الإسلام > القرآن > تفسير > الوسيط > تفسير سورة المرسلات
تفسيرُ سورةِ المرسلات كاملةً من التفسير الوسيط (محمد سيد طنطاوي). آيةً آية: نصُّ الآية ثم تفسيرُها؛ اضغط على أيِّ آيةٍ لقراءة تفسيرها وحدها.
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 20 دقيقة قراءةللمفسرين فى معنى هذه الصفات الخمس : " المرسلات والعاصفات والناشرات والفارقات والملقيات " اتجاهات ، فمنهم من صدر تفسيره ببيان أن المراد بها الملائكة .
فقد قال صاحب الكشاف : أقسم الله بطوائف من الملائكة ، أرسلهن بأوامره فعصفن فى مضيهن كما تعصف الرياح ، تخففا فى امتثال أمره .
وبطوائف منهن نشرن أجنحتهن فى الجو عند انحطاطهن بالوحى ، أو نشرن الشرائع فى الأرض .
.
ففرقن بين الحق والباطل ، فألقين ذكرا إلى الأنبياء عذرا ، للمحقين ، أو نذرا للمبطلين .فإن قلت : ما معنى عرفا؟
قلت : متتابعة كشعر العُرْفِ - أى : عرف الفرس - يقال : جاءوا عرفا واحدا ، وهم عليه كعرف الضبع : إذا تألبوا عليه .
.ومنهم من يرى أن المراد بالمرسلات وما بعدها : الرياح ، فقد قال الجمل فى حاشيته : أقسم الله - تعالى - بصفات خمس موصوفها محذوف ، فجعلها بعضهم الرياح فى الكل ، وجعلها بعضهم الملائكة فى الكل .
.
وغاير بعضهم فجعل الصفات الثلاث الأول ، الموصوف واحد هو الرياح وجعل الرابعة لموصوف ثان وهو الآيات ، وجعل الخامسة لموصوف ثالث وهو الملائكة .
.وسنسير نحن على هذا الرأى الثالث ، لأنه هو تصورنا أقرب الآباء إلى الصواب ، إذ أن هذه الصفات من المناسب أن يكون بعضها للرياح ، وبعهضا للملائكة .فيكون المعنى : وحق الرياح المرسلات لعذاب المكذبين ، فتعصفهم عصفا ، وتهلكهم إهلاكا شديدا .
فقوله : ( عَصْفاً ) وصف مؤكد للإِهلاك الشديد ، يقال : عصفت الريح ، إذا اشتدت ، وعصفت الحرب بالقوم ، إذا ذهبت بهم ، وناقة عصوف ، إذا مضت براكبها مسرعة ، حتى لكأنها الريح .وقوله : ( والناشرات نَشْراً ) أى : وحق الرياح التى تنتشر انتشارا عظيما فى الآفاق ، فتأتى بالسحب ، التى تتحول بقدرة الله - تعالى - إلى أمطار غزيرة نافعة .قال ابن كثير - بعد أن ذكر آراء العلماء فى معنى هذه الألفاظ - : والأظهر أن المرسلات هى الرياح ، كما قال - تعالى - : ( وَأَرْسَلْنَا الرياح لَوَاقِحَ .
.
.
) وقال - سبحانه - : ( وَهُوَ الذي يُرْسِلُ الرياح بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ) وهكذا العاصفات هى الرياح ، يقال : عصفت الريح إذا هبت بتصويت ز
وكذا ( والناشرات ) : هى الرياح التى تنشر السحاب فى آفاق السماء كما يشاء الرب - عز وجل - .
وقوله - سبحانه - ( فالفارقات فَرْقاً ) يصح أن يكون وصفا للملائكة الذين ينزلون بالشرائع المفرقة بين الحق والباطل ، وبين أهل الحق وأهل الضلال .ويصح أن يكون وصفا للآيات التى أنزلها الله - تعالى - للتمييز بين الخير والشر ، والرشد والغى .
وقوله ( فالملقيات ذِكْراً ) قال القرطبى : هم الملائكة بإجماع ، يلقون كتب الله - تعالى - إلى الأنبياء - عليهم السلام - .فالمراد بالذكر فى قوله ( فالملقيات ذِكْراً ) : وحى الله - تعالى - الذى يبلغه الملائكة إلى الرسل .
وقوله ( عُذْراً أَوْ نُذْراً ) منصوبان على أنهما بدل اشتمال من قوله ( ذكرا ) أو مفعول لأجله .أى : أن الملائكة يلقون وحى الله - تعالى - إلى أنبيائه ، لإِزالة أعذار المعتذرين عن الإِيمان ، حتى لا يقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير ، ولإِنذار الكافرين والفاسقين ، حتى يقلعوا عن كفرهم وفسوقهم .وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - ( رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرسل ) قال صاحب الكشاف : فإن قلت ما العذر والنذر ، وبماذا انتصبا؟
قلت : هما مصدران من أعذر إذا محا الإِساءة ، ومن أنذر إذا خوف على فعل كالكفر والنكر ، ويجوز أن يكون جمع عذير ، بمعنى المعذرة ، وجمع نذير بمعنى الإِنذار .
.
وأما انتصابهما فعلى البدل من ذكرا .
.
أو على المفعول له .
.
وجملة ( إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ ) جواب القسم ، وجئ بها مؤكدة ، لتقوية تحقيق وقوع الجواب ، وما وعدوا به هو البعث والحساب .أى : وحق الرياح المرسلة لعذاب المشركين .
.
وحق الملائكة الذين نرسلهم بوحينا للتفريق بين الحق والباطل ، ولتبليغ رسلنا ما كلفناهم به .
.
إنكم - أيها الكافرون - لمبعوثون ومحاسبون على أعمالكم يوم القيامة الذى لا شك فى وقوعه وحصوله وثبوته .
ثم بين - سبحانه - علامات هذا اليوم فقال : ( فَإِذَا النجوم طُمِسَتْ ) أى : محقت وذهب ضوؤها ، وزال نورها .
يقال : طمست الشئ ، من باب ضرب - إذا محوته واستأصلت أثره ،
( وَإِذَا السمآء فُرِجَتْ ) أى : شقت أو فتحت ، وتدلت أرجاؤه ، ووهت أطرافها .
( وَإِذَا السمآء فُرِجَتْ ) أى : شقت أو فتحت ، وتدلت أرجاؤها ، ووهت أطرافها .
( وَإِذَا الجبال نُسِفَتْ ) أى : اقتلعت وأزيلت من أماكنها .
يقال : نسف فلان البناء ينسفه ، إذا قلعه من أصله .
( وَإِذَا الرسل أُقِّتَتْ ) أى : بلغت وقتها الذى كانت تنتظره ، وهو يوم القيامة ، للقضاء بينهم وبين أقوامهم .
فقوله : ( أُقِّتَتْ ) من التوقيت ، وهو جعل الشئ منتهيا إلى وقته المحدد له .قال الآلوسى : قوله ( وَإِذَا الرسل أُقِّتَتْ ) أى : بلغت ميقاتها .
وجوز أن يكون المعنى : عين لها الوقت الذى تحضر فيه للشهادة على الأمم ، وذلك عند مجئ يوم القيامة .
.وجواب ( إذا ) وما عطف عليها فى قوله ( فَإِذَا النجوم طُمِسَتْ ) محذوف ، والتقدير : وقع ما وعدناكم به وهو يوم القيامة .
وقوله : ( لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ .
لِيَوْمِ الفصل .
وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الفصل .
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ ) تعليل لبلوغ الرسل إلى الوقت الذى كانوا ينتظرونه لأخذ حقوقهم من أقوامهم الظالمين ، والاستفهام للتهويل والتعظيم من شأن هذا اليوم .أى : لأى يوم أخرت الأمور التى كانت متعلقة بالرسل؟
من تعذيب بالكافرين ، وإثابة المتقين .
.
إنها أخرت وأجلت ز
ليوم الفصل ، وهو يوم القيامة ، الذى يفصل الله - تعالى - فيه بقضائه العادل بين العباد .
( وَمَآ أَدْرَاكَ ) ، - أيها المخاطب - ( مَا يَوْمُ الفصل ) ؟
إنه يوم هائل شديد ، لا تحيط العبارة بكنهه ، ولا يعلم إلا الله - تعالى - وحده مقدار أهواله .
ويقال فى هذا اليوم لكل فاسق عن أمر ربه ، ومشرك معه فى العبادة غيره ، ( وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ ) أى : هلاك وحسرة فى هذا اليوم للمكذبين بالحق الذى جاء به الرسل ، وبلغوه إلى أقوامهم .وقد تكررت هذه الآية عشر مرات فى تلك السورة الكريمة ، على سبيل الوعيد والتهديد لهؤلاء المكذبين لرسلهم ، والجاحدين لنعم خالقهم ، والويل : أشد السوء والشر ، وهو فى الأصل مصدر بمعنى الهلاك ، وكان حقه النصب بفعل من لفظه أو معناه ، إلا أنه رفع على الابتداء ، للدلالة على ثبات الهلاك ودوامه للمدعو عليه .وقوله ( يَوْمَئِذٍ ) ظرف للويل أو صفة له ، ولذا صح الابتداء به .
ثم ساقت السورة الكريمة بعد ذلك ألوانا من الأدلة على وحدانية الله - تعالى - وقدرته ، كإهلاك المكذبين السابقين ، وخلق الأولين والآخرين ، والإِنعام على الناس بالجبال والأنهار .
.
قال - تعالى - :( أَلَمْ نُهْلِكِ .
.
.
) .الاستفهام فى قوله ( أَلَمْ نُهْلِكِ الأولين ) وفى الآيات المماثلة له بعد ذلك ، للتقرير ، والمقصود به استخراج الاعتراف والإِقرار من مشركى قريش على صحة البعث ، لأن من قدر على الإِهلاك ، قارد على الإِعادة .أى : لقد أهلكنا الأقوام الأولين الذين كذبوا رسلهم ، كقوم نوح وعاد وثمود .
( ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخرين ) أى : أهلكنا الأولين ، ثم نتبعهم بإهلاك المتأخرين عنهم ، والذين يشبهون سابقيهم فى الكفر والجحود .و " ثم " هنا للتراخى الرتبى ، لأن إهلاك الآخرين الذين لم يعتبروا بمن سبقهم سيكون أشد من إهلاك غيرهم ، وفى ذلك تهديد شديد ووعيد واضح لمشركى مكة .
وقوله : ( كَذَلِكَ نَفْعَلُ بالمجرمين ) أى : مثل ذلك الفعل الشنيع ، والعقاب الأليم ، نفعل بالمجرمين الذين أصروا على كفرهم وعنادهم حتى أدركهم الموت .فالكاف بمعنى مثل ، والإِشارة فى قوله : ( كَذَلِكَ ) تعود إلى الفعل المأخوذ من قوله ( نفعل ) أى؛ مثل ذلك الفعل نفعل بالمجرمين .
ثم كرر - سبحانه - التهديد والوعيد لهم ، لعلهم يرتدعون أو يتعظون فقال : ( وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ ) .
ثم قال - سبحانه - ممتنا على خلقه بإيجادهم فى هذه الحياة ، ومحتجا على إمكان الإِعادة بخلقهم ولم يكونوا شيئا مذكورا ، فقال : ( أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ ) .أى : لقد خلقناكم - أيها الناس - من نطفة حقيرة ضعيفة ، من مَهُن الشئ - بفتح الميم وضم الهاء - إذا ضعف ، وميمه أصلية ، وليس هو من مادة هان ، و " من " ابتدائية .
وقوله : ( فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ) تفصيل لكيفية الخلق على سبيل الإِدماج ، والقرار : اسم للمكان الذى يستقر فيه الماء ، والمراد به رحم المرأة .
والمكين صفة له .أى : خلقناكم من ماء ضعيف ، ومن مظاهر قدرتنا وحكمتنا ولطفنا بكم أننا جعلنا هذا الماء الذى خلقتم منه ، فى مكان حصين ، قد بلغ النهاية فى تمكنه وثباته .فقوله ( مَّكِينٍ ) بمعنى متمكن ، من مَكنُ الشئ مكانة ، إذا ثبت ورسخ .
وقوله : ( إلى قَدَرٍ مَّعْلُومٍ ) بيان لبديع حكمته ، والقدر بمعنى المقدار المحدد المنضبط الذى لا يتخلف .أى : جعلنا هذا الماء فى قرار مكين ، إلى وقت معين محدد فى علم الله - تعالى - يأذن عنده بخروج هذا المخلوق من رحم أمه ، إلى الحياة ، وهذا الوقت هو مدة الحمل .
وقوله - تعالى - : ( فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ القادرون ) ثناء منه - تعالى - على ذاته بما هو أهله .
أى : فقدَّرنا ذلك الخلق تقديرا حكيما منضبطا ، وتمكنا من إيجاده فى أطوار متعددة ، فنعم المقدرون نحن ، ونعم الموجدون نحن لما نوجده من مخلوقات .
وما دام الأمر كذلك فويل وهلاك يوم القيامة ، للمكذبين بوحدانيتنا وقدرتنا .
ثم انتقل - سبحانه - إلى الاستدلال على إمكانية البعث بطريق ثالث فقال : ( أَلَمْ نَجْعَلِ الأرض كِفَاتاً .أَحْيَآءً وَأَمْواتاً .
وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ ) .والكِفات : اسم للمكان الذى يكفت فيه الشئ .
أى؛ يجمع ويضم ويوضع فيه .يقال : كفت فلان الشئ يكفِتُه كَفْتاً ، من باب ضرب - إذا جمعه ووضعه بداخل شئ معين ، ومنه سمى الوعاء كفاتا ، لأن الشئ يوضع بداخله ، وهو منصوب على أنه مفعول ثان لقوله ( نجعل ) لأن الجعل هنا بمعنى التصيير .
وقوله : ( أَحْيَآءً وَأَمْواتاً ) منصوبان على أنهما مفعولان به ، لقوله ( كِفَاتاً ) أو مفعولان لفعل محذوف .أى : لقد جعلنا الأرض وعاء ومكانا تجتمع فيه الخلائق : الأحياء منهم يعيشون فوقها ، والأموات منهم يدفنون فى باطنها ز
( وَجَعَلْنَا فِيهَا ) - أيضا - جبالا ( رَوَاسِيَ ) أى ثوابت ( شَامِخَاتٍ ) أى : مرتفعات ارتفاعا كبيرا ، جمع شامخ وهو الشديد الارتفاع .قال صاحب الكشاف : الكفات : من كفت الشئ إذا ضمه وجمعه .
.
وبه انتصب ( أَحْيَآءً وَأَمْواتاً ) كأنه قيل : كافتة أحياء وأمواتا ، أو انتصبا بفعل مضمر يدل عليه ، وهو تكفت .والمعنى : تكفت أحياء على ظهرها ، وأمواتا فى بطنها .فإن قلت : لم قيل أحياء وأمواتا على التنكير ، وهى كفات الأحياء والأموات جميعا؟
قلت : هو من تنكير التفخيم ، كأنه قيل : تكفت أحياء لا يعدون ، وأمواتاً لا يحصرون .
.وقوله - سبحانه - ( وَأَسْقَيْنَاكُم مَّآءً فُرَاتاً ) بيان لنعمة أخرى من أجل نعمه على خلقه ، أى : وأسقيناكم - بفضلنا ورحمتنا - ماء ( فُرَاتاً ) أى : عذبا سائغا للشاربين .
وقوله - تعالى - ( وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ ) تكرير للتوبيخ والتقريع على جحودهم لنعم الله ، التى يرونها بأعينهم ، ويحسونها بحواسهم ويستعملونها لمنفعتهم .
ثم انتقلت السورة الكريمة إلى بيان المصير الأليم الذى ينتظر هؤلاء المكذبين ، فقال - تعالى - : ( انطلقوا إلى مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ .
انطلقوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ .
لاَّ ظَلِيلٍ وَلاَ يُغْنِي مِنَ اللهب .
إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقصر .
كَأَنَّهُ جمالت صُفْرٌ )وقوله - سبحانه - : ( انطلقوا ) مفعول لقول محذوف .
أى : يقال للكافرين يوم القيامة - على سبيل الإِهانة والإِذلال - : انطلقوا إلى ما كنتم تكذبون به فى الدنيا من العذاب .
وقوله : ( انطلقوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ .
.
) بدل مما قبله ، وأعيد فعل ( انطلقوا .
.
) على سبيل التوكيد ، لقصد الزيادة فى تقريعهم وتوبيخهم .والمراد بالظل : دخان جهنم ، وسمى بذلك لشدة كثافته ، أى : انطلقوا - أيها المشركون - إلى ظل من دخان جهنم الذى يتصاعد من وقودها ، ثم يتفرق بعد ذلك إلى ثلاث شعب ، شأن الدخان العظيم عندما يرتفع .وسمى هذا الدخان العظيم الخانق بالظل ، على سبيل التهكم بهم ، إذ هم فى هذه الحالة يكونون فى حاجة شديدة إلى ظل يأوون إلى برده .
ثم وصف - سبحانه - هذا الظل بصفة ثانية فقال : ( لاَّ ظَلِيلٍ ) أى : ليس هو بظل على سبيل الحقيقة ، وإنما هو دخان خانق لا برد فيه .ثم وصفه بصفة ثالثة فقال : ( وَلاَ يُغْنِي مِنَ اللهب ) أى : أن هذا الظل الى تنطلقون إليه لا يغنى شيئا من الإِغناء ، من حر لهب جهنم التى هى مأواكم ونهايتكم .وبهذه الصفات يكون لفظ الظل ، قد فقد خصائصه المعروفة من البرودة والشعور عنده بالراحة .
.
وصار المقصود به ظلا آخر ، لا برد فيه ، ولايدفع عنهم شيئا من حر اللهب .وههذ الصفات إنما جئ بها لدفع ما يوهمه لفظ " ظل " .وعدى الفعل " يغنى " بحرف من ، لتضمنه معنى يُبْعِد .
والشرر : واحده شررَه ، وهى القطعة التى تتطاير من النار لشدة اشتعالها .والقصر : البناء العالى المرتفع .
وقيل : هو الغليظ من الشجر .
أو هو قطع من الخشب ، يجمعها الجامعون للاستدفاء بها من البرد .
* وقوله : ( جمالت ) جمع جمَلَ - كحجارة وحجر .وقال الآلوسى : " جمالة " بكسر الجيم - كما قرأ به حمزة والكسائى وحفص وهو جمع جمل .والتاء لتأنيث الجمع .
يقال : جمل وجمال وجِمالة .
.
والتنوين للتكثير .وقرأ الجمهور ( جِمالاتٌ ) - بكسرالجيم مع الألف والتاء - جمع جِمَال .
.
فيكون جمع الجمع .
.والمعنى : إنها - أى : جهنم - ترمى المكذبين بالحق ، الذين هم وقودها ، ترميهم بشرر متطاير منها لشدة اشتعالها ، كل واحدة من هذا الشرر كأنها البناء المرتفع فى عظمها وارتفاعها .وقوله - تعالى - : ( كَأَنَّهُ جمالت صُفْرٌ ) وصف آخر للشرر ، أى : كأن هذا الشرر فى هيئته ولونه وسرعة حركته .
.
جمال لونها أصفر .واختبر اللون الأصفر للجمال ، لأن شرر النار عندما يشتد اشتعالها يكون مائلا إلى الصفرة .وقيل المراد بالصفر هنا : السواد ، لأن سواد الإِبل يضرب إلى الصفرة .فأنت ترى أن الله - تعالى - قد شبه الشرر الذى ينفصل عن النار فى عظمته وضخامته بالقصر ، وهو البناء العالى المرتفع ، وشبهه - أيضا - حين يأخذ فى الارتفاع والتفرق .
.
بالجمال الصفر ، فى هيئتها ولونها وسرعة حركتها ، وتزاحمها .والمقصود بهذا التشبيه : زيادة الترويع والتهويل ، فإن هؤالءا لكافرين لما كذبوا بالحساب والجزاء ، وصف الله - تعالى - لهم نار الآخرة بتلك الصفات المرعبة ، لعلهم يقلعون عن شركهم ، لا سيما وأنهم يرون النار فى دنياهم ، ويرون شررها حين يتطاير .
.
وإن كان الفرق شاسعا بين نار الدنيا ونار الآخرة .
وزيادة فى التخويف والإنذار ختمت هذه الآيات - أيضا - بقوله - تعالى - ( وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ ) .
ثم صور - سبحانه - حالهم عندما يردون على النار ، ويوشكون على القذف بهم فيها ، فقال - تعالى - ( هذا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ .
وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ .
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ .
هذا يَوْمُ الفصل جَمَعْنَاكُمْ والأولين .
فَإِن كَانَ لَكمُ كَيْدٌ فَكِيدُونِ .
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ )أى : ويقال لهؤلاء المجرمين - أيضاً - عند الإلقاء بهم فى النار : هذا يوم لا ينطقون فيه بشئ ينفعهم ، أو لا ينطقون فيه إطلاقا لشدة دهشتهم ، وعظم حيرتهم .ويكون فى الكلام التفات من الخطاب إلى الغيبة ، فإنهم بعد أن خوطبوا خطاب إهانة وإذلال بقوله - تعالى - : ( انطلقوا ) أعرض المخاطبون لهم ، على سبيل الإِهمال لهؤلاء الكافرين ، وقالوا لهم : هذا يوم القيامة الذى لا يصح لكم النطق فيه .وهذا لا يتعارض مع الآيات التى تفيد نطقهم ، كما فى قوله - تعالى - : ( وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ ) لأن فى يوم القيامة مواطن متعددة ، فهم قد ينطقون فى موطن ، ولا ينطقون فى موطن آخر .
وقوله - تعالى - ( وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ ) معطوف على ما قبله .
أى : فى يوم القيامة لا ينطق هؤلاء المجرمون نطقا يفيدهم ، ولا يؤذن لهم فى الاعتذار عما ارتكبوه من سوء ، حتى يقبل اعتذارهم ، وإنما يرفض اعتذارهم رفضاً تاماً ، لأنه قد جاء فى غير وقته وأوانه .يقال : اعتذرت إلى فلان ، إذا أتيت له بعذر يترتب عليه محو الإِساءة .
ثم يقال لهم - أيضا - على سبيل التحدى والتقريع ( هذا ) هو يوم القيامة ( يَوْمُ الفصل ) بين المحقين والمبطين ( جَمَعْنَاكُمْ ) فيه - أيها الكافرون - مع من تقدمكم من الكفار ( والأولين ) .
( فَإِن كَانَ لَكمُ ) - أيها الكافرون - ( كَيْدٌ ) أى : مخرج وحيلة ومنفذ من العذاب الذى حل بكم ( فَكِيدُونِ ) أى : فافعلوه وقوموا به فأنتم الآن فى أشد حالات الاحتياج إلى من يخفف العذاب عنكم .أو المعنى : ( فَإِن كَانَ لَكمُ ) - أيها الكافرون - ( كَيْدٌ ) أى : قدرة على كيد دينى ورسلى والمؤمنين ، كما كنتم تفعلون فى الدنيا ( فَكِيدُونِ ) أى : فاظهروه اليوم .
والأمر للتعجيز ، لأنه من المعروف أنهم فى يوم القيامة لا قدرة لهم ولا حيلة .وهكذا نجد أن هذه الآيات الكريمة ، قد ساقت ألوانا من الأدلة على وحدانية الله - تعالى - ، وعلى أن يوم البعث حق ، وعلى العاقبة السيئة التى سيكون عليها الكافرون يوم القيامة .
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بالموازنة بين حال المتقين ، وحال المجرمين ، فقال :( إِنَّ المتقين فِي .
.
.
) .أى : ( إِنَّ المتقين ) الذين صانوا فى دنياهم أنفسهم عن الكفر والفسوق والعصيان ، واعتصموا بالرشد والهدى والإِيمان .سيكونون يوم القيامة ( فِي ظِلاَلٍ ) الأشجار والقصور ، جمع ظل : وهو كل موضع لا تصل إليه الشمس .
وفى ( عيون ) من ماء وعسل ولبن وخمر .
وهم - أيضا - فى ( فواكه ) وهى ما يتفكه به ويتنعم .
جمع فاكهة ( مِمَّا يَشْتَهُونَ ) أى : يأكلون من تلك الفواكه ما يشتهونه منها ، بدون تعب فى طلبها ، فهى تحت أيديهم .
ويقال لهم - على سبيل التكريم والتشريف - ( كلوا ) أكلا مريئا ( واشربوا ) شربا ( هنيئا ) جزاء ( بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) فى الدنيا من أعمال صالحة .
( إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي المحسنين ) أى : إنا من شأننا أننا نعطى مثل هذا الجزاء الطيب للمؤمنين الذين أحسنوا أقوالهم وأفعالهم ، وصانوا أنفسهم عن كل مالا يرضينا ، هذا هو جزاء المتقين المحسنين .
أما الكافرون المكذبون ، فيقال لهم مرة ومرات - على سبيل التوبيخ والزجر - : ( كُلُواْ وَتَمَتَّعُواْ قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُّجْرِمُونَ ) .أى : ( كُلُواْ ) فى دنياكم كما تأكل الأنعام ( وَتَمَتَّعُواْ ) بملذاتكم متاعا ( قَلِيلاً ) سينتهى عما قريب ، وستلقون فى آخرتكم أشد أنواع العذاب .
بسبب أنكم كنتم فى الدنيا دأبكم الإِجرام ، والإصرار على الكفر والفسوق والعصيان .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف صح أن يقال لهم ذلك فى الآخرة؟
قلت : يقال لهم ذلك فى الآخرة إيذانا بأنهم كانوا فى الدنيا أحقاء بأن يقال لهم ، وكانوا من أهله ، تذكيرا بحالهم السمجة ، وبما جنوا على أنفسهم من إيثار المتاع القليل ، على النعيم والملك الخالد .وعلل ذلك بكونهم مجرمين ، دلالة على أن كل مجرم ماله إلا الأكل والتمتع أياما قليلة ، ثم البقاء فى الهلاك أبدا .
ويجوز أن يكون ( كُلُواْ وَتَمَتَّعُواْ ) كلاما مستأنفا خطابا للمكذبين فى الدنيا .
.
وقوله - سبحانه - : ( وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ ) أى : هلاك دائم وعذاب مقيم يوم القيامة للمكذبين ، الذين آثروا المتاع القليل الفانى فى الدنيا ، على النعيم الدائم فى الآخرة .
( وَإذَا قِيلَ لَهُمُ اركعوا لاَ يَرْكَعُونَ ) أى : وإذا قيل لهؤلاء المجرمين اركعوا فى الدنيا مع الراكعين ، وأدوا فريضة الصلاة مع الرسول صلى الله عليه وسلم ومع المؤمنين .إذا قيل لهم ذلك - على سبيل النصح والإِرشاد - صموا آذانهم ، وأصروا واستكبروا استكبارا ، وأبوا أن يصلوا مع المصلين .وعبر عن الصلاة بالركوع ، باعتبار أن الركوع من أهم أركانها ، فهو من باب التعبير بالجزء عن الكل .
( وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ ) أى : هلاك شديد يوم القيامة لهؤلاء المكذبين .
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بهذا التعجيب من أحوالهم التى بلغت النهاية فى القبح والجحود والعناد فقال - تعالى - : ( فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ) .والفاء للإِفصاح ، أى : إذا كانوا لم يؤمنوا بهذا القرآن المشتمل على أسمى أنواع الهدايات وأحكمها وأوضحها .
.
فبأى حديث بعد القرآن يؤمنون؟
إنه من المستبعد إيمانهم بعد ن أعرضوا عن كل الحجج التى تهدى إلى الإِيمان ، فالاستفهام فى قوله : ( فَبِأَيِّ حَدِيثٍ .
.
.
) مستعمل فى الإِنكار التعجيبى من حالهم ، والمضير فى " بعده " يعود إلى القرآن ، وهو وإن لم يسبق له ذكر ، فإنه ملحوظ فى أذهانهم ، إذ فى كل وقت يذكرهم الرسول صلى الله عليه وسلم به .وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ( فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ) .