تفسير الكشاف سورة الدخان

الإسلام > القرآن > تفسير > الكشاف > تفسير سورة الدخان

تفسيرُ سورةِ الدخان كاملةً من تفسير الكشاف (الزمخشري) (جار الله الزمخشري).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 27 دقيقة قراءة

تفسير سورة الدخان كاملةً (جار الله الزمخشري)

حمٓ ١ وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ ٢ إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةٍۢ مُّبَـٰرَكَةٍ ۚ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ ٣ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ٤ أَمْرًۭا مِّنْ عِندِنَآ ۚ إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ٥ رَحْمَةًۭ مِّن رَّبِّكَ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ٦ رَبِّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ ۖ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ ٧ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ يُحْىِۦ وَيُمِيتُ ۖ رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءَابَآئِكُمُ ٱلْأَوَّلِينَ ٨

الواو في ﴿ والكتاب ﴾ واو القسم، إن جعلت حم تعديداً للحروف أو اسماً للسورة، مرفوعاً على خبر الابتداء المحذوف وواو العطف إن كانت حم مقسماً بها.

وقوله: ﴿ إِنَّا أنزلناه ﴾ جواب القسم، والكتاب المبين للقرآن.

والليلة المباركة: ليلة القدر.

وقيل: ليلة النصف من شعبان، ولها أربعة أسماء: الليلة المباركة، وليلة البراءة، وليلة الصكّ، وليلة الرحمة وقيل: بينها وبين ليلة القدر أربعون ليلة.

وقيل في تسميتها: ليلة البراءة والصكّ: أن البندار إذا استوفى الخراج من أهله كتب لهم البراءة، كذلك الله عز وجل يكتب لعباده المؤمنين البراءة في هذه الليلة.

وقيل: هي مختصة بخمس خصال: تفريق كل أمر حكيم وفضيلة العبادة فيها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صلى في هذه الليلة مائة ركعة أرسل الله إليه مائة ملك: ثلاثون يبشرونه بالجنة، وثلاثون يؤمنونه من عذاب النار، وثلاثون يدفعون عنه آفات الدنيا.

وعشرة يدفعون عنه مكايد الشيطان» ونزول الرحمة قال عليه الصلاة والسلام: «إنّ الله يرحم أمتي في هذه الليلة بعدد شعر أغنام بني كلب» وحصول المغفرة: قال عليه الصلاة والسلام: «إنّ الله تعالى يغفر لجميع المسلمين في تلك الليلة إلا لكاهن أو ساحر أو مشاحن أو مدمن خمر أو عاق للوالدين، أو مصرّ على الزنا» وما أعطى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم من تمام الشفاعة، وذلك أنه سأل ليلة الثالث عشر من شعبان في أمّته.

فأعطى الثلث منها، ثم سأل ليلة الرابع عشر فأعطي الثلثين، ثم سأل ليلة الخامس عشر فأعطي الجميع، إلا من شرد عن الله شراد البعير.

ومن عادة الله في هذه الليلة: أن يزيد فيها ماء زمزم زيادة ظاهرة.

والقول الأكثر أنّ المراد بالليلة المباركة: ليلة القدر، لقوله تعالى: ﴿ إِنَّا أنزلناه فِي لَيْلَةِ القدر ﴾ [القدر: 1] ولمطابقة قوله: ﴿ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4) ﴾ لقوله: ﴿ تَنَزَّلُ الملائكة والروح فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ (4) ﴾ وقول تعالى: ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الذى أُنزِلَ فِيهِ القرآن ﴾ [البقرة: 185] وليلة القدر في أكثر الأقاويل في شهر رمضان.

فإن قلت: ما معنى إنزال القرآن في هذه الليلة؟

قلت: قالوا أنزل جملة واحدة من السماء السابعة إلى السماء الدنيا، وأمر السفرة الكرام بانتساخه في ليلة القدر، وكان جبريل عليه السلام ينزله على رسول الله صلى الله عليه وسلم نجوماً نجوماً.

فإن قلت: ﴿ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ﴾ ما موقع هاتين الجملتين؟

قلت: هما جملتان مستأنفتان ملفوفتان.

فسر بهما جواب القسم الذي هو قوله تعالى: ﴿ إِنَّا أنزلناه فِي لَيْلَةٍ مباركة ﴾ [الدخان: 3] كأنه قيل: أنزلنا؛ لأن من شأننا الإنذار والتحذير من العقاب، وكان إنزالنا إياه في هذه الليلة خصوصاً؛ لأنّ إنزال القرآن من الأمور الحكيمة، وهذه الليلة مفرق كل أمر حكيم.

والمباركة: الكثيرة الخير لما يتيح الله فيها من الأمور التي يتعلق بها منافع العباد في دينهم ودنياهم، ولو لم يوجد فيها إلا إنزال القرآن وحده لكفى به بركة، ومعنى ﴿ يُفْرَقُ ﴾ يفصل ويكتب كل أمر حكيم من أرزاق العباد وآجالهم، وجميع أمورهم منها إلى الأخرى القابلة.

وقيل: يبدأ في استنساخ ذلك من اللوح المحفوظ في ليلة البراءة، ويقع الفراغ في ليلة القدر، فتدفع نسخة الأرزاق إلى ميكائيل، ونسخة الحروب إلى جبريل، وكذلك الزلازل والصواعق والخسف، ونسخة الأعمال إلى إسماعيل صاحب سماء الدنيا وهو ملك عظيم ونسخة المصائب إلى ملك الموت.

وعن بعضهم: يعطى كل عامل بركات أعماله، فيلقى على ألسنة الخلق مدحه، وعلى قلوبهم هيبته.

وقرئ ﴿ يفرق ﴾ بالتشديد و ﴿ يُفْرَقُ ﴾ كل على بنائه للفاعل ونصب كل، والفارق: الله عزّ وجلّ، وقرأ زيد بن عليّ رضي الله عنه ﴿ نفرق ﴾ بالنون، كل أمر حكيم: كل شأن ذي حكمة، أي: مفعول على ما تقتضيه الحكمة، وهو من الإسناد المجازى؛ لأنّ الحكيم صفة صاحب الأمر على الحقيقة، ووصف الأمر به مجاز ﴿ أَمْراً مِّنْ عِنْدِنَا ﴾ نصب على الاختصاص.

جعل كل أمر جزلاً فخماً بأن وصفه بالحكيم، ثم زاده جزالة وكسبه فخامة بأن قال: أعني بهذا الأمر أمراً حاصلاً من عندنا، كائناً من لدنا، كما اقتضاه علمنا وتدبيرنا.

ويجوز أن يراد به الأمر الذي هو ضد النهي، ثم إما أن يوضع موضع فرقانا الذي هو مصدر يفرق، لأنّ معنى الأمر والفرقان واحد، من حيث إنه إذا حكم بالشيء وكتبه فقد أمر به وأوجبه.

أو يكون حالاً من أحد الضميرين في أنزلناه: إما من ضمير الفاعل، أي: أنزلناه آمرين أمراً.

أو من ضمير المفعول أي أنزلناه في حال كونه أمراً من عندنا بما يجب أن يفعل فإن قلت: ﴿ إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ رَحْمَةً مّن رَّبِّكَ ﴾ بم يتعلق؟

قلت: يجوز أن يكون بدلاً من قوله: ﴿ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ ﴾ و ﴿ رَحْمَةً مّن رَّبّكَ ﴾ مفعولاً له، على معنى: إنا أنزلنا القرآن؛ لأنّ من شأننا إرسال الرسل بالكتب إلى عبادنا لأجل الرحمة عليهم، وأن يكون تعليلاً ليفرق.

أو لقوله: ﴿ أَمْراً مِّنْ عِنْدِنآ ﴾ ورحمة: مفعولاً به، وقد وصف الرحمة بالإرسال كما وصفها به في قوله تعالى: ﴿ وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ ﴾ [فاطر: 2] أي يفصل في هذه الليلة كل أمر.

أو تصدر الأوامر من عندنا؛ لأنّ من عادتنا أن نرسل رحمتنا.

وفصل كل أمر من قسمة الأرزاق وغيرها من باب الرحمة؛ وكذلك الأوامر الصادرة من جهته عز وعلا؛ لأنّ الغرض في تكليف العباد تعريضهم للمنافع.

والأصل: إنا كنا مرسلين رحمة منا، فوضع الظاهر موضع الضمير إيذاناً بأنّ الربوبية تقتضي الرحمة على المربوبين وفي قراءة زيد بن عليّ ﴿ أمر من عندنا ﴾ على: هو أمر وهي تنصر انتصابه على الاختصاص.

وقرأ الحسن: ﴿ رحمة من ربك ﴾ ، على: تلك رحمة، وهي تنصر انتصابها بأنها مفعول له ﴿ إِنَّهُ هُوَ السميع العليم ﴾ وما بعده تحقيق لربوبيته، وأنها لا تحق إلا لمن هذه أوصافه.

وقرئ ﴿ رب السموات...

ربكم ورب آبائكم ﴾ بالجر بدلاً من ربك.

فإن قلت: ما معنى الشرط الذي هو قوله: ﴿ إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ ﴾ ؟

قلت: كانوا يقرون بأن للسموات والأرض رباً وخالقاً، فقيل لهم: إنّ إرسال الرسل وإنزال الكتب رحمة من الرب، ثم قيل: إن هذا الرب هو السميع العليم الذي أنتم مقرون به ومعترفون بأنه رب السموات والأرض وما بينهما إن كان إقراركم عن علم وإيقان، كما تقول: إنّ هذا إنعام زيد الذي تسامع الناس بكرمه واشتهر وإسخاؤه إن بلغك حديثه وحدثت بقصته.

<div class="verse-tafsir"

بَلْ هُمْ فِى شَكٍّۢ يَلْعَبُونَ ٩ فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِى ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍۢ مُّبِينٍۢ ١٠ يَغْشَى ٱلنَّاسَ ۖ هَـٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌۭ ١١ رَّبَّنَا ٱكْشِفْ عَنَّا ٱلْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ ١٢

ثم ردّ أن يكونوا موقنين بقوله: ﴿ بَلْ هُمْ فِي شَكّ يَلْعَبُونَ (9) ﴾ وأن إقرارهم غير صادر عن علم وتيقن، ولا عن جدّ وحقيقة: بل قول مخلوط بهزء ولعب ﴿ يَوْمَ تَأْتِى السمآء ﴾ مفعول به مرتقب.

يقال: رقبته وارتقبته.

نحو: نظرته وانتظرته.

واختلف في الدخان؛ فعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وبه أخذ الحسن: أنه دخان يأتي من السماء قبل يوم القيامة يدخل في أسماع الكفرة، حتى يكون رأس الواحد منهم كالرأس الحنيذ، ويعتري المؤمن منه كهيئة الزكام، وتكون الأرض كلها كبيت أوقد فيه ليس فيه خصاص، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أوّل الآيات: الدخان، ونزول عيسى ابن مريم، ونار تخرج من قعر عدن أبين تسوق الناس إلى المحشر» قال حذيفة: يا رسول الله، وما الدخان؟

فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم الآية، وقال: «يملأ ما بين المشرق والمغرب يمكث أربعين يوماً وليلة، أما المؤمن فيصيبه كهيئة الزكمة، وأما الكافر فهو كالسكران يخرج من منخريه وأذنيه ودبره» وعن ابن مسعود رضي الله عنه: خمس قد مضت: الروم، والدخان، والقمر، والبطشة، واللزام.

ويروى أنه قيل لابن مسعود: إن قاصاً عند أبواب كندة يقول: إنه دخان يأتي يوم القيامة فيأخذ بأنفاس الخلق، فقال: من علم علماً فليقل به، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم، فإن من علم الرجل أن يقول لشيء لا يعلمه: الله أعلم، ثم قال: ألا وسأحدّثكم أنّ قريشاً لما استعصت على رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا عليهم فقال: «اللَّهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف» فأصابهم الجهد حتى أكلوا الجيف والعلهز، وكان الرجل يرى بين السماء والأرض الدخان، وكان يحدّث الرجلُ الرجلَ فيسمع كلامه ولا يراه من الدخان، فمشى إليه أبو سفيان ونفر معه وناشدوه الله والرحم وواعدوه إن دعا لهم وكشف عنهم أن يؤمنوا، فلما كشف عنهم رجعوا إلى شركهم ﴿ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ ﴾ ظاهر حاله لا يشك أحد في أنه دخان ﴿ يَغْشَى الناس ﴾ يشملهم ويلبسهم، وهو في محل الجر صفة لدخان.

و ﴿ هذا عَذَابٌ ﴾ إلى قوله: ﴿ مُؤْمِنُونَ ﴾ منصوب المحل بفعل مضمر، وهو: يقولون، ويقولون: منصوب على الحال، أي: قائلين ذلك.

﴿ إِنَّا مْؤْمِنُونَ ﴾ موعدة بالإيمان إن كشف عنهم العذاب.

<div class="verse-tafsir"

أَنَّىٰ لَهُمُ ٱلذِّكْرَىٰ وَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌۭ مُّبِينٌۭ ١٣ ثُمَّ تَوَلَّوْا۟ عَنْهُ وَقَالُوا۟ مُعَلَّمٌۭ مَّجْنُونٌ ١٤ إِنَّا كَاشِفُوا۟ ٱلْعَذَابِ قَلِيلًا ۚ إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ ١٥ يَوْمَ نَبْطِشُ ٱلْبَطْشَةَ ٱلْكُبْرَىٰٓ إِنَّا مُنتَقِمُونَ ١٦

﴿ أنى لَهُمُ الذكرى ﴾ كيف يذكرون ويتعظون ويفون بما وعدوه من الإيمان عند كشف العذاب ﴿ وَقَدْ جَآءَهُمْ ﴾ ما هو أعظم وأدخل في وجوب الادّكار من كشف الدخان، وهو ما ظهر على رسول الله صلى الله عليه وسلم من الآيات البينات من الكتاب المعجز وغيره من المعجزات، فلكم يذكروا وتولوا عنه، وبهتوه بأن عداساً غلاماً أعجمياً لبعض ثقيف هو الذي علمه، ونسبوه إلى الجنون، ثم قال: ﴿ إِنَّا كَاشِفُواْ العذاب قَلِيلاً إِنَّكُمْ عآئِدُونَ ﴾ أي ريثما نكشف عنكم العذاب تعودون إلى شرككم لا تلبثون غب الكشف على ما أنتم عليه من التضرع والابتهال.

فإن قلت: كيف يستقيم على قول من جعل الدخان قبل يوم القيامة قوله: ﴿ إِنَّا كَاشِفُواْ العذاب قَلِيلاً ﴾ قلت: إذا أتت السماء بالدخان تضور المعذبون به من الكفار والمنافقين.

وغوثوا وقالوا ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون منيبون، فيكشفه الله عنهم بعد أربعين يوماً، فريثما يكشفه عنهم يرتدون لا يتمهلون، ثم قال: ﴿ يَوْمَ نَبْطِشُ البطشة الكبرى ﴾ يريد يوم القيامة، كقوله تعالى: ﴿ فَإِذَا جَاءتِ الطامة الكبرى ﴾ [النازعات: 34] .

﴿ إِنَّا مُنتَقِمُونَ ﴾ أي ننتقم منهم في ذلك اليوم.

فإن قلت: بم انتصب يوم نبطش؟

قلت: بما دل عليه ﴿ إِنَّا مُنتَقِمُونَ ﴾ وهو ننتقم.

ولا يصح أن ينتصب بمنتقمون، لأن (إن) تحجب عن ذلك.

وقرئ ﴿ نبطش ﴾ بضم الطاء.

وقرأ الحسن ﴿ نبطش ﴾ بضم النون، كأنه يحمل الملائكة على أن يبطشوا بهم البطشة الكبرى.

أو يجعل البطشة الكبرى باطشة بهم.

وقيل: ﴿ البطشة الكبرى ﴾ : يوم بدر.

<div class="verse-tafsir"

۞ وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَآءَهُمْ رَسُولٌۭ كَرِيمٌ ١٧ أَنْ أَدُّوٓا۟ إِلَىَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ۖ إِنِّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌۭ ١٨ وَأَن لَّا تَعْلُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنِّىٓ ءَاتِيكُم بِسُلْطَـٰنٍۢ مُّبِينٍۢ ١٩ وَإِنِّى عُذْتُ بِرَبِّى وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ ٢٠ وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُوا۟ لِى فَٱعْتَزِلُونِ ٢١

وقرئ ﴿ ولقد فتنا ﴾ بالتشديد للتأكيد.

أو لوقوعه على القوم.

ومعنى الفتنة: أنه أمهلهم ووسع عليهم في الرزق؛ فكان ذلك سبباً في ارتكابهم المعاصي واقتراقهم الآثام.

أو ابتلاهم بإرسال موسى إليهم ليؤمنوا، فاختاروا الكفر على الإيمان، أو سلبهم ملكهم وأغرقهم ﴿ كَرِيمٌ ﴾ على الله وعلى عباده المؤمنين.

أو كريم في نفسه، لأنّ الله لم يبعث نبياً إلا من سراة قومه وكرامهم ﴿ أَنْ أدوا إِلَىَّ ﴾ هي أن المفسرة، لأن مجيء الرسول من بعث إليهم متضمن لمعنى القول لأنه لا يجيئهم إلا مبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله.

أو المخففة من الثقيلة ومعناه: وجاءهم بأن الشأن والحديث أدّوا إليّ ﴿ عِبَادَ الله ﴾ مفعول به وهم بنو إسرائيل، يقول: أدوهم إليّ وأرسلوهم معي، كقوله تعالى: ﴿ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِى إسرائيل وَلاَ تُعَذّبْهُمْ ﴾ [طه: 47] ويجوز أن يكون نداء لهم على: أدوا إليّ يا عباد الله ما هو واجب لي عليكم من الإيمان لي وقبول دعوتي واتباع سبيلي، وعلل ذلك بأنه ﴿ رَسُولٌ أَمِينٌ ﴾ غير ظنين قد ائتمنه الله على وحيه ورسالته ﴿ وَأَن لاَّ تَعْلُواْ ﴾ أن هذه مثل الأولى في وجهيها، أي: لا تستكبروا ﴿ عَلَى الله ﴾ بالاستهانة برسوله ووحيه.

أو لا تستكبروا على نبيّ الله ﴿ بسلطان مُّبِينٍ ﴾ بحجة واضحة ﴿ أَن تَرْجُمُونِ ﴾ أن تقتلون.

وقرئ ﴿ عت ﴾ بالإدغام.

ومعناه أنه عائذ بربه متكل على أنه يعصمه منهم ومن كيدهم، فهو غير مبال بما كانوا يتوعدونهُ به من الرجم والقتل ﴿ فاعتزلون ﴾ يريد: إن لم يؤمن لي فلا موالاة بيني وبين من لا يؤمنوا، فتنحوا عني واقطعوا أسباب الوصلة عني، أي: فخلوني كفافاً لا لي ولا عليّ، ولا تتعرضوا لي بشركم وأذاكم؛ فليس جزاء من دعاكم إلى ما فيه فلاحكم ذلك.

<div class="verse-tafsir"

فَدَعَا رَبَّهُۥٓ أَنَّ هَـٰٓؤُلَآءِ قَوْمٌۭ مُّجْرِمُونَ ٢٢ فَأَسْرِ بِعِبَادِى لَيْلًا إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ ٢٣ وَٱتْرُكِ ٱلْبَحْرَ رَهْوًا ۖ إِنَّهُمْ جُندٌۭ مُّغْرَقُونَ ٢٤

﴿ أَنَّ هاؤلآء ﴾ بأن هؤلاء، أي: دعا ربه بذلك.

قيل: كان دعاؤه: اللَّهم عجل لهم ما يستحقونه بإجرامهم: وقيل هو قوله: ﴿ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لّلْقَوْمِ الظالمين ﴾ [يونس: 85] وإنما ذكر الله تعالى السبب الذي استوجبوا به الهلاك، وهو كونهم مجرمين.

وقرئ ﴿ إنّ هؤلاء ﴾ بالكسر على إضمار القول، أي: فدعا ربه فقال: إن هؤلاء ﴿ فَأَسْرِ ﴾ قرئ بقطع الهمزة من أسرى، ووصلها من سرى.

وفيه وجهان: إضمار القول بعد الفاء، فقال: أسر بعبادي.

وأن يكون جواب شرط محذوف، كأنه قيل: قال إن كان الأمر كما تقول فأسر ﴿ بِعِبَادِى ﴾ يعني: فأسر ببني إسرائيل، فقد دبر الله أن تتقدموا ويتبعكم فرعون وجنوده، فينجي المتقدمين ويغرق التابعين.

الرهو فيه وجهان، أحدهما: أنه الساكن.

قال الأعشى: يَمْشِينَ رَهْواً فَلاَ الأَعْجَازُ خَاذِلَةٌ ** وَلاَ الصُّدُورُ عَلَى الأَعْجَازِ تَتَّكِلُ أي مشياً ساكناً على هينة.

أراد موسى لما جاوز البحر أن يضربه بعصاه فينطبق، كما ضربه فانفلق، فأمر بأن يتركه ساكناً على هيئته، قارّاً على حاله: من انتصاب الماء، وكون الطريق يبساً لا يضربه بعصاه ولا يغير منه شيئاً ليدخله القبط، فإذا حصلوا فيه أطبقه الله عليهم.

والثاني: أن الرهو الفجوة الواسعة.

وعن بعض العرب: أنه رأى جملاً فالجاً فقال: سبحان الله، رهوٌ بين سنامين، أي: اتركه مفتوحاً على حاله منفرجاً ﴿ إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ ﴾ وقرئ بالفتح، بمعنى: لأنهم.

<div class="verse-tafsir"

كَمْ تَرَكُوا۟ مِن جَنَّـٰتٍۢ وَعُيُونٍۢ ٢٥ وَزُرُوعٍۢ وَمَقَامٍۢ كَرِيمٍۢ ٢٦ وَنَعْمَةٍۢ كَانُوا۟ فِيهَا فَـٰكِهِينَ ٢٧

والمقام الكريم: ما كان لهم من المجالس والمنازل الحسنة.

وقيل: المنابر.

والنعمة- بالفتح- من التنعم، وبالكسر- من الإنعام.

وقرئ: ﴿ فاكهين ﴾ وفكهين.

<div class="verse-tafsir"

كَذَٰلِكَ ۖ وَأَوْرَثْنَـٰهَا قَوْمًا ءَاخَرِينَ ٢٨ فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلْأَرْضُ وَمَا كَانُوا۟ مُنظَرِينَ ٢٩

﴿ كذلك ﴾ الكاف منصوبة على معنى: مثل ذلك الإخراج أخرجناهم منها ﴿ وأورثناها ﴾ أو في موضع الرفع على الأمر كذلك ﴿ قَوْماً ءَاخَرِينَ ﴾ ليسوا منهم في شيء من قرابة ولا دين ولا ولاء، وهم بنو إسرائيل: كانوا متسخرين مستعبدين في أيديهم، فأهلكهم الله على أيديهم، وأورثهم ملكهم وديارهم.

إذا مات رجل خطير قالت العرب في تعظيم مهلكة: بكت عليه السماء والأرض، وبكته الريح، وأظلمت له الشمس.

وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من مؤمن مات في غربة غابت فيها بواكيه إلا بكت عليه السماء والأرض» وقال جرير: تَبْكِي عَلَيْكَ نُجُومَ اللَّيْلِ وَالْقَمَرَا وقالت الخارجية: أَيَا شَجَرَ الْخَابُورِ مَالَكَ مُورِقا ** كَأَنَّكَ لَمْ تَجْزَعْ عَلَى ابْنِ طَرِيفِ وذلك على سبيل التمثيل والتخييل مبالغة في وجوب الجزع والبكاء عليه، وكذلك ما يروى عن ابن عباس رضي الله عنهما: من بكاء مصلي المؤمن، وآثاره في الأرض، ومصاعد عمله، ومهابط رزقه في السماء تمثيل، ونفي ذلك عنهم في قوله تعالى: ﴿ فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السماء والأرض ﴾ فيه تهكم بهم وبحالهم المنافية لحال من يعظم فقده: فيقال فيه: بكت عليه السماء والأرض.

وعن الحسن: فما بكى عليهم الملائكة والمؤمنون، بل كانوا بهلاكهم مسرورين، يعني: فما بكى عليهم أهل السماء وأهل الأرض ﴿ وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ ﴾ لما جاء وقت هلاكهم لم ينظروا إلى وقت آخر، ولم يمهلوا إلى الآخرة، بل عجل لهم في الدنيا.

<div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ مِنَ ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ ٣٠ مِن فِرْعَوْنَ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَالِيًۭا مِّنَ ٱلْمُسْرِفِينَ ٣١

﴿ مِن فِرْعَوْنَ ﴾ بدل من العذاب المهين، كأنه في نفسه كان عذاباً مهيناً، لإفراطه في تعذيبهم وإهانتهم.

ويجوز أن يكون المعنى: من العذاب المهين واقعاً من جهة فرعون.

وقرئ: ﴿ من عذاب المهين ﴾ ووجهه أن يكون تقدير قوله: ﴿ مِن فِرْعَوْنَ ﴾ : من عذاب فرعون، حتى يكون المهين هو فرعون.

وفي قراءة ابن عباس: من فرعون، لما وصف عذاب فرعون بالشدة والفظاعة قال: من فرعون، على معنى: هل تعرفونه من هو في عتوّه وشيطنته، ثم عرف حاله في ذلك بقوله: ﴿ إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِّنَ المسرفين ﴾ أي كبيراً رفيع الطبقة، ومن بينهم فائقاً لهم، بليغاً في إسرافه.

أو عالياً متكبراً، كقوله تعالى: ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الارض ﴾ [القصص: 4] .

و ﴿ مِّنَ المسرفين ﴾ خبر ثان، كأنه قيل: إنه كان متكبراً مسرفاً.

<div class="verse-tafsir"

وَلَقَدِ ٱخْتَرْنَـٰهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ ٣٢ وَءَاتَيْنَـٰهُم مِّنَ ٱلْـَٔايَـٰتِ مَا فِيهِ بَلَـٰٓؤٌۭا۟ مُّبِينٌ ٣٣ إِنَّ هَـٰٓؤُلَآءِ لَيَقُولُونَ ٣٤

الضمير في ﴿ اخترناهم ﴾ لبني إسرائيل.

و ﴿ على عِلْمٍ ﴾ في موضع الحال، أي: عالمين بمكان الخيرة، وبأنهم أحقاء بأن يختاروا.

ويجوز أن يكون المعنى: مع علم منا بأنهم يزيغون ويفرط منهم الفرطات في بعض الأحوال ﴿ عَلَى العالمين ﴾ على عالمي زمانهم.

وقيل: على الناس جميعاً لكثرة الأنبياء منهم ﴿ مِنَ الأيات ﴾ من نحو فلق البحر وتظليل الغمام وإنزال المنّ والسلوى، وغير ذلك من الآيات العظام التي لم يظهر الله في غيرهم مثلها ﴿ بلاؤا مُّبِينٌ ﴾ نعمة ظاهرة؛ لأنّ الله تعالى يبلو بالنعمة كما يبلو بالمصيبة.

أو اختبار ظاهر لننظر كيف تعملون، كقوله تعالى: ﴿ وَفِى ذلكم بَلاء مِّن رَّبّكُمْ عَظِيمٌ ﴾ [البقرة: 49] .

<div class="verse-tafsir"

إِنْ هِىَ إِلَّا مَوْتَتُنَا ٱلْأُولَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ ٣٥ فَأْتُوا۟ بِـَٔابَآئِنَآ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ٣٦

﴿ هاؤلاء ﴾ إشارة إلى كفار قريش، فإن قلت: كان الكلام واقعاً في الحياة الثانية لا في الموت، فهلا قيل: إن هي إلا حياتنا الأولى وما نحن بمنشرين؟

كما قيل: ﴿ إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين ﴾ [الأنعام: 29] ؟

وما معنى قوله: ﴿ إِنْ هِىَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا الاولى ﴾ ؟

وما معنى ذكر الأولى؟

كأنهم وعدوا موتة أخرى حتى نفوها وجحدوها وأثبتوا الأولى؟

قلت: معناه والله الموفق للصواب-: أنه قيل لهم: إنكم تموتون موتة تتعقبها حياة، كما تقدّمتكم موتة قد تعقبتها حياة، وذلك قوله عزّ وجل: ﴿ وَكُنتُمْ أمواتا فأحياكم ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ﴾ [البقرة: 28] فقالوا: (إن هي إلا موتتنا الأولى) يريدون: ما الموتة التي من شأنها أن يتعقبها حياة إلا الموتة الأولى دون الموتة الثانية، وما هذه الصفة التي تصفون بها الموتة من تعقب الحياة لها إلا للموتة الأولى خاصة، فلا فرق إذاً بين هذا وبين قوله: ﴿ إِنْ هِىَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا ﴾ في المعنى.

يقال: أنشر الله الموتى ونشرهم: إذا بعثهم ﴿ فَأْتُواْ بِئَابَآئِنَآ ﴾ هذا خطاب للذين كانوا يعدونهم النشور: من رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، أي: إن صدقتم فيما تقولون فعجلوا لنا إحياء من مات من آبائنا بسؤالكم ربكم ذلك حتى يكون دليلاً على أنّ ما تعدونه من قيام الساعة وبعث الموتى حق، وقيل كانوا يطلبون إليهم أن يدعوا الله فينشر لهم قصيّ بن كلاب ليشاوروه، فإنه كان كبيرهم ومشاورهم في النوازل ومعاظم الشؤون.

<div class="verse-tafsir"

أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍۢ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ أَهْلَكْنَـٰهُمْ ۖ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ مُجْرِمِينَ ٣٧

هو تبع الحميري: كان مؤمناً وقومه كافرين؛ ولذلك ذمّ الله قومه ولم يذمه، وهو الذي سار بالجيوش وحير الحيرة وبني سمرقند.

وقيل: هدمها وكان إذا كتب قال: بسم الله الذي ملك برّاً وبحراً.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا تبعاً فإنه كان قد أسلم» وعنه عليه الصلاة والسلام: «ما أدري أكان تبع نبياً أو غير نبي» وعن ابن عباس رضي الله عنهما: كان نبياً.

وقيل: نظر إلى قبرين بناحية حمير قال: هذا قبر رضوي وقبر حبى بنتيّ تبع لا تشركان بالله شيئاً.

وقيل: هو الذي كسا البيت.

وقيل لملوك اليمن: التبابعة، لأنهم يتبعون، كما قيل: الأقيال، لأنهم يُتَقيلون وسمي الظل ﴿ تبعاً ﴾ لأنه يتبع الشمس.

فإن قلت: ما معنى قوله تعالى: ﴿ أَهُمْ خَيْرٌ ﴾ ولا خير في الفريقين؟

قلت: معناه أهم خير في القوّة والمنعة، كقوله تعالى: ﴿ أكفاركم خَيْرٌ مّنْ أُوْلَئِكُمْ ﴾ [القمر: 43] بعد ذكر آل فرعون.

وفي تفسير ابن عباس رضي الله عنهما: أهم أشدّ أم قوم تبع.

<div class="verse-tafsir"

وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَـٰعِبِينَ ٣٨ مَا خَلَقْنَـٰهُمَآ إِلَّا بِٱلْحَقِّ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ٣٩ إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ مِيقَـٰتُهُمْ أَجْمَعِينَ ٤٠ يَوْمَ لَا يُغْنِى مَوْلًى عَن مَّوْلًۭى شَيْـًۭٔا وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ ٤١ إِلَّا مَن رَّحِمَ ٱللَّهُ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ٤٢

﴿ وَمَا بَيْنَهُمَا ﴾ وما بين الجنسين.

وقرأ عبيد بن عمير: وما بينهن.

وقرأ ﴿ ميقاتهم ﴾ بالنصب على أنه اسم إن، ويوم الفصل؛ خبرها، أي: إنّ ميعاد حسابهم وجزائهم في يوم الفصل ﴿ لاَ يُغْنِى مَوْلًى ﴾ أيّ مولى كان من قرابة أو غيرها ﴿ عَن مَّوْلًى ﴾ عن أي مولى كان ﴿ شَيْئاً ﴾ من إغناء.

أي: قليلاً منه ﴿ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ ﴾ الضمير للموالي؛ لأنهم في المعنى كثير، لتناول اللفظ على الإبهام والشياع كل مولى ﴿ إِلاَّ مَن رَّحِمَ الله ﴾ في محل الرفع على البدل من الواو في ﴿ يُنصَرُونَ ﴾ أي: لا يمنع من العذاب إلا من رحمهُ الله.

ويجوز أن ينتصب على الاستثناء ﴿ إِنَّهُ هُوَ العزيز ﴾ لا ينصر منه من عصاه ﴿ الرحيم ﴾ لمن أطاعه.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ شَجَرَتَ ٱلزَّقُّومِ ٤٣ طَعَامُ ٱلْأَثِيمِ ٤٤ كَٱلْمُهْلِ يَغْلِى فِى ٱلْبُطُونِ ٤٥ كَغَلْىِ ٱلْحَمِيمِ ٤٦ خُذُوهُ فَٱعْتِلُوهُ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ ٤٧ ثُمَّ صُبُّوا۟ فَوْقَ رَأْسِهِۦ مِنْ عَذَابِ ٱلْحَمِيمِ ٤٨ ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ ٤٩ إِنَّ هَـٰذَا مَا كُنتُم بِهِۦ تَمْتَرُونَ ٥٠

قرئ: ﴿ إنّ شجرت الزقوم ﴾ بكسر الشين، وفيها ثلاث لغات: شجرة، بفتح الشين وكسرها وشيرة، بالياء.

وروى أنه لما نزل ﴿ أذلك خَيْرٌ نُّزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزقوم ﴾ [الصافات: 62] قال ابن الزبعرى: إنّ أهل اليمن يدعون أكل الزبد والتمر: التزقم، فدعا أبو جهل بتمر وزبد فقال: تزقموا فإنّ هذا هو الذي يخوّفكم به محمد، فنزل ﴿ إِنَّ شَجَرَةَ الزقوم (43) طَعَامُ الأثيم (44) ﴾ [الدخان: 44] وهو الفاجر الكثير الآثام.

وعن أبي الدرداء أنه كان يقرئ رجلاً فكان يقول طعام اليثيم، فقال: قل طعام الفاجر يا هذا.

وبهذا يستدل على أنّ إبدال كلمة مكان كلمة جائز إذا كانت مؤدية معناها.

ومنه أجاز أبو حنيفة القراءة بالفارسية على شريطة، وهي: أن يؤدي القارئ المعاني على كمالها من غير أن يخرم منها شيئاً.

قالوا: وهذه الشريطة تشهد أنها إجازة كلا إجازة؛ لأنّ في كلام العرب خصوصاً في القرآن الذي هو معجز بفصاحته وغرابة نظمه وأساليبه من لطائف المعاني والأغراض ما لا يستقل بأدائه لسان من فارسية وغيرها، وما كان أبو حنيفة رحمه الله يحسن الفارسية، فلم يكن ذلك منه عن تحقق وتبصر، وروى علي بن الجعد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة مثل قول صاحبيه في إنكار القراءة بالفارسية ﴿ كالمهل ﴾ قرئ: بضم الميم وفتحها، وهو دردي الزيت.

ويدل عليه قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ تَكُونُ السماء كالمهل ﴾ [المعارج: 8] مع قوله: ﴿ فَكَانَتْ وَرْدَةً كالدهان ﴾ [الرحمن: 37] وقيل: هو ذائب الفضة والنحاس، والكاف رفع خبر بعد خبر، وكذلك ﴿ يَغْلِى ﴾ وقرئ: بالتاء للشجرة، وبالياء للطعام.

و ﴿ الحميم ﴾ الماء الحار الذي انتهى غليانه: يقال للزبانية ﴿ خُذُوهُ فاعتلوه ﴾ فقودوه بعنف وغلظة، وهو أن يؤخذ بتلبيب الرجل فيجر إلى حبس أو قتل.

ومنه ﴿ العتلّ ﴾ وهو الغليظ الجافي.

وقرئ: بكسر التاء وضمها ﴿ إلى سَوَآءِ الجحيم ﴾ إلى وسطها ومعظمها.

فإن قلت: هلا قيل: صبوا فوق رأسه من الحميم، كقوله تعالى: ﴿ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءوسِهِمُ الحميم ﴾ [الحج: 19] لأنّ الحميم هو المصبوب لا عذابه؟

قلت: إذا صب عليه الحميم فقد صب عليه عذابه وشدّته، إلا أنّ صب العذاب طريقة الاستعارة، كقوله: صُبَّتْ عَلَيْهِ صُرُوفُ الدَّهْرِ مِنْ صَبَبِ وكقوله تعالى: ﴿ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا ﴾ [البقرة: 250] فذكر العذاب معلقاً به الصب، مستعاراً له، ليكون أهول وأهيب يقال: ﴿ ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الكريم (49) ﴾ على سبيل الهزؤ والتهكم بمن كان يتعزز ويتكرم على قومه.

وروي أنّ أبا جهل قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بين جبليها أعز ولا أكرم مني، فوالله ما تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا بي شيئاً.

وقرئ: «إنك» بمعنى: لأنك.

وعن الحسن بن علي رضي الله عنهما أنه قرأ به على المنبر ﴿ إِنَّ هذا ﴾ العذاب.

أو إن هذا الأمر هو ﴿ مَا كُنتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ ﴾ أي تشكون.

أو تتمارون وتتلاجون.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى مَقَامٍ أَمِينٍۢ ٥١ فِى جَنَّـٰتٍۢ وَعُيُونٍۢ ٥٢ يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍۢ وَإِسْتَبْرَقٍۢ مُّتَقَـٰبِلِينَ ٥٣ كَذَٰلِكَ وَزَوَّجْنَـٰهُم بِحُورٍ عِينٍۢ ٥٤ يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَـٰكِهَةٍ ءَامِنِينَ ٥٥ لَا يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلْمَوْتَ إِلَّا ٱلْمَوْتَةَ ٱلْأُولَىٰ ۖ وَوَقَىٰهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ ٥٦ فَضْلًۭا مِّن رَّبِّكَ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ٥٧

قرئ: ﴿ في مقام ﴾ بالفتح: وهو موضع القيام، والمراد المكان، وهو من الخاص الذي وقع مستعملاً في معنى العموم.

وبالضم: وهو موضع الإقامة.

و ﴿ الأمين ﴾ من قولك: أمن الرجل أمانة فهو أمين.

وهو ضد الخائن، فوصف به المكان استعارة؛ لأنّ المكان المخيف كأنما يخون صاحبه بما يلقى فيه من المكاره.

قيل: السندس: ما رق من الديباج.

والإستبرق: ما غلظ منه وهو تعريب استبر.

فإن قلت: كيف ساغ أن يقع في القرآن العربي المبين لفظ أعجمي؟

قلت: إذا عرب خرج من أن يكون عجمياً؛ لأن معنى التعريب أن يجعل عربياً بالتصرف فيه، وتغييره عن منهاجه، وإجرائه على أوجه الإعراب ﴿ كذلك ﴾ الكاف مرفوع على الأمر كذلك.

أو منصوب على: مثل ذلك أثبناهم ﴿ وزوجناهم ﴾ وقرأ عكرمة ﴿ بحور عين ﴾ على الإضافة: والمعنى: بالحور من العين؛ لأن العين إما أن تكون حوراً أو غير حور، فهؤلاء من الحور العين لا من شهلهن مثلاً.

وفي قراءة عبد الله: ﴿ بعيس عين ﴾ والعيساء: البيضاء تعلوها حمرة وقرأ عبيد بن عمير ﴿ لا يذاقون فيها الموت ﴾ وقرأ عبد الله ﴿ لا يذوقون فيها طعم الموت ﴾ ، فإن قلت: كيف استثنيت الموتة الأولى- المذوقة قبل دخول الجنة- من الموت المنفي ذوقه فيها؟

قلت: أريد أن يقال: لا يذوقون فيها الموت البتة، فوضع قوله: ﴿ إِلاَّ الموتة الأولى ﴾ موضع ذلك؛ لأن الموتة الماضية محال ذوقها في المستقبل، فهو من باب التعليق بالمحال، كأنه قيل: إن كانت الموتة الأولى يستقيم ذوقها في المستقبل فإنهم يذوقونها.

وقرئ: ﴿ ووقاهم ﴾ بالتشديد ﴿ فَضْلاً مّن رَّبِّكَ ﴾ عطاء من ربك وثواباً، يعني: كل ما أعطى المتقين من نعيم الجنة والنجاة من النار.

وقرئ: ﴿ فضل ﴾ أي: ذلك فضل.

<div class="verse-tafsir"

فَإِنَّمَا يَسَّرْنَـٰهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ٥٨ فَٱرْتَقِبْ إِنَّهُم مُّرْتَقِبُونَ ٥٩

﴿ فَإِنَّمَا يسرناه بِلَسَانِكَ ﴾ فذلكة للسورة.

ومعناها: ذكرهم بالكتاب المبين (فإنما يسرناه) أي: سهلناه، حيث أنزلناه عربياً بلسانك بلغتك إرادة أن يفهمه قومك فيتذكروا ﴿ فارتقب ﴾ فانتظر ما يحل بهم ﴿ إِنَّهُمْ مُّرْتَقِبُونَ ﴾ ما يحل بك متربصون بك الدوائر.

عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة حم الدخان في ليلة أصبح يستغفر له سبعون ألف ملك» وعنه عليه السلام: «من قرأ سورة حم التي ذكر فيها الدخان في ليلة جمعة أصبح مغفوراً له» .

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله