تفسير البيضاوي سورة الشعراء

الإسلام > القرآن > تفسير > البيضاوي > تفسير سورة الشعراء

تفسيرُ سورةِ الشعراء كاملةً من تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) (ناصر الدين البيضاوي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 79 دقيقة قراءة

تفسير سورة الشعراء كاملةً (ناصر الدين البيضاوي)

طسٓمٓ ١ تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ ٢ لَعَلَّكَ بَـٰخِعٌۭ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا۟ مُؤْمِنِينَ ٣

( 26 سُورَةُ الشُّعَراءِ مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ تَعالى ﴿ والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ ﴾ إلى آخِرِها وهي مِائَتانِ وسِتٌّ أوْ سَبْعٌ وعِشْرُونَ آيَةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ طسم ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ بِالإمالَةِ، ونافِعٌ بَيْنَ بَيْنَ كَراهَةً لِلْعَوْدِ إلى الياءِ المَهْرُوبِ مِنها، وأظْهَرَ نُونَهُ حَمْزَةُ لِأنَّهُ في الأصْلِ مُنْفَصِلٌ عَمّا بَعْدَهُ.

﴿ تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ ﴾ الظّاهِرُ إعْجازُهُ وصِحَّتُهُ، والإشارَةُ إلى السُّورَةِ أوِ القُرْآنِ عَلى ما قَرَّرَ في أوَّلِ «البَقَرَةِ» .

﴿ لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ﴾ قاتِلٌ نَفْسَكَ، وأصْلُ البَخْعِ أنْ يَبْلُغَ بِالذَّبْحِ النُّخاعَ وهو عِرْقٌ مُسْتَبْطِنٌ الفَقارَ وذَلِكَ أقْصى حَدِّ الذَّبْحِ، وقُرِئَ «باخِعُ نَفْسِكَ» بِالإضافَةِ، ولَعَلَّ لِلْإشْفاقِ أيْ أشْفِقْ عَلى نَفْسِكَ أنْ تَقْتُلَها حَسْرَةً.

﴿ ألا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ﴾ لِئَلّا يُؤْمِنُوا أوْ خِيفَةَ أنْ لا يُؤْمِنُوا.

<div class="verse-tafsir"

إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ءَايَةًۭ فَظَلَّتْ أَعْنَـٰقُهُمْ لَهَا خَـٰضِعِينَ ٤ وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍۢ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا۟ عَنْهُ مُعْرِضِينَ ٥ فَقَدْ كَذَّبُوا۟ فَسَيَأْتِيهِمْ أَنۢبَـٰٓؤُا۟ مَا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ ٦

﴿ إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً ﴾ دَلالَةً مُلْجِئَةً إلى الإيمانِ أوْ بَلِيَّةً قاسِرَةً عَلَيْهِ.

﴿ فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ ﴾ مُنْقادِينَ وأصْلُهُ فَظَلُّوا لَها خاضِعِينَ فَأُقْحِمَتِ الأعْناقُ لِبَيانِ مَوْضِعِ الخُضُوعِ وتُرِكَ الخَبَرُ عَلى أصْلِهِ.

وَقِيلَ لَمّا وُصِفَتِ الأعْناقُ بِصِفاتِ العُقَلاءِ أُجْرِيَتْ مَجْراهم.

وقِيلَ المُرادُ بِها الرُّؤَساءُ أوِ الجَماعاتُ مِن قَوْلِهِمْ: جاءَنا عُنُقٌ مِنَ النّاسِ لِفَوْجٍ مِنهم، وقُرِئَ «خاضِعَةً» وظَلَّتْ عُطِفَ عَلى ( نُنَزِّلْ ) عَطْفَ وأكُنْ عَلى فَأصَّدَّقَ لِأنَّهُ لَوْ قِيلَ أنْزَلَنا بَدَلَهُ لَصَحَّ.

﴿ وَما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ ﴾ مَوْعِظَةٍ أوْ طائِفَةٍ مِنَ القُرْآنِ.

﴿ مِنَ الرَّحْمَنِ ﴾ يُوحِيهِ إلى نَبِيِّهِ.

﴿ مُحْدَثٍ ﴾ مُجَدَّدٍ إنْزالُهُ لِتَكْرِيرِ التَّذْكِيرِ وتَنْوِيعِ التَّقْرِيرِ.

﴿ إلا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ ﴾ إلّا جَدَّدُوا إعْراضًا عَنْهُ وإصْرارًا عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ.

﴿ فَقَدْ كَذَّبُوا ﴾ أيْ بِالذِّكْرِ بَعْدَ إعْراضِهِمْ وأمْعَنُوا في تَكْذِيبِهِ بِحَيْثُ أدّى بِهِمْ إلى الِاسْتِهْزاءِ بِهِ المُخْبَرُ بِهِ عَنْهم ضِمْنًا في قَوْلِهِ: ﴿ فَسَيَأْتِيهِمْ ﴾ أيْ إذا مَسَّهم عَذابُ اللَّهِ يَوْمَ بَدْرٍ أوْ يَوْمَ القِيامَةِ.

﴿ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ مِن أنَّهُ كانَ حَقًّا أمْ باطِلًا، وكانَ حَقِيقًا بِأنْ يُصَدَّقَ ويُعَظَّمَ قَدْرُهُ أوْ يُكَذَّبَ فَيُسْتَخَفَّ أمْرُهُ.

<div class="verse-tafsir"

أَوَلَمْ يَرَوْا۟ إِلَى ٱلْأَرْضِ كَمْ أَنۢبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍۢ كَرِيمٍ ٧ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةًۭ ۖ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ ٨ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ٩

﴿ أوَلَمْ يَرَوْا إلى الأرْضِ ﴾ أوَلَمْ يَنْظُرُوا إلى عَجائِبِها.

﴿ كَمْ أنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ ﴾ صِنْفٍ ﴿ كَرِيمٍ ﴾ مَحْمُودٍ كَثِيرِ المَنفَعَةِ، وهو صِفَةٌ لِكُلِّ ما يَحْمَدُ ويَرْضى، وها هُنا يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُقَيَّدَةً لِما يَتَضَمَّنُ الدَّلالَةَ عَلى القُدْرَةِ، وأنْ تَكُونَ مُبَيِّنَةً مُنَبِّهَةً عَلى أنَّهُ ما مِن نَبْتٍ إلّا ولَهُ فائِدَةٌ إمّا وحْدَهُ أوْ مَعَ غَيْرِهِ، ( وكُلِّ ) لِإحاطَةِ الأزْواجِ ( وكَمْ ) لِكَثْرَتِها.

﴿ إنَّ في ذَلِكَ ﴾ إنَّ في إنْباتِ تِلْكَ الأصْنافِ أوْ في كُلِّ واحِدٍ.

﴿ لآيَةً ﴾ عَلى أنَّ مُنْبِتَها تامُّ القُدْرَةِ والحِكْمَةِ، سابِغُ النِّعْمَةِ والرَّحْمَةِ.

﴿ وَما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ ﴾ في عِلْمِ اللَّهِ وقَضائِهِ فَلِذَلِكَ لا يَنْفَعُهم أمْثالُ هَذِهِ الآياتِ العِظامِ.

﴿ وَإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ ﴾ الغالِبُ القادِرُ عَلى الِانْتِقامِ مِنَ الكَفَرَةِ.

﴿ الرَّحِيمُ ﴾ حَيْثُ أمْهَلَهم أوِ العَزِيزُ في انْتِقامِهِ مِمَّنْ كَفَرَ الرَّحِيمُ لِمَن تابَ وآمَنَ.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذْ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰٓ أَنِ ٱئْتِ ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ ١٠ قَوْمَ فِرْعَوْنَ ۚ أَلَا يَتَّقُونَ ١١

﴿ وَإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى ﴾ مُقَدَّرٌ بِاذْكُرْ أوْ ظَرْفٌ لِما بَعْدَهُ.

﴿ أنِ ائْتِ ﴾ أيِ ائْتِ أوْ بِأنِ ائْتِ.

﴿ القَوْمَ الظّالِمِينَ ﴾ بِالكُفْرِ واسْتِعْبادِ بَنِي إسْرائِيلَ وذَبْحِ أوْلادِهِمْ.

﴿ قَوْمَ فِرْعَوْنَ ﴾ بَدَلٌ مِنَ الأوَّلِ أوْ عَطْفُ بَيانٍ لَهُ، ولَعَلَّ الِاقْتِصارَ عَلى القَوْمِ لِلْعِلْمِ بِأنَّ فِرْعَوْنَ كانَ أوْلى بِذَلِكَ.

﴿ ألا يَتَّقُونَ ﴾ اسْتِئْنافٌ أتْبَعَهُ إرْسالَهُ إلَيْهِمْ لِلْإنْذارِ تَعْجِيبًا لَهُ مِن إفْراطِهِمْ في الظُّلْمِ واجْتِرائِهِمْ عَلَيْهِ، وقُرِئَ بِالتّاءِ عَلى الِالتِفاتِ إلَيْهِمْ زَجْرًا لَهم وغَضَبًا عَلَيْهِمْ، وهم وإنْ كانَ غَيْبًا حِينَئِذٍ أُجْرُوا مَجْرى الحاضِرِينَ في كَلامِ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ مِن حَيْثُ إنَّهُ مُبَلِّغُهُ إلَيْهِمْ وإسْماعُهُ مَبْدَأ إسْماعِهِمْ، مَعَ ما فِيهِ مِن مَزِيدِ الحَثِّ عَلى التَّقْوى لِمَن تَدَبَّرَهُ وتَأمَّلَ مَوْرِدَهُ، وقُرِئَ بِكَسْرِ النُّونِ اكْتِفاءً بِها عَنْ ياءِ الإضافَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى ألا يا ناسُ اتَّقُونِ كَقَوْلِهِ: ألا يا اسْجُدُوا.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ رَبِّ إِنِّىٓ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ ١٢ وَيَضِيقُ صَدْرِى وَلَا يَنطَلِقُ لِسَانِى فَأَرْسِلْ إِلَىٰ هَـٰرُونَ ١٣ وَلَهُمْ عَلَىَّ ذَنۢبٌۭ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ ١٤

﴿ قالَ رَبِّ إنِّي أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ ﴾ ﴿ وَيَضِيقُ صَدْرِي ولا يَنْطَلِقُ لِسانِي فَأرْسِلْ إلى هارُونَ ﴾ رَتَّبَ اسْتِدْعاءَ ضَمِّ أخِيهِ إلَيْهِ وإشْراكَهُ لَهُ في الأمْرِ عَلى الأُمُورِ الثَّلاثَةِ: خَوْفُ التَّكْذِيبِ، وضِيقُ القَلْبِ انْفِعالًا عَنْهُ، وازْدِيادُ الحَبْسَةِ في اللِّسانِ بِانْقِباضِ الرُّوحِ إلى باطِنِ القَلْبِ عِنْدَ ضِيقِهِ بِحَيْثُ لا يَنْطَلِقُ، لِأنَّها إذا اجْتَمَعَتْ مَسَّةُ الحاجَةِ إلى مُعِينٍ يُقَوِّي قَلْبَهُ ويَنُوبُ مَنابَهُ مَتى تَعْتَرِيهِ حَبْسَةٌ حَتّى لا تَخْتَلَّ دَعْوَتُهُ ولا تَنْبَتِرَ حُجَّتُهُ، ولَيْسَ ذَلِكَ تَعَلُّلًا مِنهُ وتَوَقُّفًا في تَلَقِّي الأمْرِ، بَلْ طَلَبًا لِما يَكُونُ مَعُونَةً عَلى امْتِثالِهِ وتَمْهِيدَ عُذْرِهِ فِيهِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ ﴿ وَيَضِيقُ ﴾ ﴿ وَلا يَنْطَلِقُ ﴾ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى ﴿ يُكَذِّبُونِ ﴾ فَيَكُونانِ مِن جُمْلَةِ ما خافَ مِنهُ.

﴿ وَلَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ ﴾ أيْ تَبِعَةُ ذَنْبٍ فَحُذِفَ المُضافُ أوْ سُمِّيَ بِاسْمِهِ، والمُرادُ قَتْلُ القِبْطِيِّ وإنَّما سَمّاهُ ذَنْبًا عَلى زَعْمِهِمْ، وهَذا اخْتِصارُ قِصَّتِهِ المَبْسُوطَةِ في مَواضِعَ.

﴿ فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ ﴾ بِهِ قَبْلَ أداءِ الرِّسالَةِ، وهو أيْضًا لَيْسَ تَعَلُّلًا وإنَّما هو اسْتِدْفاعٌ لِلْبَلِيَّةِ المُتَوَقَّعَةِ، كَما أنَّ ذاكَ اسْتِمْدادٌ واسْتِظْهارٌ في أمْرِ الدَّعْوَةِ وقَوْلِهِ: <div class="verse-tafsir"

قَالَ كَلَّا ۖ فَٱذْهَبَا بِـَٔايَـٰتِنَآ ۖ إِنَّا مَعَكُم مُّسْتَمِعُونَ ١٥ فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَآ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ١٦ أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ١٧

﴿ قالَ كَلا فاذْهَبا بِآياتِنا ﴾ إجابَةً لَهُ إلى الطِّلْبَتَيْنِ بِوَعْدِهِ لِدَفْعِ بَلائِهِمُ اللّازِمِ رَدْعُهُ عَنِ الخَوْفِ، وضَمَّ أخِيهِ إلَيْهِ في الإرْسالِ، والخِطابُ في ﴿ فاذْهَبا ﴾ عَلى تَغْلِيبِ الحاضِرِ لِأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى الفِعْلِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿ كَلا ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: ارْتَدِعْ يا مُوسى عَمّا تَظُنُّ فاذْهَبْ أنْتَ والَّذِي طَلَبْتَهُ.

﴿ إنّا مَعَكُمْ ﴾ يَعْنِي مُوسى وهارُونَ وفِرْعَوْنَ.

﴿ مُسْتَمِعُونَ ﴾ سامِعُونَ لِما يَجْرِي بَيْنَكُما وبَيْنَهُ فَأُظْهِرُكُما عَلَيْهِ، مَثَّلَ نَفْسَهُ تَعالى بِمَن حَضَرَ مُجادَلَةَ قَوْمٍ اسْتِماعًا لِما يَجْرِي بَيْنَهم وتَرَقُّبًا لِإمْدادِ أوْلِيائِهِ مِنهم، مُبالَغَةً في الوَعْدِ بِالإعانَةِ، ولِذَلِكَ تَجَوَّزَ بِالِاسْتِماعِ الَّذِي هو بِمَعْنى الإصْغاءِ لِلسَّمْعِ الَّذِي هو مُطْلَقُ إدْراكِ الحُرُوفِ والأصْواتِ، وهو خَبَرٌ ثانٍ أوِ الخَبَرُ وحْدَهُ ( مَعَكم ) لَغْوٌ.

﴿ فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ أفْرَدَ الرَّسُولَ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ فَإنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ المُرْسَلِ والرِّسالَةِ، قالَ الشّاعِرُ: لَقَدْ كَذَبَ الواشُونَ ما فُهْتُ عِنْدَهم.

.

.

بِسِرٍّ ولا أرْسَلْتُهم بِرَسُولِ وَلِذَلِكَ ثَنّى تارَةً وأفْرَدَ أُخْرى، أوْ لِاتِّحادِهِما لِلْأُخُوَّةِ أوْ لِوَحْدَةِ المُرْسَلِ والمُرْسَلِ بِهِ، أوْ لِأنَّهُ أرادَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنّا.

﴿ أنْ أرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ أيْ أرْسِلْ لِتَضَمُّنِ الرَّسُولِ مَعْنى الإرْسالِ المُتَضَمِّنِ مَعْنى القَوْلِ، والمُرادُ خَلِّهِمْ لِيَذْهَبُوا مَعَنا إلى الشّامِ.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًۭا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ ١٨ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ ٱلَّتِى فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ ١٩

﴿ قالَ ﴾ أيْ فِرْعَوْنُ لِمُوسى بَعْدَ ما أتَياهُ فَقالا لَهُ ذَلِكَ.

﴿ ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ﴾ في مَنازِلِنا.

﴿ وَلِيدًا ﴾ طِفْلًا سُمِّيَ بِهِ لِقُرْبِهِ مِنَ الوِلادَةِ.

﴿ وَلَبِثْتَ فِينا مِن عُمُرِكَ سِنِينَ ﴾ قِيلَ لَبِثَ فِيهِمْ ثَلاثِينَ سَنَةً ثُمَّ خَرَجَ إلى مَدْيَنَ عَشْرَ سِنِينَ ثُمَّ عادَ إلَيْهِمْ يَدْعُوهم إلى اللَّهِ ثَلاثِينَ، ثُمَّ بَقِيَ بَعْدَ الغَرَقِ خَمْسِينَ.

﴿ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ ﴾ يَعْنِي قَتْلَ القِبْطِيِّ، وبَخَّهُ بِهِ مُعَظِّمًا إيّاهُ بَعْدَ ما عَدَّدَ عَلَيْهِ نِعْمَتَهُ، وقُرِئَ ( فِعْلَتَكَ ) بِالكَسْرِ لِأنَّها كانَتْ قِتَلَةً بِالوَكْزِ.

﴿ وَأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ ﴾ بِنِعْمَتِي حَتّى عَمَدْتَ إلى قَتْلِ خَواصِّي، أوْ مِمَّنْ تُكَفِّرُهُمُ الآنَ فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُعايِشُهم بِالتَّقِيَّةِ فَهو حالٌ مِن إحْدى التّاءَيْنِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حُكْمًا مُبْتَدَأً عَلَيْهِ بِأنَّهُ مِنَ الكافِرِينَ بِآلِهِيَّتِهِ أوْ بِنِعْمَتِهِ لَمّا عادَ عَلَيْهِ بِالمُخالَفَةِ، أوْ مِنَ الَّذِينَ كانُوا يَكْفُرُونَ في دِينِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ فَعَلْتُهَآ إِذًۭا وَأَنَا۠ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ ٢٠ فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِى رَبِّى حُكْمًۭا وَجَعَلَنِى مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ ٢١ وَتِلْكَ نِعْمَةٌۭ تَمُنُّهَا عَلَىَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٢٢

﴿ قالَ فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ ﴾ مِنَ الجاهِلِينَ وقَدْ قُرِئَ بِهِ، والمَعْنى مِنَ الفاعِلِينَ فِعْلَ أُولِي الجَهْلِ والسَّفَهِ، أوْ مِنَ الخاطِئِينَ لِأنَّهُ لَمْ يَتَعَمَّدْ قَتْلَهُ، أوْ مِنَ الذّاهِلِينَ عَمّا يَؤُولُ إلَيْهِ الوَكْزُ لِأنَّهُ أرادَ بِهِ التَّأْدِيبَ، أوِ النّاسِينَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنْ تَضِلَّ إحْداهُما ﴾ .

﴿ فَفَرَرْتُ مِنكم لَمّا خِفْتُكم فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا ﴾ حِكْمَةً.

﴿ وَجَعَلَنِي مِنَ المُرْسَلِينَ ﴾ رَدَّ أوَّلًا بِذَلِكَ ما وبَّخَهُ بِهِ قَدْحًا في نُبُوَّتِهِ ثُمَّ كَرَّ عَلى ما عَدَّ عَلَيْهِ مِنَ النِّعْمَةِ ولَمْ يُصَرِّحْ بِرَدِّهِ لِأنَّهُ كانَ صِدْقًا غَيْرَ قادِحٍ في دَعْواهُ، بَلْ نَبَّهَ عَلى أنَّهُ كانَ في الحَقِيقَةِ نِقْمَةً لِكَوْنِهِ مُسَبَّبًا عَنْها فَقالَ: ﴿ وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ أيْ وتِلْكَ التَّرْبِيَةُ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ ظاهِرًا، وهي في الحَقِيقَةِ تَعْبِيدُكَ بَنِي إسْرائِيلَ وقَصْدُهم بِذَبْحِ أبْنائِهِمْ، فَإنَّهُ السَّبَبُ في وُقُوعِي إلَيْكَ وحُصُولِي في تَرْبِيَتِكَ.

وقِيلَ إنَّهُ مُقَدَّرٌ بِهَمْزَةِ الإنْكارِ أيْ أوَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ وهي ﴿ أنْ عَبَّدْتَ ﴾ ، ومَحَلُّ ( أنْ عَبَّدْتَ ) الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مَحْذُوفٍ أوْ بَدَلُ ( نِعْمَةٌ ) أوِ الجَرُّ بِإضْمارِ الباءِ أوِ النُّصْبُ بِحَذْفِها.

وقِيلَ تِلْكَ إشارَةٌ إلى خَصْلَةٍ شَنْعاءَ مُبْهَمَةٍ و ( أنْ عَبَّدْتَ ) عَطْفُ بَيانِها والمَعْنى: تَعْبِيدُكَ بَنِي إسْرائِيلَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ، وإنَّما وحَّدَ الخِطابَ في تَمُنُّها وجَمَعَ فِيما قَبْلَهُ لِأنَّ المِنَّةَ كانَتْ مِنهُ وحْدَهُ، والخَوْفَ والفِرارَ مِنهُ ومِن مَلَئِهِ.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٢٣ قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ ۖ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ ٢٤ قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُۥٓ أَلَا تَسْتَمِعُونَ ٢٥

﴿ قالَ فِرْعَوْنُ وما رَبُّ العالَمِينَ ﴾ لَمّا سَمِعَ جَوابَ ما طَعَنَ بِهِ فِيهِ ورَأى أنَّهُ لَمْ يَرْعَوِ بِذَلِكَ شَرَعَ في الِاعْتِراضِ عَلى دَعْواهُ فَبَدَأ بِالِاسْتِفْسارِ عَنْ حَقِيقَةِ المُرْسَلِ.

﴿ قالَ رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما ﴾ عَرَّفَهُ بِأظْهَرِ خَواصِّهِ وآثارِهِ لَمّا امْتَنَعَ تَعْرِيفُ الأفْرادِ إلّا بِذِكْرِ الخَواصِّ والأفْعالِ وإلَيْهِ أشارَ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ ﴾ أيْ إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ الأشْياءَ مُحَقِّقِينَ لَها عَلِمْتُمْ أنَّ هَذِهِ الأجْرامَ المَحْسُوسَةَ مُمْكِنَةٌ لِتَرَكُّبِها وتَعَدُّدِها وتَغَيُّرِ أحْوالِها، فَلَها مُبْدِئٌ واجِبٌ لِذاتِهِ وذَلِكَ المُبْدِئُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَبْدَأً لِسائِرِ المُمْكِناتِ ما يُمْكِنُ أنْ يُحِسَّ بِها وما لا يُمْكِنُ وإلّا لَزِمَ تَعَدُّدُ الواجِبِ، أوِ اسْتِغْناءُ بَعْضِ المُمْكِناتِ عَنْهُ وكِلاهُما مُحالٌ ثُمَّ ذَلِكَ الواجِبُ لا يُمْكِنُ تَعْرِيفُهُ إلّا بِلَوازِمِهِ الخارِجِيَّةِ لِامْتِناعِ التَّعْرِيفِ بِنَفْسِهِ وبِما هو داخِلٌ فِيهِ لِاسْتِحالَةِ التَّرْكِيبِ في ذاتِهِ.

﴿ قالَ لِمَن حَوْلَهُ ألا تَسْتَمِعُونَ ﴾ جَوابُهُ سَألْتُهُ عَنْ حَقِيقَتِهِ وهو يَذْكُرُ أفْعالَهُ، أوْ يَزْعُمُ أنَّهُ رَبُّ السَّماواتِ وهي واجِبَةٌ مُتَحَرِّكَةٌ لِذاتِها كَما هو مَذْهَبُ الدَّهْرِيَّةِ، أوْ غَيْرُ مَعْلُومٍ افْتِقارُها إلى مُؤَثِّرٍ.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءَابَآئِكُمُ ٱلْأَوَّلِينَ ٢٦ قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِىٓ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌۭ ٢٧ قَالَ رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَآ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ ٢٨

﴿ قالَ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ ﴾ عُدُولًا إلى ما لا يُمْكِنُ أنْ يَتَوَهَّمَ فِيهِ مِثْلُهُ ويَشُكَّ في افْتِقارِهِ إلى مُصَوِّرٍ حَكِيمٍ ويَكُونُ أقْرَبَ إلى النّاظِرِ وأوْضَحَ عِنْدَ التَّأمُّلِ.

﴿ قالَ إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ ﴾ أسْألُهُ عَنْ شَيْءٍ ويُجِيبُنِي عَنْ آخَرَ، وسَمّاهُ رَسُولًا عَلى السُّخْرِيَةِ.

﴿ قالَ رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ وما بَيْنَهُما ﴾ تُشاهِدُونَ كُلَّ يَوْمٍ أنَّهُ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ ويُحَرِّكُها عَلى مَدارٍ غَيْرِ مَدارِ اليَوْمِ الَّذِي قَبْلَهُ حَتّى يُبَلِّغَها إلى المَغْرِبِ عَلى وجْهٍ نافِعٍ تَنْتَظِمُ بِهِ أُمُورُ الكائِناتِ.

﴿ إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ إنْ كانَ لَكم عَقْلٌ عَلِمْتُمْ أنْ لا جَوابَ لَكم فَوْقَ ذَلِكَ لايَنَهم أوَّلًا، ثُمَّ لَمّا رَأى شِدَّةَ شَكِيمَتِهِمْ خاشَنَهم وعارَضَهم بِمِثْلِ مَقالِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ لَئِنِ ٱتَّخَذْتَ إِلَـٰهًا غَيْرِى لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ ٢٩ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَىْءٍۢ مُّبِينٍۢ ٣٠

﴿ قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرِي لأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ ﴾ عُدُولًا إلى التَّهْدِيدِ عَنِ المُحاجَّةِ بَعْدَ الِانْقِطاعِ وهَكَذا دَيْدَنُ المُعانِدِ المَحْجُوجِ، واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى ادِّعائِهِ الأُلُوهِيَّةَ وإنْكارِهِ الصّانِعَ وأنَّ تَعَجُّبَهُ بِقَوْلِهِ ﴿ ألا تَسْتَمِعُونَ ﴾ مِن نِسْبَةِ الرُّبُوبِيَّةِ إلى غَيْرِهِ، ولَعَلَّهُ كانَ دَهْرِيًّا اعْتَقَدَ أنَّ مَن مَلَكَ قُطْرًا أوْ تَوَلّى أمْرَهُ بِقُوَّةِ طالِعِهِ اسْتَحَقَّ العِبادَةَ مِن أهْلِهِ، واللّامُ في ﴿ المَسْجُونِينَ ﴾ لِلْعَهْدِ أيْ مِمَّنْ عَرَفْتَ حالَهم في سُجُونِي فَإنَّهُ كانَ يَطْرَحُهم في هُوَّةٍ عَمِيقَةٍ حَتّى يَمُوتُوا ولِذَلِكَ جَعَلَ أبْلَغُ مِن لَأسْجُنَنَّكَ.

﴿ قالَ أوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ ﴾ أيْ أتَفْعَلُ ذَلِكَ ولَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ يُبَيِّنُ صِدْقَ دَعْوايَ، يَعْنِي المُعْجِزَةَ فَإنَّها الجامِعَةُ بَيْنَ الدَّلالَةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وحِكْمَتِهِ والدَّلالَةِ عَلى صِدْقِ مُدَّعِي نُبُوَّتِهِ، فالواوُ لِلْحالِ ولِيَها الهَمْزَةُ بَعْدَ حَذْفِ الفِعْلِ.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ فَأْتِ بِهِۦٓ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ ٣١ فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌۭ مُّبِينٌۭ ٣٢ وَنَزَعَ يَدَهُۥ فَإِذَا هِىَ بَيْضَآءُ لِلنَّـٰظِرِينَ ٣٣

﴿ قالَ فَأْتِ بِهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ ﴾ في أنَّ لَكَ بَيِّنَةً أوْ في دَعْواكَ، فَإنَّ مُدَّعِيَ النُّبُوَّةِ لا بُدَّ لَهُ مِن حُجَّةٍ.

﴿ فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ ﴾ ظاهِرُ ثُعْبانِيَّتِهِ واشْتِقاقُ الثُّعْبانِ مِن ثَعَبْتُ الماءَ فانْثَعَبَ إذا فَجَّرْتُهُ فانْفَجَرَ.

﴿ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ ﴾ رُوِيَ أنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا رَأى الآيَةَ الأُولى قالَ فَهَلْ غَيْرُها، فَأخْرَجَ يَدَهُ قالَ فَما فِيها فَأدْخَلَها في إبِطِهِ ثُمَّ نَزَعَها ولَها شُعاعٌ يَكادُ يُغْشِي الأبْصارَ ويَسُدُّ الأُفُقَ.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُۥٓ إِنَّ هَـٰذَا لَسَـٰحِرٌ عَلِيمٌۭ ٣٤ يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِۦ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ٣٥

﴿ قالَ لِلْمَلإ حَوْلَهُ ﴾ مُسْتَقِرِّينَ حَوْلَهُ فَهو ظَرْفٌ وقَعَ مَوْقِعَ الحالِ.

﴿ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ ﴾ فائِقٌ في عِلْمِ السِّحْرِ.

﴿ يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِ فَماذا تَأْمُرُونَ ﴾ بَهَرَهُ سُلْطانُ المُعْجِزَةِ حَتّى حَطَّهُ عَنْ دَعْوى الرُّبُوبِيَّةِ إلى مُؤامَرَةِ القَوْمِ وائْتِمارِهِمْ وتَنْفِيرِهِمْ عَنْ مُوسى وإظْهارِ الِاسْتِشْعارِ عَنْ ظُهُورِهِ واسْتِيلائِهِ عَلى مُلْكِهِ.

<div class="verse-tafsir"

قَالُوٓا۟ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَٱبْعَثْ فِى ٱلْمَدَآئِنِ حَـٰشِرِينَ ٣٦ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍۢ ٣٧ فَجُمِعَ ٱلسَّحَرَةُ لِمِيقَـٰتِ يَوْمٍۢ مَّعْلُومٍۢ ٣٨

﴿ قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ ﴾ أيْ أخِّرْ أمْرَهُما، وقِيلَ احْبِسْهُما.

﴿ وابْعَثْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ ﴾ شَرْطًا يَحْشُرُونَ السَّحَرَةَ.

﴿ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحّارٍ عَلِيمٍ ﴾ يَفْضُلُونَ عَلَيْهِ في هَذا الفَنِّ وأمالَها ابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ، وقُرِئَ «بِكُلِّ ساحِرٍ» .

﴿ فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ﴾ لِما وقَّتَ بِهِ مِن ساعاتِ يَوْمٍ مُعِينٍ وهو وقْتُ الضُّحى مِن يَوْمِ الزِّينَةِ.

<div class="verse-tafsir"

وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُم مُّجْتَمِعُونَ ٣٩ لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ ٱلسَّحَرَةَ إِن كَانُوا۟ هُمُ ٱلْغَـٰلِبِينَ ٤٠ فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ قَالُوا۟ لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ ٱلْغَـٰلِبِينَ ٤١ قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًۭا لَّمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ ٤٢

﴿ وَقِيلَ لِلنّاسِ هَلْ أنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ ﴾ فِيهِ اسْتِبْطاءٌ لَهم في الِاجْتِماعِ حَثًّا عَلى مُبادَرَتِهِمْ إلَيْهِ كَقَوْلِ تَأبَّطَ شَرًّا: هَلْ أنْتَ باعِثُ دِينارٍ لِحاجَتِنا.

.

.

أوْ عَبْدَ رَبٍّ أخا عَوْنِ بْنِ مِخْراقِ أيِ ابْعَثْ أحَدَهُما إلَيْنا سَرِيعًا.

﴿ لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إنْ كانُوا هُمُ الغالِبِينَ ﴾ لَعَلَّنا نَتَّبِعُهم في دِينِهِمْ إنْ غَلَبُوا والتَّرَجِّي بِاعْتِبارِ الغَلَبَةِ المُقْتَضِيَةِ لِلِاتِّباعِ، ومَقْصُودُهُمُ الأصْلِيُّ أنْ لا يَتَّبِعُوا مُوسى لا أنْ يَتَّبِعُوا السَّحَرَةَ فَساقُوا الكَلامَ مَساقَ الكِنايَةِ لِأنَّهم إذا اتَّبَعُوهم لَمْ يَتَّبِعُوا مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

﴿ فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ قالُوا لِفِرْعَوْنَ أإنَّ لَنا لأجْرًا إنْ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ ﴾ ﴿ قالَ نَعَمْ وإنَّكم إذًا لَمِنَ المُقَرَّبِينَ ﴾ التَزَمَ لَهُمُ الأجْرَ والقُرْبَةَ عِنْدَهُ زِيادَةً عَلَيْهِ إنْ غَلَبُوا فَإذًا عَلى ما يَقْتَضِيهِ مِنَ الجَوابِ والجَزاءِ، وقُرِئَ «نِعِمْ» بِالكَسْرِ وهُما لُغَتانِ.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ لَهُم مُّوسَىٰٓ أَلْقُوا۟ مَآ أَنتُم مُّلْقُونَ ٤٣ فَأَلْقَوْا۟ حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا۟ بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ ٱلْغَـٰلِبُونَ ٤٤ فَأَلْقَىٰ مُوسَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ ٤٥

﴿ قالَ لَهم مُوسى ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ ﴾ أيْ بَعْدَ ما قالُوا لَهُ ﴿ إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ ﴾ ، ولَمْ يُرِدْ بِهِ أمْرَهم بِالسِّحْرِ والتَّمْوِيهَ بَلِ الإذْنَ في تَقْدِيمِ ما هم فاعِلُوهُ لا مَحالَةَ تَوَسُّلًا بِهِ إلى إظْهارِ الحَقِّ.

﴿ فَألْقَوْا حِبالَهم وعِصِيَّهم وقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إنّا لَنَحْنُ الغالِبُونَ ﴾ أقْسَمُوا بِعِزَّتِهِ عَلى أنَّ الغَلَبَةَ لَهم لِفَرْطِ اعْتِقادِهِمْ في أنْفُسِهِمْ، أوْ لِإتْيانِهِمْ بِأقْصى ما يُمْكِنُ أنْ يُؤْتى بِهِ مِنَ السِّحْرِ.

﴿ فَألْقى مُوسى عَصاهُ فَإذا هي تَلْقَفُ ﴾ تَبْتَلِعُ، وقَرَأ حَفْصٌ ( تَلْقَفُ ) بِالتَّخْفِيفِ.

﴿ ما يَأْفِكُونَ ﴾ ما يُقَلِّبُونَهُ عَنْ وجْهِهِ بِتَمْوِيهِهِمْ وتَزْوِيرِهِمْ فَيُخَيِّلُونَ حِبالَهم وعِصِيَّهم أنَّها حَيّاتٌ تَسْعى، أوْ إفْكُهم تَسْمِيَةً لِلْمَأْفُوكِ بِهِ مُبالَغَةً.

<div class="verse-tafsir"

فَأُلْقِىَ ٱلسَّحَرَةُ سَـٰجِدِينَ ٤٦ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٤٧ رَبِّ مُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ ٤٨

﴿ فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ ﴾ لِعِلْمِهِمْ بِأنَّ مِثْلَهُ لا يَتَأتّى بِالسِّحْرِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مُنْتَهى السِّحْرِ تَمْوِيهٌ وتَزْوِيقٌ يُخَيِّلُ شَيْئًا لا حَقِيقَةَ لَهُ، وأنَّ التَّبَحُّرَ في كُلِّ فَنٍّ نافِعٌ.

وإنَّما بَدَّلَ الخُرُورَ بِالإلْقاءِ لِيُشاكِلَ ما قَبْلَهُ ويَدُلَّ عَلى أنَّهم لَمّا رَأوْا ما رَأوْا لَمْ يَتَمالَكُوا أنْفُسَهم كَأنَّهم أُخِذُوا فَطُرِحُوا عَلى وُجُوهِهِمْ، وأنَّهُ تَعالى ألْقاهم بِما خَوَّلَهم مِنَ التَّوْفِيقِ.

﴿ قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ ﴾ بَدَلٌ مِن «أُلْقِيَ» بَدَلَ الِاشْتِمالِ أوْ حالٌ بِإضْمارِ قَدْ.

﴿ رَبِّ مُوسى وهارُونَ ﴾ إبْدالٌ لِلتَّوْضِيحِ ودَفْعُ التَّوَهُّمِ والإشْعارُ عَلى أنَّ المُوجِبَ لِإيمانِهِمْ ما أجْراهُ عَلى أيْدِيهِما.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ ءَامَنتُمْ لَهُۥ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ ۖ إِنَّهُۥ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِى عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ۚ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَـٰفٍۢ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ ٤٩

﴿ قالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكم إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ ﴾ فَعَلَّمَكم شَيْئًا دُونَ شَيْءٍ ولِذَلِكَ غَلَبَكم، أوْ فَواعَدَكم عَلى ذَلِكَ وتَواطَأْتُمْ عَلَيْهِ، وأرادَ بِهِ التَّلْبِيسَ عَلى قَوْمِهِ كَيْ لا يَعْتَقِدُوا أنَّهم آمَنُوا عَنْ بَصِيرَةٍ وظُهُورِ حَقٍّ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ ورُوحٌ «أأمَنتُمْ» بِهَمْزَتَيْنِ.

﴿ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ وبالَ ما فَعَلْتُمْ وقَوْلُهُ: ﴿ لأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ ولأُصَلِّبَنَّكم أجْمَعِينَ ﴾ بَيانٌ لَهُ.

<div class="verse-tafsir"

قَالُوا۟ لَا ضَيْرَ ۖ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ ٥٠ إِنَّا نَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَـٰيَـٰنَآ أَن كُنَّآ أَوَّلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٥١

﴿ قالُوا لا ضَيْرَ ﴾ لا ضَرَرَ عَلَيْنا في ذَلِكَ.

﴿ إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ ﴾ بِما تَوَعَّدَنا بِهِ فَإنَّ الصَّبْرَ عَلَيْهِ مَحّاءٌ لِلذُّنُوبِ مُوجِبٌ لِلثَّوابِ والقُرْبِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، أوْ بِسَبَبٍ مِن أسْبابِ المَوْتِ والقَتْلِ أنْفَعُها وأرْجاها.

﴿ إنّا نَطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أنْ كُنّا ﴾ لِأنْ كُنّا.

﴿ أوَّلَ المُؤْمِنِينَ ﴾ مِن أتْباعِ فِرْعَوْنَ، أوْ مِن أهْلِ المَشْهَدِ والجُمْلَةُ في المَعْنى تَعْلِيلٌ ثانٍ لِنَفْيِ الضَّمِيرِ، أوْ تَعْلِيلٌ لِلْعِلَّةِ المُتَقَدِّمَةِ.

وقُرِئَ «إنْ كُنّا» عَلى الشَّرْطِ لِهَضْمِ النَّفْسِ وعَدَمِ الثِّقَةِ بِالخاتِمَةِ، أوْ عَلى طَرِيقَةِ المُدِلِّ بِأمْرِهِ نَحْوَ إنْ أحْسَنْتُ إلَيْكَ فَلا تَنْسَ حَقِّي.

<div class="verse-tafsir"

۞ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِىٓ إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ ٥٢

﴿ وَأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ أسْرِ بِعِبادِي ﴾ وذَلِكَ بَعْدَ سِنِينَ أقامَها بَيْنَ أظْهُرِهِمْ يَدْعُوهم إلى الحَقِّ ويُظْهِرُ لَهُمُ الآياتِ فَلَمْ يَزِيدُوا إلّا عُتُوًّا وفَسادًا، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ ( أنِ اسْرِ بِعِبادِي ) بِكَسْرِ النُّونِ ووَصْلِ الألِفِ مِن سَرى وقُرِئَ «أنْ سِرْ» مِنَ السَّيْرِ.

﴿ إنَّكم مُتَّبَعُونَ ﴾ يَتْبَعُكم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ وهو عِلَّةُ الأمْرِ بِالإسْراءِ أيْ أسْرِ بِهِمْ حَتّى إذا اتَّبَعُوكم مُصْبِحِينَ كانَ لَكم تَقَدُّمٌ عَلَيْهِمْ بِحَيْثُ لا يُدْرِكُونَكم قَبْلَ وُصُولِكم إلى البَحْرِ بَلْ يَكُونُونَ عَلى أثَرِكم حِينَ تَلِجُونَ البَحْرَ فَيَدْخُلُونَ مَدْخَلَكم فَأُطْبِقُهُ عَلَيْهِمْ فَأُغْرِقُهم.

<div class="verse-tafsir"

فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِى ٱلْمَدَآئِنِ حَـٰشِرِينَ ٥٣ إِنَّ هَـٰٓؤُلَآءِ لَشِرْذِمَةٌۭ قَلِيلُونَ ٥٤ وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَآئِظُونَ ٥٥ وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَـٰذِرُونَ ٥٦

﴿ فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ ﴾ حِينَ أُخْبِرَ بِسَراهم.

﴿ فِي المَدائِنِ حاشِرِينَ ﴾ العَساكِرَ لِيَتْبَعُوهم.

﴿ إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ ﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ وإنَّما اسْتَقَلَّهم وكانُوا سِتَّمِائَةِ ألْفٍ وسَبْعِينَ ألْفًا بِالإضافَةِ إلى جُنُودِهِ، إذْ رُوِيَ أنَّهُ خَرَجَ وكانَتْ مُقَدِّمَتُهُ سَبْعَمِائَةِ ألْفٍ والشِّرْذِمَةُ الطّائِفَةُ القَلِيلَةُ، ومِنها ثَوْبٌ شَراذِمُ لِما بَلِيَ وتَقَطَّعَ، و ( قَلِيلُونَ ) بِاعْتِبارِ أنَّهم أسْباطٌ كُلُّ سِبْطٍ مِنهم قَلِيلٌ.

﴿ وَإنَّهم لَنا لَغائِظُونَ ﴾ لَفاعِلُونَ ما يَغِيظُنا.

﴿ وَإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ ﴾ وإنّا لَجَمْعٌ مِن عادَتِنا الحَذَرُ واسْتِعْمالُ الحَزْمِ في الأُمُورِ، أشارَ أوَّلًا إلى عَدَمِ ما يَمْنَعُ اتِّباعَهم مِن شَوْكَتِهِمْ ثُمَّ إلى تَحَقُّقِ ما يَدْعُو إلَيْهِ مِن فَرْطِ عَداوَتِهِمْ ووُجُوبِ التَّيَقُّظِ في شَأْنِهِمْ حَثًّا عَلَيْهِ، أوِ اعْتَذَرَ بِذَلِكَ إلى أهْلِ المَدائِنِ كَيْ لا يُظَنَّ بِهِ ما يَكْسِرُ سُلْطانَهُ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِرِوايَةِ ابْنِ ذَكْوانَ والكُوفِيُّونَ ( حاذِرُونَ ) والأوَّلُ لِلثَّباتِ والثّانِي لِلتَّجَدُّدِ، وقِيلَ الحاذِرُ المُؤَدِّي في السِّلاحِ وهو أيْضًا مِنَ الحَذَرِ لِأنَّ ذَلِكَ إنَّما يُفْعَلُ حَذَرًا، وقُرِئَ «حادِرُونَ» بِالدّالِ المُهْمَلَةِ أيْ أقْوِياءُ قالَ: أُحِبُّ الصَّبِيَّ السُّوءَ مِن أجْلِ أُمِّهِ.

.

.

وأبْغَضُهُ مِن بُغْضِها وهو حادِرٌ أوْ تامُّو السِّلاحِ فَإنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ حَدارَةً في أجْسامِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍۢ وَعُيُونٍۢ ٥٧ وَكُنُوزٍۢ وَمَقَامٍۢ كَرِيمٍۢ ٥٨ كَذَٰلِكَ وَأَوْرَثْنَـٰهَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٥٩ فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ ٦٠

﴿ فَأخْرَجْناهُمْ ﴾ بِأنْ خَلَقْنا داعِيَةَ الخُرُوجِ بِهَذا السَّبَبِ فَحَمَلَتْهم عَلَيْهِ.

﴿ مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ ﴾ .

﴿ وَكُنُوزٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ ﴾ يَعْنِي المَنازِلَ الحَسَنَةَ والمَجالِسَ البَهِيَّةَ.

﴿ كَذَلِكَ ﴾ مِثْلُ ذَلِكَ الإخْراجِ أخْرَجْنا فَهو مَصْدَرٌ، أوْ مِثْلُ ذَلِكَ المَقامِ الَّذِي كانَ لَهم عَلى أنَّهُ صِفَةُ مَقامٍ، أوِ الأمْرُ كَذَلِكَ فَيَكُونُ خَبَرَ المَحْذُوفِ.

﴿ وَأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ .

﴿ فَأتْبَعُوهُمْ ﴾ وقُرِئَ «فاتَّبَعُوهم» .

﴿ مُشْرِقِينَ ﴾ داخِلِينَ في وقْتِ شُرُوقِ الشَّمْسِ.

<div class="verse-tafsir"

فَلَمَّا تَرَٰٓءَا ٱلْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَـٰبُ مُوسَىٰٓ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ٦١ قَالَ كَلَّآ ۖ إِنَّ مَعِىَ رَبِّى سَيَهْدِينِ ٦٢ فَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ ۖ فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍۢ كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ ٦٣ وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ ٱلْـَٔاخَرِينَ ٦٤

﴿ فَلَمّا تَراءى الجَمْعانِ ﴾ تَقارَبا بِحَيْثُ رَأى كُلُّ واحِدٍ مِنهُما الآخَرَ، وقُرِئَ «تَراءَتِ الفِئَتانِ» ﴿ قالَ أصْحابُ مُوسى إنّا لَمُدْرَكُونَ ﴾ لَمُلْحَقُونَ، وقُرِئَ «لَمُدْرِكُونَ» مِن أدْرَكَ الشَّيْءَ إذا تَتابَعَ فَفَنِيَ، أيْ: لَمُتَتابِعُونَ في الهَلاكِ عَلى أيْدِيهِمْ.

﴿ قالَ كَلا ﴾ لَنْ يُدْرِكُوكم فَإنَّ اللَّهَ وعَدَكم بِالخَلاصِ مِنهم.

﴿ إنَّ مَعِيَ رَبِّي ﴾ بِالحِفْظِ والنُّصْرَةِ.

﴿ سَيَهْدِينِ ﴾ طَرِيقَ النَّجاةِ مِنهم، رُوِيَ أنَّ مُؤْمِنَ آلِ فِرْعَوْنَ كانَ بَيْنَ يَدَيْ مُوسى فَقالَ: أيْنَ أُمِرْتَ فَهَذا البَحْرُ أمامَكَ وقَدْ غَشِيَكَ آلُ فِرْعَوْنَ، فَقالَ: أُمِرْتُ بِالبَحْرِ ولَعَلِّي أُومَرُ بِما أصْنَعُ.

﴿ فَأوْحَيْنا إلى مُوسى أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ ﴾ بَحْرَ القُلْزُمِ أوِ النِّيلِ.

﴿ فانْفَلَقَ ﴾ أيْ فَضَرَبَ فانْفَلَقَ وصارَ اثْنَيْ عَشَرَ فِرْقًا بَيْنَها مَسالِكُ.

﴿ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ ﴾ كالجَبَلِ المَنِيفِ الثّابِتِ في مَقَرِّهِ فَدَخَلُوا في شِعابِها كُلُّ سِبْطٍ في شِعْبٍ.

﴿ وَأزْلَفْنا ﴾ وقَرَّبْنا.

﴿ ثَمَّ الآخَرِينَ ﴾ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ حَتّى دَخَلُوا عَلى أثَرِهِمْ مَداخِلَهم.

<div class="verse-tafsir"

وَأَنجَيْنَا مُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُۥٓ أَجْمَعِينَ ٦٥ ثُمَّ أَغْرَقْنَا ٱلْـَٔاخَرِينَ ٦٦ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةًۭ ۖ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ ٦٧ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ٦٨

﴿ وَأنْجَيْنا مُوسى ومَن مَعَهُ أجْمَعِينَ ﴾ بِحِفْظِ البَحْرِ عَلى تِلْكَ الهَيْئَةِ إلى أنْ عَبَرُوا.

﴿ ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ ﴾ بِإطْباقِهِ عَلَيْهِمْ.

﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً ﴾ وأيَّةُ آيَةٍ.

﴿ وَما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ ﴾ وما تُنَبَّهَ عَلَيْها أكْثَرُهم إذْ لَمْ يُؤْمِن بِها أحَدٌ مِمَّنْ بَقِيَ في مِصْرَ مِنَ القِبْطِ، وبَنُو إسْرائِيلَ بَعْدَ ما نَجَوْا سَألُوا بَقَرَةً يَعْبُدُونَها واتَّخَذُوا العَجَلَ وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً.

﴿ وَإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ ﴾ المُنْتَقِمُ مِن أعْدائِهِ.

﴿ الرَّحِيمُ ﴾ بِأوْلِيائِهِ.

<div class="verse-tafsir"

وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَٰهِيمَ ٦٩ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِۦ مَا تَعْبُدُونَ ٧٠ قَالُوا۟ نَعْبُدُ أَصْنَامًۭا فَنَظَلُّ لَهَا عَـٰكِفِينَ ٧١

﴿ واتْلُ عَلَيْهِمْ ﴾ عَلى مُشْرِكِي العَرَبِ.

﴿ نَبَأ إبْراهِيمَ ﴾ .

﴿ إذْ قالَ لأبِيهِ وقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ ﴾ سَألَهم لِيُرِيَهم أنَّ ما يَعْبُدُونَهُ لا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ.

﴿ قالُوا نَعْبُدُ أصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ ﴾ فَأطالُوا جَوابَهم بِشَرْحِ حالِهِمْ مَعَهُ تَبَجُّحًا بِهِ وافْتِخارًا، و «نَظَلُّ» ها هُنا بِمَعْنى نَدُومُ.

وقِيلَ كانُوا يَعْبُدُونَها بِالنَّهارِ دُونَ اللَّيْلِ.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ ٧٢ أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ ٧٣ قَالُوا۟ بَلْ وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا كَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ ٧٤

﴿ قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ ﴾ يَسْمَعُونَ دُعاءَكم أوْ يَسْمَعُونَكم تَدَعُونَ فَحُذِفَ ذَلِكَ لِدَلالَةِ.

﴿ إذْ تَدْعُونَ ﴾ عَلَيْهِ وَقُرِئَ «يُسْمِعُونَكم» أيْ يُسْمِعُونَكُمُ الجَوابَ عَنْ دُعائِكم ومَجِيئُهُ مُضارِعًا مَعَ ( إذْ ) عَلى حِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ اسْتِحْضارًا لَها.

﴿ أوْ يَنْفَعُونَكُمْ ﴾ عَلى عِبادَتِكم لَها.

﴿ أوْ يَضُرُّونَ ﴾ مَن أعْرَضَ عَنْها.

﴿ قالُوا بَلْ وجَدْنا آباءَنا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ﴾ أضْرَبُوا عَنْ أنْ يَكُونَ لَهم سَمْعٌ أوْ يُتَوَقَّعُ مِنهم ضُرٌّ أوْ نَفْعٌ، والتَجَؤُوا إلى التَّقْلِيدِ.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ أَفَرَءَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ ٧٥ أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُمُ ٱلْأَقْدَمُونَ ٧٦ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّۭ لِّىٓ إِلَّا رَبَّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٧٧

﴿ قالَ أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ﴾ ﴿ أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ ﴾ فَإنَّ التَّقَدُّمَ لا يَدُلُّ عَلى الصِّحَّةِ ولا يَنْقَلِبُ بِهِ الباطِلُ حَقًّا.

﴿ فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي ﴾ يُرِيدُ أنَّهم أعْداءٌ لِعابِدِيهِمْ مِن حَيْثُ إنَّهم يَتَضَرَّرُونَ مِن جِهَتِهِمْ فَوْقَ ما يَتَضَرَّرُ الرَّجُلُ مِن جِهَةِ عَدُوِّهِ، أوْ إنَّ المُغْرِيَ بِعِبادَتِهِمْ أعْدى أعْدائِهِمْ وهو الشَّيْطانُ، لَكِنَّهُ صَوَّرَ الأمْرَ في نَفْسِهِ تَعْرِيضًا لَهم فَإنَّهُ أنْفَعُ في النُّصْحِ مِنَ التَّصْرِيحِ، وإشْعارًا بِأنَّها نَصِيحَةٌ بَدَأ بِها نَفْسَهُ لِيَكُونَ أدْعى إلى القَبُولِ، وإفْرادُ العَدُوِّ لِأنَّهُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ أوْ بِمَعْنى النَّسَبِ.

﴿ إلا رَبَّ العالَمِينَ ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ أوْ مُتَّصِلٌ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِكُلِّ مَعْبُودٍ عَبَدُوهُ وكانَ مِن آبائِهِمْ مَن عَبَدَ اللَّهَ.

<div class="verse-tafsir"

ٱلَّذِى خَلَقَنِى فَهُوَ يَهْدِينِ ٧٨ وَٱلَّذِى هُوَ يُطْعِمُنِى وَيَسْقِينِ ٧٩

﴿ الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ ﴾ لِأنَّهُ يَهْدِي كُلَّ مَخْلُوقٍ لِما خُلِقَ لَهُ مِن أُمُورِ المَعاشِ والمَعادِ كَما قالَ ﴿ والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى ﴾ هِدايَةً مُدْرَجَةً مِن مَبْدَأِ إيجادِهِ إلى مُنْتَهى أجَلِهِ يَتَمَكَّنُ بِها مِن جَلْبِ المَنافِعِ ودَفْعِ المَضارِّ، مَبْدَؤُها بِالنِّسْبَةِ إلى الإنْسانِ هِدايَةُ الجَنِينِ إلى امْتِصاصِ دَمِ الطَّمَثِ مِنَ الرَّحِمِ، ومُنْتَهاها الهِدايَةُ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ والتَّنَعُّمِ بِلَذائِذِها، والفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ إنْ جُعِلَ المَوْصُولُ مُبْتَدَأً ولِلْعَطْفِ إنْ جُعِلَ صِفَةُ رَبِّ العالَمِينَ فَيَكُونُ اخْتِلافُ النَّظْمِ لِتَقَدُّمِ الخَلْقِ واسْتِمْرارِ الهِدايَةِ وقَوْلُهُ: ﴿ والَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ ﴾ عَلى الأوَّلِ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ وكَذا اللَّذانِ بَعْدَهُ، وتَكْرِيرُ المَوْصُولِ عَلى الوَجْهَيْنِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنَ الصِّلاتِ مُسْتَقِلَّةٌ بِاقْتِضاءِ الحُكْمِ.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ٨٠ وَٱلَّذِى يُمِيتُنِى ثُمَّ يُحْيِينِ ٨١

﴿ وَإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ ﴾ عُطِفَ عَلى ﴿ يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ ﴾ لِأنَّهُ مِن رَوادِفِهِما مِن حَيْثُ إنَّ الصِّحَّةَ والمَرَضَ في الأغْلَبِ يَتْبَعانِ المَأْكُولَ والمَشْرُوبَ، وإنَّما لَمْ يَنْسِبِ المَرَضَ إلَيْهِ تَعالى لِأنَّ المَقْصُودَ تَعْدِيدُ النِّعَمِ، ولا يَنْتَقِضُ بِإسْنادِ الإماتَةِ إلَيْهِ فَإنَّ المَوْتَ مِن حَيْثُ إنَّهُ لا يُحَسُّ بِهِ لا ضَرَرَ فِيهِ وإنَّما لِضَرَرٍ في مُقَدِّماتِهِ وهي المَرَضُ، ثُمَّ إنَّهُ لِأهْلِ الكَمالِ وصِلَةٌ إلى نَيْلِ المَحابِّ الَّتِي تُسْتَحْقَرُ دُونَها الحَياةُ الدُّنْيَوِيَّةُ وخَلاصٌ مِن أنْواعِ المِحَنِ والبَلِيّاتِ، ولِأنَّ المَرَضَ في غالِبِ الأمْرِ إنَّما يَحْدُثُ بِتَفْرِيطٍ مِنَ الإنْسانِ في مَطاعِمِهِ ومَشارِبِهِ وبِما بَيْنَ الأخْلاطِ والأرْكانِ مِنَ التَّنافِي والتَّنافُرِ، والصِّحَّةُ إنَّما تَحْصُلُ بِاسْتِحْفاظِ اجْتِماعِها والِاعْتِدالِ المَخْصُوصِ عَلَيْها قَهْرًا وذَلِكَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ.

﴿ والَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ ﴾ في الآخِرَةِ.

<div class="verse-tafsir"

وَٱلَّذِىٓ أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيٓـَٔتِى يَوْمَ ٱلدِّينِ ٨٢ رَبِّ هَبْ لِى حُكْمًۭا وَأَلْحِقْنِى بِٱلصَّـٰلِحِينَ ٨٣

﴿ والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ﴾ ذَكَرَ ذَلِكَ هَضْمًا لِنَفْسِهِ وتَعْلِيمًا لِلْأُمَّةِ أنْ يَجْتَنِبُوا المَعاصِيَ ويَكُونُوا عَلى حَذَرٍ، وطَلَبٌ لِأنْ يُغْفَرَ لَهم ما يَفْرُطُ مِنهم واسْتِغْفارًا لِما عَسى يَنْدُرُ مِنهُ مِنَ الصَّغائِرِ، وحَمْلُ الخَطِيئَةَ عَلى كَلِماتِهِ الثَّلاثِ: إنِّي سَقِيمٌ، بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا، وقَوْلُهُ «هِيَ أُخْتِي»، ضَعِيفٌ لِأنَّها مَعارِيضُ ولَيْسَتْ خَطايا.

﴿ رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا ﴾ كَمالًا في العِلْمِ والعَمَلِ أسْتَعِدُّ بِهِ لِخِلافَةِ الحَقِّ ورِئاسَةِ الخَلْقِ.

﴿ وَألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ ﴾ ووَفِّقْنِي لِلْكَمالِ في العَمَلِ لِأنْتَظِمَ بِهِ في عِدادِ الكامِلِينَ في الصَّلاحِ الَّذِينَ لا يَشُوبُ صَلاحَهم كَبِيرُ ذَنْبٍ ولا صَغِيرُهُ.

<div class="verse-tafsir"

وَٱجْعَل لِّى لِسَانَ صِدْقٍۢ فِى ٱلْـَٔاخِرِينَ ٨٤ وَٱجْعَلْنِى مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ ٱلنَّعِيمِ ٨٥ وَٱغْفِرْ لِأَبِىٓ إِنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ ٨٦

﴿ واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ ﴾ جاهًا وحُسْنَ صِيتٍ في الدُّنْيا يَبْقى أثَرُهُ إلى يَوْمِ الدِّينِ، ولِذَلِكَ ما مِن أُمَّةٍ إلّا وهم مُحِبُّونَ لَهُ مُثْنَوْنَ عَلَيْهِ، أوْ صادِقًا مِن ذُرِّيَّتِي يُجَدِّدُ أصْلَ دِينِي ويَدْعُو النّاسَ إلى ما كُنْتُ أدْعُوهم إلَيْهِ وهو مُحَمَّدٌ  .

﴿ واجْعَلْنِي مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ ﴾ في الآخِرَةِ وقَدْ مَرَّ مَعْنى الوِراثَةِ فِيها.

﴿ واغْفِرْ لأبِي ﴾ بِالهِدايَةِ والتَّوْفِيقِ لِلْإيمانِ.

﴿ إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ ﴾ طَرِيقَ الحَقِّ وإنْ كانَ هَذا الدُّعاءُ بَعْدَ مَوْتِهِ فَلَعَلَّهُ كانَ لِظَنِّهِ أنَّهُ كانَ يُخْفِي الإيمانَ تَقِيَّةً مِن نَمْرُودَ ولِذَلِكَ وعَدَهُ بِهِ، أوْ لِأنَّهُ لَمْ يُمْنَعْ بَعْدُ مِنَ الِاسْتِغْفارِ لِلْكُفّارِ.

<div class="verse-tafsir"

وَلَا تُخْزِنِى يَوْمَ يُبْعَثُونَ ٨٧ يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌۭ وَلَا بَنُونَ ٨٨ إِلَّا مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍۢ سَلِيمٍۢ ٨٩

﴿ وَلا تُخْزِنِي ﴾ بِمُعاتَبَتِي عَلى ما فَرَّطْتُ، أوْ بِنَقْصِ رُتْبَتِي عَنْ رُتْبَةِ بَعْضِ الوارِثِ، أوْ بِتَعْذِيبِي لِخَفاءِ العاقِبَةِ وجَوازِ التَّعْذِيبِ عَقْلًا، أوْ بِتَعْذِيبِ والِدِي، أوْ بِبَعْثِهِ في عِدادِ الضّالِّينَ وهو مِنَ الخِزْيِ بِمَعْنى الهَوانِ، أوْ مِنَ الخَزايَةِ بِمَعْنى الحَياءِ.

﴿ يَوْمَ يُبْعَثُونَ ﴾ الضَّمِيرُ لِلْعِبادِ لِأنَّهم مَعْلُومُونَ أوْ لِـ ( الضّالِّينَ ) .

﴿ يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ ﴾ ﴿ إلا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ أيْ لا يَنْفَعانِ أحَدًا إلّا مُخْلِصًا سَلِيمَ القَلْبِ عَنِ الكُفْرِ ومَيْلِ المَعاصِي وسائِرِ آفاتِهِ، أوْ لا يَنْفَعانِ إلّا مالَ مَن هَذا شَأْنُهُ وبَنُوهُ حَيْثُ أنْفَقَ مالَهُ في سَبِيلِ البِرِّ، وأرْشَدَ بَنِيهِ إلى الحَقِّ وحَثَّهم عَلى الخَيْرِ وقَصَدَ بِهِمْ أنْ يَكُونُوا عِبادَ اللَّهِ مُطِيعِينَ شُفَعاءَ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ.

وقِيلَ الِاسْتِثْناءُ مِمّا دَلَّ عَلَيْهِ المالُ والبَنُونَ أيْ لا يَنْفَعُ غِنًى إلّا غِناهُ.

وقِيلَ مُنْقَطِعٌ والمَعْنى لَكِنَّ سَلامَةَ مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ تَنْفَعُهُ.

<div class="verse-tafsir"

وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ ٩٠ وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ ٩١ وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ ٩٢ مِن دُونِ ٱللَّهِ هَلْ يَنصُرُونَكُمْ أَوْ يَنتَصِرُونَ ٩٣

﴿ وَأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ بِحَيْثُ يَرَوْنَها مِنَ المَوْقِفِ فَيَتَبَجَّحُونَ بِأنَّهُمُ المَحْشُورُونَ إلَيْها.

﴿ وَبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِلْغاوِينَ ﴾ فَيَرَوْنَها مَكْشُوفَةً ويَتَحَسَّرُونَ عَلى أنَّهُمُ المَسُوقُونَ إلَيْها، وفي اخْتِلافِ الفِعْلَيْنِ تَرْجِيحٌ لِجانِبِ الوَعْدِ.

﴿ وَقِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ﴾ ﴿ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ أيْنَ آلِهَتُكُمُ الَّذِينَ تَزْعُمُونَ أنَّهم شُفَعاؤُكم.

﴿ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ ﴾ بِدَفْعِ العَذابِ عَنْكم.

﴿ أوْ يَنْتَصِرُونَ ﴾ بِدَفْعِهِ عَنْ أنْفُسِهِمْ لِأنَّهم وآلِهَتَهم يَدْخُلُونَ النّارَ كَما قالَ: <div class="verse-tafsir"

فَكُبْكِبُوا۟ فِيهَا هُمْ وَٱلْغَاوُۥنَ ٩٤ وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ ٩٥

﴿ فَكُبْكِبُوا فِيها هم والغاوُونَ ﴾ أيِ الآلِهَةُ وعَبَدَتُهم، والكَبْكَبَةُ تَكْرِيرُ الكَبِّ لِتَكْرِيرِ مَعْناهُ كَأنَّ مَن أُلْقِيَ في النّارِ يَنْكَبُّ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى حَتّى يَسْتَقِرَّ في قَعْرِها.

﴿ وَجُنُودُ إبْلِيسَ ﴾ مُتَّبِعُوهُ مِن عُصاةِ الثَّقَلَيْنِ، أوْ شَياطِينُهُ.

﴿ أجْمَعُونَ ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْـ ( جُنُودُ ) إنْ جُعِلَ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ أوْ لِلضَّمِيرِ و ( ما ) عُطِفَ عَلَيْهِ وكَذا الضَّمِيرُ المُنْفَصِلُ وما يَعُودُ إلَيْهِ في قَوْلِهِ: <div class="verse-tafsir"

قَالُوا۟ وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ ٩٦ تَٱللَّهِ إِن كُنَّا لَفِى ضَلَـٰلٍۢ مُّبِينٍ ٩٧ إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٩٨

﴿ قالُوا وهم فِيها يَخْتَصِمُونَ ﴾ ﴿ تاللَّهِ إنْ كُنّا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ عَلى أنَّ اللَّهَ يُنْطِقُ الأصْنامَ فَتَخاصَمَ العَبَدَةُ ويُؤَيِّدُهُ الخِطابُ في قَوْلِهِ: ﴿ إذْ نُسَوِّيكم بِرَبِّ العالَمِينَ ﴾ أيْ في اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الضَّمائِرُ لِلْعَبَدَةِ كَما في ﴿ قالُوا ﴾ والخِطابُ لِلْمُبالَغَةِ في التَّحَسُّرِ والنَّدامَةِ، والمَعْنى أنَّهم مَعَ تَخاصُمِهِمْ في مَبْدَأِ ضَلالِهِمْ مُعْتَرِفُونَ بِانْهِماكِهِمْ في الضَّلالَةِ مُتَحَسِّرُونَ عَلَيْها.

<div class="verse-tafsir"

وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلَّا ٱلْمُجْرِمُونَ ٩٩ فَمَا لَنَا مِن شَـٰفِعِينَ ١٠٠ وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍۢ ١٠١ فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةًۭ فَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ١٠٢

﴿ وَما أضَلَّنا إلا المُجْرِمُونَ ﴾ ﴿ فَما لَنا مِن شافِعِينَ ﴾ كَما لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ.

﴿ وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ ﴾ إذِ الأخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ، أوْ فَما لَنا مِن شافِعِينَ ولا صِدِّيقٍ مِمَّنْ نَعُدُّهم شُفَعاءَ وأصْدِقاءَ، أوْ وقَعْنا في مَهْلَكَةٍ لا يُخَلِّصُنا مِنها شافِعٌ ولا صَدِيقٌ، وجَمَعَ الشّافِعَ ووَحَّدَ الـ ( صَدِيقٍ ) لِكَثْرَةِ الشُّفَعاءِ في العادَةِ وقِلَّةِ الصَّدِيقِ، أوْ لِأنَّ الـ ( صَدِيقٍ ) الواحِدُ يَسْعى أكْثَرُ مِمّا يَسْعى الشُّفَعاءُ، أوْ لِإطْلاقِ الـ ( صَدِيقٍ ) عَلى الجَمْعِ كالعَدُوِّ لِأنَّهُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ كالحَنِينِ والصَّهِيلِ.

﴿ فَلَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً ﴾ تَمَنٍّ لِلرَّجْعَةِ أُقِيمَ فِيهِ «لَوْ» مَقامَ لَيْتَ لِتَلاقِيهِما في مَعْنى التَّقْدِيرِ، أوْ شَرْطٌ حُذِفُ جَوابُهُ.

﴿ فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ جَوابُ التَّمَنِّي أوْ عَطْفٌ عَلى ( كَرَّةً ) أيْ: لَوْ أنَّ لَنا أنْ نَكُرَّ فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةًۭ ۖ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ ١٠٣ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ١٠٤

﴿ إنَّ في ذَلِكَ ﴾ أيْ فِيما ذُكِرَ مِن قِصَّةِ إبْراهِيمَ.

﴿ لآيَةً ﴾ لَحُجَّةً وعِظَةً لِمَن أرادَ أنْ يَسْتَبْصِرَ بِها ويَعْتَبِرَ، فَإنَّها جاءَتْ عَلى أنْظَمِ تَرْتِيبٍ وأحْسَنِ تَقْرِيرٍ، يَتَفَطَّنُ المُتَأمِّلُ فِيها لِغَزارَةِ عِلْمِهِ لِما فِيها مِنَ الإشارَةِ إلى أُصُولِ العُلُومِ الدِّينِيَّةِ والتَّنْبِيهِ عَلى دَلائِلِها وحُسْنِ دَعْوَتِهِ لِلْقَوْمِ وحُسْنِ مُخالَقَتِهِ مَعَهم وكَمالِ إشْفاقِهِ عَلَيْهِمْ وتَصَوُّرِ الأمْرِ في نَفْسِهِ، وإطْلاقِ الوَعْدِ والوَعِيدِ عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ تَعْرِيضًا وإيقاظًا لَهم لِيَكُونَ أدْعى لَهم إلى الِاسْتِماعِ والقَبُولِ.

﴿ وَما كانَ أكْثَرُهُمْ ﴾ أكْثَرُ قَوْمِهِ.

﴿ مُؤْمِنِينَ ﴾ بِهِ.

﴿ وَإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ ﴾ القادِرُ عَلى تَعْجِيلِ الِانْتِقامِ.

﴿ الرَّحِيمُ ﴾ بِالإمْهالِ لِكَيْ يُؤْمِنُوا هم أوْ أحَدٌ مِن ذُرِّيَّتِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ ٱلْمُرْسَلِينَ ١٠٥ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ ١٠٦ إِنِّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌۭ ١٠٧ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ١٠٨

﴿ كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ ﴾ الـ ( قَوْمُ ) مُؤَنَّثَةٌ ولِذَلِكَ تُصَغَّرُ عَلى قُوَيْمَةٍ وقَدْ مَرَّ الكَلامُ في تَكْذِيبِهِمُ المُرْسَلِينَ.

﴿ إذْ قالَ لَهم أخُوهم نُوحٌ ﴾ لِأنَّهُ كانَ مِنهم.

﴿ ألا تَتَّقُونَ ﴾ اللَّهَ فَتَتْرُكُوا عِبادَةَ غَيْرِهِ.

﴿ إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ ﴾ مَشْهُورٌ بِالأمانَةِ فِيكم.

﴿ فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ ﴾ فِيما آمُرُكم بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ والطّاعَةِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ.

<div class="verse-tafsir"

وَمَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ١٠٩ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ١١٠ ۞ قَالُوٓا۟ أَنُؤْمِنُ لَكَ وَٱتَّبَعَكَ ٱلْأَرْذَلُونَ ١١١

﴿ وَما أسْألُكم عَلَيْهِ ﴾ عَلى ما أنا عَلَيْهِ مِنَ الدُّعاءِ والنُّصْحِ.

﴿ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى رَبِّ العالَمِينَ ﴾ .

﴿ فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ ﴾ كَرَّرَهُ لِلتَّأْكِيدِ والتَّنْبِيهِ عَلى دَلالَةِ كُلِّ واحِدٍ مِن أمانَتِهِ وحَسْمِ طَمَعِهِ عَلى وُجُوبِ طاعَتِهِ فِيما يَدْعُوهم إلَيْهِ فَكَيْفَ إذا اجْتَمَعا، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ بِفَتْحِ الياءِ في ( أجْرِيَ ) في الكَلِماتِ الخَمْسِ.

﴿ قالُوا أنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ ﴾ الأقَلُّونَ جاهًا ومالًا جُمِعَ الأرْذَلُ عَلى الصِّحَّةِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ «وَأتْباعُكَ» وهو جَمْعُ تابِعٍ كَشاهِدٍ وأشْهادٍ أوْ تَبَعٍ كَبَطَلٍ وأبْطالٍ، وهَذا مِن سَخافَةِ عَقْلِهِمْ وقُصُورِ رَأْيِهِمْ عَلى الحُطامِ الدُّنْيَوِيَّةِ، حَتّى جَعَلُوا اتِّباعَ المُقِلِّينَ فِيها مانِعًا عَنِ اتِّباعِهِمْ وإيمانِهِمْ بِما يَدْعُوهم إلَيْهِ ودَلِيلًا عَلى بُطْلانِهِ، وأشارُوا بِذَلِكَ إلى أنَّ اتِّباعَهم لَيْسَ عَنْ نَظَرٍ وبَصِيرَةٍ وإنَّما هو لِتَوَقُّعِ مالٍ ورِفْعَةٍ فَلِذَلِكَ: <div class="verse-tafsir"

قَالَ وَمَا عِلْمِى بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ١١٢ إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّى ۖ لَوْ تَشْعُرُونَ ١١٣ وَمَآ أَنَا۠ بِطَارِدِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ١١٤ إِنْ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٌۭ مُّبِينٌۭ ١١٥

﴿ قالَ وما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ إنَّهم عَمِلُوهُ إخْلاصًا أوْ طَمَعًا في طُعْمَةٍ وما عَلَيَّ إلّا اعْتِبارُ الظّاهِرِ.

﴿ إنْ حِسابُهم إلا عَلى رَبِّي ﴾ ما حِسابُهم عَلى بَواطِنِهِمْ إلّا عَلى اللَّهِ فَإنَّهُ المُطَّلِعُ عَلَيْها.

﴿ لَوْ تَشْعُرُونَ ﴾ لَعَلِمْتُمْ ذَلِكَ ولَكِنَّكم تَجْهَلُونَ فَتَقُولُونَ ما لا تَعْلَمُونَ.

﴿ وَما أنا بِطارِدِ المُؤْمِنِينَ ﴾ جَوابٌ لِما أوْهَمَ قَوْلُهم مِنَ اسْتِدْعاءِ طَرْدِهِمْ وتَوْقِيفِ إيمانِهِمْ عَلَيْهِ حَيْثُ جَعَلُوا اتِّباعَهُمُ المانِعَ عَنْهُ وقَوْلُهُ: ﴿ إنْ أنا إلا نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾ كالعِلَّةِ لَهُ أيْ ما أنا إلّا رَجُلٌ مَبْعُوثٌ لِإنْذارِ المُكَلَّفِينَ عَنِ الكُفْرِ والمَعاصِي سَواءً كانُوا أعِزّاءَ أوْ أذِلّاءَ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِي في طَرْدِ الفُقَراءِ لِاسْتِتْباعِ الأغْنِياءِ، أوْ ما عَلَيَّ إلّا إنْذارُكم إنْذارًا بَيِّنًا بِالبُرْهانِ الواضِحِ فَلا عَلَيَّ أنْ أطْرُدَهم لِاسْتِرْضائِكم.

<div class="verse-tafsir"

قَالُوا۟ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَـٰنُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمَرْجُومِينَ ١١٦ قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِى كَذَّبُونِ ١١٧ فَٱفْتَحْ بَيْنِى وَبَيْنَهُمْ فَتْحًۭا وَنَجِّنِى وَمَن مَّعِىَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ١١٨

﴿ قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ ﴾ عَمّا تَقُولُ.

﴿ لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ ﴾ مِنَ المَشْتُومِينَ أوِ المَضْرُوبِينَ بِالحِجارَةِ.

﴿ قالَ رَبِّ إنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ ﴾ إظْهارًا لِما يَدْعُو عَلَيْهِمْ لِأجْلِهِ وهو تَكْذِيبُ الحَقِّ لا تَخْوِيفُهم لَهُ واسْتِخْفافُهم عَلَيْهِ.

﴿ فافْتَحْ بَيْنِي وبَيْنَهم فَتْحًا ﴾ فاحْكم بَيْنِي وبَيْنَهم مِنَ الفَتاحَةِ.

﴿ وَنَجِّنِي ومَن مَعِيَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ مِن قَصْدِهِمْ أوْ شُؤْمِ عَمَلِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

فَأَنجَيْنَـٰهُ وَمَن مَّعَهُۥ فِى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ ١١٩ ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ ٱلْبَاقِينَ ١٢٠ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةًۭ ۖ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ ١٢١ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ١٢٢

﴿ فَأنْجَيْناهُ ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ المَشْحُونِ ﴾ المَمْلُوءِ.

﴿ ثُمَّ أغْرَقْنا بَعْدُ ﴾ بَعْدَ إنْجائِهِ.

﴿ الباقِينَ ﴾ مِن قَوْمِهِ.

﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً ﴾ شاعَتْ وتَواتَرَتْ.

﴿ وَما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ ﴾ .

﴿ وَإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

كَذَّبَتْ عَادٌ ٱلْمُرْسَلِينَ ١٢٣ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ ١٢٤ إِنِّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌۭ ١٢٥ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ١٢٦

﴿ كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ ﴾ أنَّثَهُ بِاعْتِبارِ القَبِيلَةِ وهو في الأصْلِ اسْمُ أبِيهِمْ.

﴿ إذْ قالَ لَهم أخُوهم هُودٌ ألا تَتَّقُونَ ﴾ ﴿ إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ ﴾ ﴿ فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

وَمَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ١٢٧

﴿ وَما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى رَبِّ العالَمِينَ ﴾ تَصْدِيرُ القِصَصِ بِها دَلالَةٌ عَلى أنَّ البَعْثَةَ مَقْصُورَةٌ عَلى الدُّعاءِ إلى مَعْرِفَةِ الحَقِّ والطّاعَةِ فِيما يُقَرِّبُ المَدْعُوُّ إلى ثَوابِهِ ويُبْعِدُهُ عَنْ عِقابِهِ، وكانَ الأنْبِياءُ مُتَّفِقِينَ عَلى ذَلِكَ وإنِ اخْتَلَفُوا في بَعْضِ التَّفارِيعِ مُبَرَّئِينَ عَنِ المَطامِعِ الدَّنِيئَةِ والأغْراضِ الدُّنْيَوِيَّةِ.

<div class="verse-tafsir"

أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ ءَايَةًۭ تَعْبَثُونَ ١٢٨ وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ١٢٩ وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ ١٣٠ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ١٣١

﴿ أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ ﴾ بِكُلِّ مَكانٍ مُرْتَفِعٍ، ومِنهُ رِيعُ الأرْضِ لِارْتِفاعِها.

﴿ آيَةً ﴾ عَلَمًا لِلْمارَّةِ.

﴿ تَعْبَثُونَ ﴾ بِبِنائِها إذْ كانُوا يَهْتَدُونَ بِالنُّجُومِ في أسْفارِهِمْ فَلا يَحْتاجُونَ إلَيْها أوْ بُرُوجَ الحَمامِ، أوْ بُنْيانًا يَجْتَمِعُونَ إلَيْهِ لِلْعَبَثِ بِمَن يَمُرُّ عَلَيْهِمْ، أوْ قُصُورًا يَفْتَخِرُونَ بِها.

﴿ وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ ﴾ مَآخِذَ الماءِ وقِيلَ قُصُورًا مُشَيَّدَةً وحُصُونًا.

﴿ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ ﴾ فَتُحْكِمُونَ بُنْيانَها.

﴿ وَإذا بَطَشْتُمْ ﴾ بِسَيْفٍ أوْ سَوْطٍ.

﴿ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ ﴾ مُتَسَلِّطِينَ غاشِمِينَ بِلا رَأْفَةٍ ولا قَصْدَ تَأْدِيبٍ ونَظَرٍ في العاقِبَةِ.

﴿ فاتَّقُوا اللَّهَ ﴾ بِتَرْكِ هَذِهِ الأشْياءِ.

﴿ وَأطِيعُونِ ﴾ فِيما أدْعُوكم إلَيْهِ فَإنَّهُ أنْفَعُ لَكم.

<div class="verse-tafsir"

وَٱتَّقُوا۟ ٱلَّذِىٓ أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ ١٣٢ أَمَدَّكُم بِأَنْعَـٰمٍۢ وَبَنِينَ ١٣٣ وَجَنَّـٰتٍۢ وَعُيُونٍ ١٣٤ إِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍۢ ١٣٥

﴿ واتَّقُوا الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ ﴾ كَرَّرَهُ مُرَتَّبًا عَلى إمْدادِ اللَّهِ تَعالى إيّاهم بِما يَعْرِفُونَهُ مِن أنْواعِ النِّعَمِ تَعْلِيلًا وتَنْبِيهًا عَلى الوَعْدِ عَلَيْهِ بِدَوامِ الإمْدادِ والوَعِيدِ عَلى تَرْكِهِ بِالِانْقِطاعِ، ثُمَّ فَصَّلَ بَعْضَ تِلْكَ النِّعَمِ كَما فَصَّلَ بَعْضَ مَساوِيهِمُ المَدْلُولِ عَلَيْها إجْمالًا بِالإنْكارِ في ( ألا تَتَّقُونَ ) مُبالَغَةً في الإيقاظِ والحَثِّ عَلى التَّقْوى فَقالَ: ﴿ أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ ﴾ ﴿ وَجَنّاتٍ وعُيُونٍ ﴾ ثُمَّ أوْعَدَهم فَقالَ: ﴿ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَإنَّهُ كَما قَدَرَ عَلى الإنْعامِ قَدَرَ عَلى الِانْتِقامِ.

<div class="verse-tafsir"

قَالُوا۟ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُن مِّنَ ٱلْوَٰعِظِينَ ١٣٦ إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا خُلُقُ ٱلْأَوَّلِينَ ١٣٧ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ١٣٨ فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَـٰهُمْ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةًۭ ۖ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ ١٣٩

﴿ قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ ﴾ فَإنّا لا نَرْعَوِي عَمّا نَحْنُ عَلَيْهِ، وتَغْيِيرُ شِقِّ النَّفْيِ عَمّا تَقْتَضِيهِ المُقابَلَةُ لِلْمُبالَغَةِ في قِلَّةِ اعْتِدادِهِمْ بِوَعْظِهِ.

﴿ إنْ هَذا إلا خُلُقُ الأوَّلِينَ ﴾ ما هَذا الَّذِي جِئْتَنا بِهِ إلّا كَذِبُ الأوَّلِينِ، أوْ ما خُلُقُنا هَذا إلّا خُلُقُهم نَحْيا ونَمُوتُ مِثْلَهم ولا بَعْثَ ولا حِسابَ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ ﴿ خُلُقُ الأوَّلِينَ ﴾ بِضَمَّتَيْنِ أيْ ما هَذا الَّذِي جِئْتَ بِهِ إلّا عادَةُ الأوَّلِينَ كانُوا يُلَفِّقُونَ مِثْلَهُ، أوْ ما هَذا الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ وعادَتُهم ونَحْنُ بِهِمْ مُقْتَدُونَ، أوْ ما هَذا الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الحَياةِ والمَوْتِ إلّا عادَةٌ قَدِيمَةٌ لَمْ تَزَلِ النّاسُ عَلَيْها.

﴿ وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ﴾ عَلى ما نَحْنُ عَلَيْهِ.

﴿ فَكَذَّبُوهُ فَأهْلَكْناهُمْ ﴾ بِسَبَبِ التَّكْذِيبِ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ.

﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ١٤٠ كَذَّبَتْ ثَمُودُ ٱلْمُرْسَلِينَ ١٤١ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَـٰلِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ ١٤٢ إِنِّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌۭ ١٤٣ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ١٤٤ وَمَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ١٤٥ أَتُتْرَكُونَ فِى مَا هَـٰهُنَآ ءَامِنِينَ ١٤٦ فِى جَنَّـٰتٍۢ وَعُيُونٍۢ ١٤٧ وَزُرُوعٍۢ وَنَخْلٍۢ طَلْعُهَا هَضِيمٌۭ ١٤٨

﴿ وَإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴾ ﴿ كَذَّبَتْ ثَمُودُ المُرْسَلِينَ ﴾ ﴿ إذْ قالَ لَهم أخُوهم صالِحٌ ألا تَتَّقُونَ ﴾ ﴿ إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ ﴾ ﴿ فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ ﴾ .

﴿ وَما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى رَبِّ العالَمِينَ ﴾ ﴿ أتُتْرَكُونَ في ما ها هُنا آمِنِينَ ﴾ إنْكارٌ لِأنْ يُتْرَكُوا كَذَلِكَ أوْ تَذْكِيرٌ لِلنِّعْمَةِ في تَخْلِيَةِ اللَّهِ إيّاهم وأسْبابِ تَنَعُّمِهِمْ آمِنِينَ ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ ﴾ .

﴿ وَزُرُوعٍ ونَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ ﴾ لَطِيفٌ لَيِّنٌ لِلُطْفِ التَّمْرِ، أوْ لِأنَّ النَّخْلَ أُنْثى وطَلْعَ إناثِ النَّخْلِ ألْطَفُ وهو ما يَطْلُعُ مِنها كَنَصْلِ السَّيْفِ في جَوْفِهِ شَمارِيخُ القِنْوِ، أوْ مُتَدَلٍّ مُنْكَسِرٌ مِن كَثْرَةِ الحِمْلِ، وإفْرادُ الـ ( نَخْلٍ ) لِفَضْلِهِ عَلى سائِرِ أشْجارِ الجَنّاتِ أوْ لِأنَّ المُرادَ بِها غَيْرُها مِنَ الأشْجارِ.

<div class="verse-tafsir"

وَتَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتًۭا فَـٰرِهِينَ ١٤٩ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ١٥٠ وَلَا تُطِيعُوٓا۟ أَمْرَ ٱلْمُسْرِفِينَ ١٥١ ٱلَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ ١٥٢

﴿ وَتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ ﴾ بَطِرِينَ أوْ حاذِقِينَ مِنَ الفَراهَةِ وهي النَّشاطُ، فَإنَّ الحاذِقَ يَعْمَلُ بِنَشاطٍ وطِيبِ قَلْبٍ.

وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو «فَرِهِينَ» وهو أبْلَغُ مِن «فارِهِينَ» .

﴿ فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ ﴾ ﴿ وَلا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ ﴾ اسْتُعِيرَ الطّاعَةُ الَّتِي هي انْقِيادُ الأمْرِ لِامْتِثالِ الأمْرِ، أوْ نُسِبُ حُكْمُ الآمِرِ إلى أمْرِهِ مَجازًا.

﴿ الَّذِينَ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ﴾ وصْفٌ مُوَضِّحٌ لِإسْرافِهِمْ ولِذَلِكَ عَطَفَ: ﴿ وَلا يُصْلِحُونَ ﴾ عَلى يُفْسِدُونَ دَلالَةً عَلى خُلُوصِ فَسادِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

قَالُوٓا۟ إِنَّمَآ أَنتَ مِنَ ٱلْمُسَحَّرِينَ ١٥٣ مَآ أَنتَ إِلَّا بَشَرٌۭ مِّثْلُنَا فَأْتِ بِـَٔايَةٍ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ ١٥٤

﴿ قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ ﴾ الَّذِينَ سُحِرُوا كَثِيرًا حَتّى غُلِبَ عَلى عَقْلِهِمْ، أوْ مِن ذَوِي السِّحْرِ وهي الرِّئَةُ أيْ مِنَ الأناسِيِّ فَيَكُونُ ﴿ ما أنْتَ إلا بَشَرٌ مِثْلُنا ﴾ تَأْكِيدًا لَهُ.

﴿ فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ ﴾ في دَعْواكَ.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ هَـٰذِهِۦ نَاقَةٌۭ لَّهَا شِرْبٌۭ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍۢ مَّعْلُومٍۢ ١٥٥ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوٓءٍۢ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍۢ ١٥٦ فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا۟ نَـٰدِمِينَ ١٥٧ فَأَخَذَهُمُ ٱلْعَذَابُ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةًۭ ۖ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ ١٥٨

﴿ قالَ هَذِهِ ناقَةٌ ﴾ أيْ بَعْدَ ما أخْرَجَها اللَّهُ مِنَ الصَّخْرَةِ بِدُعائِهِ كَما اقْتَرَحُوها.

﴿ لَها شِرْبٌ ﴾ نَصِيبٌ مِنَ الماءِ كالسِّقْيِ والقِيتِ لِلْحَظِّ مِنَ السَّقْيِ والقُوتِ وقُرِئَ بِالضَّمِّ.

﴿ وَلَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ﴾ فاقْتَصِرُوا عَلى شُرْبِكم ولا تُزاحِمُوها في شُرْبِها.

﴿ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ ﴾ كَضَرْبٍ وعَقْرٍ.

﴿ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ عَظَّمَ اليَوْمَ لِعِظَمِ ما يَحِلُّ فِيهِ، وهو أبْلَغُ مِن تَعْظِيمِ العَذابِ.

﴿ فَعَقَرُوها ﴾ أسْنَدَ العَقْرَ إلى كُلِّهِمْ لِأنَّ عاقِرَها إنَّما عَقَرَها بِرِضاهم ولِذَلِكَ أُخِذُوا جَمِيعًا.

﴿ فَأصْبَحُوا نادِمِينَ ﴾ عَلى عَقْرِها خَوْفًا مِن حُلُولِ العَذابِ لا تَوْبَةً، أوْ عِنْدَ مُعايَنَةِ العَذابِ ولِذَلِكَ لَمْ يَنْفَعْهم.

﴿ فَأخَذَهُمُ العَذابُ ﴾ أيِ العَذابُ المَوْعُودُ.

﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ ﴾ في نَفْيِ الإيمانِ عَنْ أكْثَرِهِمْ في هَذا المَعْرِضِ إيماءً بِأنَّهُ لَوْ آمَنَ أكْثَرُهم أوْ شِطْرُهم لَما أُخِذُوا بِالعَذابِ، وإنَّ قُرَيْشًا إنَّما عُصِمُوا مِن مَثَلِهِ بِبَرَكَةِ مَن آمَنَ مِنهم.

<div class="verse-tafsir"

وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ١٥٩ كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ ٱلْمُرْسَلِينَ ١٦٠ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ ١٦١ إِنِّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌۭ ١٦٢ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ١٦٣ وَمَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ١٦٤ أَتَأْتُونَ ٱلذُّكْرَانَ مِنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ ١٦٥ وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُم مِّنْ أَزْوَٰجِكُم ۚ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ ١٦٦

﴿ وَإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴾ ﴿ كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المُرْسَلِينَ ﴾ ﴿ إذْ قالَ لَهم أخُوهم لُوطٌ ألا تَتَّقُونَ ﴾ ﴿ إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ ﴾ ﴿ فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ ﴾ .

﴿ وَما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى رَبِّ العالَمِينَ ﴾ ﴿ أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ ﴾ أتَأْتُونَ مِن بَيْنِ مَن عَداكم مِنَ العالَمِينَ الذُّكْرانَ لا يُشارِكُكم فِيهِ غَيْرُكم، أوْ أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِن أوْلادِ آدَمَ مَعَ كَثْرَتِهِمْ وغَلَبَةِ الإناثِ فِيهِمْ كَأنَّهُنَّ قَدْ أعْوَزْنَكم، فالمُرادُ بِـ ( العالَمِينَ ) عَلى الأوَّلِ كُلُّ مَن يُنْكَحُ وعَلى الثّانِي النّاسُ.

﴿ وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ ﴾ لِأجْلِ اسْتِمْتاعِكم.

﴿ رَبُّكم مِن أزْواجِكُمْ ﴾ لِلْبَيانِ إنْ أُرِيدَ بِهِ جِنْسُ الإناثِ، أوْ لِلتَّبْعِيضِ إنْ أُرِيدَ بِهِ العُضْوُ المُباحُ مِنهُنَّ فَيَكُونُ تَعْرِيضًا بِأنَّهم كانُوا يَفْعَلُونَ مِثْلَ ذَلِكَ بِنِسائِهِمْ أيْضًا.

﴿ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ ﴾ مُتَجاوِزُونَ عَنْ حَدِّ الشَّهْوَةِ حَيْثُ زادُوا عَلى سائِرِ النّاسِ بَلِ الحَيَواناتِ، أوْ مُفْرِطُونَ في المَعاصِي وهَذا مِن جُمْلَةِ ذاكَ، أوْ أحِقّاءُ بِأنْ تُوصَفُوا بِالعُدْوانِ لِارْتِكابِكم هَذِهِ الجَرِيمَةَ.

<div class="verse-tafsir"

قَالُوا۟ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَـٰلُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُخْرَجِينَ ١٦٧ قَالَ إِنِّى لِعَمَلِكُم مِّنَ ٱلْقَالِينَ ١٦٨

﴿ قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ ﴾ عَمّا تَدَّعِيهِ أوْ عَنْ نَهْيِنا وتَقْبِيحِ أمْرِنا.

﴿ لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ ﴾ مِنَ المَنفَيِّينَ مِن بَيْنِ أظْهُرِنا، ولَعَلَّهم كانُوا يُخْرِجُونَ مَن أخْرَجُوهُ عَلى عُنْفٍ وسُوءِ حالٍ.

﴿ قالَ إنِّي لِعَمَلِكم مِنَ القالِينَ ﴾ مِنَ المُبْغِضِينَ غايَةَ البُغْضِ لا أقِفُ عَنِ الإنْكارِ عَلَيْهِ بِالإبْعادِ، وهو أبْلَغُ مِن أنْ يَقُولَ إنِّي لِعَمَلِكم قالٍ لِدَلالَتِهِ عَلى أنَّهُ مَعْدُودٌ في زُمْرَتِهِمْ مَشْهُورٌ بِأنَّهُ مِن جُمْلَتِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

رَبِّ نَجِّنِى وَأَهْلِى مِمَّا يَعْمَلُونَ ١٦٩ فَنَجَّيْنَـٰهُ وَأَهْلَهُۥٓ أَجْمَعِينَ ١٧٠ إِلَّا عَجُوزًۭا فِى ٱلْغَـٰبِرِينَ ١٧١

﴿ رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ ﴾ أيْ مِن شُؤْمِهِ وعَذابِهِ.

﴿ فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ ﴾ أهْلَ بَيْتِهِ والمُتَّبِعِينَ لَهُ عَلى دِينِهِ بِإخْراجِهِمْ مِن بَيْنِهِمْ وقْتَ حُلُولِ العَذابِ بِهِمْ.

﴿ إلا عَجُوزًا ﴾ هي امْرَأةُ لُوطٍ.

﴿ فِي الغابِرِينَ ﴾ مُقَدَّرَةٌ في الباقِينَ في العَذابِ إذْ أصابَها حَجَرٌ في الطَّرِيقِ فَأهْلَكَها لِأنَّها كانَتْ مائِلَةً إلى القَوْمِ راضِيَةً بِفِعْلِهِمْ.

وقِيلَ كائِنَةٌ فِيمَن بَقِيَ في القَرْيَةِ فَإنَّها لَمْ تَخْرُجْ مَعَ لُوطٍ.

<div class="verse-tafsir"

ثُمَّ دَمَّرْنَا ٱلْـَٔاخَرِينَ ١٧٢ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًۭا ۖ فَسَآءَ مَطَرُ ٱلْمُنذَرِينَ ١٧٣ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةًۭ ۖ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ ١٧٤ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ١٧٥

﴿ ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ ﴾ أهْلَكْناهم.

﴿ وَأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا ﴾ وقِيلَ أمْطَرَ اللَّهُ عَلى شُذّاذِ القَوْمِ حِجارَةً فَأهْلَكَهم.

﴿ فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ ﴾ اللّامُ فِيهِ لِلْجِنْسِ حَتّى يَصِحَّ وُقُوعُ المُضافِ إلَيْهِ فاعِلَ ساءَ والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ وهو مَطَرُهم.

﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ وَإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

كَذَّبَ أَصْحَـٰبُ لْـَٔيْكَةِ ٱلْمُرْسَلِينَ ١٧٦ إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ ١٧٧ إِنِّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌۭ ١٧٨ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ١٧٩ وَمَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ١٨٠ ۞ أَوْفُوا۟ ٱلْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا۟ مِنَ ٱلْمُخْسِرِينَ ١٨١

﴿ كَذَّبَ أصْحابُ الأيْكَةِ المُرْسَلِينَ ﴾ الأيْكَةُ غَيْضَةٌ تُنْبِتُ ناعِمَ الشَّجَرِ يُرِيدُ غَيْضَةً بِقُرْبِ مَدْيَنَ تَسْكُنُها طائِفَةٌ فَبَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِمْ شُعَيْبًا كَما بَعَثَهُ إلى مَدْيَنَ وكانَ أجْنَبِيًّا مِنهم فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿ إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ ﴾ ولَمْ يَقُلْ أخُوهم شُعَيْبٌ.

وقِيلَ الأيْكَةُ شَجَرٌ مُلْتَفٌّ وكانَ شَجَرُهُمُ الدَّوْمَ وهو المِقْلُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وابْنُ عامِرٍ «لَيْكَةِ» بِحَذْفِ الهَمْزَةِ وإبْقاءِ حَرَكَتِها عَلى اللّامِ وقُرِئَتْ كَذَلِكَ مَفْتُوحَةً عَلى أنَّها لَيْكَةُ وهي اسْمُ بَلْدَتِهِمْ، وإنَّما كُتِبَتْ ها هُنا وفي ص بِغَيْرِ ألِفٍ إتْباعًا لِلَّفْظِ.

﴿ إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ ﴾ ﴿ فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ ﴾ ﴿ وَما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى رَبِّ العالَمِينَ ﴾ .

﴿ أوْفُوا الكَيْلَ ﴾ أتِمُّوهُ.

﴿ وَلا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ ﴾ النّاقِصِينَ حُقُوقَ النّاسِ بِالتَّطْفِيفِ.

<div class="verse-tafsir"

وَزِنُوا۟ بِٱلْقِسْطَاسِ ٱلْمُسْتَقِيمِ ١٨٢ وَلَا تَبْخَسُوا۟ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ١٨٣ وَٱتَّقُوا۟ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ وَٱلْجِبِلَّةَ ٱلْأَوَّلِينَ ١٨٤

﴿ وَزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ ﴾ بِالمِيزانِ السَّوِيِّ، وهو وإنْ كانَ عَرَبِيًّا فَإنْ كانَ مِنَ القِسْطِ فَفِعْلاسٌ بِتَكْرِيرِ العَيْنِ وإلّا فَفِعْلالٌ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ بِكَسْرِ القافِ.

﴿ وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ ﴾ ولا تَنْقُصُوا شَيْئًا مِن حُقُوقِهِمْ.

﴿ وَلا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ ﴾ بِالقَتْلِ والغارَةِ وقَطْعِ الطَّرِيقِ.

﴿ واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ ﴾ وذَوِي الجِبِلَّةِ الأوَّلِينَ يَعْنِي مَن تَقَدَّمَهم مِنَ الخَلائِقِ.

<div class="verse-tafsir"

قَالُوٓا۟ إِنَّمَآ أَنتَ مِنَ ٱلْمُسَحَّرِينَ ١٨٥ وَمَآ أَنتَ إِلَّا بَشَرٌۭ مِّثْلُنَا وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ ١٨٦ فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًۭا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ ١٨٧

﴿ قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ ﴾ ﴿ وَما أنْتَ إلا بَشَرٌ مِثْلُنا ﴾ أتَوْا بِالواوِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ جامِعٌ بَيْنَ وصْفَيْنِ مُتَنافِيَيْنِ لِلرِّسالَةِ مُبالَغَةً في تَكْذِيبِهِ.

﴿ وَإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ ﴾ في دَعْواكَ.

﴿ فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ ﴾ قِطْعَةً مِنها، ولَعَلَّهُ جَوابٌ لِما أشْعَرَ بِهِ الأمْرُ بِالتَّقْوى مِنَ التَّهْدِيدِ.

وقَرَأ حَفْصٌ بِفَتْحِ السِّينِ.

﴿ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ ﴾ في دَعْواكَ.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ رَبِّىٓ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ ١٨٨ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ ٱلظُّلَّةِ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ١٨٩ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةًۭ ۖ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ ١٩٠

﴿ قالَ رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ ﴾ وبِعَذابِهِ مُنَزَّلٌ عَلَيْكم ما أوْجَبَهُ لَكم عَلَيْهِ في وقْتِهِ المُقَدَّرِ لَهُ لا مَحالَةَ.

﴿ فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ ﴾ عَلى نَحْوِ ما اقْتَرَحُوا بِأنْ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الحَرَّ سَبْعَةَ أيّامٍ حَتّى غَلَتْ أنْهارُهم وأظَلَّتْهم سَحابَةٌ فاجْتَمَعُوا تَحْتَها فَأمْطَرَتْ عَلَيْهِمْ نارًا فاحْتَرَقُوا.

﴿ إنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ١٩١ وَإِنَّهُۥ لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ١٩٢ نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلْأَمِينُ ١٩٣ عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنذِرِينَ ١٩٤ بِلِسَانٍ عَرَبِىٍّۢ مُّبِينٍۢ ١٩٥ وَإِنَّهُۥ لَفِى زُبُرِ ٱلْأَوَّلِينَ ١٩٦

﴿ وَإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴾ هَذا آخِرُ القِصَصِ السَّبْعِ المَذْكُورَةِ عَلى سَبِيلِ الِاخْتِصارِ تَسْلِيَةً لِرَسُولِ اللَّهِ  وتَهْدِيدًا لِلْمُكَذِّبِينَ بِهِ، وإطْرادُ نُزُولِ العَذابِ عَلى تَكْذِيبِ الأُمَمِ بَعْدَ إنْذارِ الرُّسُلِ بِهِ، واقْتِراحِهِمْ لَهُ اسْتِهْزاءً وعَدَمِ مُبالاةٍ بِهِ يَدْفَعُ أنْ يُقالَ إنَّهُ كانَ بِسَبَبِ اتِّصالاتٍ فَلَكِيَّةٍ أوْ كانَ ابْتِلاءً لَهم لا مُؤاخَذَةً عَلى تَكْذِيبِهِمْ.

﴿ وَإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ ﴿ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ ﴾ .

﴿ عَلى قَلْبِكَ ﴾ تَقْرِيرٌ لِحَقِيَةِ تِلْكَ القِصَصِ وتَنْبِيهٌ عَلى إعْجازِ القُرْآنِ ونُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ  ، فَإنَّ الإخْبارَ عَنْها مِمَّنْ لَمْ يَتَعَلَّمْها لا يَكُونُ إلّا وحْيًا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، والقَلْبُ إنْ أرادَ بِهِ الرُّوحَ فَذاكَ وإنْ أرادَ بِهِ العُضْوَ فَتَخْصِيصُهُ، لِأنَّ المَعانِيَ الرُّوحانِيَّةَ إنَّما تَنْزِلُ أوَّلًا عَلى الرُّوحِ ثُمَّ تَنْتَقِلُ مِنهُ إلى القَلْبِ لِما بَيْنَهُما مِنَ التَّعَلُّقِ، ثُمَّ تَتَصَعَّدُ مِنهُ إلى الدِّماغِ فَيَنْتَقِشُ بِها لَوْحُ المُتَخَيَّلَةِ، و ( الرُّوحُ الأمِينُ ) جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ أمِينُ اللَّهِ عَلى وحْيِهِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِتَشْدِيدِ الزّايِ ونَصْبِ ( الرُّوحَ الأمِينَ ) .

﴿ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ ﴾ عَمّا يُؤَدِّي إلى عَذابِ مَن فَعَلَ أوْ تَرَكَ.

﴿ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ﴾ واضِحِ المَعْنى لِئَلّا يَقُولُوا ما نَصْنَعُ بِما لا نَفْهَمُهُ فَهو مُتَعَلِّقٌ بِـ ( نَزَلَ )، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِالمُنْذِرِينَ أيْ لِتَكُونَ مِمَّنْ أنْذَرُوا بِلُغَةِ العَرَبِ وهم هُودٌ وصالِحٌ وإسْماعِيلُ وشُعَيْبٌ ومُحَمَّدٌ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

﴿ وَإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ ﴾ وإنَّ ذِكْرَهُ أوْ مَعْناهُ لَفي الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ.

<div class="verse-tafsir"

أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ ءَايَةً أَن يَعْلَمَهُۥ عُلَمَـٰٓؤُا۟ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ١٩٧ وَلَوْ نَزَّلْنَـٰهُ عَلَىٰ بَعْضِ ٱلْأَعْجَمِينَ ١٩٨ فَقَرَأَهُۥ عَلَيْهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ مُؤْمِنِينَ ١٩٩

﴿ أوَلَمْ يَكُنْ لَهم آيَةً ﴾ عَلى صِحَّةِ القُرْآنِ أوْ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ  .

﴿ أنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ أنْ يَعْرِفُوهُ بِنَعْتِهِ المَذْكُورِ في كُتُبِهِمْ وهو تَقْرِيرٌ لِكَوْنِهِ دَلِيلًا.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ( تَكُنْ ) بِالتّاءِ ( وآيَةٌ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّها الِاسْمُ والخَبَرُ ( لَهم ) و ( أنْ يَعْلَمَهُ ) بَدَلٌ أوِ الفاعِلُ و ( أنْ يَعْلَمَهُ ) بَدَلٌ ( لَهم ) حالٌ، أوْ أنَّ الِاسْمَ ضَمِيرُ القِصَّةِ و ( آيَةٌ ) خَبَرُ ( أنْ يَعْلَمَهُ ) والجُمْلَةُ خَبَرُ تَكُنْ.

﴿ وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ ﴾ كَما هو زِيادَةٌ في إعْجازِهِ أوْ بِلُغَةِ العَجَمِ.

﴿ فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ ﴾ لِفَرْطِ عِنادِهِمْ واسْتِكْبارِهِمْ، أوْ لِعَدَمِ فَهْمِهِمْ واسْتِنْكافِهِمْ مِنَ اتِّباعِ العَجَمِ، و ( الأعْجَمِينَ ) جَمْعُ أعْجَمِي عَلى التَّخْفِيفِ ولِذَلِكَ جُمِعَ جَمْعَ السَّلامَةِ.

<div class="verse-tafsir"

كَذَٰلِكَ سَلَكْنَـٰهُ فِى قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ ٢٠٠ لَا يُؤْمِنُونَ بِهِۦ حَتَّىٰ يَرَوُا۟ ٱلْعَذَابَ ٱلْأَلِيمَ ٢٠١ فَيَأْتِيَهُم بَغْتَةًۭ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ٢٠٢ فَيَقُولُوا۟ هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ ٢٠٣

﴿ كَذَلِكَ سَلَكْناهُ ﴾ أدْخَلْناهُ.

﴿ فِي قُلُوبِ المُجْرِمِينَ ﴾ والضَّمِيرُ لِلْكُفْرِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ ﴾ فَتَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّهُ بِخَلْقِ اللَّهِ، وقِيلَ لِلْقُرْآنِ أيْ أدْخَلْناهُ فِيها فَعَرَفُوا مَعانِيَهُ وإعْجازَهُ ثُمَّ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ عِنادًا.

﴿ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ ﴾ المُلْجِئَ إلى الإيمانِ.

﴿ فَيَأْتِيَهم بَغْتَةً ﴾ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.

﴿ وَهم لا يَشْعُرُونَ ﴾ بِإتْيانِهِ.

﴿ فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ ﴾ تَحَسُّرًا وتَأسُّفًا.

<div class="verse-tafsir"

أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ ٢٠٤ أَفَرَءَيْتَ إِن مَّتَّعْنَـٰهُمْ سِنِينَ ٢٠٥ ثُمَّ جَآءَهُم مَّا كَانُوا۟ يُوعَدُونَ ٢٠٦ مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يُمَتَّعُونَ ٢٠٧

﴿ أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ ﴾ فَيَقُولُونَ أمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ، ( فَأْتِنا بِما تَعِدُنا )، وحالُهم عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ طَلَبُ النَّظْرَةِ.

﴿ أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ ﴾ ﴿ ثُمَّ جاءَهم ما كانُوا يُوعَدُونَ ﴾ ﴿ ما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يُمَتَّعُونَ ﴾ لَمْ يُغْنِ عَنْهم تَمَتُّعُهُمُ المُتَطاوِلُ في دَفْعِ العَذابِ وتَخْفِيفِهِ.

<div class="verse-tafsir"

وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ ٢٠٨ ذِكْرَىٰ وَمَا كُنَّا ظَـٰلِمِينَ ٢٠٩

﴿ وَما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلا لَها مُنْذِرُونَ ﴾ أنْذَرُوا أهْلَها إلْزامًا لِلْحُجَّةِ.

﴿ ذِكْرى ﴾ تَذْكِرَةً ومَحَلُّها النَّصْبُ عَلى العِلَّةِ أوِ المَصْدَرِ لِأنَّها في مَعْنى الإنْذارِ، أوِ الرَّفْعُ عَلى أنَّها صِفَةُ ﴿ مُنْذِرُونَ ﴾ بِإضْمارِ ذَوُو، أوْ بِجَعْلِهِمْ ذِكْرى لِإمْعانِهِمْ في التَّذْكِرَةِ، أوْ خَبَرُ مَحْذُوفٍ والجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ.

﴿ وَما كُنّا ظالِمِينَ ﴾ فَنُهْلِكُ غَيْرَ الظّالِمِينَ، أوْ قَبْلَ الإنْذارِ.

<div class="verse-tafsir"

وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ ٱلشَّيَـٰطِينُ ٢١٠ وَمَا يَنۢبَغِى لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ ٢١١ إِنَّهُمْ عَنِ ٱلسَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ ٢١٢ فَلَا تَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ فَتَكُونَ مِنَ ٱلْمُعَذَّبِينَ ٢١٣

﴿ وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ ﴾ كَما زَعَمَ المُشْرِكُونَ أنَّهُ مِن قَبِيلِ ما يُلْقِي الشَّياطِينُ عَلى الكَهَنَةِ.

﴿ وَما يَنْبَغِي لَهُمْ ﴾ وما يَصِحُّ لَهم أنْ يَتَنَزَّلُوا بِهِ.

﴿ وَما يَسْتَطِيعُونَ ﴾ وما يَقْدِرُونَ.

﴿ إنَّهم عَنِ السَّمْعِ ﴾ لِكَلامِ المَلائِكَةِ.

﴿ لَمَعْزُولُونَ ﴾ لِأنَّهُ مَشْرُوطٌ بِمُشارَكَةٍ في صَفاءِ الذّاتِ وقَبُولِ فَيَضانِ الحَقِّ والِانْتِقاشِ بِالصُّوَرِ المَلَكُوتِيَّةِ، ونُفُوسُهم خَبِيثَةٌ ظَلْمانِيَّةٌ شِرِّيرَةٌ بِالذّاتِ لا تَقْبَلُ ذَلِكَ والقُرْآنُ مُشْتَمِلٌ عَلى حَقائِقَ ومُغَيَّباتٍ لا يُمْكِنُ تَلَقِّيها إلّا مِنَ المَلائِكَةِ.

﴿ فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ المُعَذَّبِينَ ﴾ تَهْيِيجٌ لِازْدِيادِ الإخْلاصِ ولُطْفٌ لِسائِرِ المُكَلَّفِينَ.

<div class="verse-tafsir"

وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلْأَقْرَبِينَ ٢١٤ وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٢١٥ فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّى بَرِىٓءٌۭ مِّمَّا تَعْمَلُونَ ٢١٦

﴿ وَأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ ﴾ الأقْرَبَ مِنهم فالأقْرَبَ فَإنَّ الِاهْتِمامَ بِشَأْنِهِمْ أهَمُّ.

رُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ صَعِدَ الصَّفا وناداهم فَخْذًا فَخْذًا حَتّى اجْتَمَعُوا إلَيْهِ فَقالَ: «لَوْ أخْبَرْتُكم أنَّ بِسَفْحِ هَذا الجَبَلِ خَيْلًا أكَنَتُّمْ مُصَدِّقِيَّ» قالُوا نَعَمْ قالَ: «فَإنِّي نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدىْ عَذابٍ شَدِيدٍ» .

﴿ واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ لَيِّنْ جانِبَكَ لَهم مُسْتَعارٌ مِن خَفْضِ الطّائِرِ جَناحَهُ إذا أرادَ أنْ يَنْحَطَّ، و ( مِن ) لِلتَّبْيِينِ لِأنَّ مَنِ اتَّبَعَ أعَمُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ لِدِينٍ أوْ غَيْرِهِ، أوْ لِلتَّبْعِيضِ عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ المُؤْمِنِينَ المُشارِفُونَ لِلْإيمانِ أوِ المُصَدِّقُونَ بِاللِّسانِ.

﴿ فَإنْ عَصَوْكَ ﴾ ولَمْ يَتَّبِعُوكَ.

﴿ فَقُلْ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ ﴾ مِمّا تَعْمَلُونَهُ أوْ مِن أعْمالِكم.

<div class="verse-tafsir"

وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ ٢١٧ ٱلَّذِى يَرَىٰكَ حِينَ تَقُومُ ٢١٨ وَتَقَلُّبَكَ فِى ٱلسَّـٰجِدِينَ ٢١٩ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ٢٢٠

﴿ وَتَوَكَّلْ عَلى العَزِيزِ الرَّحِيمِ ﴾ الَّذِي يَقْدِرُ عَلى قَهْرِ أعْدائِهِ ونَصْرِ أوْلِيائِهِ يَكْفِكَ شَرَّ مَن يَعْصِيكَ مِنهم ومِن غَيْرِهِمْ.

وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ «فَتَوَكَّلْ» عَلى الإبْدالِ مِن جَوابِ الشَّرْطِ.

﴿ الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ ﴾ إلى التَّهَجُّدِ.

﴿ وَتَقَلُّبَكَ في السّاجِدِينَ ﴾ وتَرَدُّدَكَ في تَصَفُّحِ أحْوالِ المُجْتَهِدِينَ كَما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ «لَمّا نُسِخَ قِيامُ فَرْضِ اللَّيْلِ طافَ عَلَيْهِ السَّلامُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ بِبُيُوتِ أصْحابِهِ لِيَنْظُرَ ما يَصْنَعُونَ حِرْصًا عَلى كَثْرَةِ طاعاتِهِمْ، فَوَجَدَها كَبُيُوتِ الزَّنابِيرِ لِما سَمِعَ بِها مِن دَنْدَنَتِهِمْ بِذِكْرِ اللَّهِ وتِلاوَةِ القُرْآنِ» .

أوْ تَصَرُّفَكَ فِيما بَيْنَ المُصَلِّينَ بِالقِيامِ والرُّكُوعِ والسُّجُودِ والقُعُودِ إذا أمَمْتَهم، وإنَّما وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى بِعِلْمِهِ بِحالِهِ الَّتِي بِها يَسْتَأْهِلُ وِلايَتَهُ بَعْدَ وصْفِهِ بِأنَّ مِن شَأْنِهِ قَهْرَ أعْدائِهِ ونَصْرَ أوْلِيائِهِ تَحْقِيقًا لِلتَّوَكُّلِ وتَطْمِينًا لِقَلْبِهِ عَلَيْهِ.

﴿ إنَّهُ هو السَّمِيعُ ﴾ لِما تَقُولُهُ.

﴿ العَلِيمُ ﴾ بِما تَنْوِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ ٱلشَّيَـٰطِينُ ٢٢١ تَنَزَّلُ عَلَىٰ كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍۢ ٢٢٢ يُلْقُونَ ٱلسَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَـٰذِبُونَ ٢٢٣

﴿ هَلْ أُنَبِّئُكم عَلى مَن تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ ﴾ ﴿ تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ ﴾ لَمّا بَيَّنَ أنَّ القُرْآنَ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِمّا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ أكَّدَ ذَلِكَ بِأنْ بَيَّنَ أنَّ مُحَمَّدًا  لا يَصِحُّ أنْ يَتَنَزَّلُوا عَلَيْهِ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّهُ إنَّما يَكُونُ عَلى شِرِّيرٍ كَذّابٍ كَثِيرِ الإثْمِ، فَإنَّ اتِّصالَ الإنْسانِ بِالغائِباتِ لِما بَيْنَهُما مِنَ التَّناسُبِ والتَّوادِّ وحالُ مُحَمَّدٍ  عَلى خِلافِ ذَلِكَ.

وثانِيهِما قَوْلُهُ: ﴿ يُلْقُونَ السَّمْعَ وأكْثَرُهم كاذِبُونَ ﴾ أيِ الأفّاكُونَ يُلْقُونَ السَّمْعَ إلى الشَّياطِينِ فَيَتَلَقَّوْنَ مِنهم ظُنُونًا وأماراتٍ لِنُقْصانِ عِلْمِهِمْ، فَيَضُمُّونَ إلَيْها عَلى حَسَبِ تَخَيُّلاتِهِمْ أشْياءَ لا يُطابِقُ أكْثَرَها كَما جاءَ في الحَدِيثِ «الكَلِمَةُ يَخْطِفُها الجِنِّيُّ فَيُقِرُّها في أُذُنِ ولَيِّهِ فَيَزِيدُ فِيها أكْثَرَ مِن مِائَةِ كِذْبَةٍ» ( ولا ) كَذَلِكَ مُحَمَّدٌ  ، فَإنَّهُ أخْبَرَ عَنْ مُغَيَّباتٍ كَثِيرَةٍ لا تُحْصى وقَدْ طابَقَ كُلَّها، وقَدْ فَسَّرَ الأكْثَرَ بِالكُلِّ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ ﴾ .

والأظْهَرُ أنَّ الأكْثَرِيَّةَ بِاعْتِبارِ أقْوالِهِمْ عَلى مَعْنى أنَّ هَؤُلاءِ قَلَّ مَن يَصْدُقُ مِنهم فِيما يَحْكِي عَنِ الجِنِّيِّ.

وقِيلَ الضَّمائِرُ لِلشَّياطِينِ أيْ يُلْقُونَ السَّمْعَ إلى المَلَأِ الأعْلى قَبْلَ أنْ يُرْجَمُوا فَيَخْتَطِفُونَ مِنهم بَعْضَ المُغَيَّباتِ ويُوحُونَ بِهِ إلى أوْلِيائِهِمْ أوْ يُلْقُونَ مَسْمُوعَهم مِنهم إلى أوْلِيائِهِمْ وأكْثَرُهم كاذِبُونَ فِيما يُوحُونَ بِهِ إلَيْهِمْ إذْ يُسْمِعُونَهم لا عَلى نَحْوِ ما تَكَلَّمَتْ بِهِ المَلائِكَةُ لِشَرارَتِهِمْ، أوْ لِقُصُورِ فَهْمِهِمْ أوْ ضَبْطِهِمْ أوْ إفْهامِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلْغَاوُۥنَ ٢٢٤ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِى كُلِّ وَادٍۢ يَهِيمُونَ ٢٢٥ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ ٢٢٦

﴿ والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ ﴾ وأتْباعُ مُحَمَّدٍ  لَيْسُوا كَذَلِكَ، وهو اسْتِئْنافٌ أبْطَلَ كَوْنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ شاعِرًا وقَرَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ ألَمْ تَرَ أنَّهم في كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ ﴾ لِأنَّ أكْثَرَ مُقَدِّماتِهِمْ خَيالاتٌ لا حَقِيقَةَ لَها، وأغْلَبُ كَلِماتِهِمْ في النَّسِيبِ بِالحُرُمِ والغَزَلِ والِابْتِهارِ وتَمْزِيقِ الأعْراضِ والقَدْحِ في الأنْسابِ والوَعْدِ الكاذِبِ والِافْتِخارِ الباطِلِ ومَدْحِ مَن لا يَسْتَحِقُّهُ والإطْراءِ فِيهِ، وإلَيْهِ أشارَ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَأنَّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ ﴾ وكَأنَّهُ لَمّا كانَ إعْجازُ القُرْآنِ مِن جِهَةِ اللَّفْظِ والمَعْنى، وقَدْ قَدَحُوا في المَعْنى بِأنَّهُ مِمّا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ، وفي اللَّفْظِ بِأنَّهُ مِن جِنْسِ كَلامِ الشُّعَراءِ تَكَلَّمَ في القِسْمَيْنِ وبَيَّنَ مُنافاةَ القُرْآنِ لَهُما ومُضادَّةَ حالِ الرَّسُولِ  لِحالِ أرْبابِهِما.

وقَرَأ نافِعٌ ﴿ يَتَّبِعُهُمُ ﴾ عَلى التَّخْفِيفِ، وقُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ وتَسْكِينِ العَيْنِ تَشْبِيهًا لِبَعْضِهِ بَعْضًا.

<div class="verse-tafsir"

إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَذَكَرُوا۟ ٱللَّهَ كَثِيرًۭا وَٱنتَصَرُوا۟ مِنۢ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا۟ ۗ وَسَيَعْلَمُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ أَىَّ مُنقَلَبٍۢ يَنقَلِبُونَ ٢٢٧

﴿ إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وانْتَصَرُوا مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا ﴾ اسْتِثْناءٌ لِلشُّعَراءِ المُؤْمِنِينَ الصّالِحِينَ الَّذِينَ يُكْثِرُونَ ذِكْرَ اللَّهِ ويَكُونُ أكْثَرُ أشْعارِهِمْ في التَّوْحِيدِ والثَّناءِ عَلى اللَّهِ تَعالى والحَثِّ عَلى طاعَتِهِ، ولَوْ قالُوا هَجْوًا أرادُوا بِهِ الِانْتِصارَ مِمَّنْ هَجاهم ومُكافَحَةَ هُجاةِ المُسْلِمِينَ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ وحَسّانَ بْنِ ثابِتٍ والكَعْبَيْنِ، وكانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَقُولُ لِحَسّانَ «قُلْ ورُوحُ القُدُسِ مَعَكَ» .

( وعَنْ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ لَهُ «اهْجُهم فَوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهو أشَدُّ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبْلِ» ﴿ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ﴾ تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ لِما في سَيَعْلَمُ مِنَ الوَعِيدِ البَلِيغِ وفي الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنَ الإطْلاقِ والتَّعْمِيمِ، وفي ﴿ أيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ﴾ أيْ بَعْدَ المَوْتِ مِنَ الإيهامِ والتَّهْوِيلِ، وقَدْ تَلاها أبُو بَكْرٍ لَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما حِينَ عَهِدَ إلَيْهِ، وقُرِئَ «أيَّ مُنْفَلَتٍ يَنْفَلِتُونَ» مِنَ الِانْفِلاتِ وهو النَّجاةُ والمَعْنى: أنَّ الظّالِمِينَ يَطْمَعُونَ أنْ يَنْفَلِتُوا عَنْ عَذابِ اللَّهِ وسَيَعْلَمُونَ أنْ لَيْسَ لَهم وجْهٌ مِن وُجُوهِ الِانْفِلاتِ.

عَنِ النَّبِيِّ  «مَن قَرَأ سُورَةَ الشُّعَراءِ كانَ لَهُ مِنَ الأجْرِ عَشْرُ حَسَناتٍ بِعَدَدِ مَن صَدَّقَ بِنُوحٍ وكَذَّبَ بِهِ وهُودٍ وصالِحٍ وشُعَيْبٍ وإبْراهِيمَ وبِعَدَدِ مَن كَذَّبَ بِعِيسى وصَدَّقَ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ» .

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله