الإسلام > القرآن > تفسير > الوسيط > تفسير سورة القيامة
تفسيرُ سورةِ القيامة كاملةً من التفسير الوسيط (محمد سيد طنطاوي). آيةً آية: نصُّ الآية ثم تفسيرُها؛ اضغط على أيِّ آيةٍ لقراءة تفسيرها وحدها.
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 36 دقيقة قراءةافتتح الله - تعالى - هذه السورة الكريمة بقوله - تعالى - : ( لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ القيامة ) .وللعلماء فى مثل هذا التركيب أقوال منها : أن حرف " لا " هنا جئ به ، لقصد المبالغة فى تأكيد القسم ، كما فى قولهم : لا والله .قال الآلوسى : إدخال " لا " النافية صورة على فعل القسم ، مستفيض فى كلامهم وأشعارهم .ومنه قول امرئ القيس : لا وأبيك يا بنة العامرى .
.
يعنى : وأبيك .ثم قال : وملخص ما ذهب إليه جار الله فى ذلك ، أن " لا " هذه ، إذا وقعت فى خلال الكلام كقوله - تعالى - ( فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ ) فهى صلة تزاد لتأكيد القسم ، مثلها فى قوله - تعالى - : ( لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكتاب ) لتأكيد العلم .
.ومنها : أن " لا " هنا ، جئ بها لنفى ورد كلام المشركين المنكرين ليوم القيامة فكأنه - تعالى - يقول : لا ، ليس الأمر كما زعموا ، ثم قال : أقسم بيوم القيامة الذى يبعث فيه الخلق للجزاء .قال القرطبى : وذلك كقولهم : لا والله لا أفعل .
فلا هنا رد لكلام قد مضى ، وذلك كقولك : لا والله إن القيامة لحق ، كأنك أكذبت قوما أنكروها .
.ومنها : أن " لا " فى هذا التركيب وأمثاله على حقيقتها للنفى ، والمعنى لا أقسم بيوم القيامة ولا بغيره ، على أن البعث حق ، فإن المسألة أوضح من أن تحتاج إلى قسم .وقد رجح بعض العلماء القول الأول فقال : وصيغة لا أقسم ، صيغة قسم ، أدخل حرف النفى على فعل " أقسم " لقصد المبالغة فى تحقيق حرمة المقسم به ، بحيث يوهم للسامع أن المتكلم يهم أن يقسم به ، ثم يترك القسم مخافة الحنث بالمقسم به فيقول : لا أقسم به ، أى : ولا أقسم بأعز منه عندى .
وذلك كنانية عن تأكيد القسم .
والمراد بالنفس اللوامة : النفس التقية المستقيمة التى تلوم ذاتها على ما فات منها ، فهى - مهما أكثرت من فعل الخير - تتمنى أن لو ازدادت من ذلك ، ومهما قللت من فعل الشر ، تمنت - أيضا - أن لو ازدادت من هذا التقليل .قال ابن كثير : عن الحسن البصرى فى هذه الآية : إن المؤمن والله ما نراه إلا يلوم نفسه ، يقول : ما أردت بكلمتى؟
ما أردت بأكلتى؟
.
.
وإن الفاجر قدما ما يعاتب نفسه .وفى رواية عن الحسن - أيضا - ليس أحد من أهل السموات والأرض إلا يلوم نفسه يوم القيامة .
وجواب القسم يفهم من قوله - تعالى - بعد ذلك : ( أَيَحْسَبُ الإنسان أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ ) .
والمراد بالإِنسان : جنسه .
أو المراد به الكافر المنكر للبعث .
والاستفهام للتوبيخ والتقريع .وقد ذكروا فى سبب نزول هذه الآية أن بعض المشركين قالوا للنبى صلى الله عليه وسلم : يا محمد حدثنى عن يوم القيامة ، فأخبره صلى الله عليه وسلم عنه .فقال المشرك : لو عاينت ذلك اليوم لم أصدقك - يا محمد - أو يجمع الله العظام .
فنزلت هذه الآية .والمعنى : أقسم بيوم القيامة الذى لا شك فى وقوعه فى الوقت الذى نشاؤه ، وأقسم بالنفس اللوامة التقية التى تلوم ذاتها على الخير ، لماذا لم تستكثر منه ، وعلى الشر لماذا فعلته ، لنجمعن عظامكم - أيها الناس - ولنبعثنكم للحساب والجزاء .وافتتح - سبحانه - السورة الكريمة بهذا القسم ، للإِيذان بأن ما سيذكر بعده أمر بهم ، من شأن النفوس الواعية أن تستشرف له ، وأن تستجيب لما اشتمل عليه من هدايات وإرشادات .ووصف - سبحانه - النفس باللوامة بصيغة المبالغة للإِشعار بأنها كريمة مستقيمة تكثر من لوم ذاتها ، وتحض صاحبها على المسارعة فى فعل الخيرات .والعظام المراد بها الجسد ، وعبر عنه بها ، لأنه لا يقوم إلا بها ، وللرد على المشركين الذين استبعدوا ذلك ، وقالوا - كما حكى القرآن عنهم - : ( مَن يُحيِي العظام وَهِيَ رَمِيمٌ ).
وقوله - سبحانه - : ( بلى قَادِرِينَ على أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ ) تأكيد لقدرته - تعالى - على إحياء الموتى بعد أن صاروا عظاما نخرة ، وإبطال لنفيهم إحياء العظام وهى رميم .و ( قَادِرِينَ ) حال من فاعل الفعل المقدر بعد بلى .
وقوله : ( نُّسَوِّيَ ) من التسوية ، وهى تقويم الشئ وجعله متقنا مستويا ، يقال : سوى فلان الشئ إذا جعله متساويا لا عوج فيه ولا اضطراب .والبنان : جمع بنانة ، وهى أصابع اليدين والرجلين ، أو مفاصل تلك الأصابع وأطرافها .أى : ليس الأمر كما زعم هؤلاء المشركين من أننا لا نعيد الإِنسان إلى الحياة بعد موته للحساب والجزاء ، بل الحق أننا سنجمعه وسنعيده إلى الحياة حالة كوننا قادرين قدرة تامة ، على هذا الجمع لعظامه وجسده ، وعلى جعل أصابعه وأطرافه وأنامله مستوية الخلق ، متقنة الصنع ، كما كانت قبل الموت .وخصت البنان بالذكر ، لأنها أصغر الأعضاء ، وآخر ما يتم به الخلق ، فإذا كان - سبحانه - قادرا على تسويتها مع لطافتها ودقتها ، فهو على غيرها مما هو أكبر منها أشد قدرة .
وقوله - تعالى - ( بَلْ يُرِيدُ الإنسان لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ ) بيان لحال أخرى من أحوال فجور هؤلاء المشركين وطغيانهم ، وانتقال من إنكار الحسبان إلى الإِخبار عن حال هذا الإِنسان .والفجور : يطلق على القول البالغ النهاية فى السوء ، وعلى الفعل القبيح المنكر ، ويطلق على الكذب ، ولذا وصفت اليمين الكاذبة ، باليمين الفاجرة فيكون فجر بمعنى كذب ، وزنا ومعنى .ولفظ " الأمام " يطلق على المكان الذى يكون فى مواجهة الإِنسان ، والمراد به هنا : الزمان المستقبل وهو يوم القيامة ، الذى دل عليه قوله - تعالى - بعد ذلك : ( يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ القيامة ) .
( يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ القيامة )أى : أن هذا الإِنسان المنكر للبعث والحساب لا يريد أن يكف عن إنكاره وكفره ، بل يريد أن يستمر على فجوره وتكذيبه لهذا اليوم بكل إصرار وجحود ، فهو يسأل عنه سؤال استهزاء وتهكم فيقول : ( أَيَّانَ يَوْمُ القيامة ) أى : متى يجئ يوم القيامة هذا الذى تتحدثون عنه - أيها المؤمنون - وتخشون ما فيه من حساب وجزاء؟قال القرطبى : قوله - تعالى - : ( بَلْ يُرِيدُ الإنسان لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ ) قال ابن عباس : يعنى الكافر .
يكذب بما أمامه من البعث والحساب .
.
ودليله ( يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ القيامة ) .
أى : يسأل متى يكون؟
على وجه التكذيب والإِنكار ، فهو لا يقنع بما هو فيه من التكذيب .
ولكن يأثم لما بين يديه .
ومما يدل أن الفجور : التكذيب ، ما ذكره القتبى وغيره ، من أن أعرابيا قصد عمر بن الخطاب ، وشكى إليه نَقْبَ إبله ودَبَرها - أى : مرضها وجربها - وسأله أن يحمله على غيرها فلم يحمله .
فقال الأعرابى :أقسم بالله أبو حفص عمر ...
ما مسها من نقب ولا دبرفاغفر له اللهم إن كان فجر ...
يعنى : إن كان كذبنى فيما ذكرت .
.وأعيد لفظ الإِنسان فى هذه الآيات أكثر من مرة ، لأن المقام يقتضى توبيخه وتقريعه ، وتسجيل الظلم والجحود عليه .والضمير فى " أمامه " يجوز أن يعود إلى يوم القيامة .
أى : بل يريد الإِنسان ليكذب بيوم القيامة ، الثابت الوقوع فى الوقت الذى يشاؤه الله - عز وجل - .ويجوز أن يعود على الإِنسان ، فيكون المعنى : بل يريد الإِنسان أن يستمر فى فجوره وتكذيبه بيوم القيامة فى الحال وفى المال .
أى : أن المراد بأمامه : مستقبل أيامه .وجئ بلفظ " أيان " الدال على الاستفهام للزمان البعيد ، للإِشعار بشدة تكذيبهم ، وإصرارهم على عدم وقوعه فى أى وقت من الأوقات .
ثم ساق - سبحانه - جانبا من أهوال يوم القيامة ، على سبيل التهديد والوعيد لهؤلاء المكذبين .فقال : ( فَإِذَا بَرِقَ البصر .
وَخَسَفَ القمر .
وَجُمِعَ الشمس والقمر .
يَقُولُ الإنسان يَوْمَئِذٍ أَيْنَ المفر ) .و " برق " - بكسر الراء وفتحها - دهش وفزع وتحير ولمع من شدة شخوصه وخوفه .يقال : برق بصر فلان - كفرح ونصر - إذا نظر إلى البرق فدهش وتحير .
والمراد بخسوف القمر : انطماس نوره ، واختفاء ضوئه .
والمراد بجمع الشمس والقمر : اقترانهما ببعضهما بعد افتراقهما واختلال النظام المعهود للكون ، اختلالا تتغير معه معالمة ونظمه .وجواب ( إذا ) قوله : ( يَقُولُ الإنسان ) أى : فإذا برق بصر الإِنسان وتحير من شدة الفزع والخوف ، بعد أن رأى ما كان يكذب به فى الدنيا .والتعريف فى البصر : للاسغراق : إذ أبصار الناس جميعا فى هذا اليوم ، تكون فى حالة فزع ، إلأا أن هذا الفزع يتفاوت بينهم فى شدته .( وَخَسَفَ القمر ) أى : ذهب ضوؤه .
وانطمس نوره .( وَجُمِعَ الشمس والقمر ) أى : وقرن بينهما بعد أن كانا متفرقين .والتصقا بعد أن كانا متباعدين ، وغاب ضوؤهما بعد أن كانا منيرين .
( يَقُولُ الإنسان يَوْمَئِذٍ أَيْنَ المفر ) أى : فإذا ما تم كل ذلك ، يقول الإِنسان فى هذا الوقت الذى يبرق فيه البصر ، ويخسف فيه القمر ، ويجمع فيه بين الشمس والقمر : أين المفر .
أى : أين الفرار من قضاء الله - تعالى - ومن قدره وحسابه .
فالمفر مصدر بمعنى الفرار .
.
والاستفهام بمعنى التمنى أى : ليت لى مكانا أفر إليه مما أراه .
وقوله - سبحانه - : ( كَلاَّ لاَ وَزَرَ .
إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المستقر ) إبطال لهذا التمنى ، ونفى لأن يكون لهذا الإِنسان مهرب من الحساب .والوزر : المراد به الملجأ والمكان الذى يحتمى به الشخص للتوقى مما يخافه ، وأصله ، الجبل المرتفع المنيع ، من الوِزْر وهو الثقل .أى : كلا لا وزر ولا ملجأ لك .
أيها الإِنسان - من المثول أمام ربك فى هذا اليوم للحساب والجزاء .
ومهما طال عمرك ، وطال رقادك فى قبرك .
.
فإلى ربك وحده نهايتك ومستقرك ومصيرك ، فى هذا اليوم الذى لا محيص لك عنه .
وقوله - سبحانه - ( يُنَبَّأُ الإنسان يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ ) بيان لما يحدث له يوم القيامة ، أى : يخبر الإِنسان فى هذا اليوم بما قدم من أعمال حسنة .
وبما أخر منها فلم يعملها ، مع أنه كان فى إمكانه أن يعملها ، والمقصود بالآية المجازاة على الأعمال لا مجرد الإِخبار .قال الإِمام ابن كثير : قوله - تعالى - : ( يُنَبَّأُ الإنسان يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ ) أى : يخبر بجميع أعماله قديمها وحديثها أولها وآخرها ، صغيرها وكبيرها ، كما قال - سبحانه - : ( وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِراً وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً ).
ثم أكد - سبحانه - هذا المعنى بقوله : ( بَلِ الإنسان على نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ .
وَلَوْ ألقى مَعَاذِيرَهُ ) .والبصيرة هنا بمعنى الحجة الشاهدة عليه ، وهى خبر عن المبتدأ وهو ( الإنسان ) والجار والمجرور متعلق بلفظ بصيرة والهاء فيها للمبالغة ، مثل هاء علامة ونسابة .أى : بل الإِنسان حجة بينة على نفسه ، وشاهدةبما كان منه من الأعمال السيئة ، ولو أدلى بأية حجة يعتذر بها عن نفسه .
لم ينفعه ذلك .قال صاحب الكشاف : ( بَصِيرَةٌ ) أى : حجة بينة ، وصفت بالبصارة على المجاز ، كما وصفت الآيات بالإبصار فى قوله : ( فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً ) أو : عين بصيرة والمعنى أنه ينبأ بأعماله ، وإن لم ينبأ ففيه ما يجزئ عن الإِنباء ، لأنه شاهد عليها بما عملت ، لأن جوارحه تنطق بذلك ، كما قال - تعالى - ( يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ )
( وَلَوْ ألقى مَعَاذِيرَهُ ) أى : ولو جاء بكل معذرة يعتذر بها عن نفسه ويجادل عنها .وعن الضحاك : ولو أرخى ستوره ، وقال : المعاذير : الستور ، واحدها معذار ، فإن صح فلأنه يمنع رؤية المحتجب ، كما تمنع المعذرة عقوبة المذنب .فإن قلت : أليس قياس المعذرة أن تجمع لا معاذير؟
قلت : المعاذير ليس بجمع معذرة ، إنما هو اسم جمع لها .ونحوه : المناكير فى المنكر .فالمقصود بهاتين الآيتين : بيان أن الإِنسان لن يستطيع أن يهرب من نتائج عمله مهما حاول ذلك ، لأن جوارحه شاهدة عليه ، ولأن أعذاره لن تكون مقبولة ، لأنها جاءت فى غير وقتها ، كما قال - تعالى - : ( لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ .
إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ .
فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فاتبع قُرْآنَهُ .
ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ) .
( لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ .
إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ .
فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فاتبع قُرْآنَهُ .
ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ) .والضمير فى ( به ) يعود إلى القرآن الكريم المفهوم من المقام .
والمراد بقوله : ( لاَ تُحَرِّكْ ) نهيه صلى الله عليه وسلم عن التعجيل فى القراءة .
والمقصود بقوله : قرآنه ، قراءته عليك ، وتثبيته على لسانك وفى قلبك بحيث تقرؤه متى شئت فهو مصدر مضاف لمفعوله .قال الآلوسى : قوله : ( وَقُرْآنَهُ ) أى : إثبات قراءته فى لسانك ، فالقرآن هنا ، وكذا فيما بعده ، مصدر كالرجحان بمعنى القراءة .
.
مضاف إلى المفعول وقيل : قرآنه ، أى : تأليفه على لسانك .
.
أى : لا تتعجل - أيها الرسول الكريم - بقراءة القرآن الكريم عندما تسمعه من أمين وحينا جبريل - عليه السلام - ، بل تريث وتمهل حتى ينتهى من قراءته ثم اقرأ من بعده ، فإننا قد تكفلنا بجمعه فى صدرك وبقراءته عليك عن طريق وحينا ، وما دام الأمر كذلك ، فمتى قرأ عليك جبريل القرآن فاتبع قراءته ولا تسبقه بها .
ثم إن علينا بعد ذلك بيان ما خفى عليك منه ، وتوضيح ما أشكل عليك من معانيه .قال الإِمام ابن كثير ما ملخصه : هذا تعليم من الله - تعالى - لنبيه صلى الله عليه وسلم فى كيفية تلقيه الوحى من الملك ، فإنه كان يبادر إلى أخذه ، ويسابق الملك فى قراءته .روى الشيخان وغيرهما عن ابن عباس قال كان النبى صلى الله عليه وسلم يعالج من التنزيل شدة ، فكان يحرك شفتيه - يريد أن يحفظه مخافة أن يتفلت منه شئ ، أو من شدة رغبته فى حفظه - فأنزل الله - تعالى - هذه الآيات .فأنت ترى أن الله - تعالى - قد ضمن لنبيه صلى الله عليه وسلم أن يجمع له القرآن فى صدره وأن يجريه على لسانه ، بدون أى تحريف أو تبديل ، وأن يوضح له ما خفى عليه منه .قالوا : فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ما نزل عليه الوحى بعد ذلك بالقرآن ، أطرق وأنصت ، وشبيه بهذه الآيات قوله - سبحانه - : ( فتعالى الله الملك الحق وَلاَ تَعْجَلْ بالقرآن مِن قَبْلِ أَن يقضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً ) .
ثم عادت السورة الكريمة مرة أخرى إلى الحديث عن يوم القيامة ، وعن أحوال الناس فيه ، وعن حالة الإِنسان فى وقت الاحتضار ، وعن مظاهر قدرته - تعالى - وعن حكمته فى البعث والحساب والجزاء ، فقال - سبحانه - :( كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ .
.
.
) .
.قوله - سبحانه - ( كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ العاجلة .
وَتَذَرُونَ الآخرة ) بيان لما جبل عليه كثير من الناس ، من إيثارهم منافع الدنيا الزائلة ، على منافع الآخرة الباقية ، وزجر ونهى لهم عن سلوك هذا المسلك ، الذى يدل على قصر النظر ، وضعف التفكير .أى : كلا - أيها الناس - ليس الرشد فى أن تتركوا العمل الصالح الذى ينفعكم يوم القيامة ، وتعكفوا على زينة الحياة الدنيا العاجلة .
.
بل الرشد كل الرشد فى عكس ذلك ، وهو أن تأخذوا من دنياكم وعاجلتكم ما ينفعكم فى آخرتكم ، كما قال - سبحانه - : ( وابتغ فِيمَآ آتَاكَ الله الدار الآخرة وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدنيا ) وشبيه بهاتين الآيتين قوله - تعالى - : ( إِنَّ هؤلاء يُحِبُّونَ العاجلة وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً ) .
ثم عادت السورة الكريمة مرة أخرى إلى الحديث عن يوم القيامة ، وعن أحوال الناس فيه ، وعن حالة الإِنسان فى وقت الاحتضار ، وعن مظاهر قدرته - تعالى - وعن حكمته فى البعث والحساب والجزاء ، فقال - سبحانه - :( كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ .
.
.
) .
.قوله - سبحانه - ( كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ العاجلة .
وَتَذَرُونَ الآخرة ) بيان لما جبل عليه كثير من الناس ، من إيثارهم منافع الدنيا الزائلة ، على منافع الآخرة الباقية ، وزجر ونهى لهم عن سلوك هذا المسلك ، الذى يدل على قصر النظر ، وضعف التفكير .أى : كلا - أيها الناس - ليس الرشد فى أن تتركوا العمل الصالح الذى ينفعكم يوم القيامة ، وتعكفوا على زينة الحياة الدنيا العاجلة .
.
بل الرشد كل الرشد فى عكس ذلك ، وهو أن تأخذوا من دنياكم وعاجلتكم ما ينفعكم فى آخرتكم ، كما قال - سبحانه - : ( وابتغ فِيمَآ آتَاكَ الله الدار الآخرة وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدنيا ) وشبيه بهاتين الآيتين قوله - تعالى - : ( إِنَّ هؤلاء يُحِبُّونَ العاجلة وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً ) .
ثم بين - سبحانه - حال السعداء والأشقياء يوم القيامة فقال : ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ .
إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ .
وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ .
تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ ) .وقوله : ( ناضرة ) اسم فاعل من النَّضْرة - بفتح النون المشددة وسكون الضاد - وهى الجمال والحسن .
تقول : وجه نضير ، إذا كان حسنا جميلا .وقوله : ( باسرة ) من البسور وهو شدة الكلوح والعبوس ، ومنه قوله - تعالى - ( ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ) يقال : بسَر فلان يبسُر بسُورا ، إذا قبض ما بين عينيه كراهية للشئ الذى يراه .والفاقرة : الداهية العظمية التى لشدتها كأنها تقصم فقار الظهر .
يقال : فلان فقرته الفاقرة ، أى : نزلت به مصيبة شديدة أقعدته عن الحركة ، وأصل الفَقْر : الوسم على أنف البعير بحديدة أو نار حتى يخلُصَ إلى العظم أو ما يقرب منه .والمراد بقوله : ( يومئذ ) : يوم القيامة الذى تكرر ذكره فى السورة أكثر من مرة .والجملة المقدرة المضاف إليها " إذ " والمعوض عنها بالتنووين تقديرها يوم إذ برق البصر .والمعنى : يوم القيامة ، الذى يبرق فيه البصر ، ويخسف القمر .
.
تصير وجوه حسنة مشرقة ، ألا وهى وجوه المؤمنين الصادقين .
.وهذه الوجوه تنظر إلى ربها فى هذا اليوم نظرة سرور وحبور ، بحيث تراه - سبحانه - على ما يليق بذاته ، وكما يريد أن تكون رؤيته - عز وجل - بلا كيفية ، ولا جهة ، ولا ثبوت مسافة .وهناك وجوه أخرى تصير فى هذا اليوم كالحة شديدة العبوس ، وهى وجوه الكافرين والفاسقين عن أمر ربهم ، وهذه الوجوه ( تَظُنُّ ) أى : تعتقد أو تتوقع ، أن يفعل بها فعلا يهلكها ، ويقصم ظهورها لشدته وقسوته .وجاء لفظ " وجوه " فى الموضعين منكرا ، للتنويع والتقسيم ، كما فى قوله - تعالى - ( فَرِيقٌ فِي الجنة وَفَرِيقٌ فِي السعير ) وكما فى قول الشاعر :فيوم علينا ويوم لنا ...
ويوم نُسَاءُ ويوم نُسَروقد أخذ العلماء من قوله - تعالى - : ( إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ) أن الله - تعالى - يتكرم على عباده المؤمنين فى هذا اليوم ، فيربهم ذاته بالكيفية التى يريدها - سبحانه - .ومنهم من فسر ( نَّاضِرَةٌ ) بمعنى منتظرة ، أى : منتظرة ومتوقعة ما يحكم الله - تعالى - به عليها .قال الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآيات : وقد ثبتت رؤية المؤمنين لله - عز وجل - فى الدار الآخرة ، فى الأحاديث الصحاح ، من طرق متواترة عند أئمة الحديث ، لا يمكن دفعها ولا منعها .
لحديث أبى سعيد وأبى هريرة - وهما فى الصحيحين - " أن ناسا قالوا : يا رسول الله ، هل نرى ربنا يوم القيامة؟
فقال : " هل تضارون فى رؤية الشمس والقمر ليس دونهما سحاب " قالوا : لا ، قال : " فإنكم ترون ربكم كذلك " " .وفى الصحيحين عن جرير بن عبد الله قال : " نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القمر ليلة البدر فقال : " إنكم ترون ربكم كما ترون هذا القمر " " .ثم قال ابن كثير - رحمه الله - : وهذا - بحمد الله - مجمع عليه بين الصحابة والتابعين وسلف هذه الأمة .
كما هو متفق عليه بين أئمة الإِسلام ، وهداة الأنام .ومن تأول ( إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ) فقال : تنتظر الثواب من ربها .
.
فقد أبعد هذا القائل النجعة ، وأبطل فيما ذهب إليه .
وأين هو من قوله - تعالى - ( كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ ) قال الشافعى : ما حجَب الفجار إلا وقد علم أن الأبرار يرونه - عز وجل - .
ثم بين - سبحانه - حال السعداء والأشقياء يوم القيامة فقال : ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ .
إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ .
وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ .
تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ ) .وقوله : ( ناضرة ) اسم فاعل من النَّضْرة - بفتح النون المشددة وسكون الضاد - وهى الجمال والحسن .
تقول : وجه نضير ، إذا كان حسنا جميلا .وقوله : ( باسرة ) من البسور وهو شدة الكلوح والعبوس ، ومنه قوله - تعالى - ( ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ) يقال : بسَر فلان يبسُر بسُورا ، إذا قبض ما بين عينيه كراهية للشئ الذى يراه .والفاقرة : الداهية العظمية التى لشدتها كأنها تقصم فقار الظهر .
يقال : فلان فقرته الفاقرة ، أى : نزلت به مصيبة شديدة أقعدته عن الحركة ، وأصل الفَقْر : الوسم على أنف البعير بحديدة أو نار حتى يخلُصَ إلى العظم أو ما يقرب منه .والمراد بقوله : ( يومئذ ) : يوم القيامة الذى تكرر ذكره فى السورة أكثر من مرة .والجملة المقدرة المضاف إليها " إذ " والمعوض عنها بالتنووين تقديرها يوم إذ برق البصر .والمعنى : يوم القيامة ، الذى يبرق فيه البصر ، ويخسف القمر .
.
تصير وجوه حسنة مشرقة ، ألا وهى وجوه المؤمنين الصادقين .
.وهذه الوجوه تنظر إلى ربها فى هذا اليوم نظرة سرور وحبور ، بحيث تراه - سبحانه - على ما يليق بذاته ، وكما يريد أن تكون رؤيته - عز وجل - بلا كيفية ، ولا جهة ، ولا ثبوت مسافة .وهناك وجوه أخرى تصير فى هذا اليوم كالحة شديدة العبوس ، وهى وجوه الكافرين والفاسقين عن أمر ربهم ، وهذه الوجوه ( تَظُنُّ ) أى : تعتقد أو تتوقع ، أن يفعل بها فعلا يهلكها ، ويقصم ظهورها لشدته وقسوته .وجاء لفظ " وجوه " فى الموضعين منكرا ، للتنويع والتقسيم ، كما فى قوله - تعالى - ( فَرِيقٌ فِي الجنة وَفَرِيقٌ فِي السعير ) وكما فى قول الشاعر :فيوم علينا ويوم لنا ...
ويوم نُسَاءُ ويوم نُسَروقد أخذ العلماء من قوله - تعالى - : ( إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ) أن الله - تعالى - يتكرم على عباده المؤمنين فى هذا اليوم ، فيربهم ذاته بالكيفية التى يريدها - سبحانه - .ومنهم من فسر ( نَّاضِرَةٌ ) بمعنى منتظرة ، أى : منتظرة ومتوقعة ما يحكم الله - تعالى - به عليها .قال الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآيات : وقد ثبتت رؤية المؤمنين لله - عز وجل - فى الدار الآخرة ، فى الأحاديث الصحاح ، من طرق متواترة عند أئمة الحديث ، لا يمكن دفعها ولا منعها .
لحديث أبى سعيد وأبى هريرة - وهما فى الصحيحين - " أن ناسا قالوا : يا رسول الله ، هل نرى ربنا يوم القيامة؟
فقال : " هل تضارون فى رؤية الشمس والقمر ليس دونهما سحاب " قالوا : لا ، قال : " فإنكم ترون ربكم كذلك " " .وفى الصحيحين عن جرير بن عبد الله قال : " نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القمر ليلة البدر فقال : " إنكم ترون ربكم كما ترون هذا القمر " " .ثم قال ابن كثير - رحمه الله - : وهذا - بحمد الله - مجمع عليه بين الصحابة والتابعين وسلف هذه الأمة .
كما هو متفق عليه بين أئمة الإِسلام ، وهداة الأنام .ومن تأول ( إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ) فقال : تنتظر الثواب من ربها .
.
فقد أبعد هذا القائل النجعة ، وأبطل فيما ذهب إليه .
وأين هو من قوله - تعالى - ( كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ ) قال الشافعى : ما حجَب الفجار إلا وقد علم أن الأبرار يرونه - عز وجل - .
ثم بين - سبحانه - حال السعداء والأشقياء يوم القيامة فقال : ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ .
إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ .
وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ .
تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ ) .وقوله : ( ناضرة ) اسم فاعل من النَّضْرة - بفتح النون المشددة وسكون الضاد - وهى الجمال والحسن .
تقول : وجه نضير ، إذا كان حسنا جميلا .وقوله : ( باسرة ) من البسور وهو شدة الكلوح والعبوس ، ومنه قوله - تعالى - ( ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ) يقال : بسَر فلان يبسُر بسُورا ، إذا قبض ما بين عينيه كراهية للشئ الذى يراه .والفاقرة : الداهية العظمية التى لشدتها كأنها تقصم فقار الظهر .
يقال : فلان فقرته الفاقرة ، أى : نزلت به مصيبة شديدة أقعدته عن الحركة ، وأصل الفَقْر : الوسم على أنف البعير بحديدة أو نار حتى يخلُصَ إلى العظم أو ما يقرب منه .والمراد بقوله : ( يومئذ ) : يوم القيامة الذى تكرر ذكره فى السورة أكثر من مرة .والجملة المقدرة المضاف إليها " إذ " والمعوض عنها بالتنووين تقديرها يوم إذ برق البصر .والمعنى : يوم القيامة ، الذى يبرق فيه البصر ، ويخسف القمر .
.
تصير وجوه حسنة مشرقة ، ألا وهى وجوه المؤمنين الصادقين .
.وهذه الوجوه تنظر إلى ربها فى هذا اليوم نظرة سرور وحبور ، بحيث تراه - سبحانه - على ما يليق بذاته ، وكما يريد أن تكون رؤيته - عز وجل - بلا كيفية ، ولا جهة ، ولا ثبوت مسافة .وهناك وجوه أخرى تصير فى هذا اليوم كالحة شديدة العبوس ، وهى وجوه الكافرين والفاسقين عن أمر ربهم ، وهذه الوجوه ( تَظُنُّ ) أى : تعتقد أو تتوقع ، أن يفعل بها فعلا يهلكها ، ويقصم ظهورها لشدته وقسوته .وجاء لفظ " وجوه " فى الموضعين منكرا ، للتنويع والتقسيم ، كما فى قوله - تعالى - ( فَرِيقٌ فِي الجنة وَفَرِيقٌ فِي السعير ) وكما فى قول الشاعر :فيوم علينا ويوم لنا ...
ويوم نُسَاءُ ويوم نُسَروقد أخذ العلماء من قوله - تعالى - : ( إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ) أن الله - تعالى - يتكرم على عباده المؤمنين فى هذا اليوم ، فيربهم ذاته بالكيفية التى يريدها - سبحانه - .ومنهم من فسر ( نَّاضِرَةٌ ) بمعنى منتظرة ، أى : منتظرة ومتوقعة ما يحكم الله - تعالى - به عليها .قال الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآيات : وقد ثبتت رؤية المؤمنين لله - عز وجل - فى الدار الآخرة ، فى الأحاديث الصحاح ، من طرق متواترة عند أئمة الحديث ، لا يمكن دفعها ولا منعها .
لحديث أبى سعيد وأبى هريرة - وهما فى الصحيحين - " أن ناسا قالوا : يا رسول الله ، هل نرى ربنا يوم القيامة؟
فقال : " هل تضارون فى رؤية الشمس والقمر ليس دونهما سحاب " قالوا : لا ، قال : " فإنكم ترون ربكم كذلك " " .وفى الصحيحين عن جرير بن عبد الله قال : " نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القمر ليلة البدر فقال : " إنكم ترون ربكم كما ترون هذا القمر " " .ثم قال ابن كثير - رحمه الله - : وهذا - بحمد الله - مجمع عليه بين الصحابة والتابعين وسلف هذه الأمة .
كما هو متفق عليه بين أئمة الإِسلام ، وهداة الأنام .ومن تأول ( إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ) فقال : تنتظر الثواب من ربها .
.
فقد أبعد هذا القائل النجعة ، وأبطل فيما ذهب إليه .
وأين هو من قوله - تعالى - ( كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ ) قال الشافعى : ما حجَب الفجار إلا وقد علم أن الأبرار يرونه - عز وجل - .
ثم بين - سبحانه - حال السعداء والأشقياء يوم القيامة فقال : ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ .
إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ .
وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ .
تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ ) .وقوله : ( ناضرة ) اسم فاعل من النَّضْرة - بفتح النون المشددة وسكون الضاد - وهى الجمال والحسن .
تقول : وجه نضير ، إذا كان حسنا جميلا .وقوله : ( باسرة ) من البسور وهو شدة الكلوح والعبوس ، ومنه قوله - تعالى - ( ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ) يقال : بسَر فلان يبسُر بسُورا ، إذا قبض ما بين عينيه كراهية للشئ الذى يراه .والفاقرة : الداهية العظمية التى لشدتها كأنها تقصم فقار الظهر .
يقال : فلان فقرته الفاقرة ، أى : نزلت به مصيبة شديدة أقعدته عن الحركة ، وأصل الفَقْر : الوسم على أنف البعير بحديدة أو نار حتى يخلُصَ إلى العظم أو ما يقرب منه .والمراد بقوله : ( يومئذ ) : يوم القيامة الذى تكرر ذكره فى السورة أكثر من مرة .والجملة المقدرة المضاف إليها " إذ " والمعوض عنها بالتنووين تقديرها يوم إذ برق البصر .والمعنى : يوم القيامة ، الذى يبرق فيه البصر ، ويخسف القمر .
.
تصير وجوه حسنة مشرقة ، ألا وهى وجوه المؤمنين الصادقين .
.وهذه الوجوه تنظر إلى ربها فى هذا اليوم نظرة سرور وحبور ، بحيث تراه - سبحانه - على ما يليق بذاته ، وكما يريد أن تكون رؤيته - عز وجل - بلا كيفية ، ولا جهة ، ولا ثبوت مسافة .وهناك وجوه أخرى تصير فى هذا اليوم كالحة شديدة العبوس ، وهى وجوه الكافرين والفاسقين عن أمر ربهم ، وهذه الوجوه ( تَظُنُّ ) أى : تعتقد أو تتوقع ، أن يفعل بها فعلا يهلكها ، ويقصم ظهورها لشدته وقسوته .وجاء لفظ " وجوه " فى الموضعين منكرا ، للتنويع والتقسيم ، كما فى قوله - تعالى - ( فَرِيقٌ فِي الجنة وَفَرِيقٌ فِي السعير ) وكما فى قول الشاعر :فيوم علينا ويوم لنا ...
ويوم نُسَاءُ ويوم نُسَروقد أخذ العلماء من قوله - تعالى - : ( إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ) أن الله - تعالى - يتكرم على عباده المؤمنين فى هذا اليوم ، فيربهم ذاته بالكيفية التى يريدها - سبحانه - .ومنهم من فسر ( نَّاضِرَةٌ ) بمعنى منتظرة ، أى : منتظرة ومتوقعة ما يحكم الله - تعالى - به عليها .قال الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآيات : وقد ثبتت رؤية المؤمنين لله - عز وجل - فى الدار الآخرة ، فى الأحاديث الصحاح ، من طرق متواترة عند أئمة الحديث ، لا يمكن دفعها ولا منعها .
لحديث أبى سعيد وأبى هريرة - وهما فى الصحيحين - " أن ناسا قالوا : يا رسول الله ، هل نرى ربنا يوم القيامة؟
فقال : " هل تضارون فى رؤية الشمس والقمر ليس دونهما سحاب " قالوا : لا ، قال : " فإنكم ترون ربكم كذلك " " .وفى الصحيحين عن جرير بن عبد الله قال : " نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القمر ليلة البدر فقال : " إنكم ترون ربكم كما ترون هذا القمر " " .ثم قال ابن كثير - رحمه الله - : وهذا - بحمد الله - مجمع عليه بين الصحابة والتابعين وسلف هذه الأمة .
كما هو متفق عليه بين أئمة الإِسلام ، وهداة الأنام .ومن تأول ( إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ) فقال : تنتظر الثواب من ربها .
.
فقد أبعد هذا القائل النجعة ، وأبطل فيما ذهب إليه .
وأين هو من قوله - تعالى - ( كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ ) قال الشافعى : ما حجَب الفجار إلا وقد علم أن الأبرار يرونه - عز وجل - .
ثم زجر - سبحانه - الذين يكذبون بيوم الدين ، ويؤثرون العاجلة على الآجلة ، زجَرهم بلون آخر من ألوان الردع والزجر ، حيث ذكرهم بأحوالهم الأليمة عندما يودعون هذه الدنيا فقال : ( كَلاَّ إِذَا بَلَغَتِ التراقي .
وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ .
وَظَنَّ أَنَّهُ الفراق ) .والضمير فى ( بَلَغَتِ ) يعود إلى الروح المعلومة من المقام .
كما فى قوله - تعالى - ( فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ الحلقوم .
.
) ومنه قول الشاعر :أماوى ما يغنى الثراء عن الفتى ...
إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدروالتراقى : جمع تَرْقُوه ، وهى العظام المحيطة بأعالى الصدر عن يمينه ، وعن شماله ، وهى موضع الحشرجة ، وجواب الشرط محذوف .أى : حتى إذا بلغت روح الإِنسان التراقى ، وأوشكت أن تفارق صاحبها .
.
وجد كل إنسان ثمار عمله الذى عمله فى دنياه ، وانكشفت له حقيقة عاقبته .والمقصود من الآية الكريمة وما بعدها : الزجر عن إيثار العاجلة على الآجلة .
فكأنه - تعالى - يقول : احذروا - أيها الناس - ذلك قبل أن يفاجئكم الموت ، وقبل أن تبلغ أرواحكم نهايتها ، وتنقطع عند ذلك آمالكم .
وقوله - سبحانه - : ( وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ ) بيان لما يقوله أحباب الإِنسان الذى بلغت روحه التراقى ، على سبيل التحسر والتوجع واستبعاد شفائه .
و ( من ) اسم استفهام مبتدأ .
و ( راق ) خبره ، وهو اسم فاعل من الرُّقية ، وهى كلام يقوله القائل ، أو فعل يفعله الفاعل من أجل شفاء المريض .والمراد به هنا : مطلق الطبيب الذى يرجى على يديه الشفاء لهذا المحتضر .أى : اذكروا - أيها الناس - وقت بلوغ الروح نهايتها ، ووقت أن وقف من يهمهم أمر المريض مستسلمين لقضاء الله - تعالى - وملتمسين من كل من بيده شفاء مريضهم ، أن يتقدم لإِنقاذه مما هو فيه من كرب ، ولكنهم لا يجدون أحدا يحقق لهم آمالهم .قال الآلوسى : قوله : ( وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ ) أى : وقال من حضر صاحبها ، من يرقيه وينجيه مما هو فيه ، من الرقية ، وهو ما يستشفى به الملسوع والمريض من الكلام المعد لذلك ، ولعله أريد به مطلق الطبيب ، أع من أن يطب بالقول أو بالفعل .
.
والاستفهام عند البعض حقيقى .
وقيل : هو استفهام استبعاد وإنكار .
أى : قد بلغ هذا المريض مبلغا لا أحد يستطيع أن يرقيه .وقيل هذا الكلام من كلام ملائكة الموت .
أى : أيكم يرقى بروحه ، أملائكة الرحمة ، أم ملائكة العذاب ، من الرقى وهو العروج .
والاستفهام عليه حقيقى .ووقف حفص رواية عن عاصم على ( من ) وابتدأ بقوله : ( راق ) وكأنه قصد أن لا يتوهم أنهما كلمة واحدة ، فسكت سكتة لطيفة ، لتشعر أنهما كلمتان .
والضمير فى المستتر فى قوله - تعالى - : ( وَظَنَّ أَنَّهُ الفراق ) يعود إلى هذا الإِنسان الذى أشرف على الموت ، والذى بلغت روحه نهاية حياتها ، والظن هنا بمعنى اليقين ، أو بمعنى العلم المقارب لليقين .أى : وأيقن هذا المحتضر ، أو توقع أن نهايته قد اقتربت ، وأنه عما قليل سيودع أهله وأحبابه .
.
وسيفارقهم فراقا لا لقاء بعده ، إلا يوم يقوم الناس للحساب .
وقوله - تعالى - : ( والتفت الساق بالساق ) أى : وأيقن هذا المحتضر ، أو توقع أن نهايته قد اقتربت ، وأنه عما قليل سيودع أهله وأحبابه .
.
وسيفارقهم فراقا لا لقاء بعده ، إلا يوم يقوم الناس الناس للحساب .وقوله - تعالى - : ( والتفت الساق بالساق ) أى : والتوت والتصقت إحدى ساقيه بالأخرى .
عند سكرات الموت وشدته ، فصارتا متلاصقين لا تكاد إحداهما تتزحزح عن الأخرى ، فكأنهما ملتفتان .ويصح أن يكون المعنى : والتفت الساق بالساق عند وضع هذا الذى أدركه الموت فى كفنه ، لأن هذا الكفن قد ضم جميع جسده ، والتصقت كل ساق بالأخرى .ومنهم من يرى أن هذه الآية الكريمة : كناية عن هول الموت وشدته كما فى قوله - تعالى - : ( يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ ) والعرب لا تذكر الساق إلا فى المحن والشدائد العظام ، ومنه قولهم : قامت الحرب على ساق .قال صاحب الكشاف : " والتفت " ساقه بساقه والتوت عليها عند الموت ، وعن قتادة : ماتت رجلاه فلا تحملانه وقد كان عليهما جوالا .
وقيل : التفت شدة فراق الدنيا بشدة إقبال الآخرة ، على أن الساق مثل فى الشدة .وعن سعيد ابن المسيب : هما ساقاه حين تلفانه فى أكفانه .
وقوله - سبحانه - : ( إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المساق ) أى : إلى ربك - أيها الرسول الكريم - مساق الناس ومرجعهم - لا إلى غيره - يوم القيامة .
.
لكى يحاسبوا على أعمالهم .فالمساق مصدر ميمى من ساق الشئ إذا سيره أمامه إلى حيث يريد .
ثم بين - سبحانه - جانبا من الأسباب التى أدت إلى سوء عاقبة المكذبين للحق ، فقال - تعالى - : ( فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صلى .
ولكن كَذَّبَ وتولى .
ثُمَّ ذَهَبَ إلى أَهْلِهِ يتمطى ) .والفاء للتفريع على ما تقدم ، من قوله - تعالى - : ( أَيَحْسَبُ الإنسان أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ ) إلخ .أو للتفريع والعطف على قوله - سبحانه - : ( إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المساق ) .
.
أى : أن هذا الإِنسان الذى أنكر الحساب والجزاء ، وفارق الحياة ، كانت عاقبة أمره خسرا ، فلا هو صدق بالحق الذى جاءه الرسول صلى الله عليه وسلم ولا هو أدى الصلاة التى فرضها الله - تعالى - عليه ز
ولكنه كذب بكل ذلك ، وتولى ، وأعرض عن سبيل الرشاد .
ثم بعد ذلك : ( ذَهَبَ إلى أَهْلِهِ يتمطى ) أى : ذهب إلى أهله متبخترا متفاخرا ، متباهيا بإصراره على كفره وفجوره .وقوله : ( يتمطى ) من المط بمعنى المد .
وأصله : يتمطط ، قلبت فيه الطاء حرف علة ، ووصف المتبختر فى مشيه بذلك ، لأنه يمط خطاه ، ويمدها على سبيل الإِعجاب بنفسه ، والتباهى بما هو عليه من كفر وضلال .ولم يذكر - سبحانه - المتعلق والمفعول فى الآيات الكريمة ، للإِشعار بأن هذا الإِنسان الجاحد الجاهل .
.
لم يصدق بشئ من الحق ، ولم يؤد الله - تعالى - فرضا ولا سنة ، ولكنه استمر على تكذيبه وإعراضه عن الصراط المستقيم ، ولم يكتف بكل ذلك ، بل تفاخر وتباهى أمام وغيره بما هو عليه من باطل .
وقوله - سبحانه - : ( أولى لَكَ فأولى .
ثُمَّ أولى لَكَ فأولى ) دعاء على هذا الإِنسان الشقى ، المصر على إعراضه عن الحق .
.
بالهلاك وسوء العاقبة .
و ( أولى ) اسم تفضيل من وَلِىَ ، وفاعله ضمير محذوف يقدره كل قائل أو سامع بما يدل على المكروه .والكاف فى قوله ( لك ) للتبين ، والكاف خطاب لهذا الإِنسان المخصوص بالدعاء عليه .وقوله : ( فأولى ) تأكيد لقوله ( أولى لَك ) .
وجملة ( ثُمَّ أولى لَكَ فأولى ) مؤكدة للجملة الأولى .
أى : أجدر بك هذا الهلاك الذى ينتظرك قريبا - أيها الإِنسان - الجاحد ، ثم أجدر بك ، لأنك أصررت على كل ما هو باطل وسوء .قال القرطبى ما ملخصه : هذا تهديد بعد تهديد ، ووعيد بعد وعيد .
.روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من المسجد ذات يوم ، فاستقبله أبو جهل على باب المسجد ، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده ، فهزه مرة أو مرتين ثم قال : " أولى لك فأولى " فقال أبو جهل : أتهددنى - يا محمد - فو الله إنى لأعز أهل هذا الوادى وأكرمه ، ونزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال لأبى جهل .وجئ بحرف " ثم " فى عطف الجملة الثانية على الأولى ، لزيادة التأكيد ، وللارتقاء فى الوعيد ، وللإِشعار بأن التهديد الثانى أشد من الأول ، كما فى قوله - تعالى - : ( كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ .
ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ).
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بالإِشارة إلى الحكمة من البعث والجزاء ، وببيان جانب من مظاهر قدرته فقال : ( أَيَحْسَبُ الإنسان أَن يُتْرَكَ سُدًى ) .والاستفهام للإِنكار كما قال فى قوله - تعالى - قبل ذلك : ( أَيَحْسَبُ الإنسان أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ ) و " سُدَى " - بضم السين مع القصر - بمعنى مهمل .
يقال : إبل سُدًى ، أى : مهملة ليس لها راع يحميها .
.
وهو حال من فاعل " يترك " .أى : أيظن هذا الإِنسان الذى أنكر البعث والجزاء ، أن نتركه هكذا مهملا ، فلا نجازيه على أعماله التى عملها فى الدنيا؟
إن كان يحسب ذلك هفو فى وهم وضلال ، لأن حكمتنا قد اقتضت أن نكرم المتقين ، وأن تعاقب المكذبين .
والاستفهام فى قوله : ( أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يمنى .
.
) للتقرير ، والنطفة : القليل من الماء و ( يمنى ) يراق هذا المنى فى رحم المرأة .أى : كيف يحسب هذا الإِنسان أنه سيترك سدى؟
ألم يك فى الأصل قطرة ماء تصب من الرجل فى رحم المرأة وتراق فيه؟
بل إنه كان كذلك .
ثم ( كَانَ ) بعد ذلك ( عَلَقَةً ) أى : قطعة دم متجمد ( فَخَلَقَ فسوى ) أى : فخلقه الله - تعالى - خلقا آخر بقدرته ، وسواه فى أحسن تقويم ، كما قال : ( لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ .
.
).
وجملة ( أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ على أَن يُحْيِيَ الموتى ) بمثابة النتيجة بعد المقدمات والأدلة .أى : أليس ذلك الرب العظيم الشأن والقدرة ، الذى أحسن كل شئ خلقه : والذى خلق الإِنسان فى تلك الأطوار المتعددة .
.
أليس ذلك الإِله صاحب الخلق والأمر .( بِقَادِرٍ على أَن يُحْيِيَ الموتى ) وعلى أن يعيدهم إلى الحياة مرة أخرى ، ليجازى الذين أساءوا بما عملوا ، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى؟
بلى إنه لقادر على ذلك قدرة تامة .وقد ساق الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية جملة من الأحاديث منها : أن رجلا كان إذا قرأ هذه الآية قال : سبحانك اللهم وبلَى .
فسئل عن ذلك فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك .وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .