الآية ٣٦ من سورة النساء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ٣٦ من سورة النساء

۞ وَٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا۟ بِهِۦ شَيْـًۭٔا ۖ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰنًۭا وَبِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱلْجَارِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلْجَنۢبِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًۭا فَخُورًا ٣٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 215 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٦ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٦ من سورة النساء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يأمر تبارك وتعالى بعبادته وحده لا شريك له; فإنه هو الخالق الرازق المنعم المتفضل على خلقه في جميع الآنات والحالات ، فهو المستحق منهم أن يوحدوه ، ولا يشركوا به شيئا من مخلوقاته ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ : " أتدري ما حق الله على العباد ؟

" قال : الله ورسوله أعلم .

قال : " أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا " ، ثم قال : " أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك ؟

ألا يعذبهم " ثم أوصى بالإحسان إلى الوالدين ، فإن الله ، سبحانه ، جعلهما سببا لخروجك من العدم إلى الوجود ، وكثيرا ما يقرن الله ، سبحانه ، بين عبادته والإحسان إلى الوالدين ، كقوله : ( أن اشكر لي ولوالديك ) [ لقمان : 14 ] وكقوله : ( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا ) [ الإسراء : 23 ] .

ثم عطف على الإحسان إلى الوالدين الإحسان إلى القرابات من الرجال والنساء ، كما جاء في الحديث : " الصدقة على المسكين صدقة ، وعلى ذي الرحم صدقة وصلة " .

ثم قال : ( واليتامى ) وذلك لأنهم قد فقدوا من يقوم بمصالحهم ، ومن ينفق عليهم ، فأمر الله بالإحسان إليهم والحنو عليهم .

ثم قال : ( والمساكين ) وهم المحاويج من ذوي الحاجات الذين لا يجدون ما يقوم بكفايتهم ، فأمر الله بمساعدتهم بما تتم به كفايتهم وتزول به ضرورتهم .

وسيأتي الكلام على الفقير والمسكين في سورة براءة .

وقوله : ( والجار ذي القربى والجار الجنب ) قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( والجار ذي القربى ) يعني الذي بينك وبينه قرابة ، ( والجار الجنب ) الذي ليس بينك وبينه قرابة .

وكذا روي عن عكرمة ، ومجاهد ، وميمون بن مهران ، والضحاك ، وزيد بن أسلم ، ومقاتل بن حيان ، وقتادة .

وقال أبو إسحاق عن نوف البكالي في قوله : ( والجار ذي القربى ) يعني المسلم ( والجار الجنب ) يعني اليهودي والنصراني رواه ابن جرير ، وابن أبي حاتم .

وقال جابر الجعفي ، عن الشعبي ، عن علي وابن مسعود : ( والجار ذي القربى ) يعني المرأة .

وقال مجاهد أيضا في قوله : ( والجار الجنب ) يعني الرفيق في السفر .

وقد وردت الأحاديث بالوصايا بالجار ، فنذكر منها ما تيسر ، والله المستعان : الحديث الأول : قال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن عمر بن محمد بن زيد : أنه سمع أباه محمدا يحدث ، عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه " .

أخرجاه في الصحيح من حديث عمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر ، به .

الحديث الثاني : قال الإمام أحمد : حدثنا سفيان ، عن داود بن شابور ، عن مجاهد ، عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه " .

وروى أبو داود والترمذي نحوه ، من حديث سفيان بن عيينة ، عن بشير أبي إسماعيل - زاد الترمذي : وداود بن شابور - كلاهما عن مجاهد ، به ثم قال الترمذي : حسن غريب من هذا الوجه وقد روي عن مجاهد عن عائشة وأبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم .

الحديث الثالث عنه : قال أحمد أيضا : حدثنا عبد الله بن يزيد ، أخبرنا حيوة ، أخبرنا شرحبيل بن شريك أنه سمع أبا عبد الرحمن الحبلي يحدث عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه ، وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره " .

ورواه الترمذي عن أحمد بن محمد ، عن عبد الله بن المبارك ، عن حيوة بن شريح - به ، وقال : [ حديث ] حسن غريب .

الحديث الرابع : قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، حدثنا سفيان ، عن أبيه ، عن عباية بن رفاعة عن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يشبع الرجل دون جاره " .

تفرد به أحمد .

الحديث الخامس : قال الإمام أحمد : حدثنا علي بن عبد الله ، حدثنا محمد بن فضيل بن غزوان ، حدثنا محمد بن سعد الأنصاري ، سمعت أبا ظبية الكلاعي ، سمعت المقداد بن الأسود يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه : [ " ما تقولون في الزنا ؟

" قالوا : حرام حرمه الله ورسوله ، فهو حرام إلى يوم القيامة .

فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم ] لأن يزني الرجل بعشر نسوة ، أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره " .

قال : ما تقولون في السرقة ؟

قالوا : حرمها الله ورسوله فهي حرام .

قال " لأن يسرق الرجل من عشرة أبيات ، أيسر عليه من أن يسرق من جاره " .

تفرد به أحمد وله شاهد في الصحيحين من حديث ابن مسعود : قلت : يا رسول الله ، أي الذنب أعظم ؟

قال : " أن تجعل لله ندا وهو خلقك " .

قلت : ثم أي ؟

قال : " أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك " .

قلت : ثم أي ؟

قال : " أن تزاني حليلة جارك " .

الحديث السادس : قال الإمام أحمد : حدثنا يزيد ، أخبرنا هشام ، عن حفصة ، عن أبي العالية ، عن رجل من الأنصار قال : خرجت من أهلي أريد النبي صلى الله عليه وسلم ، فإذا به قائم ورجل معه مقبل عليه ، فظننت أن لهما حاجة - قال الأنصاري : لقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جعلت أرثي لرسول الله صلى الله عليه وسلم من طول القيام ، فلما انصرف قلت : يا رسول الله ، لقد قام بك هذا الرجل حتى جعلت أرثي لك من طول القيام .

قال : " ولقد رأيته ؟

" قلت : نعم .

قال : " أتدري من هو ؟

" قلت : لا .

قال : " ذاك جبريل ، ما زال يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه .

ثم قال : أما إنك لو سلمت عليه ، رد عليك السلام " .

الحديث السابع : قال عبد بن حميد في مسنده : حدثنا يعلى بن عبيد ، حدثنا أبو بكر - يعني المدني - عن جابر بن عبد الله قال : جاء رجل من العوالي ورسول الله صلى الله عليه وسلم وجبريل عليه السلام يصليان حيث يصلى على الجنائز ، فلما انصرف قال الرجل : يا رسول الله ، من هذا الرجل الذي رأيت معك ؟

قال : " وقد رأيته ؟

" قال : نعم .

قال : " لقد رأيت خيرا كثيرا ، هذا جبريل ما زال يوصيني بالجار حتى رئيت أنه سيورثه " .

تفرد به من هذا الوجه وهو شاهد للذي قبله .

الحديث الثامن : قال أبو بكر البزار : حدثنا عبيد الله بن محمد أبو الربيع الحارثي ، حدثنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك ، أخبرني عبد الرحمن بن الفضل عن عطاء الخراساني ، عن الحسن ، عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الجيران ثلاثة : جار له حق واحد ، وهو أدنى الجيران حقا ، وجار له حقان ، وجار له ثلاثة حقوق ، وهو أفضل الجيران حقا ، فأما الذي له حق واحد فجار مشرك لا رحم له ، له حق الجوار .

وأما الذي له حقان فجار مسلم ، له حق الإسلام وحق الجوار ، وأما الذي له ثلاثة حقوق ، فجار مسلم ذو رحم له حق الجوار وحق الإسلام وحق الرحم " .

قال البزار : لا نعلم أحدا روى عن عبد الرحمن بن الفضيل إلا ابن أبي فديك .

الحديث التاسع : قال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن أبي عمران ، عن طلحة بن عبد الله ، عن عائشة; أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : " إن لي جارين ، فإلى أيهما أهدي ؟

قال : " إلى أقربهما منك بابا " .

ورواه البخاري من حديث شعبة ، به .

وقوله : ( والصاحب بالجنب ) قال الثوري ، عن جابر الجعفي ، عن الشعبي ، عن علي وابن مسعود قالا هي المرأة .

وقال ابن أبي حاتم : وروي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، وإبراهيم النخعي ، والحسن ، وسعيد بن جبير - في إحدى الروايات - نحو ذلك .

وقال ابن عباس ومجاهد ، وعكرمة ، وقتادة : هو الرفيق في السفر .

وقال سعيد بن جبير : هو الرفيق الصالح .

وقال زيد بن أسلم : هو جليسك في الحضر ، ورفيقك في السفر .

وأما ) ابن السبيل ) فعن ابن عباس وجماعة هو : الضيف .

4 وقال مجاهد ، وأبو جعفر الباقر ، والحسن ، والضحاك ، ومقاتل : هو الذي يمر عليك مجتازا في السفر .

وهذا أظهر ، وإن كان مراد القائل بالضيف : المار في الطريق ، فهما سواء .

وسيأتي الكلام على أبناء السبيل في سورة براءة ، وبالله الثقة وعليه التكلان .

وقوله : ( وما ملكت أيمانكم ) وصية بالأرقاء ; لأن الرقيق ضعيف الحيلة أسير في أيدي الناس ، ولهذا ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل يوصي أمته في مرض الموت يقول : " الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم " .

فجعل يرددها حتى ما يفيض بها لسانه .

وقال الإمام أحمد : حدثنا إبراهيم بن أبي العباس ، حدثنا بقية ، حدثنا بحير بن سعد ، عن خالد بن معدان ، عن المقدام بن معد يكرب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما أطعمت نفسك فهو لك صدقة ، وما أطعمت ولدك فهو لك صدقة ، وما أطعمت زوجتك فهو لك صدقة ، وما أطعمت خادمك فهو لك صدقه " .

ورواه النسائي من حديث بقية ، وإسناده صحيح ولله الحمد .

وعن عبد الله بن عمرو أنه قال لقهرمان له : هل أعطيت الرقيق قوتهم ؟

قال : لا .

قال : فانطلق فأعطهم ; فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " كفى بالمرء إثما أن يحبس عمن يملك قوتهم " رواه مسلم .

وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " للمملوك طعامه وكسوته ، ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق " .

رواه مسلم أيضا .

وعنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا أتى أحدكم خادمه بطعامه ، فإن لم يجلسه معه ، فليناوله لقمة أو لقمتين أو أكلة أو أكلتين ، فإنه ولي حره وعلاجه " .

أخرجاه ولفظه للبخاري ولمسلم فليقعده معه فليأكل ، فإن كان الطعام مشفوها قليلا فليضع في يده أكلة أو أكلتين " .

وعن أبي ذر ، رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " هم إخوانكم خولكم ، جعلهم الله تحت أيديكم ، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل ، وليلبسه مما يلبس ، ولا تكلفوهم ما يغلبهم ، فإن كلفتموهم ، فأعينوهم " .

أخرجاه .

وقوله : ( إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا ) أي : مختالا في نفسه ، معجبا متكبرا ، فخورا على الناس ، يرى أنه خير منهم ، فهو في نفسه كبير ، وهو عند الله حقير ، وعند الناس بغيض .

قال مجاهد في قوله : ( إن الله لا يحب من كان مختالا ) يعني : متكبرا ( فخورا ) يعني : يعد ما أعطي ، وهو لا يشكر الله ، عز وجل .

يعني : يفخر على الناس بما أعطاه الله من نعمه ، وهو قليل الشكر لله على ذلك .

وقال ابن جرير : حدثني القاسم ، حدثنا الحسين ، حدثنا محمد بن كثير ، عن عبد الله بن واقد أبي رجاء الهروي قال : لا تجد سيئ الملكة إلا وجدته مختالا فخورا - وتلا ( وما ملكت أيمانكم [ إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا ] ) ولا عاقا إلا وجدته جبارا شقيا - وتلا ( وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا ) [ مريم : 32 ] .

وروى ابن أبي حاتم ، عن العوام بن حوشب ، مثله في المختال الفخور .

وقال : حدثنا أبي ، حدثنا أبو نعيم ، حدثنا الأسود بن شيبان ، حدثنا يزيد بن عبد الله بن الشخير قال : قال مطرف : كان يبلغني عن أبي ذر حديث كنت أشتهي لقاءه ، فلقيته فقلت : يا أبا ذر ، بلغني أنك تزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثكم : " إن الله يحب ثلاثة ويبغض ثلاثة " ؟

قال : أجل ، فلا إخالني أكذب على خليلي ، ثلاثا .

قلت : من الثلاثة الذين يبغض الله ؟

قال : المختال الفخور ، أوليس تجدونه عندكم في كتاب الله المنزل ؟

ثم قرأ الآية : ( إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا ) [ النساء : 36 ] .

وحدثنا أبي ، حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا وهيب عن خالد ، عن أبي تميمة عن رجل من بلهجيم قال : قلت يا رسول الله ، أوصني .

قال : " إياك وإسبال الإزار ، فإن إسبال الإزار من المخيلة ، وإن الله لا يحب المخيلة " .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله جل ذكره : وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وذِلُّوا لله بالطاعة، واخضعوا له بها، وأفردوه بالربوبية، وأخلصوا له الخضوع والذلة، بالانتهاء إلى أمره، والانـزجار عن نهيه، ولا تجعلوا له في الربوبية والعبادة شريكًا تعظمونه تعظيمكم إياه.

(98) =" وبالوالدين إحسانًا "، يقول: وأمركم بالوالدين إحسانًا = يعني برًّا بهما = ولذلك نصب " الإحسان "، لأنه أمر منه جل ثناؤه بلزوم الإحسان إلى الوالدين، على وجه الإغراء.

(99) * * * وقد قال بعضهم: معناه: " واستوصوا بالوالدين إحسانًا "، وهو قريب المعنى مما قلناه.

* * * وأما قوله: " وبذي القربى "، فإنه يعني: وأمرَ أيضًا بذي القربى = وهم ذوو قرابة أحدنا من قبل أبيه أو أمه، ممن قربت منه قرابته برحمه من أحد الطرفين (100) إحسانًا بصلة رحمه.

* * * وأما قوله: " واليتامى "، فإنهم جمع " يتيم "، وهو الطفل الذي قد مات والده وهلك.

(101) * * * =" والمساكين " وهو جمع " مسكين "، وهو الذي قد ركبه ذل الفاقة والحاجة، فتمسكن لذلك.

(102) * * * يقول تعالى ذكره: استوصوا بهؤلاء إحسانًا إليهم، وتعطفوا عليهم، والزموا وصيتي في الإحسان إليهم.

* * * القول في تأويل قوله : وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.

فقال بعضهم: معنى ذلك: والجار ذي القرابة والرحم منك.

*ذكر من قال ذلك: 9437 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " والجار ذي القربى "، يعني: الذي بينك وبينه قرابة.

9438 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " والجار ذي القربى "، يعني: ذا الرَّحم.

9439 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة وابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: " والجار ذي القربى "، قال: جارك، هو ذو قرابتك.

9440 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن إسرائيل، عن جابر، عن عكرمة ومجاهد في قوله: " والجار ذي القربى "، قالا القرابة.

9441 - حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، حدثنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك في قوله: " والجار ذي القربى "، قال: جارك الذي بينك وبينه قرابة.

9442 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " والجار ذي القربى "، جارك ذو القرابة.

9443 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " والجار ذي القربى "، إذا كان له جار له رحم، فله حقَّان اثنان: حق القرابة، وحق الجار.

9444 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " والجار ذي القربى "، قال: الجار ذو القربى، ذو قرابتك.

* * * وقال آخرون: بل هو جارُ ذي قرابتك.

*ذكر من قال ذلك: 9445 - حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا جرير، عن ليث، عن ميمون بن مهران في قوله: " والجار ذي القربى " قال: الرجل يتوسل إليك بجوار ذي قرابتك.

* * * قال أبو جعفر: وهذا القول قولٌ مخالفٌ المعروفَ من كلام العرب.

وذلك أن الموصوف بأنه " ذو القرابة " في قوله: " والجار ذي القربى "،" الجار " دون غيره.

فجعله قائل هذه المقالة جار ذي القرابة.

ولو كان معنى الكلام كما قال ميمون بن مهران لقيل: " وجار ذي القربى "، ولم يُقَل: " والجار ذي القربى ".

فكان يكون حينئذ = إذا أضيف " الجار " إلى " ذي القرابة " = الوصية ببرّ جار ذي القرابة، (103) دون الجار ذي القربى.

وأما و " الجار " بالألف واللام، فغير جائز أن يكوى " ذي القربى " إلا من صفة " الجار ".

وإذا كان ذلك كذلك، كانت الوصية من الله في قوله: " والجار ذي القربى " ببرّ الجار ذي القربى، (104) دون جار ذي القرابة.

وكان بينًا خطأ ما قال ميمون بن مهران في ذلك.

* * * وقال آخرون: معنى ذلك: والجار ذي القربى منكم بالإسلام.

*ذكر من قال ذلك: 9446 - حدثني محمد بن عمارة الأسدي قال، حدثنا عبيد الله بن موسى قال، حدثنا سفيان عن أبي إسحاق، عن نَوْف الشامي: " والجار ذي القربى "، المسلم.

(105) * * * قال أبو جعفر: وهذا أيضًا مما لا معنى له.

وذلك أن تأويل كتاب الله تبارك وتعالى، غير جائز صرفه إلا إلى الأغلب من كلام العرب الذين نـزل بلسانهم القرآن، المعروفِ فيهم، (106) دون الأنكر الذي لا تتعارفه، إلا أن يقوم بخلاف ذلك حجة يجب التسليم لها.

وإذا كان ذلك كذلك = وكان معلومًا أن المتعارف من كلام العرب إذا قيل: " فلان ذو قرابة "، إنما يعني به: إنه قريب الرحم منه، دون القرب بالدين = كان صرفه إلى القرابة بالرحم، أولى من صرفه إلى القرب بالدين.

* * * القول في تأويل قوله : وَالْجَارِ الْجُنُبِ قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.

فقال بعضهم: معنى ذلك: والجار البعيد الذي لا قرابة بينك وبينه.

*ذكر من قال ذلك: 9447 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: " والجار الجنب "، الذي ليس بينك وبينه قرابة.

9448 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " والجار الجنب "، يعني: الجار من قوم جنب.

9449 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " والجار الجنب "، الذي ليس بينهما قرابة، وهو جار، فله حق الجوار.

9450 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " والجار الجنب "، الجار الغريب يكون من القوم.

9451 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة وابن أبي نجيح، عن مجاهد: " والجار الجنب "، جارك من قوم آخرين.

9452 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " والجار الجنب "، جارك لا قرابة بينك وبينه، البعيد في النسب وهو جار.

9453 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن إسرائيل، عن جابر، عن عكرمة ومجاهد في قوله: " والجار الجنب "، قال: المجانب.

9454 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " والجار الجنب "، الذي ليس بينك وبينه رَحمٌ ولا قرابة.

(107) 9455 - حدثني يحيى بن أبي طالب قال، حدثنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك: " والجار الجنب "، قال: من قوم آخرين.

* * * وقال آخرون: هو الجار المشرك.

*ذكر من قال ذلك: 9456 - حدثني محمد بن عمارة الأسدي قال، حدثنا عبيد الله بن موسى قال، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن نوف الشامي: " والجار الجنب "، قال: اليهوديّ والنصرانيّ.

(108) * * * قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب، قول من قال: " معنى، الجنب، في هذا الموضع: الغريبُ البعيد، مسلمًا كان أو مشركًا، يهوديًا كان أو نصرانيًا "، لما بينا قبل من أن " الجار ذي القربى "، هو الجار ذو القرابة والرحم.

والواجب أن يكون " الجار ذو الجنابة "، الجار البعيد، ليكون ذلك وصية بجميع أصناف الجيران قريبهم وبعيدهم.

* * * وبعد، فإن " الجُنب "، في كلام العرب: البعيد، كما قال أعشى بني قيس: أَتَيْــتُ حُرَيْثًـا زَائِـرًا عَـنْ جَنَابَـةٍ فَكـانَ حُـرَيْثٌ فِـي عَطَـائِي جَـامِدَا (109) يعني بقوله: " عن جنابة "، عن بعد وغُربة.

ومنه، قيل: " اجتنب فلان فلانًا "، إذا بعد منه =" وتجنّبه "، و " جنَّبه خيره "، إذا منعه إياه.

(110) ومنه قيل للجنب: " جُنُب "، لاعتزاله الصلاة حتى يغتسل.

فمعنى ذلك: والجار المجانب للقرابة.

* * * القول في تأويل قوله تعالى : وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في المعنيّ بذلك.

فقال بعضهم: هو رفيق الرجل في سَفره.

*ذكر من قال ذلك: 9457 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني &; 8-341 &; معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: " والصاحب بالجنب "، الرفيق.

9458 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يحيى وعبد الرحمن قالا حدثنا سفيان، عن أبي بكير قال: سمعت سعيد بن جبير يقول: " والصاحب بالجنب "، الرفيق في السفر.

(111) 9459 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة وابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " والصاحب بالجنب "، صاحبك في السفر.

9460 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " والصاحب بالجنب "، وهو الرفيق في السفر.

9461 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " والصاحب بالجنب "، الرفيق في السفر، منـزله منـزلك، وطعامه طعامك، ومسيره مسيرك.

9462 - حدثنا سفيان قال، حدثنا أبي، عن إسرائيل، عن جابر، عن عكرمة ومجاهد: " والصاحب بالجنب "، قالا الرفيق في السفر.

9463 - حدثني المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك، عن جابر، عن عامر، عن علي وعبد الله قالا " الصاحب بالجنب "، الرفيق الصالح.

9464 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، أخبرني سليم، عن مجاهد قال: " الصاحب بالجنب "، رفيقك في السفر، الذي يأتيك ويده مع يدك.

9465 - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، قراءة على ابن جريج قال، أخبرنا سليم: أنه سمع مجاهدًا يقول: " والصاحب بالجنب "، فذكر مثله.

9466 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " والصاحب بالجنب "، الصاحب في السفر.

9467 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو دكين قال، حدثنا سفيان، عن أبي بكير، عن سعيد بن جبير،" والصاحب بالجنب "، الرفيق الصالح.

9468 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن أبي بكير، عن سعيد بن جبير مثله.

9469 - حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك في قوله: " والصاحب بالجنب "، قال: الرفيق في السفر.

9470 - حدثني يحيى بن أبي طالب قال، حدثنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك مثله.

* * * وقال آخرون: بل هو امرأة الرجل التي تكون معه إلى جنبه.

*ذكر من قال ذلك: 9471- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن جابر، عن عامر = أو القاسم = عن علي وعبد الله رضوان الله عليهما: " والصاحب بالجنب "، قالا هي المرأة.

(112) 9472 - حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، حدثنا هشيم، عن بعض أصحابه، عن جابر، عن علي وعبد الله مثله.

9473 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " والصاحب بالجنب "، يعني: الذي معك في منـزلك.

9474 - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن هلال، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: أنه قال في هذه الآية: " والصاحب بالجنب "، قال: هي المرأة.

9475 - حدثنا ابن بشار قال: حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن أبي الهيثم، عن إبراهيم: " والصاحب بالجنب "، قال: المرأة.

9476 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، قال الثوري، قال أبو الهيثم، عن إبراهيم: هي المرأة.

9477 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سفيان، عن أبي الهيثم، عن إبراهيم مثله.

9478 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو معاوية، عن محمد بن سوقة، عن أبي الهيثم، عن إبراهيم مثله.

9479 - حدثني عمرو بن بَيْذَق قال، حدثنا مروان بن معاوية، عن محمد بن سوقة، عن أبي الهيثم، عن إبراهيم مثله.

(113) * * * وقال آخرون: هو الذي يلزمك ويصحبك رَجاء نفعك.

*ذكر من قال ذلك: 9480 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: " الصاحب بالجنب "، الملازم = وقال أيضًا: رفيقك الذي يرافقك.

9481 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد: " والصاحب بالجنب "، الذي يلصق بك، وهو إلى جنبك، ويكون معك إلى جنبك رجاءَ خيرك ونفعك.

* * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في تأويل ذلك عندي: أن معنى: " الصاحب بالجنب "، الصاحب إلى الجنب، كما يقال: " فلان بجَنب فلان، وإلى جنبه "، وهو من قولهم: " جَنَب فلانٌ فلانًا فهو يجنُبُه جَنْبًا "، إذا كان لجنبه.

(114) ومن ذلك: " جَنَب الخيل "، إذا قاد بعضها إلى جنب بعض.

وقد يدخل في هذا: الرفيقُ في السفر، والمرأة، والمنقطع إلى الرجل الذي يلازمه رجاءَ نفعه، لأن كلهم بجنب الذي هو معه وقريبٌ منه.

وقد أوصى الله تعالى بجميعهم، لوجوب حق الصاحب على المصحوب، وقد:- 9482 - حدثنا سهل بن موسى الرازي قال، حدثنا ابن أبي فديك، عن فلان بن عبد الله، عن الثقة عنده: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان معه رجل من أصحابه وهما على راحلتين، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم وسلم في غَيْضِة طرفاء، (115) فقطع قَصِيلين، أحدهما معوجٌّ، والآخر معتدل، (116) فخرج بهما، &; 8-345 &; فأعطى صاحبه المعتدل، وأخذ لنفسه المعوج، فقال الرجل: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، أنت أحق بالمعتدل مني!

فقال: " كلا يا فلان، إن كل صاحب يصحب صاحبًا، مسئول عن صحابته ولو ساعة من نهار.

(117) 9483 - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، عن حيوة قال، حدثني شرحبيل بن شريك، عن أبي عبد الرحمن الحُبُليّ، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن خير الأصحاب عند الله تبارك وتعالى، خيرهم لصاحبه.

وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره.

(118) * * * قال أبو جعفر: فإذ كان " الصاحب بالجنب "، محتملا معناه ما ذكرناه: (119) من أن يكون داخلا فيه كل من جَنَب رجلا بصحبةٍ في سفر، (120) أو نكاح، أو انقطاع إليه واتصال به = (121) ولم يكن الله جل ثناؤه خصّ بعضَهم مما احتمله ظاهر التنـزيل &; 8-346 &; = (122) فالصواب أن يقال: جميعهم معنيّون بذلك، وكلهم قد أوصى الله بالإحسان إليه.

(123) * * * القول في تأويل قوله : وَابْنِ السَّبِيلِ قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.

فقال بعضهم: " ابن السبيل "، هو المسافر الذي يجتاز مارًا.

*ذكر من قال ذلك: 9484 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة = وابن أبي نجيح، عن مجاهد: " وابن السبيل "، هو الذي يمر عليك وهو مسافر.

9484م - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، عن معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد وقتادة مثله.

9485 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: " وابن السبيل "، قال: هو المارُّ عليك، وإن كان في الأصل غنيًّا.

* * * وقال آخرون: هو الضيف.

*ذكر من قال ذلك: 9486 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن &; 8-347 &; ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " وابن السبيل "، قال: الضيف، له حق في السفر والحضر.

9487 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " وابن السبيل "، وهو الضيف.

9488 - حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك: " وابن السبيل "، قال: الضيف.

9489 - حدثنا يحيى بن أبي طالب قال، حدثنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك مثله.

* * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك: أن " ابن السبيل "، هو صاحب الطريق = و " السبيل ": هو الطريق، وابنه: صاحبه الضاربُ فيه (124) = فله الحق على من مرّ به محتاجًا منقطَعًا به، إذا كان سفره في غير معصية الله، أن يعينه إن احتاج إلى معونة، ويضيفه إن احتاج إلى ضيافة، وأن يحمله إن احتاج إلى حُمْلان.

(125) * * * القول في تأويل قوله : وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: والذين ملكتموهم من أرقائكم = فأضاف " الملك " إلى " اليمين "، كما يقال: " تكلم فوك "، و " مشَتْ رجلك "، و " بطشت يدك "، بمعنى: تكلمتَ، ومشيتَ، وبطشتَ.

غير أن ما وصف به كل &; 8-348 &; عضو من ذلك، فإنما أضيف إليه ما وُصف به (126) لأنه بذلك يكون، في المتعارف في الناس، دون سائر جوارح الجسد.

فكان معلومًا = بوصف ذلك العضو بما وصف به من ذلك = المعنى المراد من الكلام.

فكذلك قوله: " وما ملكت أيمانكم "، لأن مماليك أحدنا تحت يديه، (127) إنما يَطعم ما تُناوله أيماننا، ويكتسي ما تكسوه، (128) وتصرِّفه فيما أحبَّ صرفه فيه بها.

فأضيف ملكهم إلى " الأيمان " لذلك.

* * * وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك: 9490 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " وما ملكت أيمانكم "، ممّا خوّلك الله.

كل هذا أوصى الله به.

* * * قال أبو جعفر: وإنما يعني مجاهد بقوله: " كل هذا أوصى الله به "، الوالدين، وذا القربى، واليتامى، والمساكين، والجار ذا القربى، والجار الجنب، والصاحب بالجنب، وابن السبيل.

فأوصى ربنا جل جلاله بجميع هؤلاء عبادَه إحسانًا إليهم، وأمر خلقه بالمحافظة على وصيته فيهم.

فحقٌّ على عباده حفظ وصية الله فيهم، ثم حفظ وصية رسوله صلى الله عليه.

* * * القول في تأويل قوله : إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالا فَخُورًا (36) قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: " إن الله لا يحبّ من كان مختالا "، إن الله لا يحب من كان ذا خُيَلاء.

و " المختال: " المفتعل "، من قولك: " خال الرجل فهو يخول خَوْلا وخَالا "، (129) ومنه قول الشاعر: (130) فَـــإنْ كُــنْتَ سَــيِّدَنَا سُــدْتَنَا وإنْ كُــنْتَ لِلْخَــالِ فَـاذْهَبْ فَخُـلْ (131) ومنه قول العجاج: وَالْخَالُ ثَوْبٌ مِنْ ثِيَابِ الْجُهَّالْ (132) وأما " الفخور "، فهو المفتخر على عباد الله بما أنعم الله عليه من آلائه، وبسط له من فضله، ولا يحمده على ما أتاه من طَوْله، ولكنه به مختال مستكبر، وعلى غيره به مُسْتطيل مفتخر.

كما:- 9491 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " إن الله لا يحب من كان مختالا "، قال: متكبرًا، =" فخورا "، قال: يعدّ ما أُعطي، وهو لا يشكر الله.

9492 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا محمد بن كثير، عن عبد الله بن واقد أبي رجاء الهرويّ قال: لا تجد سيِّئ الملِكة إلا وجدته مختالا فخورًا.

(133) وتلا " وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورًا " = ولا عاقًّا إلا وجدته جبارًا شقيًا.

وتلا وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا [سورة مريم: 32] --------------------- الهوامش : (98) انظر تفسير"عبد" فيما سلف 1: 160 ، 161 ، 362 / 3: 120 ، 317 / 6: 488.

(99) انظر تفسير"وبالوالدين إحسانًا" فيما سلف 2: 290-292.

(100) انظر تفسير"ذي القربى" فيما سلف 2: 292 / 3: 344.

(101) انظر تفسير"اليتامى" فيما سلف 2: 292 / 3: 345 / 4: 295 / 7: 524 ، 541.

(102) انظر تفسير"المساكين" فيما سلف 2: 137 ، 293 / 3: 345 / 4: 295 / 7: 116.

(103) في المخطوطة والمطبوعة: "الوصية بين جار ذي القرابة" ، وهو كلام لا معنى له ، وهو تصحيف وتحريف ، صوابه ما أثبت.

(104) في المخطوطة والمطبوعة هنا أيضًا: "بين الجار ذي القربى" ، وهو خطأ وتصحيف كما أسلفت.

(105) الأثر: 9446 -"نوف الشامي" ، هو: نوف بن فضالة الحميري البكالي ، مضت ترجمته برقم: 3965 ، وسيأتي في رقم: 9456.

(106) "المعروف" بالكسر ، صفة لقوله: "إلى الأغلب".

وفي المطبوعة: "المعروف وفيهم" ، وهو خطأ في الطباعة ولا شك.

(107) في المطبوعة: "...

وجه ولا قرابة" ، وهو لا معنى له ، والصواب من المخطوطة.

(108) الأثر: 9456 -"عبيد الله بن موسى بن أبي المختار العبسي" ، مضت ترجمته برقم: 5796 ، وهو يروي عن سفيان الثوري ، وعن شيبان بن عبد الرحمن التميمي.

وقد جاء في هذا الإسناد في المطبوعة"شيبان ، عن أبي إسحاق" ، وكذلك هو في المخطوطة ، ولكنه كتب"شيبان" كتابة سيئة ، كتابة شاك في قراءتها.

وقد سلف في الإسناد رقم: 9446 قريبًا"سفيان ، عن أبي إسحاق" واضحة جدًا في المخطوطة ، فرجحتها لذلك ، وأثبتها هنا.

وانظر التعليق على الأثر: 9446.

(109) ديوانه: 49 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة: 126 ، الكامل 2: 26 ، وسيأتي في التفسير 20: 26 (بولاق) من قصيدة هجا فيها الحارث بن وعلة بن مجالد بن زبان الرقاشي ، وكان جاء يسأله فقال له: "ولا كرامة!!

ألست القائل: أَلا مَــنْ مُبْلِــغٌ عَنِّــي حُرَيْثًــا مُغَلْغَلَـــةً? أَحَـــانَ أَمِ ادَّرَانَــا? تهجوني وتصغرني ، ثم تسألني!!

= فكان مما قال له بعد البيت السالف ، فأوجعه: لَعَمْـرُكَ مَـا أَشْـبَهْتَ وَعْلَةَ فَي النَّدَى شَـــمَائِلَهُ، وَلا أَبـــاهُ المُجَــالِدَا إذَا زَارَهُ يَوْمًــا صَــدِيقٌ، كأنَّمــا يَــرَى أُسُــدًا فِـي بَيْتِـهِ وَأَسَـاوِدَا في شعر كثير ، و"حريث" تصغير"الحارث" ، تصغير ترخيم ، وقياسه"حويرث".

ورجل"جامد الكف ، وجماد الكف": بخيل لا تلين صفاته.

وكان في المطبوعة هنا: "جاهدا" وهو خطأ ، وفي الموضع الآخر من التفسير: "جاحدا" وهو خطأ أيضًا.

وروى هنا: في عطائي" ، وروايته في التفسير 20: 26"عن عطائي" وهي المطابقة لرواية المراجع السالفة جميعًا ، ولا بأس بها.

(110) في المطبوعة: "وتجنبه خيره" ، أسقط: "وجنبه" بين الكلامين ، ففسد السياق ، والصواب من المخطوطة.

(111) الأثر: 9458 -"أبو بكير التيمي" ، مؤذن لتيم ، واسمه"مرزوق".

روى عن سعيد بن جبير ، وعكرمة ، ومجاهد.

وروى عنه ليث بن أبي سليم ، وإسرائيل ، وسفيان الثوري ، وشريك.

مترجم في التهذيب.

وكان في المطبوعة: "أبو بكر" وهو خطأ ، صوابه ما أثبت من المخطوطة.

وسيأتي على الصواب في رقم: 9467 ، 9468.

(112) قوله: "رضوان الله عليهما" ، زيادة من المخطوطة.

(113) الأثر: 9479 -"عمرو بن بيذق" (بالذال المعجمة) هكذا في المخطوطة ، شيخ الطبري ، لم أعرف له ترجمة ، وقد روى عنه في كتاب تاريخ الصحابة والتابعين ، الملحق بالتاريخ ص: 86 ، وكتبه هناك"عمرو بين بيدق" بالدال المهملة ، وكأن الأول أصح.

(114) هذا النص من تفسير اللغة ، قلما تجده في كتاب من كتب اللغة.

(115) "الغيضة" ، مكان يجتمع فيه الماء ويفيض ، فينبت فيه الشجر ويلتف ، والجمع"غياض".

و"الطرفاء" من شجر العضاء ، وهدبه مثل هدب الأثل ، وليس له خشب ، إنما يخرج عصيًا سمحة في السماء ، وقد تتحمض به الإبل ، إذا لم تجد حمضًا غيره.

(116) في المطبوعة: "فصيلين" بالفاء ، ولا معنى لها ، وفي المخطوطة: "فصيلين" غير منقوطة ، وفي الدر المنثور: "فصلين" وليس لها معنى.

و"القصيل" بالقاف: ما اقتصل (أي: اقتطع) من الزرع أخضر ، ومنه: "القصيل" وهو الذي تعلف به الدواب.

يقال: "قصل الدابة" ، أي: علفها القصيل.

(117) الأثر: 9482 -"سهل بن موسى الرازي" انظر ما كتبت عنه برقم: 4319 ، وقبله رقم: 180.

وأما "ابن أبي فديك" فهو: محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فديك ، مضت ترجمته برقم: 4319.

وهذا الأثر على إرساله ضعيف ، لجهالة من روى عنهم ابن أبي فديك.

ولم أجده إلا في الدر المنثور 2: 159 ، ولم ينسبه لغير ابن جرير.

(118) الأثر: 9483 - رواه أحمد في مسنده رقم: 6566 من طريق عبد الله بن يزيد ، عن حيوة وابن لهيعة ، بمثله ، والحاكم في المستدرك 4: 164 ، والترمذي: 3: 129 ، من طريق عبد الله بن المبارك ، كرواية الطبري.

قال أخي السيد أحمد: "إسناده صحيح".

و"أبو عبد الرحمن الحبلي" ، هو: عبد الله بن يزيد المعافري ، مضت ترجمته برقم: 6657.

(119) في المطبوعة: "وإن كان الصاحب بالجنب معناه ما ذكرناه" ، أسقط"محتملا" ، لأنها كتبت في المخطوطة"متصلا" مختلطة الكتابة ، فلم يحسن قراءتها فحذفها ، مع أن الكلام لا يستقيم إلا بها.

أما ما كان في المطبوعة والمخطوطة من قوله: "وإن كان" ، فهو خطأ محض لا تستقيم به الجملة ، صوابه ما أثبت: "فإذ كان".

(120) في المطبوعة: "يصحبه في سفر" ، وهو خطأ معرق يختل به سياق الكلام.

وهو في المخطوطة غير منقوط ، وصواب قراءته ما أثبت.

(121) قوله: "ولم يكن الله" معطوف على قوله: "فإذ كان الصاحب".

(122) قوله"فالصواب" ، جواب قوله: "فإذ كان الصاحب...

فالصواب أن يقال".

(123) في المطبوعة: "وبكلهم قد أوصى..." ، لم يحسن قراءة المخطوطة ، والصواب ما أثبت.

(124) انظر تفسير"ابن السبيل" فيما سلف 3: 345-347 / 4: 295 = وتفسير"السبيل" في 2: 497 ، وسائر فهارس اللغة.

(125) "الحملان" (بضم الحاء وسكون الميم): ما يحمل عليه من الدواب.

(126) في المطبوعة: "ما وصفت به" في الموضعين ، والصواب من المخطوطة.

(127) في المطبوعة: "يده" ، وأثبت ما في المخطوطة.

(128) في المطبوعة: "ونكسي ما يكسوه" ، وهو خطأ صوابه من المخطوطة ، وأفعال هذه الجملة إلى آخرها غير منقوطة في المخطوطة ، فأساء ناشر المطبوعة وضع النقط عليها ، فاختل معناها ، فقد كان فيها: " ...

نطعم ...

ونكسي ...

ونصرفه" ، والصواب ما أثبت.

(129) هذا أحد وجهي الكلام ، والآخر: "خال يخال خيلا وخالا" ، بالياء ، ورجحه بعضهم لأنه من"الخيلاء".

(130) هو أنس بن مساحق العبدي ، رجل من عبد القيس.

(131) حماسة أبي تمام 1: 133 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 127 ، واللسان (خيل).

وقبل البيت: أَلا أبْلِغَــــا خُـــلَّتِي رَاشِـــدًا قَدِيمًــا، وصِنْــوِي إذَا مـا تَصِـلْ بِــأَنَّ الــدَّقِيقَ يَهِيــجُ الْجَــلِيلَ وَأَنَّ الْعَزِيــــزَ لإذا سَــــاءَ ذَلْ وَأَنَّ الْحَزَامَــــةَ أَنْ تَصْرِفُـــوا لِحَــيٍّ سِــوَانَا صُــدُورَ الأسَـلْ وتقول في البيت"فخل" بضم الخاء وبفتحها ، أي: اذهب فاختل ما شاءت لك الخيلاء.

(132) وَالدَّهْــرُ فِيــهِ غَفْلَــةٌ لِلْغُفَّــالْ وَالْمَــرْءُ يُبْلِيــهِ بَــلاء السِّـرْبالْ كَــرُّ الَّليَـالِي وَاخْـتِلافُ الأحْـوَالْ وكان في المطبوعة: "ثياب الجمال" ، وهو تصحيف ، صوابه في المخطوطة.

(133) "الملكة" (بفتح الميم واللام) و(بكسر الميم وسكون اللام) ، وهو الذي يسيء إذا ملك شيئًا ، فتجبر وتغطرس ، وفي الحديث: "لا يدخل الجنة سيئ الملكة" ، وهو الذي يسيء إلى مماليكه أو إلى ما يقع تحت سلطانه.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورافيه ثمان عشرة مسألة :الأولى : أجمع العلماء على أن هذه الآية من المحكم المتفق عليه ، ليس منها شيء منسوخ .

وكذلك هي في جميع الكتب .

ولو لم يكن كذلك لعرف ذلك من جهة العقل ، وإن لم ينزل به الكتاب .

وقد مضى معنى العبودية وهي التذلل والافتقار ، لمن له الحكم والاختيار ؛ فأمر الله تعالى عباده بالتذلل له والإخلاص فيه ، فالآية أصل في خلوص الأعمال لله تعالى وتصفيتها من شوائب الرياء وغيره ؛ قال الله تعالى فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا حتى لقد قال بعض علمائنا : إنه من تطهر تبردا أو صام محما لمعدته ونوى مع ذلك التقرب لم يجزه ؛ لأنه مزج في نية التقرب نية دنياوية وليس لله إلا العمل الخالص ؛ كما قال تعالى : ألا لله الدين الخالص .

وقال تعالى : وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين .

وكذلك إذا أحس الرجل بداخل في الركوع وهو إمام لم ينتظره ؛ لأنه يخرج ركوعه بانتظاره عن كونه خالصا لله تعالى .

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قال الله تبارك وتعالى : أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا [ ص: 158 ] أشرك فيه معي غيري تركته وشركه .

وروى الدارقطني عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يجاء يوم القيامة بصحف مختمة فتنصب بين يدي الله تعالى فيقول الله تعالى للملائكة : ألقوا هذا واقبلوا هذا فتقول الملائكة : وعزتك ما رأينا إلا خيرا فيقول الله عز وجل - وهو أعلم - : إن هذا كان لغيري ولا أقبل اليوم من العمل إلا ما كان ابتغي به وجهي .

وروي أيضا عن الضحاك بن قيس الفهري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله تعالى يقول : أنا خير شريك فمن أشرك معي شريكا فهو لشريكي ، يا أيها الناس أخلصوا أعمالكم لله تعالى فإن الله لا يقبل إلا ما خلص له ولا تقولوا هذا لله وللرحم فإنها للرحم وليس لله منها شيء ولا تقولوا هذا لله ولوجوهكم فإنها لوجوهكم وليس لله تعالى منها شيء .مسألة : إذا ثبت هذا فاعلم أن علماءنا رضي الله عنهم قالوا : الشرك على ثلاث مراتب وكله محرم .وأصله اعتقاد شريك لله في ألوهيته ، وهو الشرك الأعظم وهو شرك الجاهلية ، وهو المراد بقوله تعالى : إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء .

ويليه في الرتبة اعتقاد شريك لله تعالى في الفعل ، وهو قول من قال : إن موجودا ما غير الله تعالى يستقل بإحداث فعل وإيجاده وإن لم يعتقد كونه إلها كالقدرية مجوس هذه الأمة ، وقد تبرأ منهم ابن عمر كما في حديث جبريل عليه السلام .

ويلي هذه الرتبة الإشراك في العبادة وهو الرياء ؛ وهو أن يفعل شيئا من العبادات التي أمر الله بفعلها له لغيره .

وهذا هو الذي سيقت الآيات والأحاديث لبيان تحريمه ، وهو مبطل للأعمال وهو خفي لا يعرفه كل جاهل غبي .

ورضي الله عن المحاسبي فقد أوضحه في كتابه " الرعاية " وبين إفساده للأعمال .

وفي سنن ابن ماجه عن أبي سعيد بن أبي فضالة الأنصاري وكان من الصحابة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم القيامة ليوم لا ريب فيه نادى مناد من كان أشرك في عمل عمله لله عز وجل أحدا فليطلب ثوابه من عند غير الله فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك .

وفيه عن أبي سعيد الخدري قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نتذاكر المسيح الدجال فقال : ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال ؟

قال : فقلنا بلى يا رسول الله ؛ فقال : الشرك [ ص: 159 ] الخفي أن يقوم الرجل يصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل .

وفيه عن شداد بن أوس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن أخوف ما أتخوف على أمتي الإشراك بالله أما إني لست أقول يعبدون شمسا ولا قمرا ولا وثنا ولكن أعمالا لغير الله وشهوة خفية خرجه الترمذي الحكيم .

وسيأتي في آخر الكهف ، وفيه بيان الشهوة الخفية .

وروى ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشهوة الخفية فقال : هو الرجل يتعلم العلم يحب أن يجلس إليه .

قال سهل بن عبد الله التستري رضي الله عنه : الرياء على ثلاثة وجوه ؛ أحدها : أن يعقد في أصل فعله لغير الله ويريد به أن يعرف أنه لله ، فهذا صنف من النفاق وتشكك في الإيمان .

والآخر : يدخل في الشيء لله فإذا اطلع عليه غير الله نشط ، فهذا إذا تاب يزيد أن يعيد جميع ما عمل .

والثالث : دخل في العمل بالإخلاص وخرج به لله فعرف بذلك ومدح عليه وسكن إلى مدحهم ؛ فهذا الرياء الذي نهى الله عنه .

قال سهل : قال لقمان لابنه : الرياء أن تطلب ثواب عملك في دار الدنيا ، وإنما عمل القوم للآخرة .

قيل له : فما دواء الرياء ؟

قال كتمان العمل ، قيل له : فكيف يكتم العمل ؟

قال : ما كلفت إظهاره من العمل فلا تدخل فيه إلا بالإخلاص ، وما لم تكلف إظهاره أحب ألا يطلع عليه إلا الله .

قال : وكل عمل اطلع عليه الخلق فلا تعده من العمل .

وقال أيوب السختياني : ما هو بعاقل من أحب أن يعرف مكانه من عمله .قلت : قول سهل " والثالث دخل في العمل بالإخلاص " إلى آخره ، إن كان سكونه وسروره إليهم لتحصل منزلته في قلوبهم فيحمدوه ويجلوه ويبروه وينال ما يريده منهم من مال أو غيره فهذا مذموم ؛ لأن قلبه مغمور فرحا باطلاعهم عليه ، وإن كانوا قد اطلعوا عليه بعد الفراغ .

فأما من أطلع الله عليه خلقه وهو لا يحب اطلاعهم عليه فيسر بصنع الله وبفضله عليه فسروره بفضل الله طاعة ؛ كما قال تعالى : قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون .

وبسط هذا وتتميمه في كتاب " الرعاية للمحاسبي " ، فمن أراده فليقف عليه هناك .

وقد سئل سهل عن حديث النبي صلى الله عليه وسلم أني أسر العمل فيطلع عليه فيعجبني قال : يعجبه من جهة الشكر لله الذي أظهره الله عليه أو نحو هذا .

فهذه جملة كافية في الرياء وخلوص الأعمال .

وقد مضى في " البقرة " .

حقيقة الإخلاص .

والحمد لله .الثانية : قوله تعالى : وبالوالدين إحسانا قد تقدم في صدر هذه السورة أن من الإحسان إليهما عتقهما ، ويأتي في " سبحان " حكم برهما معنى مستوفى .

وقرأ ابن أبي عبلة [ ص: 160 ] " إحسان " بالرفع أي واجب الإحسان إليهما .

الباقون بالنصب ، على معنى أحسنوا إليهما إحسانا .

قال العلماء : فأحق الناس بعد الخالق المنان بالشكر والإحسان والتزام البر والطاعة له والإذعان من قرن الله الإحسان إليه بعبادته وطاعته وشكره بشكره وهما الوالدان ؛ فقال تعالى : أن اشكر لي ولوالديك .

وروى شعبة وهشيم الواسطيان عن يعلى بن عطاء عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رضا الرب في رضا الوالدين وسخطه في سخط الوالدين .الثالثة : قوله تعالى : وبذي القربى واليتامى والمساكين وقد مضى الكلام فيه في البقرةالرابعة : قوله تعالى : والجار ذي القربى والجار الجنب أما الجار فقد أمر الله تعالى بحفظه والقيام بحقه والوصاة برعي ذمته في كتابه وعلى لسان نبيه .

ألا تراه سبحانه أكد ذكره بعد الوالدين والأقربين فقال تعالى : والجار ذي القربى أي القريب .

والجار الجنب أي الغريب ؛ قاله ابن عباس ، وكذلك هو في اللغة .

ومنه فلان أجنبي ، وكذلك الجنابة البعد .

وأنشد أهل اللغة :فلا تحرمني نائلا عن جنابة فإني امرؤ وسط القباب غريبوقال الأعشى :أتيت حريثا زائرا عن جنابة فكان حريث عن عطائي جامداوقرأ الأعمش والمفضل " والجار الجنب " بفتح الجيم وسكون النون وهما لغتان ؛ يقال : جنب وجنب وأجنب وأجنبي إذا لم يكن بينهما قرابة ، وجمعه أجانب .

وقيل : على تقدير حذف المضاف ، أي والجار ذي الجنب أي ذي الناحية .

وقال نوف الشامي : الجار ذي القربى المسلم والجار الجنب اليهودي والنصراني .قلت : وعلى هذا فالوصاة بالجار مأمور بها مندوب إليها مسلما كان أو كافرا ، وهو الصحيح .

والإحسان قد يكون بمعنى المواساة ، وقد يكون بمعنى حسن العشرة وكف الأذى والمحاماة دونه .

روى البخاري عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ما زال جبريل يوصيني بالجار [ ص: 161 ] حتى ظننت أنه سيورثه .

وروي عن أبي شريح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن ) قيل : يا رسول الله ومن ؟

قال : ( الذي لا يأمن جاره بوائقه وهذا عام في كل جار .

وقد أكد عليه السلام ترك إذايته بقسمه ثلاث مرات ، وأنه لا يؤمن الإيمان الكامل من آذى جاره .

فينبغي للمؤمن أن يحذر أذى جاره ، وينتهي عما نهى الله ورسوله عنه ، ويرغب فيما رضياه وحضا العباد عليه .

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : الجيران ثلاثة فجار له ثلاثة حقوق وجار له حقان وجار له حق واحد فأما الجار الذي له ثلاثة حقوق فالجار المسلم القريب له حق الجوار وحق القرابة وحق الإسلام والجار الذي له حقان فهو الجار المسلم فله حق الإسلام وحق الجوار والجار الذي له حق واحد هو الكافر له حق الجوار .الخامسة : روى البخاري عن عائشة قالت : قلت يا رسول الله ، إن لي جارين فإلى أيهما أهدي ، قال : إلى أقربهما منك بابا .

فذهب جماعة من العلماء إلى أن هذا الحديث يفسر المراد من قوله تعالى : والجار ذي القربى وأنه القريب المسكن منك .

والجار الجنب هو البعيد المسكن منك .

واحتجوا بهذا على إيجاب الشفعة للجار ، وعضدوه وبقوله عليه السلام : الجار أحق بصقبه .

ولا حجة في ذلك ، فإن عائشة رضي الله عنها إنما سألت النبي صلى الله عليه وسلم عمن تبدأ به من جيرانها في الهدية فأخبرها أن من قرب بابه فإنه أولى بها من غيره .

قال ابن المنذر : فدل هذا الحديث على أن الجار يقع على غير اللصيق .

وقد خرج أبو حنيفة عن ظاهر هذا الحديث فقال : إن الجار اللصيق إذا ترك الشفعة وطلبها الذي يليه وليس له جدار إلى الدار ولا طريق لا شفعة فيه له .

وعوام العلماء يقولون : إن أوصى الرجل لجيرانه أعطي اللصيق وغيره ؛ إلا أبا حنيفة فإنه فارق عوام العلماء وقال : لا يعطى إلا اللصيق وحده .السادسة : واختلف الناس في حد الجيرة ؛ فكان الأوزاعي يقول : أربعون دارا من كل ناحية ؛ وقاله ابن شهاب .

وروي أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إني نزلت محلة قوم وإن أقربهم إلي جوارا أشدهم لي أذى ؛ فبعث النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعمر وعليا يصيحون على أبواب [ ص: 162 ] المساجد : ألا إن أربعين دارا جار ولا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه .

وقال علي بن أبي طالب : من سمع النداء فهو جار .

وقالت فرقة : من سمع إقامة الصلاة فهو جار ذلك المسجد .

وقالت فرقة : من ساكن رجلا في محلة أو مدينة فهو جار .

قال الله تعالى : لئن لم ينته المنافقون إلى قوله : ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا فجعل تعالى اجتماعهم في المدينة جوارا .

والجيرة مراتب بعضها ألصق من بعض ، أدناها الزوجة ؛ كما قال :أيا جارتا بيني فإنك طالقهالسابعة : ومن إكرام الجار ما رواه مسلم عن أبي ذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا أبا ذر إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك .

فحض عليه السلام على مكارم الأخلاق ؛ لما رتب عليها من المحبة وحسن العشرة ودفع الحاجة والمفسدة ؛ فإن الجار قد يتأذى بقتار قدر جاره ، وربما تكون له ذرية فتهيج من ضعفائهم الشهوة ، ويعظم على القائم عليهم الألم والكلفة ، لا سيما إن كان القائم ضعيفا أو أرملة فتعظم المشقة ويشتد منهم الألم والحسرة .

وهذه كانت عقوبة يعقوب في فراق يوسف عليهما السلام فيما قيل .

وكل هذا يندفع بتشريكهم في شيء من الطبيخ يدفع إليهم ، ولهذا المعنى حض عليه السلام الجار القريب بالهدية ؛ لأنه ينظر إلى ما يدخل دار جاره وما يخرج منها ، فإذا رأى ذلك أحب أن يشارك فيه ؛ وأيضا فإنه أسرع إجابة لجاره عندما ينوبه من حاجة في أوقات الغفلة والغرة ؛ فلذلك بدأ به على من بعد بابه وإن كانت داره أقرب .

والله أعلم .الثامنة : قال العلماء : لما قال عليه السلام فأكثر ماءها نبه بذلك على تيسير الأمر على البخيل تنبيها لطيفا ، وجعل الزيادة فيما ليس له ثمن وهو الماء ؛ ولذلك لم يقل : إذا طبخت مرقة فأكثر لحمها ؛ إذ لا يسهل ذلك على كل أحد .

ولقد أحسن القائل :قدري وقدر الجار واحدة وإليه قبلي ترفع القدرولا يهدي النزر اليسير المحتقر ؛ لقوله عليه السلام : ثم انظر أهل بيت من جيرانك فأصبهم منها بمعروف أي بشيء يهدى عرفا ؛ فإن القليل وإن كان مما يهدى فقد لا يقع ذلك [ ص: 163 ] الموقع ، فلو لم يتيسر إلا القليل فليهده ولا يحتقر ، وعلى المهدى إليه قبوله ؛ لقوله عليه السلام :يا نساء المؤمنات لا تحتقرن إحداكن لجارتها ولو كراع شاة محرقا أخرجه مالك في موطئه .

وكذا قيدناه ( يا نساء المؤمنات ) بالرفع على غير الإضافة ، والتقدير : يا أيها النساء المؤمنات ؛ كما تقول يا رجال الكرام ؛ فالمنادى محذوف وهو يا أيها ، والنساء في التقدير النعت لأيها ، والمؤمنات نعت للنساء .

قد قيل : فيه : يا نساء المؤمنات بالإضافة ، والأول أكثر .التاسعة : من إكرام الجار ألا يمنع من غرز خشبة له إرفاقا به ؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يمنع أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره .

ثم يقول أبو هريرة : ما لي أراكم عنها معرضين ، والله لأرمين بها بين أكنافكم .

روي " خشبه وخشبة " على الجمع والإفراد .

وروي " أكتافهم " بالتاء و " أكنافهم " بالنون .

ومعنى " لأرمين بها " أي بالكلمة والقصة .

وهل يقضى بهذا على الوجوب أو الندب ؟

فيه خلاف بين العلماء .

فذهب مالك وأبو حنيفة وأصحابهما إلى أن معناه الندب إلى بر الجار والتجاوز له والإحسان إليه ، وليس ذلك على الوجوب ؛ بدليل قوله عليه السلام : لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه .

قالوا : ومعنى قوله ( لا يمنع أحدكم جاره ) هو مثل معنى قوله عليه السلام : إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد فلا يمنعها .

وهذا معناه عند الجميع الندب ، على ما يراه الرجل من الصلاح والخير في ذلك .

وقال الشافعي وأصحابه وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبو ثور وداود بن علي وجماعة أهل الحديث : إلى أن ذلك على الوجوب .

قالوا : ولولا أن أبا هريرة فهم فيما سمع من النبي صلى الله عليه وسلم معنى الوجوب ما كان ليوجب عليهم غير واجب .

وهو مذهب عمر بن الخطاب رضي الله عنه ؛ فإنه قضى على محمد بن مسلمة للضحاك بن خليفة في الخليج أن يمر به في أرض محمد بن مسلمة ، فقال محمد بن مسلمة : لا والله .

فقال عمر : والله ليمرن به ولو على بطنك .

فأمره عمر أن يمر به ففعل الضحاك ؛ رواه مالك في الموطأ .

وزعم الشافعي في كتاب " الرد " أن مالكا لم يرو عن أحد من الصحابة خلاف عمر في هذا الباب ؛ وأنكر على مالك أنه رواه [ ص: 164 ] وأدخله في كتابه ولم يأخذ به ورده برأيه .

قال أبو عمر : ليس كما زعم الشافعي ؛ لأن محمد بن مسلمة كان رأيه في ذلك خلاف رأي عمر ، ورأي الأنصار أيضا كان خلافا لرأي عمر ، وعبد الرحمن بن عوف في قصة الربيع وتحويله - والربيع الساقية - وإذا اختلفت الصحابة وجب الرجوع إلى النظر ، والنظر يدل على أن دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم بعضهم على بعض حرام إلا ما تطيب به النفس خاصة ؛ فهذا هو الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم .

ويدل على الخلاف في ذلك قول أبي هريرة : ما لي أراكم عنها معرضين والله لأرمينكم بها ؛ هذا أو نحوه .

أجاب الأولون فقالوا : القضاء بالمرفق خارج بالسنة عن معنى قوله عليه السلام : لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه لأن هذا معناه التمليك والاستهلاك وليس المرفق من ذلك ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد فرق بينهما في الحكم .

فغير واجب أن يجمع بين ما فرق رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وحكى مالك أنه كان بالمدينة قاض يقضي به يسمى أبو المطلب .

واحتجوا من الأثر بحديث الأعمش عن أنس قال : استشهد منا غلام يوم أحد فجعلت أمه تمسح التراب عن وجهه وتقول : أبشر هنيئا لك الجنة ؛ فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم وما يدريك لعله كان يتكلم فيما لا يعنيه ويمنع ما لا يضره .

والأعمش لا يصح له سماع من أنس ، والله أعلم .

قاله أبو عمر .العاشرة : ورد حديث جمع النبي صلى الله عليه وسلم فيه مرافق الجار ، وهو حديث معاذ بن جبل قال : قلنا يا رسول الله ، ما حق الجار ؟

قال : إن استقرضك أقرضته وإن استعانك أعنته وإن احتاج أعطيته وإن مرض عدته وإن مات تبعت جنازته وإن أصابه خير سرك وهنيته وإن أصابته مصيبة ساءتك وعزيته ولا تؤذه بقتار قدرك إلا أن تغرف له منها ولا تستطل عليه بالبناء لتشرف عليه وتسد عليه الريح إلا بإذنه وإن اشتريت فاكهة فأهد له منها وإلا فأدخلها سرا لا يخرج ولدك بشيء منه يغيظون به ولده وهل تفقهون ما أقول لكم لن يؤدي حق الجار إلا القليل ممن رحم الله أو كلمة نحوها .

هذا حديث جامع وهو حديث حسن ، في إسناده أبو الفضل عثمان بن مطر الشيباني غير مرضي .الحادية عشرة : قال العلماء : الأحاديث في إكرام الجار جاءت مطلقة غير مقيدة حتى الكافر كما بينا .

وفي الخبر قالوا : يا رسول الله أنطعمهم من لحوم النسك ؟

قال : لا تطعموا المشركين من نسك المسلمين .

ونهيه صلى الله عليه وسلم عن إطعام المشركين من نسك المسلمين يحتمل النسك الواجب في الذمة الذي لا يجوز للناسك أن يأكل منه ولا أن يطعمه الأغنياء ؛ فأما غير الواجب الذي يجزيه إطعام الأغنياء فجائز أن يطعمه أهل الذمة .

قال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة عند تفريق لحم الأضحية : ابدئي بجارنا اليهودي .

وروي أن شاة ذبحت في أهل عبد الله بن [ ص: 165 ] عمرو فلما جاء قال : أهديتم لجارنا اليهودي ؟

- ثلاث مرات - سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه .الثانية عشرة : قوله تعالى : والصاحب بالجنب أي الرفيق في السفر .

وأسند الطبري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان معه رجل من أصحابه وهما على راحلتين فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم غيضة ، فقطع قضيبين أحدهما معوج ، فخرج وأعطى لصاحبه القويم ؛ فقال : كنت يا رسول الله أحق بهذا !

فقال : يا فلان إن كل صاحب يصحب آخر فإنه مسئول عن صحابته ولو ساعة من نهار .

وقال ربيعة بن أبي عبد الرحمن : للسفر مروءة وللحضر مروءة ؛ فأما المروءة في السفر فبذل الزاد ، وقلة الخلاف على الأصحاب ، وكثرة المزاح في غير مساخط الله .

وأما المروءة في الحضر فالإدمان إلى المساجد ، وتلاوة القرآن وكثرة الإخوان في الله عز وجل .

ولبعض بني أسد - وقيل إنها لحاتم الطائي :إذا ما رفيقي لم يكن خلف ناقتي له مركب فضلا فلا حملت رجليولم يك من زادي له شطر مزودي فلا كنت ذا زاد ولا كنت ذا فضلشريكان فيما نحن فيه وقد أرى علي له فضلا بما نال من فضليوقال علي وابن مسعود وابن أبي ليلى : الصاحب بالجنب الزوجة .

ابن جريج : هو الذي يصحبك ويلزمك رجاء نفعك .

والأول أصح ؛ وهو قول ابن عباس وابن جبير وعكرمة ومجاهد والضحاك .

وقد تتناول الآية الجميع بالعموم .

والله أعلم .الثالثة عشرة : قوله تعالى : وابن السبيل قال مجاهد : هو الذي يجتاز بك مارا .

والسبيل الطريق ؛ فنسب المسافر إليه لمروره عليه ولزومه إياه .

ومن الإحسان إليه إعطاؤه وإرفاقه وهدايته ورشده .الرابعة عشرة : قوله تعالى : وما ملكت أيمانكم أمر الله تعالى بالإحسان إلى المماليك ، وبين ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فروى مسلم وغيره عن المعرور بن سويد قال : مررنا بأبي ذر بالربذة وعليه برد وعلى غلامه مثله ، فقلنا : يا أبا ذر لو جمعت بينهما كانت حلة ؛ فقال : إنه كان بيني وبين رجل من إخواني كلام ، وكانت أمه أعجمية فعيرته بأمه ، فشكاني إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلقيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا أبا ذر إنك امرؤ فيك جاهلية قلت : يا رسول الله ، من سب الرجال سبوا أباه وأمه .

قال : يا أبا ذر إنك امرؤ فيك جاهلية هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم [ ص: 166 ] فأطعموهم مما تأكلون وألبسوهم مما تلبسون ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم .

وروي عن أبي هريرة أنه ركب بغلة ذات يوم فأردف غلامه خلفه ، فقال له قائل : لو أنزلته يسعى خلف دابتك ؛ فقال أبو هريرة : لأن يسعى معي ضغثان من نار يحرقان مني ما أحرقا أحب إلي من أن يسعى غلامي خلفي .

وخرج أبو داود عن أبي ذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من لايمكم من مملوكيكم فأطعموه مما تأكلون واكسوه مما تكتسون ومن لا يلايمكم منهم فبيعوه ولا تعذبوا خلق الله .

لايمكم وافقكم .

والملايمة الموافقة .

وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : للمملوك طعامه وكسوته ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق وقال عليه السلام : لا يقل أحدكم عبدي وأمتي بل ليقل فتاي وفتاتي وسيأتي بيانه في سورة يوسف عليه السلام .

فندب صلى الله عليه وسلم السادة إلى مكارم الأخلاق وحضهم عليها وأرشدهم إلى الإحسان وإلى سلوك طريق التواضع حتى لا يروا لأنفسهم مزية على عبيدهم ، إذ الكل عبيد الله والمال مال الله ، لكن سخر بعضهم لبعض ، وملك بعضهم بعضا إتماما للنعمة وتنفيذا للحكمة ؛ فإن أطعموهم أقل مما يأكلون ، وألبسوهم أقل مما يلبسون صفة ومقدارا جاز إذا قام بواجبه عليه .

ولا خلاف في ذلك والله أعلم .

وروى مسلم عن عبد الله بن عمرو إذ جاءه قهرمان له فدخل فقال : أعطيت الرقيق قوتهم ؟

قال لا .

قال : فانطلق فأعطهم ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كفى بالمرء إثما أن يحبس عمن يملك قوتهم .الخامسة عشرة : ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : من ضرب عبده حدا لم يأته أو لطمه فكفارته أن يعتقه .

ومعناه أن يضربه قدر الحد ولم يكن عليه حد .

وجاء عن نفر من الصحابة أنهم اقتصوا للخادم من الولد في الضرب وأعتقوا الخادم لما لم يرد القصاص وقال عليه السلام : من قذف مملوكه بالزنى أقام عليه الحد يوم القيامة ثمانين .

وقال عليه السلام : لا يدخل الجنة سيئ الملكة .

وقال عليه السلام : سوء الخلق شؤم وحسن الملكة نماء وصلة الرحم تزيد في العمر والصدقة تدفع ميتة السوء .[ ص: 167 ] السادسة عشرة : واختلف العلماء من هذا الباب أيهما أفضل الحر أو العبد ؛ فروى مسلم ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : للعبد المملوك المصلح أجران والذي نفس أبي هريرة بيده لولا الجهاد في سبيل الله والحج وبر أمي لأحببت أن أموت وأنا مملوك .

وروي عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن العبد إذا نصح لسيده وأحسن عبادة الله فله أجره مرتين .

فاستدل بهذا وما كان مثله من فضل العبد ؛ لأنه مخاطب من جهتين : مطالب بعبادة الله ، مطالب بخدمة سيده .

وإلى هذا ذهب أبو عمر يوسف بن عبد البر النمري وأبو بكر محمد بن عبد الله بن أحمد العامري البغدادي الحافظ .استدل من فضل الحر بأن قال : الاستقلال بأمور الدين والدنيا إنما يحصل بالأحرار والعبد كالمفقود لعدم استقلاله ، وكالآلة المصرفة بالقهر ، وكالبهيمة المسخرة بالجبر ؛ ولذلك سلب مناصب الشهادات ومعظم الولايات ، ونقصت حدوده عن حدود الأحرار إشعارا بخسة المقدار ، والحر وإن طولب من جهة واحدة فوظائفه فيها أكثر ، وعناؤه أعظم فثوابه أكثر .

وقد أشار إلى هذا أبو هريرة بقوله : لولا الجهاد والحج ؛ أي لولا النقص الذي يلحق العبد لفوت هذه الأمور .

والله أعلم .السابعة عشرة : روى أنس بن مالك ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه ، وما زال يوصيني بالنساء حتى ظننت أنه سيحرم طلاقهن ، وما زال يوصيني بالمماليك حتى ظننت أنه سيجعل لهم مدة إذا انتهوا إليها عتقوا ، وما زال يوصيني بالسواك حتى خشيت أن يحفي فمي - وروي حتى كاد - وما زال يوصيني بقيام الليل حتى ظننت أن خيار أمتي لا ينامون ليلا .

ذكره أبو الليث السمرقندي في تفسيره .الثامنة عشرة : قوله تعالى : إن الله لا يحب - أي لا يرضى - من كان مختالا فخورا .

فنفى سبحانه محبته ورضاه عمن هذه صفته ؛ أي لا يظهر عليه آثار نعمه في الآخرة .

وفي هذا ضرب من التوعد .

والمختال ذو الخيلاء أي الكبر .

والفخور : الذي يعدد مناقبه كبرا .

والفخر : البذخ والتطاول .

وخص هاتين الصفتين بالذكر هنا لأنهما تحملان صاحبيهما على الأنفة من القريب الفقير والجار الفقير وغيرهم ممن ذكر في الآية فيضيع أمر الله بالإحسان إليهم .

وقرأ عاصم فيما ذكر المفضل عنه " والجار الجنب " بفتح الجيم وسكون النون .

قال [ ص: 168 ] المهدوي : هو على تقدير حذف المضاف ؛ أي والجار ذي الجنب أي ذي الناحية .

وأنشد الأخفش :الناس جنب والأمير جنبوالجنب الناحية ، أي المتنحي عن القرابة .

والله أعلم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يأمر تعالى عباده بعبادته وحده لا شريك له، وهو الدخول تحت رق عبوديته، والانقياد لأوامره ونواهيه، محبة وذلا وإخلاصا له، في جميع العبادات الظاهرة والباطنة.

وينهى عن الشرك به شيئا لا شركا أصغر ولا أكبر، لا ملكا ولا نبيا ولا وليا ولا غيرهم من المخلوقين الذين لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، بل الواجب المتعين إخلاص العبادة لمن له الكمال المطلق من جميع الوجوه، وله التدبير الكامل الذي لا يشركه ولا يعينه عليه أحد.

ثم بعد ما أمر بعبادته والقيام بحقه أمر بالقيام بحقوق العباد الأقرب فالأقرب.

فقال: { وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا } أي: أحسنوا إليهم بالقول الكريم والخطاب اللطيف والفعل الجميل بطاعة أمرهما واجتناب نهيهما والإنفاق عليهما وإكرام من له تعلق بهما وصلة الرحم التي لا رحم لك إلا بهما.

وللإحسان ضدان، الإساءةُ وعدمُ الإحسان.

وكلاهما منهي عنه.

{ وَبِذِي الْقُرْبَى } أيضا إحسانا، ويشمل ذلك جميع الأقارب، قربوا أو بعدوا، بأن يحسن إليهم بالقول والفعل، وأن لا يقطع برحمه بقوله أو فعله.

{ وَالْيَتَامَى } أي: الذين فقدوا آباءهم وهم صغار، فلهم حق على المسلمين، سواء كانوا أقارب أو غيرهم بكفالتهم وبرهم وجبر خواطرهم وتأديبهم، وتربيتهم أحسن تربية في مصالح دينهم ودنياهم.

{ وَالْمَسَاكِين } وهم الذين أسكنتهم الحاجة والفقر، فلم يحصلوا على كفايتهم، ولا كفاية من يمونون، فأمر الله تعالى بالإحسان إليهم، بسد خلتهم وبدفع فاقتهم، والحض على ذلك، والقيام بما يمكن منه.

{ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى } أي: الجار القريب الذي له حقان حق الجوار وحق القرابة، فله على جاره حق وإحسان راجع إلى العرف.

{ و } كذلك { الْجَارِ الْجُنُبِ } أي: الذي ليس له قرابة.

وكلما كان الجار أقرب بابًا كان آكد حقًّا، فينبغي للجار أن يتعاهد جاره بالهدية والصدقة والدعوة واللطافة بالأقوال والأفعال وعدم أذيته بقول أو فعل.

{ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ } قيل: الرفيق في السفر، وقيل: الزوجة، وقيل الصاحب مطلقا، ولعله أولى، فإنه يشمل الصاحب في الحضر والسفر ويشمل الزوجة.

فعلى الصاحب لصاحبه حق زائد على مجرد إسلامه، من مساعدته على أمور دينه ودنياه، والنصح له؛ والوفاء معه في اليسر والعسر، والمنشط والمكره، وأن يحب له ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لنفسه، وكلما زادت الصحبة تأكد الحق وزاد.

{ وَابْنَ السَّبِيلِ } وهو: الغريب الذي احتاج في بلد الغربة أو لم يحتج، فله حق على المسلمين لشدة حاجته وكونه في غير وطنه بتبليغه إلى مقصوده أو بعض مقصوده [وبإكرامه وتأنيسه] { وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } : أي: من الآدميين والبهائم بالقيام بكفايتهم وعدم تحميلهم ما يشق عليهم وإعانتهم على ما يتحملون، وتأديبهم لما فيه مصلحتهم.

فمن قام بهذه المأمورات فهو الخاضع لربه، المتواضع لعباد الله، المنقاد لأمر الله وشرعه، الذي يستحق الثواب الجزيل والثناء الجميل، ومن لم يقم بذلك فإنه عبد معرض عن ربه، غير منقاد لأوامره، ولا متواضع للخلق، بل هو متكبر على عباد الله معجب بنفسه فخور بقوله، ولهذا قال: { إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا } أي: معجبا بنفسه متكبرًا على الخلق { فَخُورًا } يثني على نفسه ويمدحها على وجه الفخر والبطر على عباد الله، فهؤلاء ما بهم من الاختيال والفخر يمنعهم من القيام بالحقوق.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( واعبدوا الله ) أي : وحدوه وأطيعوه ، ( ولا تشركوا به شيئا ) [ أخبرنا أبو حامد أحمد بن عبد الله الصالحي ، أنا أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الله بن بشران أنا علي أبو إسماعيل محمد بن محمد الصفار ، أنا أحمد بن منصور الرمادي ، أنا عبد الرزاق ، أنا معمر ، عن أبي إسحاق ، عن عمرو بن ميمون الأودي ] عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال : كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " هل تدري يا معاذ ما حق الله على الناس؟

قال قلت : الله ورسوله أعلم ، قال : حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا ، أتدري يا معاذ ما حق الناس على الله إذا فعلوا ذلك؟

قال : قلت الله ورسوله أعلم ، قال : فإن حق الناس على الله أن لا يعذبهم ، قال قلت : يا رسول الله ألا أبشر الناس؟

قال : دعهم يعملون " .

قوله تعالى : ( وبالوالدين إحسانا ) برا بهما وعطفا عليهما ، ( وبذي القربى ) أي : أحسنوا بذي القربى ، ( واليتامى والمساكين ) [ أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل ، أنا عمرو بن زرارة ، أنا عبد العزيز بن أبي حازم ، عن أبيه ، عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ] " أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا ، وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما شيئا " .

[ أخبرنا محمد بن يعقوب الكسائي ، أنا عبد الله بن محمود ، أنا إبراهيم بن عبد الله الخلال ، أنا عبد الله بن مبارك ، عن يحيى بن أيوب ، عن عبد الله بن زحر ، عن علي بن يزيد عن القاسم ] عن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من مسح رأس يتيم لم يمسحه إلا لله كان له بكل شعرة تمر عليها يده حسنات ، ومن أحسن إلى يتيمة أو يتيم عنده كنت أنا وهو في الجنة كهاتين وقرن بين أصبعيه " قوله تعالى : ( والجار ذي القربى ) أي : ذي القرابة ، ( والجار الجنب ) أي : البعيد الذي ليس بينك وبينه قرابة .

[ أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أبو عبد الرحمن بن أبي شريح ، أنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي ، أنا علي بن الجعد ، أنا شعبة عن أبي عمران الجوني قال : سمعت ] طلحة قال : قالت عائشة رضي الله عنها : يا رسول الله إن لي جارين فإلى أيهما أهدي؟

قال : " إلى أقربهما منك بابا " .

أخبرنا الأستاذ الإمام أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري ، أنا أبو نعيم عبد الملك بن الحسن الإسفرايني ، أنا أبو عوانة يعقوب بن إسحاق ، أنا يزيد بن سنان ، أخبرنا عثمان بن عمر ، أخبرنا أبو عامر الخزاز ، عن أبي عمران الجوني ، عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق ، وإذا طبخت مرقة فأكثر ماءها واغرف لجيرانك منها " .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل ، أنا محمد بن منهال ، أنا يزيد بن زريع ، أنا عمر بن محمد ، عن أبيه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه " .

قوله تعالى : ( والصاحب بالجنب ) يعني : الرفيق في السفر ، قاله ابن عباس رضي الله عنهما وجماعة وعكرمة وقتادة ، وقال علي وعبد الله والنخعي : هو المرأة تكون معه إلى جنبه ، وقال ابن جريج وابن زيد : هو الذي يصحبك رجاء نفعك .

( وابن السبيل ) قيل : هو المسافر لأنه ملازم للسبيل ، والأكثرون : على أنه الضيف ، أخبرنا الأستاذ الإمامأبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري ، أنا أبو نعيم عبد الملك بن الحسن الاسفراييني ، أنا أبو عوانة يعقوب بن إسحاق ، أنا شعيب بن عمرو الدمشقي ، أخبرنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار ، أنه سمع نافع بن جبير ، عن أبي شريح الخزاعي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت " .

أخبرنا أبو الحسن السرخسي ، أنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب ، عن مالك عن سعيد بن أبي سعيد المقبري ، عن أبي شريح الكعبي ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ، جائزته يوم وليلة ، والضيافة ثلاثة أيام ، وما كان بعد ذلك فهو صدقة ، ولا يحل أن يثوي - أي : أن يقيم - عنده حتى يحرجه " .

قوله تعالى : ( وما ملكت أيمانكم ) أي : المماليك أحسنوا إليهم ، أخبرنا محمد بن الحسن المروزي أخبرنا أبو العباس الطحان ، أنا أبو أحمد محمد بن قريش ، أنا علي بن عبد العزيز المكي أنا أبو عبيد القاسم بن سلام ، أنا يزيد ، عن همام ، عن قتادة ، عن صالح أبي الخليل ، عن سفينة ، عن أم سلمة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في مرضه : " الصلاة وما ملكت أيمانكم " ، فجعل يتكلم وما يفيض بها لسانه .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل ، أنا عمر بن حفص ، أنا أبي ، أنا الأعمش ، عن المعرور ، عن أبي ذر رضي الله عنه قال : رأيت عليه بردا وعلى غلامه برد ، فقلت : لو أخذت هذا فلبسته كانا حلة وأعطيته ثوبا آخر ، فقال : كان بيني وبين رجل كلام وكانت أمه أعجمية فنلت منها فذكرني إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال لي أساببت فلانا؟

قلت : نعم ، قال : أفنلت أمه؟

قلت : نعم ، قال إنك امرؤ فيك جاهلية ، قلت : على ساعتي هذه من كبر السن؟

قال : نعم ، هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم ، فمن جعل الله أخاه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس ولا يكلفه من العمل ما يغلبه ، فإن كلفه ما يغلبه فليعنه عليه " .

أخبرنا الإمام أبو الحسين بن محمد القاضي ، أنا أبو طاهر الزيادي ، أخبرنا أبو بكر محمد بن عمرو بن حفص التاجر ، أنا سهل بن عمار ، أنا يزيد بن هارون ، أخبرنا صدقة بن موسى ، عن فرقد السبخي ، عن مرة الطيب ، عن أبي بكر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا يدخل الجنة سيئ الملكة " .

( إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا ) المختال : المتكبر ، والفخور : الذي يفتخر على الناس بغير الحق تكبرا ، ذكر هذا بعدما ذكر من الحقوق ، لأن المتكبر يمنع الحق تكبرا .

أخبرنا حسان بن سعيد المنيعي ، أنا أبو طاهر الزيادي ، أنا محمد بن الحسين القطان ، أنا أحمد بن يوسف السلمي ، أنا عبد الرزاق أنا معمر ، عن همام بن منبه ، قال : أنا أبو هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " بينما رجل يتبختر في بردين وقد أعجبته نفسه خسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة " .

أخبرنا أبو الحسن السرخسي ، أنا زاهر بن أحمد ، أنا أبو إسحاق الهاشمي ، أنا أبو مصعب ، عن مالك ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر ثوبه خيلاء " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«واعبدوا الله» وحِّدوه «ولا تُشركوا به شيئا و» أحسنوا «بالوالدين إحسانا» برّا ولين جانب «وبذي القربى» القرابة «واليتامى والمساكين والجار ذي القربى» القريب منك في الجوار أو النسب «والجار الجُنُب» البعيد عنك في الجوار أو النسب «والصاحب بالجنب» الرفيق في سفر أو صناعة وقيل الزوجة «وابن السبيل» المنقطع في سفره «وما ملكت أيمانكم» من الأرقاء «إن الله لا يحب من كان مختالا» متكبرا «فخورا» على الناس بما أوتي.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

واعبدوا الله وانقادوا له وحده، ولا تجعلوا له شريكًا في الربوبية والعبادة، وأحسنوا إلى الوالدين، وأدُّوا حقوقهما، وحقوق الأقربين، واليتامى والمحتاجين، والجار القريب منكم والبعيد، والرفيق في السفر وفي الحضر، والمسافر المحتاج، والمماليك من فتيانكم وفتياتكم.

إن الله تعالى لا يحب المتكبرين من عباده، المفتخرين على الناس.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

قال القرطبى ما ملخصه : أجمع العلماء على أن هذه الآية - وهى قوله - تعالى - ( واعبدوا الله وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً ) - من المحكم المتفق عليه - ليس منها شئ منسوخ .

وكذلك هى فى جميع الكتب .

ولو لم يكن كذلك لعرف ذلك من جهة العقل وإن لم ينزل به الكتاب .

والعبودية هى التذلل والافتقار لمن له الحكم والاختيار .

فالآية أصل فى خلوص الأعمال لله وتصفيتها من شوائب الرياء وغيره .

وفى صحيح مسلم عن أبى هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قال الله - تعالى - أنا أغنى الشركاء عن الشرك .

من عمل عملا أشرك فيه معى غيرى تركته وشركه " .والمعنى : عليكم أيها الناس أن تخلصوا لله - تعالى - العبادة والخضوع ، وأن تتجهوا إليه وحده فى كل شئونكم بدون أن تتخذا معه أى شريك لا فى عقيدتكم ولا فى عبادتكم ولا فى أقوالكم ولا فى أعمالكم ، كما قال - تعالى - ( وَمَآ أمروا إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين حُنَفَآءَ ) وهذه العبادة الخالصة لله - تعالى - هى حقه - سبحانه - علينا ، فهو الذى خلقنا وهو الذى رزقنا وهو المتفضل علينا فى جميع الحالات .روى البخارى " عن معاذ بن جبل قال : كنت ردف النبى - صلى الله عليه وسلم - على حمار يقال له عفيرة .

فقال : يا معاذ هل تدرى ما حق الله على عباده وما حق العباد على الله؟

قلت الله ورسوله أعلم .

قال : فان حق الله على العبادة ان يبعدوه ولا يشركوا به شيئا .

وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا .

فقلت : يا رسول الله!

أفلا أبشر به الناس؟

قال : لا تبشرهم فيتكلوا " .وقد صدر سبحانه - تلك الوصايا الحكيمة التى اشتملت عليها الآية الكريمة بالأمر بعبادته والنهى عن أن نشرك به شيئا ، لأن إخلاص العبادة له أساس الدين ، ومداره الأعظم الذى بدونه لا يقبل الله من العبد عملاما ، ولأن فى ذلك إيماء إلى ارتفاع شأن تلك الوصايا التى سيقت بعد ذلك ، إذ قرنا بالعبادة والتوحيد يكسبها عظمة وجلالا .وعطف النهى عن الشرك على الأمر بالعبادة لله - تعالى - من باب عطف الخاص على العام ، لأن الإِشراك ضد التوحيد فيفهم من النهى عن الإِشراك الأمر بالتوحيد .ثم أوصى - سبحانه - بالإِحسان إلى الوالدين فقال : ( وبالوالدين إِحْسَاناً ) .أى : عليكم أن تخلصوا لله العبادة ولا تشركوا معه شيئا ، وعليكم كذلك أن تحسنوا إلى الوالدين بأن تطيعوهما وتكرموهما وتستجيبوا لمطالبهما التى يرضاها الله ، والتى فى استطاعتكم أداؤها .وقد جاء الأمر بالإِحسان إلى الوالدين عقب الأمر بتوحيد الله ، لأن أحق الناس بالاحترام والطاعة بعد الله - عز وجل - هما الوالدان؛ لأنهما هما السبب المباشر فى وجود الإِنسان .ومن الآيات التى قرنت الأمر بالإِحسان إلى الوالدين بالأمر بطاعة الله قوله - تعالى - : ( وقضى رَبُّكَ أَلاَّ تعبدوا إِلاَّ إِيَّاهُ وبالوالدين إِحْسَاناً ) وقوله - تعالى - : ( قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وبالوالدين إِحْسَاناً ) وقوله - تعالى - : ( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بني إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ الله وبالوالدين إِحْسَاناً ) ومن الأحاديث التى أمرت بالإِحسان إلى الوالدين ونهت عن الإِساءة إليهما ما رواه الترمذى عن عبد الله بن عمرو عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال : " رضا الله فى رضا الوالدين وسخط الله فى سخط الوالدين " .وروى أبو داود والبيهقى عن رجل من بنى سلمة أنه جاء إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقال : " يا رسول الله هل بقى على من بر أبوى شئ أبرهما به بعد موتهما؟

قال : نعم .

الصلاة عليهما .

والاستغفار لهما ، وإنفاذ عهدهما من بعدهما ، وإكرام صديقهما ، وصلة الرحم التى لا توصل إلا بهما " .وقد جاءت هذه الجملة وهى قوله تعالى ( وبالوالدين إِحْسَاناً ) فى صورة الخبر إلا أن المراد بها الأمر بالإِحسان إليهما ، ففى الكلام محذوف والتقدير : وأحسنوا بالوالدين إحسانا .

فقوله وبالوالدين متعلق بالفعل المقدر .ثم أمر - سبحانه - بالإِحسان إلى الأقارب واليتامى والمساكين فقال : وبذى القربى واليتامى والمساكين .أى وأحسنوا كذلك إلى أقاربكم الذين جمعت بينكم وبينهم رابطة القرابة والنسب ، وإلى اليتامى الذين فقدوا الأب الحانى بأن تعطفوا عليهم ، وترحموا ضعفهم ، وتحسنوا تربيتهم ورعايتهم .

وإلى المساكين الذين هم فى حاجة إلى العون والمساعدة لفقرهم وضعفهم وعدم وجود ما يقوم بكفايتهم .وقد وردت آيات كثيرة فى القرآن الكريم تدعو المسلمين إلى الإِحسان إلى الأقارب واليتامى والمساكين ، ومن ذلك قوله - تعالى - ( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بني إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ الله وبالوالدين إِحْسَاناً وَذِي القربى واليتامى والمساكين ) وقوله - تعالى - ( وَآتِ ذَا القربى حَقَّهُ والمسكين وابن السبيل وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً ) ومن الأحاديث التى وردت فى هذا المعنى ما رواه الشيخان عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من سره أن يبسط له فى رزقه وأن ينسأ له فى أثره فليصل رحمه " ، وروى الشيخان أيضا عن سهل بن سعد عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال : " أنا وكافل اليتيم فى الجنة كهذا وقال بإصبعيه السبابة والوسطى - أى أشار وفرج بين السبابة والوسطى " .وروى البخارى غيره عن صفوان بن سليم عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال : " الساعى على الأرملة والمسكين كالمجاهد فى سبيل الله ، أو كالذى يصم النهار ويقوم الليل " .ثم أمر - سبحانه - بالإِحسان إلى طائفة أخرى من الناس فقال - تعالى - : ( والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ) .والجار ذو القربى : هو الجار الذى قرب جواره .

أو هو الذى له مع الجوار قرب واتصال بنسب أو دين ، فإن له مع حق الجوار حق القرابة .والجار الجنب : هو الجار الذى بعد جواره عن جوارك من الجنابة ضد القرابة .

يقال : اجتنب فلان فلانا إذا بعد عنه .

وقيل هو الجار الذى لا قرابة فى النسب بينه وبين جاره ، ويقابله الجار ذو القربى .وقد ساق ابن كثير عند تفسيره لهذه الجملة أكثر من عشرة أحاديث تتعلق بالإِحسان إلى الجار ومنها ما رواه الشيخان عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ما زال جبريل يوصينى بالجار حتى ظننت أنه سيورثه " .وروى الترمذى عن عبد الله بن عمر عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال : " خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه .

وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره " .والصاحب بالجنب : هو الرفيق فى كل أمر حسن : كتعليم أو تجارة أو سفر أو غير ذلك .قال صاحب الكشاف : " والصاحب بالجنب : هو الذى صحبك بأن حصل بجنبك إما رفيقا فى سفر ، وإما جارا ملاصقا ، وإما شريكا فى تعلم علم أو حرفة ، وإما قاعدا إلى جنبك فى مجلس أو مسجد أو غير ذلك فعليك أن ترعى ذلك الحق ولا تنساه وتجعله ذريعة إلى الإِحسان .

وقيل : الصاحب بالجنب المرأة .وابن السبيل : هو المسافر الذى انقطع عن بدله ، ونفد ما فى يده من مال يوصله إلى مبتغاه .والسبيل : الطريق فنسب المسافر إليه لمروره عليه وملابسته له .ومن الإِحسان إليه .

إيواؤه وإطعامه ومساعدته بما يوصله إلى موطنه .والمراد بقوله ( وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ) العبيد الأرقاء الذين ملكت رقابهم ، فصاروا ضعاف الحيلة لامتلاك غيرهم لهم .وقد أوصى النبى صلى الله عليه وسلم بالإِحسان إليهم فى كثير من الأحاديث ومن ذلك ما رواه أبو داود وابن ماجه عن على بن أبى طالب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : " جعل يوصى أمته فى مرض موته فيقول : الصلاة الصلاة .

اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم " .وروى الإِمام أحمد والنسائى عن المقدام بن معد يكرب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما أطعمت نفسك فهو لك صدقة .

وما أطعمت ولدك فهو لك صدقة .

وما أطعمت زوجك فهو لك صدقة .

وما أطعمت خادمك فهو لك صدقة " .وروى الشيخان عن أبى ذر عن النبى صلى الله عليه وسلم قال : " هم إخوانكم خولكم .

جعلكم الله تحت أيديكم ، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل ، وليلبسه مما يلبس ، ولا تكلفوهم ما يغلبكم .

فإن كلفتموهم فأعينوهم " .وبذلك نرى أن الآية الكريمة قد أمرت الناس بإخلاص العبادة لله - تعالى - ، كما أمرتهم بالإِحسان إلى آبائهم وإلى أقاربهم وإلى البائسين والمحتاجين وغيرهم ممن هم فى حاجة إلى مدّ يد العون والمساعدة .وبتنفيذ هذه الوصايا السامية تسعد الإِنسانية ، وتنال ما تصبوا إليه من رقى واستقرار .

ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : ( إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً ) .والمختال : هو المتكبر المعجب بنفسه : سمى بذلك لأنه يتخيل لنفسه من السجايا والصفات والأفعال ما ليس فيه .

فيستغلى على الناس ولا يلتفت إليهم .والفخور : هو الشديد الفخر بما يقول أو يفعل ، المكثر من ذكر مزاياه ومناقبه ، والمحب لأن يحمد بما لم يفعل .أى : إن الله لا يحب من كان متكبراً معجبا بنفسه ، ومن كان كثير الفخر بما يقول أو يفعل لأن من هذه صفاته برعاية حقوق الناس بل إن غروره ليجعله يستنكف عن الاتصال بهم وإن فخره ليحمله على التطاول عليهم .والجملة الكريمة علة لكلام محذوف والتقدير : لا تفتخروا ولا تختالوا فإن الله لا يحب من كان متصفا بهذه الصفات القبيحة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

واعلم أنه تعالى لما أرشد كل واحد من الزوجين إلى المعاملة الحسنة مع الآخر وإلى إزالة الخصومة والخشونة، أرشد في هذه الآية إلى سائر الأخلاق الحسنة وذكر منها عشرة أنواع.

النوع الأول: قوله: ﴿ واعبدوا الله ﴾ قال ابن عباس: المعنى وحدوه، واعلم أن العبادة عبارة عن كل فعل وترك يؤتى به لمجرد أمر الله تعالى بذلك، وهذا يدخل فيه جميع أعمال القلوب وجميع أعمال الجوارح، فلا معنى لتخصيص ذلك بالتوحيد، وتحقيق الكلام في العبادة قد تقدم في سورة البقرة في قوله تعالى: ﴿ يا أيها الناس اعبدوا رَبَّكُمُ  ﴾ .

النوع الثاني: قوله: ﴿ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً ﴾ وذلك لأنه تعالى لما أمر بالعبادة بقوله: ﴿ واعبدوا الله ﴾ أمر بالاخلاص في العبادة بقوله: ﴿ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً ﴾ لأن من عبد مع الله غيره كان مشركاً ولا يكون مخلصاً، ولهذا قال تعالى: ﴿ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين  ﴾ .

النوع الثالث: قوله: ﴿ وبالوالدين إحسانا ﴾ واتفقوا على أن هاهنا محذوفا، والتقدير: وأحسنوا بالوالدين إحسانا كقوله: ﴿ فَضَرْبَ الرقاب  ﴾ أي فاضربوها، ويقال: أحسنت بفلان، وإلى فلان.

قال كثير: أسيئى بنا أو أحسنى لا ملومة *** لدنيا ولا مقلية إن تقلت واعلم أنه تعالى قرن إلزام بر الوالدين بعبادته وتوحيده في مواضع: أحدها: في هذه الآية.

وثانيها: قوله: ﴿ وقضى رَبُّكَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إلاّ إياه وبالوالدين إحسانا  ﴾ .

وثالثها: قوله: ﴿ أَنِ اشكر لِى ولوالديك إِلَىَّ المصير  ﴾ وكفى بهذا دلالة على تعظيم حقهما ووجوب برهما والاحسان اليهما.

ومما يدل على وجوب البر اليهما قوله تعالى: ﴿ فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا  ﴾ وقال: ﴿ وَوَصَّيْنَا الإنسان بوالديه حسنًا  ﴾ وقال في الوالدين الكافرين: ﴿ وَإِن جاهداك على أَن تُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وصاحبهما فِي الدنيا مَعْرُوفاً  ﴾ وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أكبر الكبائر الإشراك بالله وعقوق الوالدين واليمين الغموس) وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم من اليمن استأذنه في الجهاد، فقال عليه السلام: «هل لك أحد باليمن؟» فقال: أبواي فقال: «أبواك أذنا لك؟» فقال: لا فقال: «فارجع واستاذنهما فإن أذنا لك فجاهد وإلا فبرهما».

واعلم أن الاحسان إلى الوالدين هو أن يقوم بخدمتهما، وألا يرفع صوته عليهما، ولا يخشن في الكلام معهما، ويسعى في تحصيل مطالبهما والانفاق عليهما بقدر القدرة من البر، وأن لا يشهر عليهما سلاحا، ولا يقتلهما، قال أبو بكر الرازي: إلا أن يضطر إلى ذلك بأن يخاف أن يقتله أن ترك قتله، فحينئذ يجوز له قتله؛ لأنه إذا لم يفعل ذلك كان قد قتل نفسه بتمكين غيره منه، وذلك منهي عنه، روي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى حنظلة بن أبي عامر الراهب عن قتل أبيه وكان مشركا.

النوع الرابع: قوله تعالى: ﴿ وَبِذِى القربى ﴾ وهو أمر بصلة الرحم كما ذكر في أول السورة بقوله: ﴿ والأرحام  ﴾ .

واعلم أن الوالدين من الأقارب أيضا، إلا أن قرابة الولاد لما كانت مخصوصة بكونها أقرب القرابات وكانت مخصوصة بخواص لا تحصل في غيرها، لا جرم ميزها الله تعالى في الذكر عن سائر الأنواع، فذكر في هذه الآية قرابة الولاد، ثم أتبعها بقرابة الرحم.

النوع الخامس: قوله: ﴿ واليتامى ﴾ واعلم أن اليتيم مخصوص بنوعين من العجز: أحدهما: الصغر، والثاني: عدم المنفق، ولا شك أن من هذا حاله كان في غاية العجز واستحقاق الرحمة.

قال ابن عباس: يرفق بهم ويربيهم ويمسح رأسهم، وإن كان وصيا لهم فليبالغ في حفظ أموالهم.

النوع السادس: قوله: ﴿ والمساكين ﴾ واعلم أنه وان كان عديم المال إلا أنه لكبره يمكنه أن يعرض حال نفسه على الغير، فيجلب به نفعا أو يدفع به ضررا، وأما اليتيم فلا قدرة له عليه، فلهذا المعنى قدم الله اليتيم في الذكر على المسكين، والاحسان إلى المسكين اما بالاجمال اليه، أو بالرد الجميل.

كما قال تعالى: ﴿ وَأَمَّا السائل فَلاَ تَنْهَرْ  ﴾ .

النوع السابع: قوله: ﴿ والجار ذِى القربى ﴾ قيل: هو الذي قرب جواره، والجار الجنب هو الذي بعد جواره.

قال عليه الصلاة والسلام: «لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه ألا وإن الجوار أربعون داراً».

وكان الزهري يقول: أربعون يمنة، وأربعون يسرة، وأربعون أماما وأربعون خلفا.

وعن أبي هريرة قيل: يا رسول الله ان فلانة تصوم النهار وتصلي الليل وفي لسانها شيء يؤذي جيرانها، أي هي سليطة، فقال عليه الصلاة والسلام: «لا خير فيها هي في النار».

وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفس محمد بيده لا يؤدي حق الجار إلا من رحم الله وقليل ما هم أتدرون ما حق الجار ان افتقر أغنيته وان استقرض أقرضته وان أصابه خير هنأته وان أصابه شر عزيته وان مرض عدته وان مات شيعت جنازته».

وقال آخرون: عني بالجار ذي القربى: القريب النسيب، وبالجار الجنب: الجار الأجنبي، وقرئ (والجار ذا القربى) نصبا على الاختصاص، كما قرئ ﴿ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى  ﴾ تنبيها على عظم حقه، لأنه اجتمع فيه موجبان.

الجوار والقرابة.

النوع الثامن: قوله: ﴿ والجار الجنب ﴾ وقد ذكرنا تفسيره.

قال الواحدي: الجنب نعت على وزن فعل، وأصله من الجنابة ضد القرابة وهو البعيد.

يقال: رجل جنب إذا كان غريبا متباعداً عن أهله، ورجل أجنبي وهو البعيد منك في القرابة.

وقال تعالى: ﴿ واجنبنى وَبَنِىَّ  ﴾ أي بعدني، والجانبان الناحيتان لبعد كل واحد منهما عن الآخر، ومنه الجنابة من الجماع لتباعده عن الطهارة وعن حضور المساجد للصلاة ما لم يغتسل، ومنه أيضا الجنبان لبعد كل واحد منهما عن الآخر.

وروى المفضل عن عاصم: ﴿ والجار الجنب ﴾ بفتح الجيم وسكون النون وهو يحتمل معنيين: أحدهما: أنه يريد بالجنب الناحية، ويكون التقدير: والجار ذي الجنب فحذف المضاف، لأن المعنى مفهوم والآخر: أن يكون وصفا على سبيل المبالغة، كما يقال: فلان كرم وجود.

النوع التاسع: قوله: ﴿ والصاحب بالجنب ﴾ وهو الذي صحبك بأن حصل بجنبك إما رفيقا في سفر، وإما جارا ملاصقا، وإما شريكا في تعلم أو حرفة، وإما قاعدا إلى جنبك في مجلس أو مسجد أو غير ذلك، من أدنى صحبة التأمت بينك وبينه، فعليك أن ترعى ذلك الحق ولا تنساه وتجعله ذريعة إلى الاحسان.

قيل: الصاحب الجنب: المرأة فانها تكون معك وتضجع إلى جنبك.

النوع العاشر: قوله: ﴿ وابن السبيل ﴾ وهو المسافر الذي انقطع عن بلده، وقيل: الضيف.

النوع الحادي عشر: قوله: ﴿ وَمَا مَلَكَتْ أيمانكم ﴾ .

واعلم أن الاحسان إلى المماليك طاعة عظيمة، روى عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من ابتاع شيئا من الخدم فلم توافق شيمته شيمته فليبع وليشتر حتى توافق شيمته شيمته فان للناس شيما ولا تعذبوا عباد الله».

وروي أنه عليه الصلاة والسلام كان آخر كلامه: «الصلاة وما ملكت أيمانكم».

وروي أنه كان رجل بالمدينة يضرب عبده، فيقول العبد أعوذ بالله ويستمعه الرسول عليه السلام، والسيد كان يزيده ضربا، فطلع الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال: أعوذ برسول الله فتركه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله كان أحق أن يجار عائذه» قال يا رسول الله فانه حر لوجه الله، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «والذي نفس محمد بيده لو لم تقلها لدافع وجهك سفع النار».

واعلم أن الاحسان اليهم من وجوه: أحدها: أن لا يكلفهم ما لا طاقة لهم به.

وثانيها: أن لا يؤذيهم بالكلام الخشن بل يعاشرهم معاشرة حسنة.

وثالثها: أن يعطيهم من الطعام والكسوة ما يحتاجون اليه.

وكانوا في الجاهلية يسيئون إلى المملوك فيكلفون الاماء البغاء، وهو الكسب بفروجهن وبضوعهن.

وقال بعضهم: كل حيوان فهو مملوك، والاحسان إلى الكل بما يليق به طاعة عظيمة.

واعلم أن ذكر اليمين تأكيد وهو كما يقال: مشت رجلك، وأخذت يدك، قال عليه الصلاة والسلام: «على اليد ما أخذت».

وقال تعالى: ﴿ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أنعاما  ﴾ ولما ذكر تعالى هذه الأصناف قال: ﴿ إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً ﴾ والمختال ذو الخيلاء والكبر.

قال ابن عباس: يريد بالمختال العظيم في نفسه الذي لا يقوم بحقوق أحد.

قال الزجاج: وإنما ذكر الاختيال هاهنا، وذكرنا اشتقاق هذه اللفظة عند قوله: ﴿ والخيل المسومة  ﴾ ومعنى الفخر التطاول، والفخور الذي يعدد مناقبه كبرا وتطاولا.

قال ابن عباس: هو الذي يفخر على عباد الله بما أعطاه الله من أنواع نعمه، وإنما خص الله تعالى هذين الوصفين بالذم في هذا الموضع، لأن المختال هو المتكبر، وكل من كان متكبرا فانه قلما يقوم برعاية الحقوق، ثم أضاف اليه ذم الفخور لئلا يقدم على رعاية هذه الحقوق لأجل الرياء والسمعة، بل لمحض أمر الله تعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وبالوالدين إحسانا ﴾ وأحسنوا بهما إحساناً ﴿ وَبِذِى القربى ﴾ وبكل من بينكم وبينه قربى من أخ أو عم أو غيرهما ﴿ والجار ذِى القربى ﴾ الذي قرب جواره ﴿ والجار الجنب ﴾ الذي جواره بعيد.

وقيل الجار: القريب النسيب، والجار الجنب: الأجنبي.

وأنشد لبلعاء بن قيس: لاَ يَجْتَوِينَا مُجَاوِرٌ أَبَدا ** ذُو رَحِمٍ أَوْ مُجَاوِرٌ جُنبُ وقرئ: ﴿ والجار ذا القربى ﴾ ، نصباً على الاختصاص.

كما قرئ ﴿ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ﴾ [البقرة: 238] تنبيهاً على عظم حقه لإدلائه بحق الجوار والقربى ﴿ والصاحب بالجنب ﴾ هو الذي صحبك بأن حصل بجنبك، إما رفيقاً في سفر، وإما جاراً ملاصقاً، وإما شريكاً في تعلم علم أو حرفة.

وإما قاعداً إلى جنبك في مجلس أو مسجد أو غير ذلك، من أدنى صحبة التأمت بينك وبينه.

فعليك أن ترعى ذلك الحق ولا تنساه، وتجعله ذريعة إلى الإحسان.

وقيل: الصاحب بالجنب: المرأة ﴿ وابن السبيل ﴾ المسافر المنقطع به، وقيل الضيف، والمختال: التياه الجهول الذي يتكبر عن إكرام أقاربه وأصحابه ومماليكه، فلا يتحفى بهم ولا يلتفت إليهم.

وقرئ: ﴿ والجار الجنب ﴾ ، بفتح الجيم وسكون النون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ واعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ﴾ صَنَمًا أوْ غَيْرَهُ، أوْ شَيْئًا مِنَ الإشْراكِ جَلِيًّا أوْ خَفِيًّا ﴿ وَبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا ﴾ وأحْسِنُوا بِهِما إحْسانًا ﴿ وَبِذِي القُرْبى ﴾ وبِصاحِبِ القَرابَةِ.

﴿ واليَتامى والمَساكِينِ والجارِ ذِي القُرْبى ﴾ أيِ الَّذِي قَرُبَ جِوارُهُ.

وقِيلَ الَّذِي لَهُ الجِوارُ قُرْبٌ واتِّصالٌ بِسَبَبٍ أوْ دِينٍ.

وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى الِاخْتِصاصِ تَعْظِيمًا لِحَقِّهِ.

﴿ والجارِ الجُنُبِ ﴾ البَعِيدِ، أوِ الَّذِي لا قَرابَةَ لَهُ.

وَعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «الجِيرانُ ثَلاثَةٌ».

فَجارٌ لَهُ ثَلاثَةُ حُقُوقٍ: حَقُّ الجِوارِ، وحَقُّ القَرابَةِ، وحَقُّ الإسْلامِ.

وجارٌ لَهُ حَقّانِ: حَقُّ الجِوارِ وحَقُّ الإسْلامِ، وجارٌ لَهُ حَقٌّ واحِدٌ: حَقُّ الجِوارِ وهو المُشْرِكُ مِن أهْلِ الكِتابِ» .

﴿ والصّاحِبِ بِالجَنْبِ ﴾ الرَّفِيقُ في أمْرٍ حَسَنٍ كَتَعَلُّمٍ وتَصَرُّفٍ وصِناعَةٍ وسَفَرٍ، فَإنَّهُ صَحِبَكَ وحَصَلَ بِجَنْبِكَ.

وقِيلَ المَرْأةُ.

﴿ وابْنِ السَّبِيلِ ﴾ المُسافِرِ أوِ الضَّعِيفِ.

﴿ وَما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ ﴾ العَبِيدُ والإماءُ.

﴿ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ مُخْتالا ﴾ مُتَكَبِّرًا يَأْنَفُ عَنْ أقارِبِهِ وجِيرانِهِ وأصْحابِهِ ولا يَلْتَفِتُ إلَيْهِمْ.

﴿ فَخُورًا ﴾ يَتَفاخَرُ عَلَيْهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{واعبدوا الله} قيل العبودية أربعة الوفاء بالعهود والرضا بالموجود والحفظ للحدود والصبر على المفقود {وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً} صنماً وغيره ويحتمل المصدر أي إشراكاً {وبالوالدين إحسانا} وأحسنوا

بهما إحساناً بالقول والفعل والإنفاق عليهما عند الاحتياج {وَبِذِى القربى} وبكل من بينكم وبينه قربى من أخ أو عم أو غيرهما {واليتامى والمساكين والجار ذِي القربى} الذي قرب جواره {والجار الجنب} أى الذى جواره بعيدا والجار القريب النسيب والجار الجنب الأجنبي {والصاحب بالجنب} أى الزوجة عن على رضى الله عنه أو الذي صحبك بأن حصل بجنبك إما رفيقاً في سفر أو شريكاً في تعلم علم أو غيره أو قاعد إلى جنبك في مجلس أو مسجد {وابن السبيل} الغريب أو الضيف {وَمَا مَلَكَتْ أيمانكم} العبيد والإماء {إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً} متكبراً يأنف عن قرابته وجيرانه فلا يلتفت اليهم

النساء (٣٦ _ ٤٠)

{فَخُوراً} يعدد مناقبه كبراً فإن عدها اعترافاً كان شكورا

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ واعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ مَسُوقٌ لِلْإرْشادِ إلى خِلالٍ مُشْتَمِلَةٍ عَلى مَعالِي الأُمُورِ إثْرَ إرْشادِ كُلٍّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ إلى المُعامَلَةِ الحَسَنَةِ، وإزالَةِ الخُصُومَةِ والخُشُونَةِ إذا وقَعَتْ في البَيْنِ، وفِيهِ تَأْكِيدٌ لِرِعايَةِ حَقِّ الزَّوْجِيَّةِ، وتَعْلِيمُ المُعامَلَةِ مَعَ أصْنافِ النّاسِ، وقُدِّمَ الأمْرُ بِما يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّها المَدارُ الأعْظَمُ، وفي ذَلِكَ إيماءٌ - أيْضًا - إلى ارْتِفاعِ شَأْنِ ما نُظِمَ في ذَلِكَ السِّلْكِ، والعِبادَةُ أقْصى غايَةِ الخُضُوعِ و(شَيْئًا) إمّا مَفْعُولٌ بِهِ، أيْ: لا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ، صَنَمًا كانَ أوْ غَيْرَهُ، فالتَّنْوِينُ لِلتَّعْمِيمِ.

واخْتارَ عِصامُ الدِّينِ كَوْنَهُ لِلتَّحْقِيرِ؛ لِيَكُونَ فِيهِ تَوْبِيخٌ عَظِيمٌ، أيْ: لا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا حَقِيرًا، مَعَ عَدَمِ تَناهِي كِبْرِيائِهِ، إذْ كُلُّ شَيْءٍ في جَنْبِ عَظَمَتِهِ سُبْحانَهُ أحْقَرُ حَقِيرٍ، ونِسْبَةُ المُمْكِنِ إلى الواجِبِ أبْعَدُ مِن نِسْبَةِ المَعْدُومِ إلى المَوْجُودِ، إذِ المَعْدُومُ إمْكانُ المَوْجُودِ، وأيْنَ الإمْكانُ مِنَ الوُجُوبِ؟

ضِدّانِ مُفْتَرِقانِ، أيَّ تَفَرُّقٍ، وإمّا مَصْدَرٌ، أيْ: لا تُشْرِكُوا بِهِ عَزَّ شَأْنُهُ، مِنَ الإشْراكِ جَلِيًّا أوْ خَفِيًّا، وعَطْفُ النَّهْيِ عَنِ الإشْراكِ عَلى الأمْرِ بِالعِبادَةِ، مَعَ أنَّ الكَفَّ عَنِ الإشْراكِ لازِمٌ لِلْعِبادَةِ بِذَلِكَ التَّفْسِيرِ، إذْ لا يُتَصَوَّرُ غايَةُ الخُضُوعِ لِمَن لَهُ شَرِيكٌ ضَرُورَةَ أنَّ الخُضُوعَ لِمَن لا شَرِيكَ لَهُ فَوْقَ الخُضُوعِ لِمَن لَهُ شَرِيكٌ لِلنَّهْيِ عَنِ الإشْراكِ فِيما جَعَلَهُ الشَّرْعُ عَلامَةَ نِهايَةِ الخُضُوعِ، أوْ لِلتَّوْبِيخِ بِغايَةِ الجَهْلِ، حَيْثُ لا يُدْرِكُونَ هَذا اللُّزُومَ، كَذا قِيلَ، ولَعَلَّ الأوْضَحَ أنْ يُقالَ: إنَّ هَذا النَّهْيَ إشارَةٌ إلى الأمْرِ بِالإخْلاصِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: (واعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ) ويَؤُولُ ذَلِكَ كَما أوْمَأ إلَيْهِ الإمامُ إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ أمَرَ أوَّلًا بِما يَشْمَلُ التَّوْحِيدَ وغَيْرَهُ مِن أعْمالِ القَلْبِ والجَوارِحِ، ثُمَّ أرْدَفَهُ بِما يُفْهَمُ مِنهُ التَّوْحِيدُ الَّذِي لا يَقْبَلُ اللَّهُ تَعالى عَمَلًا بِدُونِهِ، فالعَطْفُ مِن قَبِيلِ عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ.

﴿ وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا ﴾ أيْ: وأحْسِنُوا بِهِما إحْسانًا، فالجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ المُقَدَّرِ، وجُوِّزَ تَعَلُّقُهُ بِالمُصَدِّرِ، وقُدِّمَ لِلِاهْتِمامِ، و(أحْسَنَ) يَتَعَدّى بِالباءِ، وإلى، واللّامِ، وقِيلَ: إنَّما يَتَعَدّى بِالباءِ إذا تَضَمَّنَ مَعْنى العَطْفِ.

والإحْسانُ المَأْمُورُ بِهِ أنْ يَقُومَ بِخِدْمَتِهِما، ولا يَرْفَعَ صَوْتَهُ عَلَيْهِما، ولا يَخْشُنَ في الكَلامِ مَعَهُما، ويَسْعى في تَحْصِيلِ مَطالِبِهِما والإنْفاقِ عَلَيْهِما، بِقَدْرِ القُدْرَةِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَتِمَّةُ الكَلامِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِهِما.

﴿ وبِذِي القُرْبى ﴾ أيْ: بِصاحِبِ القَرابَةِ مِن أخٍ، وعَمٍّ، وخالٍ، وأوْلادِ كُلٍّ، ونَحْوِ ذَلِكَ، وأُعِيدَ الباءُ هُنا ولَمْ يُعَدْ في البَقَرَةِ، قالَ في البَحْرِ: لِأنَّ هَذا تَوْصِيَةٌ لِهَذِهِ الأُمَّةِ، فاعْتُنِيَ بِهِ وأُكِّدَ، وذَلِكَ في بَنِي إسْرائِيلَ.

﴿ واليَتامى والمَساكِينِ ﴾ مِنَ الأجانِبِ ﴿ والجارِ ذِي القُرْبى ﴾ أيِ: الَّذِي قَرُبَ جِوارُهُ ﴿ والجارِ الجُنُبِ ﴾ أيِ البَعِيدِ، مِنَ الجَنابَةِ ضِدُّ القَرابَةِ، وهي عَلى هَذا مَكانِيَّةٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِـ(الجارِ ذِي القُرْبى) مِن لَهُ مَعَ الجِوارِ قُرْبٌ واتِّصالٌ بِنَسَبٍ أوْ دِينٍ، وبِـ(الجارِ الجُنُبِ) الَّذِي لا قَرابَةَ لَهُ ولَوْ مُشْرِكًا.

أخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ والبَزّارُ مِن حَدِيثِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - وفِيهِ ضَعْفٌ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ-: ««الجِيرانُ ثَلاثَةٌ: فَجارٌ لَهُ ثَلاثَةُ حُقُوقٍ: حُقُّ الجِوارِ وحَقُّ القَرابَةِ، وحَقُّ الإسْلامِ، وجارٌ لَهُ حَقّانِ: حَقُّ الجِوارِ، وحَقُّ الإسْلامِ، وجارٌ لَهُ حَقٌّ واحِدٌ: حَقُّ الجِوارِ، وهو المُشْرِكُ مِن أهْلِ الكِتابِ»».

وأخْرَجَ البُخارِيُّ في الأدَبِ، «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أنَّهُ ذُبِحَتْ لَهُ شاةٌ فَجَعَلَ يَقُولُ لِغُلامِهِ: «أهْدَيْتَ لِجارِنا اليَهُودِيِّ، أهْدَيْتَ لِجارِنا اليَهُودِيِّ؟

سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: ما زالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالجارِ حَتّى ظَنَنْتُ أنْ سَيُورِّثُهُ»».

والظّاهِرُ أنَّ مَبْنى الجِوارِ عَلى العُرْفِ، وعَنِ الحَسَنِ - كَما في الأدَبِ - أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الجارِ فَقالَ: أرْبَعِينَ دارًا أمامَهُ، وأرْبَعِينَ خَلْفَهُ، وأرْبَعِينَ عَنْ يَمِينِهِ، وأرْبَعِينَ عَنْ يَسارِهِ، ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وقِيلَ: أرْبَعِينَ ذِراعًا، ويَبْدَأُ بِالأقْرَبِ فالأقْرَبِ؛ فَعَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - قالَتْ: «قُلْتُ: «يا رَسُولَ اللَّهِ، إنْ لِي جارَيْنِ فَإلى أيِّهِما أُهْدِي؟

قالَ: إلى أقْرَبِهِما مِنكِ بابًا»» وقُرِئَ: (والجارَ ذا القُرْبى) بِالنَّصْبِ، أيْ وأخُصُّ الجارَ، وفي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى عِظَمِ حَقِّ الجارِ.

وقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخانِ عَنْ أبِي شُرَيْحٍ الخُزاعِيِّ، أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: ««مَن كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُحْسِنْ إلى جارِهِ»» وفِيما سَمِعَهُ عَبْدُ اللَّهِ كِفايَةٌ، وأخْرَجَهُ الشَّيْخانِ، وأحْمَدُ، مِن حَدِيثِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها.

﴿ والصّاحِبِ بِالجَنْبِ ﴾ وهو الرَّفِيقُ في السَّفَرِ، أوِ المُنْقَطِعُ إلَيْكَ يَرْجُو نَفْعَكَ ورِفْدَكَ، وكِلا القَوْلَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقِيلَ: الرَّفِيقُ في أمْرٍ حَسَنٍ، كَتَعَلُّمٍ، وتَصَرُّفٍ، وصِناعَةٍ، وسَفَرٍ، وعَدُّوا مِن ذَلِكَ مَن قَعَدَ بِجَنْبِكَ في مَسْجِدٍ أوْ مَجْلِسٍ، وغَيْرِ ذَلِكَ، مِن أدْنى صُحْبَةٍ التَأمَتْ بَيْنَكَ وبَيْنَهُ، واسْتَحْسَنَ جَماعَةٌ هَذا القِيلَ لِما فِيهِ مِنَ العُمُومِ.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ -: «الصّاحِبُ بِالجَنْبِ المَرْأةُ» والجارُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الصّاحِبِ، والعامِلُ فِيهِ الفِعْلُ المُقَدَّرُ ﴿ وابْنِ السَّبِيلِ ﴾ وهو المُسافِرُ أوِ الضَّيْفُ.

﴿ وما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: مِن عَبِيدِكم وإمائِكُمْ، وكانَ كَثِيرًا ما يُوصِي بِهِمْ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أنَسٍ قالَ: «كانَ عامَّةُ وصِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - حِينَ حَضَرَهُ المَوْتُ: «الصَّلاةَ وما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ» حَتّى جَعَلَ يُغَرْغِرُها في صَدْرِهِ، وما يَفِيضُ بِها لِسانُهُ،» ثُمَّ الإحْسانُ إلى هَؤُلاءِ الأصْنافِ مُتَفاوِتُ المَراتِبِ، حَسْبَما يَلِيقُ بِكُلٍّ ويَنْبَغِي.

﴿ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ مُخْتالا ﴾ أيْ: ذا خُيَلاءَ وكِبْرٍ، يَأْنَفُ مَن أُقارِبِهِ وجِيرانِهِ مَثَلًا، ولا يَلْتَفِتُ إلَيْهِمْ ﴿ فَخُورًا ﴾ يَعُدُّ مَناقِبَهُ عَلَيْهِمْ؛ تَطاوُلًا وتَعاظُمًا، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ السّابِقِ.

أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ ثابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ قالَ: «كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ  فَقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ: «(إنَّ اللَّهَ) إلَخْ، فَذَكَرَ الكِبْرَ وعَظَّمَهُ، فَبَكى ثابِتٌ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ  : ما يُبْكِيكَ؟

فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي لَأُحِبُّ الجَمالَ، حَتّى إنَّهُ لَيُعْجِبُنِي أنْ يَحْسُنَ شِراكُ نَعْلِي، قالَ: فَأنْتَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، إنَّهُ لَيْسَ بِالكِبْرِ أنْ تُحَسِّنَ راحِلَتَكَ ورَحْلَكَ، ولَكِنَّ الكِبْرَ مَن سَفَّهَ الحَقَّ وغَمَصَ النّاسَ»» والأخْبارُ في هَذا البابِ كَثِيرَةٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَاعْبُدُوا اللَّهَ قال بعضهم: هذا الخطاب للكفار، واعبدوا الله يعني وحدوا الله وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً أي لا تثبتوا على الشرك.

ويقال: الخطاب للمؤمنين اعبدوا الله، يعني اثبتوا على التوحيد ولا تشركوا به.

ويقال: اعبدوا الله يعني أطيعوا الله فيما أمركم به، وأخلصوا له بالأعمال، ولا تشركوا به شيئا.

ويقال: هذا الخطاب للمؤمنين وللمنافقين وللكفار، فأمر المؤمنين بالطاعة، والمنافقين بالإخلاص، والكفار بالتوحيد.

وروى عكرمة عن ابن عباس-  - أنه قال: كل عبادة في القرآن إنما يعني بها التوحيد.

ويقال: هذه الآيات محكمات في جميع الكتب، وذكر فيها أحكاماً كانت تعرف تلك من طريق العقل، وإن لم ينزل به القرآن وهو قوله تعالى: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً يعني أحسنوا إلى الوالدين وَبِذِي الْقُرْبى يعني صلوا القرابات.

قوله: وَالْيَتامى يعني أحسنوا إلى اليتامى.

ويقال: هذا أمر للأوصياء بالقيام على أموالهم.

ثم قال تعالى: وَالْمَساكِينِ أي عليكم بإطعام المساكين.

ثم قال: وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى أي عليكم بالإحسان إلى الجار الذي بينك وبينه قرابة، فله ثلاث حقوق.

هكذا روي عن النبيّ  أنه قال: «الجِيرَانُ ثَلاَثَةٌ: جَارٌ لَهُ ثَلاثَةُ حُقُوقٍ، وَجَارٌ لَهُ حَقَّانِ، وَجَارٌ لَهُ حَقُّ وَاحِدٌ.

فَأَمَّا الجَارُ الَّذِي لَهُ ثَلاَثَةُ حُقُوقٍ فَالجَارُ القَرِيبُ المُسْلِمُ، فَلَهُ حَقُّ الجِوَارِ، وَحَقُّ القَرَابَةِ، وَحَقُّ الإِسْلامِ.

وَالجَارُ الَّذِي لَهُ حَقَّانِ: وَهُوَ الجَارُ المُسْلِمُ، فَلَهُ حَقُّ الإِسلامِ، وَحَقُّ الجِوَارِ.

وَالجَارُ الَّذِي لَهُ حَقُّ وَاحِدٌ هُوَ الجَارُ الكَافِرُ لَهُ حَقُّ الجِوَارِ» .

ثم قال تعالى: وَالْجارِ الْجُنُبِ يعني الجار الذي لا قرابة بينهما، وهو من قوم آخرين وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ أي الرفيق في السفر.

وروي عن معاذ بن جبل أنه قال: الصاحب بالجنب يعني المرأة.

ثم قال: وَابْنِ السَّبِيلِ يعني الضيف، ينزل عليكم فأحسنوا إليه، وحقه ثلاثة أيام، وما زاد على ذلك فهو صدقة.

ثم قال: وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ من الخدم أحسنوا إليهم.

وقد روي في الخبر «أَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ، وَأَلْبِسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ، وَلا تُكَلِّفُوهُمْ مَا لا يُطِيقُونَ، فَإنَّهم لَحْمٌ وَدَمٌ وَخَلْقٌ أَمْثَالُكُمْ» .

رواه علي بن أبي طالب عن رسول الله  أنه قال: «الله الله فِيمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ» .

وذكر الحديث.

وروي عن أنس بن مالك عن النبي  أنه قال: «ما زال جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ، وَمَا زَالَ يُوصِينِي بِالنِّساءِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُحَرِّمُ طَلاَقَهُنَّ، وَمَا زَالَ يُوصِينِي بِالمَمَالِيكِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيَجْعَلُ لَهُمْ مُدَّةً إذَا انْتَهَوْا إِلَيْها أُعْتِقُوا، وَمَا زَالَ يُوصِينِي بِالسِّوَاكِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَن يُحْفِي فَمِي، وَمَا زَالَ يُوصِينِي بِقِيَامِ اللَّيْلِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّ خِيَارَ أُمَّتِي لَمْ يَنَامُوا لَيْلاً» .

ثم قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُوراً يعني من كان مختالاً في مشيه فخوراً على الناس وهذا قول الكلبي.

وقال القتبي: المختال ذو الخيلاء والكبر، وهذا قريب من الأول.

ويقال: فخوراً في نعم الله، لا يشكرها ويتكبر على الناس.

ثم قال تعالى: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ قال مجاهد ومقاتل: نزلت في اليهود، يبخلون بكتمان صفة محمد  في كتابهم وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ يعني: أمروا قومهم أن يكتموا صفته  وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ في التوراة.

ويقال: أبْخَلُ النَّاسِ الَّذِي يَبْخَلُ بعلمه.

ويقال: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ يعني في المال، لأن رؤساءهم كانوا لا يعطون أحداً من أموالهم شيئاً، لأن عادتهم كان الأخذ والمنع، وكانوا أيضاً يأمرون بالبخل، لأن من كان في معصية فإنه يأمر غيره بذلك لكي لا يظهر عيبه وَيَكْتُمُونَ مَا آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ يعني: لا يشكرون على ما أعطاهم الله من نعمته، ولا يخرجون الزكاة.

ثم قال تعالى: وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً أي عذاباً شديداً.

قرأ حمزة والكسائي: بالبخل بنصب الباء والخاء، وقرأ الباقون بالبُخْل بضم الباء وجزم الخاء.

وقال بعض أهل اللغة: ها هنا أربع لغات وهي لغة الأنصار: بخل، وبخل، وبخل، وبخل إلا أنه قرأ بحرفين ولا يقرأ بالحرفين الآخرين.

ثم قال تعالى: وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ قال مقاتل: يعني اليهود.

وقال الضحاك: يعني المنافقين، ينفقون أموالهم مراءاة للناس وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ يعني: ولا يصدقون في السر.

ويقال: نزلت في مطعمي يوم بدر وهم رؤساء مكة، أنفقوا على الناس ليخرجوا إلى بدر.

ثم قال تعالى: وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً ففي الآية مضمر فكأنه قال: ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الاخر فقرينهم الشيطان، ومن يكن الشيطان له قرينا فَساءَ قَرِيناً أي قرينهم الشيطان في الدنيا، يأمرهم بالبخل.

ويقال: قرينه في النار في السلسلة.

ثم قال تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ونفَى سبحانه محبَّته عَمَّنْ صفته الخُيَلاءُ والفَخْر، وذلك ضَرْبٌ من التوعُّد، يقال:

خَالَ الرَّجُلُ يَخُولُ خَوْلاً، إِذا تكبَّر وأُعْجِبَ بنفسه، وخَصَّ سبحانه هاتين الصفتين هنا إذا مقتضاهما العُجْبُ والزَّهْو، وذلك هو الحَامِلُ عَلَى الإِخلال بالأصْنَافِ الذين تَقدَّم أَمْرُ اللَّه بالإِحسان إِلَيْهم.

وقوله تعالى: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ ...

الآية: قالتْ فرقةٌ:

«الذين» في موضعِ نَصْبٍ بدلٍ مِنْ «مَنْ» في قوله: مَنْ كانَ مُخْتالًا، ومعناه على هذا:

يبخَلُونَ بأموالهم، ويأمرون الناس، يَعْنِي: إِخوانَهُمْ ومَنْ هو مَظِنَّة طاعتهم بالبُخْل بالأموال أَنْ تُنْفَقَ في شَيْءٍ من وُجُوه الإِحسان إِلى مَنْ ذَكَر، وَيَكْتُمُونَ مَآ آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، يعني: مِنَ الرِّزْقِ والمالِ، فالآيةُ، إِذَنْ، في المؤمنين، أي: وأما الكافِرُونَ فأعدَّ لهم عذاباً مُهِيناً، وروي أنَّ الآية نزلَتْ في أحبارِ اليَهُود بالمدينةِ إذ كتموا أمر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وبخلوا به، والتوعّد بالعذاب المهين لهم، وأَعْتَدْنا: معناه يَسَّرْنَا وأحْضَرْنَا، والعَتِيدُ: الحَاضِرُ، والمُهِينُ: الذي يَقْتَرِنُ به خِزْيٌ وذُلٌّ، وهو أنْكَى وأشدّ على المعذّب.

وقوله تعالى: وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ ...

الآية: «الَّذِينَ» في موضعِ رَفْعٍ على القطع، والخبرُ محذوفٌ، وتقديره، بعد «اليوم الآخر» : مُعَذَّبُونَ.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واعْبُدُوا اللَّهَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وحِّدُوهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا ﴾ قالَ الفَرّاءُ: أغْراهم بِالإحْسانِ إلى الوالِدَيْنِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والجارِ ذِي القُرْبى ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الجارُ الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ قَرابَةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةٌ، والضَّحّاكٌ، وقَتادَةٌ، وابْنُ زَيْدٍ، ومُقاتِلٍ في آَخَرِينَ.

والثّانِي: أنَّهُ الجارُ المُسْلِمُ، قالَهُ نَوْفُ الشّامِيُّ.

فَيَكُونُ المَعْنى: ذِي القُرْبى مِنكم بِالإسْلامِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والجارِ الجُنُبِ ﴾ رَوى المُفَضَّلُ، عَنْ عاصِمٍ: والجارِ الجُنُبُ بِفَتْحِ الجِيمِ، وإسْكانِ النُّونِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: المَعْنى: والجارُ ذِي الجَنْبِ، فَحُذِفَ المُضافُ، وفي الجارِ الجُنُبِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الغَرِيبُ الَّذِي لَيْسَ بَيْنَكَ وبَيْنَهُ قَرابَةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ، ومُقاتِلٌ في آَخَرِينَ.

والثّانِي: أنَّهُ جارُكَ عَنْ يَمِينِكَ، وعَنْ شِمالِكَ، وبَيْنَ يَدَيْكَ، وخَلْفَكَ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ اليَهُودِيُّ والنَّصْرانِيُّ، قالَهُ نَوْفُ الشّامِيَّ وَفِي الصّاحِبِ بِالجَنْبِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الزَّوْجَةُ، قالَهُ عَلِيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، وإبْراهِيمُ النَّخْعِيُّ، وابْنُ أبِي لَيْلى.

والثّانِي: أنَّهُ الرَّفِيقُ في السَّفَرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ مُجاهِدٍ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ كالقَوْلَيْنِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الرَّفِيقُ، رَواهُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ.

قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو الَّذِي يَلْصِقُ بِكَ رَجاءَ خَيْرِكَ، وقالَ مُقاتِلٌ: هو رَفِيقُكَ حَضَرًا وسَفَرًا، وفي ابْنِ السَّبِيلِ أقْوالٌ.

قَدْ ذَكَرْناها في (البَقَرَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ ﴾ يَعْنِي: المَمْلُوكِينَ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: يَدْخُلُ فِيهِ الحَيَوانُ البَهِيمُ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والمُحْتالُ: البَطِرُ في مِشْيَتِهِ، والفَخُورُ: المُفْتَخِرُ عَلى النّاسِ بِكِبْرِهِ.

وقالَ مُجاهِدٌ: هو الَّذِي يُعِدُّ ما أعْطى، ولا يَشْكُرُ اللَّهَ، وَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المُخْتالُ: ذُو الخُيَلاءِ والكِبْرِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: المُخْتالُ: الصَّلَفُ التَّيّاهُ الجَهُولُ.

وإنَّما ذَكَرَ الِاخْتِيالَ هاهُنا، لِأنَّ المُخْتالَ يَأْنَفُ مِن ذَوِي قَراباتِهِ، ومِن جِيرانِهِ إذا كانُوا فَقَراءَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واعْبُدُوا اللهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا وبِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ والجارِ ذِي القُرْبى والجارِ الجُنُبِ والصاحِبِ بِالجَنْبِ وابْنِ السَبِيلِ وما مَلَكَتْ أيْمانُكم إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ مُخْتالا فَخُورًا ﴾ "الواوُ" لِعَطْفِ جُمْلَةِ الكَلامِ عَلى جُمْلَةٍ غَيْرِها، والعِبادَةُ: التَذَلُّلُ بِالطاعَةِ، ومِنهُ طَرِيقٌ مُعَبَّدٌ، وبَعِيرٌ مُعَبَّدٌ، إذا كانا مُعَلَّمَيْنِ، و"إحْسانًا" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، والعامِلُ فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: وأحْسِنُوا بِالوالِدَيْنِ إحْسانًا، وما ذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّهُ نُصِبَ بِالإغْراءِ خَطَأٌ، والقِيامُ بِحُقُوقِ الوالِدَيْنِ اللازِمَةِ لَهُما مِنَ التَوْقِيرِ والصَوْنِ والإنْفاقِ -إذا احْتاجا- واجِبٌ، وسائِرُ ذَلِكَ مِن وُجُوهِ البِرِّ، والإلْطافِ، وحُسْنِ القَوْلِ، والتَصَنُّعِ لَهُما مَندُوبٌ إلَيْهِ مُؤَكَّدٌ فِيهِ، وهو البِرُّ الَّذِي تُفَضَّلُ فِيهِ الأُمُّ عَلى الأبِ، "حَسَبَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لِلَّذِي قالَ لَهُ: «مَن أبَرُّ؟

قالَ: أُمَّكَ، قالَ: ثُمَّ مَن؟

قالَ: أُمَّكَ، قالَ: ثُمَّ مَن؟

قالَ: أُمَّكَ، قالَ ثُمَّ مَن؟

قالَ: أباكَ، ثُمَّ الأقْرَبَ فالأقْرَبَ"، وفي رِوايَةٍ: "ثُمَّ أدْناكَ أدْناكَ".» وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ "إحْسانٌ" بِالرَفْعِ.

وذُو القُرْبى: هو القَرِيبُ النَسَبِ مِن قِبَلِ الأبِ والأُمِّ، وهَذا مِنَ الأمْرِ بِصِلَةِ الرَحِمِ وحِفْظِها، و"واليَتامى": جَمْعُ يَتِيمٍ، وهو فاقِدُ الأبِ قَبْلَ البُلُوغِ، وإنْ ورَدَ في كَلامِ العَرَبِ يُتْمٌ مِن قِبَلِ الأُمِّ فَهو مَجازٌ واسْتِعارَةٌ، "والمَساكِينِ": المُقَتَّرُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ تَحِلُّ لَهُمُ الزَكاةُ، وجاهَرُوا بِالسُؤالِ.

واخْتُلِفَ في مَعْنى "والجارِ ذِي القُرْبى" وفي مَعْنى "الجُنُبِ"- فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وغَيْرُهُمُ: الجارُ ذُو القُرْبى هو الجارُ القَرِيبُ النَسَبِ، والجارُ الجُنُبُ هو الجارُ الأجْنَبِيُّ الَّذِي لا قَرابَةَ بَيْنَكَ وبَيْنَهُ.

وقالَ نَوْفٌ الشامِيُّ: الجارُ ذُو القُرْبى هو الجارُ المُسْلِمُ، والجارُ الجُنُبُ هو الجارُ اليَهُودِيُّ أوِ النَصْرانِيُّ، فَهي عِنْدَهُ قَرابَةُ الإسْلامِ، وأجْنَبِيَّةُ الكُفْرِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: الجارُ ذُو القُرْبى هو الجارُ القَرِيبُ المَسْكَنِ مِنكَ، والجارُ الجُنُبُ هو البَعِيدُ المَسْكَنِ مِنكَ، وكَأنَّ هَذا القَوْلَ مُنْتَزَعٌ مِنَ الحَدِيثِ.

"قالَتْ عائِشَةُ: «يا رَسُولَ اللهِ، إنَّ لِي جارَيْنِ، فَإلى أيِّهِما أُهْدِي؟

قالَ: إلى أقْرَبِهِما مِنكِ بابًا.» واخْتَلَفَ الناسُ في حَدِّ الجِيرَةِ، فَقالَ الأوزاعِيُّ: أرْبَعُونَ دارًا مِن كُلِّ ناحِيَةٍ جِيرَةٌ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَن سَمِعَ إقامَةَ الصَلاةِ فَهو جارُ ذَلِكَ المَسْجِدِ، وبِقَدْرِ ذَلِكَ في الدُورِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَن ساكَنَ رَجُلًا في مَحَلَّةٍ أو مَدِينَةٍ فَهو جارُهُ.

والمُجاوَرَةُ مَراتِبٌ بَعْضُها ألْصَقُ مِن بَعْضٍ، أدْناها الزَوْجُ، كَما قالَ الأعْشى: أيا جارَتِي بِينِي.............................

وبُعْدُ ذَلِكَ الجِيرَةِ الخُلُطُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: سائِلْ مُجاوِرَ جَرْمٍ هَلْ جَنَيْتَ لَها ∗∗∗ حَرْبًا تُفَرِّقُ بَيْنَ الجِيرَةِ الخُلُطِ وحَكى الطَبَرِيُّ عن مَيْمُونَ بْنِ مَهْرانَ أنَّ الجارَ ذا القُرْبى أُرِيدَ بِهِ جارُ القَرِيبِ، وهَذا خَطَأٌ في اللِسانِ، لِأنَّهُ جَمَعَ -عَلى تَأْوِيلِهِ- بَيْنَ الألِفِ واللامِ والإضافَةِ، وكَأنَّ وجْهَ الكَلامِ: وجارِ ذِي القُرْبى.

وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "والجارَ ذا القُرْبى" بِنَصْبِ "الجارِ"، وحَكى مَكِّيٌّ عَنِ ابْنِ وهْبٍ أنَّهُ قالَ عن بَعْضِ الصَحابَةِ في الجارِ الجُنُبِ:: إنَّها زَوْجَةُ الرَجُلِ، ورَوى المُفَضَّلُ عن عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ: "والجارِ الجَنْبِ" بِفَتْحِ الجِيمِ وسُكُونِ النُونِ.

و"الجُنُبِ" في هَذِهِ الآيَةِ مَعْناهُ: البَعِيدُ: والجَنابَةُ: البُعْدُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ وهو الأعْشى: أتَيْتُ حُرَيْثًا زائِرًا عن جَنابَةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ فَكانَ حُرَيْثٌ عن عَطائِي جامِدا وَمِنهُ قَوْلُ الآخَرِ، وهو عَلْقَمَةُ بْنُ عَبْدَةَ: فَلا تَحْرِمَنِّي نائِلًا عن جَنابَةٍ ∗∗∗ فَإنِّي امْرُؤٌ وسْطَ القِبابِ غَرِيبُ وهُوَ مِنَ الاجْتِنابِ، وهو أنْ يُتْرَكَ الشَيْءُ جانِبًا، وسُئِلَ أعْرابِيٌّ عَنِ الجارِ الجُنُبِ فَقالَ: هو الَّذِي يَجِيءُ فَيَحِلُّ حَيْثُ تَقَعُ عَيْنُكَ عَلَيْهِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: جُنُبٌ: صِفَةٌ كَناقَةٍ أُجُدٍ، ومِشْيَةٍ سُجُحٍ، وجُنُبُ التَطَهُّرِ مَأْخُوذٌ مِنَ الجَنْبِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، والضَحّاكُ: "والصاحِبُ بِالجَنْبِ" هُوَ: الرَفِيقُ في السَفَرِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ أبِي لَيْلى، وإبْراهِيمُ النَخْعِيُّ: الصاحِبُ بِالجَنْبِ: الزَوْجَةُ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو الرَجُلُ يَعْتَرِيكَ ويُلِمُّ بِكَ لِتَنْفَعَهُ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ « "أنَّ رَسُولَ اللهِ  كانَ مَعَهُ رَجُلٌ مِن أصْحابِهِ وهُما عَلى راحِلَتَيْنِ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللهِ  غَيْضَةً فَقَطَعَ قَضِيبَيْنِ أحَدُهُما مُعْوَجٌّ، وخَرَجَ فَأعْطى صاحِبَهُ القَوِيمَ، وحَبَسَ هو المُعْوَجَّ، فَقالَ لَهُ الرَجُلُ: كُنْتَ يا رَسُولَ اللهِ أحَقَّ بِهَذا، فَقالَ لَهُ: يا فُلانُ، إنَّ كُلَّ صاحِبٍ يَصْحَبُ آخَرَ فَإنَّهُ مَسْؤُولٌ عن صُحْبَتِهِ ولَوْ ساعَةً مِن نَهارٍ".» وَقالَ المُفَسِّرُونَ: ابْنُ السَبِيلِ: هو المُسافِرُ عَلى ظَهْرِ طَرِيقِهِ، وسُمِّيَ ابْنَهُ لِلُزُومِهِ لَهُ، كَما قِيلَ: ابْنُ ماءٍ لِلطّائِرِ المُلازِمِ لِلْماءِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ ابْنُ زِنىً"» أيْ: مُلازِمُهُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ بِالمُثابَرَةِ عَلَيْهِ أنْ يُنْسَبَ إلَيْهِ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ مُجاهِدًا فَسَّرَهُ بِأنَّهُ المارُّ عَلَيْكَ في سَفَرِهِ، وأنَّ قَتادَةَ وغَيْرَهُ- فَسَّرَهُ بِأنَّهُ الضَيْفُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ قَوْلٌ واحِدٌ.

"وَما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ" يُرِيدُ العَبِيدَ الأرِقّاءَ، ونَسَبَ المِلْكَ إلى اليَمِينِ إذْ هي في المُعْتادِ جارِحَةُ البَطْشِ والتَغَلُّبِ والتَمَلُّكِ، فَأُضِيفَتْ هَذِهِ المَعانِي -وَإنْ لَمْ تَكُنْ بِها- إلَيْها تَجَوُّزًا والعَبِيدُ مُوصىً بِهِمْ في غَيْرِ ما حَدِيثٍ يَطُولُ ذِكْرُها، ويُغْنِي عن ذَلِكَ اشْتِهارُها.

ومَعْنى: "يُحِبُّ" -فِي هَذِهِ الآيَةِ-: لا تَظْهَرُ عَلَيْهِ آثارُ نِعَمِهِ في الآخِرَةِ، ولا آثارُ حَمْدِهِ في الدُنْيا، فَهي المَحَبَّةُ الَّتِي هي صِفَةُ فِعْلٍ، أبْعَدَها عَمَّنْ صِفَتُهُ الخُيَلاءُ والفَخْرُ، يُقالُ: خالَ الرَجُلُ يَخُولُ خَوْلًا إذا تَكَبَّرَ وأُعْجِبَ بِنَفْسِهِ، وأنْشَدَ الطَبَرِيُّ: فَإنْ كُنْتَ سَيِّدَنا سُدْتَنا ∗∗∗ وإنْ كُنْتَ لِلْخالِ فاذْهَبْ فَخَلْ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ونَفْيُ المَحَبَّةِ عَمَّنْ هَذِهِ صِفَتُهُ ضَرْبٌ مِنَ التَوَعُّدِ، وخَصَّ هاتَيْنِ الصِفَتَيْنِ هُنا إذْ مُقْتَضاهُما العُجْبُ والزَهْوُ، وذَلِكَ هو الحامِلُ عَلى الإخْلالِ بِالأصْنافِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ أمْرُ اللهِ بِالإحْسانِ إلَيْهِمْ.

ولِكُلِّ صِنْفٍ نَوْعٌ مِنَ الإحْسانِ يَخْتَصُّ بِهِ، ولا يَعُوقُ عَنِ الإحْسانِ إلَيْهِمْ إلّا العُجْبُ أوِ البُخْلُ، فَلِذَلِكَ نَفى اللهُ مَحَبَّتَهُ عَنِ المُعْجَبِينَ والباخِلِينَ عَلى أحَدِ التَأْوِيلَيْنِ حَسْبَما نَذْكُرُهُ الآنَ بَعْدَ هَذا، وقالَ أبُو رَجاءٍ الهَرَوِيُّ: لا تَجِدُهُ سَيِّءَ المَلَكَةِ إلّا وجَدْتَهُ مُخْتالًا فَخُورًا، ولا عاقًّا إلّا وجَدْتَهُ جَبّارًا شَقِيًّا، والفَخْرُ: عَدُّ المَناقِبِ تَطاوُلًا بِذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف تشريع يختصّ بالمعاملة مع ذوي القربى والضعفاء، وقُدّم له الأمرُ بعبادة الله تعالى وعدممِ الإشراك على وجه الإدماج، للاهتمام بهذا الأمر وأنّه أحقّ ما يتوخّاه المسلم، تجديداً لمعنى التوحيد في نفوس المسلمين كما قُدّم لذلك في طالع السورة بقوله: ﴿ اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة ﴾ [النساء: 1].

والمناسبة هي ما أريد جمعه في هذه السورة من أحكام أواصر القرابة في النسب والدين والمخالطة.

والخطاب للمؤمنين، قُدّم الأمر بالعبادة على النهي عن الإشراك، لأنّهم قد تقرّر نفي الشرك بينهم وأريد منهم دوام العبادة لله، والاستزادة منها، ونُهُوا عن الشرك تحذيراً ممّا كانوا عليه في الجاهلية.

ومجموع الجملتين في قوة صيغة حصْر؛ إذ مفاده: اعبدوا الله ولا تعبدوا غيره فاشتمل على معنى إثبات ونفي، كأنّه قيل: لا تعبدوا إلاّ الله.

والعدول عن طريق القصر في مثل هذا طريقة عربية جاء عليها قول السموأل، أو عبدِ الملك بن عبد الرحيم الحَارثي: تَسيلُ على حَدّ الظُّبَاتتِ نُفُوسُنا *** وليستْ على غَيْرِ الظُّبَات تَسيل وإنّما يصار إليها عندما يكون الغرض الأول هو طرف الإثبات، ثم يقصد بعد ذلك نفي الحكم عمّا عدا المثبت له، لأنّه إذا جيء بالقصر كان المقصد الأوّل هو نفي الحكم عمّا عدا المذكور وذلك غير مقتضَى المقام هنا، ولأجل ذلك لمّا خوطب بنو إسرائيل بنظير هذه الآية خوطبوا بطريقة القصر في قوله: ﴿ وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تبعدون إلاّ الله وبالوالدين إحساناً ﴾ [البقرة: 83] الآية، لأنّ المقصود الأوّل إيقاظهم إلى إبطال عبادة غير الله، لأنّهم قالوا لموسى: «اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة» ولأنّهم عبدوا العجل في مدّة مناجاة موسى ربَّه، فأخذ عليهم الميثاق بالنهي عن عبادة غير الله.

وكذلك البيت فإنّ الغرض الأهمّ هو التمدّح بأنّهم يُقتلون في الحرب، فتزهق نفوسهم بالسيوف، ثم بدا له فأعقبه بأنّ ذلك شنشنة فيهم لا تتخلّف ولا مبالغةَ فيها.

و ﴿ شيئاً ﴾ منصوب على المفعولية ل (تُشركوا) أي لا تجعلوا شريكاً شيئاً ممّا يعبد كقوله: ﴿ ولن نشرك بربنا أحداً ﴾ [الجن: 2] ويجوز انتصابه على المصدرية للتأكيد، أي شيئاً من الإشراك ولو ضعيفاً كقوله: ﴿ فلن يضروك شيئاً ﴾ [المائدة: 42].

وقوله: ﴿ وبالوالدين إحسانا ﴾ اهتمام بشأن الوالدين إذ جعل الأمر بالإحسان إليهما عقب الأمر بالعبادة، كقوله: ﴿ أن اشكر لى ولوالديك ﴾ [لقمان: 14]، وقوله: ﴿ يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم ووصينا الإنسان بوالديه ﴾ [لقمان: 13، 14]، ولذا قدّم معمول (إحساناً) عليه تقديماً للاهتمام إذ لا معنى للحصر هنا لأنّ الإحسان مكتوب على كلّ شيء، ووقع المصدر موقع الفعل.

وإنّما عدّي الإحسان بالباء لتضمينه معنى البرّ.

وشاعت تعديته بالباء في القرآن في مثل هذا.

وعندي أنّ الإحسان إنّما يعدّى بالباء إذا أريد به الإحسان المتعلّق بمعاملة الذات وتوقيرها وإكرامها، وهو معنى البرّ ولذلك جاء «وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن»؛ وإذا أريد به إيصال النفع المالي عُديّ بإلى، تقول: أحْسَنَ إلى فلان، إذا وصله بمال ونحوه.

﴿ وذُو القربى ﴾ صاحب القرابة، والقربى فُعلى، اسم للقُرب مصدرِ قَرُب كالرجعي، والمراد بها قرابة النسب، كما هو الغالب في هذا المركّب الإضافي: وهو قولهم: ذو القربى، وإنّما أمر بالإحسان إليه استبقاء لأواصر الودّ بين الأقارب، إذ كان العرب في الجاهلية قد حرّفوا حقوق القرابة فجعلوها سبب تنافس وتحاسد وتقاتل.

وأقوالهم في ذلك كثيرة في شعرهم؛ قال ارطأة بن سهية: ونحو بنو عمّ على ذاكَ بيننا *** زَرَابِيّ فيها بِغْضَةٌ وتَنَافُس وحسبك ما كان بين بَكر وتغلب في حرب البَسُوس، وهما أقارب وأصهار، وقد كان المسلمون يومَها عَرَبا قَريبي عهد بالجاهلية؛ فلذلك حثّهم على الإحسان إلى القرابة.

وكانوا يحسنون بالجار، فإذا كان من قرابتهم لم يكترثوا بالإحسان إليه، وأكّد ذلك بإعادة حرف الجرّ بعد العاطف.

ومن أجل ذلك لم تؤكّد بالباء في حكاية وصية بني إسرائيل ﴿ وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل إلى قوله: وذي القربى ﴾ [البقرة: 83] لأنّ الإسلام أكّد أوامر القرابة أكثر من غيره.

وفي الأمر بالإحسان إلى الأقارب تنبيه على أنّ من سفالة الأخلاق أن يستخفّ أحد بالقريب لأنّه قريبه، وآمِن من غوائله، ويصرف برّه وودّه إلى الأباعد ليستكفي شرّهم، أو ليُذكر في القبائل بالذكر الحسن، فإنّ النفس التي يطوّعها الشرّ، وتَدينها الشدّة، لنفس لَئيمة، وكما ورد «شرّ الناس من اتّقاه الناس لشرّه» فكذلك نقول: «شرّ الناس من عَظَّم أحداً لشرّه».

وقوله: ﴿ واليتامى والمساكين ﴾ هذان صنفان ضعيفان عديما النصير، فلذلك أوصي بهما.

والجار هو النزيل بقرب منزلك، ويطلق على النزيل بين القبيلة في جوارها، فالمراد ب ﴿ الجار ذي القربى ﴾ الجار النسيب من القبيلة، وب ﴿ الجار الجنب ﴾ الجار الغريب الذي نزل بين القوم وليس من القبيلة، فهو جُنُب، أي بعيد، مشتقّ من الجَانب، وهو وصف على وزن فُعُل، كقولهم: ناقة أجُد، وقيل: هو مصدر، ولذلك لم يُطابق موصوفه، قال بَلْعَاء بن قيس: لا يجتوينا مُجَاور أبداً *** ذُو رحم أو مُجَاور جُنُب ويشهد لهذا المعنى قول علقمة بن عبدة في شعره الذي استشفع به عند الملك الحارث ابن جبلة الغسّاني، ليطلق له أخاه شَاسا، حين وقع في أسر الحارث: فلا تَحْرِمَنِّي نَائِلاً عن جَنَابَةٍ *** فإنِّي امرؤٌ وَسْط القباب غريب وفسّر بعضهم الجار ذا القربى بقريب الدار، والجُنُبُ بعيدها، وهذا بعيد، لأنّ القربى لا تعرف في القرب المكاني، والعرب معروفون بحفظ الجوار والإحسان إلى الجار، وأقوالهم في ذلك كثيرة، فأكّد ذلك في الإسلام لأنّه من محامد العرب التي جاء الإسلام لتكميلها من مكارم الأخلاق، ومن ذلك الإحسان إلى الجار.

وأكّدت السنّة الوصاية بالجار في أحاديث كثيرة: ففي «البخاري» عن عائشة أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال " ما زال جبريل يوصيني بالجار حتّى ظننت أنّه سيورّثه ".

وفيه عن أبي شريح: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم خرج وهو يقول: " والله لاَ يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن ".

قيل: «ومن يا رسول الله» قال: " من لا يأمن جارُه بوائقه " وفيه عن عائشة، قلت: «يا رسول الله إنّ لي جارين فإلى أيّهما أهدي» قال " إلى أقربهما منك بابا " وفي «صحيح مسلم»: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي ذرّ " إذا طبخت مَرَقة فأكْثِر ماءها وتعاهده جيرانك ".

واختلف في حدّ الجوار: فقال ابن شهاب، والأوزاعي: أربعون داراً من كلّ ناحية، وروي في ذلك حديث: وليس عن مالك في ذلك حدّ، والظاهر أنّه موكول إلى ما تعارفه الناس.

وقوله: ﴿ والصاحب بالجنب ﴾ هو المصاحب الملازم للمكان، فمنه الضيف، ومنه الرفيق في السفر، وكلّ من هو مُلمّ بك لطلب أن تنفعه، وقيل: أراد الزوجة.

﴿ وابن السبيل ﴾ هو الغريب المجتاز بقوم غيرَ نَاو الإقامة، لأنّ من أقام فهو الجار الجُنب.

وكلمة (ابن) فيه مستعملة في معنى الانتساب والاختصاص، كقولهم: أبو الليل، وقولهم في المثل: أبوها وكيَّالُها.

والسبيل: الطريق السابلة، فابن السبيل هو الذي لازمَ الطريق سائراً، أي مسافراً، فإذا دخل القبيلة فهو ليس من أبنائها، فعرَّفوه بأنه ابن الطريق، رمى به الطريق إليهم، فكأنّه وَلَدَه.

والوصاية به لأنّه ضعيف الحيلة، قليل النصير، إذ لا يهتدي إلى أحوال قوم غير قومه، وبلد غير بلده.

وكذلك ﴿ ما ملكت أيمانكم ﴾ لأنّ العبيد في ضعف الرقّ والحاجة وانقطاع سبل الخلاص من سادتهم، فلذلك كانوا أحقّاء بالوصاية.

وجملة: ﴿ إن الله لا يحب من كان مختالاً فخوراً ﴾ تذييل لجملة الأمر بالإحسان إلى من سمّاهم بذمّ موانع الإحسان إليهم الغالبة على البشر.

والاختيال: التكبّر، افتعال مشتقّ من الخُيَلاء، يقال: خالَ الرجلُ خَوْلا وخَالا.

والفخور: الشديد الفخر بما فعل، وكلا الوصفين منشأ للغلظة والجفاء، فهما ينافيان الإحسان المأمور به، لأنّ المراد الإحسان في المعاملة وترك الترفّع على من يظنّ به سبب يمنعه من الانتقام.

ومعنى نفي محبّة الله تعالى نفي رضاه وتقريبه عمّن هذا وصفه، وهذا تعريض بأخلاق أهل الشرك، لما عرفوا به من الغلطة والجفاء، فهو في معنى التحذير من بَقايا الأخلاق التي كانوا عليها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ واعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا ﴾ مَعْناهُ واسْتَوْصُوا بِالوالِدَيْنِ إحْسانًا.

﴿ وَبِذِي القُرْبى ﴾ هم قَرابَةُ النَّسَبِ مِن ذَوِي الأرْحامِ.

﴿ واليَتامى ﴾ جَمْعُ يَتِيمٍ وهو مَن ماتَ أبُوهُ لَمْ يَبْلُغِ الحُلُمَ.

﴿ والمَساكِينِ ﴾ جَمْعُ مِسْكِينٍ وهو الَّذِي قَدْ رَكِبَهُ ذُلُّ الفاقَةِ والحاجَةِ فَيَتَمَسْكَنُ لِذَلِكَ.

﴿ والجارِ ذِي القُرْبى ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِمَعْنى ذِي القَرابَةِ والرَّحِمِ وهُمُ الَّذِينَ بَيْنَكَ وبَيْنَهم قَرابَةُ نَسَبٍ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ.

والثّانِي: يَعْنِي الجارَ ذِي القُرْبى بِالإسْلامِ.

﴿ والجارِ الجُنُبِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: الجارُ البَعِيدُ في نَسَبِهِ الَّذِي لَيْسَ بَيْنَكَ وبَيْنَهُ قَرابَةٌ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ.

والثّانِي: أنَّهُ المُشْرِكُ البَعِيدُ في دِينِهِ.

والجَنْبُ في كَلامِ العَرَبِ هو البَعِيدُ، ومِنهُ سُمِّيَ الجُنُبُ لِاعْتِزالِهِ الصَّلاةَ حَتّى يَغْتَسِلَ، قالَ الأعْشى بْنُ قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ: أتَيْتُ حُرَيْثًا زائِرًا عَنْ جَنابَةٍ فَكانَ حُرَيْثٌ في عَطائِي جامِدا ﴿ والصّاحِبِ بِالجَنْبِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ الرَّفِيقُ في السَّفَرِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ.

والثّانِي: أنَّها زَوْجَةُ الرَّجُلِ الَّتِي تَكُونُ في جَنْبِهِ، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الَّذِي يَلْزَمُكَ ويَصْحَبُكَ رَجاءَ نَفْعِكَ، وهو قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  أنَّهُ قالَ: « (كُلُّ صاحِبٍ يَصْحَبُ صاحِبًا مَسْؤُولٌ عَنْ صَحابَتِهِ ولَوْ ساعَةً مِن نَهارٍ)» .

وَرَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « (خَيْرُ الأصْحابِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهم لِصاحِبِهِ، وخَيْرُ الجِيرانِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهم لِجارِهِ)» .

﴿ وابْنِ السَّبِيلِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ المُسافِرُ المُجْتازُ مارًّا، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، والرَّبِيعِ.

والثّانِي: هو الَّذِي يُرِيدُ سَفَرًا ولا يَجِدُ نَفَقَةً، وهَذا قَوْلُ الشّافِعِيِّ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الضَّعِيفُ، وهو قَوْلُ الضَّحّاكِ.

والسَّبِيلُ الطَّرِيقُ، ثُمَّ قِيلَ لِصاحِبِ الطَّرِيقِ: ابْنُ السَّبِيلِ، كَما قِيلَ لِطَيْرِ الماءِ: ابْنُ ماءٍ.

قالَ الشّاعِرُ: ورَدَتِ اعْتِسافًا والثُّرَيّا كَأنَّها ∗∗∗ عَلى قِمَّةِ الرَّأْسِ ابْنُ ماءٍ مُلْحَقُ ﴿ وَما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ ﴾ يَعْنِي المَمْلُوكِينَ، فَأضافَ المِلْكَ إلى اليَمِينِ لِاخْتِصاصِها بِالتَّصَرُّفِ كَما يُقالُ: تَكَلَّمَ فُوكَ، ومَشَتْ رِجْلُكَ.

﴿ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ مُخْتالا فَخُورًا ﴾ المُخْتالُ: مَن كانَ ذا خُيَلاءَ، مُفْتَعَلٌ مِن قَوْلِكَ: خالَ الرَّجُلُ يَخُولُ خُيَلاءَ، وخالًا، قالَ العَجّاجُ: والخالُ ثَوْبٌ مِن ثِيابِ الجُهّالِ ∗∗∗ والدَّهْرُ فِيهِ غَفْلَةٌ لِلْغُفّالِ والفَخُورُ: المُفْتَخِرُ عَلى عِبادِ اللَّهِ بِما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِن آلائِهِ وبَسَطَ عَلَيْهِ مِن رِزْقِهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أحمد والبخاري عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين.

وأشار بالسبابة والوسطى» .

وأخرج أحمد عن أبي أمامة.

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من مسح رأس يتيم لم يمسحه إلا لله كان له بكل شعرة مرت عليها يده حسنات، ومن أحسن إلى يتيمة أو يتيم عنده كنت أنا وهو في الجنة كهاتين.

وقرن بين إصبعيه السبابة والوسطى» .

وأخرج ابن سعد وأحمد عن عمرو بن مالك القشيري.

سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من أعتق رقبة مسلمة فهي فداؤه من النار مكان كل عظم محرره بعظم من عظامه، ومن أدرك أحد والديه ثم لم يغفر له فأبعده الله، ومن ضم يتيماً من أبوين مسلمين إلى طعامه وشرابه حتى يغنيه الله وجبت له الجنة» .

وأخرج الحكيم الترمذي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أحسن إلى يتيم أو يتيمة كنت أنا وهو في الجنة كهاتين.

وقرن بين أصبعيه» .

وأخرج الحكيم والترمذي عن أم سعد بنت مرة الفهرية عن أبيها قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أنا وكافل اليتيم له أو لغيره إذا اتقى الله في الجنة كهاتين، أو كهذه من هذه» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان من طرق عن ابن عباس في قوله: ﴿ والجار ذي القربى ﴾ يعني الذي بينك وبينه قرابة ﴿ والجار الجنب ﴾ يعني الذي ليس بينك وبينه قرابة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن نوف الشامي في قوله: ﴿ والجار ذي القربى ﴾ قال: المسلم ﴿ والجار الجنب ﴾ قال: اليهودي والنصراني.

وأخرج أحمد والبخاري ومسلم عن أبي شريح الخزاعي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم عن عائشة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» .

وأخرج البخاري في الأدب عن ابن عمر: «سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: كم من جار متعلق بجاره يوم القيامة، يقول: يا رب هذا أغلق بابه دوني فمنع معروفه» .

وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه» .

وأخرج البخاري في الأدب والحاكم وصححه البيهقي في الشعب عن أبي هريرة قال: «قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: أن فلانة تقوم الليل، وتصوم النهار، وتفعل وتصدق، وتؤذي جيرانها بلسانها.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا خير فيها، هي من أهل النار.

قالوا: وفلانة تصلي المكتوبة، وتصوم رمضان، وتصدق بأثوار، ولا تؤذي أحداً.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هي من أهل الجنة» .

وأخرج البخاري في الأدب والحاكم وصححه عن عائشة قالت: «قلت: يا رسول الله إن لي جارين، فإلى أيهما أهدي؟

قال: إلى أقربهما منك باباً» .

وأخرج البخاري في الأدب عن أبي هريرة قال: لا يبدأ بجاره الأقصى قبل الأدنى، ولكن يبدأ بالأدنى قبل الأقصى.

وأخرج البخاري في الأدب عن الحسن أنه سئل عن الجار فقال: أربعين داراً أمامه، وأربعين خلفه، وأربعين عن يمينه، وأربعين عن يساره.

وأخرج البخاري في الأدب والحاكم وصححه والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رجل: «يا رسول الله إن لي جاراً يؤذيني.

فقال: انطلق فأخرج متاعك إلى الطريق.

فانطلق فأخرج متاعه، فاجتمع الناس عليه فقالوا: ما شأنك؟

قال: لي جار يؤذيني.

فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: انطلق فأخرج متاعك إلى الطريق، فجعلوا يقولون: اللهم العنه، اللهم أخزه، فبلغه فأتاه فقال: ارجع إلى منزلك، فوالله لا أوذيك أبداً» .

وأخرج البخاري في الأدب والبيهقي عن أبي جحيفة قال: «شكا رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم جاره فقال: احمل متاعك فضعه على الطريق فمن مر به يلعنه.

فجعل كل من يمر به يلعنه، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما لقيت من لعنة الناس؟

فقال: إن لعنة الله فوق لعنتهم، وقال للذي شكا: كفيت أو نحوه» .

وأخرج البخاري في الأدب عن ثوبان قال: ما من جار يظلم جاره ويقهره حتى يحمله ذلك على أن يخرج من منزله إلا هلك.

وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن.

قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟!

قال: جار لا يأمن جاره بوائقه.

قالوا: فما بوائقه؟

قال: شره» .

وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم عن أنس.

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ليس بؤمن من لا يأمن جاره غوائله» .

وأخرج الحاكم وصححه عن ابن مسعود مرفوعاً: «إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم، وإن الله يعطي المال من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الإيمان إلا من يحب، فمن أعطاه الإيمان فقد أحبه والذي نفس محمد بيده لا يسلم عبد حتى يسلم قلبه، ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه» .

وأخرج أحمد والحاكم عن عمر.

سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يشبع الرجل دون جاره» .

وأخرج أحمد عن أبي أمامة قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصي بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» .

وأخرج أحمد من طريق أبي العالية عن رجل من الأنصار قال: خرجت من أهلي أريد النبي صلى الله عليه وسلم فإذا به قائم ورجل معه مقبل عليه، فظننت أن لهما حاجة.

فلما انصرف قلت: يا رسول الله لقد قام بك هذا الرجل حتى جعلت أرثي لك من طول القيام.

قال: «أوقد رأيته؟

قلت: نعم.

قال: أتدري من هو؟

قلت: لا.

قال: ذاك جبريل، ما زال يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه، ثم قال: أما أنك لو سلمت رد عليك السلام» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أوصاني جبريل بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم إني أعوذ بك من جار سوء في دار المقامة، فإن جار البادية يتحول» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي لبابة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا قليل من أذى الجار» .

وأخرج أحمد والبخاري في الأدب والبيهقي عن المقداد بن الأسود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «ما تقولون في الزنا؟

قالوا: حرمه الله ورسوله فهو حرام إلى يوم القيامة.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره، وقال ما تقولون في السرقة؟

قالوا: حرمها الله ورسوله فهي حرام.

قال: لأن يسرق الرجل من عشرة أبيات أيسر عليه من أن يسرق من جاره» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن ابن عباس في قوله: ﴿ والصاحب بالجنب ﴾ قال: الرفيق في السفر.

وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير ومجاهد.

مثله.

وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن المنذر وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم ﴿ والصاحب بالجنب ﴾ قال: هو جليسك في الحضر، ورفيقك في السفر، وامرأتك التي تضاجعك.

وأخرج ابن جرير من طريق ابن أبي فديك عن فلان بن عبد الله عن الثقة عنده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان معه رجل من أصحابه وهما على راحلتين، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم في غيضة طرفاء، فقطع نصلين أحدهما معوج والآخر معتدل، فخرج بهما، فأعطى صاحبه المعتدل وأخذ لنفسه المعوج فقال الرجل: يا رسول الله أنت أحق بالمعتدل مني!

فقال: «كلا يا فلان، إن كل صاحب يصحب صاحباً مسؤول عن صحابته ولو ساعة من نهار» .

وأخرج البخاري في الأدب المفرد والترمذي وابن جرير والحاكم عن ابن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره» .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن علي في قوله: ﴿ والصاحب بالجنب ﴾ قال: المرأة.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني عن ابن مسعود.

مثله.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس.

مثله.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ وما ملكت أيمانكم ﴾ قال: مما خوّلك الله فأحسن صحبته، كل هذا أوصى الله به.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل ﴿ وما ملكت أيمانكم ﴾ يعني من عبيدكم وإمائكم، يوصي الله بهم خيراً أن تؤدوا إليهم حقوقهم التي جعل الله لهم.

وأخرج عبد الرزاق وأحمد والبخاري ومسلم عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يديه فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم ما يغلبهم فأعينوهم» .

وأخرج البخاري في الأدب عن جابر بن عبد الله قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصي بالمملوكين خيراً ويقول: أطعموهم مما تأكلون، وألبسوهم من لبوسكم، ولا تعذبوا خلق الله» .

وأخرج ابن سعد عن أبي الدرداء.

أنه رؤى عليه برد وثوب أبيض، وعلى غلامه برد وثوب أبيض.

فقيل له...

فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «اكسوهم مما تلبسون، وأطعموهم مما تأكلون» .

وأخرج البخاري في الأدب المفرد وأبو داود والبيهقي في الشعب عن علي قال: كان آخر كلام النبي صلى الله عليه وسلم: «الصلاة الصلاة، اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم» .

وأخرج البزار عن أبي رافع قال: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: «الله الله وما ملكت أيمانكم، والصلاة.

فكان ذلك آخر ما تكلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم» .

وأخرج البيهقي في الدلائل عن أم سلمة قالت: كانت عامة وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم عند موته: «الصلاة الصلاة، وما ملكت أيمانكم، حتى يلجلجها في صدره وما يفيض بها لسانه» .

وأخرج أحمد والبيهقي في شعب الإيمان عن أنس قال: كانت عامة وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حضره الموت: «الصلاة، وما ملكت أيمانكم، حتى جعل يغرغرها في صدره وما يفيض بها لسانه» .

وأخرج عبد الرزاق ومسلم والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «للمملوك طعامه، وكسوته، ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق» .

وأخرج البيهقي عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الفقير عند الغني فتنة، وإن الضعيف عند القوي فتنة، وإن المملوك عند المليك فتنة، فليتق الله وليكلفه ما يستطيع، فإن أمره أن يعمل بما لا يستطيع فليعنه عليه، فإن لم يفعل فلا يعذبه» .

وأخرج أحمد والبيهقي عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لاءمكم من خدمكم فأطعموهم مما تأكلون، وألبسوهم مما تلبسون، ومن لا يلائمكم منهم فبيعوهم ولا تعذبوا خلق الله» .

وأخرج الطبراني والبيهقي عن رافع بن مكيث قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سوء الخلق شؤم، وحسن الملكة نماء، والبر زيادة في العمر، والصدقة تدفع ميتة السوء» .

وأخرج البيهقي عن أبي بكر الصديق.

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يدخل الجنة سيء الملكة» .

وأخرج أبو داود والترمذي وحسنه والبيهقي عن ابن عمر قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله كم نعفو عن العبد في اليوم؟

قال: سبعين مرة» .

وأخرج البيهقي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا ضرب أحدكم خادمه فذكر الله فليمسك» .

وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول والبيهقي عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تضربوا الرقيق فإنكم لا تدرون ما توافقون» .

وأخرج البيهقي عن ابن عمر قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «ما حق امرأتي عليّ؟

قال: تطعمها مما تأكل، وتكسوها مما تكتسي، قال: فما حق جاري عليّ؟

قال: تنوسه معروفك، وتكف عنه أذاك.

قال: فما حق خادمي عليّ؟

قال: هو أشد الثلاثة عليك يوم القيامة» .

وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن سعد وأحمد عن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب عن أبيه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: «أرقاءكم، أرقاءكم، أطعموهم مما تأكلون، واكسوهم مما تلبسون، وإن جاؤوا بذنب لا تريدون أن تغفروه فبيعوا عباد الله ولا تعذبوهم» ، كذا قال ابن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، وقال عبد الرزاق وأحمد بن عبد الرحمن بن يزيد.

وأخرج عبد الرزاق عن داود بن أبي عاصم قال: بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صه، أطت السماء وحق لها أن تئط، ما في السماء موضع كف- أو قال شبر- إلا عليه ملك ساجد، فاتقوا الله، وأحسنوا إلى ما ملكت أيمانكم، أطعموهم مما تأكلون، واكسوهم مما تلبسون، ولا تكلفوهم ما لا يطيقون، فإن جاؤوا بشيء من أخلاقهم يخالف شيئاً من أخلاقكم فولوا شرهم غيركم ولا تعذبوا عباد الله» .

وأخرج عبد الرزاق عن عكرمة قال: «مر النبي صلى الله عليه وسلم بأبي مسعود الأنصاري وهو يضرب خادمه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم والله لله أقدر عليك منك على هذا.

قال: ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمثل الرجل بعبده فيعور، أو يجدع.

قال: أشبعوهم ولا تجيعوهم، واكسوهم ولا تعروهم.

ولا ولا تكثروا ضربهم فإنكم مسؤولون عنهم، ولا تعذبوهم بالعمل، فمن كره عبده فليبعه ولا يجعل رزق الله عليه عناء» .

وأخرج عبد الرزاق ومسلم عن زاذان قال: كنت جالساً عند ابن عمر فدعا بعبد له فأعتقه ثم قال: ما لي من أجره ما يزن هذا- وأخذ شيئاً بيده- إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من ضرب عبداً له حداً لم يأته أو لطمه فإن كفارته أن يعتقه» .

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وأحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن سويد بن مقرن قال: «كنا بني مقرن سبعة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولنا خادمة ليس لنا غيرها، فلطمها أحدنا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أعتقوها.

فقلنا: ليس لنا خادم غيرها يا رسول الله.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: تخدمكم حتى تستغنوا عنها ثم خلوا سبيلها» .

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة والبخاري في الأدب عن عمار بن ياسر قال: لا يضرب أحد عبداً له وهو ظالم له إلا أقيد منه يوم القيامة.

وأخرج عبد الرزاق عن أبي هريرة قال: أشد الناس على الرجل يوم القيامة مملوكه.

وأخرج عبد الرزاق والترمذي وصححه عن أبي مسعود الأنصاري قال: بينا أنا أضرب غلاماً لي، إذ سمعت صوتاً من ورائي، فالتفت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «والله لله أقدر عليك منك على هذا.

فحلفت أن لا أضرب مملوكاً لي أبداً» .

وأخرج عبد الرزاق عن الحسن قال: بينا رجل يضرب غلاماً له وهو يقول: أعوذ بالله وهو يضرب، إذ بصر برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أعوذ برسول الله.

فألقى ما كان في يده وخلى عن العبد.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أما والله لله أحق أن يعاذ، من استعاذ به مني؟

فقال الرجل: يا رسول الله فهو لوجه الله.

قال: والذي نفسي بيده لو لم تفعل لدافع وجهك سفع النار» .

وأخرج عبد الرزاق عن ابن التيمي قال: حلفت أن أضرب مملوكة لي فقال لي أبي: إنه قد بلغني أن النفس تدور في البدن فربما كان قرارها الرأس، وربما كان قرارها في موضع كذا وكذا- حتى عدد مواضع- فتقع الضربة عليها فتتلف فلا تفعل.

وأخرج أحمد في الزهد عن أبي المتوكل الناجي.

أن أبا الدرداء كانت لهم وليدة، فلطمها ابنه يوماً لطمة فأقعده لها وقال: اقتصي...

فقالت: قد عفوت...

فقال: إن كنت عفوت فاذهبي فادعي من هناك من حرام فأشهديهم أنك قد عفوت.

فذهبت فدعتهم فأشهدتهم أنها قد عفت.

فقال: اذهبي فأنت لله وليت آل أبي الدرداء ينقلبون كفافاً.

وأخرج أحمد عن أبي قلابة قال: دخلنا على سلمان وهو يعجن، قلنا: ما هذا؟

قال: بعثنا الخادم في عمل فكرهنا أن نجمع عليها عملين.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ إن الله لا يحب من كان مختالاً ﴾ قال: متكبراً ﴿ فخوراً ﴾ قال: بعدما أعطي وهو لا يشكر الله.

وأخرج أبو يعلى والضياء المقدسي في المختارة عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا جمع الله الناس في صعيد واحد يوم القيامة، أقبلت النار يركب بعضها بعضاً، وخزنتها يكفونها وهي تقول: وعزة ربي لتخلن بيتي وبين أزواجي أو لأغشيّن الناس عنقاً واحداً.

فيقولون: ومن أزواجك؟

فتقول كل متكبر جبار، فتخرج لسانها فتلقطهم به من بين ظهراني الناس، فتقذفهم في جوفها ثم تستأخر، ثم تقبل يركب بعضها بعضاً وخزنتها يكفونها وهي تقول: وعزة ربي لتخلي بيني وبين أزواجي أو لأغشين الناس عنقاً واحداً.

فيقولون: ومن أزواجك؟

فتقول: كل مختال فخور، فتلقطهم بلسانها من بين ظهراني الناس فتقذفهم في جوفها، ثم تستأخر ويقضي الله بين العباد» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والنسائي والبيهقي في شعب الإيمان عن جابر بن عتيك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من الغيرة ما يحب الله ومنها ما يبغض الله، وإن من الخيلاء ما يحب الله ومنها ما يبغض الله.

فأما الغيرة التي يجب الله فالغيرة في الريبة، وأما الغيرة التي يبغض الله فالغيرة في غير ريبة.

وأما الخيلاء التي يحبها الله فاختيال الرجل بنفسه عند القتال واختياله عند الصدقة، والخيلاء التي يبغض الله فاختيال الرجل بنفسه في الفخر والبغي» .

وأخرج أحمد والحاكم وصححه عن جابر بن سليم الهجيمي قال: «أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض طرق المدينة قلت: عليك السلام يا رسول الله، فقال: عليك السلام تحية الميت، سلام عليكم، سلام عليكم، سلام عليكم، أي هكذا فقل.

قال فسألته عن الإزار؟

فأقنع ظهره وأخذ بمعظم ساقه فقال: هاهنا ائتزر، فإن أبيت فههنا أسفل من ذلك، فإن أبيت فههنا فوق الكعبين، فإن أبيت فإن الله لا يحب كل مختال فخور.

فسألته عن المعروف، فقال: لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تعطي صلة الحبل، ولو أن تعطي شسع النعل، ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستقي، ولو أن تنحي الشيء من طريق الناس يؤذيهم، ولو أن تلقى أخاك ووجهك إليه منطلق، ولو أن تلقى أخاك فتسلم عليه، ولو أن تؤنس الوحشان في الأرض.

وإن سبك رجل بشيء يعلمه فيك وأنت تعلم فيه نحوه فلا تسبه فيكون أجره لك ووزره عليه، وما سَرَّ أذنك أن تسمعه فاعمل به، وما ساء أذنك أن تسمعه فاجتنبه» .

وأخرج أحمد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن مطرف بن عبد الله قال: قلت لأبي ذر: بلغني أنك تزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثكم أن الله يحب ثلاثة ويبغض ثلاثة.

قال: أجل...

قلت: من الثلاثة الذين يحبهم الله؟

قال: رجل غزا في سبيل الله صابراً محتسباً مجاهداً فلقي العدو فقاتل حتى قتل، وأنتم تجدونه عندكم في كتاب الله المنزل.

ثم قرأ هذه الآية ﴿ إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص ﴾ [ الصف: 4] ، ورجل له جار سوء يؤذيه فصبر على آذاه حتى يكفيه الله إياه إما بحياة وإما بموت، ورجل سافر مع قوم فأدلجوا حتى إذا كانوا من آخر الليل وقع عليهم الكرى فضربوا رؤوسهم، ثم قام فتطهر رهبة لله ورغبة فيما عنده.

قلت: فمن الثلاثة الذين يبغضهم الله؟

قال: المختال الفخور، وأنتم تجدونه في كتاب الله المنزل ثم تلا ﴿ إن الله لا يحب من كان مختالاً فخوراً ﴾ قلت: ومن؟

قال: البخيل المنان.

قلت: ومن؟

قال: البائع الحلاف.

وأخرج ابن جرير عن أبي رجاء الهروي قال: لا تجد سيء الملكة إلا وجدته مختالاً فخوراً، وتلا ﴿ وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالاً فخوراً ﴾ ولا عاقاً إلا وجدته جباراً شقياً وتلا ﴿ وبراً بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقياً ﴾ [ مريم: 32] .

وأخرج ابن أبي حاتم عن العوام بن حوشب.

مثله.

وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي والبغوي والباوردي والطبراني وابن أبي حاتم عن رجل من بلجبيم قال: قلت: يا رسول الله أوصني.

قال: «إياك وإسبال الإزار، فإن إسبال الإزار من المخيلة، وإن الله لا يحب المخيلة» .

وأخرج البغوي وابن قانع في معجم الصحابة والطبراني وابن مردويه عن ثابت بن قيس بن شماس قال: «كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ هذه الآية ﴿ إن الله لا يحب من كان مختالاً فخوراً ﴾ فذكر الكبر فعظمه، فبكى ثابت فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما يبكيك؟

فقال: يا رسول الله إني لأحب الجمال حتى إنه ليعجبني أن يحسن شراك نعلي.

قال: فأنت من أهل الجنة، إنه ليس بالكبر أن تحسن راحلتك ورحلك، ولكن الكبر من سفه الحق وغمص الناس» .

وأخرج أحمد عن سمرة بن فاتك.

أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «نعم الفتى سمرة، لو أخذ من لمنة وشمر من مئزره» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله تعالى: ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾ .

قال الزجاج المعنى: أوصاكم الله بعبادته، وأوصاكم بالوالدين إحسانًا (١) وقال الفراء: وأحسنوا بالوالدين إحسانًا.

أمرهم بالإحسان (٢) قال ابن عباس: يريد البِرّ بهما مع اللطف ولين الجانب، ولا يُغلظ لهما الجواب، ولا يُحدّ إليهما النظر، ولا يرفع صوته عليهما، كما قال الله: ﴿ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ  ﴾ يكون بين أيديهما ذليلًا مثل العبد بين يدي السيد الفظّ الغليظ، تذلّلًا لهما مع المحبة (٣) ﴿ وَبِذِي الْقُرْبَى ﴾ ، القربى مصدر كالقرابة (٤) قال ابن عباس: يصله ويعطف عليه (٥) (٦) ﴿ وَالْيَتَامَى ﴾ ، قال ابن عباس: يرفق بهم ويدنيهم ويمسح رأسهم.

﴿ وَالْمَسَاكِينِ ﴾ ، قال: يريد: بَذْلُ يسر، أو ردّ جميل (٧) ﴿ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى ﴾ ، قال عامة المفسرين: يعني القريب في النسب، الذي يبنك وبينه قرابة، وله حقوق؛ حق القرابة وحق الجوار وحق الإسلام (٨) ودل كلام الزجاج على أنه أراد بالقُربى ههنا قرب الدار والمعرفة والاختلاط، لأنه قال: هو الذي يقاربك ويعرفك (٩) ﴿ وَالْجَارِ الْجُنُبِ ﴾ ، فكما أن الغريب لا يعرفك لبعد داره فالجار ذي القربى هو الذي يعرفك لقرب داره وأرضه من دارك وأرضك (١٠) والذي عليه المفسرون هو الأول.

وقوله تعالى: ﴿ وَالْجَارِ الْجُنُبِ ﴾ .

الجنب نعت على فعل، مثل: (أُحُد) في: ناقةٌ أُحُد، وبابٌ غُلُق (١١) (١٢) قال علقمة بن عبدة (١٣) فَلا تَحْرمنِّى نَائِلًا عن جَنَابةٍ ...

فإني امرؤٌ وَسْط القِبَاب غَريبُ (١٤) وقال الأعشى (١٥) أتيتُ حُريثًا زائرًا عن جنابةٍ ...

وكان حُرَيثٌ عن عَطَائِيَ جَامِدًا (١٦) كِرامٌ إذا ما جئتَهم عن جنابةٍ ...

أعفّاءُ عن جار الخليطِ المجاور (١٧) ورجل جُنُب، إذا كان غريبًا متباعدًا عن أهله.

وقوم أجناب، ورجل أجنَب وأجنبي، وهو البعيد منك في القرابة (١٨) ﴿ وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ  ﴾ .

والجانبان الناحيتان لتنحّي كل واحدة (١٩) (٢٠) وروى المفضَّل عن عَاصم (٢١) ﴿ وَالْجَارِ الْجُنُبِ ﴾ بفتح الجيم وسكون النون (٢٢) أحدهما: أن يريد بالجنب الناحية، ويكون المعنى على هذا: ذي الجَنْب، فحذف المضاف؛ لأن المعنى مفهوم، ألا ترى أن الناحية لا يكون الجار إياها، والمعنى: ذي ناحية ليس هو الآن بها، أي: هو غريب (٢٣) والآخر: أن يكون وصفًا، مثل: ضرب وندب وفسل (٢٤) (٢٥) قال ابن عباس وعامتهم: الجار الجنب هو الذي ليس بينك وبينه قرابة (٢٦) (٢٧) ومعنى وصفه بالبُعد ههنا أنه ليس من قومك، ونَسبُه بعيد عنك، ألا ترى أن مجاهدًا وقتادة قالا: هو جارك من قوم آخرين (٢٨) ويحتمل أن يُراد بهذا البُعد بُعد الدار، وهو الغريب من بلد غير بلدك يجاورك، فهو متباعد عن أهله وبلده.

وإلى هذا ذهب الزجاج، فإنه قال: هو الجار الغريب (٢٩) (٣٠) وحكى ابن جرير عن نَوفٍ البِكَالي (٣١) (٣٢)  في المشرك الجار: "له حق الجِوَار وإن كان مشركًا" (٣٣) وقوله تعالى: ﴿ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ ﴾ .

قال ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة والحسن والسدي والضحاك: هو الرفيق في السفر (٣٤) قال عطاء عن ابن عباس: يريد صاحبك في السفر، وهو جارك إلى جانبك، فله حق الجوار وحق الصحبة (٣٥) وهذا اختيار الفراء (٣٦) (٣٧) (٣٨) وقال علي وابن مسعود وابن أبي ليلى (٣٩) (٤٠) وقال ابن جريج وابن زيد: هو الذي يلزمك ويصحبك رجاء خيرك ونفعك (٤١) وقوله تعالى: ﴿ وَابْنِ السَّبِيل ﴾ .

هو الضيف، يجب قِراه إلى أن يبلغ حيث يريد.

قال ابن عباس ومجاهد والربيع: يريد عابر السبيل، تُروِيه وتُطعِمه حتى يرحل عنك (٤٢) ﴿ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ﴾ يعني المماليك.

قال ابن عباس: يريد المملوك، تُحسن رزقَه وتحتمل مساوئه وتعفو عنه فيما يُخطئ، فإن لاءمك فاحسبه وأنت مُحسن، وإن خالفك في الملاءمة فبعه لعله يوافق غيرك وتبرأ من إثمه (٤٣) وروى عمر بن الخطاب أن رسول الله  قال: "من ابتاع شيئًا من الخدم فلم يوافق شيمته شيمته فليبع ويشتر حتى يوافق شيمته شيمته، فإن الناس شِيمَ، ولا تعذبوا عباد الله" (٤٤) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا  ﴾ المختال: ذو الخيلاء والكبر (٤٥) قال ابن عباس: يريد بالمختال العظيم في نفسه، الذي لا يقوم بحقوق الله (٤٦) قال الزجاج: وإنما ذكر الاختيال ههنا، لأنَّ المختال يأنف من ذوي قراباته إذا كانوا فقراء، ومن جيرانه إذا كانوا كذلك، فلا يُحسن عشرتهم (٤٧) وذكرنا اشتقاقه في اللغة عند قوله: ﴿ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ  ﴾ .

ومعنى الفخر في اللغة هو البذخ والتطاول، والفخور الذي يعدِّد مناقبه كبرًا وتطاولًا (٤٨) قال ابن عباس: هو الذي يفخر على عباد الله بما خوّله الله من كرامته وما أعطاه من نعمته (٤٩) (١) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 49.

(٢) "معاني القرآن" 1/ 266، وعبارته: أمرهم بالإحسان إلى الوالدين.

وفي "زاد المسير" 2/ 79: قال الفراء: أغراهم بالإحسان إلى الوالدين.

(٣) لم أقف عليه.

(٤) انظر: الطبري 5/ 77.

(٥) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 84 (٦) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 50.

(٧) لم أقف عليه.

(٨) انظر: الطبري 5/ 78، "بحر العلوم" 1/ 353، "الكشف والبيان" 4/ 52/ أ، "النكت والعيون" 1/ 485.

(٩) "معانى القرآن وإعرابه" 2/ 50.

(١٠) عبارة الزجاج في "معانيه" 2/ 50: ﴿ وَالْجَارِ الْجُنُبِ ﴾ والجار القريب المتباعد.

واستشهد على ذلك بيت من الشعر هو: فلا تحرمنّي نائلًا عن جَنَابة ...

فإني امرؤٌ وسط القباب غريبُ وسيأتي.

(١١) في (أ): (علق) بالعين المهملة.

(١٢) انظر: "الطبري" 5/ 80، "الحجة" 3/ 158.

(١٣) هو علقمة بن عبدة بن ناشرة بن قيس التميمي، شاعر جاهلي مجيد، كان يلقب بالفحل لحادثة جرت بينه وبين امرئ القيس.

توفي قبل الهجرة بنحو عشرين سنة.

انظر: "الشعر والشعراء" ص 125، "طبقات الشعراء" 58، "الأعلام" 4/ 247.

(١٤) "ديوانه" ص 31، "الكامل" 3/ 16، والاختيارين للأخفش الأصغر ص 656، وفيه: الديار بدل القباب، "الزاهر" 1/ 430.

والجَنابة: البعد والغربة وهو الشاهد.

والمعنى: لا تحرمني بعد غربة وبعد عن دياري.

والبيت من قصيدة في فكاك أسر أخ له.

(١٥) هو ميمون بن قيس بن جندل الوائلي -الأعشى الكبير- تقدمت ترجمته.

(١٦) "ديوانه" 43، "الكامل" 3/ 15، "الطبري" 5/ 80، "معاني الزجاج" 2/ 50، الثعلبي 4/ 25 ب.

وجاء في حاشية "ديوانه": حُرَيث: تصغير لكلمة حارث، وهو ذم للحارث بن وعلة بن مجالد الى الرقاشي.

الجنابَة: البعد.

وانظر "الكامل" 2/ 902، 903.

(١٧) البيت للراعي النميري في "ديوانه" ص 108، و"تاريخ دمشق" 38/ 190.

(١٨) انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 663، "اللسان" 2/ 692 (جنب).

(١٩) في (أ): (واحد) بالتذكير.

(٢٠) انظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 446، "الحجة" 3/ 158.

(٢١) هو أبو بكر عاصم بن أبي النجود -بهدلة- الأسدي الكوفي الإمام المقرئ وأحد القراء السبعة المشاهير الحجة، وقد أخرج حديثه الجماعة، توفي -رحمه الله- سنة 120هـ.

انظر: "السبعة" ص 69، "مشاهير علماء الأمصار" ص 165، "التقريب" ص 285 رقم (3054).

(٢٢) "السبعة" ص 233، "الحجة" 3/ 157.

وقال ابن مجاهد وأبو علي - رحمهما الله: ولم يآت بها غيره.

وانظر: "معاني القراءات" 1/ 307.

(٢٣) في "الحجة" 3/ 158: هو غريب عنها، والكلام في توجيه القراءتين لأبي علي.

(٢٤) هكذا بالفاء عند أبي علي في "الحجة"، وفي النسختين من المخطوط كأنها بالنون (نسل).

(٢٥) انتهى من "الحجة" 3/ 158.

(٢٦) "تفسير ابن عباس" ص 148.

وأخرجه الطبري 5/ 79 - 80 عن ابن عباس، وهو قول قتادة والسدي ومجاهد وابن زيد والضحاك كما أخرجه الطبري، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 52 ب، "زاد المسير" 2/ 79.

(٢٧) انظر: "الطبري" 5/ 79، "بحر العلوم" 1/ 353.

(٢٨) أخرجه عنهما عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 159، والطبري 5/ 79.

(٢٩) في (د): (القريب)، وكذا في "معاني الزجاج"، ولعل ما أثبته هو الأولى.

(٣٠) "معاني الزجاج" 2/ 50.

(٣١) هو أبو عمرو نوف بن فضالة البكالي، تابعي صالح، شامي مستور، أخرج له البخاري ومسلم، وأما تكذيب ابن عباس له فلِمَا رواه عن أهل الكتاب، مات -رحمه الله - بعد سنة 90 هـ.

انظر: "مشاهير علماء الأمصار" ص 121.

(٣٢) أخرجه الطبري 5/ 80 بلفظ: اليهودي والنصراني، وانظر: "زاد المسير" 2/ 79، و"ابن كثير" 1/ 540.

(٣٣) جزء من حديث أخرجه البزار بنحوه مطولًا، كما في "كشف الأستار" 2/ 380.

وانظر: ابن كثير 1/ 541، والثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 53 أ، وهذا لفظه، وضعفه الهيثمي في "مجمع الزوائد" 1/ 164 بقوله: رواه البزار عن شيخه عبد الله ابن محمد الحارثي وهو وضاع.

(٣٤) قول ابن عباس في "تفسيره" ص 148 بلفظ: الرفيق فقط، وأخرجه عن جميعهم الطبري 5/ 80 - 81، إلا الحسن، فانظر: ابن كثير 1/ 840.

(٣٥) الذي وقفت عليه نحو ذلك من طريق علي ابن أبي طلحة عن ابن عباس في "تفسيره" ص 148، وأخرجه الطبري 5/ 80.

(٣٦) في "معاني القرآن" 1/ 267.

(٣٧) في "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 50.

(٣٨) في "غريب القرآن" ص 119.

(٣٩) هو عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري المدني، تقدمت ترجمته.

(٤٠) أخرج الآثار عنهم الطبري 5/ 81 - 82، وانظر: "زاد المسير" 2/ 80.

(٤١) ابن جرير روى نحو ذلك عن ابن عباس، وهذا لفظ ابن زيد أخرج ذلك الطبري 5/ 82، وانظر "زاد المسير" 2/ 80.

(٤٢) أخرجه عن مجاهد عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 159، وذلك عنه وعن الربيع، "الطبري" 5/ 83.

(٤٣) لم أقف عليه.

(٤٤) لم أقف عليه.

(٤٥) "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 119، وانظر الطبري 5/ 84، "بحر العلوم" 1/ 354.

(٤٦) لم أقف عليه (٤٧) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 51، وانظر: "زاد المسير" 2/ 81.

(٤٨) انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2750، "أساس البلاغة" 2/ 189، "اللسان" 6/ 3361 (فخر).

(٤٩) لم أقف عليه، وانظر: "النكت والعيون" 1/ 489.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ والجار ذِي القربى والجار الجنب ﴾ قال ابن عباس: الجار ذي القربى هو القريب النسب، والجار الجنب هو الأجنبي، وقيل: ذي القربى القريب المسكن منك، والجنب البعيد المسكن عنك، وحد الجوار عند بعضهم: أربعون ذراعاً من كل ناحية ﴿ والصاحب بالجنب ﴾ قال ابن عباس: الرفيق في السعي، وقال عليّ بن أبي طالب: الزوجة ﴿ مُخْتَالاً ﴾ اسم فاعل وزنه مفتعل من الخيلاء، وهو الكبر وإعجاب المرء بنفسه ﴿ فَخُوراً ﴾ شديد الفخر.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: {يكفر{ و ﴿ يدخلكم ﴾ بياء الغيبة: المفضل.

الباقون بالنون.

﴿ مدخلاً ﴾ بفتح الميم وكذلك في الحج: أبو جعفر ونافع.

الباقون بالضم ﴿ واسئلوا ﴾ وبابه مما دخل عليه واو العطف أو فاؤه بغير همزة: ابن كثير وعلي وخلف وسهل وحمزة في الوقف.

﴿ عقدت ﴾ من العقد: عاصم وحمزة وعلي وخلف.

الباقون ﴿ عاقدت ﴾ من المعاقدة ﴿ بما حفظ الله ﴾ بالنصب: يزيد.

الباقون بالرفع.

﴿ والجار ﴾ بالإمالة: إبراهيم بن حماد وقتيبة ونصير وأبو عمرو وحمزة في رواية ابن سعدان وأبي عمرو والنجاري عن ورش ﴿ والجار الجنب ﴾ بفتح الجيم وسكون النون: المفضل.

البقاون بضمتين ﴿ بالبخل ﴾ بفتحيتن حيث كان: حمزة وعلي وخلف والمفضل عباس مخير.

الباقون: بضم الباء وسكون الخاء.

﴿ حسنة ﴾ بالرفع: ابن كثير وأبو جعفر ونافع.

الباقون بالنصب ﴿ يضعفها ﴾ بالتشديد: ابن كثير وابن عامر ويزيد ويعقوب.

الباقون ﴿ يضاعفها ﴾ بالألف.

الوقوف: ﴿ كريماً ﴾ ه ﴿ على بعض ﴾ ط ﴿ مما اكتسبن ﴾ ط ﴿ من فضله ﴾ ط ﴿ عليماً ﴾ ه ﴿ والأقربون ﴾ ط بناء على أن ما بعد مبتدأ ﴿ نصيبهم ﴾ ط ﴿ شهيداً ﴾ ه ﴿ من أموالهم ﴾ ج لأن ما يتلوا مبتدأ ﴿ بما حفظ الله ﴾ ط ﴿ واضربوهن ﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿ سبيلاً ﴾ ط ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ من أهلها ﴾ ج لأن " أن " للشرط مع اتحاد الكلام ﴿ بينهما ﴾ ط ﴿ خبيراً ﴾ ه ﴿ وابن السبيل ﴾ ط للعطف ﴿ أيمانكم ﴾ ط ﴿ فخوراً ﴾ ه لا بناء على أن الذين بدل ﴿ من فضله ﴾ ط ﴿ مهيناً ﴾ ه ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والعطف ﴿ باليوم الآخر ﴾ ط وإن جعل "الذين" مبتدأ لأن خبره محذوف أي فأولئك قرينهم الشيطان ﴿ قريناً ﴾ ه ﴿ رزقهم الله ﴾ ط ﴿ عليماً ﴾ ه ﴿ ذرة ﴾ ط لانقطاع النظم مع اتفاق المعنى أي لا يظلم بنقص الثواب ومع ذلك يضاعفه ﴿ عظيماً ﴾ ه.

التفسير: هذا كالتفصيل للوعيد المتقدم.

ومن الناس من قال: جميع الذنوب والمعاصي كبائر.

روى سعيد بن جبير عن ابن عباس: كل شيء عصي الله فيه فهو كبيرة، فمن عمل شيئاً منها فليستغفر الله فإنّ الله لا يخلد في النار من هذه الأمة إلاّ راجعاً عن الإسلام أو جاحداً فريضة أو منكراً لقدر.

وضعف بأن الذنوب لو كانت كلها كبائر لم يبق فرق بين ما يكفر باجتناب الكبائر وبين الكبائر وبقوله  : ﴿ وكل صغير وكبير مستطر  ﴾ ﴿ لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها  ﴾ وبأنه  نص على ذنوب بأعيانها أنها كبائر، وبقوله  : ﴿ وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان  ﴾ ولا بد من فرق بين الفسوق والعصيان.

فالكبائر هي الفسوق، والصغائر العصيان.

حجة المانع ما روي عن ابن عباس: أنّ الذنب إنما يكبر لوجهين: لكثرة نعم من / عصى فيه ولجلالته، ولا شك أن نعمه  غير متناهية وأنه أجل الموجودات فيكون عصيانه كبيراً.

وعورض بأنه أرحم الراحمين وأغنى عن طاعات المطيعين، وكل ذلك يوجب خفة الذنب وإن سلم أن الذنوب كلها كبائر من حيث إنها ذنوب ولكن بعضها أكبر من بعض وذلك يوجب التفاوت.

وإذ قد عرفت أن الذنوب بعضها صغائر وبعضها كبائر فالكبيرة تتميز عن الصغيرة بذاتها أو باعتبار فاعلها.

ذهب إلى كل واحد طائفة.

فمن الأولين من قال: ويروى عن ابن عباس كل ما جاء في القرآن مقروناً بذكر الوعيد فهو كبيرة كالقتل المحرم والزنا وأكل مال اليتيم وغيرها.

وزيف بأنه لا ذنب إلاّ وهو متعلق الذم عاجلاً والعقاب آجلاً فيكون كل ذنب كبيراً وهو خلاف المفروض.

وعن ابن مسعود أن الكبائر هي ما نهى الله  في الآيات المتقدمة، وضعف بأنه  ذكر الكبائر في سائر السور أيضاً فلا وجه للتخصيص.

وقيل: كل عمد فهو كبير.

ورُدّ بأنه إن أراد بالعمد أنه ليس بساهٍ فما هذا حاله فهو الذي نهى الله عنه فيكون كل ذنب كبيراً وقد أبطلناه، وإن أراد بالعمد أن يفعل المعصية مع العلم بأنها معصية فلا يكون كفر اليهود والنصارى كبيراً وهو باطل بالاتفاق.

وأما الذين يقولون الكبائر تمتاز عن الصغائر باعتبار فاعلها، فوجهه أنّ لكل طاعة قدراً من الثواب، ولكل معصية قدراً من العقاب.

فإذا وجد للإنسان طاعة ومعصية فالتعادل بين الاستحقاقين وإن كان ممكناً بحسب العقل إلاّ أنه غير ممكن بحسب السمع وإلاّ لم يكن مثل ذلك المكلف لا في الجنة ولا في النار وقد قال  : ﴿ فريق في الجنة وفريق في السعير  ﴾ فلا بد من ترجيح أحدهما، ويلزم حينئذٍ الإحباط والتكفير.

والحق في هذه المسألة وعليه الأكثرون بعد ما مرّ من إثبات قسمة الذنب إلى الكبير والصغير أنه  لم يميّز جملة الكبائر عن جملة الصغائر لما بين في هذه الآية أن الاجتناب عن الكبائر يوجب تكفير الصغائر.

فلو عرف المكلف جميع الكبائر اجتنبها فقط واجترأ على الإقدام على الصغائر، أما إذا عرف أنه لا ذنب إلاّ ويجوز كونه كبيراً صار هذا المعنى زاجراً له عن الذنوب كلها، ونظير هذا في الشرع إخفاء ليلة القدر في ليالي رمضان، وساعة الإجابة في ساعات الجمعة، ووقت الموت في جملة الأوقات.

هذا ولا مانع من أن يبيّن الشارع في بعض الذنوب أنه كبيرة كما روي أنه  قال: " اجتنبوا السبع الموبقات الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلاّ بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات " وذكر عند ابن عباس أنها سبعة / فقال: هي إلى السبعين أقرب.

وفي رواية إلى السبعمائة.

وعن ابن عمر أنه عدّ منها: استحلال آميّن البيت الحرام وشرب الخمر.

وعن ابن مسعود: زيادة القنوط من رحمة الله والأمن من مكره.

وفي بعض الروايات عن النبي  زيادة قول الزور وعقوق الوالدين والسرقة.

وأما قول العلماء في الكبيرة فمنهم من قال: هي التي توجب الحد.

وقيل: هي التي يلحق صاحبها الوعيد الشديد بنص أو كتاب أو سنة.

وقيل: كل جريرة تؤذن بقلة اكتراث صاحبها بالدين.

وقيل: لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار.

ويراد بالإصرار المداومة على نوع واحد من الصغائر، أو الإكثار منها وإن لم تكن من نوع واحد.

احتج أبو القاسم الكعبي بالآية على القطع بوعيد أهل الكبائر لأنها تدل على أنه إذا لم يجتنب الكبائر فلا تكفر عنه.

والجواب عنه أن استثناء نقيض المقدم لا ينتج ويؤيده قوله تعالى: ﴿ فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤد الذي اؤتمن أمانته  ﴾ وأداء الأمانة واجب أمنه أو لم يأمنه.

سلمنا أنّ الآية رجعت إلى قوله من لم يجتنب الكبائر لم يكفر عنه سيّئاته، فغايته أنه يكون عاماً في باب الوعيد.

والجواب عنه هو الجواب عن سائر العمومات، وهو أنه مشروط بعدم العفو عندنا كما أنه مشروط عندكم بعدم التوبة.

ثم قالت المعتزلة: إنّ عند اجتناب الكبائر يجب غفران الصغائر، وعندنا لا يجب على الله شيء بل كل ما يفعله فهو فضل وإحسان.

ويدخل في الاجتناب عن الكبائر الإتيان بالطاعات لأن ترك الواجب أيضاً كبيرة.

﴿ وندخلكم مدخلاً ﴾ فمن فتح الميم أراد مكان الدخول، ومن ضمها أراد الإدخال.

ووصفه بالكرم إشعار بأنه على وجه التعظيم خلاف إدخال أهل النار الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم، أو هو وصف باعتبار صاحبه.

ثم إنه  لما أمرهم بتهذيب أعمال الجوارح وهو أن لا يقدموا على أكل الأموال بالباطل وعلى قتل الأنفس، حثهم على تهذيب الأخلاق في الباطن.

أو نقول: لما نهاهم عن الأكل والقتل ولن يتم ذلك إلاّ بالرضا بالقضاء وتطييب القلب بالمقسوم المقدّر، فلا جرم قال: ﴿ ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض ﴾ قالت المعتزلة: التمني قول القائل: "ليته كذا".

وقال أهل السنة: هو عبارة عن إرادة ما يعلم أن يظن أنه لا يكون ولهذا قالوا: إنه  لو أراد من الكافر أن يؤمن مع علمه بأنه لا يؤمن كان متمنياً.

ثم مراتب السعادات إما نفسانية نظرية كالذكاء والحدس وحصول المعارف والحقائق، أو عملية كالأخلاق الفاضلة، وإما بدنية كالصحة والجمال والعمر، وإما خارجية كحصول الأولاد النجباء وكثرة العشائر والأصدقاء والرياسة التامة ونفاذ القول وكونه محبوباً للخلق حسن الذكر مطاع الأمر، فهذه مجامع السعادات.

وبعضها محض عطاء الله  ، وبعضها مما / يظن أنها كسبية.

وبالحقيقة كلها عطاء منه  فإنه لولا ترجيح الدواعي وإزالة العوائق وتحصيل الموجبات وتوفيق الأسباب فلأي سبب يكون السعي والجد مشتركاً فيه، والفوز بالبغية والظفر بالمطلوب غير مشترك فيه؟

وإذا كان كذلك فما الفائدة في الحسد غير الاعتراض على مدبر الأمور وكافل مصالح الجمهور؟

فعلى كل أحد أن يرضى بما قسم له علماً بأن ما قسم له هو خير له، ولو كان خلافه لكان وبالاً عليه كما قال: ﴿ ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض  ﴾ وفي الكلمات القدسية: " من استسلم لقضائي وصبر على بلائي وشكر نعمائي كتبته صديقا وبعثته يوم القيامة مع الصديقين.

ومن لم يرض بقضائي ولم يصبر على بلائي ولم يشكر نعمائي فليخرج من أرضي وسمائي وليطلب رباً سوائي" قال المحققون: لا يجوز للإنسان أن يقول: اللهم أعطني داراً مثل دار فلان، وزوجة مثل زوجة فلان، وإن كان هذا غبطة لا حسداً، بل ينبغي أن يقول: اللهم أعطني ما يكون صلاحاً لي في ديني ودنياي ومعادي ومعاشي.

وعن الحسن: لا يتمن أحد المال فلعل هلاكه في ذلك المال.

أما سبب النزول فعن مجاهد قالت أم سلمة: يا رسول الله يغزو الرجال ولا نغزو، ولهم من الميراث ضعف ما لنا فنزلت.

وعن قتادة والسدي: لما نزل قوله: ﴿ للذكر مثل حظ الأنثيين  ﴾ قال الرجال: نرجو أن نفضل على النساء في الآخرة كما فضلنا في الميراث.

وقال النساء: نرجو أن يكون الوزر علينا نصف ما على الرجال.

وفي رواية قلن: نحن أحوج لأن ضعفاءهم أقدر على طلب المعاش فنزلت.

وقيل: أتت وافدة النساء إلى الرسول وقالت: رب الرجال والنساء واحد، وأنت الرسول إلينا وإليهم، وأبونا آدم وأمنا حواء فما السبب في أن الله يذكر الرجال ولا يذكرنا؟

فنزلت الآية.

فقالت: وقد سبقنا الرجال بالجهاد فما لنا؟

فقال  : "إن للحامل منكن أجر الصائم القائم، وإذا ضربها الطلق لم يدر أحد ما لها من الأجر، فإن أرضعت كان لها بكل مصة أجر إحياء نفس" .

﴿ للرجال نصيب مما اكتسبوا ﴾ من نعيم الدنيا وثواب الآخرة فينبغي أن يرضوا بما قسم لهم، وكذا للنساء، أو لكل فريق جزاء ما اكتسب من الطاعات فلا ينبغي أن يضيعه بسبب الحسد المذموم.

وتلخيصه لا تضيع ما لك بتمني ما لغيرك.

أو ﴿ للرجال نصيب مما اكتسبوا ﴾ بسبب قيامهم بالنفقة على النساء ﴿ وللنساء نصيب مما اكتسبن ﴾ بحفظ فروجهن وطاعة أزواجهن والقيام بمصالح البيت ﴿ واسئلوا الله من فضله ﴾ فعنده من ذخائر الإنعام ما لا ينفده مطالب الأنام.

و "من" للتبعيض أي شيئاً من خزائن كرمه وطوله ﴿ إنّ الله كان بكل شيء / عليماً ﴾ فهو العالم بما يكون صلاحاً للسائلين، فليقتصر السائل على المجمل وليفوّض التفصيل إليه فإن ذلك أقرب إلى الأدب وأوفق للطلب.

قوله  وتعالى : ﴿ ولكل جعلنا موالى مما ترك الوالدان والأقربون ﴾ يمكن تفسيره بحيث يكون الوالدان والأقربون وارثين وبحيث يكونان موروثاً منهما.

والمعنى على الأول: لكل أحد جعلنا ورثة في تركته.

ثم إنه كأنه قيل: ومَنْ هؤلاء الورثة؟

فقيل: هم الوالدان والأقربون فيحسن الوقف على قوله: ﴿ مما ترك ﴾ وفيه ضمير كل.

وأما على الثاني، فإما أن يكون في الكلام تقديم وتأخير أي ولكل شيء مما ترك الوالدان والأقربون جعلنا موالي أي ورثة، وإما أن يكون ﴿ جعلنا موالي ﴾ صفة ﴿ لكل ﴾ بل محذوف والعائد محذوف وكذا المبتدأ والتقدير: ولكل قوم جعلناهم موالي نصيب مما ترك الوالدان والأقربون كما تقول: لكل من خلقه الله إنساناً من رزق الله.

أي حظ من رزق الله، والمولى لفظ مشترك بين معانٍ: منها المعتق لأنه ولي نعمته في عتقه، ومنها العبد المعتق لاتصال ولاية مولاه في إنعامه عليه، وهذا كما يسمى الطالب غريماً لأن له اللزوم والمطالبة بحقه، ويسمى المطلوب غريماً لكون الدين لازماً له.

ومنها الحليف لأن الحالف يلي أمره بعقد اليمين، ومنها ابن العم لأنه يليه بالنصرة ومنه المولى للناصر قال  : ﴿ ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا  ﴾ ومنها العصبة وهو المراد في الآية إذ هو الأليق بها كقوله  : " أنا أولى بالمؤمنين من مات وترك مالاً فماله للموالي العصبة، ومن ترك كلاً فأنا وليّه " وأما قوله: ﴿ والذين عقدت أيمانكم ﴾ فإما أن يكون مبتدأ ضمن معنى الشرط، فوقع قوله: ﴿ فآتوهم ﴾ خبره.

وإما أن يكون منصوباً على قولك: "زيداً فاضربه" مما توسط الفاء بين الفعل ومفعول مفسره إيذاناً بتلازمهما وإما أن يكون معطوفاً على ﴿ الوالدان ﴾ والإيمان جمع اليمين اليد أو الحلف.

من الناس من قال: الآية منسوخة.

وذلك أن الرجل كان يعاقد الرجل فيقول: دمي دمك وهدمي هدمك أي ما يهدر، وثأري ثأرك، وحربي حربك، وسلمي سلمك، وترثني وأرثك، وتطلب بي وأطلب بك، وتعقل عني وأعقل عنك، فيكون للحليف السدس من ميراث الحليف فنسخ بقوله: ﴿ وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض  ﴾ وبقوله: ﴿ يوصيكم الله  ﴾ وأيضاً: إن الواحد منهم كان يتخذ إنساناً أجنبياً ابناً له وهم الأدعياء، وكان النبي  يؤاخي بين كل رجلين منهم، فكانوا يرثون بالتبني والمؤاخاة فنسخ، ومن المفسرين من زعم أنها غير منسوخة، وقوله: ﴿ والذين ﴾ معطوف على ما / قبله.

والمعنى: أن ما ترك الذين عقدت أيمانكم فله وارث هو أولى به فلا تدفعوا المال إلى الحليف بل إلى الوارث، فيكون الضمير في ﴿ فآتوهم ﴾ للموالي قاله أبو علي الجبائي.

أو المراد بالذين عاقدت الزوج والزوجة، والنكاح يسمى عقداً بين ميراث الزوج والزوجة بعد ميراث الولد والوالدين كما في قوله: ﴿ يوصيكم الله  ﴾ قاله أبو مسلم.

وقيل: المراد الميراث الحاصل بسبب الولاء.

وقيل: هم الحلفاء.

والمراد بإتياء نصيبهم النصرة والنصيحة والمصافاة.

وقال الأصم: المراد التحفة بالشيء القليل كقوله: ﴿ وإذا حضر القسمة  ﴾ وذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا يرث المولى الأسفل من الأعلى.

وحكى الطحاوي عن الحسن بن زياد أنه قال: يرث، لما روى ابن عباس "أن رجلاً أعتق عبداً له فمات المعتق ولم يترك إلاّ العتيق فجعل رسول الله  ميراثه للغلام" .

والحديث عند الجمهور محمول على أن المال صار لبيت المال ثم دفعه النبي  إلى الغلام لفقره، وقال أبو حنيفة: لو أسلم رجل على يد رجل وتعاقدا على أن يتعاقلا ويتوارثا صح وورث بحق الموالاة، وخالفه الشافعي فيه.

وحكى الأقطع أن هذه المولاة لا تصح عند أبي حنيفة أيضاً إلا بين العرب دون العجم لرخاوة عقدهم في أمورهم، ﴿ إنّ الله كان على كل شيء شهيداً ﴾ لأنه عالم بجميع الجزئيات والكليات فشهد على الخلق يوم القيامة بكل ما عملوه، وفيه وعيد للعاصين، ووعد للمطيعين.

هذا وقد مر أن النساء تكلمن في تفضيل الله الرجال عليهم في الميراث ونحوه، فذكر في هذه الآية ما يشتمل على بعض أسباب التفضيل فقال: ﴿ الرجال قوّامون ﴾ يقال: هذا قيم المرأة وقوّامها بناء مبالغة للذي يقوم بأمرها ويهتم بحفظها كما يقوم الوالي على الرعية ومنه سمي الرجال قوّاماً.

والضمير في بعضهم للرجال والنساء جميعاً أي إنما كانوا مسيطرين عليهن بسبب تفضيل الله بعضهم - وهو الرجال - على بعض - وهم النساء.

وقيل: وفيه دليل على أن الولاية إنما تستحق بالفضل لا بالتغلب والاستطالة والقهر.

وذكروا في فضل الرجال العقل والحزم والعزم والقوة والكتابة في الغالب والفروسية والرمي، وأن منهم الأنبياء والعلماء والحكماء، وفيهم الإمامة الكبرى وهي الخلافة، الصغرى وهو الاقتداء بهم في الصلاة، وأنهم أهل الجهاد والأذان والخطبة والاعتكاف والشهادة في الحدود والقصاص بالاتفاق وفي الأنكحة عند الشافعي، وزيادة السهم في الميراث والتعصيب فيه، والحمالة تحمل الدية في القتل الخطأ، والقسامة والولاية في النكاح والطلاق والرجعة وعدد الأزواج وإليهم الانتساب، وكل ذلك يدل على فضلهم، وحاصلهم يرجع إلى العلم والقدرة.

ومنها سبب خارجيّ وذلك أنهم فضلوا عليهن بما أنفقوا أي أخرجوا في نكاحهن من أموالهم مهراً / ونفقة.

عن مقاتل "أن سعد بن الربيع، وكان من نقباء الأنصار، نشزت عليه امرأته حبيبة بنت زيد بن أبي زهير، فلطمها.

فانطلق بها أبوها إلى رسول الله  وقال: افرشته كريمتي فلطمها.

فقال رسول الله  : لتقتص منه، وكانت قد نزلت آية القصاص، فانصرفت مع أبيها لتقتص منه فقال النبي  : ارجعوا هذا جبيرل أتاني وأنزل الله هذه الآية.

فقال النبي  : أردنا أمراً وأراد الله أمراً والذي أراد الله خير ورفع القصاص" .

فلهذا قال العلماء: لا قصاص بين الرجل وامرأته فيما دون النفس ولو شَجها ولكن يجب العقل، وقيل: لا قصاص إلاّ في الجرح والقتل، وأما في اللطمة ونحوها فلا.

ثم قسم النساء قسمين، فوصف الصالحات منهن بأنهن قانتات مطيعات لله وللزوج حافظات للغيب قائمات بحقوق الزوج في غيبته، والغيب خلاف الشهادة.

ومواجب حفظ غيبة الزوج أن تحفظ نفسها عن الزنا لئلاّ يلحق الزوج العار بسبب زناها، ولئلاّ يلحق به الولد الحاصل من نطفة غيره، وأن تحفظ أسراره عن الإفشاء وماله عن الضياع ومنزلها عما لا ينبغي شرعاً وعرفاً.

عن النبي  : " خير النساء امرأة إن نظرت إليها سرتك وإن أمرتها أطاعتك وإن غبت عنها حفظتك في مالك ونفسها وتلا الآية" و "ما" في قوله: ﴿ بما حفظ الله ﴾ موصولة والعائد محذوف أي بالذي حفظه الله لهن أي عليهن أن يحفظن حقوق الزوج في مقابلة ما حفظ الله حقوقهن على أزواجهن حيث أمرهم بالعدل فيهن في قوله: ﴿ فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان  ﴾ فقوله: ﴿ بما حفظ الله ﴾ يجري مجرى قولهم "هذا بذاك" أي هذا في مقابلة ذاك، أو مصدرية والمعنى: أنهن حافظات للغيب بحفظ الله إياهن فإنهن لا يتيسر لهن حفظ الغيب إلاّ بتوفيق الله، أو بما حفظهن حين وعدهن الثواب العظيم على الأمانة، وأوعدهن العذاب الشديد على الخيانة.

ومن قرأ ﴿ بما حفظ الله ﴾ بالنصب فـ "ما" أيضاً موصولة أي بالأمر الذي يحفظ حق الله وأمانته وهو التعفف والتحصن والشفقة على الرجال والنصيحة لهم، أو مصدرية أي بسبب حفظهن حدود الله وأوامره فإن المرأة لولا أنها تحاول رعاية تكليف الله وتجتهد في حفظ أوامره وإلا لما أطاعت زوجها.

ثم ذكر غير الصالحات منهن فقال: ﴿ واللاتي تخافون ﴾ تعرفون بالقرائن والأمارات ﴿ نشوزهن ﴾ عصيانهن والترفع عليكم بالخلاف من نشز الشيء ارتفع، ومنه نشز للأرض المرتفعة ﴿ فعظوهن ﴾ وهو أن يقول: اتقي الله فإن لي عليك حقاً، وارجعي عما أنت عليه، واعلمي أن طاعتي عليك فرض ونحو ذلك.

﴿ واهجروهن في المضاجع ﴾ أي في المراقد أي لا تداخلوهن تحت اللحف، وقيل: هو أن يوليها ظهره في المضجع.

وقيل: في المضاجع أي ببيوتهن التي يبتن فيها أي لا / تبايتوهن.

وفي ضمن الهجران الامتناع من كلامها.

ولكن ينبغي أن لا يزيد في هجره الكلام على ثلاث، فإذا هجرها في المضجع فإن كانت تحب الزوج شق ذلك عليها فتركت النشوز، وإن كانت تبغضه وافقها ذلك الهجران فكان ذلك دليلاً على كمال نشوزها فيباح الضرب وذلك قوله: ﴿ واضربوهن ﴾ والأولى ترك الضرب لما روي أنه  قال: " "لا تضربوا إماء الله فجاء عمر إلى رسول الله  فقال: ذئرت النساء على أزواجهن أي اجترأن فرخص في ضربهن.

فأطاف بآل رسول الله  نساء كثير يشكون أزواجهن فقال رسول الله  : لقد طاف بآل محمد نساء كثير يشكون أزواجهن ليس أولئك بخياركم " ومعناه أن الذين ضربوا أزواجهم ليسوا خيراً ممن لم يضربوا.

وإذا ضربها وجب أن لا يكون مفضياً إلى الهلاك ألبتة، وأن يكون مفرقاً على بدنها لا يوالي به في موضع واحد، ويتقي الوجه لأنه مجمع المحاسن، وأن يكون دون الأربعين.

وقيل: دون عشرين لأنه حد كامل في شرب العبد، ومنهم من لا يرى الضرب بالسياط ولا بالعصا.

وبالجملة فالتخفيف مرعي في هذا الباب ولهذا قال علي بن أبي طالب: يعظها بلسانه فإن انتهت فلا سبيل له عليها، فإن أبت هجر مضجعها، فإن أبت ضربها، فإن لم تتعظ بالضرب بعث الحكمين.

وقال آخرون: هذا الترتيب مرعي عند خوف النشوز، فأما عند تحقق النشوز فلا بأس بالجمع بين الكل.

وروي عن النبي  : " "علق سوطك حيث يراه أهلك " ﴿ فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً ﴾ بالأذى والتوبيخ، واجعلوا ما كان منهم كأن لم يكن ﴿ إن الله كان علياً ﴾ لا بالجهة ﴿ كبيراً ﴾ لا بالجثة ﴿ فاحذروا ﴾ واعلموا أن قدرته عليكم أعظم من قدرتكم على أزواجكم وأرقائكم.

روي "أن أبا مسعود الأنصاري رفع سوطه ليضرب غلاماً له فبصر به رسول الله  فصاح به: أبا مسعود، الله أقدر منك عليه.

فرمى بالسوط وأعتق الغلام" .

وفيه أنه مع علوه وكبرياء سلطانه تعصونه فيتوب عليكم فأنتم أحق بالعفو إذا رجع الجاني عليكم، أو أنه مع علوه وكبريائه لا يكلفكم إلا ما تطيقون فكذلك لا تكلفوهن محبتكم فلعلهن لا يقدرن على ذلك، أو أنه مع علو شأنه وكبريائه يكتفي من العبيد بالظواهر ولا يهتك السرائر فأنتم أجدر بأن لا تفتشوا عما في قلبها من الحب والبغض إذا صلح حالها في الظاهر، أو أنهن إن ضعفن عن دفع ظلمكم وعجزن عن الانتصاف منكم فالله  قادر قاهر ينتصف لهن منكم.

ثم بيّن أنه ليس بعد الضرب إلا المحاكمة فقال: ﴿ وإن خفتم ﴾ قال ابن عباس: أي علمتم وذلك لإصرارها على النشوز حيث لم يؤثر فيها الوعظ والهجران والضرب.

واعترض / عليه الزجاج بأنه إذا علم الشقاق قطعاً فلا حاجة إلى الحكمين.

وأجيب بأن الشقاق معلوم إلاّ أنا لا نعلم أن سبب الشقاق منه أو منها، فالحاجة إلى الحكمين لهذا المعهنى.

أو نقول: المراد إزالة الشقاق في الاستقبال، ومعنى ﴿ شقاق بينهما ﴾ شقاقاً بينهما، فأضيف الشقاق إلى الظرف على سبيل الاتساع وهو إجراء الظرف مجرى المفعول به، أو على جعل البين مشاقاً مثل "نهاره صائم" والضمير للزوجين يدل عليهما مساق الكلام، أو ذكر الرجال والنساء ﴿ فابعثوا حكماً من أهله ﴾ رجلاً مقنعاً رضاً يصلح لحكومة الإصلاح بينهما ويهتدي إلى المقصود من البعث.

ولا بد فيه من العقل والبلوغ والحرية والإسلام، ويستحب أن يكون الحكمان من أهلهما لأن الأقارب أعرف ببواطن أحوالهما وتسكن إليهما نفوس الزوجين، فيبرزان لهما ما في ضمائرهما من الحب والبغض وإرادة الصحبة والفرقة، وموجبات كل من الأمرين.

وينبغي أن يخلو حكم الرجل بالرجل وحكم المرأة بالمرأة فيعرفان ما عندهما وما فيه رغبتهما، وإذا اجتمعا لم يخف أحدهما عن الآخر ما علم.

ثم المبعوثان وكيلان من جهة الزوجين أو موليان من جهة الحكام المخاطبين بقوله: ﴿ فابعثوا ﴾ فيه للشافعي قولان:- أصحهما وبه قال أبو حنيفة وأحمد - أنهما وكيلان لأن البضع حق الزوج والمال حق الزوجة وهما رشيدان.

والخطاب في قوله: ﴿ فإن خفتم ﴾ وفي ﴿ فابعثوا ﴾ لصالحي الأمة لأنه يجري مجرى دفع الضرر، فلكل أحد أن يقوم به.

وثانيهما - وبه قال مالك - أنهما موليان لأنه  سماهما الحكمين.

ولما روي أن علياً  بعث حكمين من زوجين فقال: أتدريان ما عليكما؟

عليكما إن رأيتما أن تجمعا فاجمعا وإن رأيتما أن تفرّقا ففرقا.

وعلى الأول يوكل الرجل الذي هو من أهله بالطلاق وبقبول العوض في الخلع، والمرأة الآخر ببذل العوض وقبول الطلاق، ولا يجوز بعثهما إلا برضاهما فإن لم يرضيا ولم يتفقا على شيء أدب القاضي الظالم واستوفى حق المظلوم.

وعلى الثاني لا يشترط رضا الزوجين في بعث الحكمين.

﴿ إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما ﴾ فيه أربعة أوجه.

الأول: إن يرد الحكمان خيراً يوفق الله بين الحكمين حتى يتفقا على ما هو خير.

الثاني: إن يرد الزوجان إصلاحاً أبدل الله الزوجين بالشقاق وفاقاً.

الثالث: إن يرد الحكمان إصلاحاً يؤلف الله بين الزوجين.

الرابع: إن يرد الزوجان خيراً يوفق الله بين الحكمين حتى تتفق كلمتاهما ويحصل الغرض، والتوفيق جعل الأسباب موافقة للغرض ولا يستعمل إلا في الخير والطاعة.

وفيه أنه لا يتم شيء من الأغراض إلاّ بتوفيق الله  وتيسيره ﴿ إنّ الله كان عليماً خبيراً ﴾ فيوفق بين المختلفين ويجمع بين المفترقين بمقتضى علمه وإرادته.

وفيه وعيد للزوجين والحكمين في سلوك ما يخالف طريق الحق ووعد على الجد في حسم مادة الخصومة والخشونة.

/ ثم أرشد إلى مجامع الأخلاق الحسنة بقوله: ﴿ واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً ﴾ فإن من عبد الله وأشرك به شيئاً آخر فقد حبط عمله وضل سعيه ﴿ وبالوالدين إحساناً ﴾ تقديره وأحسنوا بهما إحساناً.

يقال: أحسن بفلان وإلى فلان.

﴿ وبذي القربى واليتامى والمساكين ﴾ وقد مر تفاسيرها في البقرة.

قال أبو بكر الرازي: إن اضطر إلى قتل أبيه بأن يخاف أن يقتله إن ترك قتله جاز له أن يقتله ﴿ والجار ذي القربى ﴾ الذي قرب جواره ﴿ والجار الجنب ﴾ الذي بعد جواره.

عن النبي  : " لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه، ألا وإن الجوار أربعون داراً " وعن الزهري أنه أراد أربعين من كل جانب.

وقيل: الجار ذي القربى الجار القريب النسب، والجار الجنب الأجنبي.

والتركيب يدل على البعد، ومنه الجانبان للناحيتين، والجنبان لبعد كل منهما عن الآخر، ومنه الجنابة لبعده عن الطهارة وعن حضور الجماعة والمسجد ما لم يغتسل.

ومن قرأ ﴿ الجنب ﴾ فمعناه المجنوب مثل "خلق" بمعنى مخلوق، أو المراد ذي الجنب فحذف المضاف ﴿ والصاحب الجنب ﴾ وهو الذي حصل بجنبك إما رفيقاً في سفر، وإما جاراً ملاصقاً، وإما شريكاً في تعلم أو حرفة، وإما قاعداً إلى جنبك في مجلس، أو في مسجد أو غير ذلك من أدنى صحبة اتفقت بينك وبينه، فعليك أن تراعي ذلك الحق ولا تنساه وتجعله ذريعة إلى الإحسان، وقيل: الصاحب بالجنب المرأة فإنها تكون معك وتضطجع إلى جنبك ﴿ وابن السبيل ﴾ المسافر الذي انقطع عن بلده، أو الضيف ﴿ وما ملكت أيمانكم ﴾ عن علي بن أبي طالب أنه كان آخر كلام رسول الله  ﴿ وما ملكت أيمانكم ﴾ وذكر اليمين تأكيد كما يقال: مشيت برجلي.

والإحسان إليهم أن لا يكلفهم فوق طاقتهم ولا يؤذيهم بالكلام الخشن، بل يعاشروهم معاشرة جميلة ويعطيهم من الطعام والكسوة ما يليق بحالهم في كل وقت.

وكانوا في الجاهلية يسيئون إلى المملوك فيكلفون الإماء البغاء وهو الكسب بفروجهن، ويضعون على العبيد الخراج الثقيل.

وقيل: كل حيوان فهو مملوك.والإحسان إلى كل نوع بما يليق بحاله طاعة عظيمة ﴿ إنّ الله لا يحب من كان مختالاً فخوراً ﴾ تياهاً جهولاً يتكبر عن إكرام أقاربه وأصحابه ومماليكه، وعن الالتفات إلى حالهم والتفقد لهم والتحفي بهم، ويأنف من أقاربه إذا كانوا فقراء ومن جيرانه إذا كانوا ضعفاء.

وأصله من الخيلاء الكبر، والفخور المتطاول الذي يعد مناقبه، وعن ابن عباس هو الذي يفخر على عباد الله  بما أعطاه من أنواع نعمه، ولعل هذا يجوز على سبيل التحدث بالنعم فقط ﴿ الذين يبخلون ﴾ البخل في اللغة منع الإحسان، وفي الشرع منع / الواجب.

وفيه أربع لغات: البخل مثل الفقر، والبخل بضم الباء وسكون الخاء، وبضمهما، وبفتحهما.

وسبب النظم أن الإحسان إلى الأصناف المذكورين إنما يكون في الأغلب بالمال فذم المعرضين عن ذلك الإحسان لحب المال، ويحتمل أن يشمل البخل بالعلم أيضاً، أي يبخلون بذات أيديهم وبما في أيدي غيرهم مقتاً للسخاء وهذه نهاية البخل.

وفي أمثالهم "أبخل من الضنين بنائل غيره" وقد عابهم بكتمان نعمة الله وما آتاهم من فضل الغنى حتى أوهموا الفقر مع الغنى، والإعسار مع اليسار، والعجز مع الإمكان فخالفوا سنة نبي الله  حيث قال  : " "إنّ الله  يحب أن يرى على عبده أثر نعمته " وبنى عامل للرشيد قصراً حذاء قصره فنم به عنده، فقال الرجل: يا أمير المؤمنين إن الكريم يسره أن يرى أثر نعمته فأحببت أن أسرك بالنظر إلى آثار نعمتك فأعجبه كلامه.

ثم إن هذا الكتمان قد يقع على وجه يوجب الكفر مثل أن يظهر الشكاية من الله  ولا يرضى بقضائه فلذلك قال: ﴿ وأعتدنا للكافرين عذاباً مهيناً ﴾ ويحتمل أن يراد كافر النعمة لا كافر الإيمان.

وقال ابن عباس: إنّ الآية في اليهود، كانوا يأتون رجالاً من الأنصار يخالطونهم وينتصحون لهم يقولون: لا تنفقوا أموالكم فإنا نخشى عليكم الفقر ولا تدرون ما يكون.

وأيضاً وإنهم كتموا صفة محمد ولم يبينوها للناس.

ثم لما ذمّ الذين لا ينفقون أموالهم عطف عليهم الذين ينفقون أموالهم ولكن ريا وفخاراً وليقال ما أسخاهم وما أجودهم لا ابتغاء وجه الله، ومثل هذا الإنفاق دليل على أنه لا يؤمن بالله واليوم الآخر وإلاّ أنفق لله أو للآخرة ﴿ ومن يكن الشيطان له قريناً ﴾ في الدنيا آمراً بالبخل والفحشاء ﴿ فساء قريناً ﴾ في الآخرة يقرن به في النار.

ثم استفهم على سبيل الإنكار فقال: ﴿ وماذا عليهم ﴾ أي أيّ تبعة ووبال عليهم؟

أو ما الذي عليهم في باب الإيمان والإنفاق في سبيل الله؟

والمراد التوبيخ وإلاّ فكل منفعة في ذلك كما يقال للمنتقم: ما ضرك لو عفوت؟

وللعاق: ما كان يرزؤك لو كنت باراً؟

﴿ وكان الله بهم عليماً ﴾ بعث على إصلاح أفعال القلوب التي يطلع عيلها علام الغيوب، وردع عن دواعي النفاق والرياء والسمعة والفخار.

احتج القائلون بأن الإيمان يصح على سبيل التقليد بأن قوله: ﴿ وماذا عليهم لو آمنوا ﴾ مشعر بأن الإتيان بالإيمان في غاية السهولة والاستدلال في غاية الصعوبة.

وأجيب بأن الصعوبة في الإيمان الاستدلالي التفصيلي لا الإجمالي.

وقال جمهور المعتزلة: لو كانوا غير قادرين لم يقل: ﴿ وماذا عليهم ﴾ كما لا يقال للمرأة ماذا عليها لو كانت رجلاً، وللقبيح ماذا عليه لو كان جميلاً.

وأجيب بعدم التحسين والتقبيح العقليين وأنه لا يسأل عما يفعل.

/ ثم رغب في الإيمان والطاعة قائلاً: ﴿ إن الله لا يظلم مثقال ذرة ﴾ والمثقال مفعال من الثقل كالميزان من الوزن.

والذرة النملة الصغيرة.

وعن ابن عباس أنه أدخل يده في التراب ثم رفعها ثم نفخ فيها ثم قال: كل واحد من هذه الأشياء ذرة، وقيل: كل جزء من أجزاء الهباء في الكوّة ذرة.

وانتصاب ﴿ مثقال ﴾ على أنه مفعول ثان أي لا ينقص الناس مثقال ذرة، أو على المصدر أي ظلماً قدر مقدارها، وأراد نفي الظلم رأساً إلا أنه أخرج الكلام على أصغر المتعارف.

وهذه الآية مما يتمسك به المعتزلة في أنه  غير خالق لأعمال العباد وإلا كان ظلمهم منسوباً إليه، وفي أن العبد يستحق الثواب على طاعته وإلا كان منعه عنه ظلماً.

وأجيب بأنه إذا كان متصرفاً في ملكه كيف شاء فلا يتصور منه ظلم أصلاً.

وقد يحتج الأصحاب ههنا على صحة مذهبهم في عدم الإحباط بأن عقاب شرب قطرة من الخمر لو كان مزيلاً لطاعات سبعين سنة كان ظلماً، وفي عدم وعيد الفساق بأن عقاب شرب جرعة من الخمر لو كان دائماً مخلداً لزوم إبطال ثواب إيمان سبعين سنة وهو ظلم.

ثم قال: ﴿ وإن تك ﴾ حذفت النون من هذه الكلمة بعد سقوط الواو بالتقاء الساكنين لأجل التخفيف وكثرة الاستعمال.

من قرأ ﴿ حسنة ﴾ بالرفع فعلى "كان" التامة، ومن قرأ بالنصب فالتأنيث في ضمير المثقال لكونه مضافاً إلى مؤنث.

والمراد بالمضاعفة ليس هو المضاعفة بالمدة لأن مدة الثواب غير متناهية وتضعيف غير المتناهي محال، بل المراد المضاعفة بحسب المقدار، كأن يستحق عشرة أجزاء من الثواب فيجعله عشرين أو ثلاثين.

عن ابن مسعود أنه قال: "يؤتى بالعبد يوم القيامة وينادي مناد على رؤوس الأويلن والآخرين: هذا فلان ابن فلان، من كان له عليه حق فليأت إلى حقه، ثم يقال له: أعط هؤلاء حقوقهم، فيقول: يا رب ومن أين وقد ذهبت الدنيا؟

فيقول الله لملائكته: انظروا في أعماله الصالحة فأعطوهم منها، فإن بقي مثقال ذرة من حسنة ضعفها الله  لعبده وأدخله الجنة بفضل رحمته" ومصداق ذلك في كتاب الله ﴿ وإن تك حسنة يضاعفها ﴾ قال الحسن: الوعد بالمضاعفة أحب عند العلماء مما لو قال في الحسنة الواحدة مائة ألف حسنة، لأن هذا يكون مقداره معلوماً، أما على هذه العبارة فلا يعلم كميته إلاّ الله  .

وعن أنس أن رسول الله  قال: " "إنّ الله لا يظلم مؤمناً حسنة يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة.

وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجزى بها" أما قوله: ﴿ ويؤت من لدنه أجراً عظيماً ﴾ فإن ﴿ لدن ﴾ بمعنى عند إلا أن لدن أكثر تمكناً.

يقول الرجل: عندي مال وإن كان المال ببلد آخر.

ولا يقول: لديّ مال إلاّ إذا كان بحضرته.

والمعتزلة حملوا / المضاعفة على القدر المستحق وهذا الثاني على الفضل التابع للأجر.

ويمكن أن يقال: الأول إشارة إلى السعادات الجسمانية، والثاني إشارة إلى اللذات الروحانية والله أعلم.

التأويل: جملة الكبائر مندرجة تحت ثلاث: إحداها اتباع الهوى وينشأ منه البدع والضلالات وطلب الشهوات وحظوظ النفس بترك الطاعات، وثانيتها حب الدنيا وينشعب منه القتل والظلم وأكل الحرام، وثالثتها رؤية غير الله وهو الشرك والرياء والنفاق وغيرها.

ثم أخبر أن الدين ليس بالتمني فقال: ﴿ ولا تتمنوا ﴾ فإنه لا يحصل بالتمني ولكن ﴿ للرجال ﴾ المجتهدين في الله ﴿ نصيب ﴾ مما جدوا في طلبه ﴿ وللنساء ﴾ وهم الذين يطلبون من الله غير الله ﴿ نصيب ﴾ على قدر همتهم في الطلب ﴿ واسألوا الله من فضله ﴾ فيه معنيان: سلوه من فضله الخاص وهو العلم اللدني ﴿ وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيماً  ﴾ أو سلوه منه ولا تسألوه من غيره ﴿ ولكل جعلنا موالي ﴾ لكل طالب صادق جعلنا استعداداً في الأزل للوراثة مما ترك والداه وأقرباؤه، طلبه لعدم الاستعداد والمشيئة.

والذين جرى بينكم وبينهم عقد الأخوة في الله ﴿ فآتوهم ﴾ بالنصح وحسن التربية والتسليك ﴿ نصيبهم ﴾ الذي قدّر لهم ﴿ الرجال قوّامون على النساء ﴾ بمصالح دينهن ودنياهن بتفضيل الله وهو استعداد الخلافة والوراثة ﴿ وبما أنفقوا من أموالهم ﴾ أي تجريدهم عن الدنيا وتفريدهم للمولى.

﴿ فالصالحات ﴾ اللاتي يصلحن للكمال ﴿ قانتات ﴾ مطيعات لله لهن قلوب ﴿ حافظات ﴾ لواردات الغيب ﴿ بما حفظ الله ﴾ عليهن حقائق الغيب وأسراره.

﴿ واللاتي تخافون نشوزهن ﴾ إذا دارت عليهن كؤوس الواردات كما قيل: فأسكر القوم دور كاس *** وكان سكري من المدير ﴿ فعظوهن ﴾ باللسان وخوّفوهن بالهجران ليتأدب السكران ﴿ واضربوهن ﴾ بسوط الانفصال وفراق الإخوان كما كان حال الخضر مع موسى حيث قال: ﴿ هذا فراق بيني وبينك  ﴾ هذا قانون أرباب الكمال إذا رأوا من أهل الإرادة إمارات الملال أو عربدة من غلبات الأحوال.

﴿ وإن خفتم ﴾ شقاقاً بين الشيخ الواصل والمريد المتكامل ﴿ فابعثوا ﴾ متوسطين من المشايخ الكاملين ومن السالكين المعتبرين ﴿ إن يريدا إصلاحاً ﴾ بينهما بما رأيا فيه صلاحهما ﴿ يوفق الله بينهما ﴾ بالإرادة وحسن التربية ﴿ واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً ﴾ من الدنيا والعقبى لتتخلقوا بأخلاق الله وتحسنوا إلى الواليدن وغيرهما ﴿ إحساناً ﴾ بلا شرك ورياء وفخر وخيلاء والله ولي والتوفيق.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ ﴾ .

قيل: وَحِّدُوا الله.

وقيل: أطيعوا الله.

وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.

﴿ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً ﴾ .

يحتمل: النهي عن الإشراك في العبادة والطاعة.

ويحتمل: النهي عن الإشراك في الربوبية والألوهية.

ويحتمل: النهي عن الإشراك في سلطانه، وغير ذلك؛ كل ذلك إشراك بالله، وبالله العصمة.

قال بعض أهل اللغة: العبادة هي الطاعة التي معها الخضوع.

وقال بعضهم: التوحيد، وأصلها: أن يجعل العبد نفسه لله عبداً، لا يشرك فيها غيره من هوى أو ما كان من وجوه الإشراك.

ثم له وجهان: أحدهما: في الاعتقاد.

والثاني: في الاستعمال، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَاناً ﴾ .

أمر [الله -  ] - بالإحسان إلى الوالدين، وأمر بالإحسان إلى ذي القربى، واليتامى، والمساكين...

إلى آخر ما ذكر، لكن المعنى الذي به أمر بالإحسان إلى هؤلاء الأصناف والفرق مختلف: أما إحسان الوالدين: تَشَكُّرٌ لهما بما أحسنا إليه وربياه صغيراً؛ كقوله: ﴿ أَنِ ٱشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ...

 ﴾ وقوله -  -: ﴿ فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ...

 ﴾ الآية ﴿ وَقُل رَّبِّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً  ﴾ يذكر حال صغره وضعفه أن كيف ربياه، ويشكر لهما على ذلك، ويحسن إليهما كما أحسنا إليه وربياه صغيراً، وقال [الله] - عز وجل - أيضاً -: ﴿ وَوَصَّيْنَا ٱلإِنسَانَ بِوَٰلِدَيْهِ إِحْسَاناً  ﴾ فإحسان الوالدين جزاء وتشكر لما أنعما هما عليه، وذلك يكون من جانب [الولد]؛ لأن مثله لا يلزم الوالدين لولده، وذلك فرض على الولد، حتى عد عقوق الوالدين من الكبائر؛ روي عن رسول الله  قال: "أَكْبَرُ الكَبَائِرِ: الإِشْرَاكُ باللهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ" والواجب على الرجل أن يطيع والديه وكل واحد منهما؛ إلا أن يأمراه بمعصية، أو ينهياه عن أداء فريضة، أو تأخيرها عن وقتها، فإن طاعتهما - حينئذٍ - معصية لله، [ألا ترى إلى] قوله -  -: ﴿ وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً  ﴾ أمره بمصاحبتهما بالمعروف إلا أن يأمراه بمعصية؛ ولهذا قال أصحابنا - رحمهم الله -: لا ينبغي للرجل أن يقتل أباه الكافر إذا كان محارباً؛ إلا أن يضطره الأب إلى ذلك؛ لأنه قال: ﴿ وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً  ﴾ فمن المعروف في الدنيا ألا يقتله، ولا يشهر عليه السلاح.

وقالوا أيضا: إن مات أحدهما تولى دفنه، وذلك من حسن الصحبة والمعروف.

روي أن أبا طالب لما مات قال رسول الله  لعلي: "اذْهَبْ فَوَارِهِ".

ثم في هذه الآية تسوية بين الوالدين فيما أمر له من الإحسان إليهما، [و] لم يجعل للأب فضلا في ذلك على الأم؛ فذلك يدل على أن إسلام كل واحد من الأبوين إسلام للصغير؛ إذ كان الإجماع قائماً في أن إسلام الأب إسلام لولده الصغار، وكذلك قول رسول الله  حيث قال: "غَيْرَ أَنَّ أَبَويْهِ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ" وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبِذِي ٱلْقُرْبَىٰ ﴾ .

أمر بالإحسان إلى ذي القربى، ومعنى الأمر به - والله أعلم - صلة يصل بعضهم بعضاً، وذلك من جانبين ما يلزم هذا أن يحسن إلى هذا لزم الآخر أن يحسن إليه، وذلك إبقاء للمودة فيما بينهم والمحبة، وذلك فرض - أيضاً - أن يصل بعضهم بعضاً؛ لأن صلة القرابة فريضة.

والأمر بالإحسان إلى اليتامى يحتمل وجهين: يحتمل: لما ليس لهم والد يقوم بكفايتهم على ما يقوم له والده، وأمر بذلك؛ لما يبر الرجل ولد آخر لمكان والديه، فإذا مات والده يمتنع عن ذلك، فأمر أن يحسنوا إليه بعد موت والده على ما كانوا يحسنون في حياته؛ لأنه في ذلك الوقت أحوج إليه؛ إذ لا شفقة لأحد عليه، وشفقة والده معدومة، والله أعلم.

ومعنى الأمر بالإحسان إلى المساكين يحتمل أيضاً وجهين: يحتمل: شكر الله على [ما] مَنَّ عليهم وأنعم بالإفضال على أولئك؛ إذ لم يسبق منهم إلى الله معنى يستوجبون ذلك دونهم، أمر بالإحسان إليهم؛ شكراً لما أنعم عليهم وأحسن إليهم.

والثاني: أنهم من جوهرهم وجنسهم في الخلقة؛ يحتاجون إلى ما يحتاج هؤلاء من المأكل، والمشرب، والملبس، وغير ذلك، يأمرهم بالإحسان إليهم؛ شفقة منهم لهم؛ ليتقووا على أداء ما فرض الله عليهم؛ إذ هم مثلهم في الخلقة والجوهر، والله أعلم.

وهذا الإحسان في اليتامى والمساكين من جانب ليس من جانبين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ ﴾ .

أمر الله بالإحسان إلى ابن السبيل؛ للوجهين اللذين وصفتهما في المساكين، والله أعلم.

وقيل: في اليتامى: إنه أمر الأوصياء بالقيام على ما لهم وحفظهم؛ رحمة لهم، وباللين لهم.

وقوله: ﴿ وَٱلْجَارِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ ﴾ .

وهم ذوو قرابة، وله حقان: حق الجوار، وحق الرحم، كذلك روي عن رسول الله  [أنه] قال: "الجِيرَانُ ثَلاَثةٌ: جَارٌ لَهُ حَقٌّ وَاحدٌِ، وَجَارٌ لَهُ حَقَّانِ، وَجَارٌ لَهُ ثَلاَثَةُ حُقُوقٍ: فَأْمَّا الَّذِي لَهُ حُقُوقٌ ثَلاَثَةٌ: حَقُّ القَرَابَةِ، وَحَقُّ الإِسْلاَمِ، وَحَقُّ الجِوَارِ، وَالَّذِي لَهُ حَقَّانِ: حَقُّ الإِسْلاَمِ، وَحَقُّ الجِوَارِ، وَالَّذِي لَهُ حَقٌّ وَاحِدٌ هُوَ حَقُّ الجِوَارِ خَاصَّةً" وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ ﴾ .

خص الله -  وتعالى - الجار الجنب دون غيره من الجيران غير الملازقين، وكان ذلك دليلاً على أن الحقوق التي تلزم بالجوار إنما تلزم في الجيران الملازقين؛ لأنهم الجيران بالملك، يمس ملك بعضهم بعضاً، ويلصق به؛ كما في الرحم يمس أنفس بعضهم لبعض، ولهذا قال أبو حنيفة -  -: إنه إذا أوصى لجيرانه، فالوصية للملازقين دون غيرهم؛ لأنهم هم الذين يلزم لبعضهم على بعض حقوق يقومون بأدائها في حال حياتهم، فإذا ماتوا فأوصوا إنما أوصوا بأداء ما كان بينهم، وكذلك قال في الوصية لذوي قرابته: إنها لقرابته الذين يفرض عليهم صلتهم إذا كانوا أحياء، فإذا مات فأوصى فإنما يوصي بأداء ما كان يؤدي في حال حياته، وذلك مما عليه الأداء؛ وفيه دليل على أن الشفعة الواجبة للجار إنما تكون للجار الجنب الملازق دون غيره من الجيران، وقد ذكر رسول الله  حق الجار، وأمر بمسامحته.

وعن ابن عمر -  -: قال: قال رسول الله  : "مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِيني بالجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ" وفي بعض الأخبار: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ باللهِ وَالْيَوْمِ الآخِر، فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ" ، وفي بعضها: "مَا آمَنَ مَنْ أَمْسَى شَبْعَاناً وَجَارُهُ جَائِعٌ" وإذا بيع بجنبه دارٌ أو أرضٌ، [فله] أن يأخذها بالشفعة؛ لما روي عن عمرو بن الشريد، عن أبي رافع، عن النبي  قال: "الجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ" وعن عمرو بن الشريد، عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله، أرض ليس لأحد فيها شرك إلا الجوار؟

قال: "الجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ مَا كَانَ" وعن رافع بن خديج قال: عَرَضَ عَلَيَّ سَعدٌ بيتاً له، فقال: خذه؛ فإني قد أعطيت به أكثر ممَّا تعطيني؛ ولكنك أحق به؛ لأني سمعت رسول الله  يقول: "الجَارُ أَحَقُّ بَسَقَبِهِ" وعن أبي الزبير، عن جابر -  -: أن النبي  قضى بالشفعة بالجوار.

وعنه - أيضاً - قال: قال رسول الله  : "الجَارُ أَحَقُّ بِسَقبهِ جَارِهِ إِذَا كَانَ طَرِيقُهُمَا واحداً يَنْتَظِرُ بِهَا وَإِنْ كَانَ غَائِباً" .

وقول النبي  "يُنْتَظَرُ بِهَا وَإِنْ كَانَ غَائِباً" يدل على أنه لا ينتظر بها أكثر من ذلك؛ وفي ذلك دليل على أن الشفيع إن أمسك عن طلب الشفعة، وقد علم بالبيع - بطلت شفعته، ومما يدل على ذلك - أيضا - أن الشفعة إنما جعلت للجار - والله أعلم - بما يخاف عليه من سوء جوار المشتري، والضرر الذي عسى أن يلحقه منه، فلو جعلنا الشفيع على شفعته أبداً لم يؤمن أن يبني المشتري في الدار، وينفق فيها نفقة عظيمة، ثم يجيء الشفيع فيطلب الشفعة؛ فيقال للمشتري: سلم الدار وارفع بناءك، وفي ذلك ضرر عليه بيّن.

وعن علي وعبد الله قالا: قضى رسول الله  بالشفعة بالجوار.

وعن شريح قال: كتب إليَّ عمر -  -: أن اقض للجار بالشفعة.

وإلى هذا ذهب أصحابنا - رحمهم الله - في إيجاب الشفعة للجار.

وأنكر قوم أن تكون الشفعة إلا فيما لم يقسم من الدور والأرضين، واحتجوا في ذلك بما روي عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة قالا: "قضى رسول الله  بالشفعة في كل ما [لم] يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق، فلا شفعة" وكذلك روى أبو هريرة -  - عن النبي  بمثله.

لكن تأويل الحديث عندنا - والله أعلم -: أن قوله: "قضى بالشفعة فيما لم يقسم" قول الراوي؛ لأنه لم يحك عنه أنه قال: لا شفعة فيما قسم، فيحتمل أن يكون علم ذلك فحكاه، ولم يعلم بما رواه الآخرون بإيجاب الشفعة فيما قد قسم.

وأمّا قوله: "فإذا وقعت الحدود، فلا شفعة"، فليس فيه بيان حكاية عن النبي  .

وقد يجوز أن يكون ذلك من الراوي، أو أن قال [ذلك] إنما قال في القسمة، لا شفعة في القسمة عندنا.

ثم جعل الله -  - للجيران بعضهم على بعض حقوقاً باتصال أملاكهم، حتى قال رسول الله  : "مَنْ أَرَادَ أَنْ يَبِيعَ دَارَهُ فَلْيَسْتَأْذِنْ جَارَهُ" فإذا أراد البائع اختيار الجار الذي لا حق له على الجار الذي له حق، جعل له إبطال ذلك؛ إذ ليس غرضه من البيع إلا الثمن؛ وهو وقد يوجد ذلك من الجار؛ ولهذا ما توجب الشفعة في الهبات والصدقات مما يجوز أن يقصد بها أسبابا وأحوالا لا يوجد ذلك في الجار، وأما البيع فالمقصود فيه الثمن.

وقوله - عز وجل -: أيضاً: ﴿ وَٱلْجَارِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ ﴾ .

والجنب: البعيد، بيّن - والله أعلم - ليعلم أن الحق الذي ذكر للجار من الإحسان إليه ليس هو بحق القرابة، بل هو بحق الجوار، فأمر بالإحسان إلى من له جوار بالملك نحو ما أمر بالاحسان إلى من له جوار بالنسب، ثم كان الحق قد يفترض بجوار النسب بمال مع ما كانت الصّلة مفروضة فيمن مس ملكُهُ ملكَهُ في الملك وجوبه فيما وقع التَّمَاسُّ بالبدن في البدن.

على أن الآية فيما أمر بالإحسان إلى جميع من ذكر قد يصير ذلك حقّاً يلزم بحال، فمثله حق الجوار، وذلك لا يعرف غير حق الشفعة، وقد جاءت به الآثار، وتوارث المسلمون في ذلك الطلب والاحتيال في الصرف والمنع؛ فبان أن الحق به ظاهر لا يحتمل الخفاء، مع ما لا يشك من القوام عن ذلك إلا وعنده حظ من العلم فيه لا يوجد مثله بشيء من الحقوق في غير أملاك المحقين، هذا البيان والظهور ثبت أن أمره كان معروفاً في الأمة حتى جرى به التوارث.

ثم هذا النوع من العلم لا يحتمل انتشاره ونيله بالرأي؛ فصار كسنة ظاهرة، لها حق التواتر مع ما يستغنى عن روايته، والله أعلم.

ثم [اعلم أن] الناس على اختلافهم متفقون على وجوب حق الشفعة بحق الشرك فيما يحتمل القسمة، وأما أن يجب بحق القسمة، فيجب ذلك في كل محتمل القسمة، وذلك مما يأباه الجميع، أو يجب بما جعل من حق الجوار الذي جاء به الكتاب، وجرت به السنة، أو بما جعل من تأذي بعض الجيران ببعض، والأمر بالمعروف في الخلق من الاستخبار عن أحوال الجيران قبل تأمل الدور وتفاوت القيم باختلاف الجيران بما في ذلك من المؤن والمضارّ، وأي هذين كان فالشفعة واجبة بالجوار؛ لأنهما أمران لا يسلم عنهما على ثبات الجوار؛ فيجب به الشفعة مع ما أمكن الجمع بين الآثار بما لا يحتمل تسمية الشريك جاراً من حيث الشرك لوجهين: أحدهما: قوله -  -: ﴿ وَفِي ٱلأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ  ﴾ لم يجعل الأرض من حيث الأرض متجاورة حتى أثبت لها القطع؛ فأوجب بالقطع التجاور مع ما كان الجوار في اللغة اسماً للتقارب والالتصاق، لا لتداخل معروف، ذلك عند من تأبى نفسه مكابرة المعارف.

والوجه الآخر: ما لا يسمّي الشركاء في عين العرصات جيراناً، ثبت أن ذلك ليس من أسماء الشرك؛ فلا وجه لصرف الخبر باسم الجوار إلى الشرك مع ما قد جاء ما يقطع من السؤال عن أرض ليس لأحد فيها شرك إلا الجوار أنه قال: "الجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ..." ، ومما جاء: "الجَارُ أَحَقُّ بِشُفْعَةِ جَارِهِ يُنْتَظَرُ بِهِ وَإِنْ كَانَ غَائِباً" إذا كان طريقهما واحداً؛ فيجب بما ذكرت صرفه عن الشريك إلى وجه يوافق خبر الجار، وله أوجه ثلاثة: أحدها: أن قوله: "قضى بالشفعة لشريك لم يقسم" غير مقابل لخبر الجوار؛ إذ هو أحق في القولين: وما روي من القول: "إِذَا وَقَعَتِ الحُدُودُ وَصُرِفَتِ الطُّرُقُ فَلاَ شُفْعَةَ" فقد يحتمل أن يكون خبراً عن هذا الفعل ألا شفعة في صرف الطريق وإظهار الحدود؛ إذ القسمة في معنى البيع في الأمور حتى منع الاقتسام في كل ما لا يحتمل التفاضل إلا بما يجوز به، فقيل: لا شفعة في هذا، والله أعلم.

والثاني: أن يكون إذا كان هذا فلا شفعة لهم مع من لم تقع بينهم الحدود، ولا صرفت بينهم الطرق، والله أعلم.

والثالث: إذا وقعت الحدود فتباينت، وصرفت الطرق فتباعدت؛ إذ فيما لم يتباينا ثم حد ليس واحد من الأمرين، وإذا احتمل خبر الشرك ما ذكرنا، ثبت أمر الشفعة بالجوار والشرك جميعاً على الترتيب، ولا قوة إلا بالله.

ولو كان الجنب اسمه لبعيد الجيران بالنسب استحق بما كان الذي به الجوار يلتصقان، ويكون كل واحد منهما بجنب الآخر؛ إذ لا يسمى كل بعيد به، ففيه وجهان: أحدهما: الحق بالاتصال.

والثاني: بيان ما به يكون الجوار، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلجَنْبِ ﴾ اختلف فيه: قال علي -  -: هي المرأة.

وقال عبد الله بن مسعود -  - كذلك أيضاً هي المرأة.

وعن ابن عباس -  -: هو الرفيق في السفر، وكذلك قول مجاهد.

فإن كان الصاحب بالجنب هو المرأة، فالأمر بالإحسان من جانب، وإن كان هو الرفيق في السفر فمن جانبين، ما يلزم هذا يلزم الآخر مثله بحق المصاحبة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ ﴾ يحتمل الأمر وجهين: بالإحسان إلى المماليك شكراً لما أنعم عليهم مما جعل لهم من الخولة من جوهرهم وأمثالهم في الخلقة أذلاء تحت أيديهم يستخدمونهم ويستعملونهم في حوائجهم.

أو لما هم أمثالهم في الحاجة من المطعم، والمشرب، والملبس، وهم مقهورون في أيديهم، وقد يترك الرجل النظر لمن هو مقهور في يده؛ أمر بالنظر إليهم، والله أعلم.

وقد جاءت الآثار في ذلك عن أنس -  - قال: كانت عامة وصية رسول الله  : "الصَّلاَةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ" وعن جابر بن عبد الله قال: كان [رسول الله]  يوصي بالمملوك خيراً، ويقول: "وَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ، وَأَلْبِسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ" وعن علي -  - قال سمعت رسول الله  يوصي بالصلاة والزكاة وما ملكت [أيماننا].

وعن أم سلمة -  ا - [قالت: سمعت رسول الله]  أنه كان يقول في مرضه: "الصَّلاَةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ" فجعل يتكلم وما يقبض بها لسانه.

وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال [رسول الله]  : "لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكُسْوَتُهُ، وَلاَ يُكَلَّفُ مِنَ العَمَلِ مَا لاَ يُطِيقُ" وعن أنس -  - قال: كان آخر وصية رسول الله  حين حضرته الوفاة: "الصَّلاَةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ" ، ثم جعل رسول الله  يغرغر بها في صدره، ولا يفصح بها لسانه.

وعن أبي ذر -  - قال: سمعت رسول الله  يقول في المماليك: "هُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَلَكِنَّ اللهَ خَوَّلَهُمْ إِيَّاكُمْ، فَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ، وأَلْبِسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ" وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً ﴾ الآية.

قيل: المختال: هو المتكبر.

وقيل: هو من الخداع.

وقيل: هو الذي يمشي مرحاً؛ وهو واحد، يتكبر على عبادة الله -  - أو يتكبر على عباد الله -  - ويخدعهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً ﴾ ؛ لأنه لا يحب الاختيال، وكذا في كل ما ذكر: لا يحب ذا ويحب ذا؛ كقوله: ﴿ وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ  ﴾ والتائبين، ولا يحب الظالمين؛ لأنه يحب الطهارة والتوبة، ولا يحب الظلم ولا الكفر، فإذا لم يحب هذا، لم يحب فاعله لفعله وإذا أحب هذا، أحب فاعله لفعله.

وقوله - عز وجل - ﴿ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ...

﴾ الآية.

يحتمل أن تكون الآية تفسيراً لما تقدم من قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً ﴾ وَوَصْفٌ لهم؛ إذ لا يتكلم بمثله إلا عن تَقَدُّمِهِ.

ويحتمل على الابتداء؛ كقوله: ﴿ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ...

﴾ الآية [الزخرف: 69].

ثم يحتمل وجوهاً: يحتمل قوله: يبخلون بما عندهم من الأموال، ويأمرون الناس به، وهكذا دأب كل بخيل أنه يبخل ويأمر به غيره.

ويحتمل: يبخلون بما عندهم من العلوم والأحكام، لم يُعَلِّمُوا غيرهم، ويأمرون الناس بذلك.

ويحتمل قوله: يبخلون بإظهار نعت محمد  ويأمرون الناس به؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَيَكْتُمُونَ مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ أي: يكتمون نعت محمد  [وصفته].

ويحتمل قوله: ﴿ وَيَكْتُمُونَ مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ \[أي: يكتمون\] من العلوم والحكمة.

ويحتمل: ما ذكرنا: أنهم يكتمون ويبخلون بما آتاهم الله من فضله من الأموال، ولا ينفقونها، وفي ترك الإنفاق والتصدق كتمان ما أنعم الله عليهم، وعلى ذلك روي عن رسول الله  قال: "مَنْ أَتَاهُ اللهُ نِعْمَةً فَلْتُرَى عَلَيْهِ" لعله أراد بقوله: "تُرَى عَلَيْهِ" أن ينفقها على نفسه ويتصدق بها ويلبسها.

وجائز أن يكون أراد - والله أعلم - الإنفاق والتصدق على غيرهم، فعلى ذلك كتمان ما آتاهم الله من الأموال إذا تركوا الإنفاق على غيرهم؛ لأن من كانت له الأموال لا يترك الإنفاق على نفسه.

وقيل في قوله: ﴿ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ ﴾ نزلت في كعب بن الأشرف كتم نعت محمد  وكتب إلى الرؤساء من اليهود في الآفاق يأمرهم بكتمانه.

وأيضاً، في قوله: ﴿ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ ﴾ : أي: بما أنعم الله عليهم من الأموال، أو بما بين لهم من صفات الرسول - عليه أفضل الصلوات - أو بما أمروا به من العبادات، حملهم على الكفر أحد هذه الأوجه الثلاثة؛ أو كانوا استحلوا أحدها، فكفروا بذلك، لزمهم الذي ذكر في القرآن، والله أعلم.

وكتمانهم يرجع إلى كتمان النعت والحقوق والعبادات في أنفسهم؛ لئلا يعرفوا بالعدول عليهم عما في كتبهم، وذلك تحريفهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً ﴾ .

ظاهر، قد ذكرناه في غير موضع.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

واعبدوا الله وحده بالانقياد له، ولا تعبدوا معه سواه، وأحسنوا إلى الوالدين بإكرامهما وبرِّهما، وأحسنوا إلى الأقارب واليتامى والفقراء، وأحسنوا إلى الجار ذي القرابة، والجار الذي لا قرابة له، وأحسنوا إلى الصاحب المرافق لكم، وأحسنوا إلى المسافر الغريب الذي انقطعت به السبل، وأحسنوا إلى مماليككم، إن الله لا يحب من كان معجبًا بنفسه، متكبرًا على عباده، مادحًا لنفسه على وجه الفخر على الناس.

<div class="verse-tafsir" id="91.bpMAn"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

كل ما تقدم من الأحكام كان خاصًا بنظام القرابة والمصاهرة وحال البيوت التي تتكون منها الأمة، ثم إنه تعالى بعد بيان تلك الأحكام الخصوصية، أراد أن ينبهنا إلى بعض الحقوق العمومية وهي العناية بكل من يستحق العناية وحسن المعاملة من الناس، فبدأ ذلك بالأمر بعبادته تعالى، وعبادته ملاك حفظ الأحكام والعمل بها وهي الخضوع له تعالى وتمكين هيبته وخشيته من النفس، والخشوع لسلطانه في السر والجهر، فمتى كان الإنسان على هذا فإنه يقيم هذه الأحكام وغيرها حتى تصلح جميع أعماله، ولذلك كانت النية عندنا تجعل الأعمال العادية عبادات كالزارع يزرع ليقيم أمر بيته ويعول من يقوته ويفيض من فضل كسبه على الفقراء والمساكين ويساعد على الأعمال ذات المنافع العامة، فعمله بهذه النية يجعل حرثه من أفضل العبادات، فليست العبادة في قوله هنا: ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ  ﴾ خاصة بالتوحيد كما قال المفسر (الجلال) بل هي عامة كما قلنا تشمل التوحيد وجميع ما يمده من الأعمال.

﴿ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا  ﴾ من الأشياء أو شيئًا من الإشراك، اختلف تعبيرهم والمعنى واحد، والإشراك بالله يستلزم الإيمان به والنهي عنه يستلزم النهي عن التعطيل بالأولى.

والإشراك قد ذكر في القرآن بعض ضروبه عند مشركي العرب وهو عبادة الأصنام باتخاذهم أولياء وشفعاء ووسطاء عند الله تعالى يقربون المتوسل بهم إليه ويقضون الحاجات عنده كما هو المعهود من معنى الولاية والشفاعة عندهم، والآيات في ذلك كثيرة ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ  ﴾ ﴿ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ  ﴾ .

وذكر أن أهل الكتاب دخل عليهم الشرك فالنصارى عبدوا المسيح  وبعضهم عبد أمه السيدة مريم رضي الله عنها، وقال الله في الفريقين: ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ  ﴾ ، وقد ورد في تفسيره بالحديث الصحيح المرفوع أنهم كانوا يضعون لهم أحكام الحلال والحرام فيتبعونهم فيها وسبق ذكر ذلك في التفسير غير مرة.

فالشرك أنواع وضروب أدناها ما يتبادر إلى أذهان عامة المسلمين أنه العبادة لغير الله كالركوع والسجود له، وأشدها وأقواها هو ما سماه الله دعاء واستشفاعًا وهو التوسل بهم إلى الله وتوسيطهم بينهم وبينه تعالى، فالقرآن ناطق بهذا وهو المشهور في كتب السير والتاريخ، فهذا المعنى هو أشد أنواع الشرك وأقوى مظاهره التي يتجلى فيها معناه أتم التجلي، وهو الذي لا ينفع معه صلاة ولا صيام ولا عبادة أخرى.

ولقد فشا هذا الشرك في المسلمين اليوم، ومن الشواهد عل ذلك حال المعتقدين الغالين في البدوي "شيخ العرب" والدسوقي وغيرهما وهي شواهد لا تحتمل التأويل، وإن الذين يؤولون لأمثال هؤلاء إنما يتكلفون الاعتذار لهم لزحزحتهم عن شرك جلي واضح إلى شرك أقل منه جلاءً ووضوحًا، ولكنه شرك ظاهر على كل حال، وليس هو من الشرك الخفي الذي وردت الأحاديث بالاستعاذة منه، الذي لا يكاد يسلم منه إلا الصديقون، ومنه أن يعمل المؤمن العمل الصالح من العبادة لله تعالى ويجب أن يمدح عليه أو يتلذذ بالمدح عليه.

﴿ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا  ﴾ الخطاب لعموم الأفراد أي ليحسن كل لوالديه، وذلك أنهما السبب الظاهر في وجود الولد ونموه بما بذلا من الجهد والطاقة في تربيته بكل رحمة وإخلاص، وقد بينت كتب الأحكام الظاهرة ما للوالدين من حقوق النفقة وبينت كتب الدين جميع الحقوق، والمراد بكتب الدين كتب آدابه كالإحياء للغزالي ويجمع هذه الحقوق كلها آيتا سورة الإسراء.

﴿ وَبِذِي الْقُرْبَى  ﴾ : إذا قام الإنسان بحقوق الله تعالى فصحت عقيدته وصلحت أعماله، وقام بحقوق الوالدين فصلح حالهما وحاله، تتكون بذلك وحدة البيوت الصغيرة المركبة من الوالدين والأولاد، وبصلاح هذا البيت الصغير يحدث له قوة، فإذا عاون أهله البيوت الأخرى التي تنسب إلى هذا البيت بالقرابة وعاونته هي أيضًا يكون لكل من البيوت المتعاونة قوة كبرى يمكنه أن يحسن بها إلى المحتاجين الذين ليس لهم بيوت تكفيهم مؤنة الحاجة إلى الناس الذين لا يجمعهم بهم النسب، وهم الذين عطفهم على ذوي القربى بقوله: ﴿ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ  ﴾ فإن الله تعالى يوصي باليتامى في مثل هذا المقام لأن اليتيم يهمل أمره بفقده الناصر القوي الغيور وهو الأب أو تكون تربيته ناقصة بالجهل الذي هو جناية على العقل، أو فساد الأخلاق الذي هو جناية على النفس، وهو بجهله وفساد أخلاقه يكون شرًا على أولاد الناس يعاشرهم فيسري إليهم فساده، وقلما تستطيع الأم أن تربي الولد تربية كاملة مهما اتسعت معارفها.

وكذلك المساكين لا تنتظم الهيئة الاجتماعية إلا بالعناية بهم وصلاح حالهم فإن أهمل أمرَهم الأغنياء كانوا بلاء وويلًا على الناس.

وقلما ينظر الناس في المسكنة إلى غير العدم وصفر الكف، والمهم معرفة سبب ذلك فإن من الناس من يكون سبب عدمه وعوزه ضعفه وعجزه عن الكسب، أو نزول الجوائح السماوية تذهب بماله من غير تقصير منه، وهذا هو المسكين الحقيقي الذي تجب مواساته بالمال الذي يقع موقعًا من كفايته، ومنهم العادم الذي ما عدم المال إلا بالإسراف والتبذير والمخيلة والفخفخة الباطلة، ومنهم العادم الذي ما عدم المال إلا لكسله وإهماله للكسب طمعًا فيها في أيدي الناس واتكالًا عليهم، أو بسلوكه فيه مسلك الغش والخيانة حتى يفضح سره ويظهر أمره فيحبط عمله، فالمساكين على ضربين: مسكين معذور يساعد بالمال ينفقه، أو يساعد على تحصيله بكسبه إن كان قادرًا على ذلك، ومسكين غير معذور يرشد إلى تقصيره، ولا يساعد على إسرافه وتبذيره، بل يدل على طرق الكسب، فإن اتعظ وقبل النصح، وإلا ترك أمره إلى أولي الأمر، والله بصير بالعباد.

﴿ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ  ﴾ : حدد بعضهم الجوار بأربعين دارًا من كل جانب من الجوانب الأربعة.

والحكمة في الوصية بالجار هي التي تعرفنا سر الوصية ومعنى الجوار، المراد بالجار من تجاوره ويتراءى وجهك ووجهه في غدوك أو رواحك إلى دارك، فيجب أن تعامل من ترى وتعاشر بالحسنى فتكون في راحة معهم ويكونون في راحة معك.

﴿ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ  ﴾ : هو من صاحبته وعرفته ولو وقتًا قصيرًا.

﴿ وَابْنِ السَّبِيلِ  ﴾ : إنه من تبناه السبيل في غير معصية.

﴿ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ  ﴾ : أوصانا الله تعالى بهؤلاء الذين يعدون في عرف الناس أدنى الطبقات لئلا نظن أن استرقاقهم يجيز امتهانهم ويجعلهم كالحيوانات المسخرة، فبيّن لنا أن لهم حقًا في الإحسان كسائر طبقات الناس، والأحاديث في هذا الباب كثيرة.

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا  ﴾ هذا تعليل أو بمنزلة التعليل لكل هذه الوصايا المتقدمة، والمختال هو المتكبر الذي يظهر على بدنه أثر من كبره في الحركات والأعمال، فيرى نفسه أعلى من نفوس الناس، وأنه يجب على غيره أن يتحمل من تيهه ما لا يتحمله هو منه، فالمختال من تمكنت في نفسه ملكة الكبر وظهر أثرها في عمله وشمائله فهو أشر من المتكبر غير المختال، والفخور هو المتكبر الذي يظهر أثر الكبر في قوله كما يظهر في فعل المختال، فهو يذكر ما يرى أنه ممتاز به على الناس تبجحًا بنفسه وتعريضًا باحتقاره غيره، فالمختال الفخور مبغوض عند الله تعالى لأنه احتقر جميع الحقوق التي وضعها  وأوجبها للناس وعمي عن نعمه تعالى عليهم وعنايته بهم، بل لا يجد هذا المتكبر في نفسه معنى عظمة الله وكبريائه لأنه لو وجدها لتأدب وشعر بضعفه وعجزه وصغاره، فهو جاحد أو كالجاحد لصفات الألوهية التي لا تليق إلا بها ولا تكون بحق إلا لها.

فمن فتش نفسه وحاسبها علم أنه لا يعينه على القيام بعبادة الله تعالى ويطهره من نزعات الشرك به ومنازعته في صفاته ويسهل عليه القيام بوصاياه هذه وبغيرها إلا سكون النفس ومعرفتها قدرها ببراءتها من خلق الكبر الخبيث الذي تظهر آثار تمكنه ورسوخه بالخيلاء والفخر.

إن المختال لا يقوم بعبادة الله تعالى لأن عملًا ما لا يسمى عبادة إلا إذا كان صادرًا عن الشعور بعظمة المعبود، وسلطانه الأعلى غير المحدود، ومن أُوتي هذا الشعور خشع قلبه، ومن خشع قلبه خشعت جوارحه، فلا يكون مختالًا، إن المختال لا يقوم بحقوق الوالدين ولا حقوق ذوي القربى لأنه لا يشعر بما عليه من الحق لغيره، وإذا كان لا يقوم بحقوق الوالدين، وفضلهما عليه ليس فوقه إلا فضل الله تعالى، ولا بحقوق ذوي القربى وهم بمقتضى النسب في طبقته، فهل يرى نفسه مطالبًا بحق ما لليتيم الضعيف، أو للمسكين الأسيف، أو للجار القريب أو البعيد، أو للصاحب النبيه أو المغمول، أو لابن السبيل المعروف أو المجهول؟!

كلا إن هذا رجل مفتون بنفسه، مسحور في عقله وحسه، فلا يرجى منه البر والإحسان، وإنما يتوقع منه الإساءة والكفران.

﴿ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ  ﴾ ، قال المفسر "يبخلون بما آتاهم الله من العلم والمال وهم اليهود".

وهما قولان فمن خص البخل بالبخل بالعلم جعل الكلام في اليهود، ومن قال هو البخل بالمال لم يجعله في اليهود، فالمفسر جمع بين القولين وخص الكلام باليهود واضطر لأجل ذلك إلى قطع الكلام وجعل "الذين" مبتدأ خبر محذوف، وإن لم يوجد في الكلام ما يدل عليه، ولمن يحمل الكلام على اليهود مندوحة عن هذا القطع إلى أهون منه وهو القطع من ابتداء قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ  ﴾ إلخ، ومن العجيب أن مثل ابن جرير الطبري حمل الكلام على اليهود كأنه تعالى بعد تلك الأوامر بالإحسان ختم الكلام بقوله إن الله لا يحب اليهود، وما هذا بأقرب إلى البلاغة من القطع الأول، وأعجب من قوله ابن جرير تعليله إياه بأنه لا يوجد في الناس أمة تأمر الناس بالبخل على أنه دين فَتعيَّن أن يكون المراد بالبخل البخل بغير المال.

وكأن ابن جرير لم يخبر الناس فإن من طبيعة البخيل الأمر بالبخل بحاله ومقاله ليسهل على نفسه خلقه الذميم ويجد له فيه أقرانًا وأمثالًا.

وإن من الناس من أمروني بالبخل مرارًا، وإن أمرهم كان يؤثر في نفسي أحيانًا، حتى إنه ربما رددت يدي بالدراهم إلى جيبي بعد إخراجها إذا كان للبخيل المنفر شبهة قوية كقوله؛ إن هذا غير مستحق فإعطاؤه إضاعة وإذا وضعت ما تريد إعطاءه إياه في موضع كذا يكون خيرًا وأولى.

المتعين في السياق أن قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا  ﴾ تعليل لما قبله، وأن قوله: ﴿ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ  ﴾ إلخ، وصف لمن كان مختالًا فخورًا أو بدل منه، ولم يذكر ما يبخلون به فيخصه بالمال لأن الإحسان بالوالدين وذي القربى وما عطف عليهم في الآية لم يكن مرادًا به الإحسان بالمال فقط كما علم مما تقدم بل منه الإحسان بالقول والمعاملة، فالمراد بالبخل البخل بذلك الإحسان المأمور به فهو أعم من البخل بالمال فيشمل البخل بلين الكلام وإلقاء السلام والنصح في التعليم، وبالنفس لإنقاذ المشرف على التهلكة، وكذلك كتمان ما آتاهم الله من فضله يشمل كتمان المال وكتمان العلم، وجيء به بعد الأول لتوبيخ أهله، وبيان أنهم لا حق لهم فيه، ويجوز أن يخص البخل بإمساك المال، ويجعل الكتمان عامًا شاملًا لما عداه من أنواع الإحسان، فالكلام في الإحسان، والمقصرون فيه إنما يقصرون بعلة الخيلاء والفخر، اللذين هما مظهر الترفع والكبر، فهو بين لنا أن من كان ملوث النفس بتلك الرذيلة لا يكون محسنًا، لأن الكبر يستلزم جحود الحق، ولا سيما إذا ظهرت آثاره بالقول والعمل، وجحود الحق يستلزم منعه ومنعه هو البخل، فبين أن الملوثين بذلك الخلق الذي يبغض الله صاحبه ولا يحبه يبخلون بما أمروا به من الإحسان ويأمرون الناس بالبخل إما بلسان المقال وإما بلسان الحال بأن يكونوا قدوة سيئة في ذلك، ويكتمون نعم الله تعالى عليهم بإنكارها وعدم الشكر عليها بالإنفاق منها ولذلك توعدهم بقوله: ﴿ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا  ﴾ أي وهيأنا لهم بكبرهم وكفرهم، وبخلهم وعدم شكرهم، عذابًا ذا إهانة يجمع لهم فيه بين الألم والمهانة والذلة جزاء كبرهم وقال للكافرين ولم يقل لهم للإيذان بأن هذه الأخلاق والأعمال إنما تكون من الكفور، لا من المؤمن الشكور.

﴿ وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ  ﴾ الرئاء ويخفف فيقال الرياء مصدر راءى كالمراءاة، والجملة عطف على الذين يبخلون وأعيد الموصول للدلالة على المغايرة في الأصناف كقوله: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً  ﴾ من سورة آل عمران، أي إن مانعي الإحسان من أهل الفخر والخيلاء صنفان صنف يبخلون ويكتمون فضل الله عليهم وصنف يبذلون المال لا شكرًا لله على نعمته واعترافًا لعباده بحقوقهم، بل ينفقونها رئاء الناس أي مرائين لهم يقصدون أن يروهم فيعظموا قدرهم، ويحمدوا فعلهم، فالمرائي لا يقصد بإنفاقه إلا الفخر على الناس بكبريائه وإشراع الطريق لخيلائه، فإنفاقه أثر تلك الملكة الرديئة.

والكبرياء كما تكون من شيء في نفس الشخص، تكون أيضًا بما يكون له من المال والعرض، فإنك لترى الرجل يمشي ينظر إلى عطفيه ويفكر في نفسه هل هو محل الإعجاب والتعظيم من الناس أم لا، وشر هذا دون شر البخيل، فإن هذا يحمل الناس على قبول اختياله وفخره في مقابلة شيء يبذله لهم، فكأنه رأى لهم شيئًا من الحق عليه وهو بذل التعظيم والثناء الذي يطلبه برئائه، وأما البخيل فقد بلغ من احتقاره للناس واختياله وفخره عليهم أن لا يرى لهم عليه حقًا ما فهو يكلفهم تعظيمه ومدحه لأجل ماله -وماله في الصندوق مكتوم عنهم- فهو شر من المرائي بلا شك، ولذلك قدم ذكر البلاء اهتمامًا بهم لأنهم أعرق في تلك الرذيلة وآثارها.

والمرائي في الحقيقة بخيل لا يرى لأحد عليه حقًا ولكنه يتوهم أنه صاحب الفضل على الناس ولذلك يخص ببذله في الغالب من لا حق لهم عنده ويبخل على أرباب الحقوق المؤكدة حتى على زوجه وولده وخادمه، وعلى الأقربين حتى الوالدين، ولا يتحرى في إنفاقه مواضع النفع العام ولا الخاص وإنما يتحرى مواطن التعظيم والمدح وإن كان الإنفاق هنالك ضارًا كالمساعدة على الفسق أو الفتن، فهو تاجر يشتري تعظيم الناس له وتسخيرهم لقضاء حاجة والقيام بخدمته.

ثم وصف الله تعالى هؤلاء المجرمين المرائين بقوله: ﴿ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ  ﴾ وهو من عطف السبب على المسبب والعلة على المعلول، ذلك بأن المرائي يثق بما عند الناس ما لا يثق بما عند الله، ويرجح التقرب إليهم على التقرب إليه، ويؤثر ما عندهم من المدح وتوقع النفع، على ما أعده الله في الآخرة على الإيمان وعمل الصالحات، فالله في نظره المظلم أهون من الناس، فهل يعد مثل هذا مؤمنًا بالله إيمانًا حقيقيًا، مؤمنًا باليوم الآخر كما يجب؟

أم يكون إيمانه تخيلًا كتخيل الشعراء وقولًا كقول الصبيان: والله ما فعلت كذا!.

فالواحد منهم ينطق باسم الله ويؤكد باسمه الكريم الكلام وهو لا يعرف الله وإنما يسمع الناس يقولون قولًا فيقلدهم بما يحفظ منه، لا يعرف أنه هو موجد الكائنات، النافذ علمه وقدرته بما في الأرض والسموات، فهل يكون مثل هذا مؤمنًا بالله واليوم الآخر؟

كلا إنه لو كان مؤمنًا باليوم الآخر موقنًا بأن له هنالك حياة أبدية لا نهاية لها، لما فضل عليها عرض هذه الحياة القصيرة التي لا قيمة لها.

ومن آيات الفرق بين المخلص والمرائي أن المرائي يلتمس الفرص والمناسبات للفخر والتبجح بما أعطى وما فعل، والمخلص قلما يتذكر عمله أو يذكره إلا لمصلحة، كأن يرغب بعض الناس في البذل فيقول للغني مثلًا إنني على فقري أو على قدر حالي قد أعطيت في مصلحة كذا وكذا درهمًا أو دينارًا فاللائق بك أن تبذل كذا.

﴿ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا  ﴾ في الآية تنبيه إلى قرناء المرء في سيرته وما ينبغي من اختيار القرين الصالح على قرين السوء، وتعريض بتنفير أولئك الأنصار من مقارنة أولئك اليهود الذين كانوا ينهونهم عن الإنفاق في سبيل الله وبيان أنهم شياطين يعدون الفقر، وينهون عن المعروف ويأمرون بالمنكر، والقرين الصالح من يكون عونًا لك على الخير مرغبًا لك فيه، منفرًا لك بنصحه وسيرته عن الشر مبعدًا لك عنه، مذكرًا لك بتقصيرك، مبصرًا إياك بعيوب نفسك، وكم أصلح القرين الصالح فاسدًا، وكم أفسد قرين السوء صالحًا.

﴿ وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ  ﴾ أي ما الذي كان يصيبهم من الضرر لو آمنوا وأنفقوا، وهذا الكلام موجه إلى جميع المكلفين المخاطبين بالقرآن.

وكان أكثر العرب يؤمنون قبل البعثة بالله تعالى وكونه هو الذي خلق السموات والأرض وما بينهما، ومنهم من كان يؤمن بحياة أخرى بعد الموت، وكانوا مع ذلك مشركين وإيمانهم على غير الوجه الصحيح، وكذلك أهل الكتاب كانوا يؤمنون بالله وباليوم الآخر ولكن الشرك كان قد تغلغل فيهم أيضًا، فالمراد الإيمان الصحيح مع الإذعان الذي يظهر أثره في العمل، و "لو" على معناها وجوابها محذوف دل عليه ما قبله من الاستفهام، والكلام مسوق مساق التعجب من حالهم في إنفاق المال وعمل الإحسان لوجه الله  وابتغاء رضوانه وثوابه في الآخرة، والمراد من التعجب إثارة عجب الناس من حالهم إذ لو أخلصوا لما فاتتهم منفعة الدنيا، ولفازوا مع ذلك بسعادة العقبى، وكثيرًا ما يفوت المرائي غرضه من التقرب إلى الناس وامتلاك قلوبهم وتسخيرهم لخدمته أو الثناء عليه، ويفوز بذلك المخلص الذي يخفي العمل من حيث لا يطلبه ولا يحتسبه ففي هذه الحالة يكون للمخلص سعادة الدارين، ويرجع المرائي يخفي حنين، بل يكون قد خسر الدنيا والآخرة وذلك هو الخسران المبين، فجهل المرائين جدير بأن يتعجب منه لأنه جهل بالله وجهل بأحوال الناس، ولو آمنوا وأخلصوا وأحسنوا ووثقوا بوعد الله ووعيده لكان هذا الإيمان كنز سعادة لهم، فإن من يحسن موقنًا أن المال والجاه من فضل الله على العبد وأنه ينبغي أن يتقرب بهما إليه تعلو همته فتهون عليه المصاعب والنوائب، ويكون هذا الإيمان الصحيح عوضًا له من كل فائت، وسلوى في كل مصاب، وفاقد الإيمان الحقيقي عرضة للغم واليأس من كل خير عندما يرى خيبة أمله وكذب ظنه في الناس، فإذا وقع في مصاب عظيم كفقد المال ولا سيما إذا ذهب كل ماله وأمسى فقيرًا ولم ينقذه الناس ولا بالوا به فإن الغم والقهر ربما أماتاه جزعًا لا صبرًا، وربما بخع نفسه وانتحر بيده.

ولذلك يكثر الانتحار من فاقدي الإيمان.

وأما المؤمن فإن أقل ما يؤتاه في المصائب هو الصبر والسلوى فيكون وقع المصيبة على نفسه أخف، وثواء الحزن في قلبه أقل، وأكثره أن تكون المصيبة في حقه رحمة، وتتحول النقمة فيها نعمة، بما يستفيد فيها من الاختبار والتمحيص، وكمال العبرة والتهذيب.

على أن المؤمنين المحسنين المخلصين يكونون أبعد عن النوائب والمصائب من غيرهم، وقد يبتلي الله المؤمن ويمتحن صبره فيعطيه إيمانه من الرجاء بالله تعالى ما تخالط حلاوته مرارة المصيبة حتى تغلبها أحيانًا، وإن من الناس من يعظم رجاؤه بالله وصبره على حكمه ورضاه بقضائه واعتقاده أنه ما ابتلاه إلا ليربيه ويعظم أجره حتى أنه ليأنس بالمصيبة ويتلذذ بها وهذا قليل نادر ولكنه واقع.

﴿ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا  ﴾ لو لم ينزل في معاملة الناس بعضهم لبعض إلا هذه الآيات ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ  ﴾ -إلى قوله-: ﴿ عَلِيمًا  ﴾ لكانت كافية لهداية من له قلب يشعر وعقل يفكر، فأين منها تقصير المنتسبين إلى الإسلام في اتباع هذه الأوامر، وواقع حال الناس في معاملة الوالدين والأقربين والجيران واليتامى والمساكين وهو ما يتبرأ منه الإسلام؟!.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله