الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > سورة 3 آل عمران > الآية ٣٩
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 7 دقيقة قراءةقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: فَنادَتْهُ بِالتّاءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: فَناداهُ بِألِفٍ مُمالَةٍ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: هو كَقَوْلِهِ تَعالى: (وَقالَ نِسْوَةٌ) [ يُوسُفَ: ٢٠ ] .
وقَرَأ عَلِيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ: "فَناداهُ" بِألِفٍ.
وفي المَلائِكَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: جِبْرِيلُ وحْدَهُ، قالَ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ، ووَجْهُهُ أنَّ العَرَبَ تُخْبِرُ عَنِ الواحِدِ بِلَفْظِ الجَمْعِ، تَقُولُ: رَكِبْتُ في السُّفُنِ، وسَمِعْتُ هَذا مِنَ النّاسِ.
والثّانِي: أنَّهم جَماعَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ، وهو مَذْهَبُ قَوْمٍ، مِنهُمُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ.
وفي المِحْرابِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ المَسْجِدُ.
والثّانِي: أنَّهُ قِبْلَةُ المَسْجِدِ.
وفي تَسْمِيَةِ مِحْرابِ الصَّلاةِ مِحْرابًا، ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: لِانْفِرادِ الإمامِ فِيهِ، وبُعْدِهِ مِنَ النّاسِ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: فُلانٌ حَرْبٌ لِفُلانٍ: إذا كانَ بَيْنَهُما مُباغَضَةٌ، وتَباعُدٌ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْ أبِيهِ، عَنْ أحْمَدَ بْنِ عُبَيْدٍ.
والثّانِي: أنَّ المِحْرابَ في اللُّغَةِ أشْرَفُ الأماكِنِ، وأشْرَفُ المَسْجِدِ مَقامُ الإمامِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ مِنَ الحَرْبِ فالمُصَلِّي مُحارِبٌ لِلشَّيْطانِ.
قَوْلُهُ تَعالى: (أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ) قَرَأ الأكْثَرُونَ بِفَتْحِ الألِفِ عَلى مَعْنى: فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ بِأنَّ اللَّهَ، فَلَمّا حُذِفَ الجارُّ مِنها، وصَلَ الفِعْلُ إلَيْها، فَنَصَبَها.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، بِكَسْرِ "إنْ" فَأضْمَرَ القَوْلَ.
والتَّقْدِيرُ: فَنادَتْهُ، فَقالَتْ: إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: يُبَشِّرُكِ بِضَمِّ الياءِ: وفَتْحُ الباءِ، والتَّشْدِيدُ في جَمِيعِ القُرْآَنِ إلّا في (حم عسق) .
(يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ) [ الشُّورى: ٢٣ ] فَإنَّهُما فَتَحا الياءَ وضَمّا الشِّينَ، وخَفَّفاها.
فَأمّا نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، فَشَدَّدا كُلَّ القُرْآَنِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ: "يُبَشِّرُ" خَفِيفًا في كُلِّ القُرْآَنِ، إلّا قَوْلُهُ تَعالى: (فَبِمَ تُبَشِّرُونَ) [ الحِجْرِ: ٥٤ ] .
وقَرَأ الكِسائِيُّ "يُبَشِّرُ" مُخَفَّفَةً في خَمْسَةِ مَواضِعَ، في (آَلِ عِمْرانَ) في قِصَّةِ زَكَرِيّاءَ، وقِصَّةُ مَرْيَمَ، وفي بَنِي (إسْرائِيلَ)، وفي (الكَهْفِ) وفي (حم عسق) قالَ الزَّجّاجُ: وُفي "يُبَشِّرُكَ" ثَلاثُ لُغاتٍ.
أحَدُها: يُبَشِّرُكِ، بِفَتْحِ الباءِ وتَشْدِيدِ الشِّينِ.
والثّانِيَةُ: "يَبْشُرُكَ" بِإسْكانِ الباءِ، وضَمِّ الشِّينِ.
والثّالِثَةُ: "يُبْشِرُكِ" بِضَمِّ الياءِ وإسْكانِ الباءِ، فَمَعْنى "يُبَشِّرُكِ" بِالتَّشْدِيدِ و"يُبْشِرُكِ" بِضَمِّ الياءِ: البِشارَةُ.
ومَعْنى "يَبْشُرُكِ" بِفَتْحِ الياءِ: يَسُرُّكَ ويُفْرِحُكَ، يُقالُ: بَشَّرْتُ الرَّجُلَ أُبَشِّرُهُ: إذا أفْرَحْتُهُ، وبُشِّرَ الرَّجُلُ يُبَشَّرُ: إذا فَرِحَ.
وَأنْشَدَ الأخْفَشُ والكِسائِيُّ: وإذا لَقِيتَ الباهِشِينَ إلى العُلى غُبْرًا أكُفَّهُمُ بِقاعٍ مُمَحَّلِ فَأعِنْهم وابْشَرْ بِما بَشِرُوا بِهِ ∗∗∗ وإذا هم نَزَلُوا بِضَنْكٍ فانْزِلِ فَهَذا عَلى بَشَرَ يَبْشَرُ: إذا فَرِحَ.
وأصْلُ هَذا كُلُّهُ أنَّ بَشْرَةَ الإنْسانِ تَنْبَسِطُ عِنْدَ السُّرُورِ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: يَلْقانِي بِبِشْرٍ.
أيْ: بِوَجْهٍ مُنْبَسِطٍ، وفي مَعْنى تَسْمِيَتِهِ "يَحْيى" خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أحْيا بِهِ عُقْرَ أُمِّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أحْيا قَلْبَهُ بِالإيمانِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: لِأنَّهُ أحْياهُ بَيْنَ شَيْخٍ وعَجُوزٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والرّابِعُ: لِأنَّهُ حَيِيٌّ بِالعِلْمِ والحِكْمَةِ الَّتِي أُوتِيَها، قالَهُ الزَّجّاجُ.
والخامِسُ: لِأنَّ اللَّهَ أحْياهُ بِالطّاعَةِ، فَلَمْ يَعْصِ، ولَمْ يَهِمَّ، قالَهُ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ.
وفي "الكَلِمَةِ" قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها عِيسى، وسُمِّيَ كَلِمَةً، لِأنَّهُ بِالكَلِمَةِ كانَ، وهي "كُنْ" وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ، ومُقاتِلٍ.
وقِيلَ: إنَّ يَحْيى كانَ أكْبَرَ مِن عِيسى بِسِتَّةِ أشْهُرٍ، وقُتِلَ يَحْيى قَبْلَ رَفْعِ عِيسى.
والثّانِي: أنَّ الكَلِمَةَ كِتابُ اللَّهِ وآَياتُهُ، وهو قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ في آَخَرِينَ ووَجْهُهُ أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: أنْشَدَنِي فُلانٌ كَلِمَةً، أيْ: قَصِيدَةً.
وفي مَعْنى السَّيِّدِ ثَمانِيَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الكَرِيمُ عَلى رَبِّهِ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ.
والثّانِي: أنَّهُ الحَلِيمُ التَّقِيُّ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ الحَكِيمُ، قالَهُ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، وعَطاءٌ، وأبُو الشَّعْثاءِ، والرَّبِيعُ، ومُقاتِلٌ.
والرّابِعُ: أنَّهُ الفَقِيهُ العالِمُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ.
والخامِسُ: أنَّهُ التَّقِيُّ، رَواهُ سالِمٌ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ.
والسّادِسُ: أنَّهُ الحَسَنُ الخُلُقِ، رَواهُ أبُو رَوْقٍ عَنِ الضَّحّاكِ.
والسّابِعُ: أنَّهُ الشَّرِيفُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والثّامِنُ: أنَّهُ الَّذِي يَفُوقُ قَوْمَهُ في الخَيْرِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: السَّيِّدُ هاهُنا: الرَّئِيسُ، والإمامُ في الخَيْرِ.
فَأمّا "الحَصُورُ" فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو الَّذِي لا يَأْتِي النِّساءَ، وهو فَعَوْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، كَأنَّهُ مَحْصُورٌ عَنْهُنَّ، أيْ: مَحْبُوسٌ عَنْهُنَّ.
وأصْلُ الحَصْرِ: الحَبْسُ.
ومِمّا جاءَ عَلى "فَعُولٍ" بِمَعْنى "مَفْعُولٍ" رُكُوبٌ بِمَعْنى مَرْكُوبٌ، وحَلُوبٌ بِمَعْنى مَحْلُوبٌ، وهَيُوبٌ بِمَعْنى مَهِيبٌ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ لِماذا كانَ لا يَأْتِي النِّساءَ؟
عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ ما يَأْتِي بِهِ النِّساءَ، فَرَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو بْنِ العاصِ عَنِ النَّبِيِّ ، أنَّهُ قالَ: « "كُلُّ بَنِي آَدَمَ يَأْتِي يَوْمَ القِيامَةِ ولَهُ ذَنْبٌ إلّا ما كانَ مِن يَحْيى بْنِ زَكَرِيّا" قالَ: ثُمَّ دَلّى رَسُولُ اللَّهِ يَدَهُ إلى الأرْضِ، فَأخَذَ عُودًا صَغِيرًا، ثُمَّ قالَ: "وَذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ ما لِلرِّجالِ إلّا مِثْلَ هَذا العُودِ، ولِذَلِكَ سَمّاهُ اللَّهُ سَيِّدًا وحَصُورًا"» وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ: كانَ لَهُ كالنَّواةِ.
.
والثّانِي: أنَّهُ كانَ لا يَنْزِلُ الماءُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ كانَ لا يَشْتَهِي النِّساءَ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ.
والرّابِعُ: أنَّهُ كانَ يَمْنَعُ نَفْسَهُ مِن شَهَواتِها، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْناهُ: مِنَ الصّالِحِي الحالِ عِنْدَ اللَّهِ.
<div class="verse-tafsir"