْ يُرِدِ الزَّوْجانِ إصْلاحًا واتِّفاقًا يُوَفِّقِ اللَّهُ تَعالى شَأْنُهُ بَيْنَ الحَكَمَيْنِ حَتّى يَعْمَلا بِالصَّلاحِ، ويَتَحَرَّياهُ.

﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا خَبِيرًا ﴾ بِالظَّواهِرِ والبَواطِنِ، فَيَعْلَمُ إرادَةَ العِبادِ، ومَصالِحَهُمْ، وسائِرَ أحْوالِهِمْ، وقَدِ اسْتَدَلَّ الحَبْرُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى الخَوارِجِ في إنْكارِهِمُ التَّحْكِيمَ في قِصَّةِ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - وهو أحَدُ أُمُورٍ ثَلاثَةٍ عَلِقَتْ في أذْهانِهِمْ فَأبْطَلَها كُلَّها- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - فَرَجَعَ إلى مَوْلاةِ الأمِيرِ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - مِنهم عِشْرُونَ ألْفًا.

وفِيها كَما قالَ ابْنُ الفُرْسِ: رَدٌّ عَلى مَن أنْكَرَ مِنَ المالِكِيَّةِ بَعْثَ الحَكَمَيْنِ في الزَّوْجَيْنِ، وقالَ: تَخْرُجُ المَرْأةُ إلى دارِ أمِينٍ أوْ يَسْكُنُ مَعَها أمِينٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ قال ابن عباس: يعني لا يتمنى الرجل مال أخيه، ولا امرأته، ولا دابته، ولكن ليقل: اللهم ارزقني مثله.

وقال الكلبي مثله.

وفيها وجه آخر وهو أن الرجال قالوا: إن الله فضلنا على النساء، فلنا سهمان ولهن سهم، ونرجو أن يكون لنا أجران في الأعمال.

وقالت أم سلمة: ليت الجهاد كتب على النساء.

فنزلت هذه الآية وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ ويقال: إن النساء قلن: كما نقص سهمنا في الميراث، كذلك ينقص من أوزارنا، ويكون الإثم علينا أقل من الرجال، فنزلت الآية لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا ولا يتمنى أحدكم أكثر مما عمل وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ من الشر ولا ينقص منهن شيء مما عملن من الإثم.

وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ جميعاً الرجال والنساء مِنْ فَضْلِهِ أي من رزقه إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً فيما يصلح لكل واحد منهم من السهام، وبمن يصلح للجهاد.

قرأ ابن كثير والكسائي وسلوا الله بغير همز في جميع القرآن.

وقرأ الباقون واسألوا الله بالهمز وأصله الهمز، إلا أنه حذف الهمز للتخفيف.

قوله تعالى: وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ أي بينا موالي يعني الورثة من الولد والإخوة وابن العم.

ويقال: الموالي العصبة: العم، وابن العم، وذوي القربى كقوله: وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي [سورة مريم: 5] معناه: ولكل واحد منكم جعلنا الورثة لكي يرث مِمَّا تَرَكَ وهم الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ.

ثم قال: وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ قال الكلبي ومقاتل: كان الرجل يرغب في الرجل، فيحالفه ويعاقده على أن يكون في ميراثه كبعض ولده ثم قال: فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ أي أعطوهم حظهم الذي سميتم لهم من الميراث هكذا قال مجاهد ثم نسخ بقوله تعالى: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ [سورة الأنفال: 75] ويقال: إنهم كانوا يوصون لهم بشيء من المال، فأمرهم بأن يؤتوا نصيبهم من الثلث.

ويقال: أراد به مولى الموالاة كانوا يرثون السدس.

ثم قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً أي شاهد إن أعطيتموهم أو لم تعطوهم.

قرأ أهل الكوفة حمزة والكسائي وعاصم: والذين عقدت أيمانكم بغير ألف، والباقون بالألف.

قال أبو عبيدة: والاختيار عاقدت بالألف لأنه من معاقدة الحلف، فلا يكون إلا بين اثنين.

ومن قرأ عقدت معناه عقدت لهم أيمانكم فأضمر فيها لهم.

ثم قال: الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ نزل في سعد بن الربيع، لطم امرأته بنت محمد بن مسلمة، فجاءت إلى رسول الله  ، فأمرها رسول الله  بالقصاص، فنزل جبريل من ساعته بهذه الآية الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ يعني مسلطون في أمور النساء وتأديبهم بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وذلك أن الرجل له الفضل على امرأته في إنفاقه عليها، ودفع الحق إليها.

ويقال: إن الرجال لهم فضيلة في زيادة العقل والتدبير، فجعل لهم حق القيام عليهن بما لهم من زيادة عقل ليس ذلك للنساء.

ويقال: للرجال زيادة قوة في النفس والطبع ما ليس للنساء، لأن طبع الرجال غلب عليه الحرارة واليبوسة، فيكون فيه قوة وشدة، وطبع النساء غلب عليه الرطوبة والبرودة، فيكون فيه معنى اللين والضعف، فجعل لهم حق القيام عليهن بذلك.

ثم قال: وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ أي فضلوا على النساء بما أنفقوا من أموالهم عليهن من المهر والنفقة.

ثم قال: فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ يعني المحصنات من النساء في الدين، قانتات مطيعات لله تعالى ولأزواجهن.

ويقال: الصالحات يعني المحسنات إلى أزواجهن من النساء في الدين قانِتاتٌ أي مطيعات لله ولأزواجهن.

ويقال: الصالحات يعني الموحدات قانِتاتٌ يعني قائمات بأمور أزواجهن حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ أي لغيب أزواجهن في فروجهن، وفي أموال الأزواج بِما حَفِظَ اللَّهُ يقول: أي يحفظ الله إياهن.

قال مقاتل: وما صلة، يعني يحفظ الله لهن.

ثم قال عز وجل: وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ أي تعلمون عصيانهن فَعِظُوهُنَّ بالله، أي يقول لها: اتق الله، فإن حق الزوج عليك واجب، فإن لم تقبل ذلك.

قوله تعالى وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ قال الكلبي: أي ينسها وهو الهجر، ويقال: لا يقرب فراشها، لأن الزوج إذا أعرض عن فراشها فإن كانت محبة للزوج يشق عليها فترجع إلى الصلاح، وإن كانت مبغضة فتظهر السرور فيها، فيتبين أن النشوز من قبلها.

وقال الضحاك: وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ أي يعرض عنها، فإن ذلك يغيظها، فإن لم ينفعها ذلك وَاضْرِبُوهُنَّ يعني ضرباً غير مبرح فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا يقول: لا تطلبوا عليهن غللا، ولا تكلفوهن الحب لكم، فإن الحب أمر القلب وليس لها ذلك بيدها إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً أي رفيعاً علا فوق كل كبير، فلا يطلب من عباده الحب، ولا يكلفهم ما لا يطيقونه، ويطلب منهم الطاعة، فأنتم أيضاً لا تكلفوهن.

ويقال: إن الله مع علوه يتجاوز عن عباده، فأنتم أيضاً تجاوزوا ولا تطلبوا العلل.

ثم قال تعالى للأولياء وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما يقول: إن علمتم خلافاً بين الزوجين، ويقال: إن خفتم الفراق بينهما ولا تدرون من أيهما يقع النشوز فيقول: فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها يعني رجلاً عدلاً من أهل الزوج له عقل وتمييز، يذهب إلى الرجل ويخلو به، ويقول له: أخبرني ما في نفسك أتهواها أم لا؟

حتى أعلم بمرادك، فإن قال: لا حاجة لي بها خذ مني لها ما استطعت وفرق بيني وبينها، فيعرف أن من قبله جاء النشوز.

وإن قال: فإني أهواها فأرضيها من مالي بما شئت ولا تفرق بيني وبينها، فيعرف أنه ليس بناشز.

ويخلو ولي المرأة بها ويقول: أتهوين زوجك أم لا؟

فإن قالت: فرق بيني وبينه وأعطه من مالي ما أراد، علم أن النشوز من قبلها.

وإن قالت: لا تفرق بيننا ولكن حثّه حتى يزيد في نفقتي ويحسن إلي، علم أن النشوز ليس من قبلها.

فإذا ظهر لهما الذي كان النشوز من قبله يقبلان عليه بالعظة والزجر والنهي، وذلك قوله تعالى فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يعني عدلاً فينظران في أمرهما بالنصيحة والموعظة يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما بالصلاح ويقال: كل اثنين يقومان في الإصلاح بين اثنين بالنصيحة، يقع الصلح بينهما لقوله تعالى إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما ثم قال: إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً أي عليماً بهما خبيراً بنصيحتهما.

وفي هذه الآية دليل على إثبات التحكيم، وليس كما يقول الخوارج إنه ليس الحكم لأحد سوى الله تعالى، فهذه كلمة حق ولكن يريدون بها الباطل.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا ...

الآية: اختلف من المأمور بالبَعْثَةِ.

فقيل: الحُكَّام «١» ، وقيل: المُخَاطَب الزَّوْجَانِ، وإِليهما تقديمُ الحَكَمَيْنِ، وهذا في مَذْهب مالك، والأول لربيعةَ وغيره، ولا يُبْعَثُ الحَكَمَانِ إِلاَّ مع شدَّة الخوْفِ والشِّقَاقِ، ومذهبُ مالك وجمهورِ العُلَمَاءِ: أنَّ الحَكَمَيْن يَنْظُران في كلِّ شيء، ويحملان على الظَّالم، ويُمْضِيَان ما رَأَياه مِنْ بقاء أو فراقٍ، وهو قولُ عليَّ بنِ أبي طالب في «المدوَّنة» وغيرها «٢» .

وقوله: إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً، قال مجاهد وغيره: المرادُ الحَكَمَانِ، أي: إِذا نَصَحَا وقَصَدَا الخَيْرَ، بُورِكَ في وَسَاطتهما «٣» ، وقالتْ فرقةٌ: المرادُ الزَّوْجَان، والأول أظهرُ، وكذلك الضميرُ في بَيْنِهِما، يحتمل الأمرين، والأظهر أنه للزّوجين، والاتصاف بعليم خبير: يناسب ما ذكر من إرادة الإصلاح.

وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالاً فَخُوراً (٣٦) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (٣٧)

وقوله تعالى: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً ...

العبادة/:

التذلُّل بالطَّاعة، وإِحساناً، مصدرٌ، والعاملُ فيه فِعلٌ، تقديره: وأحْسِنُوا بالوالدين إِحساناً، وَبِذِي القُرْبَى: هو القريبُ النَّسَبِ مِنْ قِبَلِ الأبِ والأُمِّ، قال ابنُ عبَّاس وغيره: والجَارُ ذو القربَى: هو القريبُ النَّسَبِ، والجَارُ الجُنُبِ: هو الجَارُ الأجنبيُّ «٤» ، وقالَتْ فرقة: الجَارُ ذو

القربَى: هو الجارِ القريبُ المَسْكنِ منْكَ، والجار الجُنُب هو البعيدُ المَسْكن منْكَ، والمُجَاورة مراتِبُ بعضُها أَلْصَقُ من بعض أدناها الزَّوْجَة.

قال ابنُ عباس وغيره: الصَّاحِبُ بالجَنْبِ: هو الرفيقُ في السَّفَر «١» .

وقالَ عليُّ بنْ أبي طَالِبِ، وابنُ مَسْعود، وابنُ أبي لَيْلَى وغيرهم: هو الزوجَةُ «٢» ، وقال ابنُ زَيْدٍ: هو الرجلُ يعتريكَ ويُلِمُّ بك لتنفعه «٣» ، وأسند الطبريُّ «أنَّ رسولَ الله صلّى الله عليه وسلّم كَانَ مَعَهُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وهُمَا عَلَى راحلتين، فدخل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم غَيْضَةً «٤» ، فَقَطَعَ قَضِيبَيْنِ، أَحَدُهَمَا مُعْوَجٌّ، وخَرَجَ فَأَعْطَى صَاحِبَهُ القَوِيمَ، وَحَبَسَ هُوَ المُعْوَجَّ، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: كُنْتَ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَحَقَّ بِهَذَا، فَقَالَ لَهُ: «يَا فُلاَنُ، إِنَّ كُلَّ صَاحِبٍ يَصْحَبُ الآخَرَ، فَإِنَّهُ مَسْئُولٌ عَنْ صَحَابَتِهِ، وَلَوْ سَاعَةً مِنْ نَهِارٍ» «٥» ، قلْتُ: وأسند الحافظ محمَّد بن طاهر المقدسيّ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «خَيْرُ الأَصْحَابِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِصَاحِبِهِ، وَخَيْرُ الجِيرَانِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِجَارِهِ» «٦» .

انتهى من «صفوة التصوُّف» .

وفي الحديثِ الصحيح، عنِ ابن عمر، قال: قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ» ، أخرجه البخاريُّ، وأخرجه أيضاً من طريق عائشة (رضي الله عنها) «٧» انتهى.

وابنُ السَّبِيلِ: المسافرُ، وسُمِّيَ ابْنُهُ للزومه له، وما ملكت أيمانكم: هم العبيد الأرقّاء.

قال ابنُ العَرَبِيّ «١» في «أحكامه» : وقد أمر اللَّه سبحانه بالرِّفْقِ بهم، والإِحسانِ إِلَيْهم وفي «الصحيح» عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنَّهُ قَالَ: «إِخْوَانُكُمْ مَلَّكَكُمُ اللَّهُ رِقَابَهُمْ، فَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ، وَاكْسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ، وَلاَ تُكَلِّفُوهُمْ مِنَ العَمَلِ مَا لاَ يُطِيقُونَ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ، فأعينوهم» »

.

انتهى.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما ﴾ في الخَوْفِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الحَذَرُ مِن وُجُودِ ما لا يُتَيَقَّنُ وجُودُهُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والثّانِي: أنَّهُ العِلْمُ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

قالَ الزَّجّاجُ: والشِّقاقُ: العَداوَةُ، واشْتِقاقُهُ مِنَ المُتَشاقِّينَ، كُلُّ صِنْفٍ مِنهم في شِقٍّ.

و"الحَكَمُ":هُوَ القَيِّمُ بِما يُسْنَدُ إلَيْهِ، وفي المَأْمُورِ بِإنْفاذِ الحُكْمَيْنِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ السُّلْطانُ إذا تَرافَعا إلَيْهِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكُ.

والثّانِي: الزَّوْجانِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ يُرِيدا إصْلاحًا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي: الحُكْمَيْنِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ راجِعٌ إلى الحُكْمَيْنِ.

قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وعَطاءٌ، والسُّدِّيُّ، والجُمْهُورُ.

والثّانِي: أنَّهُ راجِعٌ إلى الزَّوْجَيْنِ، ذَكَرَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ.

* فَصْلٌ والحُكْمانِ وكِيلانِ لِلزَّوْجَيْنِ، ويُعْتَبَرُ رِضى الزَّوْجَيْنِ فِيما يَحْكُمانِ بِهِ، هَذا قَوْلُ أحْمَدَ، وأبِي حَنِيفَةَ، وأصْحابِهِ.

وقالَ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ: لا يَفْتَقِرُ حُكْمُ الحَكَمَيْنِ إلى رِضى الزَّوْجَيْنِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فابْعَثُوا حَكَمًا مِن أهْلِهِ وحَكَمًا مِن أهْلِها إنْ يُرِيدا إصْلاحًا يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنِهِما إنْ اللهُ كانَ عَلِيمًا خَبِيرًا ﴾ قَسَّمَتْ هَذِهِ الآيَةُ النِساءَ تَقْسِيمًا عَقْلِيًّا، لِأنَّها إمّا طائِعَةٌ، وإمّا ناشِزَةٌ، والنَشَزُ: إمّا مَن يَرْجِعُ إلى الطَواعِيَةِ، وإمّا مَن يَحْتاجُ إلى الحَكَمَيْنِ.

اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ أيْضًا في الخَوْفِ هاهُنا- حَسَبَ ما تَقَدَّمَ، ولا يُبْعَثُ الحَكَمانِ إلّا مَعَ شِدَّةِ الخَوْفِ.

والشِقاقُ: مَصْدَرُ شاقَّ يُشاقُّ، وأُجْرِيَ "البَيْنُ" مَجْرى الأسْماءِ، وأُزِيلَ عنهُ الظَرْفِيَّةُ إذْ هو بِمَعْنى: حالِهِما وعِشْرَتِهِما وصُحْبَتِهِما، وهَذا مِنَ الإيجازِ الَّذِي يَدُلُّ فِيهِ الظاهِرُ عَلى المُقَدَّرِ.

واخْتُلِفَ مَنِ المَأْمُورُ بِالبَعْثَةِ؟

فَقِيلَ: الحاكِمُ، فَإذا أعْضَلَ عَلى الحاكِمِ أمْرُ الزَوْجَيْنِ، وتَعاضَدَتْ عِنْدَهُ الحُجَجُ، واقْتَرَنَتِ الشُبَهُ، واغْتَمَّ وجْهُ الإنْفاذِ عَلى أحَدِهِما بَعَثَ حَكَمَيْنِ مِنَ الأهْلِ لِيُباشِرا الأمْرَ، وخَصَّ الأهْلَ لِأنَّهم مَظِنَّةُ العِلْمِ بِباطِنِ الأمْرِ، ومَظِنَّةُ الإشْفاقِ بِسَبَبِ القَرابَةِ.

وقِيلَ: المُخاطَبُ الزَوْجانِ، وإلَيْهِما تَقْدِيمُ الحَكَمَيْنِ، وهَذا في مَذْهَبِ مالِكٍ، والأوَّلُ لِرَبِيعَةَ وغَيْرِهِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في المِقْدارِ الَّذِي يَنْظُرُ فِيهِ الحَكَمانِ، فَقالَ الطَبَرِيُّ: قالَتْ فِرْقَةٌ: لا يَنْظُرُ الحَكَمانِ إلّا فِيما وكَّلَهُما بِهِ الزَوْجانِ، وصَرَّحا بِتَقْدِيمِهِما عَلَيْهِ، تَرْجَمَ بِهَذا ثُمَّ أدْخَلَ عن عَلِيٍّ غَيْرَهُ.

وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وغَيْرُهُ: يَنْظُرُ الحَكَمانِ في الإصْلاحِ، وفي الأخْذِ والإعْطاءِ، إلّا في الفُرْقَةِ، فَإنَّها لَيْسَتْ إلَيْهِما.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: يَنْظُرُ الحَكَمانِ في كُلِّ شَيْءٍ، ويَحْمِلانِ عَلى الظالِمِ، ويُمْضِيانِ ما رَأياهُ مِن بَقاءٍ أو فِراقٍ، وهَذا هو مَذْهَبُ مالِكٍ والجُمْهُورِ مِنَ العُلَماءِ، وهو قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ في "المُدَوَّنَةِ" وغَيْرِها، وتَأوَّلَ الزَجّاجُ عَلَيْهِ غَيْرَ ذَلِكَ، وأنَّهُ وكَّلَ الحَكَمَيْنِ عَلى الفُرْقَةِ، وأنَّها لِلْإمامِ، وذَلِكَ وهْمٌ مِن أبِي إسْحاقَ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَنِ المُرادُ بِقَوْلِهِ: "إنْ يُرِيدا إصْلاحًا"؟، فَقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: المُرادُ الحَكَمانِ، أيْ: إذا نَصَحا وقَصَدا الخَيْرَ بُورِكَ في وساطَتِهِما.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ الزَوْجانِ، والأوَّلُ أظْهَرُ، وكَذَلِكَ الضَمِيرُ في "بَيْنَهُما" يَحْتَمِلُ الأمْرَيْنِ، والأظْهَرُ أنَّهُ لِلزَّوْجَيْنِ.

والِاتِّصافُ بِعَلِيمٍ خَبِيرٍ يُشْبِهُ ما ذَكَرَ مِن إرادَةِ الإصْلاحِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على جملة " والتي تخافون نشوزهن " [النساء: 34] وهذا حكم أحوال أخرى تعرض بين الزوجين، وهي أحوال الشقاق من مخاصمة ومغاضبة وعصيان، ونحو ذلك من أسباب الشقاق، أي دون نشوز من المرأة.

والمخاطب هنا وُلاَة الأمور لا محالة، وذلك يرجّح أن يكونوا هم المخاطبين في الآية التي قبلها.

والشِّقَاق مصدرٌ كَالمُشَاقّة، وهو مشتقّ من الشِّق بكسر الشين أي الناحية.

لأنّ كلّ واحد يصير في ناحية، على طريقة التخييل، كما قالوا في اشتقاق العدوّ: إنّه مشتقّ من عدوة الوادي.

وعندي أنّه مشتقّ من الشَّقّ بفتح الشين وهو الصدع والتفرّع، ومنه قولهم: شقّ عصا الطاعة، والخلاف شقاق.

وتقدّم في سورة البقرة (137) عند قوله تعالى: ﴿ وإن تولوا فإنما هم في شقاق ﴾ وأضاف الشقاق إلى (بين).

إمّا لإخراج لفظ (بين) عن الظرفية إلى معنى البعد الذي يتباعده الشيئان، أي شقاقَ تباعد، أي تجَاف، وإمّا على وجه التوسّع، كقوله بل مكر اليل وقول الشاعر: يا سارق الليلة أهلَ الدار *** ومن يقول بوقوع الإضافة على تقدير (في) يجعل هذا شاهداً له كقوله: ﴿ هذا فراق بيني وبينك ﴾ [الكهف: 78]، والعرب يتوسّعون في هذا الظرف كثيراً، وفي القرآن من ذلك شيء كثير، ومنه قوله: ﴿ لقد تقطع بينكم ﴾ [الأنعام: 94] في قراءة الرفع.

وضمير ﴿ بينهما ﴾ عائد إلى الزوجين المفهومين من سياق الكلام ابتداء من قوله: ﴿ الرجال قوامون على النساء ﴾ [النساء: 4].

والحكم بفتحتين الحاكم الذي يُرضى للحكومة بغير ولاية سابقة، وهو صفة مشبّهة مشتقّة من قولهم: حكّموه فحكُم، وهو اسم قديم في العربية، كانوا لا ينصبون القضاة، ولا يتحاكمون إلاّ إلى السيف، ولكنّهم قد يرضون بأحد عقلائهم يجعلونه حكماً في بعض حوادثهم، وقد تحاكم عامر بن الطُّفيل وعلقمة بن عُلاَثَةَ لدى هَرِم بن سنان العبسي، وهي المحاكمة التي ذكرها الأعشى في قصيدته الرائية القائل فيها: عَلْقَمَ ما أنتَ إلى عامر *** الناقضِ الأوتارِ والواتر وتحاكم أبناء نزار بن معدّ بن عدنان إلى الأفعى الجُرهمي، كما تقدّم في هذه السورة.

والضميران في قوله: ﴿ من أهله ﴾ و ﴿ من أهلها ﴾ عائدان على مفهومين من الكلام: وهما الزوج والزوجة، واشترط في الحكمين أن يكون أحدهما من أهل الرجل والآخر من أهل المرأة ليكونا أعلم بدخلية أمرهما وأبصر في شأن ما يرجى من حالهما، ومعلوم أنّه يشترط فيهما الصفات التي تخوّلهما الحكم في الخلاف بين الزوجين.

قال ملك: إذا تعذّر وجود حكمين من أهلهما فيبعث من الأجانب، قال ابن الفرس: «فإذا بعث الحاكم أجنبيّين مع وجود الأهل فيشبه أن يقال ينتقض الحكم لمخالفة النصّ، ويشبه أن يقال ماض بمنزلة ما لو تحاكموا إليهما».

قلت: والوجه الأوّل أظهر.

وعند الشافعية كونهما من أهلهما مستحبّ فلو بعثا من الأجانب مع وجود الأقارب صحّ.

والآية دالّة على وجوب بعث الحكمين عند نزاع الزوجين النزاعَ المستمرّ المعبّر عنه بالشقاق، وظاهرها أنّ الباعث هو الحاكم ووليّ الأمر، لا الزوجان، لأنّ فعل ﴿ ابعثوا ﴾ مؤذن بتوجيههما إلى الزوجين، فلو كانا معيّنين من الزوجين لما كان لفعل البعث معنى.

وصريح الآية: أنّ المبعوثين حكمان لا وكيلان، وبذلك قال أيمّة العلماء من الصحابة والتابعين.

وقضى به عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفّان، وعلي بن أبي طالب، وقاله ابن عباس، والنخعي، والشعبي، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق.

وعلى قول جمهور العلماء فما قضى به الحكمان من فرقة أو بقاء أو مخالعة يمضي، ولا مقال للزوجين في ذلك لأنّ ذلك معنى التحكيم، نعم لا يَمنع هؤلاء من أن يوكّل الزوجان رجلين على النظر في شؤونهما، ولا من أن يحكّما حكمين على نحو تحكيم القاضي.

وخالف في ذلك ربيعة فقال: لا يحكم إلاّ القاضي دون الزوجين، وفي كيفية حكمهما وشروطه تفصيل في كتب الفقه.

وتأوّلت طائفة قليلة هذه الآية على أنّ المقصود بعث حكمين للإصلاح بين الزوجين وتعيين وسائل الزجر للظالم منهما، كقطع النفقة عن المرأة مّدة حتّى يصلح حالها، وأنّه ليس للحكمين التطليق إلاّ برضا الزوجين، فيصيران وكيلين، وبذلك قال أبو حنيفة، وهو قولٌ للشافعي، فيريد أنّهما بمنزلة الوكيل الذي يقيمه القاضي عَن الغائب.

وهذا صرف للفظ الحكمين عن ظاهره، فهو من التأويل.

والباعث على تأويله عند أبي حنيفة: أنّ الأصل أنّ التطليق بيد الزوج، فلو رأى الحكمان التطليق عليه وهو كاره كان ذلك مخالفة لدليل الأصل فاقتضى تأويل معنى الحكمين، وهذا تأويل بعيد؛ لأنّ التطليق لا يَطَّرِد كونه بيد الزوج؛ فإنّ القاضي يطلّق عند وجود سبب يقتضيه.

وقوله تعالى: ﴿ إن يريداً إصلاحاً ﴾ الظاهر أنّه عائد إلى الحكمين لأنّهما المسوق لهما الكلام، واقتصر على إرادة الإصلاح لأنّها التي يجب أن تكون المقصد لولاة الأمور والحكمين، فواجبُ الحكمين أن ينظرا في أمر الزوجين نظراً منبعثاً عن نية الإصلاح، فإن تيسّر الإصلاح فذلك وإلاّ صارا إلى التفريق، وقد وعدهما الله بأن يوفّق بينهما إذا نويا الإصلاح، ومعنى التوفيق بينهما إرشادهما إلى مصادفة الحقّ والواقععِ، فإنّ الاتّفاق أطمَن لهما في حكمهما بخلاف الاختلاف، وليس في الآية ما يدلّ على أنّ الله قصر الحَكَمين على إرادة الإصلاح حتّى يكون سنداً لتأويل أبي حنيفة أنّ الحكمين رسولان للإصلاح لا للتفريق، لأنّ الله تعالى ما زاد على أن أخبر بأنّ نية الإصلاح تكون سبباً في التوفيق بينهما في حكمهما، ولو فهم أحد غير هذا المعنى لكان متطوّحا عن مفاد التركيب.

وقيل: الضمير عائد على الزوجين، وهذا تأويل مَن قالوا: إنّ الحكمين يبعثهما الزوجان وكيلين عنهما، أي إن يُرد الزوجان من بعث الحكمين إصلاح أمرهما يوفّق الله بينهما، بمعنى تيسير عَوْد معاشرتهما إلى أحسن حالها.

وليس فيها على هذا التأويل أيضاً حجّة على قصر الحكمين على السعي في الجمع بين الزوجين دون التفريق: لأنّ الشرط لم يدلّ إلاّ على أنّ إرادة الزوجين الإصلاح تحقّقه، وإرادتهما الشقاق والشغب تزيدهما، وأين هذا من تعيين خطّة الحكمين في نظر الشرع.

وهذه الآية أصل في جواز التحكيم في سائر الحقوق، ومسألة التحكيم مذكورة في الفقه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ وَإنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما ﴾ يَعْنِي مُشاقَّةَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مِن صاحِبِهِ، وهو إتْيانُ ما يَشُقُّ عَلَيْهِ مِن أُمُورٍ أمّا مِنَ المَرْأةِ فَنُشُوزُها عَنْهُ وتَرْكُ ما لَزِمَها مِن حَقِّهِ، وأمّا مِنَ الزَّوْجِ فَعُدُولُهُ عَنْ إمْساكٍ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٍ بِإحْسانٍ، والشِّقاقُ مَصْدَرٌ مِن قَوْلِ القائِلِ شاقَّ فُلانٌ فُلانًا إذا أتى كُلُّ واحِدٍ مِنهُما إلى صاحِبِهِ بِما يَشُقُّ عَلَيْهِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ قَدْ صارَ في شِقٍّ بِالعَداوَةِ والمُباعَدَةِ.

﴿ فابْعَثُوا حَكَمًا مِن أهْلِهِ وحَكَمًا مِن أهْلِها ﴾ وفي المَأْمُورِ بِإيفادِ الحَكَمَيْنِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ السُّلْطانُ إذا تَراجَعَ إلَيْهِ الزَّوْجانِ، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكِ.

والثّانِي: الزَّوْجانِ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والثّالِثُ: أحَدُ الزَّوْجَيْنِ وإنْ لَمْ يَجْتَمِعا.

﴿ إنْ يُرِيدا إصْلاحًا ﴾ يَعْنِي الحَكَمَيْنِ.

﴿ يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يُوَفِّقُ اللَّهُ بَيْنَ الحَكَمَيْنِ في الصَّلاحِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ.

والثّانِي: يُوَفِّقُ اللَّهُ بَيْنَهُما بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ بِإصْلاحِ الحَكَمَيْنِ، والحَكَمَيْنِ لِلْإصْلاحِ.

وَفي الفُرْقَةِ إذا رَأياها صَلاحًا مِن غَيْرِ إذْنِ الزَّوْجَيْنِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لَيْسَ ذَلِكَ إلَيْها لِأنَّ الطَّلاقَ إلى الزَّوْجِ.

والثّانِي: لَهُما ذَلِكَ لِأنَّ الحَكَمَ مُشْتَقٌّ مِنَ الحُكْمِ فَصارَ كالحاكِمِ بِما يَراهُ صَلاحًا.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس ﴿ وإن خفتم شقاق بينهما ﴾ هذا الرجل والمرأة إذا تفاسد الذي بينهما، أمر الله أن يبعثوا رجلاً صالحاً من أهل الرجل ورجلاً مثله من أهل المرأة، فينظران أيهما المسيء.

فإن كان الرجل هو المسيء حجبوا عنه امرأته وقصروه على النفقة، وإن كانت المرأة هي المسيئة قصروها على زوجها ومنعوها النفقة، فإن اجتمع رأيهما على أن يفرقا أو يجمعا فأمرهما جائز، فإن رأيا أن يجمعا فرضي أحد الزوجين وكره ذلك الآخر ثم مات أحدهما فإن الذي رضي يرث الذي كره، ولا يرث الكاره الراضي ﴿ إن يريدآ إصلاحاً ﴾ قال: هما الحكمان ﴿ يوفق الله بينهما ﴾ وكذلك كل مصلح يوفقه الله للحق والصواب.

وأخرج الشافعي في الأم وعبد الرزاق في المصنف وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن عبيدة السلماني في هذه الآية قال: جاء رجل وامرأة إلى علي، ومع كل واحد منهما فئام من الناس، فأمرهم علي فبعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها، ثم قال للحكمين: تدريان ما عليكما، عليكما إن رأيتما أن تجمعا أن تجمعا وإن رأيتما أن تفرقا أن تفرقا.

قالت المرأة: رضيت بكتاب الله بما عليَّ فيه ولي.

وقال الرجل: أما الفرقة فلا...

فقال علي: كذبت والله حتى تقر بمثل الذي أقرت به.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن سعيد بن جبير قال: يعظها فإن انتهت وإلا هجرها فإن انتهت وإلا ضربها فإن انتهت وإلا رفع أمرها إلى السلطان، فيبعث حكماً من أهله وحكماً من أهلها، فيقول الحكم الذي من أهلها: تفعل بها كذا.

ويقول الحكم الذي من أهله: تفعل به كذا.

فأيهما كان الظالم رده السلطان وأخذ فوق يديه، وإن كانت ناشزاً أمره أن يخلع.

وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير والبيهقي في سننه عن عمرو بن مرة قال: سألت سعيد بن جبير عن الحكمين اللذين في القرآن فقال: يبعث حكماً من أهله وحكماً من أهلها، يكلمون أحدهما ويعظونه، فإن رجع وإلا كلموا الآخر ووعظوه، فإن رجع وإلا حكماً فما حكما من شيء فهو جائز.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس قال: بعثت أنا ومعاوية حكمين فقيل لنا: إن رأيتما أن تجمعا جمعتما وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما.

والذي بعثهما عثمان.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن الحسن قال: إنما يبعث الحكمان ليصلحا ويشهدا على الظالم بظلمه، وأما الفرقة فليست بأيديهما.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة.

نحوه.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس ﴿ واللاتي تخافون نشوزهن ﴾ قال: هي المرأة التي تنشز على زوجها فلزوجها أن يخلعها حين يأمر الحكمان بذلك، وهو بعدما تقول لزوجها: والله لا أبر لك قسماً ولا أدبر في بيتك بغير أمرك.

ويقول السلطان: لا نجيز لك خلعاً حتى تقول المرأة لزوجها: والله لا أغتسل لك من جنابة، ولا أقيم لله صلاة، فعند ذلك يجيز السلطان خلع المرأة.

وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي قال: كان علي بن أبي طالب يبعث الحكمين حكماً من أهله وحكماً من أهلها فيقول الحكم من أهلها: يا فلان ما تنقم من زوجتك؟

فيقول: أنقم منها كذا وكذا...

فيقول: أرأيت إن نزعت عما تكره إلى ما تحب هل أنت متقي الله فيها ومعاشرها بالذي يحق عليك في نفقتها وكسوتها؟

فإذا قال: نعم قال الحكم من أهله: يا فلانة ما تنقمين من زوجك؟

فتقول: مثل ذلك.

فإن قالت: نعم.

جمع بينهما.

قال: وقال علي: الحكمان بهما يجمع الله، وبهما يفرق.

وأخرج البيهقي عن علي قال: إذا حكم أحد الحكمين ولم يحكم الآخر فليس حكمه بشيء حتى يجتمعا.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس ﴿ إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما ﴾ قال: هما الحكمان.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد ﴿ إن يريدا إصلاحاً ﴾ قال: أما أنه ليس بالرجل والمرأة ولكنه الحكمان ﴿ يوفق الله بينهما ﴾ قال: بين الحكمين.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك ﴿ إن يريدا إصلاحاً ﴾ قال: هما الحكمان إذا نصحا المرأة والرجل جميعاً.

واخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله: ﴿ إن الله كان عليماً خبيراً ﴾ قال: بمكانهما.

وأخرج البيهقي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم.

أن امرأة أتته فقالت: ما حق الزوج على امرأته؟

فقال: «لا تمنعه نفسها وإن كانت على ظهر قتب، ولا تعطي من بيته شيئاً إلا بإذنه، فإن فعلت ذلك كان له الأجر وعليها الوزر.

ولا تصوم يوماً تطوعاً إلا بإذنه، فإن فعلت أثمت ولم تؤجر، ولا تخرج من بيته إلا بإذنه، فإن فعلت لعنتها الملائكة، ملائكة الغضب وملائكة الرحمة حتى تتوب أو تراجع.

قيل: فإن كان ظالماً؟

قال: وإن كان ظالماً» .

وأخرج الطبراني والحاكم وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في سننه عن عبد الله بن عباس قال: لما اعتزلت الحرورية فكانوا في واد على حدتهم قلت لعلي: يا أمير المؤمنين أبرد عن الصلاة لعلِّي آتي هؤلاء القوم فأكلمهم؟

فأتيتهم ولبست أحسن ما يكون من الحلل فقالوا: مرحبا بك يا ابن عباس، فما هذه الحلة؟

قال: ما تعيبون عليّ.

..

لقد رأيت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الحلل ونزل.

﴿ قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ﴾ [ الأعراف: 32] قالوا: فما جاء بك؟

قلت: أخبروني ما تنقمون على ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وختنه، وأوّل من آمن به، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم معه؟

قالوا: ننقم عليه ثلاثاً.

قلت ما هن؟

قالوا: أولهن أنه حكم الرجال في دين الله وقد قال الله تعالى ﴿ إن الحكم إلا لله ﴾ [ الأنعام: 57] قلت: وماذا؟

قالوا: وقاتل ولم يسب ولم يغنم، لئن كانوا كفاراً لقد حلت له أموالهم، ولئن كانوا مؤمنين لقد حرمت عليه دماؤهم.

قلت: وماذا؟

قالوا: ومحا اسمه من أمير المؤمنين فإن لم يكن أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين.

قلت: أرأيتم إن قرأت عليكم من كتاب الله المحكم، وحدثتكم من سنة نبيه صلى الله عليه وسلم ما لا تشكون أترجعون؟

قالوا: نعم.

قلت: أما قولكم أنه حكم الرجال في دين الله، فإن الله تعالى يقول ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ﴾ [ المائدة: 95] إلى قوله: ﴿ يحكم به ذوا عدل منكم ﴾ [ المائدة: 95] وقال في المرأة وزوجها ﴿ وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها ﴾ أنشدكم الله أفحكم الرجال في حقن دمائهم وأنفسهم وصلاح ذات بينهم أحق أم في أرنب فيها ربع درهم؟

قالوا اللهم في حقن دمائهم وصلاح ذات بينهم.

قال: أخرجت من هذه؟

قالوا: اللهم نعم.

وأما قولكم أنه قاتل ولم يسب ولم يغنم، أتسبون أمكم أم تستحلون منها ما تستحلون من غيرها فقد كفرتم، وإن زعمتم أنها ليست بأمكم فقد كفرتم وخرجتم من الإسلام، إن الله تعالى يقول ﴿ النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم ﴾ [ الأحزاب: 6] وأنتم تترددون بين ضلالتين فاختاروا أيتهما شئتم، أخرجت من هذه؟

قالوا: اللهم نعم.

وأما قولكم محا اسمه من أمير المؤمنين، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا قريشاً يوم الحديبية على أن يكتب بينه وبينهم كتاباً فقال: اكتب.

هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله فقالوا: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب محمد بن عبد الله فقال: والله إني لرسول الله وإن كذبتموني، اكتب يا علي محمد بن عبد الله ورسول الله كان أفضل من علي، أخرجت من هذه؟

قالوا: اللهم نعم.

فرجع منهم عشرون ألفاً وبقي منهم أربعة آلاف فقتلوا.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا ﴾ .

قال ابن عباس: يريد علمتم (١) قال الزجاج: (خفتم) ههنا بمعنى: (أيقنتم) خطأ (٢) (٣) (٤) وليس الأمر على ما قال أبو إسحاق؛ فإن الخوف ههنا بمعنى العلم صحيح، وكذلك يجب أن يكون؛ لأن بعثة الحكمين إنما تكون إذا علمنا شقاقًا بينهما، ولكن لا نعلم أيهما المتعدي الظالم، فيُبعث الحكمان ليتعرفا ذلك، وقبل وقوع الشقاق ليس حاله بعثة الحكمين.

فقول أبي إسحاق: (لو علمنا الشقاق على الحقيقة لم يُحتج إلى الحكمين) وهم؛ لأنا نحتاج إلى الحكمين في هذه الحالة، وحيث نعلم المُشَاقّ بين الزوجين من هو لم يُحتج إلى الحكمين.

ولم يفصل الزجاج بين الحالتين، والذي في الآية إذا علمنا شقاقًا بينهما، ولم نعلم من أيهما ذلك الشقاق، وكلام ابن عباس شديد (٥) والشقاق: العداوة والخلاف، كالمشاقّة.

واشتقاقه من أن المشاقين (٦) (٧) والمعنى: شقاقًا بينهما، فأضيف المصدر إلى الظرف، وإضافة المصادر إلى الظروف جائزة، لحصولها فيها، كقولك: يعجبني صوم يوم عرفة، وسير الليلة المقمرة (٨) وقوله تعالى: ﴿ فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ ﴾ .

قال سعيد بن جبير والضحاك: المأمور ببعث الحكمين السلطان الذي يترافع الزوجان فيما شجر بينهما إليه (٩) والحكم بمعنى الحاكم، وهو المانع من الظلم (١٠) (١١) قال ابن عباس: يريد من أهل الفضل (١٢) يعني أن الحكم يجب أن يكون فاضلًا، يعرف ما لأحد الزوجين على الآخر، ويعرف أحكام العِشرة (١٣) وقوله تعالى: ﴿ مِنْ أَهْلِهِ ﴾ ، و ﴿ مِنْ أَهْلِهَا ﴾ .

أي من أقارب هذا وأقارب تلك.

قال ابن عباس: فإذا التقى الحكمان قال أحدهما للآخر: ادخل على قريبتك، فقل لها تخبرك الذي نقمت على زوجها، وقل لها: ألك فيه حاجة؟، وإلا فنحن ندخل فيما بينكما حتى يفارقك، وإن كان لك به حاجة فنحن نرده إلى ما تحبين.

ويقول الآخر لصاحبه: القَ قريبَك، فقل له: ألك في أهلك حاجة؟.

فيخلو حَكَمُ الرجل بصاحبه، فيقول (١٤) ويخلو حكم المرأة بالمرأة، فيقول: أعلميني ما في نفسك، أتهوَين زوجكِ أم لا؟

فإني لا أدري ما أقول في أمركِ حتى أستَطلع رأيكِ فيه، فإن كانت هي الناشزة، قالت: أنشدك الله أنْ تُفرِّق بيني وبينه، أعطه ما أراد من مالى، فلا حاجة لي فيه.

فإذا قالت ذلك علم أنها ناشزة.

وإن لم تكن ناشزة، قالت: إني أهواه، ولكني أستزيده في نفقتي، فعِظه وحُثّه عليّ بخير، فإنه إليّ مسيء.

فإذا كان النشوز من قبل المرأة أقبلا عليها، فقالا لها: يا عدو الله، أنتِ العاصية الظالمة لزوجك، المسيئة لنفسكِ، فوالله لا ينفق عليكِ أبدًا ولا يجامعك، حتى ترجعي عن فعلك وتفيئي إلى الله، فلا يأتيها زوجها ولا ينفق عليها حتى ترجع إلى الحق.

وإن كان النشوز من قبل الرجل أقبلا عليه، فقالا: أنت العاصي لله المبغض لامرأتك، الظالم لنفسك، نفقتها عليك أبدًا ما دامت، ولا تدخل لها بيتًا، ولا ترى لها وجهًا، حتى تفيء إلى أمر الله وترجع عما أنت عليه.

ثم يأخذانه بنفقتها ما دام على حاله حتى يرجع، فإذا رجع جَمَعَا بينه وبينها (١٥) وقوله تعالى: ﴿ إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ ﴾ بين الزوج والمرأة.

فالكناية في ﴿ بَيْنِهِمَا ﴾ تعود على الزوجين.

وأجاز بعضهم فيما حكاه ابن حبيب (١٦) (١٧) (١٨) ومذهب عمر  أيضًا هذا، وهو أن المعني بإرادة الإصلاح الحكمان.

وقد رُوي أنه بعث حكمين بين زوجين فرجعا وأخبراه أن الزوجين لم يصطلحا، فعلاهما بالدرّة وقال: لو أردتما إصلاحًا وفق الله بينهما.

فرجعا وأخلصا، فإذا الزوجان قد أغلقا الباب دونهما واصطلحها (١٩) وهذه القصة تُقوي عود الكناية إلى الزوجين.

هذا إذا أراد الحكمان إصلاحًا ورأيا ذلك.

فإن أدى اجتهادهما إلى التفريق، فقد اختلف العلماء في ذلك: فمذهب عثمان وعلي  ما وسعيد بن جبير والشعبي والسدي وإبراهيم وشريح: أن لهما التفريق بينهما بالطلاق إن رأياه؛ لأن التحكيم توكيل (٢٠) قال عبيدة السلماني: شهدت عليًا  وجاءته امرأة وزوجها، مع كل واحد منهما فِئَامٌ من الناس، فقال: ما شأنهما؟

فأُخْبِرَ بالشقاق بينهما، فقال: ابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها، ثم قال للحكمين: أتدريان ما عليكما؟

إن عليكما إن رأيتما أن تفرقا فرقتما، وإن رأيتما أن تجمعا جمعتما.

فقالت المرأة: رضيتُ بما في كتاب الله عليّ ولي (٢١) (٢٢) (٢٣) والظاهر من هذا الكلام أن عليًا  رأى الفُرقة من غير رضا الزوج، ولذلك قال: كذبت، ولم يقل: فلا أبعث الحكمين حتى ترضى.

وإذا تعذر تنفيذ العقد بأحكامه فالوجه رفعه، وهذا هو الظاهر الصحيح من مذهب الشافعي -رحمه الله- الذي نص عليه في كتاب الطلاق من أحكام القرآن (٢٤) (٢٥) (٢٦) وقال الحسن: الحكمان يحكمان في الاجتماع ولا يحكمان في الفرقة إلا بأمرهما (٢٧) (٢٨) قال الزجاج: وحقيقة أمر الحكمين أنهما (٢٩) والذي فعله عليّ رحمه الله من قوله: وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما، تولية منه إياهما ذلك (٣٠) وقوله تعالى: ﴿ يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ﴾ (٣١) (٣٢) قال الراعي: أما الفقير الذي كانت حَلُوبته ...

وَفقَ العِيَال فلم يُترك له سَبَدُ (٣٣) فالموافقة المواساة (٣٤) ﴿ جَزَاءً وِفَاقًا  ﴾ ، أي: على وَفق أعمالهم.

الليث يقول: لا يتوفق عبدٌ حتى يوفقه الله، وإن فلانًا موفّق رشيد (٣٥) ووَفق كل شيء ما يكون متفقًا معه، كقوله: يَهوِين شَتَّى ويقَعنَ وفْقًا (٣٦) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا ﴾ .

قال ابن عباس: يريد: عليمًا بما في قلوبهم من المودة، وخبيرًا بما يكون إذا هو طلّقها من وُجْدِه عليها، أو وُجدِها عليه (٣٧) (١) لم أقف عليه، وذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 532، دون نسبة لابن عباس ونسبه ابن الجوزي إلى أبي سليمان الدمشقي.

انظر: "زاد المسير" 2/ 77.

(٢) عبارة الزجاج في "معانيه" 2/ 48: قال بعضهم: (خفتم) ههنا في معنى: أيقنتم؛ وهذا خطأ.

(٣) عند الزجاج في "المعاني": لم يجنح.

(٤) "معاني الزجاج" 2/ 48.

(٥) هكذا في (أ)، (د)، ولعل الصواب: سديد بالسين المهملة.

(٦) في "معاني الزجاج" 2/ 48 المتشاقين.

(٧) من "معاني الزجاج" 2/ 48 بتصرف يسير، وانظر الطبري 5/ 70.

(٨) انظر: "الطبري" 5/ 70، "الدر المصون" 3/ 673.

(٩) أخرج الأثر عنهما الطبري 5/ 71، وانظر: "زاد المسير" 2/ 77، "الدر المنثور" 2/ 279 - 280.

(١٠) انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 887 (حكم).

(١١) "الأمثال" لأبي عبيد ص 54، "مجمع الأمثال" للميداني 2/ 442.

(١٢) لم أقف عليه، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 352، و"القرطبي" 5/ 175، و"ابن كثير" 2/ 539.

(١٣) انظر المراجع السابقة.

(١٤) في (د): (فيقول له).

(١٥) أخرجه بمعناه مختصرًا الطبري 5/ 73 من طريق ابن أبي طلحة وهو في "تفسير ابن عباس" / 147.

وقد ذكره السمرقندي في "بحر العلوم" دون نسبة لابن عباس بلفظ مقارب.

انظر: "بحر العلوم" 1/ 352، القرطبي 5/ 175.

وقد جاء نحوه عن السدي.

انظر: الطبري 5/ 71.

(١٦) الماوردي في "النكت والعيون" 1/ 484.

(١٧) هذا رأي جمهور المفسرين، انظر: الطبري 5/ 76 - 77، "زاد المسير" 2/ 77.

(١٨) انظر: "النكت والعيون" 1/ 484 (١٩) لم أقف عليه.

(٢٠) انظر: "الطبري" 5/ 73 - 75، و"القرطبي" 5/ 176.

(٢١) هنا عبارة (وقال ولي) وهي زياجة من الناسخ على الأغلب.

(٢٢) في (أ): أقرب بالباء الموحدة وهو تصحيف ظاهر.

والصواب بالتاء المثناة كما في (د)، "الكشف والبيان" يأتي.

(٢٣) أخرجه الشافعي في "الأم" 5/ 195، وقال الشافعي -رحمه الله-: حديث علي ثابت عندنا، والطبري 5/ 71، وعبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 158، والثعلبي 4/ 51 ب، وعزاه السيوطى إلى عبد الرزاق في "المصنف" وسعيد بن جبير وعبد == بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.

انظر: "الدر المنثور" 2/ 279.

(٢٤) انظر: "الأم" 5/ 195، و"أحكام القرآن" للشافعي جمع البيهقي 1/ 212، و"ابن كثير" 1/ 539.

(٢٥) هو أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل بن عمرو المزني المصري، تلميذ الإمام الشافعي، إمام علامة رأس في الفقه الشافعي وله المختصر مشهور متداول، قال الشافعي: المزني ناصر مذهبي، توفي -رحمه الله- سنة 264 هـ.

انظر "طبقات الفقهاء" للشيرازي ص109، "سير أعلام النبلاء" 12/ 492، "طبقات الشافعية" للأسنوي 1/ 28.

(٢٦) "مختصر المزني" ص 186.

(٢٧) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 159، والطبري بمعناه 5/ 72، وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم، انظر: "الدر المنثور" 2/ 28.

(٢٨) انظر: "مختصر المزني" ص 186.

(٢٩) فى (د): (أن).

(٣٠) انتهى من "معاني الزجاج" 2/ 49 بتصرف يسير.

(٣١) (بينهما) ليست في (أ).

(٣٢) انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3927، "اللسان" 8/ 4884 (وفق).

(٣٣) "ديوانه" ص 64، "تهذيب اللغة" 4/ 3927، "اللسان" 8/ 4884 (وفق).

ومعنى: حلوبته: قيل: معيشته وقيل حمولته، والسبَّدَ يطلق على المال وعلى ذوات الشعر من البهائم.

انظر "اللسان" 4/ 1918 (سبد).

والشاهد أن وفق الشيء ما يساوي حالته أو يكفيه.

(٣٤) لعلها المُساواة (٣٥) "العين" 5/ 226، "تهذيب اللغة" 4/ 3927 (وفق).

(٣٦) "العين" 5/ 226، وانظر: "لسان العرب" 8/ 4884 (وفق).

(٣٧) لم أقف عليه، وانظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 84 <div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا ﴾ الشقاق الشر والعداوة، وكان الأصل إن خفتم شقاق بينهما، ثم أضيف الظرف إلى الشقاق على طريق الاتساع لقوله تعالى: ﴿ بَلْ مَكْرُ اليل والنهار ﴾ [سبأ: 33] وأصله: مكر بالليل والنهار ﴿ فابعثوا حَكَماً ﴾ الآية.

ذكر تعالى الحكم في نشوز المرأة، والحكم في طاعتها، ثم ذكر هنا حالة أخرى، وهي ما إذا ساء ما بين الزوجين ولم يقدر على الإصلاح بينهما، ولا عُلم من الظالم منهما.

فيبعث حكمان مسلمان لينظرا في أمرهما.

وينفذ ما ظهر لهما من تطليق وخلع من غير إذن الزوج، وقال أبو حنيفة: ليس لهما الفراق إلا إن جُعل لهما، وإن اختلفا لم يلزم شيء إلا باتفاقهما ومشهور مذهب مالك: أن الحاكم هو الذي يبعث الحكمين، وقيل: يبعثهما الزوجان، وجرت عادة القضاة في زمن المؤلف أن يبعثوا امرأة أمينة، ولا يبعثوا حكمين، قال بعض العلماء: هذا تغيير لحكم القرآن والسنة الجارية ﴿ مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَآ ﴾ يجوز في المذاهب أن يكون الحكمان من غير أهل الزوجين، والأكمل أن يكونا من أهلهما كما ذكر الله ﴿ إِن يُرِيدَآ إصلاحا يُوَفِّقِ الله بَيْنَهُمَآ ﴾ الضمير في يريدا للحكمين، وفي بينهما للزوجين على الأظهر، وقيل: الضميران للزوجين، وقيل: للحكمين.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: {يكفر{ و ﴿ يدخلكم ﴾ بياء الغيبة: المفضل.

الباقون بالنون.

﴿ مدخلاً ﴾ بفتح الميم وكذلك في الحج: أبو جعفر ونافع.

الباقون بالضم ﴿ واسئلوا ﴾ وبابه مما دخل عليه واو العطف أو فاؤه بغير همزة: ابن كثير وعلي وخلف وسهل وحمزة في الوقف.

﴿ عقدت ﴾ من العقد: عاصم وحمزة وعلي وخلف.

الباقون ﴿ عاقدت ﴾ من المعاقدة ﴿ بما حفظ الله ﴾ بالنصب: يزيد.

الباقون بالرفع.

﴿ والجار ﴾ بالإمالة: إبراهيم بن حماد وقتيبة ونصير وأبو عمرو وحمزة في رواية ابن سعدان وأبي عمرو والنجاري عن ورش ﴿ والجار الجنب ﴾ بفتح الجيم وسكون النون: المفضل.

البقاون بضمتين ﴿ بالبخل ﴾ بفتحيتن حيث كان: حمزة وعلي وخلف والمفضل عباس مخير.

الباقون: بضم الباء وسكون الخاء.

﴿ حسنة ﴾ بالرفع: ابن كثير وأبو جعفر ونافع.

الباقون بالنصب ﴿ يضعفها ﴾ بالتشديد: ابن كثير وابن عامر ويزيد ويعقوب.

الباقون ﴿ يضاعفها ﴾ بالألف.

الوقوف: ﴿ كريماً ﴾ ه ﴿ على بعض ﴾ ط ﴿ مما اكتسبن ﴾ ط ﴿ من فضله ﴾ ط ﴿ عليماً ﴾ ه ﴿ والأقربون ﴾ ط بناء على أن ما بعد مبتدأ ﴿ نصيبهم ﴾ ط ﴿ شهيداً ﴾ ه ﴿ من أموالهم ﴾ ج لأن ما يتلوا مبتدأ ﴿ بما حفظ الله ﴾ ط ﴿ واضربوهن ﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿ سبيلاً ﴾ ط ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ من أهلها ﴾ ج لأن " أن " للشرط مع اتحاد الكلام ﴿ بينهما ﴾ ط ﴿ خبيراً ﴾ ه ﴿ وابن السبيل ﴾ ط للعطف ﴿ أيمانكم ﴾ ط ﴿ فخوراً ﴾ ه لا بناء على أن الذين بدل ﴿ من فضله ﴾ ط ﴿ مهيناً ﴾ ه ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والعطف ﴿ باليوم الآخر ﴾ ط وإن جعل "الذين" مبتدأ لأن خبره محذوف أي فأولئك قرينهم الشيطان ﴿ قريناً ﴾ ه ﴿ رزقهم الله ﴾ ط ﴿ عليماً ﴾ ه ﴿ ذرة ﴾ ط لانقطاع النظم مع اتفاق المعنى أي لا يظلم بنقص الثواب ومع ذلك يضاعفه ﴿ عظيماً ﴾ ه.

التفسير: هذا كالتفصيل للوعيد المتقدم.

ومن الناس من قال: جميع الذنوب والمعاصي كبائر.

روى سعيد بن جبير عن ابن عباس: كل شيء عصي الله فيه فهو كبيرة، فمن عمل شيئاً منها فليستغفر الله فإنّ الله لا يخلد في النار من هذه الأمة إلاّ راجعاً عن الإسلام أو جاحداً فريضة أو منكراً لقدر.

وضعف بأن الذنوب لو كانت كلها كبائر لم يبق فرق بين ما يكفر باجتناب الكبائر وبين الكبائر وبقوله  : ﴿ وكل صغير وكبير مستطر  ﴾ ﴿ لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها  ﴾ وبأنه  نص على ذنوب بأعيانها أنها كبائر، وبقوله  : ﴿ وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان  ﴾ ولا بد من فرق بين الفسوق والعصيان.

فالكبائر هي الفسوق، والصغائر العصيان.

حجة المانع ما روي عن ابن عباس: أنّ الذنب إنما يكبر لوجهين: لكثرة نعم من / عصى فيه ولجلالته، ولا شك أن نعمه  غير متناهية وأنه أجل الموجودات فيكون عصيانه كبيراً.

وعورض بأنه أرحم الراحمين وأغنى عن طاعات المطيعين، وكل ذلك يوجب خفة الذنب وإن سلم أن الذنوب كلها كبائر من حيث إنها ذنوب ولكن بعضها أكبر من بعض وذلك يوجب التفاوت.

وإذ قد عرفت أن الذنوب بعضها صغائر وبعضها كبائر فالكبيرة تتميز عن الصغيرة بذاتها أو باعتبار فاعلها.

ذهب إلى كل واحد طائفة.

فمن الأولين من قال: ويروى عن ابن عباس كل ما جاء في القرآن مقروناً بذكر الوعيد فهو كبيرة كالقتل المحرم والزنا وأكل مال اليتيم وغيرها.

وزيف بأنه لا ذنب إلاّ وهو متعلق الذم عاجلاً والعقاب آجلاً فيكون كل ذنب كبيراً وهو خلاف المفروض.

وعن ابن مسعود أن الكبائر هي ما نهى الله  في الآيات المتقدمة، وضعف بأنه  ذكر الكبائر في سائر السور أيضاً فلا وجه للتخصيص.

وقيل: كل عمد فهو كبير.

ورُدّ بأنه إن أراد بالعمد أنه ليس بساهٍ فما هذا حاله فهو الذي نهى الله عنه فيكون كل ذنب كبيراً وقد أبطلناه، وإن أراد بالعمد أن يفعل المعصية مع العلم بأنها معصية فلا يكون كفر اليهود والنصارى كبيراً وهو باطل بالاتفاق.

وأما الذين يقولون الكبائر تمتاز عن الصغائر باعتبار فاعلها، فوجهه أنّ لكل طاعة قدراً من الثواب، ولكل معصية قدراً من العقاب.

فإذا وجد للإنسان طاعة ومعصية فالتعادل بين الاستحقاقين وإن كان ممكناً بحسب العقل إلاّ أنه غير ممكن بحسب السمع وإلاّ لم يكن مثل ذلك المكلف لا في الجنة ولا في النار وقد قال  : ﴿ فريق في الجنة وفريق في السعير  ﴾ فلا بد من ترجيح أحدهما، ويلزم حينئذٍ الإحباط والتكفير.

والحق في هذه المسألة وعليه الأكثرون بعد ما مرّ من إثبات قسمة الذنب إلى الكبير والصغير أنه  لم يميّز جملة الكبائر عن جملة الصغائر لما بين في هذه الآية أن الاجتناب عن الكبائر يوجب تكفير الصغائر.

فلو عرف المكلف جميع الكبائر اجتنبها فقط واجترأ على الإقدام على الصغائر، أما إذا عرف أنه لا ذنب إلاّ ويجوز كونه كبيراً صار هذا المعنى زاجراً له عن الذنوب كلها، ونظير هذا في الشرع إخفاء ليلة القدر في ليالي رمضان، وساعة الإجابة في ساعات الجمعة، ووقت الموت في جملة الأوقات.

هذا ولا مانع من أن يبيّن الشارع في بعض الذنوب أنه كبيرة كما روي أنه  قال: " اجتنبوا السبع الموبقات الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلاّ بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات " وذكر عند ابن عباس أنها سبعة / فقال: هي إلى السبعين أقرب.

وفي رواية إلى السبعمائة.

وعن ابن عمر أنه عدّ منها: استحلال آميّن البيت الحرام وشرب الخمر.

وعن ابن مسعود: زيادة القنوط من رحمة الله والأمن من مكره.

وفي بعض الروايات عن النبي  زيادة قول الزور وعقوق الوالدين والسرقة.

وأما قول العلماء في الكبيرة فمنهم من قال: هي التي توجب الحد.

وقيل: هي التي يلحق صاحبها الوعيد الشديد بنص أو كتاب أو سنة.

وقيل: كل جريرة تؤذن بقلة اكتراث صاحبها بالدين.

وقيل: لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار.

ويراد بالإصرار المداومة على نوع واحد من الصغائر، أو الإكثار منها وإن لم تكن من نوع واحد.

احتج أبو القاسم الكعبي بالآية على القطع بوعيد أهل الكبائر لأنها تدل على أنه إذا لم يجتنب الكبائر فلا تكفر عنه.

والجواب عنه أن استثناء نقيض المقدم لا ينتج ويؤيده قوله تعالى: ﴿ فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤد الذي اؤتمن أمانته  ﴾ وأداء الأمانة واجب أمنه أو لم يأمنه.

سلمنا أنّ الآية رجعت إلى قوله من لم يجتنب الكبائر لم يكفر عنه سيّئاته، فغايته أنه يكون عاماً في باب الوعيد.

والجواب عنه هو الجواب عن سائر العمومات، وهو أنه مشروط بعدم العفو عندنا كما أنه مشروط عندكم بعدم التوبة.

ثم قالت المعتزلة: إنّ عند اجتناب الكبائر يجب غفران الصغائر، وعندنا لا يجب على الله شيء بل كل ما يفعله فهو فضل وإحسان.

ويدخل في الاجتناب عن الكبائر الإتيان بالطاعات لأن ترك الواجب أيضاً كبيرة.

﴿ وندخلكم مدخلاً ﴾ فمن فتح الميم أراد مكان الدخول، ومن ضمها أراد الإدخال.

ووصفه بالكرم إشعار بأنه على وجه التعظيم خلاف إدخال أهل النار الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم، أو هو وصف باعتبار صاحبه.

ثم إنه  لما أمرهم بتهذيب أعمال الجوارح وهو أن لا يقدموا على أكل الأموال بالباطل وعلى قتل الأنفس، حثهم على تهذيب الأخلاق في الباطن.

أو نقول: لما نهاهم عن الأكل والقتل ولن يتم ذلك إلاّ بالرضا بالقضاء وتطييب القلب بالمقسوم المقدّر، فلا جرم قال: ﴿ ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض ﴾ قالت المعتزلة: التمني قول القائل: "ليته كذا".

وقال أهل السنة: هو عبارة عن إرادة ما يعلم أن يظن أنه لا يكون ولهذا قالوا: إنه  لو أراد من الكافر أن يؤمن مع علمه بأنه لا يؤمن كان متمنياً.

ثم مراتب السعادات إما نفسانية نظرية كالذكاء والحدس وحصول المعارف والحقائق، أو عملية كالأخلاق الفاضلة، وإما بدنية كالصحة والجمال والعمر، وإما خارجية كحصول الأولاد النجباء وكثرة العشائر والأصدقاء والرياسة التامة ونفاذ القول وكونه محبوباً للخلق حسن الذكر مطاع الأمر، فهذه مجامع السعادات.

وبعضها محض عطاء الله  ، وبعضها مما / يظن أنها كسبية.

وبالحقيقة كلها عطاء منه  فإنه لولا ترجيح الدواعي وإزالة العوائق وتحصيل الموجبات وتوفيق الأسباب فلأي سبب يكون السعي والجد مشتركاً فيه، والفوز بالبغية والظفر بالمطلوب غير مشترك فيه؟

وإذا كان كذلك فما الفائدة في الحسد غير الاعتراض على مدبر الأمور وكافل مصالح الجمهور؟

فعلى كل أحد أن يرضى بما قسم له علماً بأن ما قسم له هو خير له، ولو كان خلافه لكان وبالاً عليه كما قال: ﴿ ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض  ﴾ وفي الكلمات القدسية: " من استسلم لقضائي وصبر على بلائي وشكر نعمائي كتبته صديقا وبعثته يوم القيامة مع الصديقين.

ومن لم يرض بقضائي ولم يصبر على بلائي ولم يشكر نعمائي فليخرج من أرضي وسمائي وليطلب رباً سوائي" قال المحققون: لا يجوز للإنسان أن يقول: اللهم أعطني داراً مثل دار فلان، وزوجة مثل زوجة فلان، وإن كان هذا غبطة لا حسداً، بل ينبغي أن يقول: اللهم أعطني ما يكون صلاحاً لي في ديني ودنياي ومعادي ومعاشي.

وعن الحسن: لا يتمن أحد المال فلعل هلاكه في ذلك المال.

أما سبب النزول فعن مجاهد قالت أم سلمة: يا رسول الله يغزو الرجال ولا نغزو، ولهم من الميراث ضعف ما لنا فنزلت.

وعن قتادة والسدي: لما نزل قوله: ﴿ للذكر مثل حظ الأنثيين  ﴾ قال الرجال: نرجو أن نفضل على النساء في الآخرة كما فضلنا في الميراث.

وقال النساء: نرجو أن يكون الوزر علينا نصف ما على الرجال.

وفي رواية قلن: نحن أحوج لأن ضعفاءهم أقدر على طلب المعاش فنزلت.

وقيل: أتت وافدة النساء إلى الرسول وقالت: رب الرجال والنساء واحد، وأنت الرسول إلينا وإليهم، وأبونا آدم وأمنا حواء فما السبب في أن الله يذكر الرجال ولا يذكرنا؟

فنزلت الآية.

فقالت: وقد سبقنا الرجال بالجهاد فما لنا؟

فقال  : "إن للحامل منكن أجر الصائم القائم، وإذا ضربها الطلق لم يدر أحد ما لها من الأجر، فإن أرضعت كان لها بكل مصة أجر إحياء نفس" .

﴿ للرجال نصيب مما اكتسبوا ﴾ من نعيم الدنيا وثواب الآخرة فينبغي أن يرضوا بما قسم لهم، وكذا للنساء، أو لكل فريق جزاء ما اكتسب من الطاعات فلا ينبغي أن يضيعه بسبب الحسد المذموم.

وتلخيصه لا تضيع ما لك بتمني ما لغيرك.

أو ﴿ للرجال نصيب مما اكتسبوا ﴾ بسبب قيامهم بالنفقة على النساء ﴿ وللنساء نصيب مما اكتسبن ﴾ بحفظ فروجهن وطاعة أزواجهن والقيام بمصالح البيت ﴿ واسئلوا الله من فضله ﴾ فعنده من ذخائر الإنعام ما لا ينفده مطالب الأنام.

و "من" للتبعيض أي شيئاً من خزائن كرمه وطوله ﴿ إنّ الله كان بكل شيء / عليماً ﴾ فهو العالم بما يكون صلاحاً للسائلين، فليقتصر السائل على المجمل وليفوّض التفصيل إليه فإن ذلك أقرب إلى الأدب وأوفق للطلب.

قوله  وتعالى : ﴿ ولكل جعلنا موالى مما ترك الوالدان والأقربون ﴾ يمكن تفسيره بحيث يكون الوالدان والأقربون وارثين وبحيث يكونان موروثاً منهما.

والمعنى على الأول: لكل أحد جعلنا ورثة في تركته.

ثم إنه كأنه قيل: ومَنْ هؤلاء الورثة؟

فقيل: هم الوالدان والأقربون فيحسن الوقف على قوله: ﴿ مما ترك ﴾ وفيه ضمير كل.

وأما على الثاني، فإما أن يكون في الكلام تقديم وتأخير أي ولكل شيء مما ترك الوالدان والأقربون جعلنا موالي أي ورثة، وإما أن يكون ﴿ جعلنا موالي ﴾ صفة ﴿ لكل ﴾ بل محذوف والعائد محذوف وكذا المبتدأ والتقدير: ولكل قوم جعلناهم موالي نصيب مما ترك الوالدان والأقربون كما تقول: لكل من خلقه الله إنساناً من رزق الله.

أي حظ من رزق الله، والمولى لفظ مشترك بين معانٍ: منها المعتق لأنه ولي نعمته في عتقه، ومنها العبد المعتق لاتصال ولاية مولاه في إنعامه عليه، وهذا كما يسمى الطالب غريماً لأن له اللزوم والمطالبة بحقه، ويسمى المطلوب غريماً لكون الدين لازماً له.

ومنها الحليف لأن الحالف يلي أمره بعقد اليمين، ومنها ابن العم لأنه يليه بالنصرة ومنه المولى للناصر قال  : ﴿ ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا  ﴾ ومنها العصبة وهو المراد في الآية إذ هو الأليق بها كقوله  : " أنا أولى بالمؤمنين من مات وترك مالاً فماله للموالي العصبة، ومن ترك كلاً فأنا وليّه " وأما قوله: ﴿ والذين عقدت أيمانكم ﴾ فإما أن يكون مبتدأ ضمن معنى الشرط، فوقع قوله: ﴿ فآتوهم ﴾ خبره.

وإما أن يكون منصوباً على قولك: "زيداً فاضربه" مما توسط الفاء بين الفعل ومفعول مفسره إيذاناً بتلازمهما وإما أن يكون معطوفاً على ﴿ الوالدان ﴾ والإيمان جمع اليمين اليد أو الحلف.

من الناس من قال: الآية منسوخة.

وذلك أن الرجل كان يعاقد الرجل فيقول: دمي دمك وهدمي هدمك أي ما يهدر، وثأري ثأرك، وحربي حربك، وسلمي سلمك، وترثني وأرثك، وتطلب بي وأطلب بك، وتعقل عني وأعقل عنك، فيكون للحليف السدس من ميراث الحليف فنسخ بقوله: ﴿ وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض  ﴾ وبقوله: ﴿ يوصيكم الله  ﴾ وأيضاً: إن الواحد منهم كان يتخذ إنساناً أجنبياً ابناً له وهم الأدعياء، وكان النبي  يؤاخي بين كل رجلين منهم، فكانوا يرثون بالتبني والمؤاخاة فنسخ، ومن المفسرين من زعم أنها غير منسوخة، وقوله: ﴿ والذين ﴾ معطوف على ما / قبله.

والمعنى: أن ما ترك الذين عقدت أيمانكم فله وارث هو أولى به فلا تدفعوا المال إلى الحليف بل إلى الوارث، فيكون الضمير في ﴿ فآتوهم ﴾ للموالي قاله أبو علي الجبائي.

أو المراد بالذين عاقدت الزوج والزوجة، والنكاح يسمى عقداً بين ميراث الزوج والزوجة بعد ميراث الولد والوالدين كما في قوله: ﴿ يوصيكم الله  ﴾ قاله أبو مسلم.

وقيل: المراد الميراث الحاصل بسبب الولاء.

وقيل: هم الحلفاء.

والمراد بإتياء نصيبهم النصرة والنصيحة والمصافاة.

وقال الأصم: المراد التحفة بالشيء القليل كقوله: ﴿ وإذا حضر القسمة  ﴾ وذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا يرث المولى الأسفل من الأعلى.

وحكى الطحاوي عن الحسن بن زياد أنه قال: يرث، لما روى ابن عباس "أن رجلاً أعتق عبداً له فمات المعتق ولم يترك إلاّ العتيق فجعل رسول الله  ميراثه للغلام" .

والحديث عند الجمهور محمول على أن المال صار لبيت المال ثم دفعه النبي  إلى الغلام لفقره، وقال أبو حنيفة: لو أسلم رجل على يد رجل وتعاقدا على أن يتعاقلا ويتوارثا صح وورث بحق الموالاة، وخالفه الشافعي فيه.

وحكى الأقطع أن هذه المولاة لا تصح عند أبي حنيفة أيضاً إلا بين العرب دون العجم لرخاوة عقدهم في أمورهم، ﴿ إنّ الله كان على كل شيء شهيداً ﴾ لأنه عالم بجميع الجزئيات والكليات فشهد على الخلق يوم القيامة بكل ما عملوه، وفيه وعيد للعاصين، ووعد للمطيعين.

هذا وقد مر أن النساء تكلمن في تفضيل الله الرجال عليهم في الميراث ونحوه، فذكر في هذه الآية ما يشتمل على بعض أسباب التفضيل فقال: ﴿ الرجال قوّامون ﴾ يقال: هذا قيم المرأة وقوّامها بناء مبالغة للذي يقوم بأمرها ويهتم بحفظها كما يقوم الوالي على الرعية ومنه سمي الرجال قوّاماً.

والضمير في بعضهم للرجال والنساء جميعاً أي إنما كانوا مسيطرين عليهن بسبب تفضيل الله بعضهم - وهو الرجال - على بعض - وهم النساء.

وقيل: وفيه دليل على أن الولاية إنما تستحق بالفضل لا بالتغلب والاستطالة والقهر.

وذكروا في فضل الرجال العقل والحزم والعزم والقوة والكتابة في الغالب والفروسية والرمي، وأن منهم الأنبياء والعلماء والحكماء، وفيهم الإمامة الكبرى وهي الخلافة، الصغرى وهو الاقتداء بهم في الصلاة، وأنهم أهل الجهاد والأذان والخطبة والاعتكاف والشهادة في الحدود والقصاص بالاتفاق وفي الأنكحة عند الشافعي، وزيادة السهم في الميراث والتعصيب فيه، والحمالة تحمل الدية في القتل الخطأ، والقسامة والولاية في النكاح والطلاق والرجعة وعدد الأزواج وإليهم الانتساب، وكل ذلك يدل على فضلهم، وحاصلهم يرجع إلى العلم والقدرة.

ومنها سبب خارجيّ وذلك أنهم فضلوا عليهن بما أنفقوا أي أخرجوا في نكاحهن من أموالهم مهراً / ونفقة.

عن مقاتل "أن سعد بن الربيع، وكان من نقباء الأنصار، نشزت عليه امرأته حبيبة بنت زيد بن أبي زهير، فلطمها.

فانطلق بها أبوها إلى رسول الله  وقال: افرشته كريمتي فلطمها.

فقال رسول الله  : لتقتص منه، وكانت قد نزلت آية القصاص، فانصرفت مع أبيها لتقتص منه فقال النبي  : ارجعوا هذا جبيرل أتاني وأنزل الله هذه الآية.

فقال النبي  : أردنا أمراً وأراد الله أمراً والذي أراد الله خير ورفع القصاص" .

فلهذا قال العلماء: لا قصاص بين الرجل وامرأته فيما دون النفس ولو شَجها ولكن يجب العقل، وقيل: لا قصاص إلاّ في الجرح والقتل، وأما في اللطمة ونحوها فلا.

ثم قسم النساء قسمين، فوصف الصالحات منهن بأنهن قانتات مطيعات لله وللزوج حافظات للغيب قائمات بحقوق الزوج في غيبته، والغيب خلاف الشهادة.

ومواجب حفظ غيبة الزوج أن تحفظ نفسها عن الزنا لئلاّ يلحق الزوج العار بسبب زناها، ولئلاّ يلحق به الولد الحاصل من نطفة غيره، وأن تحفظ أسراره عن الإفشاء وماله عن الضياع ومنزلها عما لا ينبغي شرعاً وعرفاً.

عن النبي  : " خير النساء امرأة إن نظرت إليها سرتك وإن أمرتها أطاعتك وإن غبت عنها حفظتك في مالك ونفسها وتلا الآية" و "ما" في قوله: ﴿ بما حفظ الله ﴾ موصولة والعائد محذوف أي بالذي حفظه الله لهن أي عليهن أن يحفظن حقوق الزوج في مقابلة ما حفظ الله حقوقهن على أزواجهن حيث أمرهم بالعدل فيهن في قوله: ﴿ فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان  ﴾ فقوله: ﴿ بما حفظ الله ﴾ يجري مجرى قولهم "هذا بذاك" أي هذا في مقابلة ذاك، أو مصدرية والمعنى: أنهن حافظات للغيب بحفظ الله إياهن فإنهن لا يتيسر لهن حفظ الغيب إلاّ بتوفيق الله، أو بما حفظهن حين وعدهن الثواب العظيم على الأمانة، وأوعدهن العذاب الشديد على الخيانة.

ومن قرأ ﴿ بما حفظ الله ﴾ بالنصب فـ "ما" أيضاً موصولة أي بالأمر الذي يحفظ حق الله وأمانته وهو التعفف والتحصن والشفقة على الرجال والنصيحة لهم، أو مصدرية أي بسبب حفظهن حدود الله وأوامره فإن المرأة لولا أنها تحاول رعاية تكليف الله وتجتهد في حفظ أوامره وإلا لما أطاعت زوجها.

ثم ذكر غير الصالحات منهن فقال: ﴿ واللاتي تخافون ﴾ تعرفون بالقرائن والأمارات ﴿ نشوزهن ﴾ عصيانهن والترفع عليكم بالخلاف من نشز الشيء ارتفع، ومنه نشز للأرض المرتفعة ﴿ فعظوهن ﴾ وهو أن يقول: اتقي الله فإن لي عليك حقاً، وارجعي عما أنت عليه، واعلمي أن طاعتي عليك فرض ونحو ذلك.

﴿ واهجروهن في المضاجع ﴾ أي في المراقد أي لا تداخلوهن تحت اللحف، وقيل: هو أن يوليها ظهره في المضجع.

وقيل: في المضاجع أي ببيوتهن التي يبتن فيها أي لا / تبايتوهن.

وفي ضمن الهجران الامتناع من كلامها.

ولكن ينبغي أن لا يزيد في هجره الكلام على ثلاث، فإذا هجرها في المضجع فإن كانت تحب الزوج شق ذلك عليها فتركت النشوز، وإن كانت تبغضه وافقها ذلك الهجران فكان ذلك دليلاً على كمال نشوزها فيباح الضرب وذلك قوله: ﴿ واضربوهن ﴾ والأولى ترك الضرب لما روي أنه  قال: " "لا تضربوا إماء الله فجاء عمر إلى رسول الله  فقال: ذئرت النساء على أزواجهن أي اجترأن فرخص في ضربهن.

فأطاف بآل رسول الله  نساء كثير يشكون أزواجهن فقال رسول الله  : لقد طاف بآل محمد نساء كثير يشكون أزواجهن ليس أولئك بخياركم " ومعناه أن الذين ضربوا أزواجهم ليسوا خيراً ممن لم يضربوا.

وإذا ضربها وجب أن لا يكون مفضياً إلى الهلاك ألبتة، وأن يكون مفرقاً على بدنها لا يوالي به في موضع واحد، ويتقي الوجه لأنه مجمع المحاسن، وأن يكون دون الأربعين.

وقيل: دون عشرين لأنه حد كامل في شرب العبد، ومنهم من لا يرى الضرب بالسياط ولا بالعصا.

وبالجملة فالتخفيف مرعي في هذا الباب ولهذا قال علي بن أبي طالب: يعظها بلسانه فإن انتهت فلا سبيل له عليها، فإن أبت هجر مضجعها، فإن أبت ضربها، فإن لم تتعظ بالضرب بعث الحكمين.

وقال آخرون: هذا الترتيب مرعي عند خوف النشوز، فأما عند تحقق النشوز فلا بأس بالجمع بين الكل.

وروي عن النبي  : " "علق سوطك حيث يراه أهلك " ﴿ فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً ﴾ بالأذى والتوبيخ، واجعلوا ما كان منهم كأن لم يكن ﴿ إن الله كان علياً ﴾ لا بالجهة ﴿ كبيراً ﴾ لا بالجثة ﴿ فاحذروا ﴾ واعلموا أن قدرته عليكم أعظم من قدرتكم على أزواجكم وأرقائكم.

روي "أن أبا مسعود الأنصاري رفع سوطه ليضرب غلاماً له فبصر به رسول الله  فصاح به: أبا مسعود، الله أقدر منك عليه.

فرمى بالسوط وأعتق الغلام" .

وفيه أنه مع علوه وكبرياء سلطانه تعصونه فيتوب عليكم فأنتم أحق بالعفو إذا رجع الجاني عليكم، أو أنه مع علوه وكبريائه لا يكلفكم إلا ما تطيقون فكذلك لا تكلفوهن محبتكم فلعلهن لا يقدرن على ذلك، أو أنه مع علو شأنه وكبريائه يكتفي من العبيد بالظواهر ولا يهتك السرائر فأنتم أجدر بأن لا تفتشوا عما في قلبها من الحب والبغض إذا صلح حالها في الظاهر، أو أنهن إن ضعفن عن دفع ظلمكم وعجزن عن الانتصاف منكم فالله  قادر قاهر ينتصف لهن منكم.

ثم بيّن أنه ليس بعد الضرب إلا المحاكمة فقال: ﴿ وإن خفتم ﴾ قال ابن عباس: أي علمتم وذلك لإصرارها على النشوز حيث لم يؤثر فيها الوعظ والهجران والضرب.

واعترض / عليه الزجاج بأنه إذا علم الشقاق قطعاً فلا حاجة إلى الحكمين.

وأجيب بأن الشقاق معلوم إلاّ أنا لا نعلم أن سبب الشقاق منه أو منها، فالحاجة إلى الحكمين لهذا المعهنى.

أو نقول: المراد إزالة الشقاق في الاستقبال، ومعنى ﴿ شقاق بينهما ﴾ شقاقاً بينهما، فأضيف الشقاق إلى الظرف على سبيل الاتساع وهو إجراء الظرف مجرى المفعول به، أو على جعل البين مشاقاً مثل "نهاره صائم" والضمير للزوجين يدل عليهما مساق الكلام، أو ذكر الرجال والنساء ﴿ فابعثوا حكماً من أهله ﴾ رجلاً مقنعاً رضاً يصلح لحكومة الإصلاح بينهما ويهتدي إلى المقصود من البعث.

ولا بد فيه من العقل والبلوغ والحرية والإسلام، ويستحب أن يكون الحكمان من أهلهما لأن الأقارب أعرف ببواطن أحوالهما وتسكن إليهما نفوس الزوجين، فيبرزان لهما ما في ضمائرهما من الحب والبغض وإرادة الصحبة والفرقة، وموجبات كل من الأمرين.

وينبغي أن يخلو حكم الرجل بالرجل وحكم المرأة بالمرأة فيعرفان ما عندهما وما فيه رغبتهما، وإذا اجتمعا لم يخف أحدهما عن الآخر ما علم.

ثم المبعوثان وكيلان من جهة الزوجين أو موليان من جهة الحكام المخاطبين بقوله: ﴿ فابعثوا ﴾ فيه للشافعي قولان:- أصحهما وبه قال أبو حنيفة وأحمد - أنهما وكيلان لأن البضع حق الزوج والمال حق الزوجة وهما رشيدان.

والخطاب في قوله: ﴿ فإن خفتم ﴾ وفي ﴿ فابعثوا ﴾ لصالحي الأمة لأنه يجري مجرى دفع الضرر، فلكل أحد أن يقوم به.

وثانيهما - وبه قال مالك - أنهما موليان لأنه  سماهما الحكمين.

ولما روي أن علياً  بعث حكمين من زوجين فقال: أتدريان ما عليكما؟

عليكما إن رأيتما أن تجمعا فاجمعا وإن رأيتما أن تفرّقا ففرقا.

وعلى الأول يوكل الرجل الذي هو من أهله بالطلاق وبقبول العوض في الخلع، والمرأة الآخر ببذل العوض وقبول الطلاق، ولا يجوز بعثهما إلا برضاهما فإن لم يرضيا ولم يتفقا على شيء أدب القاضي الظالم واستوفى حق المظلوم.

وعلى الثاني لا يشترط رضا الزوجين في بعث الحكمين.

﴿ إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما ﴾ فيه أربعة أوجه.

الأول: إن يرد الحكمان خيراً يوفق الله بين الحكمين حتى يتفقا على ما هو خير.

الثاني: إن يرد الزوجان إصلاحاً أبدل الله الزوجين بالشقاق وفاقاً.

الثالث: إن يرد الحكمان إصلاحاً يؤلف الله بين الزوجين.

الرابع: إن يرد الزوجان خيراً يوفق الله بين الحكمين حتى تتفق كلمتاهما ويحصل الغرض، والتوفيق جعل الأسباب موافقة للغرض ولا يستعمل إلا في الخير والطاعة.

وفيه أنه لا يتم شيء من الأغراض إلاّ بتوفيق الله  وتيسيره ﴿ إنّ الله كان عليماً خبيراً ﴾ فيوفق بين المختلفين ويجمع بين المفترقين بمقتضى علمه وإرادته.

وفيه وعيد للزوجين والحكمين في سلوك ما يخالف طريق الحق ووعد على الجد في حسم مادة الخصومة والخشونة.

/ ثم أرشد إلى مجامع الأخلاق الحسنة بقوله: ﴿ واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً ﴾ فإن من عبد الله وأشرك به شيئاً آخر فقد حبط عمله وضل سعيه ﴿ وبالوالدين إحساناً ﴾ تقديره وأحسنوا بهما إحساناً.

يقال: أحسن بفلان وإلى فلان.

﴿ وبذي القربى واليتامى والمساكين ﴾ وقد مر تفاسيرها في البقرة.

قال أبو بكر الرازي: إن اضطر إلى قتل أبيه بأن يخاف أن يقتله إن ترك قتله جاز له أن يقتله ﴿ والجار ذي القربى ﴾ الذي قرب جواره ﴿ والجار الجنب ﴾ الذي بعد جواره.

عن النبي  : " لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه، ألا وإن الجوار أربعون داراً " وعن الزهري أنه أراد أربعين من كل جانب.

وقيل: الجار ذي القربى الجار القريب النسب، والجار الجنب الأجنبي.

والتركيب يدل على البعد، ومنه الجانبان للناحيتين، والجنبان لبعد كل منهما عن الآخر، ومنه الجنابة لبعده عن الطهارة وعن حضور الجماعة والمسجد ما لم يغتسل.

ومن قرأ ﴿ الجنب ﴾ فمعناه المجنوب مثل "خلق" بمعنى مخلوق، أو المراد ذي الجنب فحذف المضاف ﴿ والصاحب الجنب ﴾ وهو الذي حصل بجنبك إما رفيقاً في سفر، وإما جاراً ملاصقاً، وإما شريكاً في تعلم أو حرفة، وإما قاعداً إلى جنبك في مجلس، أو في مسجد أو غير ذلك من أدنى صحبة اتفقت بينك وبينه، فعليك أن تراعي ذلك الحق ولا تنساه وتجعله ذريعة إلى الإحسان، وقيل: الصاحب بالجنب المرأة فإنها تكون معك وتضطجع إلى جنبك ﴿ وابن السبيل ﴾ المسافر الذي انقطع عن بلده، أو الضيف ﴿ وما ملكت أيمانكم ﴾ عن علي بن أبي طالب أنه كان آخر كلام رسول الله  ﴿ وما ملكت أيمانكم ﴾ وذكر اليمين تأكيد كما يقال: مشيت برجلي.

والإحسان إليهم أن لا يكلفهم فوق طاقتهم ولا يؤذيهم بالكلام الخشن، بل يعاشروهم معاشرة جميلة ويعطيهم من الطعام والكسوة ما يليق بحالهم في كل وقت.

وكانوا في الجاهلية يسيئون إلى المملوك فيكلفون الإماء البغاء وهو الكسب بفروجهن، ويضعون على العبيد الخراج الثقيل.

وقيل: كل حيوان فهو مملوك.والإحسان إلى كل نوع بما يليق بحاله طاعة عظيمة ﴿ إنّ الله لا يحب من كان مختالاً فخوراً ﴾ تياهاً جهولاً يتكبر عن إكرام أقاربه وأصحابه ومماليكه، وعن الالتفات إلى حالهم والتفقد لهم والتحفي بهم، ويأنف من أقاربه إذا كانوا فقراء ومن جيرانه إذا كانوا ضعفاء.

وأصله من الخيلاء الكبر، والفخور المتطاول الذي يعد مناقبه، وعن ابن عباس هو الذي يفخر على عباد الله  بما أعطاه من أنواع نعمه، ولعل هذا يجوز على سبيل التحدث بالنعم فقط ﴿ الذين يبخلون ﴾ البخل في اللغة منع الإحسان، وفي الشرع منع / الواجب.

وفيه أربع لغات: البخل مثل الفقر، والبخل بضم الباء وسكون الخاء، وبضمهما، وبفتحهما.

وسبب النظم أن الإحسان إلى الأصناف المذكورين إنما يكون في الأغلب بالمال فذم المعرضين عن ذلك الإحسان لحب المال، ويحتمل أن يشمل البخل بالعلم أيضاً، أي يبخلون بذات أيديهم وبما في أيدي غيرهم مقتاً للسخاء وهذه نهاية البخل.

وفي أمثالهم "أبخل من الضنين بنائل غيره" وقد عابهم بكتمان نعمة الله وما آتاهم من فضل الغنى حتى أوهموا الفقر مع الغنى، والإعسار مع اليسار، والعجز مع الإمكان فخالفوا سنة نبي الله  حيث قال  : " "إنّ الله  يحب أن يرى على عبده أثر نعمته " وبنى عامل للرشيد قصراً حذاء قصره فنم به عنده، فقال الرجل: يا أمير المؤمنين إن الكريم يسره أن يرى أثر نعمته فأحببت أن أسرك بالنظر إلى آثار نعمتك فأعجبه كلامه.

ثم إن هذا الكتمان قد يقع على وجه يوجب الكفر مثل أن يظهر الشكاية من الله  ولا يرضى بقضائه فلذلك قال: ﴿ وأعتدنا للكافرين عذاباً مهيناً ﴾ ويحتمل أن يراد كافر النعمة لا كافر الإيمان.

وقال ابن عباس: إنّ الآية في اليهود، كانوا يأتون رجالاً من الأنصار يخالطونهم وينتصحون لهم يقولون: لا تنفقوا أموالكم فإنا نخشى عليكم الفقر ولا تدرون ما يكون.

وأيضاً وإنهم كتموا صفة محمد ولم يبينوها للناس.

ثم لما ذمّ الذين لا ينفقون أموالهم عطف عليهم الذين ينفقون أموالهم ولكن ريا وفخاراً وليقال ما أسخاهم وما أجودهم لا ابتغاء وجه الله، ومثل هذا الإنفاق دليل على أنه لا يؤمن بالله واليوم الآخر وإلاّ أنفق لله أو للآخرة ﴿ ومن يكن الشيطان له قريناً ﴾ في الدنيا آمراً بالبخل والفحشاء ﴿ فساء قريناً ﴾ في الآخرة يقرن به في النار.

ثم استفهم على سبيل الإنكار فقال: ﴿ وماذا عليهم ﴾ أي أيّ تبعة ووبال عليهم؟

أو ما الذي عليهم في باب الإيمان والإنفاق في سبيل الله؟

والمراد التوبيخ وإلاّ فكل منفعة في ذلك كما يقال للمنتقم: ما ضرك لو عفوت؟

وللعاق: ما كان يرزؤك لو كنت باراً؟

﴿ وكان الله بهم عليماً ﴾ بعث على إصلاح أفعال القلوب التي يطلع عيلها علام الغيوب، وردع عن دواعي النفاق والرياء والسمعة والفخار.

احتج القائلون بأن الإيمان يصح على سبيل التقليد بأن قوله: ﴿ وماذا عليهم لو آمنوا ﴾ مشعر بأن الإتيان بالإيمان في غاية السهولة والاستدلال في غاية الصعوبة.

وأجيب بأن الصعوبة في الإيمان الاستدلالي التفصيلي لا الإجمالي.

وقال جمهور المعتزلة: لو كانوا غير قادرين لم يقل: ﴿ وماذا عليهم ﴾ كما لا يقال للمرأة ماذا عليها لو كانت رجلاً، وللقبيح ماذا عليه لو كان جميلاً.

وأجيب بعدم التحسين والتقبيح العقليين وأنه لا يسأل عما يفعل.

/ ثم رغب في الإيمان والطاعة قائلاً: ﴿ إن الله لا يظلم مثقال ذرة ﴾ والمثقال مفعال من الثقل كالميزان من الوزن.

والذرة النملة الصغيرة.

وعن ابن عباس أنه أدخل يده في التراب ثم رفعها ثم نفخ فيها ثم قال: كل واحد من هذه الأشياء ذرة، وقيل: كل جزء من أجزاء الهباء في الكوّة ذرة.

وانتصاب ﴿ مثقال ﴾ على أنه مفعول ثان أي لا ينقص الناس مثقال ذرة، أو على المصدر أي ظلماً قدر مقدارها، وأراد نفي الظلم رأساً إلا أنه أخرج الكلام على أصغر المتعارف.

وهذه الآية مما يتمسك به المعتزلة في أنه  غير خالق لأعمال العباد وإلا كان ظلمهم منسوباً إليه، وفي أن العبد يستحق الثواب على طاعته وإلا كان منعه عنه ظلماً.

وأجيب بأنه إذا كان متصرفاً في ملكه كيف شاء فلا يتصور منه ظلم أصلاً.

وقد يحتج الأصحاب ههنا على صحة مذهبهم في عدم الإحباط بأن عقاب شرب قطرة من الخمر لو كان مزيلاً لطاعات سبعين سنة كان ظلماً، وفي عدم وعيد الفساق بأن عقاب شرب جرعة من الخمر لو كان دائماً مخلداً لزوم إبطال ثواب إيمان سبعين سنة وهو ظلم.

ثم قال: ﴿ وإن تك ﴾ حذفت النون من هذه الكلمة بعد سقوط الواو بالتقاء الساكنين لأجل التخفيف وكثرة الاستعمال.

من قرأ ﴿ حسنة ﴾ بالرفع فعلى "كان" التامة، ومن قرأ بالنصب فالتأنيث في ضمير المثقال لكونه مضافاً إلى مؤنث.

والمراد بالمضاعفة ليس هو المضاعفة بالمدة لأن مدة الثواب غير متناهية وتضعيف غير المتناهي محال، بل المراد المضاعفة بحسب المقدار، كأن يستحق عشرة أجزاء من الثواب فيجعله عشرين أو ثلاثين.

عن ابن مسعود أنه قال: "يؤتى بالعبد يوم القيامة وينادي مناد على رؤوس الأويلن والآخرين: هذا فلان ابن فلان، من كان له عليه حق فليأت إلى حقه، ثم يقال له: أعط هؤلاء حقوقهم، فيقول: يا رب ومن أين وقد ذهبت الدنيا؟

فيقول الله لملائكته: انظروا في أعماله الصالحة فأعطوهم منها، فإن بقي مثقال ذرة من حسنة ضعفها الله  لعبده وأدخله الجنة بفضل رحمته" ومصداق ذلك في كتاب الله ﴿ وإن تك حسنة يضاعفها ﴾ قال الحسن: الوعد بالمضاعفة أحب عند العلماء مما لو قال في الحسنة الواحدة مائة ألف حسنة، لأن هذا يكون مقداره معلوماً، أما على هذه العبارة فلا يعلم كميته إلاّ الله  .

وعن أنس أن رسول الله  قال: " "إنّ الله لا يظلم مؤمناً حسنة يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة.

وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجزى بها" أما قوله: ﴿ ويؤت من لدنه أجراً عظيماً ﴾ فإن ﴿ لدن ﴾ بمعنى عند إلا أن لدن أكثر تمكناً.

يقول الرجل: عندي مال وإن كان المال ببلد آخر.

ولا يقول: لديّ مال إلاّ إذا كان بحضرته.

والمعتزلة حملوا / المضاعفة على القدر المستحق وهذا الثاني على الفضل التابع للأجر.

ويمكن أن يقال: الأول إشارة إلى السعادات الجسمانية، والثاني إشارة إلى اللذات الروحانية والله أعلم.

التأويل: جملة الكبائر مندرجة تحت ثلاث: إحداها اتباع الهوى وينشأ منه البدع والضلالات وطلب الشهوات وحظوظ النفس بترك الطاعات، وثانيتها حب الدنيا وينشعب منه القتل والظلم وأكل الحرام، وثالثتها رؤية غير الله وهو الشرك والرياء والنفاق وغيرها.

ثم أخبر أن الدين ليس بالتمني فقال: ﴿ ولا تتمنوا ﴾ فإنه لا يحصل بالتمني ولكن ﴿ للرجال ﴾ المجتهدين في الله ﴿ نصيب ﴾ مما جدوا في طلبه ﴿ وللنساء ﴾ وهم الذين يطلبون من الله غير الله ﴿ نصيب ﴾ على قدر همتهم في الطلب ﴿ واسألوا الله من فضله ﴾ فيه معنيان: سلوه من فضله الخاص وهو العلم اللدني ﴿ وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيماً  ﴾ أو سلوه منه ولا تسألوه من غيره ﴿ ولكل جعلنا موالي ﴾ لكل طالب صادق جعلنا استعداداً في الأزل للوراثة مما ترك والداه وأقرباؤه، طلبه لعدم الاستعداد والمشيئة.

والذين جرى بينكم وبينهم عقد الأخوة في الله ﴿ فآتوهم ﴾ بالنصح وحسن التربية والتسليك ﴿ نصيبهم ﴾ الذي قدّر لهم ﴿ الرجال قوّامون على النساء ﴾ بمصالح دينهن ودنياهن بتفضيل الله وهو استعداد الخلافة والوراثة ﴿ وبما أنفقوا من أموالهم ﴾ أي تجريدهم عن الدنيا وتفريدهم للمولى.

﴿ فالصالحات ﴾ اللاتي يصلحن للكمال ﴿ قانتات ﴾ مطيعات لله لهن قلوب ﴿ حافظات ﴾ لواردات الغيب ﴿ بما حفظ الله ﴾ عليهن حقائق الغيب وأسراره.

﴿ واللاتي تخافون نشوزهن ﴾ إذا دارت عليهن كؤوس الواردات كما قيل: فأسكر القوم دور كاس *** وكان سكري من المدير ﴿ فعظوهن ﴾ باللسان وخوّفوهن بالهجران ليتأدب السكران ﴿ واضربوهن ﴾ بسوط الانفصال وفراق الإخوان كما كان حال الخضر مع موسى حيث قال: ﴿ هذا فراق بيني وبينك  ﴾ هذا قانون أرباب الكمال إذا رأوا من أهل الإرادة إمارات الملال أو عربدة من غلبات الأحوال.

﴿ وإن خفتم ﴾ شقاقاً بين الشيخ الواصل والمريد المتكامل ﴿ فابعثوا ﴾ متوسطين من المشايخ الكاملين ومن السالكين المعتبرين ﴿ إن يريدا إصلاحاً ﴾ بينهما بما رأيا فيه صلاحهما ﴿ يوفق الله بينهما ﴾ بالإرادة وحسن التربية ﴿ واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً ﴾ من الدنيا والعقبى لتتخلقوا بأخلاق الله وتحسنوا إلى الواليدن وغيرهما ﴿ إحساناً ﴾ بلا شرك ورياء وفخر وخيلاء والله ولي والتوفيق.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ ﴾ .

قال أهل التأويل: الآية نزلت في الأزواج؛ دليله قوله -  -: ﴿ وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ ﴾ والأزواج هم المأخوذون بنفقة أزواجهم، وفيه دليل وجوب نفقة المرأة على زوجها، وعلى ذلك إجماع أهل العلم.

وقال بعض أهل العلم في قوله -  -: ﴿ ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ ﴾ - دليل ألا يجوز النكاح إلا بالولي، حيث أخبر أنهم القوامون عليهن دونهن.

قيل له: إن كانت الآية في الأزواج وفي الأولياء على ما ذكرت ففيه دليل جواز النكاح بغير ولي لا بطلانه، وذلك قوله -  -: ﴿ ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ﴾ أخبر أنه فضل بعضهم على بعض، وذلك التفضيل تفضيل خلقة، وهو أن جعل الرجال من أهل المكاسب والتجارات، والقيام بأنواع الحرف، والتقلب في البلدان والمدائن، والنساء ليس كذلك؛ بل جعلهن ضعفاء عاجزات عن القيام بالمكاسب والحرف والتقلب في حاجاتهن؛ فالرجال هم القوامون عليهنّ.

والون أمورهن، وقاضون حوائجهن، قائمون على ذلك، ففرض على الرجال القيام بمصالحهن كما ذكرنا مع ما فرض ذلك على الرجال، يجوز إذا ولين بأنفسهن وقمن بحوائجهن من البياعات، والأشربة، وغير ذلك؛ فعلى ذلك النكاح، وإن كان الرجال هم القوَّام عليهن، فإنهن إذا ولين ذلك بأنفسهن وقمن - جاز ذلك كما جاز غيره، وكذا ما أمر الأولياء بالتزويج في قوله -  -: ﴿ وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ...

﴾ الآية [النور: 32]، ونهاهم عن العضل عن النكاح بقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ...

﴾ الآية [البقرة: 232]؛ لأن ذلك حق عليهم أن يفعلوا حتى يلين ذلك بأنفسهن؛ إذ لا بد من حضور مشهد الرجال ومجلسهم ليشهدوا على ذلك، فذلك على الأولياء القيام به.

وكهذا ما جعل نفقتهن إذا لم يكن لهن مال على محارمهن؛ لأنهن لا يقمن بالمكاسب وأنواع الحرف والتجارات، والرجال يقومون، فجعل مؤنتهن عليهم؛ لضعفهن وعجزهن عن القيام بالمكاسب خلقة؛ ولهذا ما لم يجعل للذكور من المحارم بعضهم على بعض النفقة؛ لما يقومون بالمكاسب؛ فإذا صار زَمِناً وعجز عن المكاسب جعل نفقته على محارمه؛ لأنه صار في الخلقة كالمرأة، والله أعلم.

وعن ابن عباس -  - في قوله: ﴿ ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ﴾ قال: أمراء عليهن أن تطيعه فيما أمر الله به من طاعته، وطاعته أن تكون محسنة إلى أهلها، حافظة لماله، وفضله عليها بنفقته وسعته.

وقيل: "نزلت الآية في رجل لطم امرأته لطمة في وجهها؛ فنشزت عن فراش زوجها، واستعدت إلى رسول الله  فقالت: يا رسول الله، لطمني زوجي فلان لطمة، وهذا أثر يده في وجهي؛ فقال لها رسول الله  : اقْتَصِّي مِنْهُ، وكان القصاص بينهم يومئذٍ بين الرجال والنساء في اللطمة والشجة والضربة، ثم أبصر النبي  جبريل -  - ينزل، فقال لها: كُفِّي حَتَّى أَنْظُرَ مَا جَاءَ بِهِ جِبْرِيْلُ فِي أَمْرِكِ، فأتاه بهذه الآية: ﴿ ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ﴾ " أي: المسلّطون على آداب النساء في الحق.

وقيل: تفضيلهم عليهن بالعقل والميراث، وفي الفيء، والله أعلم.

ثم قال [رسول الله]  : "أَرَدْنَا أَمْرَاً وَأَرَادَ اللهُ أَمْراً، وَالَّذِي أَرَادَ اللهُ خَيْرٌ مِمَّا أَرَدْنَا" و[قيل في قوله -  -: ﴿ وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَٰلِهِم ﴾ : بما ساقوا من المهر والنفقة.

استدل الشافعي - رحمه الله - بقوله -  -:] ﴿ ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ...ْ ﴾ الآية، على أن النكاح لا يجوز إلا بالولي، فصرف تأويل الآية إليهم، وفيها: ﴿ وَبِمَآ أَنْفَقُواْ ﴾ فيلزم الأولياء النفقة، وهو لا يقول به.

وبعد: فإن الآية لو كانت في الأولياء فهو في كل أمر لهن إليهم حاجة؛ فيخرج ذلك مخرج الحق لهن في أن يتولوا لهن العقود كلها، ويقوموا في كفايتهن وكفالتهن، لا أنهن لو قمن بأنفسهن يبطل فعلهن؛ فمثله أمر النكاح.

وأهل التأويل يحملون الآية على الأزواج، ومن تدبر الآية علم أنها فيما قال أهل التأويل دون الذي ذهب إليه الشافعي، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱلصَّٰلِحَٰتُ قَٰنِتَٰتٌ ﴾ .

عن ابن عباس -  - قال: ﴿ قَٰنِتَٰتٌ ﴾ يعني: مطيعات، والقانت: هو المطيع.

ويحتمل: مطيعات لله  : ويحتمل: مطيعات للأزواج.

ويحتمل: ﴿ قَٰنِتَٰتٌ ﴾ أي: قائمات بأداء ما فرض الله عليهن من حقوقه وحقوق أزواجهن.

وقوله - عز وجل -: ﴿ حَٰفِظَٰتٌ لِّلْغَيْبِ ﴾ .

قيل: حافظات لما استودعهن الله من حقه، وحافظات للغيب لغيب أزواجهن.

وقيل: حافظات لأنفسهن - لغيبة أزواجهن - في فروجهن.

ويحتمل: ﴿ حَٰفِظَٰتٌ لِّلْغَيْبِ ﴾ أي: لله في أموره ونواهيه، والقيام بحقوقه، وقانتات وحافظات هو تفسير صالحات.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ ﴾ .

اختلف في تلاوته وتأويله؛ في حرف بعضهم بالنصب ﴿ بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ ﴾ وتأويله: بحفظ الله، لكنه نصب لسقوط حرف الخفض، ومن رفعه جعل تأويله: بما استحفظهن الله  ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّٰتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ ﴾ ؟

قال بعض أهل الأدب: سمي العلم خوفاً؛ لأنه اضطر في العلم.

وقال آخر - وهو الفراء -: الخائف: الظان؛ لأنه يرجو ويخاف.

وأما الأصل في أنه سمي العلم خوفاً؛ لغلبة شدة الخوف؛ فيعمل عمل العلم بالشيء على غير حقيقته؛ لأنه يعرف بالاجتهاد، وبأكثر الرأي والظن، وهكذا كل ما كان سبيل معرفته الاجتهاد - فإن غالب الظن وأكبر الرأي يعمل عمل اليقين في الحكم وإن لم يكن هنالك حقيقة؛ ألا ترى إلى قوله -  -: ﴿ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلْكُفَّارِ  ﴾ وألزمنا العمل بظاهر علمنا وإن لم نصل إلى حقيقة إيمانهن؛ فعلى ذلك إذا علم منها النشوز علم أكثر الظن وأغلبه يعمل عمل الذي ذكر في الآية من العظة وغيرها؛ لأن قوله -  -: ﴿ تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ ﴾ ليس على وجود النشوز منها للحال حقيقة؛ ولكن على غالب الظن؛ لأنها إذا كانت ناشزة كيف يعظها؟

وكيف يهجرها ويضربها؟

فدل أنه على غالب العلم؛ أولا ترى أنه من أكره على أن ينطق بكلام الكفر بقتل أو ضرب يخاف منه التلف - كان في حل وسعة أن ينطق به بعد أن يكون قلبه مطمئناً بالإيمان، وذلك إنما يعلم علم غالب الظن، وأكبر الرأي لا يعلم علم حقيقة، ثم أبيح له أن يعمل عمل حقيقة العلم؛ فكذلك الأول - والله أعلم - نهى الله - عز وجل - المرأة عن عصيان زوجها، وأمرها بطاعته في نفسها، كما أمره أن يحسن عشرتها، وهذا هو - والله أعلم - هو الحق الذي ذكره الله -  - في سورة البقرة مجملا بقوله -  -: ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِي عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ  ﴾ وفسر الحق عليهن في هذه السورة وهو أن تطيعه في نفسها، وتحفظ غيبته؛ ألا ترى أنه قال -  -: ﴿ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً ﴾ .

وروي عن رسول الله  أنه قال: "حَقُّ الزَّوْجِ عَلَى امْرَأَتِهِ إِنْ دَعَاهَا وَهِي عَلَى قَتَبٍ أَنْ تُطِيعَهُ" وقوله - عز وجل -: ﴿ فَعِظُوهُنَّ ﴾ .

عن ابن عباس -  - قال: عظوهن بكتاب الله ﴿ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ ﴾ أي رجعن إلى الفراش والطاعة، وإلا فاهجروهن، والهجران ألا يجامعها، ولا يضاجعها على فراشه، ويوليها الظهر، فإن قبلت وإلا فقد أذن الله لك أن تضربها ضرباً غير مبرح، ولا تكسر لها عظماً، فإن قبلت وإلا فقد حل لك منها الفداء.

ويحتمل قوله -  -: ﴿ فَعِظُوهُنَّ ﴾ ، أي: يقول لها: كوني من الصالحات، ومن القانتات، ومن الحافظات، ولا تكوني من كذا، على الرفق واللين؛ فإن هي تركت ذلك وإلا فاهجرها، والهجران يحتمل وجهين: يحتمل التخويف على الاعتزال منها، وترك المضاجعة والجماع.

ويحتمل: أن يهجرها ولا يجامعها، لا على التخويف من ترك ذلك؛ فإن هي تركت ذلك وإلا ضربها عند ذلك الضرب الذي ذكرنا غير مبرح، ولا شائن، والله أعلم.

على الترتيب: يعظها أولا بما ذكرنا من الرفق بها واللين لعلها [تطيعه وتترك] ذلك، ثم إذا لم تطعه خوفها بالهجران؛ فلعل قلبها لا يحتمل الهجران وترك المضاجعة؛ فتطيعه؛ فإن هي أبت ذلك حينئذ هجرها، ولم يجامعها ولا يضاجعها؛ فإن هي أطاعته وإلا عند ضربها؛ فإن هي أطاعته وإلا عند ذلك يرفعان إلى الحاكم، وهذا يجب [في] الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: يعظه على الرفق واللين أولا، ولا يغلظه في القول؛ فإن هو قبل ذلك وإلا عند ذلك غلظ القول به؛ فإن قبل ذلك وإلا بسط يده فيه على ما أمر الله -  وتعالى - الأزواج أن تعامل النساء من العظة، ثم الهجران، ثم الضرب، ثمر الرفع إلى الحكمين.

وروي في الخبر عن رسول الله  قال: "لاَ تَضْرِبُوا إِمَاءَ اللهِ" ؛ فترك الناس ضربهن، فجاء عمر -  - فقال: والله لقد دبر النساء يا رسول الله؛ [فأمر بضربهن، قال: فأطاف بآل محمد النساء كثيراً يشتكين أزواجهن، فلما أصبح رسول الله  قال:] "لَقَدْ أَطَافَ اللَّيْلَةَ بآلِ مُحَمَّدٍ سَبْعُونَ امْرَأَةً يَشْتَكِينَ الضَّرْبَ، واللهِ مَا تَجِدُونَ أُولَئِكَ خَيَارَكُمْ" ، وقال: "خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَِهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأَِهْلِي" وقال: "أَحْسَنُ المُؤْمِنِينَ إِيمَاناً أَحْسَنُهُمْ خُلُقاً وَأَلْطَفُهُمْ بِأَهْلِهِ" قال: والموعظة كلام يلين القلوب القاسية، ويرغب الطبائع النافرة؛ فيكون ذلك تذكير عواقب الأمور ومبادىء الأحوال، والله أعلم.

وعلى ذلك يعظها زوجها بأن يذكرها نعم الربّ  - وما جعل من الحق عليها، وما وعد في ذلك وأوعد.

ففي هذه الآيات دلالة لزوم الاجتهاد وتكليف ما لا يوصل إلى معرفة المكلف به إلا بالتدبر والعرض على الأمور المعتادة أو الأسباب المعقولة في جعلها أسباباً للمصلحة، وسبلا للوقوف على ما في أصول تلك النوازل من الحكمة، ولا قوة إلا بالله.

ثم جعل تأديبهن إلى الأزواج، لا إلى الأئمة؛ إذ عقوبة الأئمة تكون بالضرب أو الحبس وما يلحقها من المكروه فيما له أمر بالتأديب مع ما في ذلك من الستر، ويكون الغالب منه ما لا يجد لسبيل الإظهار عند الحاكم، ويكون في أوقات تضيق عن احتمال ذلك، ويكون ذلك أصلا لتأديب كل كافلِ أحدٍ من الأيتام والصغائر، وغير ذلك، والله أعلم.

والأصل: أن الله -  - قال: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوۤاْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً  ﴾ فجعل التأديب من الوجه الذي فيه حفظ المجعول لنا - آية، ورعاية ما جعل بينهم من المودة والرحمة، والمنازعات والخصومات إلى الحكام يقطع تلك؛ فجعل لهم من ذلك قدر ما لا يقطع مثله من التأديب المعنى المجعول بينهم؛ ولذلك لم تأذن بالضرب المبرح، ولا أذن إلا عند انقطاع الحيل التي جعلت للألفة والمحبة، على أن في خفيف ذلك إظهار الإشفاق على ما اعترض من خوف انقطاع المودة والرحمة، وإبداء العتاب الذي هو آية النصح والرحمة؛ إذ ذلك مما يخاف في ترك ذلك تمام ما قد افتتح من السرّ والشفقة، والله أعلم.

وقيل في قوله -  -: ﴿ وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ ﴾ : بما ساقوا من المهر والنفقة.

وقوله -  -: ﴿ وَٱهْجُرُوهُنَّ فِي ٱلْمَضَاجِعِ ﴾ .

يحتمل وجهين: أحدهما: أن يهجرها في حال مضاجعته إياها في ألا يكلمها، لا أن يترك مضاجعتها؛ إذ المضاجعة حق بينهما [عليه] في تركها ما عليها، لا يؤذيها بما يضر حقه ونفسه، والله أعلم.

ويحتمل قوله: أي اهجروهن عن المضاجع ومضاجعة أخرى في حقها؛ فيكون حقَّها عليه في حال الموافقة وحفظ حدود الله بينهما، لا في حال التضييع، والله أعلم.

وعن ابن عباس -  - أنه قال: يهجرها في ألا يجامعها، ولا يضاجعها على فراشه، ويوليها الظهر، لكنه على هذا يشتركان في التأديب؛ لأنه [به] يؤدب نفسه في ذلك إلى حاجته، لكن المعنى من ذلك ألا يجامعها لوقت علمه بشهوتها وحاجتها، وإنما ينظر شهوته دونها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً ﴾ .

إن أطعنكم، أي: لا تطلبوا عليهن عللا.

وقيل: لا تكلفوهن الحبّ، وإنما جعل الله الموعظة والهجران والضرر في المضاجع.

وعن ابن عباس -  - أنه قال: فإن أطاعته فلا سبيل له عليها.

ثم الضرب هو ما ذكرنا أنه يضربها ضرباً غير مبرح، وهو ما روي عن النبي  قال: "عَلِّقْ سَوْطَكَ - أَوْ ضَعْ حَيْثُ يَرَاهُ أَهْلُكَ، وَلاَ تَضْرِبْهَا بِهِ" ، قيل: وبم نضرب؟

قال: بنعليك ضرباً غير مبرح، يعني: غير مؤثر ولا شائن.

ويروى في خبر آخر: قال [رسول الله]  : "اتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ؛ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَإِنَّ لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَلاَّ يُوطِئْنَ فِرَاشَكُمْ أَحَداً تَكْرَهُونَهُ؛ فَإِنْ فَعَلْنَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْباً غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ" وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً ﴾ هذا - والله أعلم - تذكير من الله عباده، وأمر منه إياهم: أنه مع علوه وسلطانه وعظمته وجلاله وقدرته، لا يؤاخذنا بأول عصيان نعصيه، ولا بأول عثرة نعثرها، مع قدرته على الأخذ على ذلك وإهلاكه إياهم، فأنتم لا تؤاخذوهن - أيضاً - بأول معصية يعصين فيكم، والله أعلم.

ويحتمل: ذكر هذه الآية وهو كذلك؛ ليذكر علوه وكبره؛ فيحفظ حده فيما جعل له من التأديب، ويذكر قدرته عليه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَٱبْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَآ ﴾ الآية.

كأن هذه المخاطبة - والله أعلم - لغير الأزواج؛ لأنه قال: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا ﴾ ولو كانت المخاطبة في ذلك للأزواج، لقال: فإن "خافا شقاق بينهما"، أو "إن خفتم شقاق بينكم".

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّٰتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ ﴾ الآية، خاطب بذلك الأزواج؛ لأنه قال: ﴿ وَٱهْجُرُوهُنَّ فِي ٱلْمَضَاجِعِ ﴾ وذلك إلى الزوج؛ إذ للزوج إذا خاف نشوز امرأته أن يعظها أولا، فإن قبلت وإلا فبعد ذلك هجرها، ثم يضربها إن لم تقبل ذلك؛ فإن لم ينفع ذلك كله فبعد ذلك رفع الأمر إلى الحاكم أو الإمام فوجه الحكمين.

وروي نحو ذلك عن علي بن أبي طالب -  - قال: يُبْعَثُ الحكمان: حكمٌ من أهله وحكمٌ من أهلها، فيقول الحكم من أهلها: يا فلان، ما تنقم من زوجتك؟

[فإذا قال:] أنقم منها كذا وكذا، يقول: أرأيت [إن نزعت عما] تكره إلى ما تحب هل أنت تتقي الله وتعاشرها [بما يحق] عليك من نفقتها وكسوتها؟

فإذا قال: نعم، قال الحكم من أهله: يا فلانة، ما تنقمين من زوجك؟

[فإذا قالت: أنقم منه كذا وكذا] فيقول: مثل ذلك؛ فإن قالت: نعم، جمع الله بينهما بالحكمين، بهما يجمع الله، وبهما يفرق.

ثم اختلف في الحكمين: هل يفرقان بينهما؟

قال بعضهم: يفرقان بينهما إن شاءا، وإن شاءا جمعاهما.

وروي عن ابن عباس -  ما - قال: بعثت أنا ومعاوية حكمين، فقيل لنا: إن رأيتما أن تجمعا جمعتما، وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما.

وأما عندنا: فإنهما لا يفرقان إلا برضا الزوجين؛ [دليلنا] ما روي أن رجلا وامرأته أتيا عليّاً -  - مع كل واحد منهما فئام من الناس؛ فقال علي -  ما شأن هذين؟

قالوا: بينهما شقاق، قال علي -  -: ابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها، إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما، فقال علي -  -: هل تدريان ما عليكما؟

عليكما إن رأيتما أن تجمعا جمعتما، وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما، قالت المرأة: رضيت بكتاب الله، قال الرجل: أما الفرقة فلا؛ فقال علي -  -: كذبت والله لا تنفلت مني حتى تقر كما أقرت.

أخبر علي أن فرقة الحكمين إنما تجب برضا الزوجين، فلو كانت فرقتهما تجوز بغير رضا الزوجين - لم ينظر إلى سخط الزوج في الفرقة، ولقال علي -  - للحكمين: فرقا إن رأيتما ذلك، كره الزوج أو رضي.

وفي قوله - أيضاً - ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا ﴾ أي: علمتم؛ إذ حق ذلك أن يجتهد في الحال بينهما فيعلم على الغالب، وللغالب حق العلم في الأعمال، وحق الريب في الشهادة، فذكر باسم الخوف على ما فيه من علم العمل، على أن في ظاهر الآية التفرق في المنزل حتى يبعث عن أهل كل واحد منهما ولو كانا في منزل واحد، فحقه أن يجمع بين الحكمين، [لا] أن يبعثا بذلك؛ يدل على ظهور الخلاف والشقاق، والله أعلم.

قال: وأمر الحكمين بالإصلاح بين الزوجين، وهو الأمر الذي أمر بين جميع المؤمنين من قوله: ﴿ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ  ﴾ وقوله: ﴿ وَلاَ تَجْعَلُواْ ٱللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ  ﴾ الآية، وقوله: ﴿ لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ ﴾ الآية، وذلك في حق التأليف وما به تمام الأخوة بقوله: ﴿ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ  ﴾ لا بما يضر به أهله، ويوجب التفريق بينهم والتباغض، وعلى ذلك أمر الحكمين في النكاح، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِن يُرِيدَآ إِصْلَٰحاً يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَآ ﴾ .

عن ابن عباس -  -: ﴿ إِن يُرِيدَآ إِصْلَٰحاً يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَآ ﴾ : هما الحكمان.

وعن مجاهد مثله.

وقال آخرون: قوله: ﴿ إِن يُرِيدَآ إِصْلَٰحاً يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَآ ﴾ : هما الزوجان.

وفي الآية دليل على أنه ليس للحكمين أن يفرقا؛ لأن الله -  - قال: ﴿ إِن يُرِيدَآ إِصْلَٰحاً ﴾ وليس فيها دليل أن فرقتهما جائزة بشيء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ  ﴾ .

يدل على أن الخلع إليهما دون الحكمين، وكأن الحكمين يُوَجَّهَانِ؛ ليعرف مَنِ الظالم من الزوجين؟

يُسْتَظْهَرُ بهما على الظالم؛ لأن كل واحد منهما [إذا شكى] بين الناس من صاحبه - لا يعرف الظالم منهما من غير الظالم، فإن كان الزوج هو الظالم أُخِذَ على يده، وقيل: لا يحل لك أن تفعل هذا لتختلع منك، وأُمِرَ بالإنفاق عليها، وإن كانت هي الظالمة وكانت في غير منزلة ناشزة - لم يؤمر بالإنفاق عليها، وقيل له: قد حلت الفدية، وكان في أخدها معذوراً بما ظهر للحكمين من نشوز المرأة، والله الموفق.

وفي قوله - أيضاً -: ﴿ إِن يُرِيدَآ إِصْلَٰحاً ﴾ لا يخلو من أمرين: إما أن يريد به الزوجين، أو الحكمين.

ثم الإصلاح يكون مرة بالجمع، ومرة بالتفريق؛ فعلى الجمع تأويل التوفيق: الجمع بينهما، وعلى إرادة التفريق تأويله: التوفيق للإصلاح، وعلى التوفيق للإصلاح يدخل فيه الأمران، وفي ذلك أن الفرقة والاجتماع إليهما؛ إذ عليهما إرادة الإصلاح، وانصرف معنى الآية إلى الزوجين، وأيّد ذلك قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً...

 ﴾ إلى قوله: ﴿ وَلَن تَسْتَطِيعُوۤاْ أَن تَعْدِلُواْ...

﴾ الآية [النساء: 129].

ثم قال - عز وجل -: ﴿ وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ ٱللَّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ...

﴾ الآية [النساء: 130].

فعلى ما ظهر منه النشوز صرف أمر التفرق إلى الزوجين، وكذلك قوله -  -: ﴿ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ...

﴾ إلى قوله -  -: ﴿ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ  ﴾ فأشركهما في الابتداء الذي به الفراق، أو يريد به الحكمين؛ فيكون ذلك على الترغيب في طلب الإصلاح بينهما، وعلى إيثار العدل والصواب؛ كقوله  : ﴿ وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ...

 ﴾ وقوله -  -: ﴿ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ...

﴾ الآية [النساء: 135].

فإذا أرادا الإصلاح يوفق الله بينهما، له وجهان: أي: بين الزوجين ببركة قيام الحكمين لله وابتغائهما الصلاح بينهما؛ فيوفق الزوجين لما له النكاح من: السكن، والرحمة، والمودة، والعفة.

ويحتمل: ﴿ يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَآ ﴾ : بين الحكمين في إصابة ما أرادا من الإصلاح.

ثم العلم بإرادتهما الإصلاح لا يعلمه إلا الله؛ فلا يحتمل أن يوجب لهما في الحكم التفريق، والذي جوابه وعد التوفيق لم يبين، فلذلك لم يكن لهما حق التفريق، إنما إليهما إعلام ما اتفقا عليه، ثم هما عملا لهما وعليهما، فيكون لهما الرضا بما رأيا وغير الرضا، وأصله وجهان: أحدهما: أنه استوجبا القيام بالتولية والتراضي من الزوجين أو بمن يخاف الشقاق بينهما: فإن قاما ببعث الناس، فقاما ببعث من لا يملك الفراق، [فلا] يستوجبان بهم ذلك، وإن قاما ببعث الزوجين فرضاؤهما بعثهما في ذلك لم يكن لهما غير الذي كان فيه الرضاء عليهما، والله أعلم.

والثاني: أنهما بعثا للعلم بالسبب الذي حملهما على الشقاق، ولعل السبب منهما؛ فلا يحتمل أن يلزمانه الطلاق بلا ذنب منه، فَيُمَكَّنُ به كل امرأة تريد مفارقة الزوج وإغرامه المهر، وإذا لم يحتمل ذلك لم يحتمل أن يكون لهما حق التفريق بهذا البعث مع ما بعثا لدفع الشقاق الهائج بينهما والرد إلى الصلاح الذي له كان النكاح، على أنه يمكن الأخذ على يدي الظالم منهما، والقهر على العود إلى ما فيه الصلاح بالتأديب - لم يجز أن يلزما الفراق وإن كرهاه، والله أعلم.

ثم الأصل: أنهما بالغان لا يلزمان النكاح إذا كرها ورأي القوم الصلاح إلى التناكح، على احتمال وجود الولايات في الأنكحة كانا ألا يلزما الطلاق إذا كرها على امتناعه عن وجوب الولايات به لغير الزوجين - أحرى، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً ﴾ مَنْ الظَالِمُ منهما؟

ومَنِ المظلومُ؟

وقيل: ﴿ عَلِيماً خَبِيراً ﴾ بنصيحتهما لهما، عليماً بما أَسَرَّتِ المرأة إلى حكمها، والزوج إلى حكمه، خبيراً بما اطلع كل واحد من الحكمين من صاحبه على ما أفشى به إليه أصدقه أم لم يصدقه؟

والله أعلم.

وفي حرف ابن مسعود -  -: "فأتوا حكمة من أهله وحكمة من أهلها".

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وإن خفتم -يا أولياء الزوجين- أن يصل الخلاف بينهما إلى العداوة والتدابر، فابعثوا رجلًا عدلًا من أهل الزوج، ورجلًا عدلًا من أهل الزوجة؛ ليحكما بما فيه المصلحة من التفريق أو التوفيق بينهما، والتوفيق أحب وأولى، فإن أرا ده الحَكَمان وسلكا الأسلوب الأمثل إليه يوفق الله بين الزوجين، ويرتفع الخلاف بينهما، إن الله لا يخفى عليه شيء من عباده، وهو عليم بدقائق ما يخفونه في قلوبهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.8Oa4Y"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

المراد بالقيام هنا هو الرياسة التي يتصرف فيها المرؤوس بإرادته واختياره وليس معناها أن يكون المرؤوس مقهورًا مسلوب الإرادة لا يعمل عملًا إلا ما يوجهه إليه رئيسه فإن كون الشخص قيمًا على آخر هو عبارة عن إرشاده والمراقبة عليه في تنفيذ ما يرشده إليه أي ملاحظته في أعماله وتربيته، ومنها حفظ المنزل وعدم مفارقته ولو لنحو زيارة أولي القربى إلا في الأوقات والأحوال التي يأذن بها الرجل ويرضى.

والمراد بتفضيل بعضهم على بعض تفضيل الرجال على النساء، ولو قال "بما فضلهم عليهن" أو قال "بتفضيلهم عليهن" لكان أخصر وأظهر فيما قلنا إنه المراد وإنما الحكمة في هذا التعبير هي عين الحكمة في قوله ﴿ وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ  ﴾ وهي إفادة أن المرأة من الرجل والرجل من المرأة بمنزلة الأعضاء من بدن الشخص الواحد، فالرجل بمنزلة الرأس والمرأة بمنزلة البدن.

وما به الفضل قسمان فطري وكسبي فالفطري هو أن مزاج الرجل أقوى وأكمل، وأتم وأجمل، وإنكم لتجدون من الغرابة أن أقول إن الرجل أجمل من المرأة وإنما الجمال تابع لتمام الخلقة وكمالها، وما الإنسان في جسمه الحي إلا نوع من أنواع الحيوان فنظام الخلقة فيها واحد، وإننا نرى ذكور جميع الحيوانات أكمل وأجمل من إناثها كما ترون في الديك والدجاجة، والكبش والنعجة، والأسد واللبوة، ومن كمال خلقة الرجال وجمالها شعر اللحية والشاربين، ولذلك يعد الأجرد ناقص الخلقة ويتمنى لو يجد دواء ينبت الشعر وإن كان ممن اعتادوا حلق اللحى، ويتبع قوة المزاج وكمال الخلقة قوة العقل وصحة النظر في مبادئ الأمور وغايتها، ومن أمثال الأطباء والعلماء العقل السليم في الجسم السليم، ويتبع ذلك الكمال في الأعمال الكسبية، فالرجال أقدر على الكسب والاختراع والتصرف في الأمور.

﴿ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ  ﴾ الغيب هنا هو ما يستحي من إظهاره أي حافظات لكل ما هو خاص بأمور الزوجية الخاصة بالزوجين فلا يطلع أحد منهن على شيء مما هو خاص بالزوج.

إن هذا القسم من النساء ليس للرجال عليهن شيء من سلطان التأديب وإنما سلطانهم على القسم الثاني الذي بينه وبين حكمه بقوله  ﴿ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ  ﴾ النشوز في الأصل بمعنى الارتفاع فالمرأة التي تخرج عن حقوق الرجل قد ترفعت عليه وحاولت أن تكون فوق رئيسها، بل ترفعت أيضًا عن طبيعتها وما يقتضيه نظام الفطرة في التعامل، فتكون كالناشز من الأرض الذي خرج عن الاستواء، وقد فسر بعضهم خوف النشوز بتوقعه فقط، وبعضهم بالعلم به، ولكن يقال لم ترك لفظ العلم واستبدل به لفظ الخوف؟، أو لَمْ يقل واللاتي ينشزن؟

لا جرم أن في تعبير القرآن حكمة لطيفة وهي أن الله تعالى لما كان يجب أن تكون المعيشة بين الزوجين معيشة محبة ومودة وتراض والتئام، لم يشأ أن يسند النشوز إلى النساء اسنادًا يدل على أن من شأنه أن يقع منهن فعلًا، بل عبر عن ذلك بعبارة تومئ إلى أن من شأنه أن لا يقع لأنه خروج عن الأصل الذي يقوم به نظام الفطرة، وتطيب به المعيشة، ففي هذا التعبير تنبيه لطيف إلى مكانة المرأة وما هو الأولى في شأنها، وإلى ما يجب على الرجل من السياسة لها وحسن التلطف في معاملتها، حتى إذا آنس منها ما يخشى أن يؤول إلى الترفع وعدم القيام بحقوق الزوجية فعليه أولًا أن يبدأ بالوعظ الذي يرى أنه يؤثر في نفسها، والوعظ يختلف باختلاف حال المرأة فمنهن من يؤثر في نفسها التخويف من الله  وعقابه على النشوز، ومنهن من يؤثر في نفسها التهديد والتحذير من سوء العاقبة في الدنيا كشماتة الأعداء والمنع من بعض الرغائب كالثياب الحسنة والحلي، والرجل العاقل لا يخفى عليه الوعظ الذي يؤثر في قلب امرأته.

وأما الهجر فهو ضرب من ضروب التأديب لمن تحب زوجها ويشق عليها هجره إياها.

وذهب بعض المفسرين ومنهم ابن جرير الطبري -أن المرأة التي تنشز لا تبالي بهجر زوجها بمعنى إعراضه عنها، وقالوا: إن معنى: ﴿ وَاهْجُرُوهُنَّ  ﴾ قيدوهن، من هجر البعير إذا شده بالهجار وهو القيد الذي يقيد به.

وليس هذا الذي قالوه بشيء، وما هم بالواقفين على أخلاق النساء وطباعهن، فإن منهن من تحب زوجها ويزين لها الطيش والرعونة النشوز عليه، ومنهن من تنشز امتحانًا لزوجها ليظهر لها أو للناس مقدار شغفه بها وحرصه على رضاها.

إن مشروعية ضرب النساء ليست بالأمر المستنكر في العقل أو الفطرة فيحتاج إلى التأويل، فهو أمر يحتاج إليه في حال فساد البيئة وغلبة الأخلاق الفاسدة، وإنما يباح إذا رأى الرجل أن رجوع المرأة عن نشوزها يتوقف عليه، وإذا صلحت البيئة وصار النساء يعقلن النصيحة ويستجبن للوعظ أو يزدجرن بالهجر، فيجب الاستغناء عن الضرب، فلكل حال حكم يناسبها في الشرع، ونحن مأمورون على كل حال بالرفق بالنساء واجتناب ظلمهن، وإمساكهن بمعروف، أو تسريحهن بإحسان، والأحاديث في الوصية بالنساء كثيرة جدًا.

﴿ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا  ﴾ أي إن أطعنكم بواحدة من هذه الخصال التأديبية فلا تبغوا بتجاوزها إلى غيرها فابدأوا بما بدأ الله به من الوعظ فإن لم يفد فليهجر، فإن لم يفد فليضرب، فإذا لم يفد هذا أيضًا يلجأ إلى التحكيم، ويفهم من هذا أن القانتات لا سبيل عليهن حتى في الوعظ والنصح فضلًا عن الهجر والضرب.

﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا  ﴾ أتى بهذا بعد النهي عن البغي لأن الرجل إنما يبغي على المرأة بما يحسه في نفسه من الاستعلاء عليها وكونه أكبر منها وأقدر فذكره تعالى بعلوه وكبريائه وقدرته عليه ليتعظ ويخشع ويتقي الله فيها.

واعلموا أن الرجال الذين يحاولون بظلم النساء أن يكونوا سادة في بيوتهم إنما يلدون عبيدًا لغيرهم.

﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا  ﴾ .

الخطاب للمؤمنين، ولا يتأتى أن يكلف كل واحد أو كل جماعة منهم ذلك، ولذلك قال بعض المفسرين إن الخطاب هنا موجه إلى من يمكنه القيام بهذا العمل ممن يمثل المسلمين وهم الحكام، وقال بعضهم إن الخطاب عام ويدخل فيه الزوجان وأقاربهما فإن قام به الزوجان أو ذوو القربى أو الجيران فذاك وإلا وجب على من بلغه أمرهما من المسلمين أن يسعى في إصلاح ذات بينهما بذلك.

وكلا القولين وجيه فالأول يكلف الحكام ملاحظة أحوال العامة والاجتهاد في إصلاح أحوالهم، والثاني يكلف كل المسلمين أن يلاحظ بعضهم شؤون بعض ويعينه على ما تحسن به حاله، واختلفوا في وظيفة الحكمين فقال بعضهم: إنهما وكيلان لا يحكمان إلا بما وكلا به وقال بعضهم إنهما حاكمان.

روى الشافعي في الأم والبيهقي في السنن وغيرهما عن عبيدة السلماني قال "جاء رجل وامرأة إلى علي كرم الله وجهه ومع كل واحد منهما فئام من الناس، فأمرهم علي أن يبعثوا رجلًا حكمًا من أهله، ورجلًا حكمًا من أهلها ثم قال للحكمين: تدريان ما عليكما؟

عليكما إن رأيتما أن تجمعا أن تجمعا، وإن رأيتما أن تفرقا أن تفرقا، قالت المرأة: رضيت كتاب الله تعالى بما علي به ولي، وقال الرجل: أما الفرقة فلا، فقال علي: كذبت والله حتى تقر بمثل الذي أقرت به".

وروى ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في هذه الآية "هذا في الرجل والمرأة إذا تفاسد الذي بينهما أمر الله تعالى أن يبعثوا رجلًا صالحًا من أهل الرجل ورجلًا مثله من أهل المرأة فينظران أيهما المسيء، فإن كان الرجل هو المسيء حجبوا عنه امرأته وقسروه على النفقة، وإن كانت المرأة هي المسيئة قسروها على زوجها ومنعوها النفقة، فإن اجتمع أمرهما على أن يفرقا أو يجمعا فأمرهما جائز، فإن رأيا أن يجمعا فرضي أحد الزوجين وكره ذلك الآخر ثم مات أحدهما فإن الذي رضي يرث الذي كره ولا يرث الكاره الراضي"، وقوله: ﴿ إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا  ﴾ يشعر بأنه يجب على الحكمين أن لا يدخرا وسعًا في الإصلاح كأنه يقول إن صحت إرادتهما فالتوفيق كائن لا محالة.

وهذا يدل على نهاية العناية من الله تعالى في إحكام نظام البيوت الذي لا قيمة له عند المسلمين في هذا الزمان، وانظروا كيف لم يذكر مقابل "التوفيق" بينهما وهو "التفريق" عند تعينه، لم يذكره حتى لا يُذَكِّر به لأنه يبغضه، وليشعر النفوس أنه ليس من شأنه أن يقع.

وظاهر الأمر أن هذا التحكيم واجب لكنهم اختلفوا فيه فقال بعضهم إنه واجب وبعضهم إنه مندوب واشتغلوا بالخلاف فيه عن العمل به، لأن عنايتنا بالدين صارت محصورة في الخلاف والجدل، وتعصب كل طائفة من المسلمين لقول واحد من المختلفين، مع عدم العناية بالعمل به، فهاهم أولاء قد أهملوا هذه الوصية الجليلة لا يعمل بها أحد على أنها مندوبة والبيوت يدب فيها الفساد، فيفتك بالأخلاق والآداب، ويسري من الوالدين إلى الأولاد.

﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا  ﴾ أي أنه كان فيما شرعه لكم من هذا الحكم عليمًا بأحوال العباد وأخلاقهم وما يصلح لهم خبيرًا بما يقع بينهم وبأسبابه الظاهرة والباطنة فلا يخفى عليه شيء من وسائل الإصلاح بينهما، وإني لأكاد أبصر الآية الحكيمة تومئ بالاسمين الكريمين إلى أن كثيرًا من الخلاف يقع بين الزوجين فيظن أنه مما يتعذر تلافيه وهو في الواقع ونفس الأمر ناشئ عن سوء التفاهم لأسباب عارضة، لا عن تباين في الطباع أو عداوة راسخة، وما كان كذلك يسهل على الحكمين الخبيرين بدخائل الزوجين لقربها منهما، أن يمحصا ما علق من أسبابه في قلوبهما، متى حسنت النية وصحت الإرادة.

إن الزوجية أقوى رابطة تربط اثنين من البشر أحدهما الآخر فهي الصلة التي بها يشعر كل من الزوجين بأنه شريك الآخر في كل شيء مادي ومعنوي حتى إن كل واحد منهما يؤاخذ الآخر على دقائق خطرات الحب، وخفايا خلجات القلب، يستشفها من وراء الحجب، أو توحيها إليه حركات الأجفان، أو يستنبطها من فلتات اللسان إذا لم تصرح بها شواهد الامتحان، فهما يتغايران في أخفى ما يشتركان فيه، ويكتفيان بشهادة الظنة والوهم عليه، فيغريهما ذلك بالتنازع في كل ما يقصر فيه أحدهما، من الأمور المشتركة بينهما، وما أكثرها، وأعسر التوقي منها، فكثيرًا ما يفضي التنازع إلى التقاطع، والتغاير إلى التدابر، فإن تعاتبا فجدل ومراء، لا استعتاب واسترضاء، حتى يحل الكره والبغضاء محل الحب والهناء، لذلك يصح لك أن تحكم إن كنت عليمًا بالأخلاق والطباع، خبيرًا بشؤون الاجتماع، بأن تلك الحكمة التي أرسلها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب  ، هي القاعدة الثابتة الصحيحة في جميع الأمم وجميع الأعصار، وأنها يجب أن تكون في محل الذكرى من الحكمين، اللذين يريدان إصلاح ما بين الزوجين، كما يجب أن يعرفها ولا ينساها جميع الأزواج..

تلك الحكمة هي قوله للتي صرحت بأنها لا تحب زوجها، إذا كانت إحداكن لا تحب أحدنا فلا تخبره بذلك فإن أقل البيوت ما بني على المحبة وإنما يعيش -(أو قال يتعاشر)- الناس بالحسب والإسلام، أي إن حسب كل من الزوجين وشرفه إنما يحفظ بحسن عشرته للآخر وكذلك الإسلام يأمرهما بأن يتعاشرا بالمعروف.

قد اهتدى الإفرنج إلى العمل بهذه الحكمة البالغة بعد أن استبحر علم النفس والأخلاق وتدبير المنزل عندهم فربوا نساءهم ورجالهم على احترام رابطة الزوجية، وعلى أن يجتهد كل من الزوجين أن يعيشا بالمحبة فإن لم يسعدا بها فليعيشا بالحسب وهو تكريم كل منهما للآخر ومراعاته لشرفه وقيامه بما يجب له من الآداب والأعمال التي جرى عليها عرف أمتهم، ثم يعذره فيما وراء ذلك وإن علم أنه لا يحبه فلا يذكر له ذلك، وقد صرحوا بأن سعادة المحبة الزوجية الخالصة قلما تمتع بها زوجان وإن كانت أمنية كل الأزواج، وإنما يستبدلون بها المودة العملية.

ولكنهم بإباحة المخالطة والتبرج قد أفرطوا في إرخاء العنان، حتى صار الأزواج يتسامحون في السفاح أو اتخاذ الأخدان، وهذا ما يعصم مجموع أمتنا منه الإسلام.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله