الإسلام > القرآن > تفسير > الكشاف > تفسير سورة الجاثية
تفسيرُ سورةِ الجاثية كاملةً من تفسير الكشاف (الزمخشري) (جار الله الزمخشري).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 21 دقيقة قراءة﴿ حم ﴾ إن جعلتها اسماً مبتدأ مخبراً عنه ب ﴿ تَنزِيلُ الكتاب ﴾ لم يكن بدّمن حذف مضاف، تقديره: تنزيل حم تنزيل الكتاب.
و ﴿ مِنَ الله ﴾ صلة للتنزيل، وإن جعلتها تعديداً للحروف كان (تنزيل الكتاب) مبتدأ، والظرف خبراً ﴿ إِنَّ فىلسماوات والارض ﴾ يجوزأن يكون على ظاهره، وأن يكون المعنى؛ إنّ في خلق السموات لقوله: ﴿ وَفِى خَلْقِكُمْ ﴾ فإن قلت: علام عطف ﴿ وَمَا يَبُثُّ ﴾ أعلى الخلق المضاف؟
أم على الضمير المضاف إليه؟
قلت: بل على المضاف، لأنّ المضاف إليه ضمير متصل مجرور يقبح العطف عليه، استقبحوا أن يقال: مررت بك وزيد، وهذا أبوك وعمرو، وكذلك إن أكدوه كرهوا أن يقولوا: مررت بك أنت وزيد.
قرئ ﴿ آيات لقوم يوقنون ﴾ بالنصب والرفع، على قولك: إنّ زيداً في الدار وعمراً في السوق.
أو عمرو في السوق.
وأمّا قوله: (آيات لقوم يعقلون) فمن العطف على عاملين، سواء نصبت أو رفعت، فالعاملان إذا نصبت هما: إن، وفي، أقيمت الواو مقامهما، فعملت الجر في (واختلاف الليل والنهار)، والنصب في ﴿ ءايات ﴾ .
وإذا رفعت فالعاملان: الابتداء وفي عملت الرفع في ﴿ لأيات ﴾ ، والجر في ﴿ واختلاف ﴾ وقرأ ابن مسعود ﴿ وفي اختلاف الليل والنهار ﴾ فإن قلت: العطف على عاملين على مذهب الأخفش سديد لا مقال فيه.
وقد أباه سيبويه، فما وجه تخريج الآية عنده؟
قلت: فيه وجهان عنده.
أحدهما: أن يكون على إضمار في.
والذي حسنه تقدّم ذكره في الآيتين قبلها.
ويعضده قراءة ابن مسعود.
والثاني: أن ينتصب آيات على الاختصاص بعد انقضاء المجرور معطوفاً على ما قبله أو على التكرير، ورفعها بإضمار هي: وقرئ: ﴿ واختلاف الليل والنهار ﴾ بالرفع.
وقرئ ﴿ آية ﴾ وكذلك وما يبث من دابة آية.
وقرئ ﴿ وتصريف الريح ﴾ والمعنى: إنّ المنصفين من العباد إذا نظروا في السموات والأرض النظر الصحيح، علموا أنها مصنوعة، وأنه لابد لها من صانع، فآمنوا بالله وأقرّوا، فإذا نظروا في خلق أنفسهم وتنقلها من حال إلى حال وهيئة إلى هيئة، وفي خلق ما على ظهر الأرض من صنوف الحيوان: ازدادوا إيماناً، وأيقنوا وانتفى عنهم اللبس؛ فإذا نظروا في سائر الحوادث التي تتجدّد في كل وقت كاختلاف الليل والنهار ونزول الأمطار وحياة الأرض بها بعد موتها.
﴿ وَتَصْرِيفِ الرياح ﴾ جنوباً وشمالاً وقبولاً ودبوراً: عقلوا واستحكم علمهم وخلص يقينهم، وسُمّيَ المطر رزقاً؛ لأنه سبب الرزق ﴿ تِلْكَ ﴾ إشارة إلى الآيات المتقدّمة، أي: تلك الآيات آيات الله.
و ﴿ نَتْلُوهَا ﴾ في محل الحال، أي: متلوة ﴿ عَلَيْكَ بالحق ﴾ والعامل ما دل عليه تلك من معنى الإشارة.
ونحوه: ﴿ هذا بعلي شيخاً ﴾ [هود: 72] وقرئ ﴿ يتلوها ﴾ بالياء ﴿ بَعْدَ الله وءاياته ﴾ أي بعد آيات الله كقولهم: أعجبني زيد وكرمه، يريدون: أعجبني كرم زيد.
ويجوز أن يراد: بعد حديث الله، وهو كتابه وقرآنه، كقوله تعالى؛ ﴿ الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الحديث ﴾ [الزمر: 23] .
وقرئ ﴿ يُؤْمِنُونَ ﴾ بالتاء والياء.
<div class="verse-tafsir"
الأفاك: الكذاب، والأثيم: المتبالغ في اقتراف الآثام ﴿ يُصِرُّ ﴾ يقبل على كفره ويقيم عليه.
وأصله من إصرار الحمار على العانة وهو أن ينحى عليها صارّاً أذنيه ﴿ مُسْتَكْبِراً ﴾ عن الإيمان بالآيات والإذعان لما ينطق به من الحق، مزدرياً لها معجباً بما عنده.
قيل: نزلت في النضر بن الحرث وما كان يشتري من أحاديث الأعاجم، ويشغل الناس بها عن استماع القرآن.
والآية عامّة في كل ما كان مضارّاً لدين الله.
فإن قلت: ما معنى ثم في قوله: ﴿ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً ﴾ ؟
قلت: كمعناه في قول القائل: يَرَى غَمَرَاتِ المَوْتِ ثُمَّ يَزُورُها وذلك أنّ غمرات الموت حقيقة، بأن ينجو رائيها بنفسه ويطلب الفرار عنها.
وأمّا زيارتها والإقدام على مزاولتها.
فأمر مستبعد، فمعنى ثم: الإيذان بأن فعل المقدّم عليها بعدما رآها وعاينها؛ شيء يستعبد في العادات والطباع، وكذلك آيات الله الواضحة الناطقة بالحق، من تليت عليه وسمعها: كان مستبعداً في العقول إصراره على الضلالة عندها واستكباره عن الإيمان بها ﴿ كَأَن ﴾ مخففة، والأصل كأنه لم يسمعها: والضمير ضمير الشأن، كما في قوله: كَأَنْ ظَبْيَةً تعطو إِلَى نَاضِرِ السَّلَمْ ومحل الجملة النصب على الحال.
أي: يصر مثل غير السامع ﴿ وَإِذَا ﴾ بلغه شيء من آياتنا وعلم أنه منها ﴿ اتخذها ﴾ أي اتخذ الآيات ﴿ هُزُواً ﴾ ولم يقل: اتخذه، للإشعار بأنه إذا أحس بشيء من الكلام أنه من جملة الآيات التي أنزلها الله تعالى على محمد صلى الله عليه وسلم: خاض في الاستهزاء بجميع الآيات.
ولم يقتصر على الاستهزاء بما بلغه، ويحتمل: وإذا علم من آياتنا شيئاً يمكن أن يتشبث به المعاند ويجد له محملاً يتسلق به على الطعن والغميزة: افترصه واتخذ آيات الله هزواً، وذلك نحو افتراص ابن الزبعري قوله عز وجل: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ [الأنبياء: 98] ومغالطته رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقوله: خصتمك.
ويجوز أن يرجع الضمير إلى شيء؛ لأنه في معنى الآية كقول أبي العتاهية: نَفْسِي بِشَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا مُعَلَّقَةٌ ** أللَّهُ وَالْقَائِمُ الْمَهْدِيُّ يَكْفِيَهَا حيث أراد عتبة.
وقرئ: ﴿ علم أولئك ﴾ إشارة إلى كل أفاك أثيم، لشموله الأفاكين.
والوراء اسم للجهة التي يواريها الشخص من خلف أو قدام.
قال: أَلَيْسَ وَرَائِي أَنْ تَرَاخَتْ مَنِيَّتِي ** أَدِبُّ مَعَ الْوِلْدَانِ أَزْحَفُ كَالنَّسْرِ ومنه قوله عز وجل: ﴿ مِّن وَرَائِهِمْ ﴾ أي من قدّامهم ﴿ مَّا كَسَبُواْ ﴾ من الأموال في رحلهم ومتاجرهم ﴿ وَلاَ مَا اتخذوا مِن دُونِ الله ﴾ من الأوثان.
<div class="verse-tafsir"
﴿ هذا ﴾ إشارة إلى القرآن، يدل عليه قوله تعالى: ﴿ والذين كَفَرُواْ بأايات رَبِّهِمْ ﴾ لأنّ آيات ربهم هي القرآن، أي هذا القرآن كامل في الهداية، كما تقول: زيد رجل، تريد كامل في الرجولية.
وأيما رجل.
والرجز: أشد العذاب.
وقرئ بجر ﴿ أليم ﴾ ورفعه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ ﴾ بالتجارة أو بالغوص على اللؤلؤ والمرجان واستخراج اللحم الطري وغير ذلك من منافع البحر.
فإن قلت: ما معنى ﴿ مِّنْهُ ﴾ في قوله: ﴿ جَمِيعاً مِّنْهُ ﴾ وما موقعها من الإعراب، قلت: هي واقعة موقع الحال، والمعنى: أنه سخر هذه الأشياء كائنة منه وحاصلة من عنده، يعني: أنه مكوّنها وموجدها بقدرته وحكمته، ثم مسخرها لخلقه.
ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هي جميعاً منه، وأن يكون ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ ﴾ تأكيداً لقوله تعالى: ﴿ سَخَّرَ لَكُم ﴾ ثم ابتدئ قوله: ﴿ مَّا فِي السماوات وَمَا فِي الارض جَمِيعاً مِّنْهُ ﴾ وأن يكون ﴿ وَمَا فِي الأرض ﴾ مبتدأ، و ﴿ مِّنْهُ ﴾ خبره.
وقرأ ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ منة ﴾ وقرأ سلمة بن محارب: منه، على أن يكون منه فاعل سخر على الإسناد المجازي.
أو على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: ذلك.
أو هو منه.
<div class="verse-tafsir"
حذف المقول لأنّ الجواب دال عليه.
والمعنى: قل لهم اغفروا يغفروا ﴿ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ الله ﴾ لا يتوقعون وقائع الله بأعدائه، من قولهم لوقائع العرب: أيام العرب.
وقيل: لا يأملون الأوقات التي وقتها الله لثواب المؤمنين ووعدهم الفوز فيها.
قيل: نزلت قبل آية القتال، ثم نسخ حكمها.
وقيل: نزولها في عمر رضي الله عنه وقد شتمه رجل من غفار فهمّ أن يبطش به وعن سعيد بن المسيب: كنا بين يدي عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقرأ قارئ هذه الآية، فقال عمر: ليجزى عمر بما صنع ﴿ لِيَجْزِىَ ﴾ تعليل للأمر بالمغفرة، أي: إنما أمروا بأن يغفروا لما أراده الله من توفيتهم جزاء مغفرتهم يوم القيامة.
فإن قلت: قوله: ﴿ قَوْماً ﴾ ما وجه تنكيره وإنما أراد الذين آمنوا وهم معارف؟
قلت: هو مدح لهم وثناء عليهم، كأنه قيل: ليجزي أيما قوم وقوماً مخصوصين، لصبرهم وإغضائهم على أذى أعدائهم من الكفار، وعلى ما كانوا يجرعونهم من الغصص ﴿ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ من الثواب العظيم بكظم الغيظ واحتمال المكروه ومعنى قول عمر: ليجزى عمر بما صنع: ليجزى بصبره واحتماله.
وقوله لرسول الله صلى الله عليه وسلم عند نزول الآية: والذي بعثك بالحق لا ترى الغضب في وجهي.
وقرئ ﴿ ليجزى قوماً ﴾ أي: الله عز وجل.
وليجزي قوم.
وليجزى قوماً، على معنى: وليجزي الجزاء قوماً.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الكتاب ﴾ التوراة ﴿ والحكم ﴾ الحكمة والفقه.
أو فصل الخصومات بين الناس؛ لأنّ الملك كان فيهم والنبوّة ﴿ مِّنَ الطيبات ﴾ مما أحل الله لهم وأطاب من الأرزاق ﴿ وفضلناهم عَلَى العالمين ﴾ حيث لم نؤت غيرهم مثل ما آتيناهم ﴿ بينات ﴾ آيات ومعجزات ﴿ مِنَ الأمر ﴾ من أمر الدين، فما وقع بينهم الخلاف في الدين ﴿ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ ﴾ ما هو موجب لزوال الخلاف وهو العلم.
وإنما اختلفوا لبغى حدث بينهم، أو لعداوة وحسد.
<div class="verse-tafsir"
﴿ على شَرِيعَةٍ ﴾ على طريقة ومنهاج ﴿ مِنَ الأمر ﴾ من أمر الدين، فاتبع شريعتك الثابتة بالدلائل والحجج، ولا تتبع ما لا حجة عليه من أهواء الجهال، ودينهم المبنى على هوى وبدعة، وهم رؤساء قريش حين قالوا: ارجع إلى دين أبائك.
ولا توالهم، إنما يوالي الظالمين من هو ظالم مثلهم، وأما المتقون: فوليهم الله وهم موالوه.
وما أبين الفصل بين الولايتين.
<div class="verse-tafsir"
﴿ هذا ﴾ القرآن ﴿ بَصَائِرُ لِلنَّاسِ ﴾ جعل ما فيه من معالم الدين والشرائع بمنزلة البصائر في القلوب.
كما جعل روحاً وحياة وهو هدى من الضلالة، ورحمة من العذاب لمن آمن وأيقن.
وقرئ ﴿ هذه بصائر ﴾ أي: هذه الآيات.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَمْ ﴾ منقطعة.
ومعنى الهمزة فيها إنكار الحسبان.
والاجتراح: الاكتساب.
ومنه الجوارح وفلان جارحة أهله، أي: كاسبهم ﴿ أَن نَّجْعَلَهُمْ ﴾ أي نصيرهم.
وهو من جعل المتعدي إلى مفعولين فأوّلهما الضمير، والثاني: الكاف، والجملة التي هي ﴿ سَوآءً محياهم ومماتهم ﴾ بدل من الكاف؛ لأنَّ الجملة تقع مفعولاً ثانياً، فكانت في حكم المفرد.
ألا تراك لو قلت: أن نجعلهم سواء محياهم ومماتهم كان سديداً، كما تقول: ظننت زيداً أبوه منطلق.
ومن قرأ ﴿ سواء ﴾ بالنصب: أجرى سواء مجرى مستوياً، وارتفع محياهم ومماتهم على الفاعلية، وكان مفرداً غير جملة.
ومن قرأ: ﴿ ومماتهم ﴾ بالنصب، جعل محياهم ومماتهم: ظرفين، كمقدم الحاج وخفوق النجم.
أي سواء: سواء في محياهم وفي مماتهم.
والمعنى: إنكار أن يستوي المسيئون والمحسنون محيا، وأن يستووا مماتاً؛ لافتراق أحوالهم أحياء.
حيث عاش هؤلاء على القيام بالطاعات، وأولئك على ركوب المعاصي.
ومماتاً، حيث مات هؤلاء على البشرى بالرحمة والوصول إلى ثواب الله ورضوانه، وأولئك على اليأس من رحمة الله والوصول إلى هول ما أعدَّ لهم.
وقيل: معناه إنكار أن يستووا في الممات كما استووا في الحياة، لأنّ المسيئين والمحسنين مستو محياهم في الرزق والصحة، وإنما يفترقون في الممات، وقيل: سواء محياهم ومماتهم: كلام مستأنف على معنى: أن محيا المسيئين ومماتهم سواء، وكذلك محيا المحسنين ومماتهم: كل يموت على حسب ما عاش عليه.
وعن تميم الداري رضي الله عنه أنه كان يصلي ذات ليلة عند المقام، فبلغ هذه الآية، فجعل يبكي ويردّد إلى الصباح: ساء ما يحكمون.
وعن الفضيل: أنه بلغها فجعل يردّدها ويبكي ويقول: يا فضيل، ليت شعري من أي الفرقين أنت.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ولتجزى ﴾ معطوف على بالحق، لأنّ فيه معنى التعليل.
أو على معلل محذوف تقديره: خلق الله السموات والأرض، ليدل به على قدرته ولتجزى كل نفس.
<div class="verse-tafsir"
أي: هو مطواع لهوى النفس يتبع ما تدعوه إليه، فكأنه يعبده كما يعبد الرجل إلهه.
وقرئ: ﴿ آلهة هواه ﴾ ، لأنه كان يستحسن الحجر فيعبده، فإذا رأى ما هو أحسن رفضه إليه، فكأنه اتخذ هواه آلهة شتى: يعبد كل وقت واحداً منها ﴿ وَأَضَلَّهُ الله على عِلْمٍ ﴾ وتركه عن الهداية واللطف وخذله على علم، عالماً بأنّ ذلك لا يجدى عليه، وأنه ممن لا لطف له.
أو مع علمه بوجوه الهداية وإحاطته بأنواع الألطاف المحصلة والمقرّبة ﴿ فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ ﴾ إضلال ﴿ الله ﴾ وقرئ ﴿ غشاوة ﴾ بالحركات الثلاث.
وغشوة، بالكسر والفتح.
وقرئ ﴿ تتذكرون ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ نَمُوتُ وَنَحْيَا ﴾ نموت نحن ويحيا أولادنا.
أو يموت بعض ويحيا بعض.
أو نكون مواتاً نطفاً في الأصلاب، ونحيا بعد ذلك.
أو يصيبنا الأمران: الموت والحياة، يريدون: الحياة في الدنيا والموت بعدها، وليس وراء ذلك حياة.
وقرئ: ﴿ نحيا ﴾ بضم النون.
وقرئ ﴿ إلا دهر يمرّ ﴾ ما يقولون ذلك عن علم، ولكن عن ظنّ وتخمين: كانوا يزعمون أنّ مرور الأيام والليالي هو المؤثر في هلاك الأنفس، وينكرون ملك الموت وقبضه الأرواح بأمر الله، وكانوا يضيفون كل حادثة تحدث إلى الدهر والزمان، وترى أشعارهم ناطقة بشكوى الزمان.
ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: «لا تسبوا الدهر، فإنّ الله هو الدهر» أي: فإنّ الله هو الآتي بالحوادث لا الدهر.
<div class="verse-tafsir"
وقرئ ﴿ حجتهم ﴾ بالنصب والرفع، على تقديم خبر كان وتأخيره.
فإن قلت: لم سمى قولهم حجة وليس بحجة؟
قلت: لأنهم أدلوا به كما يدلي المحتج بحجته وساقوه مساقها، فسميت حجة على سبيل التهكم.
أو لأنه في حسبانهم وتقديرهم حجة.
أو لأنه في أسلوب قوله: تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وَجِيعُ كأنه قيل: ما كان حجتهم إلا ما ليس بحجة.
والمراد: نفي أن تكون لهم حجة البتة.
فإن قلت: كيف وقع قوله: ﴿ قُلِ الله يُحْيِيكُمْ ﴾ جواباً لقولهم: ﴿ ائتوا بِئابَآئِنَآ إِن كُنتُمْ صادقين ﴾ ؟
قلت: لما أنكروا البعث وكذبوا الرسل، وحسبوا أنّ ما قالوه قول مبكت.
ألزموا ما هم مقرّون به: من أنّ الله عز وجل هو الذي يحييهم ثم يميتهم، وضم إلى إلزام ذلك إلزام ما هو واجب الإقرار به إن أنصفوا وأصغوا إلى داعي الحق، وهو جمعهم إلى يوم القيامة، ومن كان قادراً على ذلك كان قادراً على الإيتان بآبائهم، وكان أهون شيء عليهم.
<div class="verse-tafsir"
عامل النصب في ﴿ ويَوْمَ تَقُومُ ﴾ يخسر، و ﴿ يَوْمَئِذٍ ﴾ بدل من (يوم تقول) ﴿ جَاثِيَةً ﴾ باركة مستوفزة على الركب.
وقرئ ﴿ جاذية ﴾ والجذّو: أشد استيفازاً من الجثوّ: لأن الجاذي هو الذي يجلس على أطراف أصابعه: وعن ابن عباس رضي الله عنهما: جاثية مجتمعة.
وعن قتادة جماعات من الجثوة، وهي الجماعة، وجمعها: جثى.
وفي الحديث: «من جثى جهنم» وقرئ: ﴿ كُلَّ أُمَّةٍ ﴾ على الابتداء، وكل أمة: على الإبدال من كل أمة ﴿ إلى كتابها ﴾ إلى صحائف أعمالها، فاكتفى باسم الجنس، كقوله تعالى: ﴿ وَوُضِعَ الكتاب فَتَرَى المجرمين مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ ﴾ [الكهف: 49] .
﴿ اليوم تُجْزَوْنَ ﴾ محمول على القول.
فإن قلت: كيف أضيف الكتاب إليهم وإلى الله عزَّ وجل؟
قلت: الإضافة تكون للملابسة، وقد لابسهم ولابسه، أما ملابسته إياهم، فلأن أعمالهم مثبتة فيه.
وأما ملابسته إياه؛ فلأنه مالكه، والآمر ملائكته أن يكتبوا فيه أعمال عباده ﴿ يَنطِقُ عَلَيْكُم ﴾ يشهد عليكم بما عملتم ﴿ بالحق ﴾ من غير زيادة ولا نقصان ﴿ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ ﴾ الملائكة ﴿ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ أي نستكتبهم أعمالكم ﴿ فِى رَحْمَتِهِ ﴾ في جنته.
وجواب أما محذوف تقديره: وأما الذين كفروا فيقال لهم ﴿ أَفَلَمْ تَكُنْ ءاياتي تتلى عَلَيْكُمْ ﴾ والمعنى ألم يأتكم رسلي فلم تكن آياتي تتلى عليكم، فحذف المعطوف عليه.
<div class="verse-tafsir"
وقرئ: ﴿ والساعة ﴾ بالنصب عطفاً على الوعد، وبالرفع عطفاً على محل إن واسمها ﴿ مَا الساعة ﴾ أيّ شيء الساعة؟
فإن قلت: ما معنى (إن نظن إلا ظناً)؟
قلت: أصله نظن ظناً.
ومعناه: إثبات الظن فحسب، فأدخل حرفا النفي والاستثناء، ليفاد إثبات الظن مع نفي ما سواه وزيد نفي ما سوى الظن توكيداً بقوله: ﴿ وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ...
سَيّئَاتُ مَا عَمِلُواْ ﴾ أي قبائح أعمالهم.
أو عقوبات أعمالهم السيئات، كقوله تعالى: ﴿ وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا ﴾ [الشورى: 45] .
<div class="verse-tafsir"
﴿ نَنسَاكُمْ ﴾ نترككم في العذاب كما تركتم عدة ﴿ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هذا ﴾ وهي الطاعة، أو نجعلكم بمنزلة الشيء المنسي غير المبالى به، كما لم تبالوا أنتم بلقاء يومكم ولم تخطروه ببال، كالشيء الذي يطرح نسياً منسياً.
فإن قلت: فما معنى إضافة اللقاء إلى اليوم؟
قلت: كمعنى إضافة المكر في قوله تعالى: ﴿ بَلْ مَكْرُ اليل والنهار ﴾ [سبأ: 33] أي نسيتم لقاء اليوم في يومكم هذا ولقاء جزائه.
وقرئ ﴿ لا يخرجون ﴾ بفتح الياء ﴿ وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ﴾ ولا يطلب منهم أن يعتبوا ربهم أي يرضوه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَلِلَّهِ الحمد ﴾ فاحمدوا الله الذي هو ربكم ورب كل شيء من السموات والأرض والعالمين، فإن مثل هذه الربوبية العامة يوجب الحمد والثناء على كل مربوب.
وكبروه فقد ظهرت آثار كبريائه وعظمته ﴿ فِى السماوات والأرض ﴾ وحق مثله أن يكبر ويعظم.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ حم الجاثية ستر الله عورته وسكن روعته يوم الحساب» .