الإسلام > القرآن > تفسير > الكشاف > تفسير سورة الأحقاف
تفسيرُ سورةِ الأحقاف كاملةً من تفسير الكشاف (الزمخشري) (جار الله الزمخشري).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 37 دقيقة قراءة﴿ إِلاَّ بالحق ﴾ إلا خلقاً ملتبساً بالحكمة والغرض الصحيح (و) بتقدير ﴿ أَجَلٍ مُّسَمًّى ﴾ ينتهى إليه وهو يوم القيامة ﴿ والذين كَفَرُواْ عَمَّا أُنذِرُواْ ﴾ من هول ذلك اليوم الذي لابد لكل خلق من انتهائه إليه ﴿ مُعْرِضُونَ ﴾ لا يؤمنون به ولا يهتمون بالاستعداد له.
ويجوز أن تكون ما مصدرية، أي: عن إنذارهم ذلك اليوم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ بكتاب مّن قَبْلِ هاذآ ﴾ أي من قبل هذا الكتاب وهو القرآن، يعني: أنّ هذا الكتاب ناطق بالتوحيد وإبطال الشرك.
وما من كتاب أنزل من قبله من كتب الله إلا وهو ناطق بمثل ذلك، فأتوا بكتاب واحد منزل من قبله شاهد بصحة ما أنتم عليه من عبادة غير الله ﴿ أَوْ أثارة مِّنْ عِلْمٍ ﴾ أو بقية من علم بقيت عليكم من علوم الأوّلين، من قولهم: سمنت الناقة على أثارة من شحم، أي: على بقية شحم كانت بها من شحم ذاهب.
وقرئ ﴿ أثرة ﴾ أي: من شيء أوثرتم به وخصصتم من علم لا إحاطة به لغيركم.
وقرئ ﴿ أثرة ﴾ بالحركات الثلاث في الهمزة مع سكون الثاء، فالإثرة بالكسر بمعنى الأثرة.
وأما الأثرة فالمرّة من مصدر: أثر الحديث إذا رواه.
وأما الأثرة بالضم فاسم ما يؤثر، كالخطبة: اسم ما يخطب به.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمَنْ أَضَلُّ ﴾ معنى الاستفهام فيه إنكار أن يكون في الضلال كلهم أبلغ ضلالاً من عبدة الأصنام، حيث يتركون دعاء السميع المجيب القادر عل تحصيل كلّ بغية ومرام، ويدعون من دونه جماداً لا يستجيب لهم ولا قدرة به على استجابة أحد منهم ما دامت الدنيا وإلى أن تقوم القيامة، وإذا قامت القيامة وحشر الناس: كانوا لهم أعداء، وكانوا عليهم ضداً، فليسوا في الدارين إلا على نكد ومضرّة، لا تتولاهم في الدنيا بالاستجابة؛ وفي الآخرة تعاديهم وتجحد عبادتهم.
وإنما قيل: ﴿ مَن ﴾ و(هم) لأنه أسند إليهم ما يسند إلى أولى العلم من الاستجابة والغفلة، ولأنهم كانوا يصفونهم بالتمييز جهلاً وغباوة.
ويجوز أن يريد: كل معبود من دون الله من الجن والإنس والأوثان، فغلب غير الأوثان عليها.
قرى: ﴿ ما لا يستجيب ﴾ وقرئ: ﴿ يدعو غير الله من لا يستجيب ﴾ ووصفهم بترك الاستجابة والغفلة طريقه طريق التهكم بها وبعبدتها.
ونحوه قوله تعالى: ﴿ إِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُواْ دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُواْ مَا استجابوا لَكُمْ وَيَوْمَ القيامة يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ ﴾ [فاطر: 14] .
<div class="verse-tafsir"
﴿ بينات ﴾ جمع بينة: وهي الحجة والشاهد.
أو واضحات مبينات.
واللام في ﴿ لِلْحَقِّ ﴾ مثلها في قوله: ﴿ وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْراً ﴾ [الأحقاف: 11] أي لأجل الحق ولأجل الذين آمنوا.
والمراد بالحق: الآيات، وبالذين كفروا: المتلو عليهم، فوضع الظاهران موضع الضميرين؛ للتسجيل عليهم بالكفر، وللمتلوّ بالحق ﴿ لَمَّا جَآءَهُمْ ﴾ أي: بادهوه بالجحود ساعة أتاهم، وأوّل ما سمعوه من غير إجالة فكر ولا إعادة نظر.
ومن عنادهم وظلمهم: أنهم سموه سحراً مبيناً ظاهراً أمره في البطلان لا شبهة فيه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَمْ يَقُولُونَ افتراه ﴾ إضراب عن ذكر تسميتهم الآيات سحراً إلى ذكر قولهم: إن محمداً افتراه.
ومعنى الهمزة في أم: الإنكار والتعجيب، كأنه قيل: دع هذا واسمع قولهم المستنكر المفضى منه العجب، وذلك أن محمداً كان لا يقدر عليه حتى يقوله ويفتريه على الله، ولو قدر عليه دون أمّة العرب لكانت قدرته عليه معجزة لخرقها العادة، وإذا كانت معجزة كانت تصديقاً من الله له، والحكيم لا يصدّق الكاذب فلا يكون مفترياً.
والضمير للحق؛ والمراد به الآيات ﴿ قُلْ إِنِ افتريته ﴾ على سبيل الفرض عاجلني الله تعالى لا محالة بعقوبة الافتراء عليه.
فلا تقدرون على كفه عن معاجلتي ولا تطيقون دفع شيء من عقابه عني، فكيف أفتريه وأتعرّض لعقابه.
يقال: فلان لا يملك إذا غضب، ولا يملك عنانه إذا صمم، ومثله: ﴿ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ الله شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ المسيح ابن مَرْيَمَ ﴾ [المائدة: 17] ، ﴿ وَمَن يُرِدِ الله فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ الله شَيْئاً ﴾ [المائدة: 41] ومنه قوله عليه الصلاة السلام: ﴿ لا أملك لكم من الله شيئاً ﴾ ، ثم قال: ﴿ هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ ﴾ أي تندفعون فيه من القدح في وحي الله تعالى، والطعن في آياته، وتسميته سحراً تارة وفرية أخرى ﴿ كفى بِهِ شَهِيداً بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ ﴾ يشهد لي بالصدق والبلاغ، ويشهد عليكم بالكذب والجحود.
ومعنى ذكر العلم والشهادة وعيد بجزاء إفاضتهم ﴿ وَهُوَ الغفور الرحيم ﴾ موعدة بالغفران والرحمة إن رجعوا عن الكفر وتابوا وآمنوا، وإشعار بحلم الله عنهم مع عظم ما ارتكبوا.
فإن قلت: فما معنى إسناد الفعل إليهم في قوله تعالى: ﴿ فلا تملكون لي ﴾ ؟
قلت: كان فيما أتاهم به النصيحة لهم والأشفاق عليهم من سوء العاقبة وإرادة الخير بهم، فكأنه قال لهم: إن افتريته وأنا أريد بذلك التنصح لكم وصدكم عن عبادة الآلهة إلى عبادة الله، فما تغنون عني أيها المنصوحون إن أخذني الله بعقوبة الافتراء عليه.
<div class="verse-tafsir"
البدع، بمعنى: البديع، كالخف بمعنى الخفيف.
وقرئ ﴿ بدعا ﴾ بفتح الدال، أي: ذا بدع ويجوز أن يكون صفة على فعل، كقولهم: دين قيم، ولحم زيم: كانوا يقترحون عليه الآيات ويسألونه عما لم يوح به إليه من الغيوب.
فقيل له: ﴿ قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مّنَ الرسل ﴾ فآتيكم بكل ما تقترحونه، وأخبركم بكل ما تسألون عنه من المغيبات؛ فإنّ الرسل لم يكونوا يأتون إلا بما آتاهم من آياته، ولا يخبرون إلا بما أوحى إليهم.
ولقد أجاب موسى صلوات الله وسلام عليه عن قول فرعون: (فما بال القرون الأولى)؟
بقوله: ﴿ علمها عند ربي ﴾ [طه: 52] ﴿ وَمَآ أَدْرِى ﴾ لأنه لا علم لي بالغيب ما يفعل الله بي وبكم فيما يستقبل من الزمان من أفعاله، ويقدّر لي ولكم من قضاياه ﴿ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يوحى إِلَىَّ ﴾ وعن الحسن: وما أدري ما يصير إليه أمري وأمركم في الدنيا، ومن الغالب منا والمغلوب.
وعن الكلبي: قال له أصحابه وقد ضجروا من أذى المشركين: حتى متى نكون على هذا؟
فقال: (ما أدري ما يفعل بي ولا بكم) أأترك بمكة أم أومر بالخروج إلى أرض قد رفعت لي ورأيتها يعني في منامه ذات نخيل وشجر؟
وعن ابن عباس: ما يفعل بي ولا بكم في الآخرة، وقال: هي منسوخة بقوله: ﴿ لّيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ﴾ [الفتح: 2] ويجوز أن يكون نفياً للدراية المفصلة.
وقرئ ﴿ ما يفعل ﴾ بفتح الياء، أي: يفعل الله عز وجل.
فإن قلت: إنّ (يفعل) مثبت غير منفي، فكان وجه الكلام: ما يفعل بي وبكم.
قلت: أجل، ولكن النفي في ﴿ وَمَآ أَدْرِى ﴾ لما كان مشتملاً عليه لتناوله ﴿ مَا ﴾ وما في حيزه: صح ذلك وحسن.
ألا ترى إلى قوله: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ الله الذى خَلَقَ السماوات والارض وَلَمْ يَعْىَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ ﴾ [الأحقاف: 33] كيف دخلت الباء في حيز أنّ وذلك لتناول النفي إياها مع ما في حيزها.
و(ما) في (ما يفعل) يجوز أن تكون موصولة منصوبة، وأن تكون استفهامية مرفوعة.
وقرئ: ﴿ يوحي ﴾ أي الله عز وجل.
<div class="verse-tafsir"
جواب الشرط محذوف تقديره: إن كان القرآن من عند الله وكفرتم به ألستم ظالمين.
ويدل على هذا المحذوف قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الله لاَ يَهْدِى القوم الظالمين ﴾ والشاهد من بني إسرائيل: عبد الله بن سلام، لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة نظر إلى وجهه، فعلم أنه ليس بوجه كذاب.
وتأمّله فتحقق أنه هو النبي المنتظر وقال له: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبيّ: ما أوّل أشراط الساعة؟
وما أوّل طعام يأكله أهل الجنة؟
وما بال الولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمّه؟
فقال عليه الصلاة والسلام: «أما أوّل أشراط الساعة فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب.
وأما أوّل طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد حوت، وأما الولد فإذا سبق ماء الرجل نزعه، وإن سبق ماء المرأة نزعته» فقال: أشهد أنك رسول الله حقاً، ثم قال: يا رسول الله، إن اليهود قوم بهت وإن علموا باسلامي قبل أن تسألهم عني بهتوني عندك.
فجاءت اليهود فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: أي رجل عبد الله فيكم؟
فقالوا: خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، وأعلمنا وابن أعلمنا.
قال: أرأيتم إن أسلم عبد الله؟
قالوا: أعاذه الله من ذلك، فخرج إليهم عبد الله فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنّ محمداً رسول الله، فقالوا: شرنا وابن شرنا انتقصوه.
قال: هذا ما كنت أخاف عليه يا رسول الله وأحذر.
قال سعد بن أبي وقاص: ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأحد يمشي على وجه الأرض أنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام، وفيه نزل: ﴿ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّن بَنِى إسراءيل على مِثْلِهِ ﴾ الضمير للقرآن، أي: على مثله في المعنى، وهو ما في التوراة من المعاني المطابقة لمعانى القرآن من التوحيد والوعد والوعيد وغير ذلك.
ويدل عليه قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّهُ لَفِى زُبُرِ الاولين ﴾ [الشعراء: 196] ، ﴿ إِنَّ هذا لَفِى الصحف الاولى ﴾ [الأعلى: 18] ، ﴿ كَذَلِكَ يُوحِى إِلَيْكَ وَإِلَى الذين مِن قَبْلِكَ ﴾ [الشورى: 3] ويجوز أن يكون المعنى: إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد على نحو ذلك، يعني كونه من عند الله.
فإن قلت: أخبرني عن نظم هذا الكلام لأقف على معناه من جهة النظم.
قلت: الواو الأولى عاطفة لكفرتم على فعل الشرط، كما عطفته (ثم) في قوله تعالى: ﴿ قُلْ أَرَءيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ الله ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ ﴾ [فصلت: 52] وكذلك الواو الآخرة عاطفة لاستكبرتم على شهد شاهد، وأما الواو في (وشهد شاهد) فقد عطفت جملة قوله.
﴿ شهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم ﴾ على جملة قوله: (كان من عند الله وكفرتم به) ونظيره قولك: إن أحسنت إليك وأسأت، وأقبلت عليك وأعرضت عني، لم نتفق في أنك أخذت ضميمتين فعطفتهما على مثليهما، والمعنى: قل أخبروني إن اجتمع كون القرآن من عند الله مع كفركم به، واجتمع شهادة أعلم بني إسرائيل على نزول مثله وإيمانه به، مع استكباركم عنه وعن الإيمان به، ألستم أضل الناس وأظلمهم؟
وقد جعل الإيمان في قوله: ﴿ فَئَامَنَ ﴾ مسبباً عن الشهادة على مثله: لأنه لما علم أنّ مثله أنزل على موسى صلوات الله عليه، وأنه من جنس الوحي وليس من كلام البشر، وأنصف من نفسه فشهد عليه واعترف كان الإيمان نتيجة ذلك.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ ﴾ لأجلهم وهو كلام كفار مكة، قالوا: عامّة من يتبع محمداً السقاط، يعنون الفقراء مثل عمار وصهيب وابن مسعود، فلو كان ما جاء به خيراً ما سبقنا إليه هؤلاء.
وقيل: لما أسلمت جهينة ومزينة وأسلم وغفار: قالت بنو عامر وغطفان وأسد وأشجع: لو كان خيراً ما سبقنا إليه رعاء البهم.
وقيل: إن أمة لعمر أسلمت، فكان عمر يضربها حتى يفتر ثم يقول لولا أني فترت لزدتك ضرباً، وكان كفار قريش يقولون: لو كان ما يدعو إليه محمد حقاً ما سبقتنا إليه فلانة.
وقيل: كان اليهود يقولونه عند إسلام عبد الله بن سلام وأصحابه.
فإن قلت: لابد من عامل في الظرف في قوله: ﴿ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ ﴾ ومن متعلق لقوله: ﴿ فَسَيَقُولُونَ ﴾ وغير مستقيم أن يكون ﴿ فَسَيَقُولُونَ ﴾ هو العامل في الظرف، لتدافع دلالتي المضي والاستقبال، فما وجه هذا الكلام؟
قلت: العامل في إذ محذوف، لدلالة الكلام عليه، كما حذف في قوله: ﴿ فلما ذهبوا به ﴾ [يوسف: 15] وقولهم: حينئذٍ الآن، وتقديره: وإذ لم يهتدوا به ظهر عنادهم، فسيقولون هذا إفك قديم، فهذا المضمر صحّ به الكلام، حيث انتصب به الظرف وكان قوله: ﴿ فَسَيَقُولُونَ ﴾ مسبباً عنه كما صحَّ بإضمار أنّ قوله: ﴿ حتى يَقُولَ الرسول ﴾ [البقرة: 214] لمصادفة (حتى) مجرورها، والمضارع ناصبه.
وقولهم: ﴿ إِفْكٌ قَدِيمٌ ﴾ كقولهم: أساطير الأوّلين ﴿ كتاب موسى ﴾ مبتدأ ومن قبله ظرف واقع خبراً مقدماً عليه، وهو ناصب ﴿ إِمَاماً ﴾ على الحال، كقولك: في الدار زيد قائماً.
وقرئ: ومن قبله كتاب موسى، على: وآتينا الذين قبله التوراة.
ومعنى ﴿ إِمَاماً ﴾ : قدوة يؤتم به في دين الله وشرائعه، كما يؤتم بالإمام ﴿ وَرَحْمَةً ﴾ لمن آمن به وعمل بما فيه ﴿ وهذا ﴾ القرآن ﴿ كتاب مُّصَدِّقٌ ﴾ لكتاب موسى.
أو لما بين يديه وتقدّمه من جميع الكتب.
وقرئ ﴿ مصدق لما بين يديه ﴾ ﴿ لِّسَاناً عَرَبِيّاً ﴾ حال من ضمير الكتاب في مصدق، والعامل فيه (مصدق) ويجوز أن ينتصب حالاً عن كتاب لتخصصه بالصفة، ويعمل فيه معنى الإشارة.
وجوّز أن يكون مفعولاً لمصدق، أي: يصدق ذا لسان عربي وهو الرسول.
وقرئ: ﴿ لينذر ﴾ بالياء والتاء، ولينذر: من نذر ينذر إذا حذر ﴿ وبشرى ﴾ في محل النصب معطوف على محل لينذر، لأنه مفعول له.
<div class="verse-tafsir"
قرئ: ﴿ حسناً ﴾ بضم الحاء وسكون السين.
وبضمهما، وبفتحهما.
وإحساناً، وكرهاً، بالفتح والضم، وهما لغتان في معنى المشقة، كالفقر والفقر.
وانتصابه على الحال: أي: ذات كره.
أو على أنه صفة للمصدر، أي: حملاً ذا كُرهٍ ﴿ وَحَمْلُهُ وفصاله ﴾ ومدّة حمله وفصاله ﴿ ثلاثون شَهْراً ﴾ وهذا دليل على أن أقل الحمل ستة أشهر؛ لأن مدّة الرضاع إذا كانت حولين لقوله عز وجل: ﴿ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرضاعة ﴾ [البقرة: 233] بقيت للحمل ستة أشهر.
وقرئ: ﴿ وفصله ﴾ والفصل والفصال: كالفطم والفطام.
بناء ومعنى.
فإن قلت: المراد بيان مدّة الرضاع لا الفطام، فكيف عبر عنه بالفصال؟
قلت: لما كان الرضاع يليه الفصال ويلابسه لأنه ينتهي به ويتم: سمى فصالاً، كما سمي المدّة بالأمد من قال: كُلُّ حَيٍّ مُسْتَكْمِلٌ مُدَّةَ الْعُمْ ** رِ وَمُودٍ إِذَا انتهى أَمَدُهْ وفيه فائدة وهي الدلالة على الرضاع التام المنتهى بالفصال ووقته.
وقرئ: ﴿ حتى إذا استوى وبلغ أشدّه ﴾ وبلوغ الأشد: أن يكتهل ويستوفي السنّ التي تستحكم فيها قوّته وعقله وتمييزه، وذلك إذا أناف على الثلاثين وناطح الأربعين.
وعن قتادة: ثلاث وثلاثون سنة، ووجهه أن يكون ذلك أوّل الأشد، وغايته الأربعين.
وقيل: لم يبعث نبيّ قط إلا بعد أربعين سنة.
والمراد بالنعمة التي استوزع الشكر عليها: نعمة التوحيد والإسلام، وجمع بين شكري النعمة عليه وعلى والديه؛ لأن النعمة عليهما نعمة عليه.
وقيل في العمل المرضي: هو الصلوات الخمس.
فإن قلت: ما معنى (في) في قوله: ﴿ وَأَصْلِحْ لِى فِي ذريتى ﴾ ؟
قلت: معناه: أن يجعل ذريّته موقعاً للصلاح ومظنة له كأنه قال: هب لي الصلاح في ذرّيتي وأوقعه فيهم ونحوه: يَجْرَحُ فِي عَرَاقِيبِهَا نَصْلِي ﴿ مِنَ المسلمين ﴾ من المخلصين.
وقرئ: ﴿ يتقبل ﴾ ويتجاوز، بفتح الياء، والضمير فيهما لله عز وجل.
وقرئا بالنون.
فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿ فِى أصحاب الجنة ﴾ ؟
قلت: هو نحو قولك: أكرمني الأمير في ناس من أصحابه، تريد: أكرمني في جملة من أكرم منهم، ونظمني في عدادهم، ومحله النصب على الحال، على معنى: كائنين في أصحاب الجنة ومعدودين فيهم ﴿ وَعْدَ الصدق ﴾ مصدر مؤكد؛ لأن قوله: يتقبل، ويتجاوز: وعد من الله لهم بالتقبل والتجاوز.
وقيل: نزلت في أبي بكر رضي الله عنه وفي أبيه أبي قحافة وأمّه أم الخير وفي أولاده، واستجابة دعائه فيهم.
وقيل: لم يكن أحد من الصحابة من المهاجرين منهم والأنصار أسلم هو وولداه وبنوه وبناته غير أبي بكر رضي الله عنه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ والذى قَالَ لوالديه ﴾ مبتدأ خبره: أولئك الذين حق عليهم القول.
والمراد بالذي قال: الجنس القائل ذلك القول، ولذلك وقع الخبر مجموعاً.
وعن الحسن: هو في الكافر العاق لوالديه المكذب بالبعث.
وعن قتادة: هو نعت عبد سوء عاق لوالديه فاجر لربه.
وقيل: نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر قبل إسلامه وقد دعاه أبوه أبو بكر وأمّه أمّ رومان إلى الإسلام، فأفف بهما وقال: ابعثوا لي جدعان بن عمرو وعثمان بن عمرو، وهما من أجداده حتى أسألهما عما يقول محمد، ويشهد لبطلانه أن المراد بالذي قال: جنس القائلين ذلك، وأنّ قوله الذين حق عليهم القول: هم أصحاب النار، وعبد الرحمن كان من أفاضل المسلمين وسرواتهم.
وعن عائشة رضي الله عنها إنكار نزولها فيه، وحين كتب معاوية إلى مروان بأن يبايع الناس ليزيد قال عبد الرحمن: لقد جئتم بها هرقلية، أتبايعون لأبنائكم؟
فقال مروان: يا أيها الناس، هو الذي قال الله فيه: ﴿ والذى قَالَ لوالديه أُفٍّ لَّكُمَآ ﴾ فسمعت عائشة فغضبت وقالت: والله ما هو به، ولو شئت أن أسميه لسميته ولكن الله لعن أباك وأنت في صلبه، فأنت فضض من لعنة الله.
وقرئ: ﴿ أف ﴾ بالكسر والفتح بغير تنوين، وبالحركات الثلاث مع التنوين، وهو صوت إذا صوت به الإنسان علم أنه متضجر، كما إذا قال: حس، علم منه أنه متوجع، واللام للبيان، معناه: هذا التأفيف لكما خاصة، ولأجلكما دون غيركما.
وقرئ ﴿ أتعدانني ﴾ بنونين.
وأتعداني: بأحدهما.
وأتعداني: بالإدغام.
وقد قرأ بعضهم: أتعدانني بفتح النون، كأنه استثقل اجتماع النونين والكسرتين والياء، ففتح الأولى تحرياً للتخفيف، كما تحراه من أدغم ومن أطرح أحدهما ﴿ أَنْ أُخْرَجَ ﴾ أن أُبعث وأخرج من الأرض.
وقرئ: ﴿ أخرج ﴾ ﴿ وَقَدْ خَلَتِ القرون مِن قَبْلِى ﴾ يعني: ولم يبعث منهم أحد ﴿ يَسْتَغِيثَانِ الله ﴾ يقولان: الغياث بالله منك ومن قولك، وهو استعظام لقوله: ﴿ وَيْلَكَ ﴾ دعاء عليه بالثبور: والمراد به الحث والتحريض على الإيمان لا حقيقة الهلاك ﴿ فِى أُمَمٍ ﴾ نحو قوله: ﴿ فِى أصحاب الجنة ﴾ [الأحقاف: 16] وقرئ: (إن) بالفتح، على معنى: آمن بأن وعد الله حق.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلِكُلٍّ ﴾ من الجنسين المذكورين ﴿ درجات مّمَّا عَمِلُواْ ﴾ أي منازل ومراتب من جزاء ما عملوا من الخير والشر، أومن أجل ما عملوا منهما.
فإن قلت: كيف قيل: درجات، وقد جاء: الجنة درجات والنار دركات؟
قلت: يجوز أن يقال ذلك على وجه التغليب، لاشتمال كل على الفريقين ﴿ وَلِيُوَفّيَهُمْ ﴾ وقرئ: بالنون تعليل معلله محذوف لدلالة الكلام عليه، كأنه قيل: وليوفيهم أعمالهم ولا يظلمهم حقوقهم، قدر جزاءهم على مقادير أعمالهم، فجعل الثواب درجات والعقاب دركات.
<div class="verse-tafsir"
ناصب الظرف هو القول المضمر قبل ﴿ أَذْهَبْتُمْ ﴾ وعرضهم على النار: تعذيبهم بها، من قولهم: عرض بنو فلان على السيف إذا قتلوا به ومنه قوله تعالى: ﴿ النار يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا ﴾ [غافر: 46] ويجوز أن يراد: عرض النار عليهم من قولهم: عرضت الناقة على الحوض، يريدون: عرض الحوض عليها فقلبوا.
ويدل عليه تفسير ابن عباس رضي الله عنه: يجاء بهم إليها فيكشف لهم عنها ﴿ أَذْهَبْتُمْ طيباتكم ﴾ أي: ما كتب لكم حظ من الطيبات إلا ما قد أصبتموه في دنياكم، وقد ذهبتم به وأخذتموه، فلم يبق لكم بعد استيفاء حظكم شيء منها.
وعن عمر رضي الله عنه: لو شئت لدعوت بصلائق وصناب وكراكر وأسمنة، ولكني رأيت الله تعالى نعى على قوم طيباتهم فقال: أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا.
وعنه: لو شئت لكنت أطيبكم طعاماً وأحسنكم لباسا، ولكني أستبقي طيباتي: وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه دخل على أهل الصفة وهم يرقعون ثيابهم بالأدم ما يجدون لها رقاعاً، فقال: «أأنتم اليوم خير أم يوم يغدو أحدكم في حلة ويروح في أخرى، ويغدى عليه بجفنة ويراح عليه بأخرى، ويستر بيته كما تستر الكعبة.
قالوا: نحن يومئذٍ خير.
قال: بل أنتم اليوم خير» وقرئ: ﴿ أأذهبتم ﴾ بهمزة الاستفهام.
و ﴿ آأذهبتم ﴾ بألف بين همزتين: ﴿ الهون ﴾ و ﴿ الهوان ﴾ وقرئ ﴿ عذاب الهوان ﴾ ، وقرئ: ﴿ يفسقون ﴾ بضم السين وكسرها.
<div class="verse-tafsir"
الأحقاف: جمع حقف وهو رمل مستطيل مرتفع فيه انحناء، من احقوقف الشيء إذا اعوج، وكانت عاد أصحاب عمد يسكنون بين رمال مشرفين على البحر بأرض يقال لها الشجر من بلاد اليمن.
وقيل: بين عمان ومهرة.
و ﴿ النذر ﴾ جمع نذير بمعنى المنذر أو الإنذار ﴿ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ﴾ من قبله ﴿ وَمِنْ خَلْفِهِ ﴾ ومن بعده.
وقرئ: ﴿ من بين يديه ومن بعده ﴾ والمعنى: أنّ هوداً عليه السلام قد أنذرهم فقال لهم: لا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم العذاب؛ وأعلمهم أنّ الرسل الذين بعثوا قبله والذين سيبعثون بعده كلهم منذرون نحو إنذاره وعن ابن عباس رضي الله عنه: يعني الرسل الذين بعثوا قبله والذين بعثوا في زمانه.
ومعنى ﴿ وَمِنْ خَلْفِهِ ﴾ على هذا التفسير ومن بعد إنذاره، هذا إذا علقت، وقد خلت النذر بقوله: أنذر قومه، ولك أن تجعل قوله تعالى: ﴿ وَقَدْ خَلَتِ النذر مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ ﴾ اعتراضاً بين أنذر قومه وبين ﴿ أَلاَّ تَعْبُدُواْ ﴾ ويكون المعنى: واذكر إنذار هود قومه عاقبة الشرك والعذاب العظيم؛ وقد أنذر من تقدمه من الرسل ومن تأخر عنه مثل ذلك، فاذكرهم.
<div class="verse-tafsir"
الإفك: الصرف.
يقال أفكه عن رأيه ﴿ عَنْ ءَالِهَتِنَا ﴾ عن عبادتها ﴿ بِمَا تَعِدُنَآ ﴾ من معاجلة العذاب على الشرك ﴿ إِن كُنتَ ﴾ صادقاً في وعدك.
<div class="verse-tafsir"
فإن قلت: من أين طابق قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا العلم عِندَ الله ﴾ جواباً لقولهم: ﴿ فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا ﴾ ؟
قلت: من حيث إنّ قولهم هذا استعجال منهم بالعذاب.
ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿ بَلْ هُوَ مَا استعجلتم بِهِ ﴾ فقال لهم: لا علم عندي بالوقت الذي يكون فيه تعذيبكم حكمة وصواباً، إنما علم ذلك عند الله، فكيف ادعوه بأن يأتيكم بعذابه في وقت عاجل تقترحونه أنتم؟
ومعنى: ﴿ وأبلغكم ﴾ ﴿ مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ ﴾ وقرئ بالتخفيف: أن الذي هو شأني وشرطي: أن أبلغكم ما أرسلت به من الإنذار والتخويف والصرف عما يعرّضكم لسخط الله بجهدي، ولكنكم جاهلون لا تعلمون أنّ الرسل لم يبعثوا إلا منذرين لا مقترحين، ولا سائلين غير ما أذن لهم فيه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَلَمَّا رَأَوْهُ ﴾ في الضمير وجهان: أن يرجع إلى ما تعدنا، وأن يكون مبهماً قد وضح أمره بقوله: ﴿ عَارِضًا ﴾ إما تمييزاً وإما حالاً.
وهذا الوجه أعرب وأفصح.
والعارض: السحاب الذي يعرض في أفق السماء.
ومثله: الحبى والعنان، من حبا وعنّ: إذا عرض.
وإضافة مستقبل وممطر مجازية غير معروفة؛ بدليل وقوعهما وهما مضافان إلى معرفتين وصفاً للنكرة ﴿ بَلْ هُوَ ﴾ القول قبله مضمر، والقائل: هود عليه السلام، والدليل عليه قراءة من قرأ: ﴿ قال هود، بل هو ﴾ وقرئ: ﴿ قل بل ما استعجلتم به هي ريح ﴾ ، أي قال الله تعالى: قل ﴿ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْء ﴾ تهلك من نفوس عاد وأموالهم الجم الكثير، فعبر عن الكثرة بالكلية.
وقرئ يدمر كل شيء من دمر دماراً إذا هلك ﴿ لاَّ ترى ﴾ الخطاب للرائي من كان.
وقرئ: ﴿ لا يرى ﴾ ، على البناء للمفعول بالياء والتاء، وتأويل القراءة بالتاء وهي عن الحسن رضي الله عنه: لا ترى بقايا ولا أشياء منهم إلا مساكنم.
ومنه بيت ذي الرمّة: وَمَا بَقِيَتْ إِلاَّ الضُّلُوعُ الْجَرَاشِعُ وليست بالقوية.
وقرئ: ﴿ لا ترى إلا مسكنهم ﴾ ، و ﴿ لا يرى إلا مسكنهم ﴾ .
وروى أنّ الريح كانت كانت تحمل الفسطاط والظعينة فترفعها في الجوّ حتى ترى كأنها جرادة.
وقيل: أوّل من أبصر العذاب امرأة منهم قالت: رأيت ريحاً فيها كشهب النار.
وروي: أوّل ما عرفوا به أنه عذاب: أنهم رأوا ما كان في الصحراء من رحالهم ومواشيهم تطير به الريح بين السماء والأرض، فدخلوا بيوتهم وغلقوا أبوابهم؛ فقلعت الريح الأبواب وصرعتهم، وأمال الله عليهم الأحقاف فكانوا تحتها سبع ليال وثمانية أيام لهم أنين، ثم كشفت الريح عنه، فاحتملتهم فطرحتهم في البحر.
وروى أنّ هوداً لما أحس بالريح خط على نفسه وعلى المؤمنين خطا إلى جنب عين تنبع.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: اعتزل هود ومن معه في حظيرة ما يصيبهم من الريح إلا ما يلين على الجلود وتلذه الأنفس.
وإنها لتمر من عاد بالظعن بين السماء وتدمغهم بالحجارة وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا رأى الريح فزع وقال: «اللهم إني أسألك خيرها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما أرسلت به وإذا رأى مخيلة: قام وقعد، وجاء وذهب، وتغير لونه، فيقال له: يا رسول الله ما تخاف؟
فيقول: إني أخاف أن يكون مثل قوم عاد حيث قالوا: هذا عارض ممطرنا» فإن قلت: ما فائدة إضافة الرب إلى الريح؟
قلت: الدلالة على أن الريح وتصريف أعنتها مما يشهد لعظم قدرته، لأنها من أعاجيب خلقه وأكابر جنوده.
وذكر الأمر وكونها مأمورة من جهته عز وجل يعضد ذلك ويقوّيه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِن ﴾ نافية، أي: فيما ما مكناكم فيه، إلا أنّ ﴿ إِن ﴾ أحسن في اللفظ؛ لما فيه مجامعة (ما) مثلها من التكرير المستبشع.
ومثله مجتنب، ألا ترى أن الأصل في ﴿ مهما ﴾ : (ماما) فلبشاعة التكرير: قلبوا الألف هاء.
ولقد أغث أبو الطيب في قوله: لَعَمْرُكَ مامَا بَانَ مِنْكَ لِضَارِبِ وما ضره لو اقتدى بعذوبة لفظ التنزيل فقال: لعمرك ما إن بان منك لضارب وقد جعلت إنْ صلة، مثلها فيما أنشده الأخفش: يُرَجّى الْمَرْءُ مَا إنْ لاَ يَرَاهُ ** وَتَعْرِضُ دُونَ أَدْنَاهُ الْخُطُوبُ وتؤوّل بإنا مكناهم في مثل ما مكناكم فيه، والوجه هو الأوّل، ولقد جاء عليه غير آية في القرآن ﴿ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً ورئيا ﴾ ، [مريم: 74] ﴿ كَانُواْ أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَءاثَاراً ﴾ [غافر: 82] وهو أبلغ في التوبيخ، وأدخل في الحث على الاعتبار ﴿ مِّن شَيْء ﴾ أي من شيء من الإغناء، وهو القليل منه.
فإن قلت بم انتصب ﴿ إِذْ كَانُواْ يَجْحَدُونَ ﴾ ؟
قلت: بقوله تعالى: ﴿ فَمَا أغنى ﴾ .
فإن قلت: لم جرى مجرى التعليل؟
قلت: لاستواء مؤدى التعليل والظرف في قولك: ضريته لإساءته وضربته إذا أساء؛ لأنك إذا ضربته في وقت إساءته؛ فإنما ضربته فيه لوجود إساءته فيه؛ إلا أن (إذ)، وحيث، غلبتا دون سائر الظروف في ذلك.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مَا حَوْلَكُمْ ﴾ يا أهل مكة ﴿ مِّنَ القرى ﴾ من نحو حجر ثمود وقرية سدوم وغيرهما.
والمراد: أهل القرى.
ولذلك قال: ﴿ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
القربان: ما تقرب به إلى الله تعالى، أي: اتخذوهم شفعاء متقرباً بهم إلى الله، حيث قالوا: هؤلاء شفعاؤنا عند الله.
وأحد مفعولي اتخذ الراجع إلى الذين المحذوف، والثاني: آلهة.
وقرباناً: حال ولا يصح أن يكون قرباناً مفعولاً ثانياً وآلهة بدلاً منه لفساد المعنى.
وقرئ ﴿ قربانا ﴾ بضم الراء.
والمعنى: فهلا منعهم من الهلاك آلهتهم ﴿ بَلْ ضَلُّواْ عَنْهُمْ ﴾ أي غابوا عن نصرتهم ﴿ وَذَلِكَ ﴾ إشارة إلى امتناع نصرة آلهتهم لهم وضلالهم عنهم، أي: وذلك أثر إفكهم الذي هو اتخاذهم إياها آلهة، وثمرة شركهم وافترائهم على الله الكذب من كونه ذا شركاء.
وقرئ ﴿ إفكهم ﴾ ، والأفك والإفك: كالحذر والحذر.
وقرئ: ﴿ وذلك إفكهم ﴾ أي: وذلك الاتخاذ الذي هذا أثره وثمرته صرفهم عن الحق.
وقرئ: ﴿ أفكهم ﴾ على التشديد للمبالغة.
وآفكهم: جعلهم آفكين.
وآفكهم، أي: قولهم الآفك ذو الإفك، كما تقول قول كاذب، وذلك إفك مما كانوا يفترون، أي: بعض ما كانوا يفترون من الإفك.
<div class="verse-tafsir"
«وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى صرط مستقيم يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض وليس له من دونه أولياء أولئك في ضلال مبين» ﴿ صرفنا إليك نفرا ﴾ أملناهم إليك وأقبلنا بهم نحوك.
وقرئ: صرفنا بالتشديد لأنهم جماعة.
والنفر: دون العشرة.
ويجمع أنفارا.
وفي حديث أبي ذر رضي الله عنه: لو كان هاهنا أحد من أنفارنا ﴿ فلما حضروه ﴾ الضمير للقرآن.
أي: فلما كان بمسمع منهم.
أو لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
وتعضده قراءة من قرأ فلما قضى أي أتم قراءته وفرغ منها ﴿ قالوا ﴾ قال بعضهم لبعض ﴿ أنصتوا ﴾ اسكتوا مستمعين.
يقال: أنصت لكذا واسنتصت له.
روى: أن الجن كانت تسترق السمع فلما حرست السماء ورجموا بالشهب قالوا: ما هذا إلا لنبأ حدث فنهض سبعة نفر أو تسعة من أشراف جن نصيبين أو نينوى: منهم زوبعة فضربوا حتى بلغوا تهامة ثم اندفعوا إلى وادي نخلة فوافقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قائم في جوف الليل يصلي أو في صلاة الفجر فاستمعوا لقراءته وذلك عند منصرفه من الطائف حين خرج إليهم يستنصرهم فلم يجيبوه إلى طلبته وأغروا به سفهاء ثقيف.
وعن سعيد بن جبير رضي الله عنه: ما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجن ولا رآهم وإنما كان يتلو في صلاته فمروا به فوقفوا مستمعين وهو لا يشعر فأنبأه الله باستماعهم.
وقيل: بل أمر الله رسوله أن ينذر الجن ويقرأ عليهم فصرف إليه نفرا منهم جمعهم له فقال: إني أمرت أن أقرأ على الجن الليلة فمن يتبعني: قالها ثلاثا فأطرقوا إلا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: لم يحضره ليلة الجن أحد غيري فانطلقنا حتى إذا كنا بأعلى مكة في شعب الحجون فخط لي خطا وقال: لا تخرج منه حتى أعود إليك ثم افتتح القرآن وسمعت لغطا شديدا حتى خفت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وغشيته أسودة كثيرة حالت بيني وبينه حتى ما أسمع صوته ثم انقطعوا كقطع السحاب فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل رأيت شيئا؟
قلت: نعم رجالا سودا مستثفري ثياب بيض فقال: اولئك جن نصيبين وكانوا اثنى عشر ألفاً والسورة التي قرأها عليهم ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبّكَ ﴾ [العلق 1] فإن قلت كيف قالوا مِن بَعْدِ مُوسَى قلت عن عطاء رضي الله عنه أنهم كانوا على اليهودية وعن ابن عباس رضي الله عنهما إنّ الجنّ لم تكن سمعت بأمر عيسى عليه السلام فلذلك قالت مِن بَعْدِ مُوسَى فإن قلت لم بعَّض في قوله مّن ذُنُوبِكُمْ قلت لأن من الذنوب مالا يغفر بالإيمان كذنوب المظالم ونحوها ونحوه قوله عزّ وجل: ﴿ أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ يَغْفِرْ لَكُمْ مّن ذُنُوبِكُمْ ﴾ [نوح 34] فإن قلت هل للجن ثواب كما للإنس قلت اختلف فيه فقيل لا ثواب لهم إلا النجاة من النار لقوله تعالى وَيُجِرْكُمْ مّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ وإليه كان يذهب أبو حنيفة رحمه الله والصحيح أنهم في حكم بني آدم لأنهم مكلفون مثلهم فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الاْرْضَ أي لا ينجي منه مهرب ولا يسبق قضاءه سابق ونحوه قوله تعالى: ﴿ وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن نُّعْجِزَ اللَّهَ فِي الاْرْضِ وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَباً ﴾ [الجن 12].
<div class="verse-tafsir"
﴿ بقادر ﴾ محله الرفع؛ لأنه خبر أن، يدل عليه قراءة عبد الله ﴿ قادر ﴾ وإنما دخلت الباء لاشتمال النفي في أوّل الآية على أن وما في حيزها.
وقال الزجاج: لو قلت: ما ظننت أنّ زيداً يقائم: جاز، كأنه قيل: أليس الله بقادر.
ألا ترى إلى وقوع بلى مقرّره للقدرة على كل شيء من البعث وغيره، لا لرؤيتهم.
وقرئ: ﴿ يقدر ﴾ ، ويقال: عييت بالأمر، إذا لم تعرف وجهه.
ومنه: ﴿ أَفَعَيِينَا بالخلق الاول ﴾ [ق: 15].
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَلَيْسَ هذا بالحق ﴾ محكى بعد قول مضمر، وهذا المضمر هو ناصب الظرف.
وهذا إشارة إلى العذاب، بدليل قوله تعالى: ﴿ فَذُوقُواْ العذاب ﴾ والمعنى: التهكم بهم، والتوبيخ لهم على استهزائهم بوعد الله ووعيده، وقولهم: ﴿ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ﴾ [الشعراء: 138] .
<div class="verse-tafsir"
﴿ أُوْلُواْ العزم ﴾ أولوا الجد والثبات والصبر.
و ﴿ مِنْ ﴾ يجوز أن تكون للتبعيض، ويراد بأولى العزم: بعض الأنبياء.
قيل: هم نوح، صبر على أذى قومه: كانوا يضربونه حتى يغشى عليه، وإبراهيم على النار وذبح ولده، وإسحاق على ا لذبح، ويعقوب على فقد ولده وذهاب بصره، ويوسف على الجب والسجن، وأيوب على الضرّ، وموسى قال له قومه: إنا لمدركون، قال: كلا إنّ معي ربي سيهدين، وداود بكى على خطيئته أربعين سنة، وعيسى لم يضع لبنة على لبنة وقال: إنها معبرة فاعبروها ولا تعمروها.
وقال الله تعالى في آدم: ﴿ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً ﴾ [طه: 115] وفي يونس: ﴿ وَلاَ تَكُن كصاحب الحوت ﴾ [القلم: 48] ويجوز أن تكون للبيان، فيكون أولو العز صفة الرسل كلهم ﴿ وَلاَ تَسْتَعْجِل ﴾ لكفار قريش بالعذاب، أي: لا تدع لهم بتعجيله؛ فإنه نازل بهم لا محالة، وإن تأخر، وأنهم مستقصرون حينئذٍ مدّة لبثهم في الدنيا حتى يحسبوها ﴿ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ بَلاَغٌ ﴾ أي هذا الذي وعظتم به كفاية في الموعظة.
أو هذا تبليغ من الرسول عليه السلام ﴿ فَهَلْ يُهْلَكُ ﴾ إلا الخارجون عن الاتعاظ به، والعمل بموجبه.
ويدل على معنى التبليغ قراءة من قرأ: بلغ فهل يهلك: وقرئ ﴿ بلاغاً ﴾ ، أي بلغوا بلاغاً: وقرئ ﴿ يهلك ﴾ بفتح الياء وكسر اللام وفتحها، من هلك وهلك.
ونهلك بالنون ﴿ إِلاَّ القوم الفاسقون ﴾ .
وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة الأحقاف كتب له عشر حسنات بعدد كل رملة في الدنيا» .