تفسير سورة التوبة الآية ١٠٩ عند البسيط

الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 9 التوبة > الآية ١٠٩

أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَـٰنَهُۥ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَٰنٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَـٰنَهُۥ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍۢ فَٱنْهَارَ بِهِۦ فِى نَارِ جَهَنَّمَ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ ١٠٩

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 9 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

قوله تعالى: ﴿ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ ﴾ الآية، البنيان: مصدر الغفران، يراد به المبني هاهنا، نحو ضرب الأمير ونسج اليمن، قال أدو زيد: (يقال بني يبنى بنيًا وبناءً وبنية وبنيانًا، وأنشد: بني السماء فسواها ببنيتها ...

ولم تُمد بأطناب ولا عُمُد (١) (٢) وجمع البنية: بني، ويجوز أن يكون البنيان جمع بنيانة إذا جعلته اسمًا؛ لأنهم قد قالوا: بنيانة في الواحد، قال الشاعر (٣) كبنيانة القريي موضع رحلها ...

وآثار نسعيها من الدف أبلق (٤) وقرأ نافع وابن عامر (أُسِّس) بضم الألف، (بنيانُه) رفعًا (٥) (٦) (٧) (٨) ﴿ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ ﴾ ، ومن بني الفعل للمفعول لم يبعد أن يكون في المعني كالأول؛ لأنه إذا أسس بنيانه فتولى ذلك غيره بأمره كان كبنيانه (٩) (١٠) وقوله تعالى: ﴿ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ ﴾ ، قال ابن عباس: (يريد مخافة من الله، ورجاء ثوابه ورضوانه) (١١) (١٢) وقوله تعالى: ﴿ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ ﴾ قال الحسن: (هذا مثل لنفاقهم، أي مثلهم كمثل من أسس بنيانه على سهل وتراب ليس له أجل، فانهار ولم يثبت (١٣) (١٤) وقال أبو إسحاق: (المعنى أن من أُسس بنيانه على التقوى خير ممن أُسس بنيانه على الكفر، وهذا مَثَل، المعنى: إن بناء هذا المسجد الذي بني ضرارًا كبناءٍ على جرف جهنم تتهور بأهلها فيها) (١٥) قال ابن عباس في قوله: ﴿ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ﴾ ، يريد: صيرهم النفاق إلى النار (١٦) وشرح أبو علي الفارسي هذه الآية أبلغ شرح فقال: (يجوز أن تكون المعادلة وقعت بين البانئين ويجوز أن يكون بين البناءين، فإذا عادلت بين البانئين كان المعنى: المؤسس بنيانه متقيًا خير أم المؤسس بنيانه غير متق؟

لأن قوله: ﴿ عَلَى شَفَا جُرُفٍ ﴾ يدل على أن بانيه غير متق لله، ولا خاش له، وإن عادلت بين البناءين قدرت حذف المضاف كأنه قيل: أبناء من (١٧) (١٨) ﴿ عَلَى تَقْوَى ﴾ في موضع نصب على الحال تقديره: أفمن أسس بنيانه متقيًا، وكذلك قوله: ﴿ عَلَى شَفَا جُرُفٍ ﴾ لأ ن معناه غير متق، أو معاقبًا على بنائه) (١٩) قال أبو عبيدة: (الشفا: هو الشفير) (٢٠) (٢١) ﴿ جُرُفٍ ﴾ مخففًا ومثقلًا (٢٢) وقوله تعالى: ﴿ هَارٍ ﴾ ، قال الليث: (الهور: مصدر هار [الجرف يهور إذا انصدع من خلفه وهو ثابت بعد مكانه وهو (٢٣) (٢٤) (٢٥) [وقال الزجاج: (هار: هائر] (٢٦) (٢٧) (٢٨) قال أبو علي: (الهمزة من (٢٩) (٣٠) خيلان من قومي ومن أعدائهم ...

خفضوا أسنتهم فكلٌّ ناعي (٣١) أن يكون مقلوبا من النائع الذي يراد به العطشان، من قوله: والأسلَ النياعا (٣٢) (٣٣) أي العطاش إلى دماء من يغزون (٣٤) (٣٥) (٣٦) (٣٧) وقرى (٣٨) (٣٩) وقوله تعالى: ﴿ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ﴾ الانهيار والانهيال متقاربان في المعنى كما تقاربا في اللفظ، قال الشاعر (٤٠) كمثل هيل نقًا طاف الوليد به ...

ينهار حينًا وينهاه الثرى حينا وفاعل (انهار): البنيان، والكناية في ﴿ بِهِ ﴾ تعود إلى الباني أي انهار البنيان بالباني ﴿ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ﴾ ؛ لأنه معصية وفعل لما كرهه الله من الضرار والكفر والتفريق بين المؤمنين، وهذه الآية بيان عما يوجبه تأسيس البنيان على التقوى من الله والرضوان من أن صاحبه هو الأفضل، مما يجب له من ثواب الله وكرامته، خلاف من أسسه على الفساد، فكان كمن بني على شفير النار، قال أبو إسحاق: (وفي هذا دليل على أن جهنم في الأرض؛ لأن البناء إنما ينهار إلى أسفل) (٤١) (١) لم أهتد إلى قائله، وهو في المصدر التالي بلا نسبة.

(٢) انظر قول أبي زيد في: "الحجة للقراء السبعة" 4/ 219.

(٣) من (م).

(٤) البيت لكعب بن زهير كما في ديوان أبيه زهير بشرح ثعلب 257 من قصيدة مشتركة بينهما، وليس في ديوان كعب، و"الأغاني" 17/ 89، و"البحر المحيط" 5/ 103، و"المحرر الوجيز" 3/ 84 بلفظ: القاري، ونسبه الفارسي في "الحجة" 4/ 219، و"إيضاح الشعر" ص 343 إلى أوس بن حجر، وليس في ديوانه.

والقريي: ساكن القرية، والدف: الجنب، والنسع: سير تشد به الرحال، والأبلق: الأبيض في سواد.

والشاعر يصف دابته، ويشهها ببنيان القرية.

انظر: "شرح الديوان"، الموضع السابق، و"لسان العرب" (نسع) و (بلق).

(٥) وقرأ الباقون (أسس) بفتح الألف والسين (بنيانه) بنصب النون.

انظر: "الغاية في القراءات العشر" ص 167، و"إرشاد المبتدي" ص 356، و"تقريب النشر" ص 121.

(٦) في (م): اللفظ)، وهو خطأ.

(٧) في (ح): (الثا)، وفي (م): (الثاني)، وكلاهما خطأ.

(٨) ساقط من (ح) وفي (م): (يكون الفعل مبنيًّا).

(٩) في (خ) و (ى): (كبنائه).

(١٠) لعله يعني من حيث المعنى، وقد قال ابن جرير في "تفسيره" 11/ 32: (وهما قراءتان متفقتا المعنى فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، غير أن قراءته بتوجيه الفعل إلى (من) إذ كان هو المؤسس أعجب إلى).

(١١) "تنوير المقباس" ص 204 بمعناه.

(١٢) في (خ) و (ى): (بنائه).

(١٣) في (ى) و (م): (لم يلبث)، وما أثبته موافق للمصدر التالي.

(١٤) ذكره هود بن محكم في "تفسيره" 2/ 169 بنحوه.

(١٥) جمع المؤلف بين قولين للزجاج، انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 469، 470.

(١٦) رواه البغوي في "تفسيره" 4/ 97.

(١٧) ساقط من (ى).

(١٨) في (ى): (جرف هار)، وما أثبته موافق للمصدر التالي.

(١٩) اهـ.

كلام أبي علي، انظر: "الحجة للقراء السبعة" 4/ 222، 223 باختصار، ونصب قوله (أو معاقبًا) بناء على أنه حال، والجملة مقدرة، ونص عبارة أي علي: (والمعنى: أمن أسس بنيانه غير متق، أو: من أسس بنيانه معاقبًا على بنائه).

(٢٠) أهـ.

كلام أبي عبيدة، انظر: "مجاز القرآن" 1/ 269.

(٢١) أهـ.

كلام شمر، انظر: "تهذيب اللغة" (جرف (1/ 585.

(٢٢) قرأ ابن عامر وحمزة وخلف وأبو بكر عن عاصم (جرف) بإسكان الراء، والباقون بضمها.

انظر: "كتاب السبعة" ص 318، وكتاب "إرشاد المبتدي" ص 356، و"تحبير التيسير" ص 121.

(٢٣) هكذا، وكذلك هو في "تهذيب اللغة"، وفي كتاب "العين" (فهو) وهو أليق بالسياق.

(٢٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).

(٢٥) "تهذيب اللغة" (هور) 4/ 3691، والنص في كتاب "العين" (هور) 4/ 82.

(٢٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).

(٢٧) في (ح): (أراد)، وهو خطأ.

(٢٨) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 470.

(٢٩) في (ى): (في)، والمثبت موافق للمصدر التالي.

(٣٠) كررت في (ح).

(٣١) البيت للأجدع بن مالك الهمداني كما في "اللسان" (نوع) 8/ 4579 و (نعا) 8/ 4486، و"الأصمعيات" ص 69، و"التنبيه" للبكري ص 25.

(٣٢) في (ى): (النياعيا).

(٣٣) البيت بتمامه: لعمر بني شهاب ما أقاموا ...

صدور الخيل والأسل النياعا وهو للقطامي كما في "المخصص" 14/ 35، و"لسان العرب" (نوع) 8/ 4579 أو لدريد بن الصمة كما في "الصحاح" (نوع) 3/ 1294.

والأسل: أطراف الأسنة.

(٣٤) في (ح): (لا يغزون)، وهو خطأ.

(٣٥) ساقط من (ى).

(٣٦) ما بين العلامين ليس من كلام أبي علي في "الحجة".

(٣٧) أهـ.

كلام أبي علي، انظر: "الحجة للقراء السبعة" 4/ 225 - 227 باختصار وتصرف، ولم أجد كلام الأخفثس في كتابه "معاني القرآن".

(٣٨) في (ى): (ويقال).

(٣٩) وهي قراءة أبي عمرو والكسائي ويحيى عن أبي بكر عن عاصم، وقالون عن نافع، والداجوني عن ابن عامر.

انظر: "كتاب السبعة" ص 319، و"إرشاد المبتدي" ص 356، و"تحبير التيسير" ص 121.

(٤٠) هو: تميم بن أُبي بن مقبل، والبيت في "ديوانه" ص326، و"الشعر والشعراء" ص 299، ورواية البيت فيهما: يمشين هيل النقا مالت جوانبه ...

ينهال حينًا وينهاه الثرى حينًا وانظر: البيت بلا نسبة بمثل رواية المؤلف في "الحجة" 4/ 229.

والشاعر يصف نسوة كما في "الشعر والشعراء"، الموضع السابق، والنقا: الكثيب من الرمل.

انظر: "لسان العرب" (نقا) 8/ 4532.

(٤١) لم أجد من ذكر هذا القول، ولم يتبين لي من أبو إسحاق هذا، ويبعد أن يكون الزجاج؛ لأنه يرى الانهيار -المذكور من باب التمثيل حيث قال في تفسير قوله تعالى: ﴿ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ﴾ : وهذا مثل، المعنى: (أن بناء هذا المسجد الذي بني ضرارًا وكفرًا كبناء على جرف جهنم يتهور بأهله فيها).

"معاني القرآن وإعرابه" 2/ 470، كما يبعد أن يكون أبا إسحاق الثعلبي؛ لأنه فسر الآية بمثل تفسير الزجاج فقال: (هذا مثل لضعف نياتهم وقلة بصيرتهم في عملهم)، "تفسير الثعلبي" 6/ 150 أوإلى مثل قولهما ذهب كثير من المفسرين كابن جرير 11/ 32، والسمرقندي 2/ 75، والزمخشري 2/ 215، وذهب بعض المفسرين إلى ظاهر اللفظ، قال القرطبي في "تفسيره" 8/ 265: اختلف العلماء في قوله تعالى: ﴿ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ﴾ هل ذلك حقيقة أو مجاز على قولين: الأول: أن ذلك حقيقة، وأن النبي  إذ أرسل إليه فهدم رؤي الدخان يخرج منه، من رواية سعيد بن جبير، وقال بعضهم: (كان الرجل يدخل فيه سعفة من سعف النخل فيخرجها سوداء محترقة)، وذكر أهل التفسير أنه كان يحفر ذلك الموضع الذي انهار فيخرج منه دخان، وروى عاصم بن أبي النجود عن زر بن حبيش عن ابن مسعود أنه قال: (جهنم في الأرض ثم تلا ﴿ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ﴾ وقال جابر ابن عبد الله: (أنا رأيت الدخان يخرج منه على عهد رسول الله  ).

والثاني: أن ذلك مجاز، والمعنى: صار البناء في نار جهنم فكأنه انهار إليه، وهوى فيه، وهذا كقوله تعالى: ﴿ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ  ﴾ ، والظاهر الأول؛ إذ لا إحالة في ذلك، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد