الإسلام > القرآن > تفسير > الوسيط > تفسير سورة المدثر
تفسيرُ سورةِ المدثر كاملةً من التفسير الوسيط (محمد سيد طنطاوي). آيةً آية: نصُّ الآية ثم تفسيرُها؛ اضغط على أيِّ آيةٍ لقراءة تفسيرها وحدها.
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 42 دقيقة قراءةقد افتتح الله - تعالى - سورة المدثر ، بالملاطفة والمؤانسة فى النداء والخطاب ، كما افتتح سورة المزمل .
والمدثر اسم فاعل من تدثر فلان ، إذا لبس الدثار ، وهو ما كان من الثياب فوق الشعار الذى يلى البدن ، ومنه حديث : " الأنصار شعار والناس دثار " .قال القرطبى : قوله - تعالى - : ( ياأيها المدثر ) ملاطفة فى الخطاب من الكريم إلى الحبيب ، إذ ناداه بحاله ، وعبر عنه بصفته ، ولم يقل يا محمد ويا فلان ، ليستشعر اللين والملاطفة من ربه ، كما تقدم فى سورة المزمل .
ومثله قول النبى صلى الله عليه وسلم لِعَلىٍّ إذ نام فى المسجد " قم أبا تراب " .وكان قد خرج مغاضبا لفاطمة - رضى الله عنها - ، فسقط رداؤه وأصابه التراب .
ومثله قوله صلى الله عليه وسلم لحذيفة بن اليمان ليلة الخندق " قم يا نومان " .
والمراد بالقيام فى قوله - تعالى - : قم فأنذر ، المسارعة والمبادرة والتصميم على تنفيذ ما أمره - سبحانه - به ، والإِنذار هو الإِخبار الذى يصاحبه التخويف .أى : قم - أيها الرسول الكريم - وانهض من مضجعك ، وبادر بعزيمة وتصميم ، على إنذار الناس وتخويفهم من سوء عاقبتهم ، إذا ما استمروا فى كفرهم ، وبلغ رسالة ربك إليهم دون أن تخشى أحدا منهم ، ومرهم بأن يخلصوا له - تعالى - العبادة والطاعة .والتعبير بالفاء فى قوله : ( فَأَنذِرْ ) للإِشعار بوجوب الإِسراع بهذا الإِنذار بدون تردد .وقال : فأنذر ، دون فبشر ، لأن الإِنذار هو المناسب فى ابتداء تبليغ الناس دعوة الحق حتى يرجعوا عما هم فيه من ضلال .ومفعول أنذر محذوف .
أى : قم فأنذر الناس ، ومرهم بإخلاص العبادة لله .
وقوله : ( وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ) أمر آخر له صلى الله عليه وسلم ولفظ ( وَرَبَّكَ ) منصوب على التعظيم لفعل ( كبر ) قدم على عاملة لإِفادة التخصيص .أى : يأيها المدثر بثيابه لخوفه مما رآه من ملك الوحى ، لا تخف ، وقم فأنذر الناس من عذاب الله ، إذا ما استمروا فى شركهم ، واجعل تكبيرهم وتعظيمك وتبجيلك لربك وحده ، دون أحد سواه ، وصفه بما هو أهله من تنزيه وتقديس .
والمراد بتطهير الثياب فى قوله - تعالى - : ( وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ ) أمر بأن تكون ثيابه طاهرة من النجاسات ، لأن طهارة الثياب شرط فى الصلاة ، ولا تصح إلا بها .
وهى الأول والأحب فى غير الصلاة .
وقبيح بالمؤمن الطيب أن يحمل خبثا .وقيل : هو أمر بتطهير النفس مما يستقذر من الأفعال ، ويستهجن من العادات .
يقال : فلان طاهر الثياب ، وطاهر الجيب والذيل والأردان ، إذا وصفوه بالنقاء من المعايب ، ومدانس الأخلاق .
ويقال : فلان دنس الثياب : للغادر - والفاجر - ، وذلك لأن الثوب يلابس الإِنسان ، ويشتمل عليه ..وسواء أكانت المراد بالثياب هنا معناها الحقيقى ، أو معناها المجازى المكنى به عن النفس والذات ، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم كان مواظبا على الطهارة الحسية والمعنوية فى كل شئونه وأحواله ، فهو بالنسبة لثيابه كان يطهرها من كل دنس وقذر ، وبالنسبة لذاته ونفسه ، كان أبعد الناس عن كل سوء ومنكر من القول أو الفعل .إلا أننا نميل إلى حمل اللفظ على حقيقته ، لأنه لا يوجد ما يوجب حمله على غير ذلك .
ثم أمره - سبحانه - بأمر رابع فقال : ( والرجز فاهجر ) والأصل فى كلمة الرجز أنها تطلق على العذاب ، قال - تعالى - : ( فَلَماَّ كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرجز إلى أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ ) والمراد به هنا : الأصنام والأوثان ، أو المعاصى والمآثم التى يؤدى اقترافها إلى العذاب .
أى : ودوام - أيها الرسول الكريم - على ما أنت عليه من ترك عبادة الأصنام والأوثان ، ومن هجر المعاصى والآثام .فالمقصود بهجر الرجز : المداومة على هجره وتركه ، لأنه صلى الله عليه وسلم لم يلتبس بشئ من ذلك .
ثم نهاه - سبحانه - عن فعل ، لا يتناسب مع خلقه الكريم صلى الله عليه وسلم فقال : ( وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ ) والمن : أن يعطى الإِنسان غيره شيئا ، ثم يتباهى به عليه ، والاستكثار : عد الشئ الذى يعطى كثيرا .أى : عليك - أيها الرسول الكريم - أن تبذل الكثير من مالك وفضلك لغيرك ، ولا تظن أن ما أعطيته لغيرك كثيرا - مهما عظم وجل - فإن ثواب الله وعطاءه أكثر وأجزل .
.ويصح أن يكون المعنى : ولا تعط غيرك شيئا ، وأنت تتمنى أن يرد لك هذا الغير أكثر مما أعطيته ، فيكون المقصود من الآية : النهى عن تمنى العوض .قال ابن كثير : قوله : ( وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ ) قال ابن عباس : لا تعط العطية تلتمس أكثر منها .وقال الحسن البصرى : لا تمنن بعملك على ربك تستكثره ، وعن مجاهد : لا تضعف أن تستكثر من الخير .وقال ابن زيد : لا تمنن بالنبوة على الناس : تستكثرهم بها ، تأخذ على ذلك عوضا من الدنيا .فهذه أربعة أقوال ، والأظهر القول الأول - المروى عن ابن عباس وغيره - .
وقوله - سبحانه - : ( وَلِرَبِّكَ فاصبر ) أى : وعليك - أيها الرسول الكريم - أن توطن نفسك على الصبر ، على التكاليف التى كلفك بها ربك ، وأن تتحمل الآلام والمشاق فى سبيل دعوة الحق ، بعزيمة صادقة ، وصبر جميل ، وثبات لا يخالطه تردد أو ضعف .فهذه ست وصايا قد اشتملت على ما يرشد إلى التحلى بالعقيدة السليمة ، والأخلاق الكريمة .
ثم ذكر - سبحانه - بعد ذلك جانبا من أهوال يوم القيامة فقال : ( فَإِذَا نُقِرَ فِي الناقور .
فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ .
عَلَى الكافرين غَيْرُ يَسِيرٍ ) .والفاء فى قوله : ( فَإِذَا نُقِرَ فِي الناقور ) للسببية .
والناقور - بزنة فاعول : من النقر ، وهو اسم لما ينقر فيه ، أى : لما ينادى فيه بصوت مرتفع .والمراد به هنا : الصور أو القرن الذين ينفخ فيه إسرافيل بأمر الله - تعالى - النفخة الثانية التى يكون بعدها الحساب والجزاء .
والفاء فى قوله : ( فَذَلِكَ ) واقعة فى جواب ( إذا ) واسم الإِشارة يعود إلى مدلول النقر وما يترتب عليه من حساب وجزاء .
وقوله ( يومئذ ) بدل من اسم الإِشارة والتنوين فيه عوض عن جملة وقوله : ( عَسِيرٌ ) و ( غَيْرُ يَسِير ) صفتان لليوم .أى : أنذر - أيها الرسول الكريم - الناس ، وبلغهم رسالة ربك ، واصبر على أذى المشركين ، فإنه إذا نفخ إسرافيل بأمرنا النفخة الثانية ، صار ذلك النفخ وما يترتب عليه من أهوال ، وقتا وزمانا عسير أمره على الكافرين ، وغير يسير وقعه عليهم .ووصف اليوم بالعسير ، باعتبار ما يقع فيه من أحداث يشيب من هولها الولدان .
وقوله : ( غَيْرُ يَسِير ) تأكيد لمعنى ( عَسِيرٌ ) مغن عنه؟
قلت : لما قال ( عَلَى الكافرين ) فقصر العسر عليهم قال : ( غَيْرُ يَسِير ) ليؤذن بأنه لا يكون عليهم كما يكون على المؤمنين يسيرا هينا ، ليجمع بين وعيد الكافرين وزيادة غيظهم ، وبين بشارة المؤمنين وتسليتهم .
ويجوز أن يراد أنه عسير لا يرجى أن يرجع يسيرا .
كما يرجى تيسير العسير من أمور الدنيا .
ثم ذكر - سبحانه - جانبا من قصة زعيم من زعماء المشركين .
افترى الكذب على الله - تعالى - وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم فكانت عاقبته العذاب المهين ، فقال - تعالى - : ( ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً .
وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً .
وَبَنِينَ شُهُوداً .
وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً .
ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ .
كَلاَّ .
.
.
) .وقد ذكر المفسرون أن هذه الآيات نزلت فى شأن الوليد بن المغيرة المخزومى ، وذكروا فى ذلك روايات منها : أن المشركين عندما اجتمعوا فى دار الندوة ، ليتشاوروا فيما يقولونه فى شأن الرسول صلى الله عليه وسلم وفى شأن القرآن الكريم - قبل أن تقدم عليهم وفود العرب للحج .
فقال بعضهم : هو شاعر ، وقال آخرون بل هو كاهن .
.
أو مجنون .
.
وأخذ الوليد يفكر ويرد عليهم ، ثم قال بعد أن فكر وقدر : ما هذا الذى يقوله محمد صلى الله عليه وسلم إلا سحر يؤثر ، أما ترونه يفرق بين الرجل وامرأته ، وبين الأخ وأخيه .
.قال الآلوسى : نزلت هذه الآيات فى الوليد بن المغيرة المخزومى ، كما روى عن ابن عباس وغيره .
بل قيل : كونها فيه متفق عليه .
.
وقوله : ( وَحِيداً ) حال من الياء فى ( ذَرْنِي ) أى : ذرنى وحدى معه فأنا أغنيك فى الانتقام منه ، أو من التاء فى خلقت أى : خلقته وحدى ، لم يشركنى فى خلقه أحد ، فأنا أهلكه دون أن أحتاج إلى ناصر فى إهلاكه ، أو من الضمير المحذوف العائد على " مَن " أى : ذرنى ومن خلقته وحيدا فريدا لا مال له ولا ولد ..
وكان الوليد يلقب فى قومه بالوحيد .
.
لتفرده بمزايا ليست فى غيره - فتهكم الله - تعالى - به وبلقبه ، أو صرف هذا اللقب من المدح إلى الذم .أى : اصبر - أيها الرسول الكريم - على ما يقوله أعداؤك فيك من كذب وبهتان ، واتركنى وهذا الذى خلقته وحيدا فريدا لا مال له ولا ولد ثم أعطيته الكثير من النعم ، فلم يشكرنى على ذلك .والتعبير بقوله ( ذَرْنِي ) للتهديد والوعيد ، وهذا الفعل يأتى منه الأمر والمضارع فحسب ، ولم يسمع منه فعل ماض .
وقوله : ( وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً ) أى : وجعلت له مالا كثيرا واسعا ، يمد بعضه بعضا ، فقوله : ( مَّمْدُوداً ) اسم مفعول من " مدَّ " الذى بمعنى أطال بأن شبهت كثرة المال ، بسعة مساحة الجسم .أو من " مدَّ " الذى هو بمعنى زاد فى الشئ من مثله ، ومنه قولهم : مد الوادى النهر ، أى : مده بالماء زيادة على ما فيه .قالوا : وكان الوليد من أغنى أهل مكة ، فقد كانت له أموال كثيرة من الإِبل والغنم والعبيد والبساتين وغير ذلك من أنواع الأموال .
( وَبَنِينَ شُهُوداً ) أى : وجعلت له - بجانب هذا المال الممدود - أولادا يشهدون مجالسة ، لأنهم لا حاجة بهم إلى مفارقته فى سفر أو تجارة ، إذ هم فى غنى عن ذلك بسبب وفرة المال فى أيدى أبيهم .فقوله : ( شُهُوداً ) جمع شاهد بمعى حاضر ، وهو كناية عن كثرة تنعمهم وائتناسه بهم .قيل : كانوا عشرة ، وقيل ثلاثة عشر ، منهم : الوليد ، وخالد ، وعمارة ، وهشام والعاصى ، وعبد شمس .وقد أسلم منهم ثلاثة ، وهم : خالد ، وهشام ، وعمارة .
( وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً ) والتمهيد مصدر مهد ، بمعنى سوى الشئ ، وأزال منه ما يجعله مضطربا متنافرا ، ومنه مهد الصبى .
أى : المكان المعد لراحته .
والمراد بالتمهيد هنا : تيسير الأمور ، ونفاذ الكلمة ، وجمع وسائل الرياسة له .أى : جعلت له مالا كثيرا ، وأولادا شهودا ، وفضلا عن ذلك ، فقد هيأت له وسائل الراحة والرياسة تهيئة حسنة ، أغنته عن الأخذ والرد مع قومه ، بل صار نافذ الكلمة فيهم بدون عناء أو تعب .فأنت ترى أن هذه الآيات الكريمة قد ذكرت أن الله - تعالى - قد أعطى الوليد بن المغيرة ، جماع ما يحتاجه الإِنسان فى هذه الحياة ، فقد أعطاه المال الوفير ، والبنين الشهود ، والجاه التام الذى وصل إليه بدون جهد أو تعب .
وقوله - سبحانه - : ( ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ ) بيان لما جبل عليه هذا الإِنسان من طمع وشره .
.
أى : مع إمدادى له بكل هذه النعم ، هو لا يشبع ، بل يطلب المزيد منها لشدة حرصه وطمعه .
و " ثم " هنا للاستبعاد والاستنكار والتأنيب ، فهى للتراخى الرتبى ، والجملة معطوفة على قوله - قبل ذلك : " وجعلت ومهدت .
.
" أى : أعطيته كل هذه النعم ، ثم بعد ذلك هو شره لا يشبع ، وإنما يطلب المزيد منها ثم المزيد .
وقوله : ( إِنَّهُ كان لآيَاتِنَا عَنِيداً ) تعليل للزجر والردع وقطع الرجاء .
أى : كلا لن أمكنه مما يريده ويتمناه .
.
لأنه كان إنسانا شديد المعاندة والإِبطال لآياتنا الدالة على وحدانيتنا ، وعلى صدق رسولنا فيما يبلغه عنا .
ومن مظاهر ذلك أنه وصف رسولنا صلى الله عليه وسلم بأنه ساحر .
.قال مقاتل : مازال الوليد بعد نزول هذه الآية فى نقص من ماله وولده حتى هلك .
ثم بين - سبحانه - ما أعده له من عذاب أليم فقال : ( سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً ) .
والإِرهاق : الإِتعاب الشديد ، وتحميل الإِنسان مالا يطيقه .
يقال : فلان رِهِقَه الأمر يرهَقُه ، إذا حل به بقهر ومشقة لا قدرة له على دفعها .
ومنه قوله - تعالى - : ( وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً ) وقوله - سبحانه - : ( والذين كَسَبُواْ السيئات جَزَآءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَّا لَهُمْ مِّنَ الله مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِّنَ الليل مُظْلِماً .
.
.
) والصعود : العقبة الشديدة ، التى لا يصل الصاعد نحوها إلا بمشقة كبيرة ، وتعب قد يؤدى إلى الهلاك والتلف .
وهذه الكلمة صيغة مبالغة من الفعل صَعِد .وهذه الآية الكريمة فى مقابل قوله - تعالى - قبل ذلك : ( وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً ) أى : أن هذا الجاه الذى أتاه فى الدنيا بدون تعب .
.
سيلقى فى الآخرة ما هو نقيضه من تعب وإذلال .
.قال صاحب الكشاف : قوله : ( سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً ) أى : سأغشيه عقبة شاقة المصعد .وهو مثل لما يلقى من العذاب الشاق الصعد الذى لا يطاق .
وعن النبى صلى الله عليه وسلم " يكلف أن يصعد عقبة فى النار ، كلما وضع عليها يده ذابت ، فإذا رفعها عادت ، وإذا وضع رجله عليها ذابت ، فإذا رفعها عادت " وعنه صلى الله عليه وسلم : " الصعود جبل من نار يصعد فيه سبعين خريفا ثم يهوى فيه كذلك أبدا " .
ثم صور - سبحانه - حال هذا الشقى تصويرا بديعا يثير السخرية منه ومن تفكيره فقال : ( إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ ) أى : إن هذا الشقى ردد فكره وأدراه فى ذهنه ، وقدَّر وهيأ فى نفسه كلاما شنيعا يقوله فى حق الرسول صلى الله عليه وسلم وفى حق القرآن الكريم .يقال : قدَّر فلان الشئ فى نفسه ، إذا هيأه وأعده .
.والجملة الكريمة تعليل للوعيد والزجر ، وتقرير لاستحقاقه له ، أو بيان لمظاهر عناده .
.
وقوله - سبحانه - : ( فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ .
ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ) تعجيب من تفكيره وتقديره ، وذم شديد له على هذا التفكير السَّيِّئ .
.أى : إنه فكر مليا ، وهيأ نفسه طويلا للنطق بما يقوله فى حق الرسول صلى الله عليه وسلم وفى قح القرآن ، ( فقتل ) أى : فلعن ، أو عذب ، وهو دعاء عليه ( كَيْفَ قَدَّرَ ) أى : كيف فكر هذا التفكير العجيب البالغ النهاية فى السوء والقبح .
*وقوله : ( ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ) تكرير للمبالغة فى ذمه .
والتعجيب من سوء تقديره ، وفى الدعاء عليه باللعن والطرد من رحمته - تعالى - .والعطف بثم لافادة التفاوت فى الرتبة ، وأن الدعاء عليه والتعجيب من حاله فى الجملة الثانية ، أشد منه فى الجملة الأولى .
وقوله - تعالى - بعد ذلك : ( ثُمَّ نَظَرَ .
ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ .
ثُمَّ أَدْبَرَ واستكبر .
.
.
) تصوير آخر لحالة هذا الشقى ، يرسم حركات جسده ، وخلجات قلبه ، وتقاطيع وجهه .
.
رسما بديعا ، يثير فى النفوس السخرية من هذا الشقى .أى : إنه فكر تفكيرا مليا ، وقدر فى نفسه ما سيقوله فى شأن النبى صلى الله عليه وسلم تقديرا طويلا .
.
ولم يكتف بكل ذلك ، بل فكر وقدر ( ثُمَّ نَظَرَ ) أى : ثم نظرفى وجوه من حوله نظرات يكسوها الجد المصطنع المتكلف ، حتى لكأنه يقول لهم : اسمعوا وعوا لما سأقوله لكم .
.
( ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ) أى : ثم قطب ما بين عينيه حين استعصى عليه أن يجد فى القرآن مطعنا ، وكلح وجهه ، وتغير لونه ، وارتعشت أطرافه ، حين ضاقت عليه مذاهب الحيل ، فى أن يجد فى القرآن مطعنا .يقال : عَبسَ فلان يَعْبِسُ عبوسا ، إذا قطب جبينه .
وأصله من العبس وهو ما تعلق بأذناب الإِبل من أبوالها وأبعارها بعد أن جف عليها .ويقال : بَسر فلان يَبسُر بسورا ، إذا قبض ما بين عينيه كراهية للشئ .ومنه قوله - تعالى - : ( وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ .
تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ ).
( ثُمَّ أَدْبَرَ واستكبر ) أى : ثم إنه بعد هذا التفكير والتقدير ، وبعد هذا العبوس والبسور ، بعد ذلك أدبر على الحق ، واستكبر عن قبوله .
( فقال ) - على سبيل الغرور والجحود - ( فَقَالَ إِنْ هاذآ إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ ) أى : ما هذا القرآن الذى يقرؤه محمد صلى الله عليه وسلم علينا ، إلا سحر مأثور أى : مروى عن الأقدمين ، ومنقول من أقوالهم وكلامهم .
وجملة ( إِنْ هاذآ إِلاَّ قَوْلُ البشر ) بدل مما قبلها ، أى : ما هذا القرآن إلا سحر مأثور عن السابقين ، فهو من كلام البشر ، وليس من كلام الله - تعالى - كما يقول محمد صلى الله عليه وسلم .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ما معنى " ثم " الداخلة فى تكرير الدعاء؟
قلت : الدالة على أن الكرة الثانية أبلغ من الأولى ، ونحوه قوله : ألا يا اسلَمِى ثم اسلَمِى ، ثُمَّتَ اسلمِى .فإن قلت : ما معنى المتوسطة بين الأفعال التى بعدها؟
قلت : الدلالة على أنه قد تأتى فى التأمل والتمهل ، وكأن بين الأفعال المتناسقة تراخيا وتباعدا .
.فإن قلت : فلم قيل : ( فَقَالَ إِنْ هاذآ .
.
.
) بالفاء بعد عطف ما قبله بثم؟
قلت : لأن الكلمة لما خطرت بباله بعد التطلب ، لم يتمالك أن نطق بها من غير تلبث .فإن قلت : فلم لم يوسط حرف العطف بين الجملتين؟
قلت : لأن الأخرى جرت من الأولى مجرى التوكيد من المؤكد .
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك الوعيد الشديد الذى توعد به هذا الشقى الأثيم فقال : ( سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ) وسقر : اسم لطبقة من طبقات جهنم ، والجملة الكريمة بدل من قوله : ( سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً ) أى : سأحرقه بالنار المتأججة الشديدة الاشتعال .
وقوله : ( وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ ) تهويل من حال هذه النار وتفظيع لشدة حرها .أى : وما أدراك ما حال سقر؟
إن حالها وشدتها لا تستطيع العبارة أن تحيط بها .
وجملة ( لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ ) بدل اشتمال من التهويل الذى أفادته جملة ( وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ )أى : هذه النار لا تبقى شيئا فيها إلا أهلكته ، ولا تترك من يلقى فيها سليما ، بل تمحقه محقا ، وتبلعه بلعا ، وتعيده - بأمر الله تعالى - إلى الحياة مرة أخرى ليزداد من العذاب ، كما قال - تعالى - : ( كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ العذاب .
.
).
* وقوله : ( لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ ) صفة ثالثة من صفات سقر .ومعنى : ( لَوَّاحَةٌ ) مُغَيِّرة للبشرَات .
مُسَوِّدة للوجوه ، صيغة مبالغة من اللَّوْح بمعنى تغيير الشئ يقال : فلان لوَّحته الشمس ، إذا سَوَّدَتْ ظاهرهَ وأطرافه .
والبشر : جمع بشرة وهى ظاهر الجلد .أى : أن هذه النار من صفاتها - أيضا - أنها تغير ألوان الجلود ، فتجعلها مسودة بعد أن كانت على غير هذا اللون ، وأنها لا تنزل بالأجساد من الآلام ما لا يعلمه إلا الله - تعالى - .
وقوله - تعالى - : ( عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ ) أى : على سقر تسعة عشر من الملائكة ، يَلْقَوْن فيها أهلَها .
ثم قيل : على جملة النار تسعة عشر من الملائكة هم خزنتها مالك وثمانية عشر ملكا .ويحتمل أن يكون التسعة عشر نقيبا .
ويحتمل أن يكون تسعة عشر ملكا بأعيانهم ، وعلى هذا أكثر المفسرين .
.
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك جانبا من مظاهر قدرته وحكمته ، وابتلائه لعباده بشتى أنواع الابتلاء ، ليتميز قوى الإِيمان من ضعيفه .فقال - تعالى - :( وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَابَ النار إِلاَّ مَلاَئِكَةً .
.
.
) .قال الإِمام ابن كثير : يقول الله - تعالى - : ( وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَابَ النار ) أى : خزانها ( إِلاَّ مَلاَئِكَةً ) أى : غلاظا شدادا .
وذلك رد على مشركى قريش حين ذكر عدد الخزنة .
فقال أبو جهل : يا معشر قريش ، أما يستطيع كل عشرة منكم لواحد منهم فتغلبونهم؟
فقال الله - تعالى - :( وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَابَ النار إِلاَّ مَلاَئِكَةً ) أى : شديدى الخلق لا يقاومون ولا يغالبون .وقد قيل : إن أبا الأشد - واسمه : كلدة بن أسيد بن خلف - قال : يا معشر قريش ، اكفونى منهم اثنين وأنا أكفيكم سبعة عشر ، إعجابا منه بنفسه ، وكان قد بلغ من القوة - فيما يزعمون - أنه كان يقف على جلد البقرة ، ويجاذبه عشرة لينتزعوه من تحت قدميه ، فيتمزق الجلد ، ولا يتزحزح عنه .
.وقال الجمل فى حاشيته : قال ابن عباس : لما نزلت هذه الآية ( عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ ) قال أبو جهل لقريش : ثكلتكم أمهاتكم!
محمد صلى الله عليه وسلم يخبر أن خزنة النار تسعة عشر ، وأنتم الشجعان ، أفيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا بواحد منكم؟فقال أبو الأشد : أنا أكفيكم منهم سبعة عشر ، عشرة على ظهرى ، وسبعة على بطنى .وأكفونى أنتم اثنين .
.
فأنزل الله - تعالى - : ( وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَابَ النار إِلاَّ مَلاَئِكَةً .
.
) .والمقصود من هذه الآية الكريمة الرد على المشركين ، الذين سخروا من النبى صلى الله عليه وسلم عندما عرفوا منه أن على سقر تسعة عشر ملكا يتولون أمرها .
.أى : أننا أوجدنا النار لعذاب الكافرين ، وما جعلنا خزنتها إلا من الملائكة الغلاظ الشداد ، الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ، والذين لا قدرة لأحد من البشر على مقاومتهم أو مخالفة أمرهم ، لأنهم أشد بأسا ، وأقوى بطشا من كافة الإِنس والجن .
.والاستثناء من عموم الأنواع .
أى : وما جعلنا أصحاب النار إلا من نوع الملائكة ، الذين لا قدرة لأحد من البشر على مقاومتهم .
.وقوله - سبحانه - : ( وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ ) بيان لحكمة أخرى من ذكر هذا العدد .
.والفتنة بمعنى الاختبار والامتحان .
تقول : فتنت الذهب بالنار ، أى : اختبرته بها ، لتعلم جودته من رداءته .
وقوله : ( إِلاَّ فِتْنَةً ) مفعول ثان لقوله ( جَعَلْنَا ) والكلام على حذف مضاف .
.أى : وما جعلنا عدة خزنة النار تسعة عشر ، إلا ليكون هذا العدد سبب فتنة واختبار للذين كفروا ، ولقد زادهم هذا الامتحان والاختبار جحودا وضلالا ، ومن مظاهر ذلك أنهم استهزأوا بالنبى صلى الله عليه وسلم عندما قرأ عليهم القرآن ، فحق عليهم عذابنا ووعيدنا .
.قال الإِمام الرازى : وإنما صار هذا العدد سببا لفتنة الكفار من وجهين : الأول أن الكفار كانوا يستهزئون ويقولون : لم لا يكونون عشرين - بدلا من تسعة عشر - وما المقتضى لتخصيص هذا العدد؟والثانى أن الكفار كانوا يقولون : هذا العدد القليل ، كيف يكون وافيا بتعذيب أكثر العالم من الجن والإِنس ..
؟وأجيب عن الأول : بأن هذا السؤال لازم على كل عدد يفرض ، وأفعال الله - تعالى - لا تعلل ، فلا يقال فيها لم كان هذا العدد ، فإن ذكره لحكمة لا يعلمها إلا هو - سبحانه - .وأجيب عن الثانى : بأنه لا يبعد أن الله - تعالى - يعطى ذلك العدد القليل قوة تفى بذلك ، فقد اقتلع جبريل وحده ، مدائن قوم لوط على أحد جناحيه ، ورفعها إلى السماء .
.
ثم قلبها ، فجعل عاليها سافلها .
.- وأيضا - فأحوال القيامة ، لا تقاس بأحوال الدنيا ، وليس للعقل فيها مجال .
.وقوله - سبحانه - : ( لِيَسْتَيْقِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب وَيَزْدَادَ الذين آمنوا إِيمَاناً .
.
.
) علة أخرى ، لذكر هذا العدد .
والاستيقان : قوة اليقين ، فالسين والتاء للمبالغة .أى : وما جعلنا عدتهم كذلك - أيضا - إلا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب من اليهود والنصارى ، بأن الرسول صلى الله عليه وسلم صادق فيما يبلغه عن ربه ، إذ أن الكتب السماوية التى بين أيديهم قد ذكرت هذا العدد ، كما ذكره القرآن الكريم ، وإذا ليزداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم ، بصدق نبيهم صلى الله عليه وسلم ، إذ أن الإِخبار عن المغيبات عن طريق القرآن الكريم ، من شأنها أن تجعل الإِيمان فى قلوب المؤمنين الصادقين ، يزداد رسوخا وثباتا .قال الإِمام ابن كثير : قوله : ( لِيَسْتَيْقِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب ) أى : يعلمون أن هذا الرسول حق ، فإنه نطق بمطابقة ما بأيديهم من الكتب السماوية المنزلة على الأنبياء قبله .
.وقال الآلوسى : وأخرج الترمذى وابن مردويه عن جابر قال : " قال ناس من اليهود ، لأناس من المسلمين : هل يعلم نبيكم عدد خزنة جهنم؟
فأخبروا بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " هكذا وهكذا " فى مرة عشرة .
وفى مرة تسعة " .وقال الآلوسى : واستشعر من هذا أن الآية مدنية ، لأن اليهود إنما كانوا فيها ، وهو استشعار ضعيف ، لأن السؤال لصحابى فلعله كان مسافرا فاجتمع بيهودى حيث كان - وأيضا - لا مانع إذ ذاك من إتيان بعض اليهود نحو مكة .
.وقوله - تعالى - : ( وَلاَ يَرْتَابَ الذين أُوتُواْ الكتاب والمؤمنون ) معطوف على قوله : ( لِيَسْتَيْقِنَ .
.
) وهو مؤكد لما قبله ، من الاستيقان وازدياد الإِيمان ، ونفى لما قد يعترى المستيقن من شبهة عارضة .أى : فعلنا ما فعلنا ليكتسب أهل الكتاب اليقين من نبوته صلى الله عليه وسلم وليزداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم .
ولتزول كل ريبة أو شبهة قد تطرأ على قلوب الذين أوتوا الكتاب ، وعلى قلوب المؤمنين .
.وقوله - سبحانه - : ( وَلِيَقُولَ الذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ والكافرون مَاذَآ أَرَادَ الله بهذا مَثَلاً ) بيان لعلة أخرى لكون خزنة سقر تسعة عشر .أى : ما جعلنا عدتهم كذلك إلا فتنة للذين كفروا ، وإلا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب من صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وإلا ليزداد الذين آمنوا إيمانا ، وإلا لنزول الريبة من قلوب الفريقين ، وإلا ليقول الذين فى قلوبهم مرض ، أى : شك وضعف إيمان ، وليقول الكافرون المصرون على التكذيب : ما الأمر الذى أراده الله بهذا المثل ، وهو جعل خزنة سقر تسعة عشر؟
فالمقصود بالاستفهام فى قوله - تعالى - : ( مَاذَآ أَرَادَ الله بهذا مَثَلاً ) الإِنكار .
والإِشارة بهذا مرجعها إلى قوله - تعالى - قبل ذلك : ( عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ ) وقوله : ( مثلا ) حال من اسم الإِشارة ، والمراد به العدد السابق .
وسموه مثلا لغرابته عندهم .
أى : ما الفائدة فى أن تكون عدة خزنة سقر تسعة عشر ، وليسوا أكثر أو أقل؟
وهم يقصدون بذلك نفى أن يكون هذا العدد من عنده - تعالى - .قال الآلوسى : قوله - تعالى - : ( مَاذَآ أَرَادَ الله بهذا مَثَلاً ) أى : أى شئ أراده الله - تعالى - ، أو ما الذى أراده الله - تعالى - بهذا العدد المستغرب استغراب المثل .وعلى الأول تكون ( ماذا ) بمنزلة اسم واحد .
.
وعلى الثانى : هى مؤلفة من كلمة ( ما ) اسم استفهام مبتدأ ، و ( ذا ) اسم موصول خبره ، والجملة بعده صلة ، والعائد فيها محذوف ، ( ومثلا ) نصب على التمييز أو على الحال .
.
وعنوا بالإِشارة : التحقير ، وغرضهم : نفى أن يكون ذلك من عند الله - تعالى - .
.واسم الإِشارة فى قوله - تعالى - : ( كَذَلِكَ يُضِلُّ الله مَن يَشَآءُ ) يعود إلى ما تضمنه الكلام السابق ، من استيقان أهل الكتاب ، وازدياد المؤمنين إيمانا ، واستنكار الكافرين ومن فى قلوبهم مرض لهذا المثل .أى : مثل ذلك الضلال الحاصل للذين فى قلوبهم مرض للكافرين ، يضل الله - تعالى - من يشاء إضلاله من خلقه ، ومثل ذلك الهدى الحاصل فى قولب المؤمنين ، يهدى الله من يشايء هدايته من عباده ، إذ هو - سبحانه - الخالق لكل شئ ، وهو على كل شئ قدير .ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك ما يخرس ألسنة الكافرين ، الذين أنكروا هذا العدد الذى جعله الله - تعالى - على سقر ، ليتصرف فيها على حسب إرادته - تعالى - ومشيئته ، فقال : ( وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ ) والجنود : جمع جند ، وهو اسم لما يتألف منه الجيش من أفراد .والمراد بهم هنا : مخلوقاته - تعالى - الذين سخرهم لتنفيذ أمره ، وسموا جنودا ، تشبيها لهم بالجنود فى تنفيذ مراده - سبحانه - .أى : وما يعلم عدد جنود ربك - أيها الرسول الكريم - ولا مبلغ قوتهم ، إلا هو - عز وجل - وما هذا العدد الذى ذكرناه لك إلا جزء من جنودنا ، الذين حجبنا علم عددهم وكثرتهم ..
عن غيرنا .قال الإِمام ابن كثير : قوله - تعالى - : ( وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ ) أى : وما يعلم عددهم وكثرتهم إلا هو - تعالى - ، لئلا يتوهم متوهم أنماهم تسعة عشر فقط .وقد ثبت فى حديث الإِسراء المروى فى الصحيحين وغيرهما ، " عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال فى صفة البيت المعمور ، الذى فى السماء السابعة : فإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك .
.
"والضمير فى قوله : ( وَمَا هِيَ إِلاَّ ذكرى لِلْبَشَرِ ) يعود إلى سقر .
.
أى : وما سقر التى ذكرت لكم أن عليها تسعة عشر ملكا يلون أمرها ، إلا تذكرة وعظة للبشر ، لأن من يتذكر حرها وسعيرها وشدة عذابها .
.
من شأنه ، أن يخلص العبادة لله - تعالى - ، وأن يقدم فى دنياه العمل الصالح الذى ينفعه فى أخراه .وقيل : الضمير للآيات الناطقة بأحوال سقر .
أى : وما هذه الآيات التى ذكرت بشأن سقر وأهوالها إلا ذكرى للبشر .
ثم أبطل - سبحانه - ما أنكره الذين فى قلوبهم مرض ، وما أنكره الكافرون مما جاء به القرآن الكريم ، فقال : ( كَلاَّ والقمر .
والليل إِذْ أَدْبَرَ .
والصبح إِذَآ أَسْفَرَ .
إِنَّهَا لإِحْدَى الكبر .
نَذِيراً لِّلْبَشَرِ .
لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ ) .و ( كلا ) حرف زجر وردع وإبطال لكلام سابق .
والواو فى قوله : ( والقمر ) للقسم والمقسم به ثلاثة أشياء : القمر والليل والصبح ، وجواب القسم قوله : ( إِنَّهَا لإِحْدَى الكبر .
.
.
)أى : كلا ، ليس الأمر كما أنكر هؤلاء الكافرون ، من أن تكون عدة الملائكة الذين على سقر ، تسعة عشر ملكا ، أو من أن تكون سقر مصير هؤلاء الكافرين ، أو من أن فى قدرتهم مقاومة هؤلاء الملائكة .كلا ، ليس الأمر كذلك ، وحق القمر الذى ( قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حتى عَادَ كالعرجون القديم ).
وحق ( والليل إِذْ أَدْبَرَ ) أى : وقت أن ولى ذاهبا بسبب إقبال النهار عليه .
وحق ، ( والصبح إِذَآ أَسْفَرَ ) ، أى : إذا أضاء وابتدأ فى الظهور والسطوع .
والضمير فى قوله - تعالى - : ( إِنَّهَا لإِحْدَى الكبر ) يعود إلى سفر .
والكبر : جمع كبرى ، والمراد بها : الأمور العظام ، والخطوب الجسام .أى : إن سقر التى تهكم بها وبخزنتها الكافرون ، لهى إحدى الأمور العظام ، والدواهى الكبار ، التى قل أن يوجد لها نظير أو مثيل فى عظمها وفى شدة عذاب من يصطلى بنارها .وأقسم - سبحانه - بهذه الأمور الثلاثة ، لزيادة التأكيد ، ولإِبطال ما تفوه به الجاحدون ، بأقوى أسلوب .وكان القسم بهذه الأمور الثلاثة ، لأنها تمثل ظهور النور بعد الظلام ، والهداية بعد الضلال ، ولأنها تناسب قوله - تعالى - قبل ذلك : ( كَذَلِكَ يُضِلُّ الله مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ ) .
وانتصب لفظ " نذيرا " من قوله : ( نَذِيراً لِّلْبَشَرِ ) على أنه حال من الضمير فى قوله ( إِنَّهَا لإِحْدَى الكبر ) أى : إن سقر لعظمى العظائم ، ولداهية الدواهى ، حال كونها إنذارا للبشر ، حتى يقلعوا عن كفرهم وفسوقهم ، ويعودوا إلى إخلاص العبادة لخالقهم .ويصح أن يكون تمييزا لإِحدى الكبر ، لما تضمنته من معنى التعظيم ، كأنه قيل : إنها لإِحدى الكبر إنذارا للبشر ، وردعا لهم عن التمادى فى الكفر والضلال .
.
فالنذير بمعنى الإِنذار .
وقوله - سبحانه - : ( لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ ) بدل مفصل من مجمل ، هذا المجمل هو قوله ( للبشر ) .أى : إن سقر لهى خير منذر للذين إن شاءوا تقدموا إلى الخير ففازوا ، وإن شاءوا تأخروا عنه فهلكوا .
فالمراد بالتقدم نحو الطاعة والهداية .
والمراد بالتأخر : التأخر عنهما والانحياز نحو الضلال والكفر إذ التقدم تحرك نحو الأمام ، وهو كناية عن قبول الحق ، وبعكسه التأخر .
.ويجوز أن يكون المعنى : هى خير نذير لمن شاء منكم التقدم نحوها ، أو التأخر عنها .وتعليق ( نذيرا ) بفعل المشيئة ، للإِشعار بأن عدم التذكر مرجعه إلى انطماس القلب ، واستيلاء المطامع والشهوات عليه ، وللإِيذان بأن من لم يتذكر ، فتبعة تفريطه واقعة عليه وحده ، وليس على غيره .قال الآلوسى : قوله : ( لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ ) الجار والمجرور بدل من الجار والمجرور فيما سبق ، أعنى ( للبشر ) وضمير " شاء " للموصول .
أى : نذيرا للمتمكنين منكم من السبق إلى الخير ، والتخلف عنه .
وقال السدى : أن يتقدم إلى النار المتقدم ذكرها ، أو يتأخر عنها إلى الجنة ، وقال الزجاج : أن يتقدم إلى المأمورات أو يتأخر عن المنهيات .
.
ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهرعدله فى أحكامه : وفى بيان الأسباب التى أدت إلى فوز المؤمنين ، وهلاك الكافرين .
.
فقال - تعالى - :( كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ .
.
.
) .قوله - تعالى - : ( رَهِينَةٌ ) خبر عن ( كُلُّ نَفْسٍ ) ، وهو بمعنى مرهونة .
أى : كل نفس مرهونة عند الله - تعالى - بكسبها ، مأخوذة بعملها ، فإن كان صالحا أنجاها من العذاب ، وإن كان سيئا أهلكها ، وجعلها محلا للعقاب .قالوا : وإنما كانت مرهونة ، لأن الله - تعالى - جعل تكليف عباده كالدَّين عليهم ، ونفوسهم تحت استيلائه وقهره ، فهى مرهونة ، فمن وفى الذى كلف به ، خلص نفسه من عذاب الله - تعالى - الذين نزل منزلة علامة الرهن ، وهو أخذ فى الدين ، ومن لم يوف عذب .
والاستثناء فى قوله ( إِلاَّ أَصْحَابَ اليمين ) استثناء متصل أى أن كل نفس مرهونة بعملها .
.
إلا أصحاب اليمين وهم المؤمنين الصادقون.
فإنهم مستقرون ( فِي جَنَّاتٍ ) عالية ( يَتَسَآءَلُونَ .
عَنِ المجرمين ) أى : يسأل بعضهم بعضا عن أحوال المجرمين .
فإنهم مستقرون ( فِي جَنَّاتٍ ) عالية ( يَتَسَآءَلُونَ .
عَنِ المجرمين ) أى : يسأل بعضهم بعضا عن أحوال المجرمين .وهذا التساؤل إنما يكون قبل أن يروهم ، فإذا ما رأوهم سألوهم بقوله : ( مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ) أى : قال أصحاب اليمين للمجرمين : ما الذى أدخلكم فى سقر ، وجعلكم وقودا لنارها وسعيرها؟
والسؤال إنما هو على سبيل التوبيخ والتحسير لهؤلاء المجرمين .
وعبر - سبحانه - بقوله : ( مَا سَلَكَكُمْ .
.
.
) للإِشعار بأن الزج بهم فى سقر ، كان بعنف وقهر ، لأن السلك معناه : إدخال شئ بصعوبة وقسر ، ومنه قوله - تعالى - : ( كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ المجرمين .
لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأولين ).
ثم حكى - سبحانه - ما رد به المجرمون على أصحاب اليمين فقال : ( قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ المصلين .
وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ المسكين .
وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الخآئضين .
وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدين .
حتى أَتَانَا اليقين ) .
أى : قال المجرمون لأصحاب اليمين : الذى أدى بنا إلى الإِلقاء فى سقر ، أننا فى الدنيا لم نقم بأداء الصلاة الواجبة علينا .
ولم نعط المسكين ما يستحقه من عطاء ، بل بخلنا عليه ، وحرمناه حقوقه .
.
وكنا - أيضا - فى الدنيا نخوض فى الأقوال السيئة وفى الأفعال الباطلة مع الخائضين فيها ، دون أن نتورع عن اجتناب شئ منها .وأصل الخوض : الدخول فى الماء ، ثم استعير للجدال الباطل ، وللأحاديث التى لا خير من ورائها .
وكنا - أيضا - نكذب بيوم القيامة ، وننكر إمكانه ووقوعه ، وبقينا على هذا الإِنكار والضلال .
( حتى أَتَانَا اليقين ) أى : حتى أدركنا الموت ، ورأينا بأعيننا صدق ما كنا نكذب به .فأنت ترى أن هؤلاء المجرمين قد اعترفوا بأن الإِلقاء بهم فى سقر لم يكن على سبيل الظالم لهم ، وإنما كان بسبب تركهم للصلاة وللإِطعام ، وتعمدهم ارتكاب الباطل من الأقوال والأفعال ، وتكذيبهم بيوم القياة وما فيه من حساب وجزاء .
وقوله - سبحانه - : ( فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشافعين ) حكم منه - سبحانه - عليهم بحرمانهم ممن يشفع لهم أو ينفعهم .أى : أن هؤلاء المجرمين لن تنفعهم يوم القيامة شفاعة أحد لهم ، فيما لو تقدم أحد الشفاعة لهم على سبيل الفرض والتقدير ، وإنما الشفاعة تنفع غيرهم من المسلمين .
والاستفهام فى قوله : ( فَمَا لَهُمْ عَنِ التذكرة مُعْرِضِينَ .
كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ .
فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ ) للتعجيب من إصرارهم على كفرهم ، ومن إعراضهم عن الحق الذى دعاهم إليه نبيهم صلى الله عليه وسلم .والمراد بالتذكرة : التذكير بمواعظ القرآن وإرشاداته ، والحمر : جمع حمار ، والمرادبه الحمار الوحشى المعروف بشدة نفوره وهروبه إذا ما أحس بحركة المقتنص له .وقوله : ( مُّسْتَنفِرَةٌ ) أى : شديدة النفور والهرب فالسين والتاء للمبالغة .والقسورة : الأسد ، سمى بذلك لأنه يقسر غيره من السباع ويقهرها ، وقيل : القسورة اسم الجماعة الرماة الذين يطاردون الحمر الوحشية ، ولا واحد له من لفظه ، ويطلق هذا اللفظ عند العرب على كل من كان بالغ النهاية فى الضخامة والقوة .
من القسر بمعنى القهر .
أى : ما الذى حدث لهؤلاء الجاحدين المجرمين ، فجعلهم يصرون إصرارا تاما على الإِعراض عن مواعظ القرآن الكريم ، وعن هداياته وإرشاداته ، وأوامره ونواهيه .
.
حتى لكأنهم - فى شدة إعراضهم عنه ، ونفورهم منه - حمر وحشية قد نفرت بسرعة وشدة من أسد يريد أن يفترسها ، أو من جماعة من الرماة أعدوا العدة لاصطيادها؟قال صاحب الكشاف : شبههم - سبحانه - فى إعراضهم عن القرآن ، واستماع الذكر والموعظة ، وشرادهم عنه - بحمر جدت فى نفارها مما أفزعها .وفى تشبيههم بالحمر : مذمة ظاهرة ، وتهجين لحالهم بين ، كما فى قوله - تعالى - : ( كَمَثَلِ الحمار يَحْمِلُ أَسْفَاراً ) وشهادة عليهم بالبلة وقلة العقل ، ولا ترى مثل نفار حمير الوحش ، واطرادها فى العدو ، إذا رابها رائب ولذلك كان أكثر تشبيهات العرب ، فى وصف الإِبل ، وشدة سيرها ، بالحمر ، وعدوها إذا وردت ماء فأحست عليه بقانص .
.والتعبير بقوله : ( فَمَا لَهُمْ .
.
.
) وما يشبهه قد كثر استعماله فى القرآن الكريم ، كما فى قوله - تعالى - : ( فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ .
.
.
) والمقصود منه التعجيب من إصرار المخاطبين على باطلهم ، أو على معتقد من معتقداتهم .
.
مع أن الشواهد والبينات تدل على خلاف ذلك .وقال - سبحانه - ( عَنِ التذكرة ) بالتعميم ، ليشمل إعراضهم كل شئ يذكرهم بالحق ، ويصرفهم عن الباطل .
والاستفهام فى قوله : ( فَمَا لَهُمْ عَنِ التذكرة مُعْرِضِينَ .
كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ .
فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ ) للتعجيب من إصرارهم على كفرهم ، ومن إعراضهم عن الحق الذى دعاهم إليه نبيهم صلى الله عليه وسلم .والمراد بالتذكرة : التذكير بمواعظ القرآن وإرشاداته ، والحمر : جمع حمار ، والمرادبه الحمار الوحشى المعروف بشدة نفوره وهروبه إذا ما أحس بحركة المقتنص له .وقوله : ( مُّسْتَنفِرَةٌ ) أى : شديدة النفور والهرب فالسين والتاء للمبالغة .والقسورة : الأسد ، سمى بذلك لأنه يقسر غيره من السباع ويقهرها ، وقيل : القسورة اسم الجماعة الرماة الذين يطاردون الحمر الوحشية ، ولا واحد له من لفظه ، ويطلق هذا اللفظ عند العرب على كل من كان بالغ النهاية فى الضخامة والقوة .
من القسر بمعنى القهر .
أى : ما الذى حدث لهؤلاء الجاحدين المجرمين ، فجعلهم يصرون إصرارا تاما على الإِعراض عن مواعظ القرآن الكريم ، وعن هداياته وإرشاداته ، وأوامره ونواهيه .
.
حتى لكأنهم - فى شدة إعراضهم عنه ، ونفورهم منه - حمر وحشية قد نفرت بسرعة وشدة من أسد يريد أن يفترسها ، أو من جماعة من الرماة أعدوا العدة لاصطيادها؟قال صاحب الكشاف : شبههم - سبحانه - فى إعراضهم عن القرآن ، واستماع الذكر والموعظة ، وشرادهم عنه - بحمر جدت فى نفارها مما أفزعها .وفى تشبيههم بالحمر : مذمة ظاهرة ، وتهجين لحالهم بين ، كما فى قوله - تعالى - : ( كَمَثَلِ الحمار يَحْمِلُ أَسْفَاراً ) وشهادة عليهم بالبلة وقلة العقل ، ولا ترى مثل نفار حمير الوحش ، واطرادها فى العدو ، إذا رابها رائب ولذلك كان أكثر تشبيهات العرب ، فى وصف الإِبل ، وشدة سيرها ، بالحمر ، وعدوها إذا وردت ماء فأحست عليه بقانص .
.والتعبير بقوله : ( فَمَا لَهُمْ .
.
.
) وما يشبهه قد كثر استعماله فى القرآن الكريم ، كما فى قوله - تعالى - : ( فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ .
.
.
) والمقصود منه التعجيب من إصرار المخاطبين على باطلهم ، أو على معتقد من معتقداتهم .
.
مع أن الشواهد والبينات تدل على خلاف ذلك .وقال - سبحانه - ( عَنِ التذكرة ) بالتعميم ، ليشمل إعراضهم كل شئ يذكرهم بالحق ، ويصرفهم عن الباطل .
والاستفهام فى قوله : ( فَمَا لَهُمْ عَنِ التذكرة مُعْرِضِينَ .
كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ .
فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ ) للتعجيب من إصرارهم على كفرهم ، ومن إعراضهم عن الحق الذى دعاهم إليه نبيهم صلى الله عليه وسلم .والمراد بالتذكرة : التذكير بمواعظ القرآن وإرشاداته ، والحمر : جمع حمار ، والمرادبه الحمار الوحشى المعروف بشدة نفوره وهروبه إذا ما أحس بحركة المقتنص له .وقوله : ( مُّسْتَنفِرَةٌ ) أى : شديدة النفور والهرب فالسين والتاء للمبالغة .والقسورة : الأسد ، سمى بذلك لأنه يقسر غيره من السباع ويقهرها ، وقيل : القسورة اسم الجماعة الرماة الذين يطاردون الحمر الوحشية ، ولا واحد له من لفظه ، ويطلق هذا اللفظ عند العرب على كل من كان بالغ النهاية فى الضخامة والقوة .
من القسر بمعنى القهر .
أى : ما الذى حدث لهؤلاء الجاحدين المجرمين ، فجعلهم يصرون إصرارا تاما على الإِعراض عن مواعظ القرآن الكريم ، وعن هداياته وإرشاداته ، وأوامره ونواهيه .
.
حتى لكأنهم - فى شدة إعراضهم عنه ، ونفورهم منه - حمر وحشية قد نفرت بسرعة وشدة من أسد يريد أن يفترسها ، أو من جماعة من الرماة أعدوا العدة لاصطيادها؟قال صاحب الكشاف : شبههم - سبحانه - فى إعراضهم عن القرآن ، واستماع الذكر والموعظة ، وشرادهم عنه - بحمر جدت فى نفارها مما أفزعها .وفى تشبيههم بالحمر : مذمة ظاهرة ، وتهجين لحالهم بين ، كما فى قوله - تعالى - : ( كَمَثَلِ الحمار يَحْمِلُ أَسْفَاراً ) وشهادة عليهم بالبلة وقلة العقل ، ولا ترى مثل نفار حمير الوحش ، واطرادها فى العدو ، إذا رابها رائب ولذلك كان أكثر تشبيهات العرب ، فى وصف الإِبل ، وشدة سيرها ، بالحمر ، وعدوها إذا وردت ماء فأحست عليه بقانص .
.والتعبير بقوله : ( فَمَا لَهُمْ .
.
.
) وما يشبهه قد كثر استعماله فى القرآن الكريم ، كما فى قوله - تعالى - : ( فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ .
.
.
) والمقصود منه التعجيب من إصرار المخاطبين على باطلهم ، أو على معتقد من معتقداتهم .
.
مع أن الشواهد والبينات تدل على خلاف ذلك .وقال - سبحانه - ( عَنِ التذكرة ) بالتعميم ، ليشمل إعراضهم كل شئ يذكرهم بالحق ، ويصرفهم عن الباطل .
وقوله - سبحانه - : ( بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امرىء مِّنْهُمْ أَن يؤتى صُحُفاً مُّنَشَّرَةً ) معطوف على كلام مقدر يقتضيه المقام ، وهو بيان لرذيلة أخرى من رذائلهم الكثيرة .والصحف : جمع صحيفة ، وهى ما يكتب فيها .
ومنشره : صفة لها والمراد بها : الصحف المفتوحة غير المطوية .
بحيث يقرؤها كل من رآها .وقد ذكروا فى سبب نزول هذه الآية : أن المشركين قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم لن نتبعك حتى تأتى لكل واحد منا بكتاب من السماء ، عنوانه : من رب العالمين ، إلى فلان من فلان ، نؤمر فى هذا الكتاب باتباعك .أى : إن هؤلاء الكافرين لا يكتفون بمواعظ القرآن .
.
بل يريد كل واحد منهم أن يعطى صحفا مفتوحة ، وكتبا غير مطوية ، بحيث يقرؤها كل من يراها .
وفيها الأمر من الله - تعالى - لهم بوجوب اتباعهم للرسول صلى الله عليه وسلم .وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ( أَوْ ترقى فِي السمآء وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ .
.
) .
وقوله - سبحانه - ( كَلاَّ بَل لاَّ يَخَافُونَ الآخرة ) إبطال آخر لكلامهم ، وزجر لهم عن هذا الجدال السخيف .
أى : كلا ليس الأمر كما أرادوا وزعموا بل الحق أن هؤلاء القوم لا يخافون الآخرة ، وما فيها من حساب وجزاء ، لأنهم لو كانوا يخافون لما اقترحوا تلك المقترحات السخيفة المتعنتة .
.
وقوله - تعالى - بعد ذلك ( كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ ) زجر آخر مؤكد للزجر السابق .
أى : كلا ثم كلا ، لن نمكنهم مما يريدون ، ولن نستجيب لمقترحاتهم السخيفة .
.
لأن القرآن الكريم فيه التذكير الكافى ، والوعظ الشافى ، لمن هو على استعداد للاستجابة لذلك .فالضمير فى ( إنه ) يعود إلى القرآن ، لأنه معلوم من المقام ، والجملة بمنزلة التعليل للردع عن سؤالهم الذى اقترحوا فيه تنزيل صحف مفتوحة من عند الله - تعالى - تأمرهم باتباع الرسول صلى الله عليه وسلم .
وقوله - سبحانه - : ( فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ ) تفريع عن كون القرآن تذكرة وعظة لمن كان له قلب يفقه ، أو عقل يعقل .أى : إن القرآن الكريم مشتمل على ما يذكر الإنسان بالحق ، وما يهديه إلى الخير والرشد ، فمن شاء أن يتعظ به اتعظ ، ومن شاء أن ينتفع بهداياته انتفع ، ومن شاء أن يذكر أوامره ونواهيه وتكاليفه .
.
فعل ذلك ، وظفر بما يسعده ، ويشرح صدره .والتعبير بقوله - تعالى - ( فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ ) يشعر بأن تذكر القرآن وحفظه .
والعمل بأحكامه وإرشاداته .
.
فى إمكان كل من كان عنده الاستعداد لذلك .أى : إن التذكر طوع مشيئتكم - أيها الناس - متى كنتم جادين وصادقين ومستعدين لهذا التذكر ، فاعملوا لذلك بدون إبطاء أو تردد .
.
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بما يدل على نفاذ مشيئته وإرادته فقال : ( وَمَا يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله هُوَ أَهْلُ التقوى وَأَهْلُ المغفرة ) .أى : فمن شاء أن يذكر القرآن وما فيه من مواعظ ذكر ذلك ، ولكن هذا التذكر والاعتبار والاتعاظ .
لا يتم بمجرد مشيئتكم ، وإنما يتم فى حال مشيئة الله - تعالى - وإرادته ، فهو - سبحانه - أهل التقوى ، أى : هو الحقيق بأن يتقى ويخاف عذابه ، وهو - عز وجل - " أهل المغفرة " أى : هو - وحده - صاحب المغفرة لذنوب عباده ، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون .فالمقصود من الآية الكريمة ، بيان أن هذا التذكر لمواعظ القرآن ، لا يتم إلا بعد إرادة الله - تعالى - ومشيئة ، لأنه هو الخالق لكل شئ ، وبيان أن مشيئة العباد لا أثر لها إلا إذا كانت موافقة لمشيئة الله ، التى لا يعلمها أحد سواه .أخرج الإِمام أحمد والترمذى والنسائى وابن ماجة عن أنس " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية ( هُوَ أَهْلُ التقوى وَأَهْلُ المغفرة ) فقال : قد قال ربكم أنا أهل أن أتقى فلا يجعل معى إله ، فمن اتقانى فلم يجعل معى إلها آخر ، فأنا أهل أن أغفر له " .