الآية ٣٩ من سورة آل عمران

الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ٣٩ من سورة آل عمران

فَنَادَتْهُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَهُوَ قَآئِمٌۭ يُصَلِّى فِى ٱلْمِحْرَابِ أَنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ مُصَدِّقًۢا بِكَلِمَةٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ وَسَيِّدًۭا وَحَصُورًۭا وَنَبِيًّۭا مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ ٣٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 198 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٩ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٩ من سورة آل عمران عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال الله تعالى : ( فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب ) أي : خاطبته الملائكة شفاها خطابا أسمعته ، وهو قائم يصلي في محراب عبادته ، ومحل خلوته ، ومجلس مناجاته وصلاته .

ثم أخبر عما بشرته به الملائكة : ( أن الله يبشرك بيحيى ) أي : بولد يوجد لك من صلبك اسمه يحيى .

قال قتادة وغيره : إنما سمي يحيى لأن الله تعالى أحياه بالإيمان .

وقوله : ( مصدقا بكلمة من الله ) روى العوفي وغيره عن ابن عباس .

وقال الحسن وقتادة وعكرمة ومجاهد وأبو الشعثاء والسدي والربيع بن أنس ، والضحاك ، وغيرهم في هذه الآية : ( مصدقا بكلمة من الله ) أي : بعيسى ابن مريم ، قال الربيع بن أنس : هو أول من صدق بعيسى ابن مريم ، وقال قتادة : وعلى سننه ومنهاجه .

وقال ابن جريج : قال ابن عباس في قوله : ( مصدقا بكلمة من الله ) قال : كان يحيى وعيسى ابني خالة ، وكانت أم يحيى تقول لمريم : إني أجد الذي في بطني يسجد للذي في بطنك فذلك تصديقه بعيسى : تصديقه له في بطن أمه ، وهو أول من صدقعيسى ، وكلمة الله عيسى ، وهو أكبر من عيسى عليه السلام ، وهكذا قال السدي أيضا .

وقوله : ( وسيدا ) قال أبو العالية ، والربيع بن أنس ، وقتادة ، وسعيد بن جبير ، وغيرهم : الحكيم ، وقال قتادة : سيدا في العلم والعبادة .

وقال ابن عباس ، والثوري ، والضحاك : السيد الحكيم المتقي ، وقال سعيد بن المسيب : هو الفقيه العالم .

وقال عطية : السيد في خلقه ودينه .

وقال عكرمة : هو الذي لا يغلبه الغضب .

وقال ابن زيد : هو الشريف .

وقال مجاهد وغيره هو الكريم على الله ، عز وجل .

وقوله : ( وحصورا ) روي عن ابن مسعود ، وابن عباس ، ومجاهد ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير ، وأبي الشعثاء ، وعطية العوفي أنهم قالوا : هو الذي لا يأتي النساء .

وعن أبي العالية والربيع بن أنس : هو الذي لا يولد له .

وقال الضحاك : هو الذي لا ولد له ولا ماء له .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا يحيى بن المغيرة ، أنبأنا جرير ، عن قابوس ، عن أبيه ، عن ابن عباس في الحصور : الذي لا ينزل الماء ، وقد روى ابن أبي حاتم في هذا حديثا غريبا جدا فقال : حدثنا أبو جعفر محمد بن غالب البغدادي ، حدثني سعيد بن سليمان ، حدثنا عبادة - يعني ابن العوام - عن يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيب ، عن ابن العاص - لا يدري عبد الله أو عمرو - عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : ( وسيدا وحصورا ) قال : ثم تناول شيئا من الأرض فقال : " كان ذكره مثل هذا " .

ثم قال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن سنان ، حدثنا يحيى بن سعيد القطان ، عن يحيى بن سعيد الأنصاري ، أنه سمع سعيد بن المسيب ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص يقول : ليس أحد من خلق الله لا يلقاه بذنب غير يحيى بن زكريا ، ثم قرأ سعيد : ( وسيدا وحصورا ) ثم أخذ شيئا من الأرض فقال الحصور ما كان ذكره مثل ذي وأشار يحيى بن سعيد القطان بطرف إصبعه السبابة .

فهذا موقوف وهو أقوى إسنادا من المرفوع ، بل وفي صحة المرفوع نظر ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

وقد قال القاضي عياض في كتابه الشفاء : اعلم أن ثناء الله تعالى على يحيى أنه كان ) حصورا ) ليس كما قاله بعضهم : إنه كان هيوبا ، أو لا ذكر له ، بل قد أنكر هذا حذاق المفسرين ونقاد العلماء ، وقالوا : هذه نقيصة وعيب ولا تليق بالأنبياء ، عليهم السلام ، وإنما معناه : أنه معصوم من الذنوب ، أي لا يأتيها كأنه حصر عنها ، وقيل : مانعا نفسه من الشهوات .

وقيل : ليست له شهوة في النساء .

وقد بان لك من هذا أن عدم القدرة على النكاح نقص ، وإنما الفضل في كونها موجودة ثم قمعها : إما بمجاهدة كعيسى أو بكفاية من الله عز وجل ، كيحيى ، عليه السلام .

ثم هي حق من أقدر عليها وقام بالواجب فيها ولم تشغله عن ربه درجة علياء ، وهي درجة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الذي لم يشغله كثرتهن عن عبادة ربه ، بل زاده ذلك عبادة ، بتحصينهن وقيامه عليهن ، واكتسابه لهن ، وهدايته إياهن .

بل قد صرح أنها ليست من حظوظ دنياه هو ، وإن كانت من حظوظ دنيا غيره ، فقال : " حبب إلي من دنياكم " .

هذا لفظه .

والمقصود أنه مدح يحيى بأنه حصور ليس أنه لا يأتي النساء ، بل معناه كما قاله هو وغيره : أنه معصوم عن الفواحش والقاذورات ، ولا يمنع ذلك من تزويجه بالنساء الحلال وغشيانهن وإيلادهن ، بل قد يفهم وجود النسل له من دعاء زكريا المتقدم حيث قال : ( هب لي من لدنك ذرية طيبة ) كأنه قال : ولدا له ذرية ونسل وعقب ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

[ وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا عيسى بن حماد زغبة ومحمد بن سلمة المرادي قالا حدثنا حجاج ، عن سلمان بن القمري ، عن الليث بن سعد ، عن محمد بن عجلان ، عن القعقاع ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " كل ابن آدم يلقى الله بذنب قد أذنبه يعذبه عليه ، إن شاء أو يرحمه ، إلا يحيى بن زكريا ، فإنه كان سيدا وحصورا ونبيا من الصالحين " ، ثم أهوى النبي صلى الله عليه وسلم إلى قذاة من الأرض فأخذها وقال : " كان ذكره مثل هذه القذاة " ] .

قوله : ( ونبيا من الصالحين ) هذه بشارة ثانية بنبوة يحيى بعد البشارة بولادته ، وهي أعلى من الأولى كقوله تعالى لأم موسى : ( إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين ) [ القصص : 7 ]

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأته عامة قرأة أهل المدينة وبعضُ أهل الكوفة والبصرة: " فنادته الملائكة " على التأنيث بالتاء، يراد بها: جمع " الملائكة ".

وكذلك تفعل العرب في جماعة الذّكور إذا تقدّمت أفعالها، أنَّثت أفعالها، ولا سيما الأسماء التي في ألفاظها التأنيث، كقولهم: جاءَت الطَّلحات ".

* * * وقد قرأ ذلك جماعة من أهل الكوفة بالياء، (11) بمعنى فناداه جبريل، فذكروه للتأويل، كما قد ذكرنا آنفًا أنهم يُؤنثون فعل الذّكر للفظ، (12) فكذلك يذكِّرون &; 6-364 &; فعلَ المؤنث أيضًا للفظ.

واعتبروا ذلك فيما أرى بقراءةٍ يذكر أنها قراءَةُ عبد الله بن مسعود، وهو ما:- 6945 - حدثني به المثنى قال، حدثنا إسحاق بن الحجاج قال، حدثنا عبد الرحمن بن أبي حماد، أنّ قراءة ابن مسعود: ( فَنَادَاهُ جِبْرِيلُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ ).

* * * وكذلك تأوّل قوله: " فنادته الملائكة " جماعةٌ من أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك: 6946 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " فنادته الملائكة "، (13) وهو جبريل = أو: قالت الملائكة، وهو جبريل =" أنّ الله يُبشرك بيَحيى ".

* * * قال أبو جعفر: فإن قال قائل: وكيف جاز أن يقال على هذا التأويل: " فنادته الملائكة "، و " الملائكة " جمع لا واحد؟

قيل: ذلك جائز في كلام العرب، بأن تخبر عن الواحد بمذهب الجمع، كما يقال في الكلام: " خرج فلان على بغال البُرُد "، وإنما ركب بغلا واحدًا =" وركب السفن "، وإنما ركب سفينةً واحدة.

وكما يقال: " ممن سمعتَ هذا الخبر "؟

فيقال: " من الناس "، وإنما سمعه من رجل واحد.

وقد قيل إنّ منه قوله: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ [سورة آل عمران: 173]، والقائلُ كانَ = فيما كان ذُكر - واحدًا = (14) وقوله: وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ &; 6-365 &; [سورة الروم: 33]، والناس بمعنى واحد.

وذلك جائز عندهم فيما لم يقصد فيه قصد واحد.

(15) * * * قال أبو جعفر: وإنما الصواب من القول عندي في قراءة ذلك، أنهما قراءتان معروفتان = أعني" التاء " و " الياء " = فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.

وذلك أنه لا اختلافَ في معنى ذلك باختلاف القراءتين، وهما جميعًا فصيحتان عند العرب، وذلك أنّ" الملائكة " إن كان مرادًا بها جبريل، كما روى عن عبد الله، فإن التأنيث في فعلها فصيحٌ في كلام العرب للفظها، إن تقدمها الفعل.

وجائز فيه التذكير لمعناها.

وإن كان مرادًا بها جمع " الملائكة "، فجائز في فعلها التأنيث، وهو من قَبلها، للفظها.

(16) وذلك أن العرب إذا قدّمت على الكثير من الجماعة فعلها، أنثته، فقالت: " قالت النساء ".

وجائز التذكير في فعلها، بناءً على الواحد، إذا تقدم فعله، فيقال: " قال الرجال ".

* * * وأما الصّواب من القول في تأويله، فأنْ يقال: إن الله جل ثناؤه أخبر أنّ الملائكة نادته.

والظاهرُ من ذلك، أنها جماعة من الملائكة دون الواحد، وجبريلُ واحد.

ولا يجوز أن يحمل تأويل القرآن (17) إلا على الأظهر الأكثر من الكلام المستعمل في ألسن العرب، دون الأقل = ما وُجِد إلى ذلك سبيل.

ولم تَضطَّرنا حاجةٌ إلى صرف ذلك إلى أنه بمعنى واحد، فيحتاج له إلى طلب المخرج بالخفيّ من الكلام والمعاني.

وبما قلنا في ذلك من التأويل قال جماعة من أهل العلم، منهم: قتادة، والربيع &; 6-366 &; بن أنس، وعكرمة، ومجاهد، وجماعة غيرهم.

وقد ذكرنا ما قالوا من ذلك فيما مَضَى.

(18) * * * القول في تأويل قوله : وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى قال أبو جعفر: وتأويل قوله: " وهو قائم: " فنادته الملائكة في حال قيامه مصلِّيًا.

فقوله: " وهو قائم "، خبر عن وقت نداء الملائكة زكريا.

وقوله: " يُصَلي" في موضع نصب على الحال من " القيام "، وهو رفع بالياء.

* * * وأما " المحراب "، فقد بينا معناه، وأنه مقدّم المسجد.

(19) * * * واختلفت القرأة في قراءة قوله: " أنّ اللهَ يبشرك ".

فقرأته عامة القرأة: ( أَنَّ اللَّهَ ) بفتح " الألف " من " أن "، بوقوع " النداء " عليها، بمعنى: فنادته الملائكة بذلك.

* * * وقرأه بعض قرأة أهل الكوفة: ( إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ ) بكسر " الألف "، بمعنى: قالت الملائكة: إنّ الله يبشرك، لأن النداء قولٌ.

وذكروا أنها في قراءة عبد الله: ( فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ يَا زَكَرِيَّا إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ ) قالوا: وإذا بطل النداء أن يكون عاملا في قوله: " يا زكريا "، فباطلٌ أيضًا &; 6-367 &; أن يكون عاملا في" إن ".

* * * والصواب من القراءة في ذلك عندنا: " أنّ الله يبشرك " بفتح " أن " بوقوع النداء عليه، بمعنى: فنادته الملائكة بذلك.

وليست العلة التي اعتلّ بها القارئون بكسر " إن " = منْ أنّ عبد الله كان يقرؤها كذلك، فقرءوها كذلك = [لهم بعلة] (20) وذلك أن عبد الله إنْ كان قرأ ذلك كذلك، فإنما قرأها بزعمهم، وقد اعترض بنداء زكريا بين " إن " وبين قوله: فَنَادَتْهُ ، (21) وإذا اعترض به بينهما، فإن العرَب تعمل حينئذ النداء في" أنّ"، وتبطله عنها.

أما الإبطال، فلأنه بطل عن العمل في المنادى قبله، (22) فأسلكوا الذي بعده مسلكه في بطول عمله.

وأما الإعمال، فلأن النداء فعل واقعٌ كسائر الأفعال.

(23) وأما قراءتنا، (24) فليس نداء زكريا ب " يا زكريا " معترضًا به بين " أن " وبين قوله: فَنَادَتْهُ .

وإذا لم يكن ذلك بينهما، فالكلامُ الفصيح من كلام العرب إذا نصبتْ بقوْلِ: " ناديت " اسمَ المنادَى وأوقعوه عليه، أن يوقعوه كذلك على " أنّ" بعده.

وإن كان جائزًا إبطالُ عمله، فقوله: " نادته "، قد وَقع على مكنيّ" زكريا "، (25) فكذلك الصواب أن يكون واقعًا على " أن " وعاملا فيها.

(26) &; 6-368 &; مع أنّ ذلك هو القراءة المستفيضة في قراءة أمصار الإسلام.

ولا يُعترض بالشاذّ على الجماعة التي تجيء مجيءَ الحجة.

* * * وأما قوله: " يبشرك "، فإن القرأة اختلفت في قراءته.

فقرأته عامة قرأة أهل المدينة والبصرة: ( أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ ) بتشديد " الشين " وضم " الياء "، على وجه تبشير الله زكريا بالولد، من قول الناس: " بشَّرتْ فلانًا البُشَراء بكذا وكذا "، أي: أتته بشارات البُشراء بذلك.

(27) * * * وقرأ ذلك جماعة من قرأة الكوفة وغيرهم: ( أَنَّ اللَّهَ يَبْشُرُكَ )، بفتح " الياء " وضم " الشين " وتخفيفها، بمعنى: أن الله يَسرّك بولد يَهَبُه لك، من قول الشاعر: (28) بَشَـرْتُ عِيَـالِي إِذْ رَأَيْـتُ صَحِيفَـةً أَتَتْــكَ مِـنَ الحَجَّـاجُ يُتْـلَى كِتَابُهَـا (29) وقد قيل: إن " بشَرت " لغة أهلِ تهامة من كنانة وغيرهم من قريش، وأنهم يقولون: " بشَرتُ فلانًا بكذا، فأنا أبشُرُه بَشْرًا "، و " هل أنتَ باشرٌ بكذا "؟

وينشد لهم البيت في ذلك: (30) وَإذَا رَأَيْــتَ البَاهِشِـينَ إلَـى العُـلَى غُــبْرًا أَكُــفُّهُمُ بِقَــاعٍ مُمْحِــلِ (31) &; 6-369 &; فَـأَعِنْهُمُ, وَابْشَـرْ بِمَـا بَشِـرُوا بِـهِ, وَإذَا هُــمُ نَزَلُــوا بِضَنْـكٍ فَـانْزِلِ (32) فإذا صاروا إلى الأمر، فالكلام الصحيح من كلامهم بلا ألف فيقال: " ابشَرْ فلانًا بكذا "، ولا يكادون يقولون: " بشِّره بكذا، ولا أبشِره ".

(33) * * * وقد روي عن حميد بن قيس أنه كان يقرأ: ( يبشرك ) ، بضم " الياء " وكسر " الشين " وتخفيفها.

وقد:- 6947 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن أبي حماد، عن معاذ الكوفيّ قال: من قرأ: (يُبَشِّرُهُمْ) مثقلة، فإنه من البشارة، ومن قرأ: ( يَبْشُرُهُمْ )، مخففة، بنصب " الياء "، فإنه من السرور، يسرُّهم.

* * * قال أبو جعفر: والقراءة التي هي القراءة عندنا في ذلك، ضم " الياء " وتشديد " الشين "، بمعنى التبشير.

لأن ذلك هي اللغة السائرةُ والكلامُ المستفيض المعروف في الناس، مع أن جميع قرأة الأمصار مجمعون في قراءة: فَبِمَ تُبَشِّرُونَ [سورة الحجر: 54]، على التشديد.

والصواب في سائر ما في القرآن من نظائره، أنْ يكون مثله في التشديد وضم " الياء ".

* * * &; 6-370 &; وأما ما روي عن معاذ الكوفي من الفرق بين معنى التخفيف والتشديد في ذلك، فلم نجدْ أهل العلم بكلام العرب يعرفونه من وجه صحيح، فلا معنى لما حُكي من ذلك عنه، وقد قال جرير بن عطية: يَــا بِشْـرُ حُـقَّ لِوَجْـهِكَ التَّبْشِـيرُ هَـلا غَضِبْـتَ لَنَـا? وَأَنْـتَ أَمِـيرُ!

(34) فقد علم أنه أراد بقوله " التبشير "، الجمال والنضارة والسرور، فقال " التبشير " ولم يقل " البشر "، فقد بيَّن ذلك أن معنى التخفيف والتثقيل في ذلك واحدٌ.

* * * 6948 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة قوله: " إن الله يبشرك بيحيى "، قال: بشرته الملائكة بذلك.

* * * وأما قوله: " بيحيى "، فإنه اسم، أصله " يفعل "، من قول القائل: " حيي فلانٌ فهو يحيَى "، وذلك إذا عاش." فيحيى "" يفعل " من قولهم " حيي".

وقيل: إن الله جل ثناؤه سماه بذلك، لأنه يتأوّل اسمه: أحياه بالإيمان.

ذكر من قال ذلك: 6949 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " أنّ الله يبشرُك بيحيى "، يقول: عبدٌ أحياه الله بالإيمان.

6950- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي &; 6-371 &; جعفر، عن أبيه، عن قتادة قوله: " إنّ الله يبشرك بيحيى "، قال: إنما سمي يحيى، لأن الله أحياه بالإيمان.

* * * القول في تأويل قوله : مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: (35) أن الله يبشرك يا زكريا بيحيى ابنًا لك، =" مصدّقًا بكلمة من الله "، يعني: بعيسى ابن مريم.

* * * ونصب قوله: " مصدقًا " على القطع من " يحيى "، (36) لأنّ" مصدقًا " نعتٌ له، وهو نكرة، و " يحيى " غير نكرة.

* * * وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك: 6951 - حدثني عبد الرحمن بن الأسود الطفاوي قال، حدثنا محمد بن ربيعة قال، حدثنا النضر بن عربيّ، عن مجاهد قال: قالت امرأة زكريا لمريم: إني أجد الذي في بطني يتحرّك للذي في بطنك!

قال: فوضعت امرأةُ زكريا يحيى، ومريمُ عيسى، ولذا قال: " مصدِّقًا بكلمة من الله "، قال: يحيى مصدّق بعيسى.

6952 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن الرقاشي في قول الله: " يبشرك بيحيى مصدّقًا بكلمة من الله "، قال: مصدّقًا بعيسى ابن مريم.

&; 6-372 &; 6953 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

6954 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا سليمان قال، حدثنا أبو هلال قال، حدثنا قتادة في قوله: " مصدقًا بكلمة من الله "، قال: مصدقًا بعيسى.

6955 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " مصدقًا بكلمة من الله "، يقول: مصدّقًا بعيسى ابن مريم، وعلى سُنَّته ومنهاجه.

(37) 6956 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " مصدقًا بكلمة من الله "، يعني: عيسى ابن مريم.

6957 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن قتادة: " مصدقًا بكلمة من الله "، يقول: مصدقًا بعيسى ابن مريم، يقول على سننه ومنهاجه.

6958 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " مصدقًا بكلمة من الله "، قال: كان أوّلَ رجل صدَّق عيسى، وهو كلمة من الله ورُوحٌ.

6959 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " مصدقًا بكلمة من الله "، يصدق بعيسى.

6960 - حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: " إنّ الله يبشرك بيحيى مصدقًا بكلمة من الله "، كان يحيى أول من صدق بعيسى وشهدَ أنه كلمة من الله، وكان يحيى ابن خالة عيسى، وكان أكبر من عيسى.

&; 6-373 &; 6961 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة عن ابن عباس قوله: " مصدقًا بكلمة من الله "، قال: عيسى ابن مريم، هو الكلمة من الله، اسمه المسيح.

6962- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، أخبرني حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: قوله: " مصدقًا بكلمة من الله "، قال: كان عيسى ويحيى ابنَيْ خالة، وكانت أم يحيى تقول لمريم: إني أجد الذي في بطني يسجدُ للذي في بطنك!

فذلك تصديقه بعيسى: سُجوده في بطن أمه.

وهو أول من صدق بعيسى وكلمة عيسى، ويحيى أكبر من عيسى.

(38) 6963 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " أن الله يبشرك بيحيى مصدقًا بكلمة من الله "، قال: الكلمة التي صدق بها: عيسى.

6964 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: لقيت أمّ يحيى أمّ عيسى، وهذه حامل بيحيى، وهذه حامل بعيسى، فقالت امرأة زكريا: يا مريم، استشعرتُ أنِّي حبلى!

قالت مريم: استشعرت أني أيضًا حبلى!

قالت امرأة زكريا: فإني وجدتُ ما في بطني يسجُد لما في بطنك!

فذلك قوله: " مصدّقًا بكلمة من الله ".

6965- حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد، عن الحسن في قول الله: " أنّ الله يبشرك بيحيى مصدقًا بكلمة من الله "، قال: مصدّقًا بعيسى ابن مريم.

* * * قال أبو جعفر: وقد زعم بعض أهل العلم بلغات العرب من أهل البصرة، (39) &; 6-374 &; أنّ معنى قوله: " مصدقًا بكلمة من الله "، بكتاب من الله، من قول العرب: " أنشدني فلانٌ كلمة كذا "، يراد به: قصيدة كذا = جهلا منه بتأويل " الكلمة "، واجتراءً على تَرجمة القرآن برأيه.

(40) * * * القول في تأويل قوله : وَسَيِّدًا قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: " وسيدًا "، وشريفًا في العلم والعبادة.

* * * ونصب " السيد " عطفًا على قوله: مُصَدِّقًا .

* * * وتأويل الكلام: أن الله يبشرك بيحيى مصدّقًا بهذا، وسيدًا.

* * * " والسيد "" الفيعل " من قول القائل: " سادَ يسود "، (41) كما:- 6966 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " وسيدًا " إي والله، لسيدٌ في العبادة والحلم والعلِم والوَرَع.

6967 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا مسلم قال، حدثنا أبو هلال قال، حدثنا قتادة في قوله: " وسيدًا "، قال: السيدُ، لا أعلمه إلا قال: في العلم والعبادة.

&; 6-375 &; 6968 - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن قتادة قال: السيد الحليم.

6969 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن شريك، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير،" وسيدًا "، قال: الحليم.

6970 - حدثني المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك، عن سالم، عن سعيد بن جبير: " وسيدًا "، قال: السيد التقيُّ.

6971 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل: " وسيدا "، قال: السيد الكريم على الله.

6972 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل قال: زعم الرّقاشي أنّ السيد، الكريم على الله.

6973 - حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك في قول الله عز وجل: " وسيدًا "، قال: السيد الحليم التقي.

6974 - حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: " وسيدًا "، قال: يقول: تقيًّا حليما.

6975 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان في قوله: " وسيدًا "، قال: حليما تقيًّا.

6976 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب، عن ابن زيد في قوله: " وسيدًا "، قال: السيد: الشريف.

6977 - حدثني سعيد بن عمرو السكوني قال: حدثنا بقية بن الوليد، &; 6-376 &; عن عبد الملك، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب في قول الله عز وجل: " وسيدًا "، قال: السيد الفقيه العالم.

6978 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال: حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " وسيدًا "، قال، يقول: حليما تقيًّا.

6979 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن أبي بكر، عن عكرمة: " وسيدًا "، قال: السيد الذي لا يغلبُه الغضب.

* * * القول في تأويل قوله : وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (39) قال أبو جعفر: يعني بذلك: ممتنعًا من جماع النساء، من قول القائل: " حَصِرْتُ من كذا أحْصَر "، إذا امتنع منه.

ومنه قولهم: " حَصِرَ فلان في قراءته "، إذا امتنع من القراءة فلم يقدر عليها.

وكذلك " حَصْرُ العدوّ"، حَبْسهم الناسَ ومنعهم إياهم التصرف، ولذلك قيل للذي لا يُخرج مع ندمائه شيئًا،" حَصُور "، كما قال الأخطل: وَشَــارِبٍ مُـرْبِحٍ بِالكَـأْسِ نَـادَمَنِي لا بِــالَحصُورِ وَلا فِيهَــا بِسَــوَّارِ (42) ويروى: " بسآر ".

ويقال أيضًا للذي لا يخرج سره ويكتمه " حصور "، &; 6-377 &; لأنه يمنع سره أن يظهر، كما قال جرير: وَلَقَـدْ تَسَـاقَطَنِي الوُشَـاةُ, فَصَـادَفُوا حَــصِرًا بِسِـرِّكِ يَـا أُمَيْـمَ ضَنِينَـا (43) وأصل جميع ذلك واحد، وهو المنع والحبس.

* * * وبمثل الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك: 6980 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن خلف قال، حدثنا حماد بن شعيب، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله في قوله: " وسيدًا وحصورًا "، قال: الحصور، الذي لا يأتي النساء.

6981 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب أنه قال: حدثني ابن العاص: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كل بني آدم يأتي يوم القيامة وله ذنبٌ، إلا ما كان من يحيى بن زكريا.

قال: ثم دلَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم يدَه إلى الأرض، فأخذ عُوَيْدًا صغيرًا، ثم قال: وذلك أنه لم يكن له ما للرجال إلا مثل هذا العود، وبذلك سماه الله " سيدًا وحصُورًا ".

(44) &; 6-378 &; 6982 - حدثني يونس قال، أخبرنا أنس بن عياض، عن يحيى بن سعيد قال، سمعت سعيد بن المسيب يقول: ليس أحدٌ إلا يلقى الله يوم القيامة ذا ذَنْبٌ إلا يحيى بن زكريا، كان حصورًا، معه مثل الهُدْبة.

6983 - حدثنا أحمد بن الوليد القرشي قال، حدثنا عمر بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب قال: قال ابن العاص - إما عبد الله، وإما أبوه -: ما أحد يلقى الله إلا وهو ذو ذنب، إلا يحيى بن زكريا.

قال وقال سعيد بن المسيب: " وسيدًا وحصورًا "، قال: الحصور، الذي لا يغشى النساء، ولم يكن ما معه إلا مثل هُدْبة الثوب.

(45) 6984 - حدثني سعيد بن عمرو السكوني قال، حدثنا بقية بن الوليد، عن عبد الملك، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب في قوله: " وحصورًا " قال: الحصور الذي لا يشتهي النساء.

ثم ضرب بيده إلى الأرض فأخذ نواة فقال: ما كان معه إلا مثل هذه.

6985 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير قال: الحصور، الذي لا يأتي النساء.

6986 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن عطاء، عن سعيد مثله.

6987 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عمرو، عن عطاء، عن سعيد مثله.

6988 - حدثني عبد الرحمن بن الأسود قال، حدثنا محمد بن ربيعة قال، &; 6-379 &; حدثنا النضر بن عربي، عن مجاهد: " وحصورًا "، قال: الذي لا يأتي النساء.

6989 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: الحصور: لا يقرَبُ النساء.

6990 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل قال: زعم الرقاشي: " الحصور " الذي لا يقرب النساء.

6991 - حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، حدثنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك: " الحصور "، الذي لا يولد له، وليس له ماء.

6992 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: " وحصورًا "، قال: هو الذي لا ماء له.

6993 - حدثنا بشر قال، حدثنا سويد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " وحصورًا "، كنا نُحدّث أن الحصور الذي لا يقرب النساء.

6994 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا سليمان قال، حدثنا أبو هلال قال، حدثنا قتادة في قوله: " وسيدًا وحصورًا "، قال: الحصور الذي لا يأتي النساء.

6995 - حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن قتادة مثله.

6996 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة مثله.

6997 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: الحصور الذي لا ينـزل الماء.

6998 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب، عن ابن زيد: " وحصورًا "، قال: الحصور الذي لا يأتي النساء.

&; 6-380 &; 6999 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " وحصورًا "، قال: الحصور، الذي لا يريد النساء.

7000 - حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد، عن الحسن: " وحصورًا "، قال: لا يقرب النساء.

* * * وأمّا قوله: " ونبيًّا من الصالحين " فإنه يعني: رسولا لربه إلى قومه، ينبئهم عنه بأمره ونهيه، وحلاله وحرامه، ويبلِّغهم عنه ما أرسله به إليهم.

* * * ويعني بقوله: " من الصّالحين "، من أنبيائه الصالحين.

(46) * * * وقد دللنا فيما مضى على معنى " النبوّة " وما أصلها، بشواهد ذلك والأدلة الدالة على الصحيح من القول فيه، بما أغنى عن إعادته.

(47) ------------------------ الهوامش : (11) يعني قراءة من قرأ"فناداه" ممالة ، ورسمها في المصحف عندئذ"فناديه" بالياء ، وهي قراء حمزة والكسائي.

(12) انظر ص: 362.

(13) في المخطوطة: "فناداه الملائكة".

(14) انظر ما سلف 1: 292 ، 293 / 4: 191.

(15) انظر معان القرآن للفراء 1: 210 (16) في المطبوعة: "وهو من قبلها" والصواب من المخطوطة.

(17) في المخطوطة والمطبوعة: "فلن يجوز..." ، والأشبه بالصواب ما أثبت.

(18) لم يمض من ذلك شيء في خبر زكريا ومريم ، وأنا أخشى أن يكون في النسخ المخطوطة التي بأيدينا اختصار في هذا الموضع.

(19) انظر ما سلف قريبًا ص: 357 ، 358.

(20) في المطبوعة: "من أن عبد الله كان يقرؤها كذلك ، وذلك أن عبد الله..." ، حذف من نص المخطوطة ما أثبته"فقرأوها كذلك" ، وبقيت الجملة بعد ذلك مختلة ، قد سقط منها خبر"وليست العلة..." ، فاستظهرت من سياق كلامه أنه قد سقط من الناسخ قوله: "لهم بعلة" فزدتها بين قوسين ، والسياق"وليست العلة...

لهم بعلة".

(21) في المطبوعة: "وقد اعترض بيا زكريا" وفي المخطوطة: "بهذا زكريا" ، وصواب قراءتها ما أثبت.

وفي المخطوطة أيضًا"فناداه" ، مكان"فنادته".

(22) في المطبوعة: "فإنه بطل عن العمل" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو الصواب.

(23) الفعل الواقع: هو الفعل المتعدي ، كما سلف ، فانظر فهرس المصطلحات فيما سلف ، والوقوع هو التعدي.

(24) في المخطوطة: "وأما قراءتها" ، والصواب ما في المطبوعة.

(25) الفعل الواقع: هو الفعل المتعدي ، كما سلف ، فانظر فهرس المصطلحات فيما سلف ، والوقوع هو التعدي.

(26) انظر تفصيل ما أجمله الطبري في معاني القرآن للفراء 1: 210 ، 211.

(27) في المخطوطة والمطبوعة: "البشرى" مكان"البشراء" في الموضعين ، والصواب ما أثبت ، وظاهر أن الناسخ رآها"البشرا" ، بغير همزة كالكتابة القديمة ، فظنها"البشرى" فكتبها كذلك.

(28) لم أعرف قائله.

(29) معاني القرآن للفراء ، وقال: "أنشدني بعض العرب".

(30) هو عبد قيس بن خفاف البرجمي.

(31) الأصمعيات رقم: 87 ، والمفضليات رقم: 116 ، ولسان العرب (كرب) (بشر) (يسر) ، ومعاني القرآن للفراء 1: 212 ، وغيرها من المراجع.

وهي نصيحته إلى ولده جبيل ، وهي من حكيم الشعر.

بهش إلى الشيء: فرح به فأسرع إليه ، وروايتهم"إلى الندى" ، وهو الكرم.

والقاع: أرض سهلة مستوية تنفرج عنها الجبال والآكام ، ولا حصى فيها ولا حجارة ولا تنبت الشجر.

والممحل: المجدب.

يقول: إذا رأيت الكرام الأسخياء ، قد أجهدتهم السنة والقحط والجدب حتى اغبرت أيديهم من قلة ما يجدون ، وكثرة ما بذلوا في معونة الناس..

فأعنهم.

(32) "وابشر" هي من"بشر" على وزن (فرح)"يبشر" (بفتح الشين) يقال: "أتاني أمر بشرت به" أي سررت به.

يقول: شاركهم في ارتياحهم وفرحهم بالسخاء مع ما يلقون من جهد السنة.

والضنك: الضيق.

يقول: كن مع الكرام حيث كانوا ، وانزل معهم كل منزل أنزلهموه كرمهم ، من ضنك وحاجة.

(33) انظر تفسير: "بشرى" و"بشر" فيما سلف 1: 383 / 2: 393 ، / 3: 221 / 6: 287.

(34) ديوانه: 301 ، وطبقات فحول الشعراء: 378 ، وغيرها.

من قصيدته التي قالها لبشر بن مروان ، وكان قدم معه العراق ، سراقة البارقي ، وكان بشر يغري بين الشعراء ، فحمل سراقة على جرير حتى هجاه.

فترك جرير بشرًا ، بل مدحه ، وأخذ بمجامع سراقة يخنقه حتى فضحه.

وعاتب بشرًا عتاب من يظهر الجهل بأمر بشر ، وهو يعلمه.

وهذا البيت دال على ذلك.

كان في المطبوعة: "حق لبشرك التبشير" ، وهو من سهو الناشر ، كما سلف من سهوه ، والصواب في المخطوطة وسائر المراجع.

(35) في المطبوعة: "يعني بقوله جل ثناؤه" ، والصواب من المخطوطة.

(36) القطع: الحال ، كما سلف مرارًا ، آخرها ص: 327 تعليق 2 ، والمراجع هناك.

(37) في المطبوعة: "مصدق...

وعلى سننه" ، وأثبت ما في المخطوطة.

(38) السجود هنا: الخضوع والتطامن والخشوع ، لا سجود الصلاة والعبادة.

وإنما سجود الصلاة مجاز من هذا الأصل ، وانظر تفسير ذلك فيما سلف 2: 104 ، 105.

(39) هو أبو عبيدة معمر بن المثنى في كتابه مجاز القرآن 1: 91.

(40) ترجمة القرآن تفسيره وبيانه ، وانظر ما سلف 1: 70 ، تعليق: 1 ، وانظر فهرس المصطلحات.

وإذا كان أبو جعفر يعد هذا اجتراء على تفسير كتاب الله ، فليت شعري ماذا يقول في الذين نصبوا أنفسهم ، من أهل زماننا ، للتهجم على كتاب الله ، بما لا تعد فيه مقالة أبي عبيدة ، إلا تسبيحًا واستغفارًا واجتهادًا في العبادة!!

(41) انظر ما سلف 3: 319.

(42) ديوانه: 116 ، ومجاز القرآن 1: 92 ، وطبقات فحول الشعراء: 432 ، واللسان (حصر) (سأر) (سور) ، من قصيدته التي قالها ليزيد بن معاوية ، لما منعه حين هجا الأنصار في قصة مشهورة.

وفي المخطوطة"مرجح بالكأس" ، وهو خطأ.

والمربح: المعطي الربح للتاجر ، يريد أنه يغالي بثمن الخمر لا يبالي بما يبذل فيها.

والسوار: الذي تسور الخمر في دماغه ، فيعربد على إخوانه وندمائه عربدة رديئة ، والخمر عندهم تشف عن غرائز شاربيها.

وأما رواية"سآر" التي سيذكرها ، فهي من السؤر: وهو بقية الخمر في القدح.

يريد أنه عرضة شراب ، لا يكف عن الخمر ، ولا يدع في كأسه سؤرًا من قلة صبره ، أو سوء احتماله لشدتها.

(43) ديوانه: 578 ، ومجاز القرآن 1: 92 واللسان (حصر) (سقط) ، ورواية هذه الكتب وفي المطبوعة: "تَسَقَّطَنِي" غيروا ما في المخطوطة ، كما أثبته.

وتسقطه واستسقطه: تتبع عثرته وسقطته أن يفرط منه ما يؤخذ عليه.

من السقط (بفتحتين) وهو الخطأ في القول ، أو من السقطة (بفتح فسكون) وهي العثرة والزلة.

وأما ما جاء في المخطوطة: "تساقطني" ، فإني أستجيدها.

جيد أن يقال"ساقطه" بمعنى"تسقطه واستسقطه" ، وكأن"السقاط" بمعنى العثرة والزلة ، مصدر"ساقطه" ، وقد قال سويد بن أبي كاهل: كَـيْفَ يَرْجُـونَ سِـقَاطِي, بَعْـدَ مَـا جَــلَّلَ الــرأسَ مشــيبٌ وصَلَـعْ كأنه يجاذبه القول ، حتى يسقط ويزل ، وهو نفس المعنى في"تسقطه واستسقطه" ، وإذا جاز في صريح العربية ، فلا معنى لاطراحه.

وفي المخطوطة ، أسقط الناسخ"أميم" من البيت وترك مكانها بياضًا ، وضع فيه نقطة حمراء.

(44) الأثر: 6981- انظر التعليق على الأثر: 6983.

(45) الحديث: 6983- رواه الطبري قبل ذلك: 6981 ، عن سعيد بن المسيب: "حدثني ابن العاص..." - فذكره مطولا مرفوعًا.

ثم رواه هنا عن ابن المسيب ، عن ابن العاص- مع الشك في أنه"عبد الله بن عمرو" أو "أبوه"- موقوفًا.

وقد ذكره ابن كثير 2: 135 ، من رواية ابن أبي حاتم - بهذا الشك - ولكنه مرفوع.

ثم ذكره ص 135-136 ، من رواية ابن أبي حاتم أيضًا"عن عبد الله بن عمرو بن العاص" - موقوفًا.

ووصف المرفوع بأنه"غريب جدًا".

ثم قال بعد الموقوف: "فهذا موقوف أصح إسنادًا من المرفوع".

وكذلك ذكر السيوطي 2: 22 المرفوع والموقوف ، وقال: "وهو أقوى إسنادًا من المرفوع".

(46) انظر تفسير"الصالح" فيما سلف 3: 91.

(47) انظر تفسير"النبي" فيما سلف 2: 140-142.

هذا ، وعند هذا الموضع انتهى جزء من التقسيم القديم الذي نقلت عنه نسختنا ، وكتب هنا ما نصه: "يتلُوُه ، إن شاء الله ، القولُ في تأويل قوله: {قال ربّ أنّى يكون لي غلامٌ وقد بلغني الكِبَر وامرأتي عاقر}.

والحمد لله وحده على إحسانه ، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلَّم".

ثم يتلوه ما نصه: "بسم الله الرحمن الرحيم ربّ يسّر قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري".

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين[ ص: 70 ] قوله تعالى : فنادته الملائكة قرأ حمزة والكسائي " فناداه " بالألف على التذكير ويميلانها لأن أصلها الياء ، ولأنها رابعة .

وبالألف قراءة ابن عباس وابن مسعود ، وهو اختيار أبي عبيد .

وروي عن جرير عن مغيرة عن إبراهيم قال : كان عبد الله يذكر الملائكة في كل القرآن .

قال أبو عبيد : نراه اختار ذلك خلافا على المشركين لأنهم قالوا : الملائكة بنات الله .

قال النحاس : هذا احتجاج لا يحصل منه شيء ; لأن العرب تقول : قالت الرجال ، وقال الرجال ، وكذا النساء ، وكيف يحتج عليهم بالقرآن ، ولو جاز أن يحتج عليهم بالقرآن بهذا لجاز أن يحتجوا بقوله تعالى : وإذ قالت الملائكة ولكن الحجة عليهم في قوله عز وجل : أشهدوا خلقهم أي فلم يشاهدوا ، فكيف يقولون إنهم إناث فقد علم أن هذا ظن وهوى .

وأما " فناداه " فهو جائز على تذكير الجمع ، " ونادته " على تأنيث الجماعة .

قال مكي : والملائكة ممن يعقل في التكسير فجرى في التأنيث مجرى ما لا يعقل ، تقول : هي الرجال ، وهي الجذوع ، وهي الجمال ، وقالت الأعراب .

ويقوي ذلك قوله : وإذ قالت الملائكة وقد ذكر في موضع آخر فقال : والملائكة باسطو أيديهم وهذا إجماع .

وقال تعالى : والملائكة يدخلون عليهم من كل باب فتأنيث هذا الجمع وتذكيره حسنان .

وقال السدي : ناداه جبريل وحده ; وكذا في قراءة ابن مسعود .

وفي التنزيل ينزل الملائكة بالروح من أمره يعني جبريل ، والروح الوحي .

وجائز في العربية أن يخبر عن الواحد بلفظ الجمع .

وجاء في التنزيل الذين قال لهم الناس يعني نعيم بن مسعود ، على ما يأتي .

وقيل : ناداه جميع الملائكة ، وهو الأظهر .

أي جاء النداء من قبلهم .قوله تعالى : وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك وهو قائم ابتداء وخبر يصلي في موضع رفع ، وإن شئت كان نصبا على الحال من المضمر .

أن الله أي بأن الله .

وقرأ حمزة والكسائي " إن " أي قالت إن الله ; فالنداء بمعنى القول .

يبشرك بالتشديد قراءة أهل المدينة .

وقرأ حمزة " يبشرك " مخففا ; وكذلك حميد بن القيس المكي إلا أنه كسر الشين وضم الياء وخفف الباء .

قال الأخفش : هي ثلاث لغات بمعنى واحد .

دليل الأولى هي قراءة الجماعة أن ما في القرآن من هذا من فعل ماض أو أمر فهو بالتثقيل ; كقوله تعالى : فبشر عبادي فبشره بمغفرة فبشرناها بإسحاق [ ص: 71 ] قالوا بشرناك بالحق .

وأما الثانية وهي قراءة عبد الله بن مسعود فهي من بشر يبشر وهي لغة تهامة ; ومنه قول الشاعر :بشرت عيالي إذ رأيت صحيفة أتتك من الحجاج يتلى كتابهاوقال آخر :وإذا رأيت الباهشين إلى الندى غبرا أكفهم بقاع ممحلفأعنهم وابشر بما بشروا به وإذا هم نزلوا بضنك فانزلوأما الثالثة فهي من أبشر يبشر إبشارا قاليا أم عمرو أبشري بالبشرى موت ذريع وجراد عظلىقوله تعالى : بيحيى كان اسمه في الكتاب الأول حيا ، وكان اسم سارة زوجة إبراهيم عليه السلام يسارة ، وتفسيره بالعربية لا تلد ، فلما بشرت بإسحاق قيل لها : سارة ، سماها بذلك جبريل عليه السلام .

فقالت : يا إبراهيم لم نقص من اسمي حرف ؟

فقال إبراهيم ذلك لجبريل عليهما السلام .

فقال : ( إن ذلك الحرف زيد في اسم ابن لها من أفضل الأنبياء اسمه حي وسمي بيحيى ) .

ذكره النقاش .

وقال قتادة : سمي بيحيى لأن الله تعالى أحياه بالإيمان والنبوة .

وقال بعضهم : سمي بذلك لأن الله تعالى أحيا به الناس بالهدى .

وقال مقاتل : اشتق اسمه من اسم الله تعالى حي فسمي يحيى .

وقيل : لأنه أحيا به رحم أمه .مصدقا بكلمة من الله يعني عيسى في قول أكثر المفسرين .

وسمي عيسى كلمة لأنه كان بكلمة الله تعالى التي هي " كن " فكان من غير أب .

وقرأ أبو السمال العدوي ( بكلمة ) مكسورة الكاف ساكنة اللام في جميع القرآن ، وهي لغة فصيحة مثل كتف وفخذ .

وقيل : سمي كلمة لأن الناس يهتدون به كما يهتدون بكلام الله تعالى .

وقال أبو عبيد : معنى بكلمة من الله بكتاب من الله .

قال : والعرب تقول أنشدني كلمة أي قصيدة ; كما روي أن الحويدرة ذكر لحسان فقال : لعن الله كلمته ، يعني قصيدته .

وقيل غير هذا من الأقوال .

والقول الأول أشهر وعليه من العلماء الأكثر .

و " يحيى " أول من آمن بعيسى عليهما السلام وصدقه ، وكان يحيى أكبر من عيسى بثلاث سنين ويقال بستة أشهر .

وكانا ابني خالة ، فلما سمع زكريا شهادته قام إلى عيسى فضمه إليه وهو في خرقه .

وذكر الطبري أن مريم لما حملت بعيسى [ ص: 72 ] حملت أيضا أختها بيحيى ; فجاءت أختها زائرة فقالت : يا مريم أشعرت أني حملت ؟

فقالت لها مريم : أشعرت أنت أني حملت ؟

فقالت لها : وإني لأجد ما في بطني يسجد لما في بطنك .

وذلك أنه روي أنها أحست جنينها يخر برأسه إلى ناحية بطن مريم .

قال السدي : فذلك قول مصدقا بكلمة من الله .

" ومصدقا " نصب على الحال .وسيدا السيد : الذي يسود قومه وينتهى إلى قوله ، وأصله سيود يقال : فلان أسود من فلان ، أفعل من السيادة ; ففيه دلالة على جواز تسمية الإنسان سيدا كما يجوز أن يسمى عزيزا أو كريما .

وكذلك روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لبني قريظة : ( قوموا إلى سيدكم ) .

وفي البخاري ومسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في الحسن : إن ابني هذا سيد ولعل الله يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين وكذلك كان ، فإنه لما قتل علي - رضي الله عنه - بايعه أكثر من أربعين ألفا وكثير ممن تخلف عن أبيه وممن نكث بيعته ، فبقي نحو سبعة أشهر خليفة بالعراق وما وراءها من خراسان ، ثم سار إلى معاوية في أهل الحجاز والعراق وسار إليه معاوية في أهل الشام ; فلما تراءى الجمعان بموضع يقال له " مسكن " من أرض السواد بناحية الأنبار كره الحسن القتال لعلمه أن إحدى الطائفتين لا تغلب حتى تهلك أكثر الأخرى فيهلك المسلمون ; فسلم الأمر إلى معاوية على شروط شرطها عليه ، منها أن يكون الأمر له من بعد معاوية ، فالتزم كل ذلك معاوية فصدق قوله عليه السلام : ( إن ابني هذا سيد ) ولا أسود ممن سوده الله تعالى ورسوله .

قال قتادة في قوله تعالى وسيدا قال : في العلم والعبادة .

ابن جبير والضحاك : في العلم والتقى .

مجاهد : السيد الكريم .

ابن زيد : الذي لا يغلبه الغضب .

وقال الزجاج : السيد الذي يفوق أقرانه في كل شيء من الخير .

وهذا جامع .

وقال الكسائي : السيد من المعز المسن .

وفي الحديث ثني من الضأن خير من السيد المعز .

قال :[ ص: 73 ]سواء عليه شاة عام دنت له ليذبحها للضيف أم شاة سيدوحصورا أصله من الحصر وهو الحبس .

حصرني الشيء وأحصرني إذا حبسني .

قال ابن ميادة :وما هجر ليلى أن تكون تباعدت عليك ولا أن أحصرتك شغولوناقة حصور : ضيقة الإجليل .

والحصور الذي لا يأتي النساء كأنه محجم عنهن ; كما يقال : رجل حصور وحصير إذا حبس رفده ولم يخرج ما يخرجه الندامى .

يقال : شرب القوم فحصر عليهم فلان ، أي بخل ; عن أبي عمرو .

قال الأخطل :وشارب مربح بالكأس نادمني لا بالحصور ولا فيها بسواروفي التنزيل وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا أي محبسا .

والحصير الملك لأنه محجوب .

وقال لبيد :وقماقم غلب الرقاب كأنهم جن لدى باب الحصير قيامفيحيى عليه السلام حصور ، فعول بمعنى مفعول لا يأتي النساء ; كأنه ممنوع مما يكون في الرجال ; عن ابن مسعود وغيره .

وفعول بمعنى مفعول كثير في اللغة ، من ذلك حلوب بمعنى محلوبة ; قال الشاعر :فيها اثنتان وأربعون حلوبة سودا كخافية الغراب الأسحموقال ابن مسعود أيضا وابن عباس وابن جبير وقتادة وعطاء وأبو الشعثاء والحسن وابن زيد : هو الذي يكف عن النساء ولا يقربهن مع القدرة .

وهذا أصح الأقوال لوجهين : أحدهما أنه مدح وثناء عليه ، والثناء إنما يكون عن الفعل المكتسب دون الجبلة في الغالب .

الثاني أن فعولا في اللغة من صيغ الفاعلين ; كما قال :ضروب بنصل السيف سوق سمانها إذا عدموا زادا فإنك عاقرفالمعنى أنه يحصر نفسه عن الشهوات .

ولعل هذا كان شرعه ; فأما شرعنا فالنكاح ، كما تقدم .

وقيل : الحصور العنين الذي لا ذكر له يتأتى له به النكاح ولا ينزل ; عن ابن عباس أيضا وسعيد بن المسيب والضحاك .

وروى أبو صالح عن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [ ص: 74 ] يقول : كل ابن آدم يلقى الله بذنب قد أذنبه يعذبه عليه إن شاء أو يرحمه إلا يحيى بن زكريا فإنه كان سيدا وحصورا ونبيا من الصالحين ثم أهوى النبي - صلى الله عليه وسلم - بيده إلى قذاة من الأرض فأخذها وقال : ( كان ذكره هكذا مثل هذه القذاة ) .

وقيل : معناه الحابس نفسه عن معاصي الله عز وجل .

و نبيا من الصالحين قال الزجاج : الصالح الذي يؤدي لله ما افترض عليه ، وإلى الناس حقوقهم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وبينما هو قائم في محرابه يتعبد لربه ويتضرع نادته الملائكة { أن الله يبشرك بيحيى مصدقًا بكلمة من الله } أي: بعيسى عليه السلام، لأنه كان بكلمة الله { وسيدًا } أي: يحصل له من الصفات الجميلة ما يكون به سيدا يرجع إليه في الأمور { وحصورًا } أي: ممنوعا من إتيان النساء، فليس في قلبه لهن شهوة، اشتغالا بخدمة ربه وطاعته { ونبيًا من الصالحين } فأي: بشارة أعظم من هذا الولد الذي حصلت البشارة بوجوده، وبكمال صفاته، وبكونه نبيا من الصالحين

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فنادته الملائكة ) قرأ حمزة والكسائي فناداه بالياء ، والآخرون بالتاء ، فمن قرأ بالتاء فلتأنيث لفظ الملائكة وللجمع مع أن الذكور إذا تقدم فعلهم وهم جماعة كان التأنيث فيها أحسن كقوله تعالى : " قالت الأعراب " ( 14 - الحجرات ) وعن إبراهيم قال : كان عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما يذكر الملائكة في القرآن .

قال أبو عبيدة : إنما نرى عبد الله اختار ذلك خلافا للمشركين في قولهم الملائكة بنات الله تعالى ، وروى الشعبي أن ابن مسعود رضي الله عنه قال : إذا اختلفتم في التاء والياء فاجعلوها ياء وذكروا القرآن وأراد بالملائكة هاهنا : جبريل عليه السلام وحده كقوله تعالى في سورة النحل " ينزل الملائكة " يعني جبريل ( بالروح ) بالوحي ، ويجوز في العربية أن يخبر عن الواحد بلفظ الجمع كقولهم : سمعت هذا الخبر من الناس ، وإنما سمع من واحد ، نظيره قوله تعالى : " الذين قال لهم الناس " ( 173 - آل عمران ) يعني نعيم بن مسعود " إن الناس " يعني أبا سفيان بن حرب ، وقال المفضل بن سلمة : إذا كان القائل رئيسا يجوز الإخبار عنه بالجمع لاجتماع أصحابه معه ، وكان جبريل عليه السلام رئيس الملائكة وقل ما يبعث إلا ومعه جمع ، فجرى على ذلك قوله تعالى : ( وهو قائم يصلي في المحراب ) أي في المسجد وذلك أن زكريا كان الحبر الكبير الذي يقرب القربان ، فيفتح باب المذبح فلا يدخلون حتى يأذن لهم في الدخول ، فبينما هو قائم يصلي في المحراب ، يعني في المسجد عند المذبح يصلي ، والناس ينتظرون أن يأذن لهم في الدخول فإذا هو برجل شاب عليه ثياب بيض ففزع منه فناداه ، وهو جبريل عليه السلام يا زكريا ( إن الله يبشرك ) قرأ ابن عامر وحمزة ( إن الله ) بكسر الألف على إضمار القول تقديره : فنادته الملائكة فقالت ( إن الله يبشرك ) وقرأ الآخرون بالفتح بإيقاع النداء عليه ، كأنه قال : فنادته الملائكة بأن الله يبشرك ، قرأ حمزة يبشرك وبابه بالتخفيف كل القرآن إلا قوله : " فبم تبشرون " ( 54 - الحجر ) فإنهم اتفقوا على تشديدها ووافقه الكسائي هاهنا في الموضعين وفي سبحان والكهف و " عسق " ووافق ابن كثير وأبو عمرو في " عسق " والباقون بالتشديد ، فمن قرأ بالتشديد فهو من بشر يبشر تبشيرا ، وهو أعرب اللغات وأفصحها دليل التشديد قوله تعالى " فبشر عباد " ( الزمر - 17 ) " وبشرناه بإسحاق " ( 112 - الصافات ) " قالوا بشرناك بالحق " ( 55 - الحجر ) وغيرها من الآيات ، ومن خفف فهو من بشر يبشر وهي لغة تهامة ، وقرأه ابن مسعود رضي الله عنه ( بيحيى ) هو اسم لا يجر لمعرفته وللزائد في أوله مثل يزيد ويعمر ، وجمعه يحيون مثل موسون وعيسون واختلفوا في أنه لم سمي يحيى؟

قال ابن عباس رضي الله عنهما : لأن الله أحيا به عقر أمه ، قال قتادة : لأن الله تعالى أحيا قلبه بالإيمان وقيل : لأن الله تعالى أحياه بالطاعة حتى لم يعص ولم يهم بمعصية ( مصدقا ) نصب على الحال ( بكلمة من الله ) يعني عيسى عليه السلام ، سمي عيسى كلمة الله لأن الله تعالى قال له : كن من غير أب فكان ، فوقع عليه اسم الكلمة لأنه بها كان ، وقيل : سمي كلمة لأنه يهتدى به كما يهتدى بكلام الله تعالى ، وقيل : هي بشارة الله تعالى مريم بعيسى عليه السلام بكلامه على لسان جبريل عليه السلام وقيل : لأن الله تعالى أخبر الأنبياء بكلامه في كتبه أنه يخلق نبيا بلا أب ، فسماه كلمة لحصوله بذلك الوعد وكان يحيى عليه السلام أول من آمن بعيسى عليه السلام وصدقه ، وكان يحيى عليه السلام أكبر من عيسى بستة أشهر ، وكانا ابني الخالة ، ثم قتل يحيى قبل أن يرفع عيسى عليه السلام وقال أبو عبيدة ( بكلمة من الله ) أي بكتاب من الله وآياته ، تقول العرب : أنشدني كلمة فلان أي قصيدته قوله تعالى : ( وسيدا ) فيعل من ساد يسود وهو الرئيس الذي يتبع وينتهى إلى قوله ، قال المفضل : أراد سيدا في الدين قال الضحاك : السيد الحسن الخلق قال سعيد بن جبير : السيد الذي يطيع ربه عز وجل وقال سعيد بن المسيب : السيد الفقيه العالم ، وقال قتادة : سيد في العلم والعبادة والورع ، وقيل : الحليم الذي لا يغضبه شيء قال مجاهد : الكريم على الله تعالى ، وقال الضحاك : السيد التقي ، قال سفيان الثوري : الذي لا يحسد وقيل : الذي يفوق قومه في جميع خصال الخير ، وقيل : هو القانع بما قسم الله له وقيل : السخي ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من سيدكم يا بني سلمة " ؟

قالوا : جد بن قيس على أنا نبخله قال : " وأي داء أدوأ من البخل ، لكن سيدكم عمرو بن الجموح " .

قوله تعالى : ( وحصورا ونبيا من الصالحين ) الحصور أصله من الحصر وهو الحبس والحصور في قول ابن مسعود رضي الله عنه وابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة رضي الله عنهم وعطاء والحسن : الذي لا يأتي النساء ولا يقربهن ، وهو على هذا القول فعول بمعنى فاعل يعني أنه يحصر نفسه عن الشهوات [ وقيل : هو الفقير الذي لا مال ] له فيكون الحصور بمعنى المحصور يعني الممنوع من النساء قال سعيد بن المسيب : كان له مثل هدبة الثوب وقد تزوج مع ذلك ليكون أغض لبصره وفيه قول آخر : إن الحصور هو الممتنع من الوطء مع القدرة عليه واختار قوم هذا القول لوجهين ( أحدهما ) : لأن الكلام خرج مخرج الثناء ، وهذا أقرب إلى استحقاق الثناء ، ( والثاني ) : أنه أبعد من إلحاق الآفة بالأنبياء

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فنادته الملائكة» أي جبريل «وهو قائم يصلي في المحراب» أي المسجد «أنَّ» أي بأن وفي قراءة بالكسر بتقدير القول «الله يُبشِّرك» مثقلا ومخففا «بيحيى مصدِّقاً بكلمة» كائنة «من الله» أي بعيسى أنه روح الله وسُمي كلمة لأنه خلق بكلمة كن «وسيِّدا» متبوعا «وحصورا» ممنوعا من النساء «ونبيا من الصالحين» رُوي أنه لم يعمل خطيئة ولم يهم بها.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فنادته الملائكة وهو واقف بين يدي الله في مكان صلاته يدعوه: أن الله يخبرك بخبر يسرُّك، وهو أنك سترزق بولد اسمه يحيى، يُصَدِّق بكلمة من الله -وهو عيسى ابن مريم عليه السلام-، ويكون يحيى سيدًا في قومه، له المكانة والمنزلة العالية، وحصورًا لا يأتي الذنوب والشهوات الضارة، ويكون نبيّاً من الصالحين الذين بلغوا في الصَّلاح ذروته.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

فقد قال - تعالى - { فَنَادَتْهُ الملائكة وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي المحراب أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بيحيى } .أى : فنادت الملائكة زكريا - عليه السلام - وهو قائم يصلي في المحراب ، يناجى ربه .

ويسبح بحمده بأن الله قد استجاب دعاءك ويبشرك بغلام اسمه يحيى ، لكى تقر به عينك ويسر به قلبك .والتعبير بالفاء في قوله { فَنَادَتْهُ } يشعر بأن الله - تعالى - فضلا منه وكرما قد استجاب لزكريا دعاءه بعد فترة قليلة من ذا الدعاء الخاشع ، إذ الفاء تفيد التعقيب .ويرى فريق من المفسرين أن الذى ناداه هو جبريل وحده ، ومن الجائز فى العربية أن يخبر عن الواحد بلفظ الجمع .قال ابن جرير : كما يقال في الكلام : خرج فلان على بغال البريد وإنما ركب بغلا واحداً وركب السفن وإنما ركب سفينة واحدة وكما يقال : ممن سمعت هذا؟

فيقال : من الناس ، وإنما سمعه من رجل واحد ، وقد قيل : إن منه قوله - تعالى - { الذين قَالَ لَهُمُ الناس إِنَّ الناس قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ } والقائل كان فيما ذكر واحد .

ويرى فريق آخر منهم أن الذى نادى زكريا وبشره بمولوده يحيى ، جمع من الملائكة لأن الآية صريحة فى أن هذا النداء قد صدر من جمع لا من واحد ، ولأن صدوره من جمع يناسب هذه البشارة العظيمة ، فقد جرت العادة في أمثال هذه البشارات العظيمة أن يقوم بها جمع لا واحد ، ولا شك أن حالة زكريا وحالة زوجه تستدعيان عددا من المبشرين لإدخال السرور على هذين الشخصين اللذين كادا يفقدان الأمل في إنجاب الذرية .وقد رجح هذا الاتجاه ابن جرير فقال " وأما الصواب من القول في تأويله فأن يقال : إن الله - جل ثناؤه - أخبر أن الملائكة نادته ، والظاهر من ذلك أنها جماعة من الملائكة دون الواحد ، جبريل واحد فلا يجوز أن يحمل تأويل القرآن إلا على الأظهر الأكثر من الكلام المستعمل في ألسن العرب دون الأقل ما وجدنا إلى ذلك سبيلا ، ولم تضطرنا حاجة إلى صرف ذلك إلى أنه بمعنى واحد فيحتاج له إلى طلب المخرج بالخفى من الكلام والمعاني " .وقوله { وَهُوَ قَائِمٌ } جملة حالية من مفعول النداء ، و " يصلى " حال من الضمير المستكن فى قائم أو حال أخرى من مفعول النداء على القول بجواز تعدد الحال ، وقوله { فِي المحراب } متعلق بيصلى .

والمراد بالمحراب هنا المسجد ، أو المكان الذى يقف فيه الإمام في مقدمة المسجد .وقرأ جمهور القراء : { أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ } بفتح همزة أن - على أنه في محل جر بباء محذوفه .

أى : نادته الملائكة بأن الله يبشرك بيحيى .وقرأ ابن عامر وحمزة : { أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ } - بكسر الهمزة - على تضمين النداء معنى القول ، أى : قالت له الملائكة إن الله يبشرك بيحيى .وقوله : { بيحيى } متعلق بيبشرك ، وفي الكلام مضاف أى يبشرك بولادة يحيى ، لأن الذوات ليست متعلقا للبشارة .وفى اقتران التبشير بالتسمية بيحيى ، إشعار بأن ذلك المولود سيحيا اسمه وذكره بعد موته ، وبذلك تتحقق الإجابة لدعاء زكريا تحققا تاما ، فقد حكى القرآن عنه في سورة مريم أنه قال : { يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ واجعله رَبِّ رَضِيّاً } قال الجمل : و " يحيى ، فيه قولان :أحدهما : وهو المشهور عند أهل التفسير أنه منقول من الفعل المضارع ، وقد سموا بالأفعال كثيراً نحو يعيش ويعمر .

.

وعلى هذا فهو ممنوع من الصرف للعملية ووزن الفعل ، نحو يزيد ويشكر وتغلب .والثاني : أنه أعجمى لا اشتقاق له ، وهذا هو الظاهر ، فامتناعه من الصرف للعلمية والعجمة " .ثم وصف الله - تعالى - يحيى - عليه السلام - بأربع صفات كريمة فقال : { مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ الله وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِّنَ الصالحين } .فالصفة الأولى : من صفات يحيى - عليه السلام - أنه كان { مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ الله } وللعلماء في تفسير هذه الجملة الكريمة اتجاهان :أما الاتجاه الأول فيرى أصحابه - وهم جمهور العلماء - أن المراد بكلمة الله هو عيسى - عليه السلام - لأنه كان يسمى بذلك أى أن يحيى كان مصدقا بعيسى ومؤمنا بأنه رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه .وقد كان يحيى معاصرا لعيسى .

وكانت بينهما قرابة قوية إذ أن والدة يحيى كانت أختا لأم مريم وقيل إن أم يحيى كانت أختا لمريم .وأما الاتجاه الثانى فيرى أصحابه أن المراد بكلمة الله كتابه ، أى أن يحيى من صفاته الطيبة أنه كان مصدقا بكتاب الله وبكلامه ، وذلك لأن الكلمة قد تطلق ويراد منها الكلام ، والعرب تقول أنشد فلان كلمة أى قصيدة ، وقال كلمة أى خطبة .ويبدو لنا أن الاتجاه الأول أقرب إلى الصواب ، لأن القرآن قد وصف عيسى بأنه كلمة الله في أكثر من موضع فيه ومن ذلك قوله - تعالى - { ياأهل الكتاب لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى الله إِلاَّ الحق إِنَّمَا المسيح عِيسَى ابن مَرْيَمَ رَسُولُ الله وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بالله وَرُسُلِهِ } وقوله تعالى - { يامريم إِنَّ الله يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسمه المسيح عِيسَى ابن مَرْيَمَ } ولأن فى التعبير عن عيسى الذى صدقه يحيى - بأنه كلمة من الله ، إشعاراً بأن ولادتهما متقاربة من حيث الزمن ، وإيماء إلى أن زكريا - عليه السلام - قد أوتى علماً بأن المسيح عهده قريب ، وأن يحيى - عليه السلام - سيعيش حتى يدرك عيسى .وقوله { مُصَدِّقاً } منصوب على الحال المقدرة من يحيى ، أى على الحال التي سيكون عليها في المستقبل ، والمراد بهذا التصديق الإيمان بعيسى - كما سبق أن أشرنا - قيل : هو أول من آمن بعيسى وصدق أنه كلمة الله وروح منه .و " من " في قوله { مِّنَ الله } للابتداء .

والجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة لكلمة ، أى مصدقاً بكلمة كائنة من الله - تعالى - .والصفة الثانية : من صفات يحيى عبر عنها القرآن بقوله " وسيدا " والسيد - كما يقول القرطبي - الذى يسود قومه وينتهى إلى قوله .

وأصله سيود يقال : فلان أسود من فلان على وزن أفعل من السيادة ، ففيه دلالة على تسمية الإنسان سيدا .

وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لبنى قريظة عندما دخل سعد بن معاذ - " قوموا إلى سيدكم " وفى الصحيحين أنه قال فى الحسن " إن ابنى هذا سيد ولعل الله يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين " .والمراد أن يحيى - عليه السلام - من صفاته أنه سيكون سيدا ، أى يفوق غيره في الشرف والتقوى وعفة النفس ، بأن يكون مالكا لزمامها ، ومسيطرا على أهوائها .والصفة الثالثة : من صفاته عبر عنها القرآن بقوله : { وَحَصُوراً } وأصل الحصر : المنع والحبس .يقال حصرنى الشىء وأحصرنى إذا حبسنى .والمراد أن يحيى - عليه السلام - من صفاته أنه سيكون حابسا نفسه عن الشهوات ، حتى لقد قيل عنه إنه امتنع عن الوزاج وهو قادر على ذلك - زهادة منه واستعفافا ، وليس صحيحا ما قيل من أنه كان لا يأتى النساء لعدم قدرته على ذلك .قال ابن كثير : وقد قال القاضى عياض في كتابه الشفاء : اعلم أن ثناء الله على يحيى بأنه كان { وَحَصُوراً } معناه أنه معصوم من الذنوب ، أى لا يأتيها كأنه حصور عنها .

وقيل : مانعا نفسه من الهشوات ، وقيل ليست له شهوة في النساء وقد بان لك من هذا أن عدم القدرة على النكاح نقص ، وإنما الفضل في كونها موجودة ثم يمنعها إما بمجاهدة كعيسى أو بكفاية من الله - تعالى - كيحيى - عليه السلام - ثم هى في حق من قدر عليها وقام بالواجب فيها ولم تشغله عن ربه : درجة عليا وهى درجة درجة نبينا صلى الله عليه وسلم الذى لم تشغله كثرتهن عن عبادة ربه ، بل زاده ذلك عبادة بتحصينهن وهدايته لهن .

.

.

والمقصود أن مدح يحيى بأنه حصور ليس معناه أنه لا يأتى النساء ، بل معناه أنه معصوم من الفواحش والقاذورات ، ولا يمنع ذلك من تزويجه بالنساء الحلال وغشيانهن وإيلادهن بل قد يفهم وجود النسل له من دعاء زكريا المتقدم حيث قال : { هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً } كأنه قال ولداً له ذرية ونسل وعقب .أما الوصف الرابع : من أوصاف يحيى - عليه السلام - فهو قوله - تعالى - { وَنَبِيّاً مِّنَ الصالحين } وفى هذا الوصف بشارة ثانية لزكريا بأن ابنه سيكون من الأنبياء الذى اصطفاهم الله لتبليغ دعوته إلى الناس ، وهذه البشارة أسمى وأعلى من الأولى التى أخبره الله فيها بولادة يحيى ، لأن النبوة منزلة لا تعدلها منزلة في الشرف والفضل .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي: فناداه الملائكة، على التذكير والإمالة، والباقون على التأنيث على اللفظ، وقيل: من ذكر فلأن الفعل قبل الاسم، ومن أنث فلأن الفعل للملائكة، وقرأ ابن عامر ﴿ المحراب ﴾ بالإمالة، والباقون بالتفخيم، وفي قراءة ابن مسعود: فناداه جبريل.

المسألة الثانية: ظاهر اللفظ يدل على أن النداء كان من الملائكة، ولا شك أن هذا في التشريف أعظم، فإن دل دليل منفصل أن المنادي كان جبريل عليه السلام فقط صرنا إليه.

وحملنا هذ اللفظ على التأويل، فإنه يقال: فلان يأكل الأطعمة الطيبة، ويلبس الثياب النفيسة، أي يأكل من هذا الجنس، ويلبس من هذا الجنس، مع أن المعلوم أنه لم يأكل جميع الأطعمة، ولم يلبس جميع الأثواب، فكذا هاهنا، ومثله في القرآن ﴿ الذين قَالَ لَهُمُ الناس  ﴾ وهم نعيم بن مسعود إن الناس: يعني أبا سفيان، قال المفضل بن سلمة: إذا كان القائل رئيساً جاز الإخبار عنه بالجمع لاجتماع أصحابه معه، فلما كان جبريل رئيس الملائكة، وقلما يبعث إلا ومعه جمع صح ذلك.

أما قوله: ﴿ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلّى فِي المحراب ﴾ فهو يدل على أن الصلاة كانت مشروعة في دينهم، والمحراب قد ذكرنا معناه.

أما قوله: ﴿ أَنَّ الله يُبَشّرُكَ بيحيى ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: أما البشارة فقد فسرناها في قوله تعالى: ﴿ وَبَشّرِ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات  ﴾ وفي قوله: ﴿ يُبَشّرُكَ بيحيى ﴾ وجهان الأول: أنه تعالى كان قد عرف زكريا أنه سيكون في الأنبياء رجل اسمه يحيى وله ذرية عالية، فإذا قيل: إن ذلك النبي المسمى بيحيى هو ولدك كان ذلك بشارة له بيحيى عليه السلام والثاني: أن الله يبشرك بولد اسمه يحيى.

المسألة الثانية: قرأ ابن عامر وحمزة ﴿ أن ﴾ بكسر الهمزة، والباقون بفتحها، أما الكسر فعلى إرادة القول، أو لأن النداء نوع من القول، وأما الفتح فتقديره: فنادته الملائكة بأن الله يبشرك.

المسألة الثالثة: قرأ حمزة والكسائي ﴿ يُبَشّرُكِ ﴾ بفتح الياء وسكون الباء وضم الشين، وقرأ الباقون ﴿ يُبَشّرُكِ ﴾ وقرئ أيضاً ﴿ يُبَشّرُكِ ﴾ قال أبو زيد يقال: بشر يبشر بشراً، وبشر يبشر تبشيراً، وأبشر يبشر ثلاث لغات.

المسألة الرابعة: قرأ حمزة والكسائي ﴿ يحيى ﴾ بالإمالة لأجل الياء والباقون بالتفخيم، وأما أنه لم سمى يحيى فقد ذكرناه في سورة مريم، واعلم أنه تعالى ذكر من صفات يحيى ثلاثة أنواع: الصفة الأولى: قوله: ﴿ مُصَدّقاً بِكَلِمَةٍ مّنَ الله ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قال الواحدي قوله: ﴿ مُصَدّقاً بِكَلِمَةٍ مّنَ الله ﴾ نصب على الحال لأنه نكرة، ويحيى معرفة.

المسألة الثانية: في المراد ﴿ بِكَلِمَةٍ مّنَ الله ﴾ قولان الأول: وهو قول أبي عبيدة: أنها كتاب من الله، واستشهد بقولهم: أنشد فلان كلمة، والمراد به القصيدة الطويلة.

والقول الثاني: وهو اختيار الجمهور: أن المراد من قوله: ﴿ بِكَلِمَةٍ مّنَ الله ﴾ هو عيسى عليه السلام، قال السدي: لقيت أم عيسى أم يحيى عليهما السلام، وهذه حامل بيحيى وتلك بعيسى، فقالت: يا مريم أشعرت أني حبلى؟

فقالت مريم: وأنا أيضاً حبلى، قالت امرأة زكريا فإني وجدت ما في بطني يسجد لما في بطنك فذلك قوله: ﴿ مُصَدّقاً بِكَلِمَةٍ مّنَ الله ﴾ وقال ابن عباس: إن يحيى كان أكبر سناً من عيسى بستة أشهر، وكان يحيى أول من آمن وصدق بأنه كلمة الله وروحه، ثم قتل يحيى قبل رفع عيسى عليهما السلام، فإن قيل: لم سمي عيسى كلمة في هذه الآية، وفي قوله: ﴿ إِنَّمَا المسيح عِيسَى ابن مَرْيَمَ رَسُولُ الله وَكَلِمَتُهُ  ﴾ قلنا: فيه وجوه: الأول: أنه خلق بكلمة الله، وهو قوله: ﴿ كُنَّ ﴾ من غير واسطة الأب، فلما كان تكوينه بمحض قول الله ﴿ كُنَّ ﴾ وبمحض تكوينه وتخليقه من غير واسطة الأب والبذر، لا جرم سمى: كلمة، كما يسمى المخلوق خلقاً، والمقدور قدرة، والمرجو رجاء، والمشتهي شهوة، وهذا باب مشهور في اللغة والثاني: أنه تكلم في الطفولية، وآتاه الله الكتاب في زمان الطفولية، فكان في كونه متكلماً بالغاً مبلغاً عظيماً، فسمي كلمة بهذا التأويل وهو مثل ما يقال: فلان جود وإقبال إذا كان كاملاً فيهما والثالث: أن الكلمة كما أنها تفيد المعاني والحقائق، كذلك عيسى كان يرشد إلى الحقائق والأسرار الإلهية، فسمى: كلمة، بهذا التأويل، وهو مثل تسميته روحاً من حيث إن الله تعالى أحيا به من الضلالة كما يحيا الإنسان بالروح، وقد سمى الله القرآن روحاً فقال: ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا  ﴾ والرابع: أنه قد وردت البشارة به في كتب الأنبياء الذين كانوا قبله، فلما جاء قيل: هذا هو تلك الكلمة، فسمى كلمة بهذا التأويل قالوا: ووجه المجاز فيه أن من أخبر عن حدوث أمر فإذا حدث ذلك الأمر قال: قد جاء قولي وجاء كلامي، أي ما كنت أقول وأتكلم به، ونظيره قوله تعالى: ﴿ وكذلك حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبّكَ عَلَى الذين كَفَرُواْ أَنَّهُمْ أصحاب النار  ﴾ وقال: ﴿ ولكن حَقَّتْ كَلِمَةُ العذاب عَلَى الكافرين  ﴾ الخامس: أن الإنسان قد يسمى بفضل الله ولطف الله، فكذا عيسى عليه السلام كان اسمه العلم: كلمة الله، وروح الله، واعلم أن كلمة الله هي كلامه، وكلامه على قول أهل السنة صفة قديمة قائمة بذاته، وعلى قول المعتزلة أصوات يخلقها الله تعالى في جسم مخصوص دالة بالوضع على معان مخصوصة، والعلم الضروري حاصل بأن الصفة القديمة أو الأصوات التي هي أعراض غير باقية يستحيل أن يقال: أنها هي ذات عيسى عليه السلام، ولما كان ذلك باطلاً في بداهة العقول لم يبق إلا التأويل.

الصفة الثانية: ليحيى عليه السلام قوله: ﴿ وَسَيّدًا ﴾ والمفسرون ذكروا فيه وجوهاً الأول: قال ابن عباس: السيد الحليم، وقال الجبائي: إنه كان سيداً للمؤمنين، رئيساً لهم في الدين، أعني في العلم والحلم والعبادة والورع، وقال مجاهد: الكريم على الله، وقال ابن المسيب: الفقيه العالم، وقال عكرمة الذي لا يغلبه الغضب، قال القاضي: السيد هو المتقدم المرجوع إليه، فلما كان سيداً في الدين كان مرجوعاً إليه في الدين وقدوة في الدين، فيدخل فيه جميع الصفات المذكورة من العلم والحلم والكرم والعفة والزهد والورع.

الصفة الثالثة: قوله: ﴿ وَحَصُورًا ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: في تفسير الحصور والحصر في اللغة الحبس، يقال حصره يحصره حصراً وحصر الرجل: أي اعتقل بطنه، والحصور الذي يكتم السر ويحبسه، والحصور الضيق البخيل، وأما المفسرون: فلهم قولان أحدهما: أنه كان عاجزاً عن إتيان النساء، ثم منهم من قال كان ذلك لصغر الآلة، ومنهم من قال: كان ذلك لتعذر الإنزال، ومنهم من قال: كان ذلك لعدم القدرة، فعلى هذا الحصور فعول بمعنى مفعول، كأنه قال محصور عنهن، أي محبوس، ومثله ركوب بمعنى مركوب وحلوب بمعنى محلوب، وهذا القول عندنا فاسد لأن هذا من صفات النقصان وذكر صفة النقصان في معرض المدح لا يجوز، ولأن على هذا التقدير لا يستحق به ثواباً ولا تعظيماً.

والقول الثاني: وهو اختيار المحققين أنه الذي لا يأتي النساء لا للعجز بل للعفة والزهد، وذلك لأن الحصور هو الذي يكثر منه حصر النفس ومنعها كالأكول الذي يكثر منه الأكل وكذا الشروب، والظلوم، والغشوم، والمنع إنما يحصل أن لو كان المقتضي قائماً، فلولا أن القدرة والداعية كانتا موجودتين، وإلا لما كان حاصراً لنفسه فضلاً عن أن يكون حصوراً، لأن الحاجة إلى تكثير الحصر والدفع إنما تحصل عند قوة الرغبة والداعية والقدرة، وعلى هذا الحصور بمعنى الحاصر فعول بمعنى فاعل.

المسألة الثانية: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن ترك النكاح أفضل وذلك لأنه تعالى مدحه بترك النكاح، وذلك يدل على أن ترك النكاح أفضل في تلك الشريعة، وإذا ثبت أن الترك في تلك الشريعة أفضل، وجب أن يكون الأمر كذلك في هذه الشريعة بالنص والمعقول، أما النص فقوله تعالى: ﴿ أولئك الذين هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقتده  ﴾ وأما المعقول فهو أن الأصل في الثابت بقاؤه على ما كان والنسخ على خلاف الأصل.

الصفة الرابعة: قوله: ﴿ وَنَبِيّا ﴾ واعلم أن السيادة إشارة إلى أمرين أحدهما: قدرته على ضبط مصالح الخلق فيما يرجع إلى تعليم الدين والثاني: ضبط مصالحهم فيما يرجع إلى التأديب والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأما الحصور فهو إشارة إلى الزهد التام فلما اجتمعا حصلت النبوة بعد ذلك، لأنه ليس بعدهما إلا النبوة.

الصفة الخامسة: قوله: ﴿ مّنَ الصالحين ﴾ وفيه ثلاثة أوجه: الأول: معناه أنه من أولاد الصالحين.

والثاني: أنه خير كما يقال في الرجل الخير: (إنه من الصالحين).

والثالث: أن صلاحه كان أتم من صلاح سائر الأنبياء، بدليل قوله عليه الصلاة والسلام: «ما من نبي إلا وقد عصى، أو هم بمعصية غير يحيى فإنه لم يعص ولم يهم».

فإن قيل: لما كان منصب النبوة أعلى من منصب الصلاح فلما وصفه بالنبوة فما الفائدة في وصفه بعد ذلك بالصلاح؟

قلنا: أليس أن سليمان عليه السلام بعد حصول النبوة قال: ﴿ وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصالحين  ﴾ وتحقيق القول فيه: أن للأنبياء قدراً من الصلاح لو انتقص لانتفت النبوة، فذلك القدر بالنسبة إليهم يجري مجرى حفظ الواجبات بالنسبة إلينا، ثم بعد اشتراكهم في ذلك القدر تتفاوت درجاتهم في الزيادة على ذلك القدر، وكل من كان أكثر نصيباً منه كان أعلى قدراً والله أعلم.

قوله تعالى: ﴿ قَالَ رَبّ أنى يَكُونُ لِي غلام ﴾ في الآية سؤالات: السؤال الأول: قوله: ﴿ رَبّ ﴾ خطاب مع الله أو مع الملائكة، لأنه جائز أن يكون خطاباً مع الله، لأن الآية المتقدمة دلت على أن الذين نادوه هم الملائكة، وهذا الكلام لابد أن يكون خطاباً مع ذلك المنادي لا مع غيره، ولا جائز أن يكون خطاباً مع الملك، لأنه لا يجوز للإنسان أن يقول للملك: يا رب.

والجواب: للمفسرين فيه قولان الأول: أن الملائكة لما نادوه بذلك وبشروه به تعجب زكريا عليه السلام ورجع في إزالة ذلك التعجب إلى الله تعالى والثاني: أنه خطاب مع الملائكة والرب إشارة إلى المربي، ويجوز وصف المخلوق به، فإنه يقال: فلان يربيني ويحسن إلي.

السؤال الثاني: لما كان زكريا عليه السلام هو الذي سأل الولد، ثم أجابه الله تعالى إليه فلم تعجب منه ولم استبعده؟

الجواب: لم يكن هذا الكلام لأجل أنه كان شاكاً في قدرة الله تعالى على ذلك والدليل عليه وجهان الأول: أن كل أحد يعلم أن خلق الولد من النطفة إنما كان على سبيل العادة لأنه لو كان لا نطفة إلا من خلق، ولا خلق إلا من نطفة، لزم التسلسل ولزم حدوث الحوادث في الأزل وهو محال، فعلمنا أنه لابد من الانتهاء إلى مخلوق خلقه الله تعالى لا من نطفة أو من نطفة خلقها الله تعالى لا من إنسان.

والوجه الثاني: أن زكريا عليه السلام طلب ذلك من الله تعالى، فلو كان ذلك محالاً ممتنعاً لما طلبه من الله تعالى، فثبت بهذين الوجهين أن قوله: ﴿ أنى يَكُونُ لِي غلام ﴾ ليس للاستبعاد، بل ذكر العلماء فيه وجوهاً الأول: أنه قوله: ﴿ أنَّى ﴾ معناه: من أين.

ويحتمل أن يكون معناه: كيف تعطي ولداً على القسم الأول أم على القسم الثاني، وذلك لأن حدوث الولد يحتمل وجهين: أحدهما: أن يعيد الله شبابه ثم يعطيه الولد مع شيخوخته، فقوله: ﴿ أنى يَكُونُ لِي غلام ﴾ معناه: كيف تعطي الولد على القسم الأول أم على القسم الثاني؟

فقيل له كذلك، أي على هذا الحال والله يفعل ما يشاء، وهذا القول ذكره الحسن والأصم والثاني: أن من كان آيساً من الشيء مستبعداً لحصوله ووقوعه إذا اتفق أن حصل له ذلك المقصود فربما صار كالمدهوش من شدة الفرح فيقول: كيف حصل هذا، ومن أين وقع هذا كمن يرى إنساناً وهبه أموالاً عظيمة، يقول كيف وهبت هذه الأموال، ومن أين سمحت نفسك بهبتها؟

فكذا هاهنا لما كان زكريا عليه السلام مستبعداً لذلك، ثم اتفق إجابة الله تعالى إليه، صار من عظم فرحه وسروره قال ذلك الكلام الثالث: أن الملائكة لما بشّروه بيحيى لم يعلم أنه يرزق الولد من جهة أنثى أو من صلبه، فذكر هذا الكلام لذلك الاحتمال الرابع: أن العبد إذا كان في غاية الاشتياق إلى شيء فطلبه من السيد، ثم إن السيد يعده بأنه سيعطيه بعد ذلك، فالتذ السائل بسماع ذلك الكلام، فربما أعاد السؤال ليعيد ذلك الجواب فحينئذ يلتذ بسماع تلك الإجابة مرة أخرى، فالسبب في إعادة زكريا هذا الكلام يحتمل أن يكون من هذا الباب الخامس: نقل سفيان بن عيينة أنه قال: كان دعاؤه قبل البشارة بستين سنة حتى كان قد نسي ذلك السؤال وقت البشارة فلما سمع البشارة زمان الشيخوخة لا جرم استبعد ذلك على مجرى العادة لا شكا في قدرة الله تعالى فقال ما قال السادس: نقل عن السدي أن زكريا عليه السلام جاءه الشيطان عند سماع البشارة فقال إن هذا الصوت من الشيطان، وقد سخر منك فاشتبه الأمر على زكريا عليه السلام فقال: ﴿ رَبّ أنى يَكُونُ لِي غلام ﴾ وكان مقصوده من هذا الكلام أن يريه الله تعالى آية تدل على أن ذلك الكلام من الوحي والملائكة لا من إلقاء الشيطان قال القاضي: لا يجوز أن يشتبه كلام الملائكة بكلام الشيطان عند الوحي على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إذ لو جوزنا ذلك لارتفع الوثوق عن كل الشرائع ويمكن أن يقال: لما قامت المعجزات على صدق الوحي في كل ما يتعلق بالدين لا جرم حصل الوثوق هناك بأن الوحي من الله تعالى بواسطة الملائكة ولا مدخل للشيطان فيه، أما ما يتعلق بمصالح الدنيا وبالولد فربما لم يتأكد ذلك المعجز فلا جرم بقي احتمال كون ذلك من الشيطان فلا جرم رجع إلى الله تعالى في أن يزيل عن خاطره ذلك الاحتمال.

أما قوله تعالى: ﴿ وَقَدْ بَلَغَنِي الكبر ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: الكبر مصدر كبر الرجل يكبر إذا أسن، قال ابن عباس: كان يوم بشر بالولد ابن عشرين ومائة سنة وكانت امرأته بنت تسعين وثمان.

المسألة الثانية: قال أهل المعاني: كل شيء صادفته وبلغته فقد صادفك وبلغك، وكلما جاز أن يقول: بلغت الكبر جاز أن يقول بلغني الكبر يدل عليه قول العرب: لقيت الحائط، وتلقاني الحائط.

فإن قيل: يجوز بلغني البلد في موضع بلغت البلد، قلنا: هذا لا يجوز، والفرق بين الموضعين أن الكبر كالشيء الطالب للإنسان فهو يأتيه بحدوثه فيه، والإنسان أيضاً يأتيه بمرور السنين عليه، أما البلد فليس كالطالب للإنسان الذاهب، فظهر الفرق.

أما قوله: ﴿ وامرأتى عَاقِرٌ ﴾ .

اعلم أن العاقر من النساء التي لا تلد، يقال: عقر يعقر عقراً، ويقال أيضاً عقر الرجل، وعقر بالحركات الثلاثة في القاف إذا لم يحمل له، ورمل عاقر: لا ينبت شيئاً، واعلم أن زكريا عليه السلام ذكر كبر نفسه مع كون زوجته عاقراً لتأكيد حال الاستبعاد.

أما قوله: ﴿ قَالَ كذلك الله يَفْعَلُ مَا يَشَاء ﴾ ففيه بحثان الأول: أن قوله: ﴿ قَالَ ﴾ عائد إلى مذكور سابق، وهو الرب المذكور في قوله: ﴿ قَالَ رَبّ أنى يَكُونُ لِي غلام ﴾ وقد ذكرنا أن ذلك يحتمل أن يكون هو الله تعالى، وأن يكون هو جبريل.

البحث الثاني: قال صاحب الكشاف ﴿ كذلك الله ﴾ مبتدأ وخبر أي على نحو هذه الصفة الله، ويفعل ما يشاء بيان له، أي يفعل ما يريد من الأفاعيل الخارقة للعادة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ هُنَالِكَ ﴾ في ذلك المكان حيث هو قاعد عند مريم في المحراب أو في ذلك الوقت.

فقد يستعار هنا وثم وحيث للزمان.

لما رأى حال مريم في كرامتها على الله ومنزلتها، رغب في أن يكون له من ايشاع ولد مثل ولد أختها حنة في النجابة والكرامة على الله، وإن كانت عاقراً عجوزاً فقد كانت أختها كذلك.

وقيل: لما رأى الفاكهة في غير وقتها انتبه على جواز ولادة العاقر ﴿ ذُرِّيَّةَ ﴾ ولداً.

والذرية يقع على الواحد والجمع ﴿ سَمِيعُ الدعاء ﴾ مجيبه.

قرئ: ﴿ فناداه الملائكة ﴾ .

وقيل: ناداه جبريل عليه السلام، وإنما قيل الملائكة على قولهم: فلان يركب الخيل ﴿ أَنَّ الله يُبَشّركَ ﴾ بالفتح على بأن الله، وبالكسر على إرادة القول.

أو لأن النداء نوع من القول.

وقرئ: ﴿ يبشرك ﴾ ، ﴿ ويبشرك ﴾ ، من بشره وأبشره.

﴿ ويَبْشُرك ﴾ بفتح الياء من بشره.

ويحيى إن كان أعجمياً وهو الظاهر فمنع صرفه للتعريف والعجمة كموسى وعيسى، وإن كان عربياً فللتعريف ووزن الفعل كيعمر ﴿ مُصَدّقاً بِكَلِمَةٍ مّنَ الله ﴾ مصدّقاً بعيسى مؤمناً به.

قيل هو أول من آمن به، وسمي عيسى ﴿ كلمة ﴾ لأنه لم يوجد إلا بكلمة الله وحدها، وهي قوله: (كن) من غير سبب آخر.

وقيل: مصدّقاً بكلمة من الله، مؤمناً بكتاب منه.

وسمي الكتاب كلمة، كما قيل كلمة الحويدرة لقصيدته.

والسيد: الذي يسود قومه، أي يفوقهم في الشرف.

وكان يحيى فائقاً لقومه وفائقاً للناس كلهم في أنه لم يركب سيئة قط، ويالها من سيادة.

والحصور: الذي لا يقرب النساء حصراً لنفسه أي منعاً لها من الشهوات.

وقيل هو الذي لا يدخل مع القوم في الميسر.

قال الأخطل: وَشَارِبٍ مُرْبِحٍ بِالكأْسِ نَادَمَني ** لاَ بِالْحَصُورِ وَلاَ فِيهَا بِسَئَّارِ فاستعير لمن لا يدخل في اللعب واللهو.

وقد روي أنه مرّ وهو طفل بصبيان فدعوه إلى اللعب فقال: ما للعب خلقت ﴿ مّنَ الصالحين ﴾ ناشئاً من الصالحين، لأنه كان من أصلاب الأنبياء، أو كائناً من جملة الصالحين كقوله: ﴿ وَإِنَّهُ فِي الاخرة لَمِنَ الصالحين ﴾ [البقرة: 130] .

﴿ أنى يَكُونُ لِي غلام ﴾ استبعاد من حيث العادة كما قالت مريم.

﴿ وَقَدْ بَلَغَنِي الكبر ﴾ كقولهم: أدركته السنّ العالية.

والمعنى أثر فيّ الكبر فأضعفني، وكانت له تسع وتسعون سنة، ولامرأته ثمان وتسعون ﴿ كذلك ﴾ أي يفعل الله ما يشاء من الأفعال العجيبة مثل ذلك الفعل، وهو خلق الولد بين الشيخ الفاني والعجوز العاقر، أو كذلك الله مبتدأ وخبر، أي على نحو هذه الصفة الله، ويفعل ما يشاء بيان له، أي يفعل ما يريد من الأفاعيل الخارقة للعادات ﴿ ءَايَةً ﴾ علامة أعرف بها الحبل لأتلقى النعمة إذا جاءت بالشكر ﴿ قَالَ ءَايَتُكَ أَلاَّ ﴾ تقدر على تكليم الناس ﴿ ثلاثة أَيَّامٍ ﴾ وإنما خص تكليم الناس ليعلمه أنه يحبس لسانه عن القدرة على تكليمهم خاصة، مع إبقاء قدرته على التكلم بذكر الله، ولذلك قال: ﴿ واذكر رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبّحْ بالعشى والإبكار ﴾ يعني في أيام عجزك عن تكليم الناس، وهي من الآيات الباهرة.

فإن قلت: لم حبس لسانه عن كلام الناس؟

قلت: ليخلص المدّة لذكر الله لا يشغل لسانه بغيره، توفراً منه على قضاء حق تلك النعمة الجسيمة، وشكرها الذي طلب الآية من أجله، كأنه لما طلب الآية من أجل الشكر قيل له: آيتك أن تحبس لسانك إلا عن الشكر.

وأحسن الجواب وأوقعه ما كان مشتقا من السؤال.

ومنتزعاً منه ﴿ إِلاَّ رَمْزًا ﴾ إلا إشارة بيد أو رأس أو غيرهما وأصله التحرّك.

يقال ارتمز: إذا تحرّك.

ومنه قيل للبحر الراموز.

وقرأ يحيى ابن وثاب ﴿ إلا رمزاً ﴾ بضمتين، جمع رموز كرسول ورسل.

وقرئ: ﴿ رمزاً ﴾ بفتحتين جمع رامز كخادم وخدم، وهو حال منه ومن الناس دفعة كقوله: مَتَى مَا تَلْقَني فَرْدَيْنِ تَرْجُفْ ** رَوَانِفُ إلْيَتَيْكَ وَتُسْتَطَارَ بمعنى إلا مترامزين، كما يكلم الناس الأخرس بالإشارة ويكلمهم.

والعشيّ: من حين تزول الشمس إلى أن تغيب.

و ﴿ والإبكار ﴾ من طلوع الفجر إلى وقت الضحى.

وقرئ ﴿ والأبكار ﴾ ، بفتح الهمزة جمع بكر كسحر وأسحار.

يقال: أتيته بكراً بفتحتين.

فإن قلت: الرمز ليس من جنس الكلام؛ فكيف استثنى منه؟

قلت: لما أدّى مؤدّى الكلام وفهم منه ما يفهم منه سمي كلاماً.

ويجوز أن يكون استثناء منقطعاً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ ﴾ في ذَلِكَ المَكانِ، أوِ الوَقْتِ إذْ يُسْتَعارُ هُنا وثَمَّ وحَيْثُ لِلزَّمانِ، لِما رَأى كَرامَةَ مَرْيَمَ ومَنزِلَتَها مِنَ اللَّهِ تَعالى.

﴿ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ﴾ كَما وهَبْتَها لِحِنَّةَ العَجُوزِ العاقِرِ.

وقِيلَ لَمّا رَأى الفَواكِهَ في غَيْرِ أوانِها انْتَبَهَ عَلى جَوازِ وِلادَةِ العاقِرِ مِنَ الشَّيْخِ، فَسَألَ وقالَ: ﴿ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً ﴾ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلى الوُجُوهِ المُعْتادَةِ وبِالأسْبابِ المَعْهُودَةِ.

﴿ إنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ ﴾ مُجِيبُهُ.

﴿ فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ ﴾ أيْ مِن جِنْسِهِمْ كَقَوْلِهِمْ زَيْدٌ يَرْكَبُ الخَيْلَ.

فَإنَّ المُنادِيَ كانَ جِبْرِيلُ وحْدَهُ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ «فَناداهُ» بِالإمالَةِ والتَّذْكِيرِ.

﴿ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ ﴾ أيْ قائِمًا في الصَّلاةِ، و (يُصَلِّي صِفَةُ قائِمٍ أوْ خَبَرٌ أوْ حالٌ آخَرَ أوْ حالٌ عَنِ الضَّمِيرِ في "قائِمٌ".

﴿ أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى ﴾ أيْ بِأنَّ اللَّهَ.

وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ بِالكَسْرِ عَلى إرادَةِ القَوْلِ، أوْ لِأنَّ النِّداءَ نَوْعٌ مِنهُ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (يُبَشِّرُكَ)، و (يَحْيى) اسْمٌ أعْجَمِيٌّ وإنْ جُعِلَ عَرَبِيًّا فَمَنعُ صَرْفِهِ لِلتَّعْرِيفِ ووَزْنِ الفِعْلِ.

﴿ مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ ﴾ أيْ بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ وُجِدَ بِأمْرِهِ تَعالى دُونَ أبٍ فَشابَهَ البِدْعِيّاتِ الَّتِي هي عالِمُ الأمْرِ، أوْ بِكِتابِ اللَّهِ، سُمِّيَ كَلِمَةً كَما قِيلَ كَلِمَةُ الحُوَيْدِرَةِ لِقَصِيدَتِهِ.

﴿ وَسَيِّدًا ﴾ يَسُودُ قَوْمَهُ ويَفُوقُهم وكانَ فائِقًا لِلنّاسِ كُلِّهِمْ في أنَّهُ ما هَمَّ بِمَعْصِيَةٍ قَطُّ.

﴿ وَحَصُورًا ﴾ مُبالِغًا في حَبْسِ النَّفْسِ عَنِ الشَّهَواتِ والمَلاهِي.

رُوِيَ أنَّهُ مَرَّ في صِباهُ بِصِبْيانٍ فَدَعَوْهُ إلى اللَّعِبِ فَقالَ ما لِلَّعِبِ خُلِقْتُ.

﴿ وَنَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ ﴾ ناشِئًا مِنهم أوْ كائِنًا مِن عِدادِ مَن لَمْ يَأْتِ كَبِيرَةً ولا صَغِيرَةً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فنادته الملائكة} قيل ناداه جبريل عليه السلام وإنما قيل الملائكة لأن المعنى أتاه النداء من هذا الجنس كقولهم فلان يركب الخيل فناديه بالياء والإمالة حمزة وعلي {وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلّي فِي المحراب} وفيه دليل على أن المرادات تطلب بالصلوات وفيها إجابة الدعوات وقضاء الحاجات وقال ابن عطاء ما فتح الله تعالى على عبد حالة سنية إلا باتباع الأوامر وإخلاص الطاعات ولزوم المحاريب {إِنَّ الله} بكسر الألف شامى وحمزة على إضمار القول أو لأن النداء قول الباقون بالفتح أي بأن الله {يُبَشّرُكَ} يبشرك وما بعده حمزة وعلي من بشره والتخفيف والتشديد لغتان {بيحيى} هو غير منصرف إن كان عجمياً وهو الظاهر فللتعريف والعجمة كموسى وعيسى وإن كان عربيا فللتعريف ووزن الفعل كيعمر {مُصَدِّقاً} حال منه {بِكَلِمَةٍ مّنَ الله} أي مصدقاً بعيسى مؤمناً به فهو أول من آمن به وسمى عيسى كلمة

آل عمران (٣٩ _ ٤٣)

الله لأن تكونه بكن بلا أب أو مصدقاً بكلمة من الله مؤمناً بكتاب منه {وَسَيّدًا} هو الذي يسود قومه أي يفوقهم في الشرف وكان يحيى فائقا على قومه لانه لم يركب شيئة قط وبالها من سيادة وقال الجنيد هو الذي جاد بالكونين عوضاً عن المكون {وَحَصُورًا} هو الذي لا يقرب النساء مع القدرة حصراً لنفسه أي منعاً لها من الشهوات {وَنَبِيّاً مِّنَ الصالحين} ناشئاً من الصالحين لأنه كان من أصلاب

الأنبياء أو كائناً من جملة الصالحين

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ ﴾ وفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فاسْتَجَبْنا لَهُ ووَهَبْنا لَهُ يَحْيى ﴾ .

وظاهِرُ قَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ في مَرْيَمَ: ﴿ إنّا نُبَشِّرُكَ ﴾ اِعْتِقابُ التَّبْشِيرِ الدُّعاءَ لا تَأخُّرُهُ عَنْهُ، وأثَرُ إنَّ بَيْنَ الدُّعاءِ والإجابَةِ أرْبَعِينَ سَنَةً لَمْ نَجِدْ لَهُ أثَرًا في ”الصِّحاحِ“، نَعَمْ رُبَّما تُشْعِرُ بَعْضُ الأخْبارِ المَوْقُوفَةِ أنَّ بَيْنَ الوِلادَةِ والتَّبْشِيرِ مُدَّةً كَما سَنُشِيرُ إلى ذَلِكَ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، والمُرادُ مِنَ المَلائِكَةِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ المُنادِي وحْدَهُ كَما أخْرَجَهُ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ وذَكَرَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي حَمّادٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ (فَناداهُ جِبْرِيلُ)، فالجَمْعُ هُنا مَجازٌ عَنِ الواحِدِ لِلتَّعْظِيمِ، أوْ يَكُونُ هَذا مِن إسْنادِ فِعْلِ البَعْضِ لِلْكُلِّ، وقِيلَ: الجَمْعُ فِيهِ مِثْلِهِ في قَوْلِكَ: فُلانٌ يَرْكَبُ الخَيْلَ ويَلْبَسُ الدِّيباجَ، واعْتُرِضَ بِأنَّ هَذا إنَّما يَصِحُّ إذا أُرِيدَ واحِدٌ لا بِعَيْنِهِ، وهَهُنا أُرِيدُ المُعَيَّنُ فَلَعَلَّ ما تَقَدَّمَ أوْلى بِالإرادَةِ، وقِيلَ: الجَمْعُ عَلى حالِهِ والمُنادِي كانَ جُمْلَةً مِنَ المَلائِكَةِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (فَنادِيَهُ) بِالإمالَةِ والتَّذْكِيرِ.

وأخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: ذَكَرُوا المَلائِكَةَ ثُمَّ تَلا ﴿ إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ المَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثى ﴾ وكانَ يَقْرَأُها فَناداهُ المَلائِكَةُ ويُذَكِّرُ في جَمِيعِ القُرْآنِ، وأخْرَجَ الخَطِيبُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ  كانَ يَقْرَأُ كَذَلِكَ.

﴿ وهُوَ قائِمٌ ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِن مَفْعُولِ النِّداءِ مُقَرِّرَةٌ لِما أشارَتْ إلَيْهِ الفاءُ عَلى ما أشَرْنا إلَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُصَلِّي ﴾ حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ في ﴿ قائِمٌ ﴾ أوْ حالٌ أُخْرى مِنَ المَفْعُولِ عَلى القَوْلِ بِجَوازِ تَعَدُّدِها مِن غَيْرِ عَطْفٍ ولا بَدَلِيَّةٍ، أوْ خَبَرٌ ثانٍ لِلْمُبْتَدَأِ عَلى رَأْيِ مَن يَرى مِثْلَ ذَلِكَ، وقِيلَ: الجُمْلَةُ صِفَةٌ لِقائِمٍ والمُرادُ بِالصَّلاةِ ذاتُ الأقْوالِ والأفْعالِ كَما هو الظّاهِرُ وعَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وأخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ عَنْ ثابِتٍ، قالَ: الصَّلاةُ خِدْمَةُ اللَّهِ تَعالى في الأرْضِ، ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ تَعالى شَيْئًا أفْضَلَ مِنَ الصَّلاةِ ما قالَ: ﴿ فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ وهو قائِمٌ يُصَلِّي ﴾ ، وقِيلَ: المُرادُ بِها الدُّعاءُ والأوَّلُ يَدُلُّ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ الصَّلاةِ في شَرِيعَتِهِمْ ﴿ فِي المِحْرابِ ﴾ أيْ في المَسْجِدِ، أوْ في مَوْقِفِ الإمامِ مِنهُ، أوْ في غُرْفَةِ مَرْيَمَ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِ (يُصَلِّي) أوْ بِ (قائِمٌ) عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ ﴿ يُصَلِّي ﴾ حالًا مِن ضَمِيرِ ﴿ قائِمٌ ﴾ لِأنَّ العامِلَ فِيهِ وفي الحالِ شَيْءٌ واحِدٌ فَلا يَلْزَمُ الفَصْلُ بِالأجْنَبِيِّ كَما يَلْزَمُ عَلى التَّقادِيرِ الباقِيَةِ، كَذا قالُوا: واَلَّذِي يَظْهَرُ أنَّ المَسْألَةَ مِن بابِ التَّنازُعِ فَإنَّ كُلًّا مِن ﴿ قائِمٌ ﴾ و ﴿ يُصَلِّي ﴾ يَصِحُّ أنْ يَتَسَلَّطَ عَلى ﴿ فِي المِحْرابِ ﴾ عَلى أيِّ وجْهٍ تَقَدَّمَ مِن وُجُوهِ الإعْرابِ، فَتَدَبَّرْ.

ثُمَّ اِعْلَمْ أنَّ الصَّلاةَ في المَحارِيبِ المَشْهُورَةِ المَوْجُودَةِ الآنَ في مَساجِدِ المُسْلِمِينَ قَدْ كَرِهَها جَماعَةٌ مِنَ الأئِمَّةِ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ وإبْراهِيمُ رَحِمَهُ اللَّهُ فِيما أخْرَجَهُ عَنْهُما اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ وهي مِنَ البِدَعِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ في العَصْرِ الأوَّلِ، فَعَنْ أبِي مُوسى الجُهَنِيِّ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : «لا يَزالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ ما لَمْ يَتَّخِذُوا في مَساجِدِهِمْ مَذابِحَ كَمَذابِحِ النَّصارى ”،» وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي الجَعْدِ قالَ: «كانَ أصْحابُ مُحَمَّدٍ  يَقُولُونَ: إنَّ مِن أشْراطِ السّاعَةِ أنْ تُتَّخَذَ المَذابِحُ في المَساجِدِ»، وعَنِ اِبْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ النَّبِيَّ  قالَ: «“ اِتَّقُوا هَذِهِ المَذابِحَ» يَعْنِي المَحارِيبَ، والرِّواياتُ في ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، ولِلْإمامِ السُّيُوطِيُّ «رِسالَةً» مُسْتَقِلَّةً فِيها.

﴿ أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى ﴾ أيْ بِأنَّ اللَّهَ، وبَعْدَ إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ المُطَّرِدِ في أنَّ، وإنْ يَجُوزَ في المُنْسَبِكِ اِعْتِبارُ النَّصْبِ واعْتِبارُ الجَرِّ، والأوَّلُ: مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، والثّانِي: مَذْهَبُ الخَلِيلِ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ بِكَسْرِ هَمْزَةِ (إنَّ) وخُرِّجَ عَلى إضْمارِ القَوْلِ، وهو مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ، أوْ عَلى إجْراءِ النِّداءِ مَجْرى القَوْلِ لِأنَّهُ نَوْعٌ مِنهُ وهو مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (يُبْشِرُكَ) مِنَ الإبْشارِ، وقَرَأ (يَبْشُرُكَ) مِنَ الثُّلاثِيِّ، وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُعاذٍ الكُوفِيِّ قالَ: مَن قَرَأ (يُبَشِّرُ) مُثْقَلَةً فَإنَّهُ مِنَ البِشارَةِ، ومَن قَرَأ (يَبْشُرُ) مُخَفَّفَةً بِنَصْبِ الياءِ فَإنَّهُ مِنَ السُّرُورِ.

ويَحْيى اِسْمٌ أعْجَمِيٌّ عَلى الصَّحِيحِ، وقِيلَ: عَرَبِيٌّ مَنقُولٌ مِنَ الفِعْلِ، والمانِعُ لَهُ مِنَ الصَّرْفِ عَلى الأوَّلِ العَلَمِيَّةُ والعُجْمَةُ، وعَلى الثّانِي العَلَمِيَّةُ ووَزْنُ الفِعْلِ، والقَوْلُ بِأنَّهُ لا قاطِعَ لِمَنعِ صَرْفِهِ لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا يَجْعَلُ العَلَمَ جُمْلَةً بِأنْ يَكُونَ فِيهِ ضَمِيرٌ كَما في قَوْلِهِ: نُبِّئْتُ أخْوالِي بَنِي يَزِيدَ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِما في ذَلِكَ الِاحْتِمالِ مِنَ التَّكَلُّفِ المُسْتَغْنى عَنْهُ ما يَكادُ يَكُونُ دَلِيلًا قَطْعِيًّا لِلْقِطْعِ، والقائِلُونَ بِعَرَبِيَّتِهِ مِنهم مَن وجَّهَ تَسْمِيَتَهُ بِذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى أحْيا بِهِ عُقْرَ أُمِّهِ، ورُوِيَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، ومِنهم مَن وجَّهَ ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى أحْيا قَلْبَهُ بِالإيمانِ، ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، وقِيلَ: سُمِّيَ بِيَحْيى لِأنَّهُ عَلَّمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يَسْتَشْهِدَ والشُّهَداءُ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، وقِيلَ: لِأنَّهُ يَحْيا بِالعِلْمِ والحِكْمَةِ اللَّتَيْنِ يُؤْتاهُما، وقِيلَ: لِأنَّ اللَّهَ يُحْيِي بِهِ النّاسَ بِالهُدى، قالَ القُرْطُبِيُّ: ((كانَ اِسْمُهُ في الكِتابِ الأوَّلِ حَيًّا))، ورَأيْتُ في «إنْجِيلِ مَتّى» أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُدْعى يُوحَنّا المُعَمِّدانِيَّ لِما أنَّهُ كانَ يُعَمِّدُ النّاسَ في زَمانِهِ عَلى ما يَحْكِيهِ «كُتُبُ النَّصارى».

وجَمْعُ يَحْيى يَحْيُونَ رَفْعًا ويَحْيِينَ جَرًّا ونَصْبًا، وتَثْنِيَتُهُ كَذَلِكَ يَحْيَيانِ ويَحْيَيَيْنِ، ويُقالُ في النَّسَبِ إلَيْهِ يَحْيِيٌّ بِحَذْفِ الألِفِ ويَحْيَوِيٌّ بِقَلْبِها واوًا ويَحْياوِيٌّ بِزِيادَةِ ألْفٍ قَبْلَ الواوِ المُنْقَلِبَةِ عَنِ الألِفِ الأصْلِيَّةِ، وفي تَصْغِيرِهِ يُحَيِّىٌ، بِوَزْنِ فُعَيْعِلٍ قالَ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ: ويَنْبَغِي أنَّ يَكُونَ هَذا الكَلامُ إلى آخِرِهِ مَحْكِيًّا بِعِبارَةٍ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى مِنهاجِ ﴿ قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ ﴾ الآيَةَ، كَما يُلَوِّحُ بِهِ مُراجَعَتُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في الجَوابِ إلَيْهِ تَعالى بِالذّاتِ لا بِواسِطَةِ المَلَكِ، والعُدُولُ عَنْ إسْنادِ التَّبْشِيرِ بِنُونِ العَظَمَةِ حَسْبَما وقَعَ في سُورَةِ مَرْيَمَ لِلْجَرْيِ عَلى سُنَنِ الكِبْرِياءِ، كَما في قَوْلِ الخُلَفاءِ: أمِيرُ المُؤْمِنِينَ يَرْسُمُ لَكَ كَذا، ولِلْإيذانِ بِأنَّ ما حُكِيَ هُناكَ مِنَ النِّداءِ والتَّبْشِيرِ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ المُحاوَرَةِ كانَ كُلُّ ذَلِكَ بِواسِطَةِ المَلَكِ بِطَرِيقِ الحِكايَةِ مِنهُ سُبْحانَهُ لا بِالذّاتِ كَما هو المُتَبادِرُ وبِهَذا يَتَّضِحُ اِتِّحادُ المَعْنى في السُّورَتَيْنِ الكَرِيمَتَيْنِ، فَتَأمَّلِ، اِنْتَهى.

وكانَ الدّاعِي إلى اِعْتِبارِ ما هُنا مَحْكِيًّا بِعِبارَةٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى ظُهُورُ عَدَمِ صِحَّةِ كَوْنِ ما في سُورَةِ مَرْيَمَ مِن عِبارَةِ المَلَكِ غَيْرَ مَحْكِيٍّ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وأنَّ الظّاهِرَ اِتِّحادُ الدُّعاءَيْنِ وإلّا فَما هُنا مِمّا لا يَجِبُ حَمْلُهُ عَلى ما ذُكِرَ لَوْلا ذَلِكَ، والمُلَوَّحُ غَيْرُ مُوجَبٍ كَما لا يَخْفى ولا بُدَّ في المَوْضِعَيْنِ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ كالوِلادَةِ إذِ التَّبْشِيرُ لا يَتَعَلَّقُ بِالأعْيانِ، ويَؤُولُ في المَعْنى إلى ما هُناكَ، أيْ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِوِلادَةِ غُلامٍ اِسْمُهُ يَحْيى.

﴿ مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ ﴾ نُصِبَ عَلى الحالِ المُقَدَّرَةِ مِن (يَحْيى)، والمُرادُ بِالكَلِمَةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وهو المَرْوِيُّ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ وعَلَيْهِ أجِلَّةُ المُفَسِّرِينَ، وإنَّما سُمِّيَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ لِأنَّهُ وُجِدَ بِكَلِمَةِ كُنْ مِن دُونِ تَوَسُّطِ سَبَبٍ عادِيٍّ فَشابَهَ البَدِيعِيّاتِ الَّتِي هي عالَمُ الأمْرِ، و(مِن) لِابْتِداءِ الغايَةِ مَجازًا مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِكَلِمَةٍ أيْ بِكَلِمَةٍ كائِنَةٍ مِنهُ تَعالى، وأُرِيدُ بِهَذا التَّصْدِيقِ الإيمانُ وهو أوَّلُ مَن آمَنَ بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وصَدَّقَ أنَّهُ كَلِمَةُ اللَّهِ تَعالى ورُوحٌ مِنهُ في المَشْهُورِ.

أخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ مُجاهِدٍ، قالَ: «قالَتِ اِمْرَأةُ زَكَرِيّا لِمَرْيَمَ: إنِّي أجِدُ الَّذِي في بَطْنِي يَتَحَرَّكُ لِلَّذِي في بَطْنِكَ».

وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ اِبْنِ جُرَيْجٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ يَحْيى وعِيسى اِبْنَيْ خالَةٍ وكانَتْ أُمُّ يَحْيى تَقُولُ لِمَرْيَمَ إنِّي أجِدُ الَّذِي في بَطْنِي يَسْجُدُ لِلَّذِي في بَطْنِكَ»، فَذَلِكَ تَصْدِيقُهُ لَهُ وكانَ أكْبَرَ مِن عِيسى بِسِتَّةِ أشْهُرٍ، كَما قالَ الضَّحّاكُ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: بِثَلاثِ سِنِينَ، قِيلَ: وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ يَكُونُ بَيْنَ ولّادَةِ يَحْيى وبَيْنَ البِشارَةِ بِها زَمانٌ مَدِيدٌ لِأنَّ مَرْيَمَ ولَدَتْ وهي بِنْتُ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً أوْ بِنْتُ عَشْرِ سِنِينَ، واعْتُرِضَ بِأنَّ هَذا إنَّما يَتِمُّ لَوْ كانَ دُعاءُ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ زَمَنَ طُفُولِيَّةِ مَرْيَمَ قَبْلَ العَشْرِ أوِ الثَّلاثَ عَشْرَةَ، ولَيْسَ في الآيَةِ سِوى ما يُشْعِرُ بِأنَّ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا تَكَرَّرَ مِنهُ الدُّخُولُ عَلى مَرْيَمَ ومُشاهَدَتُهُ الرِّزْقَ لَدَيْها وسُؤالُهُ لَها وسَماعُهُ مِنها ذَلِكَ الجَوابَ اِشْتاقَ إلى الوَلَدِ فَدَعا بِما دَعا، وهَذا الدُّعاءُ كَما يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ في مَبادِئِ الأمْرِ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ في أواخِرِهِ قُبَيْلَ حَمْلِ مَرْيَمَ، وكَوْنُهُ في الأواخِرِ غَيْرَ بَعِيدٍ لِما أنَّ الرَّغْبَةَ حِينَئِذٍ أوْفَرُ حَيْثُ شاهَدَ عَلَيْهِ السَّلامُ دَوامَ الأمْرِ وثَباتَهُ زَمَنَ الطُّفُولِيَّةِ وبَعْدَها، وهَذا قَلَّما يُوجَدُ في الأطْفالِ إذِ الكَثِيرُ مِنهم قَدْ يُلْقِي اللَّهُ تَعالى عَلى لِسانِهِ في صِغَرِهِ ما قَدْ يَكُونُ عَنْهُ بِمَراحِلَ في كِبَرِهِ، فَلَيْسَ عِنْدَنا ما يَدُلُّ صَرِيحًا عَلى أنَّ بَيْنَ الوِلادَةِ والتَّبْشِيرِ مُدَّةً مَدِيدَةً ولا بَيْنَ الدُّعاءِ والتَّبْشِيرِ أيْضًا، نَعَمْ عِنْدَنا ما يَدُلُّ عَلى أنَّ يَحْيى أكْبَرُ مِن عِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ وهو مِمّا اِتَّفَقَ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ وغَيْرُهُمْ، فَفي «إنْجِيلِ مَتّى» ما يُصَرِّحُ بِأنَّهُ وُلِدَ قَبْلَهُ وقَتَلَهُ هِيرْدُوسُ قَبْلَ رَفْعِهِ وأنَّهُ عَمَّدَ المَسِيحَ واَللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ.

وحُكِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّ مَعْنى ﴿ بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ ﴾ بِكِتابٍ مِنهُ، والمُرادُ بِهِ الإنْجِيلُ وإطْلاقُ الكَلِمَةِ عَلَيْهِ كَإطْلاقِها عَلى القَصِيدَةِ في قَوْلِهِمْ كَلِمَةُ الحُوَيْدِرَةِ لِلْعَيْنِيَّةِ المَعْرُوفَةِ بِالبَلاغَةِ.

﴿ وسَيِّدًا ﴾ عَطْفٌ عَلى (مُصَدِّقًا)، وفَسَّرَهُ اِبْنُ عَبّاسٍ بِالكَرِيمِ، وقَتادَةُ بِالحَلِيمِ، والضَّحّاكُ بِالحَسَنِ الخُلُقِ، وسالِمٌ بِالتَّقِيِّ، وابْنُ زَيْدٍ بِالشَّرِيفِ، وابْنُ المُسَيِّبِ بِالفَقِيهِ العالِمِ، وأحْمَدُ بْنُ عاصِمٍ بِالرّاضِي بِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى، والخَلِيلُ بِالمُطاعِ الفائِقِ أقْرانَهُ، وأبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ بِالمُتَوَكِّلِ، واَلتِّرْمِذِيُّ بِالعَظِيمِ الهِمَّةِ، والثَّوْرِيُّ بِمَن لا يَحْسُدُ، وأبُو إسْحَقَ بِمَن يَفُوقُ بِالخَيْرِ قَوْمَهُ، وبَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ بِالمالِكِ الَّذِي تَجِبُ طاعَتُهُ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأقْوالِ، وكُلُّ ما فِيها مِنَ الأوْصافِ مِمّا يَصْلُحُ لِيَحْيى عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّها صِفاتُ كَمالٍ، وأحَقُّ النّاسِ بِصِفاتِ الكَمالِ النَّبِيُّونَ إلّا أنَّ التَّحْقِيقَ أنَّ أصْلَ مَعْنى السَّيِّدِ مَن يَسُودُ قَوْمَهُ يَكُونُ لَهُ أتْباعٌ ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى كُلِّ فائِقٍ في دِينٍ أوْ دُنْيا، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ هُنا الفائِقُ في الدِّينِ حَيْثُ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَهُمَّ بِمَعْصِيَةٍ أصْلًا كَما ورَدَ ذَلِكَ مِن طُرُقٍ عَدِيدَةٍ.

وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ  قالَ: «كُلُّ اِبْنِ آدَمَ يَلْقى اللَّهَ بِذَنْبٍ قَدْ أذْنَبَهُ يُعَذِّبُهُ عَلَيْهِ إنْ شاءَ أوْ يَرْحَمُهُ إلّا يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا»، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ ما هو أصْلُ مَعْناهُ فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ سَيِّدَ قَوْمِهِ ولَهُ أتْباعٌ مِنهُمْ، غايَةُ الأمْرِ أنَّ تِلْكَ رِياسَةٌ شَرْعِيَّةٌ، والإتْيانُ بِهِ إثْرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مُصَدِّقًا ﴾ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ نَبِيٌّ كَعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ولَيْسَ مِن أُمَّتِهِ كَما يُفْهِمُهُ ظاهِرًا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ ﴾ .

﴿ وحَصُورًا ﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، ومَعْناهُ الَّذِي لا يَأْتِي النِّساءَ مَعَ القُدْرَةِ عَلى ذَلِكَ، قالَهُ اِبْنُ عَبّاسٍ في إحْدى الرِّواياتِ عَنْهُ، وفي بَعْضِها إنَّهُ العِنِّينُ الَّذِي لا ذَكَرَ لَهُ يَتَأتّى بِهِ النِّكاحَ ولا يُنْزِلُ، ورَوى الحُفّاظُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  أنَّ ما مَعَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ كالأُنْمُلَةِ، وفي بَعْضِ الرِّواياتِ كالقَذاةِ، وفي أُخْرى كالنَّواةِ، وفي بَعْضٍ كَهُدْبَةِ الثَّوْبِ، قِيلَ: والأصَحُّ الأوَّلُ إذِ العُنَّةُ عَيْبٌ لا يَجُوزُ عَلى الأنْبِياءِ، وبِتَسْلِيمِ أنَّها لَيْسَتْ بِعَيْبٍ فَلا أقَلَّ أنَّها لَيْسَتْ بِصِفَةِ مَدْحٍ، والكَلامُ مَخْرِجُ المَدْحِ، وما أخْرَجَهُ الحافِظُ عَلى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ مِن بابِ التَّمْثِيلِ، والإشارَةُ إلى عَدَمِ اِنْتِفاعِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِما عِنْدَهُ لِعَدَمِ مَيْلِهِ لِلنِّكاحِ لِما أنَّهُ في شُغْلٍ شاغِلٍ عَنْ ذَلِكَ، ومِن هُنا قِيلَ: إنَّ التَّبَتُّلَ لِنَوافِلِ العِباداتِ أفْضَلُ مِنَ الِاشْتِغالِ بِالنِّكاحِ اِسْتِدْلالًا بِحالِ يَحْيى عَلَيْهِ السَّلامُ، ومَن ذَهَبَ إلى خِلافِهِ اِحْتَجَّ بِما أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : «”أرْبَعَةٌ لُعِنُوا في الدُّنْيا والآخِرَةِ وأمَّنَتِ المَلائِكَةُ، رَجُلٌ جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى ذَكَرًا فَأنَّثَ نَفْسَهُ وتَشَبَّهَ بِالنِّساءِ، واِمْرَأةٌ جَعَلَها اللَّهُ تَعالى أُنْثى فَتَذَكَّرَتْ وتَشَبَّهَتْ بِالرِّجالِ، واَلَّذِي يَضِلُّ الأعْمى، ورَجُلٌ حَصُورٌ ولَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ تَعالى حَصُورًا إلّا يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا“،» وفي رِوايَةٍ ««لَعَنَ اللَّهُ تَعالى والمَلائِكَةُ رَجُلًا تَحَصَّرَ بَعْدَ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّا»،» ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالحَصُورِ المُبالَغُ في حَصْرِ النَّفْسِ وحَبْسِها عَنِ الشَّهَواتِ مَعَ القُدْرَةِ، وقَدْ كانَ حالُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أيْضًا كَذَلِكَ.

أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ قَتادَةَ مَوْقُوفًا وابْنُ عَساكِرَ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ مَرْفُوعًا: «”أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَرَّ في صِباهُ بِصِبْيانٍ يَلْعَبُونَ فَدَعُوهُ إلى اللَّعِبِ فَقالَ: ما لِلَّعِبِ خُلِقْتُ“».

﴿ ونَبِيًّا ﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ مُتَرَتِّبٌ عَلى ما عُدِّدَ مِنَ الخِصالِ الحَمِيدَةِ ﴿ مِنَ الصّالِحِينَ  ﴾ أيْ ناشِئًا مِنهم أوْ مَعْدُودًا في عِدادِهِمْ فَ (مِن) عَلى الأوَّلِ لِلِابْتِداءِ، وعَلى الثّانِي لِلتَّبْعِيضِ، قِيلَ: ومَعْناهُ عَلى الأوَّلِ ذُو نَسَبٍ، وعَلى الثّانِي مَعْصُومٌ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لا يَلْغُو ذِكْرُهُ بَعْدَ (نَبِيًّا)، وقَدْ يُقالُ: المُرادُ مِنَ الصَّلاحِ ما فَوْقَ الصَّلاحِ الَّذِي لا بُدَّ مِنهُ في مَنصِبِ النُّبُوَّةِ البَتَّةَ مِن أقاصِي مَراتِبِهِ وعَلَيْهِ مَبْنى دُعاءِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ وأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحِينَ ﴾ ولَعَلَّهُ أوْلى مِمّا قَبْلُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ قرأ حمزة والكسائي بالياء، أي جبريل-  - وإنما صار مذكراً على معنى الجنس، كما يقال: فلان ركب السفن، وإنما ركب سفينة واحدة، وقرأ الباقون، فنادته على معنى التأنيث، لأن اللفظ لفظ الجماعة، والمراد به أيضاً جبريل أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى قرأ حمزة وابن عامر: إن الله يبشرك، بكسر الألف، ومعناه: فنادته الملائكة.

وقالوا له: إن الله يبشرك.

وقرأ الباقون بالنصب، ومعناه: فنادته الملائكة، بأن الله يبشرك بيحيى قال مقاتل: اشتق اسمه من اسم الله تعالى، والله تعالى حي، فسماه الله تعالى يحيى، ويقال: لأنه أحيا به رحم أمه.

ويقال: لأنه حي به المجالس.

ويقال غير ذلك بِيَحْيى، بأن الله يحييه، فيكون حياً عند الله أبداً، لأنه شهيد قال الله تعالى: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ [آل عمران: 169] ثم قال تعالى: مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ يعني بعيسى-  - وكان يحيى أول من صدق بعيسى عليهما السلام، وهو ابن ثلاث سنين، فشهد له أنه كلمة الله وروحه، فلما شهد بذلك يحيى، عجب بنو إسرائيل لصغره، فلما شهد سمع زكريا شهادته، فقام إلى عيسى، فضمه إليه، وهو في خرقه، وكان يحيى أكبر من عيسى بثلاث سنين.

وقال بعضهم صدقه وهو في بطن أمه، كانت أم يحيى عند مريم، إذ سجد يحيى بالتحية لعيسى، وكل واحد منهما كان في بطن أمه، وذلك قوله مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ الله وَسَيِّداً يعني حكيماً وَحَصُوراً يعني لا يأتي النساء، وهو قول الكلبي.

وقال سعيد بن جبير: السيد الذي يملك غضبه، والحصور الذي لا يأتي النساء.

وقال مقاتل: يعني لا ماء له، يعني أن يحيى لم يكن له ماء في الصلب.

وقال بعضهم: هذا لا يصح، لأن العنة عيب بالرجال، والنبي لا يكن معيباً، ولكن معناه أنه كان مانعاً نفسه من الشهوات، لأن الذي يمنع نفسه من الشهوات مع قدرته، كانت فضيلته أكثر من الذي لا قدرة له، ثم قال تعالى: وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ يعني أن يحيى كان نبياً من الصالحين، فلما بشره جبريل بذلك قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ قال ذلك على وجه التعجب، لا على وجه الشك، قال لجبريل: رب أي يا سيِّدي من أين يكون لي غلام؟

يعني ولد، وهذا قول الكلبي.

وقال بعضهم قوله رب، يعني قال: يا الله على وجه الدعاء، يا رب من أين يكون لي ولد؟

وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ قال القتبي: هذا من المقلوب، يعني بلغت الكبر.

وقال الكلبي: كان يوم بشر ابن تسعين سنة، وامرأته قريبة في السن منه.

وقال الضحاك: كان ابن مائة وعشرين سنة، فذلك قوله، وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ أي الهرم وَامْرَأَتِي عاقِرٌ لا تلد قالَ كَذلِكَ قال بعضهم: تم الكلام عند قوله كذلك، يعني هكذا كما قلت: إنه قد بلغك الكبر، وامرأتك عاقر ثم قال تعالى: اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشاءُ وقال بعضهم: معناه.

قال: كذلك يعني الله تعالى هكذا قال: إِنَّهُ يكون لك ولد، والله يفعل ما يشاء، إن شاء أعطاك الولد في حال الصغر، وإن شاء في حال الكبر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

دَلَّ علَيْه ما ذُكِرَ، تقديره: فَقَبِلَ اللَّهُ دُعَاءَهُ، وبَعَثَ المَلَكَ، أو الملائكة، فنادتْهُ، وذكر جمهورُ المفسِّرين أنَّ المنادِي إِنما هو جبريلُ، وقال قومٌ: بل نادته ملائكةٌ كثيرةٌ حسْبما تقتضيه ألفاظ الآيةِ، قلت: وهذا هو الظاهرُ، ولا يعدل عنه إِلا أن يصحَّ في ذلك حديث عنه صلّى الله عليه وسلّم، فيتّبع.

وقوله تعالى: فَنادَتْهُ عبارةٌ تستعملُ في التبشيرِ، وفي ما ينبغي أنْ يسرع/ به، وينهى إِلى نفس السامعِ ليسرَّ به، فلم يكُنْ هذا من الملائكةِ إِخباراً على عرف الوحْيِ، بل نداء كما نادَى الرَّجُلُ الأنصاريُّ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ مِنْ أعلى الجَبَلِ.

وقوله تعالى: وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ، يعني: ب «المِحْرَابِ» في هذا الموضعِ: موقفَ الإِمامِ من المسجدِ، ويَحْيَى: اسم سمَّاه اللَّه به قَبْلَ أنْ يولَدَ، ومُصَدِّقاً نصْبٌ على الحال، قال ابنُ عَبَّاس وغيره: الكلمةُ هنا يرادُ بها عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ.

قال ع «١» : وسَمَّى اللَّه تعالى عيسى كلمةً، إِذْ صدر عن كَلِمةٍ منه تعالى، وهي «كُنْ» ، لا بسبب إِنسان.

وقوله تعالى: وَسَيِّداً: قال قتادة: أيْ: واللَّهِ سَيِّدٌ في الحِلْمِ والعبادةِ والوَرَعِ «٢» .

قال ع «٣» : مَنْ فَسَّر السؤدد بالحِلْمِ، فقَدْ أحرز أكْثَر معنى السؤددِ، ومَنْ جَرَّد تفسيره بالعِلْمِ والتقى ونحوه، فلم يفسِّره بحَسَب كلامِ العربِ، وقد تحصَّل العلْم ليحيى- عليه السلام- بقوله: مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ، وتحصَّل التقى بباقِي الآية، وخصَّه اللَّه بذكْرِ السؤددِ الذي هو الاعتمال في رِضَا النَّاس على أشْرَفِ الوجوهِ، دون أنْ يوقعِ في باطِل هذا اللفظ يعمُّ السؤددَ، وتفصيلُهُ أن يقالَ: بذل الندى، وهذا هو الكَرَمُ، وكَفُّ الأذى، وهنا

هي العفةُ بالفَرْج، واليَدِ، وَاللِّسان، واحتمال العظائم، وهنا هو الحِلْمُ وغيرُهُ مِنْ تحمُّلِ الغراماتِ والإِنقاذِ من الهَلَكَاتِ، وجَبْرِ الكَسِيرِ، والإفضالِ على المسترفد، وانظر قول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ، وَلاَ فَخْرَ» «١» ، وذكر حديثَ الشفاعةِ في إِطلاق الموقِفِ، وذلك منه اعتمال في رِضَا ولد آدم، ثم:

قال ع «٢» : أما أنه يحسن بالتقيِّ العَالِمِ أنْ يأخُذَ من السؤدد بكلِّ ما لا يخلُّ بعلمه وتقاه، وهكذا كان يحيى- عليه السلام-.

وقوله تعالى: وَحَصُوراً أصل هذه اللفظة: الحَبْسُ والمَنْعُ، ومنه: حصر العدو.

قال ع «٣» : وأجمعَ مَنْ يعتدُّ بقوله من المفسِّرين على أنَّ هذه الصفة ليحيى- عليه السلام- إِنما هي الاِمتناعُ من وطْءِ النِّسَاءِ إِلاَّ ما حكى مكِّيٌّ من قول من قَالَ: إِنه الحُصُور عن الذنوب، وذهب بَعْضُ العلماءِ إلى أنَّ حَصْرَهُ كان بأنه يُمْسِكُ نفسه تُقًى وجَلَداً في طاعة اللَّه سبحانه، وكانتْ به القُدْرة على جِمَاعِ النساءِ، قالوا: وهذه أمْدَحُ له، قال الإِمام الفَخْر «٤» : وهذا القولُ هو اختيار المحقِّقين أنه لا يأتِي النِّساء، لا للعَجْز، بل للعِصْمَةِ والزُّهْد.

قلْتُ: قال عِيَاضٌ: اعلم أنَّ ثناء اللَّه تعالى على يحيى- عليه السلام- بأنه حَصُورٌ، ليس كما قال بعضْهم: إِنه كان هَيُوباً «٥» أو لا ذَكَرَ لَهُ، بل قد أنكر هذا حُذَّاق المفسِّرِين، ونُقَّادُ العلماء، وقالوا: هذه نقيصةٌ وعَيْب، ولا تليقُ بالأنبياء- عليهم السلام-، وإِنما معناه: معصومٌ من الذُّنُوب، أي: لا يأتيها كأنه حُصِرَ عنها «٦» ، وقيل: مانعاً نفسه من الشهوات، وقيل: ليستْ له شهوةٌ في النساءِ كفَايَةً من اللَّه له لكونها مشغلة في كثير من

الأوقات، حاطَّة إِلى الدنيا، ثم هي في حَقِّ مَنْ أُقْدِرَ عَلَيْها، وقام بالواجب فيها، ولم تَشْغَلْهُ عن ربِّهِ- درجةٌ عُلْيَا، وهي درجة نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، أيْ: وسائرِ النبيِّين.

اهـ من «الشِّفَا» «١» .

وباقي الآية بيِّن.

ورُوِيَ مِنْ صلاحه/- عليه السلام- أنَّهُ كان يعيشُ من العُشْب، وأنه كان كثير البُكَاء من خَشْية اللَّه حتى اتخذ الدمع في وجهه أخدودا.

ص: ومِنَ الصَّالِحِينَ، أي: من أصلاب الأنبياء، أو صالحاً من الصَّالحين، فيكون صفةً لموصوفٍ محذوفٍ.

اهـ.

قلت: والثاني أحْسَنُ، والأولُ تحصيلُ الحاصلِ، فتأمَّله.

وقوله تعالى: قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ ...

الآية: ذهب الطَّبَرِيُّ «٢» وغيره إِلي أنَّ زكريَّا لَمَّا رأى حال نَفْسه، وحال امرأته، وأنها ليستْ بحالِ نسلٍ، سأل عن الوَجْه الذي به يكونُ الغلامُ، أتبدلُ المرأةُ خِلْقَتَهَا أمْ كيْفَ يكُون؟

قال ع «٣» : وهذا تأويلٌ حسن لائقٌ بزكريَّا- عليه السلام-.

وأَنَّى: معناها: كَيْفَ، ومِنْ أَيْنَ، وحسن في الآية بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ من حيثُ هي عبارةُ وَاهِنٍ منفعلٍ.

وقوله: كَذلِكَ، أي: كهذه القُدْرةِ المستغْرَبَةِ قُدْرَةُ اللَّهِ، ويحتمل أن تكون الإِشارة بذلك إلى حال زكريَّا، وحالِ امرأتِهِ كأنه قال: رَبِّ، على أيِّ وجه يكونُ لنا غلامٌ، ونحن بحالِ كذا، فقال له: كما أَنْتُمَا يكونُ لكُمَا الغلامُ، والكلامُ تامٌّ على هذا التأويل في قوله:

كَذلِكَ.

وقوله: اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشاءُ: جملةٌ مبيّنة مقرِّرة في النفْسِ وقوعَ هذا الأمْر المستغْرَبِ.

وقوله: قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً، أي: علامة، قالَتْ فرقة من المفسِّرين لم يكن

هذا من زكريَّا على جهة الشكِّ، وإِنما سأل علامةً على وَقْت الحَمْلِ.

وقوله تعالى: آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ...

الآية: قال الطبريُّ وغيره: لم يكُنْ منعه الكلامَ لآفة، ولكنه مُنِعَ محاورةَ النَّاس، وكان يَقْدِرُ على ذكر اللَّه، ثم استثنى الرَّمْز، وهو استثناءٌ مُنْقَطِعٌ، والكلام المرادُ في الآية: إِنما هو النطْقُ باللِّسَان، لا الإِعلام بما في النَّفْس، والرَّمْزُ في اللغة: حركةٌ تُعْلِمُ بما في نَفْسِ الرَّامِزِ كانت الحركةُ من عَيْنٍ، أو حاجبٍ، أو شَفَةٍ، أو يدٍ، أو عُودٍ، أو غيرِ ذلك، وقد قيل للكَلاَمِ المحرَّف عن ظاهره: رُمُوز.

وأَمَرَهُ تعالى بالذِّكْر لربه كثيراً لأنه لم يَحُلْ بينه وبين ذكْر اللَّه، وهذا قاضٍ بأنه لم تدركْهُ آفَةٌ ولا علَّة في لسانِهِ، قال محمَّد بن كَعْبٍ القُرَظِيّ: لو كان اللَّه رخَّصَ لأحدٍ في ترك الذِّكْر، لرخَّص لزكريَّاء- عليه السلام- حيث قال: آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً، لكنه قال له: اذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً «١» قال الإِمام الفَخْر «٢» : وفي الآية تأويلان:

أحدهما: أنَّ اللَّه تعالى حبس لسانه عن أمور الدنيا، وأقدره علَى الذِّكْر والتَّسْبيحِ والتهليلِ ليكون في تلك المدَّة مشتغلاً بذكْرِ اللَّه وطاعته شُكْراً للَّه على هذه النِّعْمة، ثم أعلم أنَّ هذه الواقعة كانَتْ مشتملةً علَى المُعْجِزِ من وجوه:

أحدها: أنَّ قدرته على الذكْرِ والتَّسبيحِ، وعَجْزَه عن التكلُّم بأمور الدنْيَا من المُعْجِزَات.

وثانيها: أنَّ حصولَ ذلك العَجْز مع صحّة البنية من المعجزاتِ.

وثالثها: أن إِخباره بأنه متى حصلَتْ تلْكَ الحالةُ، فقَدْ حصل الولد، ثم إِنَّ الأمر خرج على وفَقْ هذا الخبرِ يكون أيضاً من المعجزات.

والتأويل الثَّاني: أن المراد منه الذكْر بالقَلْب وذلك لأن المستغْرِقِينَ في بِحَارِ معرفة اللَّه تعالى عادتهم في أوَّل الأمر أنْ يواظِبُوا على الذكْرِ اللِّسَانِيِّ مدةً، فإِذا امتلأ القَلْبُ من نُور ذِكْرِ اللَّه تعالى/، سكَتُوا باللِّسَان، وبقي الذِّكْرُ في القَلْب ولذلك قالوا: «مَنْ عَرَفَ اللَّه، كَلَّ لِسَانُهُ» ، فكان زكريَّاء- عليه السلام- أمر بالسُّكُوت باللّسان واستحضار معاني

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: فَنادَتْهُ بِالتّاءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: فَناداهُ بِألِفٍ مُمالَةٍ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: هو كَقَوْلِهِ تَعالى: (وَقالَ نِسْوَةٌ) [ يُوسُفَ: ٢٠ ] .

وقَرَأ عَلِيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ: "فَناداهُ" بِألِفٍ.

وفي المَلائِكَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: جِبْرِيلُ وحْدَهُ، قالَ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ، ووَجْهُهُ أنَّ العَرَبَ تُخْبِرُ عَنِ الواحِدِ بِلَفْظِ الجَمْعِ، تَقُولُ: رَكِبْتُ في السُّفُنِ، وسَمِعْتُ هَذا مِنَ النّاسِ.

والثّانِي: أنَّهم جَماعَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ، وهو مَذْهَبُ قَوْمٍ، مِنهُمُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ.

وفي المِحْرابِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ المَسْجِدُ.

والثّانِي: أنَّهُ قِبْلَةُ المَسْجِدِ.

وفي تَسْمِيَةِ مِحْرابِ الصَّلاةِ مِحْرابًا، ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: لِانْفِرادِ الإمامِ فِيهِ، وبُعْدِهِ مِنَ النّاسِ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: فُلانٌ حَرْبٌ لِفُلانٍ: إذا كانَ بَيْنَهُما مُباغَضَةٌ، وتَباعُدٌ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْ أبِيهِ، عَنْ أحْمَدَ بْنِ عُبَيْدٍ.

والثّانِي: أنَّ المِحْرابَ في اللُّغَةِ أشْرَفُ الأماكِنِ، وأشْرَفُ المَسْجِدِ مَقامُ الإمامِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ مِنَ الحَرْبِ فالمُصَلِّي مُحارِبٌ لِلشَّيْطانِ.

قَوْلُهُ تَعالى: (أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ) قَرَأ الأكْثَرُونَ بِفَتْحِ الألِفِ عَلى مَعْنى: فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ بِأنَّ اللَّهَ، فَلَمّا حُذِفَ الجارُّ مِنها، وصَلَ الفِعْلُ إلَيْها، فَنَصَبَها.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، بِكَسْرِ "إنْ" فَأضْمَرَ القَوْلَ.

والتَّقْدِيرُ: فَنادَتْهُ، فَقالَتْ: إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: يُبَشِّرُكِ بِضَمِّ الياءِ: وفَتْحُ الباءِ، والتَّشْدِيدُ في جَمِيعِ القُرْآَنِ إلّا في (حم عسق) .

(يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ) [ الشُّورى: ٢٣ ] فَإنَّهُما فَتَحا الياءَ وضَمّا الشِّينَ، وخَفَّفاها.

فَأمّا نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، فَشَدَّدا كُلَّ القُرْآَنِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ: "يُبَشِّرُ" خَفِيفًا في كُلِّ القُرْآَنِ، إلّا قَوْلُهُ تَعالى: (فَبِمَ تُبَشِّرُونَ) [ الحِجْرِ: ٥٤ ] .

وقَرَأ الكِسائِيُّ "يُبَشِّرُ" مُخَفَّفَةً في خَمْسَةِ مَواضِعَ، في (آَلِ عِمْرانَ) في قِصَّةِ زَكَرِيّاءَ، وقِصَّةُ مَرْيَمَ، وفي بَنِي (إسْرائِيلَ)، وفي (الكَهْفِ) وفي (حم عسق) قالَ الزَّجّاجُ: وُفي "يُبَشِّرُكَ" ثَلاثُ لُغاتٍ.

أحَدُها: يُبَشِّرُكِ، بِفَتْحِ الباءِ وتَشْدِيدِ الشِّينِ.

والثّانِيَةُ: "يَبْشُرُكَ" بِإسْكانِ الباءِ، وضَمِّ الشِّينِ.

والثّالِثَةُ: "يُبْشِرُكِ" بِضَمِّ الياءِ وإسْكانِ الباءِ، فَمَعْنى "يُبَشِّرُكِ" بِالتَّشْدِيدِ و"يُبْشِرُكِ" بِضَمِّ الياءِ: البِشارَةُ.

ومَعْنى "يَبْشُرُكِ" بِفَتْحِ الياءِ: يَسُرُّكَ ويُفْرِحُكَ، يُقالُ: بَشَّرْتُ الرَّجُلَ أُبَشِّرُهُ: إذا أفْرَحْتُهُ، وبُشِّرَ الرَّجُلُ يُبَشَّرُ: إذا فَرِحَ.

وَأنْشَدَ الأخْفَشُ والكِسائِيُّ: وإذا لَقِيتَ الباهِشِينَ إلى العُلى غُبْرًا أكُفَّهُمُ بِقاعٍ مُمَحَّلِ فَأعِنْهم وابْشَرْ بِما بَشِرُوا بِهِ ∗∗∗ وإذا هم نَزَلُوا بِضَنْكٍ فانْزِلِ فَهَذا عَلى بَشَرَ يَبْشَرُ: إذا فَرِحَ.

وأصْلُ هَذا كُلُّهُ أنَّ بَشْرَةَ الإنْسانِ تَنْبَسِطُ عِنْدَ السُّرُورِ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: يَلْقانِي بِبِشْرٍ.

أيْ: بِوَجْهٍ مُنْبَسِطٍ، وفي مَعْنى تَسْمِيَتِهِ "يَحْيى" خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أحْيا بِهِ عُقْرَ أُمِّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أحْيا قَلْبَهُ بِالإيمانِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: لِأنَّهُ أحْياهُ بَيْنَ شَيْخٍ وعَجُوزٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والرّابِعُ: لِأنَّهُ حَيِيٌّ بِالعِلْمِ والحِكْمَةِ الَّتِي أُوتِيَها، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والخامِسُ: لِأنَّ اللَّهَ أحْياهُ بِالطّاعَةِ، فَلَمْ يَعْصِ، ولَمْ يَهِمَّ، قالَهُ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ.

وفي "الكَلِمَةِ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها عِيسى، وسُمِّيَ كَلِمَةً، لِأنَّهُ بِالكَلِمَةِ كانَ، وهي "كُنْ" وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ، ومُقاتِلٍ.

وقِيلَ: إنَّ يَحْيى كانَ أكْبَرَ مِن عِيسى بِسِتَّةِ أشْهُرٍ، وقُتِلَ يَحْيى قَبْلَ رَفْعِ عِيسى.

والثّانِي: أنَّ الكَلِمَةَ كِتابُ اللَّهِ وآَياتُهُ، وهو قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ في آَخَرِينَ ووَجْهُهُ أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: أنْشَدَنِي فُلانٌ كَلِمَةً، أيْ: قَصِيدَةً.

وفي مَعْنى السَّيِّدِ ثَمانِيَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الكَرِيمُ عَلى رَبِّهِ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ.

والثّانِي: أنَّهُ الحَلِيمُ التَّقِيُّ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الحَكِيمُ، قالَهُ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، وعَطاءٌ، وأبُو الشَّعْثاءِ، والرَّبِيعُ، ومُقاتِلٌ.

والرّابِعُ: أنَّهُ الفَقِيهُ العالِمُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ.

والخامِسُ: أنَّهُ التَّقِيُّ، رَواهُ سالِمٌ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ.

والسّادِسُ: أنَّهُ الحَسَنُ الخُلُقِ، رَواهُ أبُو رَوْقٍ عَنِ الضَّحّاكِ.

والسّابِعُ: أنَّهُ الشَّرِيفُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والثّامِنُ: أنَّهُ الَّذِي يَفُوقُ قَوْمَهُ في الخَيْرِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: السَّيِّدُ هاهُنا: الرَّئِيسُ، والإمامُ في الخَيْرِ.

فَأمّا "الحَصُورُ" فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو الَّذِي لا يَأْتِي النِّساءَ، وهو فَعَوْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، كَأنَّهُ مَحْصُورٌ عَنْهُنَّ، أيْ: مَحْبُوسٌ عَنْهُنَّ.

وأصْلُ الحَصْرِ: الحَبْسُ.

ومِمّا جاءَ عَلى "فَعُولٍ" بِمَعْنى "مَفْعُولٍ" رُكُوبٌ بِمَعْنى مَرْكُوبٌ، وحَلُوبٌ بِمَعْنى مَحْلُوبٌ، وهَيُوبٌ بِمَعْنى مَهِيبٌ.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ لِماذا كانَ لا يَأْتِي النِّساءَ؟

عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ ما يَأْتِي بِهِ النِّساءَ، فَرَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو بْنِ العاصِ عَنِ النَّبِيِّ  ، أنَّهُ قالَ: « "كُلُّ بَنِي آَدَمَ يَأْتِي يَوْمَ القِيامَةِ ولَهُ ذَنْبٌ إلّا ما كانَ مِن يَحْيى بْنِ زَكَرِيّا" قالَ: ثُمَّ دَلّى رَسُولُ اللَّهِ  يَدَهُ إلى الأرْضِ، فَأخَذَ عُودًا صَغِيرًا، ثُمَّ قالَ: "وَذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ ما لِلرِّجالِ إلّا مِثْلَ هَذا العُودِ، ولِذَلِكَ سَمّاهُ اللَّهُ سَيِّدًا وحَصُورًا"» وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ: كانَ لَهُ كالنَّواةِ.

.

والثّانِي: أنَّهُ كانَ لا يَنْزِلُ الماءُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ كانَ لا يَشْتَهِي النِّساءَ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ.

والرّابِعُ: أنَّهُ كانَ يَمْنَعُ نَفْسَهُ مِن شَهَواتِها، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْناهُ: مِنَ الصّالِحِي الحالِ عِنْدَ اللَّهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إنَّكَ سَمِيعُ الدُعاءِ ﴾ ﴿ فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ وهو قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ أنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهَ وسَيِّدًا وحَصُورًا ونَبِيًّا مِنَ الصالِحِينَ ﴾ هُناكَ - في كَلامِ العَرَبِ - إشارَةٌ إلى مَكانٍ فِيهِ بُعْدٌ أو زَمانٌ، وهُنالِكَ بِاللامِ - أبْلَغُ في الدَلالَةِ عَلى البُعْدِ، ولا يُعْرَبُ "هُنالِكَ" لِأنَّهُ إشارَةٌ فَأشْبَهَ الحُرُوفَ الَّتِي جاءَتْ لِمَعْنىً.

ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ في الوَقْتِ الَّذِي رَأى زَكَرِيّا رِزْقَ اللهِ لِمَرْيَمَ ومَكانَتَها مِنهُ، وفَكَّرَ في أنَّها جاءَتْ أُمَّها بَعْدَ أنْ أسَنَّتْ، وأنَّ اللهَ تَقَبَّلَها وجَعَلَها مِنَ الصالِحاتِ، تَحَرَّكَ أمَلُهُ لِطَلَبِ الوَلَدِ وقَوِيَ رَجاؤُهُ، وذَلِكَ مِنهُ عَلى حالِ سِنٍّ ووَهْنِ عَظْمٍ واشْتِعالِ شَيْبٍ، وذَلِكَ لِخَوْفِهِ المَوالِيَ مِن ورائِهِ - حَسْبَما يَتَفَسَّرُ في سُورَةِ مَرْيَمَ إنْ شاءَ اللهُ - فَدَعا رَبَّهُ أنْ يَهَبَ لَهُ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً.

و"الذُرِّيَّةُ": اسْمُ جِنْسٍ يَقَعُ عَلى واحِدٍ فَصاعِدًا كَما الوَلِيُّ اسْمُ جِنْسٍ كَذَلِكَ، وقالَ الطَبَرِيُّ: إنَّما أرادَ هُنا بِالذُرِّيَّةِ واحِدًا ودَلِيلُ ذَلِكَ طَلَبُهُ ولِيًّا ولَمْ يَطْلُبْ أولِياءَ، وأنَّثَ "الطَيِّبَةَ" حَمْلًا عَلى لَفْظِ الذُرِّيَّةِ كَما قالَ الشاعِرُ: أبُوكَ خَلِيفَةٌ ولَدَتْهُ أُخْرى ∗∗∗ وأنْتَ خَلِيفَةٌ ذاكَ الكَمالُ وَكَما قالَ الآخَرُ: فَما تَزْدَرِي مِن حَيَّةٍ جَبَلِيَّةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ سُكاتٍ إذا ما عَضَّ لَيْسَ بِأدْرَدا وفِيما قالَ الطَبَرِيُّ تَعَقُّبٌ، وإنَّما الذُرِّيَّةُ والوَلِيُّ اسْما جِنْسٍ يَقَعانِ لِلْواحِدِ فَما زادَ، وهَكَذا كانَ طَلَبُ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَلامُ، و"طَيِّبَةً" مَعْناهُ: سَلِيمَةٌ في الخُلُقِ والدِينِ نَقِيَّةٌ، "سَمِيعُ" في هَذِهِ الآيَةِ بِناءُ اسْمِ فاعِلٍ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ ﴾ وتُرِكَ مَحْذُوفٌ كَثِيرٌ دَلَّ ما ذُكِرَ عَلَيْهِ، تَقْدِيرُهُ: فَقَبِلَ اللهُ دُعاءَهُ، ووَهَبَهُ يَحْيى، وبَعَثَ المَلَكَ أوِ المَلائِكَةَ بِذَلِكَ إلَيْهِ، فَنادَتْهُ، وذُكِرَ أنَّهُ كانَ بَيْنَ دُعائِهِ والِاسْتِجابَةِ لَهُ بِالبِشارَةِ أرْبَعُونَ سَنَةً، وذَكَرَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ أنَّ المُنادِي المُخْبِرَ إنَّما كانَ جِبْرِيلَ وحْدَهُ، وهَذا هو العُرْفُ في الوَحْيِ إلى الأنْبِياءِ، وقالَ قَوْمٌ: بَلْ نادَتْ مَلائِكَةٌ كَثِيرَةٌ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ ألْفاظُ الآيَةِ.

وقَدْ وجَدْنا اللهَ تَعالى بَعَثَ مَلائِكَةً إلى لُوطٍ وإلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ وفي غَيْرِ ما قِصَّةٍ.

وفِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ وقِراءَتِهِ: "فَناداهُ جِبْرِيلُ وهو قائِمٌ يُصَلِّي".

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وعاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو: "فَنادَتْهُ" بِالتاءِ "المَلائِكَةُ"، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "فَناداهُ المَلائِكَةُ" - بِالألِفِ وإمالَةِ الدالِ -.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن قَرَأ بِالتاءِ فَلِمَوْضِعِ الجَماعَةِ،والجَماعَةُ مِمَّنْ يَعْقِلُ في جَمْعِ التَكْسِيرِ؛ تَجْرِي مَجْرى ما لا يَعْقِلُ، ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: هي الرِجالُ كَما تَقُولُ: هي الجُذُوعُ وهي الجِمالُ، ومِثْلُهُ "قالَتِ الأعْرابُ".

فَفَسَّرَ أبُو عَلِيٍّ عَلى أنَّ المُنادِيَ مَلائِكَةٌ كَثِيرَةٌ، والقِراءَةُ بِالتاءِ عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ: المُنادِي جِبْرِيلُ وحْدَهُ مُتَّجِهَةً عَلى مُراعاةِ لَفْظِ المَلائِكَةِ، وعَبَّرَ عن جِبْرِيلَ بِالمَلائِكَةِ إذْ هو مِنهُمْ، فَذَكَرَ اسْمَ الجِنْسِ كَما قالَ تَعالى: "الَّذِينَ قالَ لَهُمُ الناسُ"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: ومَن قَرَأ: "فَناداهُ المَلائِكَةُ"، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: "وَقالَ نِسْوَةٌ في المَدِينَةِ".

قالَ القاضِي: وهَذا عَلى أنَّ المُنادِيَ كَثِيرٌ، ومَن قالَ إنَّهُ جِبْرِيلُ وحْدَهُ كالسُدِّيِّ وغَيْرِهِ فَأفْرَدَ الفِعْلَ مُراعاةً لِلْمَعْنى، وعَبَّرَ عن جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ بِالمَلائِكَةِ إذْ هو اسْمُ جِنْسِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "فَنادَتْهُ" عِبارَةٌ تُسْتَعْمَلُ في التَبْشِيرِ وفِيما يَنْبَغِي أنْ يُسْرَعَ بِهِ ويُنْهى إلى نَفْسِ السامِعِ لِيُسَرَّ بِهِ، فَلَمْ يَكُنْ هَذا مِنَ المَلائِكَةِ إخْبارًا عَلى عُرْفِ الوَحْيِ، بَلْ نِداءً كَما نادى الرَجُلُ الأنْصارِيُّ كَعْبَ بْنَ مالِكٍ مِن أعْلى الجَبَلِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُوَ قائِمٌ  ﴾ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ، و"يُصَلِّي" صِفَةٌ لِـ "قائِمٌ"، و"المِحْرابِ" في هَذا المَوْضِعِ مَوْقِفُ الإمامِ مِنَ المَسْجِدِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ: "إنَّ اللهَ" بِكَسْرِ الألِفِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا عَلى إضْمارِ القَوْلِ، كَأنَّهُ قالَ: "فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ" فَقالَتْ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: "فَدَعا رَبَّهُ إنِّي مَغْلُوبٌ" عَلى قِراءَةِ مَن كَسَرَ الألِفَ، وقالَ بَعْضُ النُحاةِ: كُسِرَتْ بَعْدَ النِداءِ والدُعاءِ لِأنَّ النِداءَ والدُعاءَ أقْوالٌ.

وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الألِفِ مِن قَوْلِهِ: "أنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ" قالَ أبُو عَلِيٍّ: المَعْنى: فَنادَتْهُ بِأنَّ اللهَ، فَلَمّا حُذِفَ الجارُّ مِنها وصَلَ الفِعْلُ إلَيْها فَنَصَبَها، فَأنَّ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، وعَلى قِياسِ قَوْلِ الخَلِيلِ في مَوْضِعِ جَرٍّ.

وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ "فِي المِحْرابِ يا زَكَرِيّاءُ إنَّ اللهَ"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: فَقَوْلُهُ: "زَكَرِيّاءُ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِوُقُوعِ النِداءِ عَلَيْهِ، ولا يَجُوزُ فَتْحُ الألِفِ في "إنَّ" عَلى هَذِهِ القِراءَةِ لِأنَّ "نادَتْهُ" قَدِ اسْتَوْفَتْ مَفْعُولَيْها، أحَدُهُما الضَمِيرُ،، والآخَرُ المُنادى، فَإنْ فَتَحْتَ "إنَّ" لَمْ يَبْقَ لَها شَيْءٌ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وكُلُّهم قَرَأ: "فِي المِحْرابِ" بِفَتْحِ الراءِ - إلّا ابْنَ عامِرٍ فَإنَّهُ أمالَها، وأطْلَقَ ابْنُ مُجاهِدٍ القَوْلَ في إمالَةِ ابْنِ عامِرٍ الألِفَ مِن "مِحْرابْ" ولَمْ يَخُصَّ بِهِ الجَرَّ مِن غَيْرِهِ، وقالَ غَيْرُ ابْنِ مُجاهِدٍ: إنَّما نُمِيلُهُ في الجَرِّ فَقَطْ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: "يُبَشِّرُكَ"، بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الباءِ والتَشْدِيدِ - في كُلِّ القُرْآنِ إلّا فِي: "عسق" فَإنَّهُما قَرَآ "ذَلِكَ الَّذِي يَبْشُرُ اللهُ عِبادَهُ: - بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الباءِ وضَمِّ الشِينِ، وقَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ: "يُبَشِّرُكَ" بِشَدِّ الشِينِ المَكْسُورَةِ في كُلِّ القُرْآنِ، وقَرَأ حَمْزَةُ: "يَبْشُرُ" خَفِيفًا - بِضَمِّ الشِينِ "مِمّا لَمْ يَقَعْ" في كُلِّ القُرْآنِ إلّا قَوْلَهُ تَعالى: "فَبِمَ تُبَشِّرُونَ".

وقَرَأ الكِسائِيُّ: "يَبْشُرُ" مُخَفَّفَةً في خَمْسَةِ مَواضِعَ: في آلِ عِمْرانَ في قِصَّةِ زَكَرِيّا وقِصَّةِ مَرْيَمَ، وفي سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ والكَهْفِ: "وَيَبْشُرُ المُؤْمِنِينَ" وفي عسق- "يَبْشُرُ اللهُ عِبادَهُ".

قالَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ اللُغَوِيِّينَ: في هَذِهِ اللَفْظَةِ ثَلاثُ لُغاتٍ، بَشَّرَ بِشَدِّ الشِينِ، وبَشَرَ بِتَخْفِيفِها، وأبْشَرَ يُبْشِرُ إبْشارًا، وهَذِهِ القِراءاتُ كُلُّها مُتَّجِهَةٌ فَصِيحَةٌ مَرْوِيَّةٌ، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "يُبْشِرُكَ" -بِضَمِّ الياءِ وتَخْفِيفِ الشِينِ المَكْسُورَةِ- مِن "أبْشَرَ" وهَكَذا قَرَأ في كُلِّ القُرْآنِ.

و"يَحْيى" اسْمٌ سَمّاهُ اللهُ بِهِ قَبْلَ أنْ يُولَدَ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: هو اسْمٌ بِالعِبْرانِيَّةِ صادَفَ هَذا البِناءَ، والمَعْنى مِنَ العَرَبِيَّةِ، قالَ الزَجّاجُ: لا يَنْصَرِفُ لِأنَّهُ إنْ كانَ أعْجَمِيًّا فَفِيهِ التَعْرِيفُ والعُجْمَةُ، وإنْ كانَ عَرَبِيًّا فالتَعْرِيفُ ووَزْنُ الفِعْلِ، وقالَ قَتادَةُ: سَمّاهُ اللهُ يَحْيى لِأنَّهُ أحْياهُ بِالإيمانِ و"مُصَدِّقًا" نُصِبَ عَلى الحالِ، وهي مُؤَكِّدَةٌ بِحَسَبِ حالِ هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ"، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ والحَسَنُ والسُدِّيُّ وغَيْرُهُمُ: الكَلِمَةُ هُنا يُرادُ بِها عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ.

وسَمّى اللهُ تَعالى عِيسى كَلِمَةً إذْ صَدَرَ عن كَلِمَةٍ مِنهُ تَعالى لا بِسَبَبِ إنْسانٍ آخَرَ كَعُرْفِ البَشَرِ.

ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ أنَّ امْرَأةَ زَكَرِيّاءَ قالَتْ لِمَرْيَمَ وهُما حامِلَتانِ: إنِّي أجِدُ ما في بَطْنِي يَتَحَرَّكُ لِما في بَطْنِكِ، وفي بَعْضِ الرِواياتِ: يَسْجُدُ لِما في بَطْنِكِ قالَ: فَذَلِكَ تَصْدِيقُهُ، أيْ: أوَّلُ التَصْدِيقِ.

وقالَ بَعْضُ الناسِ: "بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ" مَعْناهُ: بِكِتابٍ مِنَ اللهِ، الإنْجِيلِ وغَيْرِهِ مِن كُتُبِ اللهِ، فَأوقَعَ المُفْرَدَ مَوْقِعَ الجَمْعِ، فَـ "كَلِمَةٍ": اسْمُ جِنْسٍ، وعَلى هَذا النَظَرِ سَمَّتِ العَرَبُ القَصِيدَةَ الطَوِيلَةَ كَلِمَةً.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَسَيِّدًا ﴾ قالَ فِيهِ قَتادَةُ: أيْ واللهِ، سَيِّدٌ في الحِلْمِ والعِبادَةِ والوَرَعِ، وقالَ مَرَّةً: مَعْناهُ: في العِلْمِ والعِبادَةِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: "وَسَيِّدًا" أيْ حَلِيمًا، وقالَ مَرَّةً: السَيِّدُ: التَقِيُّ، وقالَ الضَحّاكُ: "وَسَيِّدًا" أيْ تَقِيًّا حَلِيمًا، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: السَيِّدُ الشَرِيفُ، وقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: السَيِّدُ الفَقِيهُ العالِمُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "وَسَيِّدًا" يَقُولُ، تَقِيًّا حَلِيمًا، وقالَ عِكْرِمَةُ: السَيِّدُ الَّذِي لا يَغْلِبُهُ الغَضَبُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: كُلُّ مَن فَسَّرَ مِن هَؤُلاءِ العُلَماءِ المَذْكُورِينَ السُؤْدُدَ بِالحِلْمِ، فَقَدْ أحْرَزَ أكْثَرَ مَعْنى السُؤْدُدِ، ومَن جَرَّدَ تَفْسِيرَهُ بِالعِلْمِ والتُقى ونَحْوِهِ فَلَمْ يُفَسِّرْ بِحَسَبِ كَلامِ العَرَبِ، وقَدْ تَحَصَّلَ العِلْمُ لِيَحْيى عَلَيْهِ السَلامُ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ ﴾ ، وتَحَصَّلَ التُقى بِباقِي الآيَةِ.

وخَصَّهُ اللهُ بِذِكْرِ السُؤْدُدِ الَّذِي هو الِاعْتِمالُ في رِضى الناسِ عَلى أشْرَفِ الوُجُوهِ دُونَ أنْ يَقَعَ في باطِلٍ- هَذا لَفْظٌ يَعُمُّ السُؤْدُدَ، وتَفْصِيلُهُ أنْ يُقالَ: بَذْلُ النَدى وهَذا هو الكَرَمُ، وكَفُّ الأذى وهُنا هي العِفَّةُ بِالفَرْجِ واليَدِ واللِسانِ، واحْتِمالُ العَظائِمِ وهُنا هو الحِلْمُ وغَيْرُهُ مِن تَحَمُّلِ الغَراماتِ وجَبْرِ الكَسِيرِ والإفْضالِ عَلى المُسْتَرْفِدِ والإنْقاذِ مِنَ الهَلَكاتِ.

وانْظُرْ أنَّ النَبِيَّ  قالَ: « "أنا سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ ولا فَخْرَ،» يَجْمَعُ اللهُ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ"، وذَكَرَ حَدِيثَ الشَفاعَةِ في إطْلاقِ المَوْقِفِ، وذَلِكَ مِنهُ احْتِمالٌ في رِضى ولَدِ آدَمَ فَهو سَيِّدُهم بِذَلِكَ.

وقَدْ يُوجَدُ مِنَ الثِقاتِ العُلَماءِ مَن لا يَبْرُزُ في هَذِهِ الخِصالِ، وقَدْ يُوجَدُ مَن يَبْرُزُ في هَذِهِ فَيُسَمّى سَيِّدًا وإنْ قَصَّرَ في كَثِيرٍ مِنَ الواجِباتِ، أعْنِي واجِباتِ النَدْبِ والمُكافَحَةِ في الحَقِّ وقِلَّةِ المُبالاةِ بِاللائِمَةِ.

وقَدْ قالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ما رَأيْتُ أحَدًا أسْوَدَ مِن مُعاوِيَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ، قِيلَ لَهُ: وَأبُو بَكْرٍ وعُمَرُ؟

قالَ: هُما خَيْرٌ مِن مُعاوِيَةَ، ومُعاوِيَةُ أسْوَدُ مِنهُما.

فَهَذِهِ إشارَةٌ إلى أنَّ مُعاوِيَةَ بَرَزَ في هَذِهِ الخِصالِ ما لَمْ يُواقِعْ مَحْذُورًا؛ وأنَّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ كانا مِنَ الاسْتِضْلاعِ بِالواجِباتِ وتَتَبُّعِ ذَلِكَ مِن أنْفُسِهِما وإقامَةِ الحَقائِقِ عَلى الناسِ بِحَيْثُ كانا خَيْرًا مِن مُعاوِيَةَ، ومَعَ تَتَبُّعِ الحَقائِقِ، وحَمْلِ الناسِ عَلى الجادَّةِ، وقِلَّةِ المُبالاةِ بِرِضاهُمْ، والوَزْنِ بِقِسْطاسِ الشَرِيعَةِ تَحْرِيرًا يَنْخَرِمُ كَثِيرٌ مِن هَذِهِ الخِصالِ الَّتِي هي السُؤْدُدُ ويَشْغَلُ الزَمَنُ عنها.

والتُقى والعِلْمُ والأخْذُ بِالأشَدِّ أوكَدُ وأعْلى مِنَ السُؤْدُدِ، أمّا إنَّهُ يَحْسُنُ بِالتَقِيِّ العالِمِ أنْ يَأْخُذَ مِنَ السُؤْدُدِ بِكُلِّ ما لا يُخِلُّ بِعِلْمِهِ وتُقاهُ، وهَكَذا كانَ يَحْيى عَلَيْهِ السَلامُ، ولَيْسَ هَذا الَّذِي يَحْسُنُ بِواجِبٍ ولا بُدَّ، كَما لَيْسَ التَتَبُّعُ والتَحْرِيرُ في الشِدَّةِ بِواجِبٍ ولا بُدَّ، وهُما طَرَفا خَيْرٍ حَفَّتْهُما الشَرِيعَةُ، فَمِن صائِرٍ إلى هَذا ومِن صائِرٍ إلى هَذا، ومِثالُ ذَلِكَ، حاكِمٌ صَلِيبٌ مُعَبِّسٌ فَظٌّ عَلى مَن عِنْدَهُ أدْنى عِوَجٍ لا يَعْتَنِي في حَوائِجِ الناسِ، وآخَرُ بَسْطُ الوَجْهِ بَسّامٌ يَعْتَنِي فِيما يَجُوزُ، ولا يَتَتَبَّعُ ما لَمْ يُرْفَعْ إلَيْهِ ويُنَفِّذُ الحُكْمَ مَعَ رِفْقٍ بِالمَحْكُومِ عَلَيْهِ، فَهُما طَرِيقانِ حَسَنانِ.

وقَوْلُهُ: "وَحَصُورًا" أصْلُ هَذِهِ اللَفْظَةِ الحَبْسُ والمَنعُ، ومِنهُ الحَصِيرُ لِأنَّهُ يَحْصُرُ مَن جَلَسَ عَلَيْهِ، ومِنهُ سُمِّيَ السِجْنُ حَصِيرًا وجَهَنَّمُ حَصِيرًا، ومِنهُ حَصْرُ العَدُوِّ وإحْصارُ المَرَضِ والعُذْرِ، ومِنهُ قِيلَ: لِلَّذِي لا يُنْفِقُ مَعَ نُدَمائِهِ حَصُورٌ، قالَ الأخْطَلُ: وشارِبٍ مُرْبِحٍ بِالكَأْسِ نادَمَنِي ∗∗∗ ∗∗∗ لا بِالحَصُورِ ولا فِيها بِسَوّارِ ويُقالُ لِلَّذِي يَكْتُمُ السِرَّ حَصُورٌ وحَصِرٌ، قالَ جَرِيرٌ: ولَقَدْ تَساقَطَنِي الوُشاةُ فَصادَفُوا ∗∗∗ ∗∗∗ حَصِرًا بِسِرِّكِ يا أُمَيْمُ ضَنِينا وأجْمَعَ مَن يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ هَذِهِ الصِفَةَ لِيَحْيى عَلَيْهِ السَلامُ إنَّما هي الِامْتِناعُ مِن وطْءِ النِساءِ، إلّا ما حَكى مَكِّيٌّ مِن قَوْلِ مَن قالَ: إنَّهُ الحَصُورُ عَنِ الذُنُوبِ أيْ لا يَأْتِيها.

ورَوى ابْنُ المُسَيِّبِ عَنِ ابْنِ العاصِي- إمّا عَبْدُ اللهِ وإمّا أبُوهُ- عَنِ النَبِيِّ  ، أنَّهُ قالَ: « "كُلُّ بَنِي آدَمَ يَأْتِي يَوْمَ القِيامَةِ ولَهُ ذَنْبٌ إلّا ما كانَ مِن يَحْيى بْنِ زَكَرِيّاءَ" قالَ: ثُمَّ دَلّى رَسُولُ اللهِ  بِيَدِهِ إلى الأرْضِ فَأخَذَ عُوَيْدًا صَغِيرًا، ثُمَّ قالَ: "وَذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ ما لِلرِّجالِ إلّا مِثْلُ هَذا العُودِ، ولِذَلِكَ سَمّاهُ اللهُ سَيِّدًا وحَصُورًا"» وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الحَصُورُ: العِنِّينُ، وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: الحَصُورُ: الَّذِي لا يَأْتِي النِساءَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَحّاكُ: الحَصُورُ: الَّذِي لا يُنْزِلُ الماءَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ذَهَبَ بَعْضُ العُلَماءِ إلى أنَّ حَصْرَ يَحْيى عَلَيْهِ السَلامُ كانَ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلّا مِثْلُ الهُدْبَةِ، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ حَصْرَهُ كانَ لِأنَّهُ كانَ عِنِّينًا لا يَأْتِي النِساءَ وإنْ كانَتْ خِلْقَتُهُ غَيْرَ ناقِصَةٍ، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ حَصْرَهُ كانَ بِأنَّهُ كانَ يُمْسِكُ نَفْسَهُ تُقىً وجَلَدًا في طاعَةِ اللهِ، وكانَتْ بِهِ القُدْرَةُ عَلى جِماعِ النِساءِ.

قالُوا: وهَذا أمْدَحُ لَهُ ولَيْسَ لَهُ في التَأْوِيلَيْنِ الأوَّلَيْنِ مَدْحٌ، إلّا بِأنَّ اللهَ يَسَّرَ لَهُ شَيْئًا لا تَكَسُّبَ لَهُ فِيهِ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ، ورُوِيَ مِن صَلاحِهِ عَلَيْهِ السَلامُ أنَّهُ كانَ يَعِيشُ مِنَ العُشْبِ، وأنَّهُ كانَ كَثِيرَ البُكاءِ مِن خَشْيَةِ اللهِ حَتّى خَدَّدَ الدَمْعُ في وجْهِهِ طُرُقًا وأخادِيدَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الفاء في قوله: ﴿ فنادته الملائكة ﴾ للتعقيب أي استجيبت دعوته للوقت.

وقوله: ﴿ وهو قائم ﴾ جملة حالية والمقصود من ذكرها بيان سرعة إجابته؛ لأنّ دعاءه كان في صلاته.

ومقتضى قوله تعالى: ﴿ هنالك ﴾ والتفريع عليه بقوله: فنادته أنّ المحراب محراب مريم.

وقرأ الجمهور: فنادته بتاء تأنيث لِكون الملائكة جمعاً، وإسناد الفعل للجمع يجوز فيه التأنيث على تأويله بالجماعة أي نادته جماعة من الملائكة.

ويجوز أن يكون الذي ناداه ملكاً واحداً وهو جبريل وَقد ثبت التصريح بهذا في إنجيل لوقا، فيكون إسناد النداء إلى الملائكة من قبيل إسناد فعل الواحد إلى قبيلته كقولهم: قتلت بَكرٌ كُلَيباً.

وقرأه حمزة، والكسائي، وخلف: فناداه الملائكة على اعتبار المنادي واحداً من الملائكة وهو جبريل.

وقرأ الجمهور: أنّ الله بفتح همزة أن على أنه في محل جر بباء محذوفة أي نادته الملائكة بأنّ الله يبشرك بيحيى.

وقرأ ابن عامر وحمزة: إنّ بكسر الهمزة على الحكاية.

وعلى كلتا القراءتين فتأكيد الكلام بإنّ المفتوحة الهمزةِ والمكسورتِها لتحقيق الخبر؛ لأنّه لغرابته يُنزّل المخبَر به منزلة المتردّد الطالب.

ومعنى «يبشرك بيحيى» يبشرك بمولود يسمّى يحيى فعلم أن يحيى اسم لا فعل بقرينة دخول الباء عليه وذُكر في سورة مريم (7): ﴿ إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى ﴾ ويحيى معرّب يوحنا بالعبرانية فهو عجمي لا محالة نطق به العرب على زنة المضارع من حَيي وهو غير منصرف للعُجمة أو لوزن الفعل.

وقتل يحيى في كهولته عليه السلام بأمر (هيرودس) قبل رفع المسيح بمدة قليلة.

وقد ضمت إلى بشارته بالابن بشارة بطيبه كما رجَا زكرياء، فقيل له مصدّقاً بكلمةٍ من الله، فمصدّقاً حال من يحيى أي كاملَ التوفيق لا يتردّد في كلمة تأتي من عند الله.

وقد أجمل هذا الخبر لزكرياء ليَعلم أنّ حادثاً عظيماً سيقع يكون ابنه فيه مصدّقاً برسول يجيء وهو عيسى عليهما السلام.

ووُصِفَ عيسى كلمةً من الله لأنّ خُلق بمجرد أمر التكوين الإلهي المعبر عنه بكلمة كُنْ أي كان تكوينه غير معتادو سيجيء عند قوله تعالى: ﴿ إن اللَّه يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم ﴾ [آل عمران: 45].

والكلمة على هذا إشارة إلى مجيء عيسى عليه السلام.

ولا شكّ أنّ تصديق الرسول، ومعرفة كونه صادقاً بدون تردّد، هدى عظيم من الله لدلالته على صدق التأمل السريع لمعرفة الحق، وقد فاز بهذا الوصف يحيى في الأولين، وخديجة وأبو بكر في الآخرين، قال تعالى: ﴿ والذي جاء بالصدق وصدّق به ﴾ [الزمر: 33]، وقيل: الكلمة هنا التوراة، وأطلق عليها الكلمة لأنّ الكلمة تطلق على الكلام، وأنّ الكلمة هي التوراة.

والسيد فَيْعِل من سَاد يسود إذا فاق قومه في محامد الخصال حتى قدموه على أنفسهم، واعترفوا له بالفضل.

فالسؤدد عند العرب في الجاهلية يعتمد كفاية مهمّات القبيلة والبذل لها وإتعاب النفس لراحة الناس قال الهذلي: وإنّ سيادةَ الأقوام فاعلَمْ *** لها صُعَدَاءُ مطلبها طويل أترجو أن تَسُودَ ولن تُعَنّى *** وكيف يسودُ ذو الدعةَ البَخيل وكان السؤدد عندهم يعتمد خلال مرجعها إلى إرضاء الناس على أشرف الوجوه، وملاكه بذل الندى، وكفّ الأذى، واحتمال العظائم، وأصالة الرأي، وفصاحة اللسان.

والسيّد في اصطلاح الشرع من يقوم بإصلاح حال الناس في دنياهم وأخراهم معاً وفي الحديث " أَنا سيّد ولد آدم ولا فخر " وفيه «إنّ ابني هذا سيّد» يعني الحسنَ بن علي فقد كان الحسنُ جامعاً خصال السؤدد الشرعي، وحسبك من ذلك أنّه تنازل عن حق الخلافة لجمع كلمة الأمة، ولإصلاح ذات البين، وفي تفسير ابن عطية عن عبد الله بن عمر: أنه قال: «ما رأيتُ أحداً أسود من معاوية ابن أبي سفيان فقيل له وأبو بكر وعمر قال: هما خير من معاوية ومعاوية أسودُ منهما» قال ابن عطية: «أشار إلى أنّ أبا بكر وعمر كانا من الاستصلاح وإقامة الحقوق بمنزلة هما فيها خير من معاوية، ولكن مع تتبع الجَادّة، وقلّةِ المبالاة برضا الناس ينخرم فيه كثير من خصال السؤدد ومعاوية قد برّز في خصال السؤدد التي هي الاعتمال في إرضاء الناس على أشرف الوجوه ولم يواقع محذوراً».

ووصف الله يحيى بالسيّد لتحصيلة الرئاسة الدينية فيه من صباه، فنشأ محترماً من جميع قومه قال تعالى: ﴿ وآياتيه الحكم صبياً وحناناً من لدنا وزكاة ﴾ [مريم: 12، 13]، وقد قيل السيّد هنا الحليم التقيّ معاً: قاله قتادة، والضحاك، وابن عباس، وعكرمة.

وقيل الحليم فقط: قاله ابن جبير.

وقيل السيّد هنا الشريف: قاله جابر بن زيد، وقيل السيّد هنا العالم: قاله ابن المسيّب، وقتادة أيضاً.

وعُطف سيّداً على مصدّقاً، وعطفُ حَصُوراً وما بعده عليه، يؤذن بأنّ المراد به غير العليم، ولا التقي، وغيرُ ذلك محتمل.

والحصور فعول بمعنى مفعول مثل رسول أي حصور عن قربان النساء.

وذكر هذه الصفة في أثناء صفات المدح إمّا أن يكون مدحاً له، لما تستلزمه هذه الصفة من البعد عن الشهوات المحرّمة، بأصل الخلقة، ولعلّ ذلك لمراعاة براءته ممّا يلصقه أهل البهتان ببعض أهل الزهد من التهم، وقد كان اليهود في عصره في أشدّ البهتان والاختلاق، وإمّا ألاّ يكون المقصود بذكر هذه الصفة مدحاً له لأنّ من هو أفضل من يحيى من الأنبياء والرسل كانوا مستكملين المقدرة على قربان النّساء فتعيّن أن يكون ذكر هذه الصفة ليحيى إعلاماً لزكرياء بأنّ الله وهبه ولداً إجابة لدعوته، إذ قال: ﴿ فهب لي من لدنك ولياً يرثني ﴾ [مريم: 5، 6] وأنّه قد أتمّ مراده تعالى من انقطاع عقب زكرياء لحكمة علمها، وذلك إظهار لكرامة زكرياء عند الله تعالى.

ووسطت هذه الصفة بين صفات الكمال تأنيساً لزكرياء وتخفيفاً من وحشته لانقطاع نسله بعد يحيى.

وقوله: ﴿ أنى يكون لي غلام ﴾ استفهام مراد منه التعجّب، قَصَد منه تعرُّف إمكان الولد، لأنّه لما سأل الولد فقد تهيّأ لحصول ذلك فلا يكون قوله أنّى يكون لي غلام إلاّ تطلباً لمعرفة كيفية ذلك على وجه يحقّق له البشارة، وليس من الشك في صدق الوعد، وهو كقول إبراهيم: ﴿ ليطمئنّ قلبي ﴾ [البقرة: 260]، فأجيب بأنّ الممكنات داخلة تحت قدرة الله تعالى وإنْ عز وقوعها في العادة.

و (أنّى) فيه بمعنى كيف، أو بمعنى المكان، لتعذّر عمل المكانين اللذين هما سبب التناسل وهما الكِبَر والعَقْرَة.

وهذا التعجّب يستلزم الشكر على هذه المنّة فهو كناية عن الشكر.

وفيه تعريض بأن يكون الولد من زوجه العاقر دون أن يؤمر بتزوّج امرأة أخرى وهذه كرامة لامرأة زكرياء.

وقوله: ﴿ وقد بلغني الكبر ﴾ جاء على طريق القلب، وأصله وقد بلغتُ الكبرَ، وفائدته إظهار تمكّن الكبر منه كأنَه يتطلبه حتى بلغه كقوله تعالى: ﴿ أينما تكونوا يدرككم الموت ﴾ (النساء: 78 (والعاقر المرأة التي لا تلد عَقَرَت رحمَها أي قطعته.

ولأنه وصف خاص بالأنثى لم يؤنّث كقولهم حائض ونافس ومُرضع، ولكنه يؤنث في غير صيغة الفاعل فمنه قولهم عَقْرى دُعاء على المرأة، وفي الحديث: «عَقْرَى حَلْقَى» وكذلك نُفَساء.

وقوله: ﴿ كذلك الله يفعل ما يشاء ﴾ أي كهذا الفعل العجيب وهو تقدير الحمل من شيخ هرِم لم يسبق له ولد وامرأةٍ عاقر كذلك، ولعلّ هذا التكوين حصل بكون زكرياء كان قبل هرمه ذا قوة زائدة لا تستقرّ بسببها النطفة في الرحم فلما هرم اعتدلت تلك القوة فصارت كالمتعارف، أو كان ذلك من أحوال في رحم امرأته ولذلك عبر عن هذا التكوين بجملة ﴿ يفعل ما يشاء ﴾ أي هو تكوين قدّره الله وأوجد أسبابه ومن أجل ذلك لم يقل هنا يخلق ما يشاء كما قاله في جانب تكوين عيسى.

وقوله: ﴿ قال رب اجعل لي آية ﴾ أراد آية على وقت حصول ما بُشِّر به، وهل هو قريب أو بعيد، فالآية هي العلامة الدالة على ابتداء حمل زوجه.

وعن السدي والربيع: آيةَ تحقق كون الخطاب الوارد عليه وارداً من قبل الله تعالى، وهو ما في إنجيل لوقا.

وعندي في هذا نظر، لأنّ الأنبياء لا يلتبس عليهم الخطاب الوارد عليهم من الله ويعلمونه بعلم ضروري.

وقوله: ﴿ آياتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا ﴾ جعل الله حُبْسة لسانه عن الكلام آية على الوقت الذي تحمل فيه زوجته، لأنّ الله صرف ما لَه من القوة في أعصاب الكلام المتصلة بالدمَاغ إلى أعصاب التناسل بحكمة عجيبة يقرب منها ما يذكر من سقوط بعض الإحساس لمن يأكل البَلاذر لقوة الفكر.

أوْ أمرِه بالامتناع من الكلام مع الناس إعانة على انصراف القوة من المنطق إلى التناسل، أي متى تمت ثلاثة الأيام كان ذلك أمارة ابتداء الحمل.

قال الربيع جعل الله ذلك له عقوبة لتردّده في صحة ما أخبره به الملَك، وبذلك صرح في إنجيل لوقا، فيكون الجواب على هذا الوجه من قبيل أسلوب الحكيم لأنه سأل آيةً فأعطي غيرها.

وقوله: ﴿ واذكر ربك كثيراً وسبح بالعشي والإبكار ﴾ أمر بالشكر.

والذِّكر المراد به: الذِّكر بالقلب والصلاةِ إن كان قد سلب قوة النطق، أو الذكر اللساني إن كان قد نهي عنها فقط.

والاستثناء في قوله إلاّ رمزاً استثناء منقطع.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ ﴾ اخْتُلِفَ في سَبَبِ دُعائِهِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ تَعالى أذِنَ لَهُ في المَسْألَةِ لِأنَّ سُؤالَ ما خالَفَ العادَةَ يُمْنَعُ مِنهُ إلّا عَنْ إذْنٍ لِتَكُونَ الإجابَةُ إعْجازًا.

والثّانِي: أنَّهُ لَمّا رَأى فاكِهَةَ الصَّيْفِ في الشِّتاءِ، وفاكِهَةَ الشِّتاءِ في الصَّيْفِ طَمِعَ في رِزْقِ الوَلَدِ مِن عاقِرٍ.

﴿ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ﴾ يَعْنِي هَبْ لِي مِن عِنْدِكَ ولَدًا مُبارَكًا، وقَصَدَ بِالذُّرِّيَّةِ الواحِدَ.

﴿ إنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ ﴾ أيْ تُجِيبُ الدُّعاءَ، لِأنَّ إجابَةَ الدُّعاءِ بَعْدَ سَماعِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: فَناداهُ المَلائِكَةُ، وفي مُناداتِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ جِبْرِيلُ وحْدَهُ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والثّانِي: جَماعَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ.

﴿ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى ﴾ قِيلَ: إنَّما سَمّاهُ يَحْيى لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أحْياهُ بِالإيمانِ، وسَمّاهُ بِهَذا الِاسْمِ قَبْلَ مَوْلِدِهِ.

﴿ مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِكِتابٍ مِنَ اللَّهِ، وهَذا قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ وأهْلِ البَصْرَةِ.

والثّانِي: يَعْنِي المَسِيحَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، والرَّبِيعِ، والضَّحّاكِ، والسُّدِّيِّ.

واخْتَلَفُوا في تَسْمِيَتِهِ كَلِمَةً مِنَ اللَّهِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ خَلَقَهُ بِكَلِمَتِهِ مِن غَيْرِ أبٍ.

والثّانِي: أنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّ النّاسَ يَهْتَدُونَ بِهِ في دِينِهِمْ كَما يَهْتَدُونَ بِكَلامِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

﴿ وَسَيِّدًا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ الخَلِيفَةُ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.

والثّانِي: أنَّهُ التَّقِيُّ، وهو قَوْلُ سالِمٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الشَّرِيفُ، وهو قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ الفَقِيهُ العالِمُ، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ.

والخامِسُ: سَيِّدُ المُؤْمِنِينَ، يَعْنِي بِالرِّياسَةِ عَلَيْهِمْ، وهَذا قَوْلُ بَعْضِ المُتَكَلِّمِينَ.

﴿ وَحَصُورًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ كانَ عِنِّينًا لا ماءَ لَهُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، والضَّحّاكِ.

والثّانِي: أنَّهُ كانَ لا يَأْتِي النِّساءَ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ، والحَسَنِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ ما يَأْتِي بِهِ النِّساءَ، لِأنَّهُ كانَ مَعَهُ مِثْلُ الهُدْبَةِ، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ ﴾ وإنَّما جازَ لَهُ أنْ يَقُولَ: (وَقَدْ بَلَغَنِي الكِبَرُ) لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ الطّالِبِ لَهُ.

﴿ وامْرَأتِي عاقِرٌ ﴾ أيْ لا تَلِدُ.

فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ راجَعَ بِهَذا القَوْلِ بَعْدَ أنْ بُشِّرَ بِالوَلَدِ، فَفِيهِ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ راجَعَ لِيَعْلَمَ عَلى أيِّ حالٍ يَكُونُ مِنهُ الوَلَدُ، بِأنْ يُرَّدَّ هو وامْرَأتُهُ إلى حالِ الشَّبابِ، أمْ عَلى حالِ الكِبَرِ، فَقِيلَ لَهُ: كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ، أيْ عَلى هَذِهِ الحالِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.

والثّانِي: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ اسْتِعْظامًا لِمَقْدُورِ اللَّهِ وتَعَجُّبًا.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً ﴾ أيْ عَلامَةً لِوَقْتِ الحَمْلِ لِيَتَعَجَّلَ السُّرُورَ بِهِ.

﴿ قالَ آيَتُكَ ألا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أيّامٍ إلا رَمْزًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: تَحْرِيكُ الشَّفَتَيْنِ وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّانِي: الإشارَةُ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.

والثّالِثُ: الإيماءُ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ.

﴿ واذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا ﴾ لَمْ يُمْنَعْ مِن ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ هي الآيَةُ.

﴿ وَسَبِّحْ بِالعَشِيِّ والإبْكارِ ﴾ والعَشِيُّ: مِن حِينِ زَوالِ الشَّمْسِ إلى أنْ تَغِيبَ، وأصْلُ العَشِيِّ الظُّلْمَةُ، ولِذَلِكَ كانَ العَشى ضَعْفَ البَصَرِ، فَسُمِّيَ ما بَعْدَ الزَّوالِ عِشاءً لِاتِّصالِهِ بِالظُّلْمَةِ.

وَأمّا الإبْكارُ فَمِن حِينِ طُلُوعِ الفَجْرِ إلى وقْتِ الضُّحى، وأصْلُهُ التَّعْجِيلُ، لِأنَّهُ تَعْجِيلُ الضِّياءِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي ﴿ فنادته الملائكة ﴾ قال: جبريل.

وأخرج ابن جرير عن عبدالرحمن بن أبي حماد قال: في قراءة ابن مسعود ﴿ فناداه جبريل وهو قائم يصلي في المحراب ﴾ .

وأخرج ابن المنذر وابن مردويه عن ابن مسعود قال: ذكروا الملائكة ثم تلا ﴿ إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى ﴾ [ النجم: 27] وكان يقرأها ﴿ فناداه الملائكة ﴾ .

وأخرج الخطيب في تاريخه عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ﴿ فناداه الملائكة ﴾ بالتاء.

وأخرج ابن المنذر عن إبراهيم قال: كان عبد الله يذكر الملائكة في القرآن.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم بن أبي النجود أنه قرأ ﴿ فنادته الملائكة ﴾ بالتاء ﴿ أن الله ﴾ بنصب الألف ﴿ يبشرك ﴾ مثقلة.

قوله تعالى: ﴿ وهو قائم يصلي ﴾ .

أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ثابت قال: الصلاة خدمة الله في الأرض، ولو علم الله شيئاً أفضل من الصلاة ما قال: ﴿ فنادته الملائكة وهو قائم يصلي ﴾ .

قوله تعالى: ﴿ في المحراب ﴾ .

أخرج ابن المنذر عن السدي.

المحراب المصلى.

وأخرج الطبراني والبيهقي في سننه عن ابن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اتقوا هذه المذابح.

يعني المحاريب» .

وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن موسى الجهني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تزال أمتي بخير ما لم يتخذوا في مساجدهم مذابح كمذابح النصارى» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال: اتقوا هذه المحاريب.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عبيد بن أبي الجعد قال: كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يقولون: أن من أشراط الساعة أن تتخذ المذابح في المساجد.

يعني الطاقات.

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي ذر قال: أن من أشراط الساعة أن تتخذ المذابح في المساجد.

وأخرج ابن أبي شيبة عن علي.

أنه كره الصلاة في الطاق.

وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم.

أنه كان يكره الصلاة في الطاق.

وأخرج ابن أبي شيبة عن سالم بن أبي الجعد.

أنه يكره المذابح في المساجد.

وأخرج ابن أبي شيبة عن كعب.

أنه كره المذابح في المسجد.

وأخرج ابن جرير عن معاذ الكوفي قال: من قرأ ﴿ يبشر ﴾ مثقلة فإنه من البشارة، ومن قرأ ﴿ يبشر ﴾ مخففة بنصب الباء فإنه من السرور.

وأخرج ابي جرير وابن المنذر عن قتادة قال: أن الملائكة شافهته بذلك مشافهة فبشرته بيحيى.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ أن الله يبشرك بيحيى ﴾ قال: إنما سمي يحيى لأن الله أحياه بالإِيمان.

وأخرج ابن عدي والدارقطني في الافراد والبيهقي وابن عساكر عن ابن مسعود مرفوعاً: «خلق الله فرعون في بطن أمه كافراً، وخلق يحيى بن زكريا في بطن أمه مؤمناً» .

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ مصدقاً بكلمة من الله ﴾ قال: عيسى ابن مريم، والكلمة يعني تكوّن بكلمة من الله.

وأخرج أحمد في الزهد وابن جرير عن مجاهد قال: قالت امرأة زكريا لمريم: إني أجد الذي في بطني يتحرك للذي في بطنك، فوضعت امرأة زكريا يحيى عليه السلام، ومريم عيسى عليه السلام.

وذلك قوله: ﴿ مصدقاً بكلمة من الله ﴾ قال: يحيى مصدق بعيسى.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الضحاك في قوله: ﴿ مصدقاً بكلمة من الله ﴾ قال: كان يحيى أول من صدق بعيسى، وشهد أنه كلمة من الله.

قال: وكان يحيى ابن خالة عيسى، وكان أكبر من عيسى.

وأخرج ابن جرير عن قتادة ﴿ مصدقاً بكلمة من الله ﴾ يقول: مصدق بعيسى، وعلى سنته ومنهاجه.

وأخرج ابن جرير من طريق ابن جريج عن ابن عباس ﴿ مصدقاً بكلمة من الله ﴾ قال: كان عيسى ويحيى ابني خالة، وكانت أم يحيى تقول لمريم: إني أجد الذي في بطني يسجد للذي في بطنك، فذلك تصديقه بعيسى سجوده في بطن أمه وهو أول من صدق بعيسى، وكلمة عيسى.

ويحيى أكبر من عيسى.

وأخرج ابن جرير عن السدي قال: لقيت أم يحيى أم عيسى وهذه حامل بيحيى، وهذه حامل بعيسى فقالت امرأة زكريا: إني وجدت ما في بطني يسجد لما في بطنك.

فذلك قوله تعالى ﴿ مصدقاً بكلمة من الله ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ وسيداً ﴾ قال: حليماً تقياً.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد قال: (السيد) الكريم على الله.

وأخرج ابن أبي الدنيا في ذم الغضب وابن جرير عن عكرمة قال: (السيد) الذي لا يغلبه الغضب.

وأخرج ابن جرير عن سعيد بن المسيب قال: (السيد) الفقيه العالم.

وأخرج أحمد في الزهد والخرائطي في مكارم الأخلاق عن الضحاك قال: (السيد) الحسن الخلق ﴿ والحصور ﴾ الذي حصر عن النساء.

وأخرج أحمد في البيهقي في سننه عن مجاهد قال: (الحصور) الذي لا يأتي النساء.

وأخرج أحمد في الزهد عن وهب بن منبه قال: نادى منادٍ من السماء أن يحيى بن زكريا سيد من ولدت النساء، وأن جورجيس سيد الشهداء.

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد عن سعيد بن جبير قال: (السيد)الحليم (والحصور) الذي لا يأتي النساء.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عساكر عن ابن عباس في قوله: ﴿ وسيداً وحصوراً ﴾ قال: (السيد) الحليم و(الحصور) الذي لا يأتي النساء.

وأخرج أحمد في الزهد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: (الحصور) الذي لا ينزل الماء.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر والبيهقي في سننه عن ابن مسعود قال: (الحصور) الذي لا يقرب النساء.

ولفظ ابن المنذر: العنين.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عساكر عن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من عبد يلقى الله إلاّ ذا ذنب إلاّ يحيى بن زكريا، فإن الله يقول: ﴿ وسيداً وحصوراً ﴾ قال: وإنما كان ذكره مثل هدبة الثوب، وأشار بأنملته» .

وخرجه ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وابن أبي حاتم وابن عساكر عن أبي هريرة من وجه آخر عن ابن عمرو.

موقوفاً وهو أقوى اسناداً من المرفوع.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن عساكر عن أبي هريرة: «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كل ابن آدم يلقى الله بذنب قد أذنبه يعذبه عليه إن شاء أو يرحمه إلاّ يحيى بن زكريا، فإنه كان ﴿ سيداً وحصوراً ونبياً من الصالحين ﴾ ثم أهوى النبي صلى الله عليه وسلم إلى قذاة من الأرض فأخذها وقال: كان ذكره مثل هذه القذاة» .

وأخرج الطبراني عن أبي أمامة قال: قال رسول الله: «أربعة لعنوا في الدنيا والآخرة، وأمنت الملائكة: رجل جعله الله ذكراً فأنث نفسه وتشبه بالنساء، وامرأة جعلها الله أنثى فتذكرت وتشبهت بالرجال، والذي يضل الأعمى، ورجل حصور، ولم يجعل الله حصوراً إلا يحيى بن زكريا» .

وأخرج ابن عساكر عن معاوية بن صالح عن بعضهم رفع الحديث «لعن الله والملائكة رجلاً تحصر بعد يحيى بن زكريا» .

وأخرج ابن جرير عن سعيد بن المسيب في قوله: ﴿ وحصوراً ﴾ قال: لا يشتهي النساء، ثم ضرب بيده إلى الأرض فأخذ نواة فقال: ما كان معه مثل هذه.

وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ وحصوراً ﴾ قال: ألذي لا يأتي النساء.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت قول الشاعر: وحصور عن الخنا يأمر النا ** س بفعل الحراب والتشمير <div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ ﴾ يقال: نادى، مُناداةً، ونِداءً.

فالكسر: مصدرٌ (١) (٢) (٣) (٤) وفي قوله: ﴿ فَنَادَتْهُ الْمَلاَئِكَةُ ﴾ ، قراءتان: التذكير، والتأنيث (٥) قال الفرَّاء (٦) وقرأت القُرَّاءُ: ﴿ يَعرُجُ الملائكة ﴾ ، و ﴿ تَعرُجُ ﴾ (٧) ﴿ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ﴾ و ﴿ ويَتَوفَّاهم الملائكة ﴾ (٨) (٩) قال الزجَّاج (١٠) ﴿ وَقَالَ نِسْوُةُ  ﴾ .

وقال أهل المعاني (١١) (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) قال الزجَّاج (١٦) (١٧) ومثل (١٨) ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ  ﴾ ، وهو نعيْمُ بن مَسعود (١٩) ﴿ إِنَّ النَّاسَ ﴾ ، يعني: أبا سُفيان (٢٠) قال المفضَّل: إذا كان القائل رئيسًا، فيجوز الإخبار عنه بالجمعِ؛ لاجتماع أصحابه معه، فلمَّا كان جبريل  رئيس الملائكة، وقلَّما يُبْعثُ إلاَّ ومعه جَمعٌ منهم، جُرِيَ على هذا.

وهذا قول ابن عباس (٢١) (٢٢) وقال غيره: ناداه جماعةٌ من الملائكة (٢٣) وقوله تعالى: ﴿ أَنَّ اللهَ يُبَشِرُكَ ﴾ يُقْرأ بـ ﴿ إِنَّ ﴾ (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) (٢٨) (٢٩) (٣٠) (٣١) ومن كَسَرَ، أضمر القولَ؛ كأنه: (ناداه، فقال: إنَّ الله) فحذف القولَ.

وإضمار القول كثير في هذا النحو، كما قال: ﴿ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ  ﴾ ، ﴿ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا  ﴾ ، ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ  ﴾ ، فأضمر القول في ذلك كلِّه (٣٢) وقوله تعالى: ﴿ يُبَشِّرُكَ ﴾ قد (٣٣) ﴿ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا  ﴾ .

وقرأ حمزةُ والكسائيُّ [[انظر: "السبعة" 502، "الحجة" للفارسي: 3/ 41.

وقد قرأ حمزة: (يَبْشُرُ) بالتخفيف في كل القرآن، إلا في قوله: ﴿ قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ ﴾ \[آية 54 من سورة الحجر\]، فقرأها بالتشديد (يُبَشِّرون).

أما الكسائي: فقد قرأها بالتخفيف في خمسة مواضع: (آل عمران: 39، 45) و (الإسراء: 9) == و (الكهف: 2) و (الشورى: 23).

أمَّا نافع، وابن عامر، وعاصم، فقد قرأوها بالتشديد في كل القرآن.

وكذا قرأها ابن كثير، وأبو عمرو في كل المواضع، إلا في آية (23 من الشورى).

انظر: "السبعة" 205، "الحجة" للفارسي: 3/ 239، "الغاية" لابن مهران:125، "التيسير" للداني: 87، "النشر" 2/ 239، "اتحاف فضلاء البشر" ص 174.]]: ﴿ يُبَشِّرُكَ ﴾ (٣٤) (٣٥) (٣٦) قال أبو زيد: يقال: (بَشَّرَ، يُبَشِّرُ)، [و (أبْشَرَ يُبْشِرُ] (٣٧) (٣٨) (٣٩) وقال أهل اللغة (٤٠) (٤١) (٤٢) (٤٣) (٤٤) (٤٥) وقال الزجَّاج (٤٦) معنى ﴿ يُبَشِّرُكَ ﴾ (٤٧) (٤٨) وقال ابن الأعرابي (٤٩) (٥٠) ﴿ وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ بِيَحْيَى ﴾ .

(يحيى) (٥١) (٥٢) (٥٣) (٥٤) قال المفسرون: سمَّاه الله تعالى بهذا الاسم قبل مولده (٥٥) قال الحسين (٥٦) (٥٧) (٥٨) (٥٩) ﴿ أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ  ﴾ ، قيل في تفسيره: ضالاً فهديناه (٦٠) وقوله تعالى: ﴿ مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ ﴾ .

نصب على الحال؛ لأنه نكرة، و (يَحيى) معرفة.

قال ابن عباس (٦١) وسُمِّيَ (عيسى) كلمةُ الله؛ لأنه حدث عند قوله: ﴿ كُن ﴾ ، فوقع عليه اسم (الكلمة)؛ لأنه بها كان.

قال المفسرون: وكان (يحيى) أول من آمن بـ (عيسى) عليهما السلام، وصدَّقه، وكان (يحيى) أكبر من (عيسى) (٦٢) قوله تعالى: ﴿ وَسَيِّدًا ﴾ .

(السَّيِّد) من باب: (الصَّيِّب)، و (المَيِّت).

وقد ذكرنا ما فيهما (٦٣) (٦٤) (٦٥) قال أبو (٦٦) (٦٧) وقال بعض أهل اللغة: (السيد): المالك الذي (٦٨) (٦٩) سَلَمَة (٧٠) (٧١) (٧٢) ﴿ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا  ﴾ ، [أي: زوجها] (٧٣) وقال أبو خيرة (٧٤) (٧٥) فأما أهل (٧٦) (٧٧) (٧٨) (٧٩) وقوله تعالى: ﴿ وَحَصُورًا ﴾ (الحَصْرُ) في اللغة: الحَبْسُ (٨٠) (٨١) (٨٢) والحَصُورُ: الضَّيِّقُ (٨٣) (٨٤) (٨٥) لا بالحَصُورِ ولا فيها بِسَوَّارِ (٨٦) قال جرير: ولقَدْ تَسَقَطني الوُشاةُ فصادفوا ...

حَصِرًا بِسِرِّكِ (٨٧) (٨٨) (٨٩) (٩٠) (٩١) (٩٢) (٩٣) (٩٤) وجميع المفسرين: على أن (الحَصُور) ههنا: الذي لا يأتي النساءَ، ولا يقربهن (٩٥) قال ابن عباس: هو الذي لا يجامع النساءَ، إنما له فَرْجٌ كفَرْجِ الصَّبِيِّ الصغير (٩٦) (٩٧) وروي عن النبي  ، أنه ذكر يحيى بن زكريا ثم أهوى بيده إلى قَذَاةٍ (٩٨)  ، أو بكفاية من الله تعالى كـ (يحيى)  فضيلة زائدة؛ لكونها مُشْغلةً في كثير من الأوقات، حاطَّةً إلى الدنيا؛ ثم هي في حقِّ من أقْدِر عليها، ومُلِّكَها، وقام بالواجب فيها، ولم يشغله عن ربه درجةٌ علياء، وهي درجة نبينا  الذي لم تشغله كثرتُهُنَّ عن عبادة ربِّه؛ بل زاده ذلك عبادة؛ لتحصينهنَّ، وقيامه بحقوقهنَّ، واكتسابه لهنَّ، وهدايته إيَّاهن؛ بل صرَّح أنها ليست من حظوظ دنياه هو، وإن كانت من حظوظ دنيا غيره) ثم ساق القاضي عياض الأدلة على ذلك.

انظر: "الشفا بتعريف حقوق المصطفى" للقاضي عياض: ص 88.

ثم يقول ابن كثير: (والمقصود، أنه مَدْح ليحيى بأنه حَصُورٌ، ليس أنه لا يأتي النساء؛ بل معناه: ..

أنه حصور عن الفواحش والقاذورات، ولا يمنع ذلك من تزويجه بالنساء الحلال، وغشيانهنَّ، وإيلادهنَّ، بل قد يفهم وجود النسل له من دعاء زكريا المتقدم، حيث قال: ﴿ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ﴾ كأنه قال: ولدا لهُ ذرية ونسل وعَقِب.

والله سبحانه وتعالى أعلم).

"تفسير ابن كثير" 1/ 388.

وانظر: "تفسير الفخر الرازي" 8/ 40 وقال بأنه (اختيار المحققين)، "غرائب القرآن" للنيسابوري 3/ 183، "تفسير الخازن" 1/ 289.]].

فعلى هذا القول: (الحَصور)، بمعنى: (المحصور)، وهو الذي حُصر عنهن، على (٩٩) ﴿ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ  ﴾ .

(١) انظر: "جمهرة اللغة" 2/ 1061 (ندى).

(٢) ويردُ الاسمُ منه كذلك بالكسر؛ فيقال: (نِداء)، و (نُداء).

وجعل الجوهريُّ الكسرَ هو الأصل، فقال: (النِّداء: الصوت، وقد يُضم).

"الصحاح" 6/ 2505.

وانظر (ندى) في "تهذيب اللغة" 4/ 3545، "اللسان" 7/ 4388، "التاج" 20/ 233.

(٣) في (ج)، (د): (الدعا).

والرُّغاء: صوت البعير، والضبع، والنَّعام.

انظر: "القاموس" ص 1289 (رغى).

(٤) في جميع النسخ: (والهتات)، ولم أجدها في معاجم اللغة التي رجعت إليها، ولم أر لها وجهَا، وما أثبته هو ما رجَّحتُه؛ لأن (الهُتاف)، و (الهَتْف): هو الصوت الجافي العالي، أو الصوت الشديد.

انظر: "المنتخب من غريب كلام العرب" لكراع النمل: 1/ 294، "اللسان" 8/ 4612 (هتف).

(٥) قرأ حمزة والكسائي من السبعة وخلف من العشرة (فناداه)، بإمالة الدال، وتروى هذه القراءة عن (علي بن أبي طالب، وابن مسعود، وابن عباس، وعلي بن الحسين، ومحمد بن زيد وابنيه، وجعفر بن محمد).

"القطع والائتناف" ص 222.

والباقون: (فنادته).

انظر: "السبعة" 205، و"الحجة" للفارسي 3/ 37، و"النشر" 2/ 239.

(٦) في "معاني القرآن" له: 1/ 209، نقله بنصه.

(٧) والقراءة بالياء: للكسائي، وبالتاء: للباقين.

انظر كتاب "الإقناع"، لابن مهران: 297، "حجة القراءات"، لابن زنجلة 721، "التبصرة" 708.

(٨) الملائكة: ليست في: (ج) و (د).

(٩) القراءة في الموضعين بالياء: لحمزة، وبالتاء: للباقين.

انظر: "الكشف" 2/ 36، "حجة القراءات" 388.

(١٠) في "معاني القرآن" له 1/ 405.

نقله عنه بتصرف يسير.

(١١) نقل المؤلف هنا عبارة الفراء باختصار عن "معاني القرآن" 1/ 210، وممن قال بذلك: الطبري في "تفسيره" 3/ 250، والزجاج في "المعاني" 1/ 405، والنحاس في "المعاني" 1/ 390، والثعلبي في "تفسيره" 3/ 45 أ.

(١٢) قوله: (المعاني أراد بالملائكة): مكانها بياض في: (د).

(١٣) ممن قال بأن المنادي: جبريل وحده: عبد الله بن مسعود -  -، والسدي، ومقاتل.== انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 274، "تفسير الطبري" 2/ 449 - 450، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 641، "القطع والائتناف" للنحاس 222، "زاد المسير" 1/ 381، "الدر المنثور" 2/ 37.

(١٤) (ج) (وهو).

(١٥) في (أ)، (ب): (وقصد)، والمثبت من: (ج) (د)، ومن "معاني القرآن".

(١٦) في "معاني القرآن" له 1/ 405، نقله عنه بتصرف يسير جدًّا.

(١٧) في (ج): (ملائكة).

وقوله: (الذين هم ملائكة): ليس في "معاني القرآن".

(١٨) من قوله: (ومثل ..) إلى (..

جرى على هذا): نقله بتصرف يسير عن "تفسير الثعلبي" 3/ 45 أ.

(١٩) هو أبو سلمة، نُعَيم بن مسعود بن عامر الأشجعي.

صحابي مشهور، هاجر إلى الرسول يوم الخندق، وهو الذي خذَل المشركين واليهود حتى صرف الله المشركين، سكن المدينة، قتل في وقعة الجمل في أوّلِ خلافة علي، وقيل: مات في خلافة عثمان  .

انظر: "الاسيعاب" 4/ 70 (2658)، "الإصابة" 3/ 568 (8779).

(٢٠) سيأتي بيان قصة الآية في موضعها من هذه السورة، عند تفسير آية: 173 إن شاء الله تعالى.

(٢١) لم أقف على مصدر قوله.

(٢٢) قوله: (والأكثرين)، سبق أن بينت أنه لم يقل بهذا القول غير ابن مسعود  والسدي، ومقاتل، بناءً على المصادر التي رجعت إليها.

(٢٣) ورَجَّح هذا الطبري؛ حملًا لتأويل القرآن على الأظهر الأكثر من كلام العرب، دون الأقل، ما وُجِد إلى ذلك سبيل.

وبيَّن أنَّه لا حاجة هنا لصرفه إلا أنه بمعنى واحد.

وبيَّن أنَّ هذا قول جماعة من أهل العلم، ومنهم: قتادة، والربيع، وعكرمة، ومجاهد، وغيرهم.

"تفسير الطبري" 3/ 250، وانظر: "تفسير عبد الرزاق" 1/ 120، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 641، "الدر المنثور" 2/ 37، ورجحه كذلك النحاس في "القطع والائتناف" (223).

(٢٤) في (ج)، (د): (إن).

وفي (د) بدلًا من: (بإن).

(٢٥) قرأ ابن عامر، وحمزة: ﴿ إِنَّ ﴾ بالكسر، وقرأ الباقون: ﴿ أَن ﴾ بالفتح.

انظر: "السبعة" 205، "الحجة" للفارسي: 3/ 38، "الكشف" لمكي: 1/ 343.

(٢٦) من قوله: (فمن ..) إلى (..

فأضمر القول في ذلك كله): نقله باختصار وتصرف يسير عن "الحجة" للفارسي: 3/ 39، 38 (٢٧) (منها): ساقطة من (ج).

(٢٨) في (ج): (بأن).

(٢٩) ما بين المعقوفين زيادة من: (د)، ومن "الحجة".

ويقتضيها السياق.

(٣٠) (في موضع): مكانها بياض في: (د).

(٣١) ما بين المعقوفين زيادة من "الحجة" للفارسي، يقتضيها السياق.

وانظر: "كتاب سيبويه" 3/ 126 - 129، 1/ 92، 37 - 39، "المحلى ووجوه النصب" لابن شقير: 76، "سر صناعة الإعراب" 130، "الكشف" لمكي 1/ 343.

وانظر تفسير آية19 من هذه السورة، وما سيذكره عند تفسير ﴿ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ ﴾ آية: 73 من هذه السورة.

(٣٢) هذا على مذهب البصريين القائلين بإضمار القول، أما على مذهب الكوفيين، فإنهم أجروا النداء مُجرى القول.

انظر: "البحر المحيط" 2/ 446، "الدر المصون" 3/ 152، "إتحاف فضلاء البشر" للبنا ص 174.

(٣٣) من قوله: (قد ..) إلى (..

وقرأ حمزة والكسائي: يبشرك): ساقط من (د).

(٣٤) وردت في: (أ) يَبْشِرُكَ بكسر الشين المخففة، وأهملت حركاتها في بقية النسخ، ولم ترد بها قراءة، والصواب من قراءتها ما أثبته، وما سبق الإشارة إليه، وقد ورد في قراءة مجاهد، وحميد بن قيس الأعرج: (يُبْشِرُكَ) بضم الياء، وتسكين الباء، وكسر الشين المخففة.

انظر: "معاني القرآن" للزجَّاج: 1/ 405، "المحتسب" 1/ 161، "تفسير الثعلبي" 3/ 45 ب.

انظر ترجمة حميد بن قيس في "غاية النهاية" 1/ 265 برقم (1200).

(٣٥) في (أ): البَشرَ، ولم أر لها وجهًا، وأهملت حركاتها في بقية النسخ، وما أثبته، هو ما استصوبته.

قال في "اللسان" 4/ 61 (بشر): (وقد بَشَرَه بالأمر، يَبْشُرُه بالضم بَشْرًا، وبُشُورا، وبِشْرًا، وبَشَرَهُ به بَشْرًا ..

وبَشرَ يَبْشُرُ بَشْرًا وبُشُورًا) وانظر: "الصحاح" 2/ 590 (بشر).

(٣٦) قال الفرَّاء في "معاني القرآن" 1/ 212: (وكأن المشَدَّد على: بِشارات البُشَراء، وكأن التخفيف من وجهة الإفراح والسرور، وهذا شيء كان المشيخة يقولونه).

(٣٧) ما بين المعقوفين زيادة من (ج)، (د)، ومن "الحجة" للفارسي.

(٣٨) لم أقف على قول ابن زيد فيما رجعت إليه من مصادر، ويبدو أن هذا قول أبي الحسن (الأخفش)، كما في "الحجة" للفارسي 3/ 37، ونصه: (قال أبو الحسن: في (يبشر) ثلاث لغات: ..) وذكر ما دُوِّنَ أعلاه، ثم بعدها نقل الفارسي قولًا آخر لأبي زيد مغاير لما هنا، فقال: (قال أبو زيد ..).

(٣٩) انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 338 (بشر).

(٤٠) انظر (بشر) في "إصلاح المنطق" ص21 - 22، 41، 277، و"الجمهرة" ص310، "تهذيب اللغة" 1/ 338، "الصحاح" 2/ 590، "مقاييس اللغة" 1/ 251.

(٤١) الأديم هنا: الجلد.

انظر القاموس (أدم) ص 1074.

(٤٢) أخذ بشرتها؛ أي: أكل ما ظهر من نباتها، فجعل ظاهر الأرض كأنه بشرة لها.

(٤٣) في (د): هذا إيراد في الخبر.

(٤٤) الهَشَاشة والهَشَاشُ: الارتياح، والخفَّةُ، والنشاط، يقال: (هَشِشْتُ إليه، أهَشُ، هَشاشة): إذا خففت إليه، وارتحت له.

انظر: "إصلاح المنطق" 200، "القاموس المحيط" 610 (هش).

(٤٥) ما بين المعقوفين زياد من: (ج) (د).

(٤٦) في "معاني القرآن" له 1/ 405.

ولكن النصَّ في "معاني القرآن" المطبوع المتداول يختلف بعض اختلافٍ في ضبط الكلمات عمَّا أورده الواحدي، ونصه في "معاني القرآن" (ومعنى: يُبْشرك: يسرك ويفرحك، يقال: بَشَّرتُ الرجلَ أبَشِّرُه، وأبْشُرُه: إذا أفرحته، ويقال: بَشُرَ الرجل يَبْشرُ)، وما أورده المؤلف مطابق لما فى "تهذيب اللغة" 1/ 338 (بشر)، وأورده كذلك ابن الجوزي في "الزاد" 1/ 382، وصاحب "اللسان" 1/ 287 (بشر) مما يعني أن يكون الأزهري، والواحدي، قد نقلا من نسخة أخرى غير المعتمدة في المطبوعة، أو يكون الواحدي، نقل النص عن الأزهري، وهو ما أرجحه؛ نظرًا لأن "التهذيب" من مصادره الأساسية، التي اعتمد عليها كثيرًا.

(٤٧) في (أ): يَبْشِرُكَ أما بقية النسخ فقد أهملت حركاتها.

وفي "معاني القرآن" المطبوع == يُبشرك.

وما أثبتُه هو ما استصوبته، وهو موافق لما في "زاد المسير" حيث ضبط الحركات بالحروف، "اللسان"؛ لأن الواحدي أراد أن يبين معنى القراءة بالتخفيف (يَبْشُرُكَ)، وما في "معاني القرآن" المطبوع لا استبعد الخطأ المطبعي في ضبط حركتها.

(٤٨) في (أ): (فبَشُرَ) وهو موافق لما في "معاني القرآن".

وما أثبتُّه يوافق ما في "تهذيب اللغة"، "اللسان" وبقية مصادر اللغة، ولم أعثر على (بَشُرَ) في معاجم اللغة.

(٤٩) قوله في "تهذيب اللغة" 1/ 338، وهو ما أشار إليه المؤلف سابقًا.

(٥٠) نقله المؤلف باختصار، ونصه: (يقال: (بَشَرْتُهُ، وبَشَّرْتُهُ، وبَشِرْتُهُ، وأبْشَرته).

قال: (وبَشِرْتُ بكذا، وبَشرْت وأبشرْت): إذا فرحتَ به.

(٥١) من قوله: (يحيى ..) إلى (..

وأنه معرفة): نقله بتصرف عن "معاني القرآن" للزجَّاج 1/ 406.

(٥٢) في (ج)، و"معاني القرآن": (أعجميا).

(٥٣) في (ج)، "معاني القرآن": (لم).

(٥٤) في (د): لتشبيهه.

(٥٥) انظر: "تفسير الطبري" 3/ 252، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 642، "النكت والعيون" 1/ 389 - 390.

(٥٦) في (ج): (الحسن).

(٥٧) قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 46 أ، وانظر: "مفردات ألفاظ القرآن" للراغب 269 - 270.

وهو: أبو علي، الحسين بن الفضل بن عمير بن كَيْسان البجَلِي، تقدم.

(٥٨) في (د): (بيحيى).

(٥٩) ما بين المعقوفين زيادة من (د).

(٦٠) وهذا قول: ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والسدِّي، وابن زيد، وعكرمة، وغيرهم.

انظر: "تفسير الطبري" 8/ 21 - 24، "الدر المنثور" 3/ 81.

(٦١) الأثر عنه في "تفسير الطبري" 3/ 253، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 651، "تفسير ابن كثير" 1/ 387، "الدر المنثور" 2/ 38، ونسب إخراجه كذلك للفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر.

وهو قول مجاهد، والرقاشي، وقتادة، والربيع، والسدي، والضحاك.

انظر المصادر السابقة.

وذهب أبو عبيدة في "مجاز القرآن" 1/ 91 إلى أن (كلمة الله): كتاب الله، كما تقول العرب للرجل: (أنشدني كلمة كذا وكذا)؛ أي: قصيدة فلان، وإن طالت.

وأنكر عليه الطبري ذلك إنكارًا شديدًا، وردَّه انظر: "تفسير الطبري" 3/ 254.

(٦٢) قال به ابن عباس، والربيع، والضحاك.

انظر: "تفسير الطبري" 3/ 250 - 253، "تفسير الثعلبي" 3/ 46 ب.

(٦٣) في (ج): فيها.

وانظر: "تفسير البسيط" تح: د.

الفوزان، عند آية: 19 من سورة البقرة وانظر ما سبق عند تفسير آية: 27 من سورة آل عمران.

ويعني: أن (سَيِّد)، أصلها: (سَيْوِد)، مثل: (صَيِّب)، و (مَيّيت) حيث إنَّا أصلهما: (صيْوِب) و (مَيْوِت).

انظر بيان هذه المسألة، والخلاف فيها، في "كتاب سيبويه" 4/ 365، "سر صناعة الإعراب" 153، 585، "الإنصاف" ص 624 - 625، وقد سبق الإشارة إلى ذلك عند تفسير آية: 27 من سورة آل عمران.

(٦٤) (ويقال): ساقطة من (ج).

(٦٥) وفي لغة طيىء: (سُؤْود) بضم الدال، وورد من مصادره: (سَيْدُودَة).

انظر (سود) في: العين، للخليل: 7/ 281، "الصحاح" 2/ 490، "اللسان" 4/ 2144.

(٦٦) في (ب): ابن.

(٦٧) في "معاني القرآن" له: 1/ 406.

(٦٨) من قوله: (الذي ..) إلى (..

والسيد الرئيس): ساقط من (د).

(٦٩) في (ج): (تجب).

(٧٠) هو: أبو محمد، سَلَمَة بن عاصم.

تقدم.

(٧١) قوله في "تهذيب اللغة" 13/ 35.

(٧٢) في "التهذيب" "اللسان" (سود): الملك.

(٧٣) ما بين المعقوفين زيادة من (ج) (د)، ومن "تهذيب اللغة" 2/ 1590.

وانظر في تفسير (سيِّدها) بـ (زوجها) "تفسير البيضاوي" ص 243، "تفسير أبي السعود" 4/ 267، "فتح القدير" 3/ 27.

(٧٤) في (د): أبو حيوة.

وقوله في "تهذيب اللغة" 2/ 1590، "اللسان" 4/ 2144 - 2145.

وأبو خيرة، هو: نهشل بن زيد البصري.

أعرابي بَدَوي من بني عَدِيّ، دخل الحاضرة، وأخذ عنه الناس، وصنف في الغريب كتبا.

انظر: "الفهرست" ص 72، "إنباه الرواة" 4/ 117، "معجم الأدباء" 19/ 243، "بغية الوعاة" 2/ 317.

(٧٥) في "تهذيب اللغة" معظمهم.

و (عُظْمهم): أكثرهم، ومعظمهم.

انظر: "الصحاح" 5/ 1987 (عظم).

(٧٦) (أهل): ساقطة من: (ب).

(٧٧) لم أهتد إلى مصدر قوله، وقد أورده ابن الجوزي في "الزاد" 1/ 383، وهو قول مجاهد، والرقاشي.

انظر: "تفسير الطبري" 3/ 254، "ابن أبي حاتم" 2/ 643، "البغوي" 2/ 34، "الدر المنثور" 2/ 38 أورده عن مجاهد ونسب إخراجه كذلك إلى عبد بن حميد.

والوارد عن ابن عباس، تفسيره بـ (الحليم النقي)؛ كما في "تفسير الطبري" 3/ 254، "ابن أبي حاتم" 2/ 642، "زاد المسير" 1/ 383، "الدر المنثور" 2/ 39، ونسب إخراجه كذلك لعبد الرزاق، وابن المنذر، وابن عساكر.

(٧٨) قوله في "تفسير الطبري" 3/ 254، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 642، "تهذيب اللغة" 2/ 1590، "تفسير الثعلبي" 3/ 47 أ، "تفسير البغوي" 2/ 34.

(٧٩) قوله في "تفسير الطبري" 3/ 255، "ابن أبي حاتم" 2/ 642، "تهذيب اللغة" 2/ 1590، "الدر المنثور" 2/ 39، وزاد نسبته لابن أبي الدنيا في "ذم الغضب".

(٨٠) قال ابن فارس في "مقاييس اللغة": (الحاء، والصاد، والراء؛ أصل واحدة وهو: الجمع والحبس والمنع 2/ 72 (حصر).

وانظر: "غريب القرآن" لليزيدي: 34، "الصحاح" 2/ 630 - 632، وما سيأتي من مراجع.

(٨١) في "الصحاح" (والحُصْرُ بالضم: اعتقال البطن، تقول فيه: (حُصِرَ الرجل)، وَ (أُحْصِرَ)، على ما لم يُسمَّ فاعِلُه) 2/ 362 (حصر).

(٨٢) ورد ضبطها في "تهذيب اللغة" (حُصِرَ)، حيث قال: (ورجل حَصُورٌ: إذا حُصِرَ عن النساء ..) 1/ 838، وانظر 1/ 839، وكذا ورد في "اللسان" 2/ 896 (حصر).

ولكن ورد في "الصحاح" (وكل من امتنع عن شيء، فلم يقدر عليه، فقد حَصِرَ عنه، ولهذا قيِل: (حَصِرَ في القراءة)، و (حَصِرَ عن أهله) 2/ 631 (حصر).

(٨٣) من قوله: (الضيق ..) إلى (..

ولا فيها بسوار): ساقط من: (ب).

(٨٤) النَّدامى هنا: هم الذي يجتمعون على الشراب، وهذا هو الأصل فيها، ثم استعملت في كل اجتماع للمسامرة.

يقال: (نادمه على الشراب، مُنادمة، ونِدامًا).

والمفرد: نَدِيم، ونَدْمان.

والجمع: نَدامى، ونُدَماء، ونِدام.

انظر (ندم) في "أساس البلاغة" 2/ 432، "التاج" 17/ 683.

(٨٥) انظر: "التهذيب" 1/ 838 (حصر).

وقال ابن سيده في: "المخصص": 14/ 25: (والحَصير ..

الذي لا يشرب مع القوم لبخله، وهو الحَصور)، وكذا ورد في "مجالس ثعلب" 509.

(٨٦) قوله: (فيها بسوار): بياض في: (د).

وهذا عجز بيت وصدره: وشاربٍ مُربح بالكأس نادمني= وهو للأخطل، في شعره 168، كما ورد منسوبًا له في أغلب المصادر التالية: "مجاز القرآن" 1/ 92، "طبقات فحول الشعراء" 501، "مجالس ثعلب" 315، 509، "معاني القرآن" للزجاج: 1/ 407، "تفسير الطبري" 3/ 255، "القطع والاستئناف" للنحاس: 223، "جمهرة أشعار العرب" ص 328، "تهذيب اللغة" 1/ 838 (حصر)، "المحتسب" 2/ 241، "الصحاح" 2/ 631 (حصر)، "مقاييس اللغة" 3/ 115 (حصر)، "تفسير الثعلبي" 3/ 48 أ، "والمخصص": 14/ 25، "تفسير القرطبي" 3/ 158، "اللسان" 2/ 896 (حصر)، 4/ 2147 (سور).

وورد في "مجالس ثعلب" برواية أخرى، وذكرها ابن جني في "المحتسب" (..

ولا فيها بسآر) بتشديد الألف الممدودة، وقال ابن جني: (وأجود الروايتين: (بسَوَّار)؛ أي: بمعربد)، وفي "القطع والائتناف" (وصاحب مربح ..).

ومعنى (مُرْبح)؛ أي: يصف نديمه في الشراب، بأنه يُربح بائعها، ولا يبالي بأن يشتريها بثمن غالٍ، وهو هنا يمدحه بحب اللهْو والكرم، أو تكون (مربح) من: أرْبَح الرجلُ: إذا نحر لأضيافه (الرَّبَح)، وهي الفصلان الصغار.

وقوله: (لا بالحصور)؛ أي: ليس بخيلا ممسكا.

ومعنى: (ولا فيها بسوَّار)؛ السَّوَّار: الذي تَسُورُ وتدبُّ الخمرُ في رأسه سريعًا، فتثب به وثْبَ المُعَرْبِد على من يُشارِبُه.

أما الرواية الثانية (ولا فيها بسآر)؛ أي: لا يبقى في الإناء سُؤْرًا، أي: بقية، بل يشتفُّهُ كلَّه.

انظر: "اللسان" 3/ 1553 (ربح)، 2/ 896 (حصر)، 4/ 2147 (سور).

(٨٧) في (ج)، (د): (يسرك).

(٨٨) في نسخة (ب) دمج بيت الأخطل مع بيت جرير، كالتالي: لا بالحصر ولا عنها بسوار ...

بسرك يا أميم ضنينا وقد ورد بيت جرير، في "ديوانه": 476.

كما ورد منسوبًا له في: "مجاز القرآن" 1/ 92، "تفسير الطبري" 3/ 255، "معاني القرآن" للزجَّاج1/ 407، "تهذيب اللغة" 1/ 839، "معجم مقاييس اللغة" 2/ 73، "تفسير الثعلبي" 3/ 48 أ، == "والمخصص": 3/ 20، "اللسان" 2/ 896 (حصر)، 4/ 2038 (سقط).

وورد عند الطبري: (تَساقَطَني)، وفي "اللسان" 4/ 2038: (..

حَجِئًا بسِرِّك).

و (تَسَقَّطه)، و (استسقطه)، و (تساقطه)؛ بمعنى: طلب سَقَطَه، أي: خطأه وعثرته، وعالجه على أن يخطئ، وفي البيت: عالجه على أن يسقط فيخطئ أو يبوح بما عنده.

أما في الرواية الثانية: (..

حجئا بسرك)؛ أي: مستمسكًا به، من قولهم: (حَجِئَ بالشيء، وحَجَأ به، حَجْأ)؛ أي: تمسك به ولزمه.

ومعنى (الضَّنِين): البخيل، الحريص على الشيء.

انظر: "اللسان" 4/ 2038 (سقط)، 2/ 777 (حجأ)، "القاموس" 1212 (ضنن).

(٨٩) في "تفسير غريب القرآن" له 99، نقله مع اختصار قليل.

(٩٠) في (ج): (فكأنه)، وفي (د): (وكأنه).

(٩١) في (د): (أحود).

(٩٢) قال ابن قتيبة بعدها: (وأصل الحصر: الحبس).

(٩٣) (بمعنى مركوب): ساقط من: (ج) (د).

(٩٤) انظر: "معاني القرآن" للنحاس 1/ 394.

(٩٥) وهو قول: ابن مسعود، وابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وابن جبير، وقتادة، وعطاء، وأبي الشعثاء، والحسن، والسدي، وابن زيد، وعطية العوفي انظر: "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 643، 644، "تفسير الثعلبي" 3/ 48 أ، "تفسير ابن كثير" 1/ 387، "تفسير القرطبي" 4/ 78.

(٩٦) الذي في "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 643: (عن ابن عباس، قال: الحصور: الذي لا يأتي النساء.)، وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 39، ونسب إخراجه إلى عبد الرزاق، وابن المنذر، وابن عساكر.

(٩٧) قوله في "تفسير الطبري" 3/ 255، "تفسير الثعلبي" 3/ 48 أ.

وقد تقدمت ترجمته.

(٩٨) القذاة: هي الشيء الصغير جدًّا، مما يقع على العين والماء والشراب؛ من تراب، أو تُبْن، أو وسخ، أو غير ذلك.

وجمعها: (قَذُى)، وجمع الجمع: (أقْذاء).

انظر: "اللسان" 6/ 3562 (قذى).

(٩٩) في (ج): (وعلى).

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ هُنَالِكَ ﴾ إشارة إلى مكان، وقد يستعمل في الزمان، وهو الأظهر هنا أي: لما رأى زكريا كرامة الله تعالى لمريم سأل مِنَ اللِه الولد ﴿ فَنَادَتْهُ الملائكة ﴾ أنث رعاية للجماعة، وقرئ فناداه بالألف على التذكير، وقيل: الذي ناداه جبريل وحده وإنما قيل الملائكة: لقولهم: فلان يركب الخيل، أي جنس الخيل وإن كان فرساً واحداً ﴿ بيحيى ﴾ اسم سماه الله تعالى به قبل أن يولد، وهو اسم بالعبرانية صادف اشتقاقاً وبناءً في العربية، وهو لا ينصرف، فإن كان في الإعراب أعجمياً ففيه التعريف والعجمة، وإن كان عربياً فالتعريف ووزن الفعل ﴿ مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ الله ﴾ أي مصدقاً بعيسى عليه السلام مؤمناً به، وسمي عيسى كلمة الله، لأنه لم يوجد إلاّ بكلمة الله وحدها وهي قوله: كن، لا بسبب آخر وهو الوالد كسائر بني آدم ﴿ وَسَيِّداً ﴾ السيد، الذي يسود قومه؛ أي يفوقهم في الشرف والفضل ﴿ وَحَصُوراً ﴾ أي لا يأتي النساء فقيل: خلقه الله كذلك، وقيل: كان يمسك نفسه، وقيل: الحصور الذي لا يأتي الذنوب ﴿ أنى يَكُونُ لِي غلام ﴾ تعجُّب استبعاد أن يكون له ولد مع شيخوخته، وعقم امرأته، ويقال: كان له تسع وتسعون سنة، ولامرأته ثمان وتسعون سنة، فاستبعد ذلك في العادة، مع علمه بقدرة الله تعالى على ذلك، فسأله مع علمه بقدرة الله، واستبعده لأنه نادر في العادة، وقيل: سأله وهو شاب، وأجيب وهو شيخ، ولذلك استبعده ﴿ كَذَلِكَ الله يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ ﴾ أي مثل هذه الفعلة العجيبة، يفعل الله ما يشاء؛ فالكاف لتشبيه أفعال الله العجيبة بهذه الفعلية العجيبة، والإشارة بذلك إلى هبة الولد لزكريا، واسم الله مرفوع بالابتداء، أو كذلك خبره فيجب وصله معه، وقيل: الخبر: يفعل الله ما يشاء، ويحتمل كذلك على هذا وجهين: أحدهما: أن يكون في موضع الحال من فاعل يفعل، والآخر: أن يكون في موضع خبر مبتدأ محذوف تقديره: الأمر كذلك، أو أنتما كذلك، وعلى هذا يوقف على كذلك والأول أرجح لاتصال الكلام، وارتباط قوله: ﴿ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ ﴾ مع ما قبله، ولأن له نظائر كثيرة في القرآن منها قوله: ﴿ وكذلك أَخْذُ رَبِّكَ ﴾ [هود: 102] ﴿ اجعل لي آيَةً ﴾ أي علامة على حمل المرأة ﴿ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ الناس ﴾ أي علامتك أن لا تقدر على كلام الناس ﴿ ثلاثة أَيَّامٍ ﴾ بمنع لسانه عن ذلك مع إبقاء الكلام بذكر الله، ولذلك قال: ﴿ واذكر رَّبَّكَ كَثِيراً ﴾ وإنما حبس لسانه عن الكلام تلك المدة ليخلص فيها لذكر الله شكراً على استجابة دعائه ولا يشغل لسانه بغير الشكر والذكر ﴿ إِلاَّ رَمْزاً ﴾ إشارة باليد أو بالرأس أو غيرهما، فهو استثناء منقطع ﴿ بالعشي ﴾ من زوال الشمس إلى غروبها، والإبكار من طلوع الفجر إلى الضحى.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ مني إنك ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو.

﴿ بما وضعت ﴾ على الحكاية: ابن عامر ويعقوب وأبو بكر وحماد.

الباقون ﴿ وضعت ﴾ على الغيبة.

﴿ وإني أعيذها ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع.

﴿ وكفلها ﴾ مشددة: عاصم وحمزة وعلي وخلف.

الباقون خفيفاً ﴿ زكريا ﴾ مقصوراً كل القرآن: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.

وقرأ أبو بكر وحماد بالمد والنصب ههنا.

الباقون بالمد والرفع.

﴿ فناديه ﴾ بالياء والإمالة: علي وحمزة وخلف.

الباقون ﴿ فنادته ﴾ بتاء التأنيث ﴿ في المحراب ﴾ بالإمالة حيث كان مخفوضاً.

قتيبة وابن ذكوان ﴿ إن الله ﴾ بكسر "إن": ابن عامر وحمزة.

الباقون بالفتح.

﴿ يبشرك ﴾ وما بعده من البشارة خفيفاً: حمزة وعلي.

الباقون بالتشديد ﴿ لي آية ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وابن شنبوذ عن ابن كثير.

الوقوف: ﴿ مني ﴾ ج للابتداء ولاحتمال لأنك ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ أنثى ﴾ ط لمن قرأ ﴿ بما وضعت ﴾ بتاء التأنيث الساكنة، ومن قرأ على الحكاية لم يقف لأنه يجعلها من كلامها.

﴿ بما وضعت ﴾ ط ﴿ كالأنثى ﴾ ج للابتداء بأن، ولاحتمال أن المجموع كلام واحد من قولها على قراءة من قرأ ﴿ وضعت ﴾ بالضم ﴿ الرجيم ﴾ ه ﴿ حسناً ﴾ ص لمن قرأ ﴿ وكفلها ﴾ مخففاً لتبدل فاعله، فإن فاعل المخفف ﴿ زكريا ﴾ وفاعل المشدد الرب.

وقد يعدى إلى مفعولين كقوله: ﴿ أكفلنيها  ﴾ ﴿ المحراب ﴾ (لا) لأن ﴿ وجد ﴾ جواب ﴿ كلما ﴾ ﴿ رزقاً ﴾ ج لاتحاد فاعل الفعلين مع عدم العاطف ﴿ هذا ﴾ ط ﴿ من عند الله ﴾ ط ﴿ حساب ﴾ ه ﴿ ربه ﴾ ج لما قلنا في ﴿ رزقاً ﴾ ﴿ طيبة ﴾ ج للابتداء ولجواز لأنك ﴿ الدعاء ﴾ ه ﴿ في المحراب ﴾ (لا) وإن كسر "إن" لأن من كسر جعل النداء في معنى القول ﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ عاقر ﴾ ط ﴿ ما يشاء ﴾ ه ﴿ آية ﴾ ط ﴿ والإبكار ﴾ ه.

التفسير: إنه  ذكر في هذا المقام قصصاً.

القصة الأولى حنة أم مريم البتول زوجة ابن عمران بن ماثان بنت فاقوذ أخت إيشاع التي كانت تحت زكريا بن أذن.

روي أن حنة كانت عاقراً لم تلد إلى أن كبرت وعجزت.

فبينما هي في ظل شجرة بصرت بطائر يطعم فرخاً له، فتحركت نفسها للولد وتمنته فقالت: اللهم إن لك عليّ نذراً شكراً إن رزقتني ولداً أن أتصدق به على بيت المقدس فيكون من سدنته وخدمته.

فحملت بمريم / وهلك عمران وهي حامل.

قال الحسن: إنما فعلت ذلك بإلهام الله  كما ألهم أم موسى فقذفته في أليم.

عن الشعبي: محرراً مخلصاً للعبادة.

وتحرير العبد تخليصه من الرق، وحررت الكتاب إذا أصلحته وخلص من الغلط، ورجل حر إذا كان خالصاً لنفسه ليس لأحد عليه يد وتصرف.

قال الأصم: لم يكن لبني إسرائيل غنيمة ولا سبي، وكان في دينهم أن الولد إذا صار بحيث يمكن استخدامه كان يجب عليه خدمة الأبوين.

فكانوا بالنذر يتركون ذلك النوع عن الانتفاع ويجعلون الأولاد محررين لخدمة المسجد وطاعة الله  ، حتى إذا بلغ الحلم كان مخيراً.

فإن أبى المقام وأراد أن يذهب ذهب، وإن اختار المقام فلا خيار له بعد ذلك.

ولم يكن نبي إلا ومن نسله محرر في بيت المقدس، وما كان هذا التحرير إلا في الغلمان.

لأن الجارية يصيبها الحيض والقذر، ثم إنها نذرت مطلقاً إما لبناء الأمر على الفرض والتقدير، وإما لأنها جعلت النذر وسيلة إلى طلب الولد الذكر.

﴿ محرراً ﴾ حال من "ما".

وعن ابن قتيبة: المعنى نذرت لك أن أجعل ما في بطني محرراً.

فلما وضعتها يعني ما في بطنها لأنها كانت أنثى في علم الله، أو على تأويل النفس أو النسمة أو الحبلة.

والحبل بفتح الباء مصدر بمعنى المحبول، كما سمي بالحمل، ثم أدخلت عليه التاء للإشعار بمعنى الأنوثة فيه، ومنه الحديث " نهى عن حبل الحبلة " ومعناه أن يبيع ما سوف يحمله الجنين الذي في بطن الناقة على تقدير أنه يكون أنثى.

﴿ قالت رب إني وضعتها ﴾ حال كونها ﴿ أنثى ﴾ ثم من قرأ ﴿ والله أعلم بما وضعت ﴾ على الحكاية فمجموع الكلام إلى آخر الآية من قولها، ويكون فائدة قولها ﴿ إني وضعتها أنثى ﴾ الاعتذار عن إطلاق النذر الذي تقدم منها، والخوف من أنها لا تقع الموقع الذي يعتد به والتحزن إلى ربها والتحسر على ما رأت من خيبة رجائها وعكس تقديرها.

ثم خافت أن يظن بها أنها قالت ذلك لإعلام الله  فقالت: ﴿ والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى ﴾ ليس جنس الذكور كجنس الإناث لا سيما في باب السدانة، فإن تحرير غير الذكور لم يكن جائزاً في شرعهم، والذكر يمكن له الاستمرار على الخدمة دون الأنثى لعوارض النسوان، ولأن الأنثى لا تقوى على الخدمة لأنها محل التهمة عند الاختلاط، ويحتمل أن تكون عارفة بالله واثقة بأن كل ما صدر عنه فإنه يكون خيراً وصواباً فقالت: ﴿ رب إني وضعتها أنثى ﴾ ولكنك أعرف وأعلم بحال ما وضعت فلعل لك فيه سراً ﴿ وليس الذكر ﴾ الذي طلبت ﴿ كالأنثى ﴾ التي وهبت لي لأنك لا تفعل إلا ما فيه حكمة ومصلحة، فعلى هذا اللام في الذكر وفي الأنثى لمعهود حاضر ذهني لكنها في الذكر لحاضر ذهني تقديراً لدلالة ما في بطني عليه ضمناً، وفي الأنثى لحاضر ذهني حقيقة لتقدم لفظة أنثى.

ومن قرأ ﴿ بما وضعت ﴾ بسكون التاء للتأنيث فالجملتان أعني / قوله ﴿ والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى ﴾ معترضتان.

ومعناه والله أعلم بالشيء الذي وضعت لما علق به من عظائم الأمور وجعلها وولدها آية للعالمين وهي جاهلة بذلك.

ثم زاده بياناً وإيضاحاً فقال: ﴿ وليس الذكر ﴾ الذي طلبت ﴿ كالأنثى ﴾ التي وهبت لها.

﴿ وإني سميتها مريم ﴾ وذلك أن أباها قد مات عند وضعها فلهذا تولت الأم تسميتها.

ومريم في لغتهم العابدة.

فأرادت بقولها ذلك التقرب والطلب إلى الله أن يعصمها حتى يكون فعلها مطابقاً لاسمها، ولهذا أردف ذلك بطلب الإعاذة لها ولولدها من الشيطان ﴿ فتقبلها ربها ﴾ الضمير يعود إلى امرأة عمران ظاهراً بدليل أنها التي خاطبت ونادت بقولها ﴿ رب إني وضعتها ﴾ ويحتمل أن يعود إلى مريم فيكون فيه إشارة إلى أنه كما رباها في بطن أمها فسيربيها بعد ذلك ﴿ بقبول حسن ﴾ تقبلت الشيء وقبلته إذا رضيته لنفسك.

قبولاً بفتح القاف وهو مصدر شاذ حتى حكي أنه لم يسمع غيره.

وأجاز الفراء والزجاج قبولاً بالضم.

والباء في قوله ﴿ بقبول ﴾ بمنزلة الباء في قولك "كتب بالقلم وضربته بالسوط".

وفي التقبل نوع تكلف فكأنه إنما حكم بالتقبل بواسطة القبول الحسن.

قال في الكشاف: معناه فتقبلها بذي قبول حسن أي بأمر ذي قبول وهو اختصاصها بإقامتها مقام الذكر في النذر ولم يقبل قبلها أنثى في النذر، أو بأن تسلمها من أمها عقيب الولادة قبل أن تنشأ وتصلح للسدانة.

قال: ويجوز أن يكون القبول اسم ما يقبل به الشيء كالسعوط واللدود لما يسعط به ويلدّ وهو الاختصاص، ويجوز أن يكون معناه فاستقبلها مثل تعجل بمعنى استعجل وذلك من قولهم "استقبل الأمر" إذا أخذه بأوله أي فأخذها من أول أمرها حين ولدت بقبول حسن.

﴿ وأنبتها نباتاً حسناً ﴾ قيل: كانت تنبت في اليوم مثل ما ينبت المولود في عام.

وقيل: المراد نماؤها في الطاعة والعفة والصلاح والسداد ﴿ وكفلها زكريا ﴾ روي أن حنة حين ولدت مريم لفتها في خرقة وحملتها إلى المسجد ووضعتها عند الأحبار أبناء هارون وهم في بيت المقدس كالحجبة في الكعبة.

فقالت لهم: دونكم هذه النذيرة فتنافسوا فيها لأنها كانت بنت إمامهم وصاحب قربانهم، وكانت بنو ماثان رؤوس بني إسرائيل وأحبارهم وملوكهم.

فقال لهم زكريا: أنا أحق بها، عندي خالتها، فقالوا: لا حتى نقترع عليها.

فانطلقوا وكانوا سبعة وعشرين إلى نهر فألقوا فيه أقلامهم التي كانوا يكتبون بها التوراة والوحي، على أن كل من ارتفع قلمه فهو الراجح.

فألقوا ثلاث مرات وفي كل مرة كان يرتفع قلم زكريا وترسب أقلامهم، فأخذها زكريا.

فعلى هذه الرواية تكون كفالة زكريا إياها من أول أمرها وهو قول الأكثرين.

وزعم بعضهم أنه كفلها بعد أن فطمت ونبتت النبات الحسن على ترتيب الذكور.

والأرجح أنها لم ترضع ثدياً قط، وكانت تتكلم في الصغر، وكان رزقها من الجنة، وأن / زكريا بنى لها محراباً وهي غرفة يصعد إليها بسلم.

وقيل: هو أشرف المجالس ومقدّمها كأنها وضعت في أشرف موضع من بيت المقدس.

وقيل: كانت مساجدهم تسمى المحاريب.

والتركيب يدل على الطلب فكان صدر المجلس يسمى محراباً لطلب الناس إياه.

وكان إذا خرج غلق عليها سبعة أبواب فكان يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء، وذلك قوله عز من قائل ﴿ كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً قال يا مريم أنى لك هذا ﴾ من أين لك هذا الرزق الذي لا يشبه أرزاق الدنيا وهو آتٍ في غير حينه والأبواب مغلقة؟

قالت ﴿ هو من عند الله ﴾ فلا تستبعد ﴿ إن الله يرزق من يشاء بغير حساب ﴾ يحتمل أن يكون من تمام كلام مريم، وأن يكون معترضاً من كلام الله  .

واعلم أن الأمور الخارقة للعادة في حق مريم كثيرة فمنها: أنه روى أبو هريرة عن النبي  " "ما من مولود إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخاً من مس الشيطان إياه إلا مريم وابنها " قلت: وذلك لدعاء حنة ﴿ وإني أعيذها ﴾ ومنه تكلمها في الصغر.

ومنها حصول الرزق لها من عند الله كما "روي عن النبي  أنه  جاع في زمن قحط فأهدت له  فاطمة  ا رغيفين وبضعة لحم آثرته بها فرجع  بها إليها وقال: هلمي يا بنية.

فكشفت عن الطبق فإذا هو مملوء خبزاً ولحماً فبهتت وعلمت أنها نزلت من عند الله.

فقال النبي  لها: أنى لك هذا؟

قالت: هو من عند الله.

إن الله يرزق من يشاء بغير حساب.

فقال  : الحمد لله الذي جعلك شبيهة سيدة نساء بني إسرائيل.

ثم جمع رسول الله  علي بن أبي طالب والحسن والحسين وجميع أهل بيته  حتى شبعوا وبقي الطعام كما هو، فأوسعت فاطمة  ا على جيرانها" .

وفي أمثال هذه الخوارق من غير الأنبياء دليل على صحة الكرامات من الأولياء.

والفرق بين المعجزة والكرامة أن صاحب الفعل الخارق في الأول يدعي النبوة، وفي الثاني يدعي الولاية، والنبي  يدعي المعجز ويقطع به، والولي لا يمكنه أن يقطع به، والمعجزة يجب انفكاكها عن المعارضة، والكرامة بخلافها.

وقال بعضهم: الأنبياء مأمورون بإظهار المعجزة، والأولياء مأمورون بإخفاء الكرامات أما المعتزلة فقد احتجوا على امتناع الكرامات.

بأنها دلالات صدق الأنبياء، ودليل النبوة لا يوجد مع غير النبي كما أن الفعل المحكم لما كان دليلاً على أن فاعله عالم فلا جرم لا يوجد في غير العالم.

وأجابوا عن حديث أبي هريرة بعد تسليم صحته أن استهلال المولود صارخاً من مس الشيطان تخييل وتصوير لطمعه فيه، كأنه يمسه ويضرب بيده عليه ويقول: / هذا ممن أغويه.

فمعنى الحديث أن كل مولود فإنه يطمع الشيطان في إغوائه إلا مريم وابنها.

وهذا المعنى يعم جميع من كان في صفتهما من عباد الله المخلصين.

قال في الكشاف: وأما حقيقة المس والنخس كما يتوهم أهل الحشو فكلا ولو سلط إبليس على الناس ينخسهم لامتلأت الدنيا صراخاً وعياطاً مما يبلون به من نخسه.

قلت: وعجيب من مثله مثل هذا هذا الكلام فإنه لا يلزم من الإحساس بمس الشيطان والصراخ منه في وقت الولادة وإنه قريب العهد بعالم الأرواح وبزمان المكاشفة بعيد العهد من عالم الغفلة والإلف بالمحسوسات أن يحس به في وقت آخر ويصرخ على أن أثر مس الشيطان ونخسه يظهر في هيئات النفس وأحوالها، وأنها أمور لا يحس بها إلا بعد المفارقة أو قطع العلائق البدنية، والكلام فيه يستدعي فهمه استعداداً آخر غير العلوم الظاهرية.

قال الجبائي: لم لا يجوز أن تكون تلك الخوارق من معجزات زكريا؟

وبيانه أن زكريا دعا لها على الإجمال أن يوصل الله إليها رزقها، وربما كان غافلاً عن تفاصيل ما يأتيها من الأرزاق من عند الله.

فإذا رأى شيئاً بعينه في وقت معين قال لها: أنى لك هذا؟

قالت: هو من عند الله لا من عند غيره.

فعند ذلك يعلم أن الله  أظهر بدعائه تلك المعجزة.

ويحتمل أن يكون زكريا يشاهد عند مريم رزقاً معتاداً لأنه كان يأتيها من السماء وكان زكريا يسألها عن ذلك حذراً من أن يكون من عند إنسان يبعثه إليها فقالت: هو من عند الله، لا من عند غيره.

على أنا لا نسلم أنه قد ظهر لها شيء من الخوارق، بل كانوا يرغبون في الإنفاق على الزاهدات العابدات.

فكان زكريا إذا رأى شيئاً من ذلك خاف أن ذلك الرزق أتاها من حيث لا ينبغي، وكان يسألها عن كيفية الحال.

قلت: أمثال هذه الشبهات يوجبها الشك في القرآن وفي الحديث أو العصبية المحضة.

على أنا نقول: لو كان معجزاً لزكريا لكان مأذوناً من عند الله في طلبه فكان عالماً بحصوله، وإذا علم امتنع أن يطلب كيفية الحال.

وأيضاً كيف قنع بمجرد إخبارها في زوال الشبهة؟

وكيف مدح الله  مريم بحصول هذا الرزق عندها؟

وكيف يستبعد هذا القدر ممن أخبر الله  بأنه اصطفاها على نساء العالمين وقال: ﴿ وجعلناها وابنها آية للعالمين ﴾ ؟} [الأنبياء: 91].

القصة الثانية: واقعة زكريا  وذلك قوله  ﴿ هنالك ﴾ أي في ذلك المكان الذي كانا فيه في المحراب، أو في ذلك الوقت ذلك الوقت الذي شاهد تلك الكرامات فقد يستعار "هنا" و "ثمة" و "حيث" للزمان ﴿ دعا زكريا ربه ﴾ وهذا يقتضي أن يكون قد عرف في ذلك الزمان أو المكان أمراً له تعلق بهذا الدعاء، فالجمهور من العلماء المحققين على أن زكريا رأى عند مريم من فاكهة الصيف في الشتاء وبالعكس وأن ذلك خارق للعادة، فطمع / هو أيضاً في أمر خارق هو حصول الولد من شيخ كبير ومن امرأة عاقر.

وهذا لا يقتضي أن يكون زكريا قبل ذلك شاكاً في قدرة الله  غير مجوّز وقوع الخوارق، فإن من حسن الأدب رعاية الوقت الأنسب في الطلب.

وأما المعتزلة فحين أنكروا كرامات الأولياء وإرهاص الأنبياء قالوا: إن زكريا لما رأى آثار الصلاح والعفاف والتقوى مجتمعة في حق مريم تمنى أن يكون له ولد مثلها.

قال المتكلمون: إن دعاء النبي  لا يكون إلا بعد الإذن لاحتمال أن لا تكون الإجابة مصلحة فحينئذٍ تصير دعوته مردودة وذلك نقص في منصبه.

وقول إن دعاء النبي  لا يكون بمجرد التشهي فلا حاجة له في كل دعاء إلى إذن مخصوص، بل يكفي له الإذن في الدعاء على الاطلاق والغالب في دعوته الإجابة، ثم إن وقع الأمر بالندرة على خلاف دعوته فذلك بالحقيقة مطلوبه لأنه يريد الأصلح، ويضمر في دعائه أنه لو لم يكن أصلح لم يبعثه الله عليه ويصرفه عنه.

ومعنى قوله: ﴿ من لدنك ﴾ أن حصول الولد في العرف والعادة له أسباب مخصوصة وكانت مفقودة في حقه.

فكأنه قال: أريد منك يا رب أن تعزل الأسباب في هذه الواقعة وتخلق هذا الولد بمحض قدرتك من غير توسيط الأسباب.

والذرية النسل يقع على الواحد والجمع والذكر والأنثى والمراد ههنا ولد واحد كما قال: ﴿ فهب لي من لدنك ولياً  ﴾ قال الفراء: وأنث الطيبة لتأنيث لفظ الذرية في الظاهر.

فالتذكير والتأنيث تارة يجيء على اللفظ وأخرى على المعنى، وهذا في أسماء الأجناس بخلاف الأسماء الأعلام فإنه لا يجوز أن يقال: جاءت طلحة، لأن اسم العلم لا يفيد إلا ذلك الشخص، فإذا كان مذكراً لم يجز فيه إلا التذكير.

﴿ إنك سميع الدعاء ﴾ يعني سماع إجابة.

وذلك لما عهد من الإجابة في غير هذه الواقعة كما قال في سورة مريم ﴿ ولم أكن بدعائك رب شقياً  ﴾ .

﴿ فنادته الملائكة ﴾ ظاهر اللفظ للجمع وهذا في باب التشريف أعظم.

ثم ما روي أن المنادي كان جبريل فالوجه فيه أنه كقولهم "فلان يركب الخيل ويأكل الأطعمة النفيسة" أي يركب من هذا الجنس ويأكل منه.

أو لأن جبريل كان رئيس الملائكة وقلما يبعث إلا ومعه آخرون.

﴿ يبشرك بيحيى ﴾ يحتمل أن يكون زكريا قد عرف أنه سيكون في الأنبياء رجل اسمه يحيى وله درجة عالية.

فإذا قيل له: إن ذلك النبي المسمى بيحيى هو ولدك كان بشارة له، ويحتمل أن يكون المعنى يبشرك بولد اسمه يحيى كما يجيء في سورة مريم ﴿ إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى  ﴾ وإنه اسم أعجمي كموسى وعيسى، ومن جوز أن يكون عربياً فمنع صرفه للعلمية ووزن الفعل كيعمر.

ثم إنه  وصف يحيى بصفات منها: قوله ﴿ مصدقاً بكلمة من الله ﴾ وهو نصب على الحال لأنه نكرة و"يحيى" معرفة.

قال أبو عبيدة: أي مؤمناً بكتاب الله.

وسمي الكتاب / كلمة كما قيل: "كلمة الحويدرة" لقصيدته.

والجمهور على أن المراد بكلمة من الله هو عيسى.

قال السدي: لقيت أم يحيى أم عيسى وهما حاملان بهما.

فقالت: يا مريم أشعرت أني حبلى؟

فقالت مريم: وأنا أيضاً حبلى.

قالت امرأة زكريا: فإني وجدت ما في بطني يسجد لما في بطنك فذاك قوله: ﴿ مصدقاً بكلمة من الله ﴾ وقال ابن عباس: إن يحيى أكبر سناً من عيسى بستة أشهر، وكان يحيى أول من آمن به وصدّق بأنه كلمة الله وروحه، ثم قتل يحيى قبل رفع عيسى.

وسمي عيسى كلمة الله لأنه لم يوجد إلا بكلمة الله وهي "كن" من غير واسطة أب وزرع كما يسمى المخلوق خلقاً والمرجو رجاء، أو لكونه متكلماً في أوان الطفولية، أو لأنه منشأ الحقائق والأسرار كالكلمة، ولهذا سمي روحاً أيضاً لأنه سبب حياة الأرواح.

وقد يقال للسلطان العادل ظل الله ونور الله لأنه سبب ظهور ظل العدل ونور الإحسان، أو لأنه وردت البشارة به في كلمات الأنبياء وكتبهم كما لو أخبرت عن حدوث أمر، ثم إذا حدث قلت قد جاء قولي أو كلامي أي ما كنت أقول أو أتكلم به.

ومنها قوله: ﴿ وسيداً ﴾ والسيد الذي يفوق قومه في الشرف.

وكان يحيى فائقاً لقومه بل للناس كلهم في الخصال الحميدة.

وقال ابن عباس: السيد الحليم.

وقال ابن المسيب: الفقيه العالم.

وقال عكرمة: الذي لا يغلبه الغضب.

ومنها قوله: ﴿ وحصوراً ﴾ قيل: أي محصوراً عن النساء لضعف في الآلة، وزيف بأنه من صفات النقص فلا يليق في معرض المدح.

والمحققون على أنه فعول بمعنى فاعل وهو الذي لا يأتي النسوان لا للعجز بل للعفة والزهد وحبس النفس عنهن، وفيه دليل على أن ترك النكاح كان أفضل من تلك الشريعة، فلولا أن الأمر بالنكاح والحث عليه وارد في شرعنا كان الأصل بقاء الأمر على ما كان.

ومنها قوله: ﴿ ونبياً ﴾ واعلم أن السيادة لا تتم إلا بالقدرة على ضبط مصالح الخلق فيما يرجع إلى الدين والدنيا.

والحصور إشارة إلى الزهد التام وهو منع النفس عما لا يعنيه.

روي أنه مر وهو طفل بصبيان يلعبون فدعوه إلى اللعب فقال: ما للعب خلقت.

فقوله: ﴿ ونبياً ﴾ أشار به إلى ما عدا مجموع الأمرين فإنه ليس بعدهما إلا النبوة.

ثم قال: ﴿ ومن الصالحين ﴾ أي من أولادهم لأنه كان من أصلاب الأنبياء أو كائناً من جملة الصالحين كقوله: ﴿ وإنه في الآخرة لمن الصالحين  ﴾ أو لأن صلاحه كان أتم بدليل قوله  : " "ما من نبي إلا وقد عصى أو هم بمعصية غير يحيى بن زكريا فإنه لم يعص ولم يهم " وفيه أن الختم على الصلاح هو الغرض الأعظم والغاية القصوى وإن كان نبياً، ولهذا قال سليمان بعد حصول النبوة ﴿ وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين  ﴾ وقال يوسف: ﴿ توفني مسلماً وألحقني بالصالحين  ﴾ .

ثم إن الملائكة لما نادوه بما نادوه قال زكريا / مخاطباً لله  ومناجياً إياه ﴿ رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر ﴾ أدركتني السنون العالية وأثر فيّ طول العمر وأضعفني.

قال أهل اللغة: كل شيء صادفته وبلغته فقد صادفك وبلغك وذلك إذا أمكن تصور الطلب من الجانبين.

فيجوز بلغت الكبر وبلغني الكبر لأن الكبر كالشيء الطالب للإنسان فهو يأتيه بحدوثه فيه.

والإنسان أيضاً يأتيه بمرور العمر عليه.

ولا يجوز بلغني البلد في موضع بلغت البلد لأن البلد ليس كالطالب للإنسان الذاهب.

﴿ وامرأتي عاقر ﴾ هي من الصفات الخاصة بالنساء.

ويقال: رمل عاقر لا ينبت شيئاً.

فإن قيل: لما كان زكريا هو الذي سأل الولد ثم أجابه الله  إلى ذلك فما وجه تعجبه واستبعاده بقوله: ﴿ أنى يكون ﴾ من أين يحصل لي غلام؟

فالجواب على ما في الكشاف أن الاستبعاد إنما جاء من حيث العادة.

وقيل: إنه دهش من شدة الفرح فسبق لسانه.

ونقل عن سفيان بن عيينة أن دعاءه كان قبل البشارة بستين سنة، فكان قد نسي ذلك السؤال وقت البشارة، فلما سمع البشارة في زمان الشيخوخة استغرب وكان له يؤمئذٍ مائة وعشرون سنة أو تسع وتسعون ولامرأته ثمان وتسعون، وعن السدي أن الشيطان جاءه عند سماع البشارة قال: إن هذا النداء من الشيطان وقد سخر منك فاشتبه عليه الأمر ولا سيما أنه كان من مصالح الدنيا ولم يتأكد بالمعجزة فرجع إلى إزالة ذلك الخاطر فسأل ما سأل.

والجواب المعتمد أن زكريا لم يسأل عما سأل استبعاداً وتشككاً في قدرة الله  ، وإنما أراد تعيين الجهة التي بها يحصل الولد، فإن الجهة المعتادة كانت متعذرة عادة لكبره وعقارتها فأجيب بقوله: ﴿ كذلك الله يفعل ما يشاء ﴾ وهو إما جملة واحدة أي الله يفعل ما يشاء من الأفعال العجيبة مثل ذلك الفعل وهو خلق الولد بين الشيخ الفاني والعجوز العاقر، أو جملتان فيكون ﴿ كذلك الله ﴾ مبتدأ وخبراً أي على نحو هذه الصفة الله و ﴿ يفعل ما يشاء ﴾ بياناً له أي يفعل ما يريد من الأفاعيل الخارقة للعادات.

ثم إنه  لفرط سروره وثقته بكرم ربه وإنعامه سأل عن تعيين الوقت فقال: ﴿ رب اجعل لي آية ﴾ علامة أعرف بها العلوق فإن ذلك لا يظهر من أوّل الأمر فقال  : ﴿ آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام ﴾ أي بلياليها ولهذا ذكر في سورة مريم ﴿ ثلاث ليال  ﴾ ومعنى قوله: ﴿ ألا تكلم الناس ﴾ قال المفسرون: أي لا تقدر على التكلم.

حبس لسانه عن أمور الدنيا وأقدره على الذكر والتسبيح ليكون في تلك المدة مشتغلاً بذكر الله وبالطاعة وبالشكر على تلك النعمة الجسمية، فيصير الشيء الواحد علامة على المقصود وأداء لشكر النعمة فيكون جامعاً للمقاصد.

وفي هذه الآية إعجاز من وجوه منها: القدر على التكلم بالتسبيح والذكر مع العجز عن التكلم بكلام البشر.

ومنها العجز مع سلامة البنية واعتدال المزاج.

ومنها الإخبار بأنه متى حصلت هذه / الحالة فقد حصل الولد.

ثم إن الأمر وقع على وفق هذا الخبر.

وعن قتادة أنه  عوتب بذلك حيث سأل بعد بشارة الملائكة فأخذ لسانه وصبر بحيث لا يقدر على الكلام.

قلت: وأحسن العتاب ما كانت منتزعاً من نفس الواقعة ومناسباً لها.

وفيه لطيفة أخرى وهي أنه طلب الآية على الإطلاق فاحتمل أن يكون قد طلب علامة للعلوق، واحتمل أن يكون قد طلب دلالة على إحداث الخوارق ليصير علم اليقين عين اليقين، فصار حبس لسانه آية العلوق ودلالة على الفعل الخارق جميعاً مع مناسبته للواقعة حيث سأل ما كان من حقه أن لا يسأل.

وزعم أبو مسلم أن المعنى: آيتك أن تصير مأموراً بعدم التكلم ولكن بالاشتغال بالذكر والتسبيح ﴿ إلا رمزاً ﴾ إشارة بيد أو رأس أو بالشفتين ونحوها.

وأصل التركيب للتحرك يقال: ارتمز إذا تحرك ومنه الراموز للبحر، وهو استثناء من قوله: ﴿ ألا تكلم ﴾ وجاز وإن لم يكن الرمز من جنس الكلام لأن مؤدّاه مؤدى الكلام، ويجوز أن يكون استثناء منقطعاً.

وقيل: الرمز الكلام الخفي.

وعلى هذا فالاستثناء متصل من غير تكلف.

وقرأ يحيى بن وثاب ﴿ إلا رمزاً ﴾ بضمتين جميع رموز كرسول ورسل وقرىء ﴿ رمزاً ﴾ بفتحتين جمع رامز كخادم وخدم وهو حال منه ومن الناس دفعة بمعنى إلا مترامزين كما يكلم الناس الأخرس بالإشارة ويكلمهم ﴿ واذكر ربك كثيراً ﴾ قيل: إنه لم يكن عاجزاً إلا عن تكليم البشر.

وقيل: المراد الذكر بالقلب وإنه كان عاجزاً عن التكلم مطلقاً ﴿ وسبح ﴾ حمله بعضهم على صلّ كيلا يكون تكراراً للذكر.

وقد تسمى الصلاة تسبيحاً ﴿ فسبحان الله حين تمسون  ﴾ لاشتمالها عليه.

والعشيّ مصدر على "فعيل" وهو من وقت زوال الشمس إلى غروبها.

والإبكار من طلوع الفجر إلى الضحى وهو مصدر أبكر يبكر إذا خرج للأمر من أول النهار، ومنه الباكورة لأول الثمار.

وقرىء بفتح الهمزة جمع بكر كسحر وأسحار.

التأويل: إن لله  في كل ذرة من ذرات الموجودات وحركة من حركاتها أسراراً لا يعلمها إلا الله.

فانظر ماذا أخرج الله من الأسرار عن إطعام طائر فرخه، وماذا أظهر من الآيات والمعجزات من تلك الساعة إلى يوم القيامة بواسطة مريم وعيسى ﴿ فتقبل مني ﴾ راجع إلى المحرر لا إلى التحرير أي تقبلها مني أن تتكفلها وتربيها تربية المحررين ﴿ فتقبلها ربها ﴾ أي تقبلها ربها أن يربيها ﴿ بقبول حسن ﴾ كقبول ذكر أو قبولاً أخرج منها مثل عيسى ﴿ وكفلها زكريا ﴾ من كمال رأفته أنه جعل كفالتها إلى زكريا حيث أراد أن يخرج عيسى منها بلا أب لئلا يدخل عليها غيره فتكون أبعد من التهمة.

﴿ وجد عندها رزقاً ﴾ أي من فتوحات الغيب الذي يطعم الله به خواص عباده الذين يبيتون عنده لا عند أنفسهم ولا عند الخلق / كقوله  : " أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني " ﴿ إن الله يرزق من يشاء بغير حساب ﴾ ما لم يكن في حسابها من الولد بلا أب، ومن الفاكهة بلا شجرة، ومن المعجزات بلا نبوة، ومن العلوم اللدنية بلا واسطة ﴿ هنالك دعا زكريا ربه ﴾ كما أنه  جعل إطعام الطائر فرخه سبب تحريك قلب حنة لطلب الولد، فكذلك جعل حالة مريم وما كان يأتيها من الرزق خارقاً للعادة سبب تحريك قلب زكريا ﴿ قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة ﴾ أي ولداً يكون روحه من الصف الأول من صفوف الأرواح المجندة، وهو المطهر من لوث الحجاب والوسط الصالح للنبوة والولاية بخلاف الصف الثاني الذي هو لأرواح الأولياء وبينه وبين الله تعالى حجاب الصف الأول، وبخلاف الصف الثالث الذي هو لأرواح المؤمنين، وبخلاف الصف الرابع الذي هو لأرواح المنافقين والمشركين ﴿ فنادته الملائكة وهو قائم ﴾ بالله ﴿ يصلي ﴾ بسائر سره في الملكوت يحارب نفسه وهواه ﴿ في المحراب إن الله يبشرك بغلام اسمه يحيى ﴾ لأنه منذ خلق ما ابتلى بالموت لا بموت القلب بالمعاصي ولا بموت الصورة لأنه استشهد والشهداء لا يموتون بل أحياء عند ربهم يرزقون.

﴿ مصدقاً بكلمة من الله ﴾ وهي قوله: ﴿ يا يحيى خذ الكتاب بقوة  ﴾ ﴿ وسيداً ﴾ أي حراً من رق الكونين بل سيداً لرقيقي الكونين ﴿ وحصوراً ﴾ نفسه عن التعليق بالكونين ﴿ ونبياً من الصالحين ﴾ من أهل الصف الأول ﴿ رب أنى يكون لي غلام ﴾ لم يكن استبعاده من قبل القدرة الإلهية ولكن من جهة استحقاقه لهذه الكرامة ﴿ آيتك ألا تكلم الناس ﴾ لغلبات الصفات الروحانية عليك واستيلاء سلطان الحقيقة على قلبك، فإن النفس الناطقة تكون مغلوبة في تلك الحالة بشواهد الحق في الغيب، فلا تفرغ لإجراء عادتها في الشهادة بالكلام ﴿ إلا رمزاً ﴾ ولهذا يقوى الروح الحيواني وتستمد منه القوة البشرية فيحيى الله  به الشهوة الميتة فسمى ما تولد من الشهوة الميتة التي أحياها الله يحيى.

ولاستمرار هذه الحالة في الأيام الثلاثة أمر بالمراقبة ليلاً ونهاراً وعشياً وإبكاراً حسبي الله.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ﴾ .

قيل: فعند ذلك دعا زكريا ربه لما كانت نفسه الخاشية تحدث بالولدان تهب له، لكنه لم يدعو لما رأى نفسه متغيرة عن الحال التي يطمع منها الولد، فرأى أن السؤال في مثل ذلك لا يصلح؛ فلما رأى عندها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف غير متغيرة عن حالها - علم عند ذلك أن السؤال يصلح، وأنه يجاب للدعاء في غير حينه، فذلك معنى قوله: ﴿ هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ ﴾ ، والله أعلم.

ويحتمل أنه لما رأى ما أكرمت امرأة عمران في قبول دعوتها وتبليغ ابنتها في الكرامة المبلغ الذي رأى فيها مما لعل أطماع الأنفس لا تبلغ ذلك - دعا الله  - أن يكرمه ممن يبقى له الأثر فيه والذكر، وإن كانت تلك الحال حال لا تطمع الأنفس فيما رغب -  - مع ما كان يعلم قدرة الله -  - على ما يشاء من غير أن كان يحس على طلب الإكرام بكل ما يبلغه قدره، حتى رأى ما هو في الأعجوبة قريب مما كانت نفسه تتمنى، والله أعلم بالمعنى الذي سأل.

وقوله: ﴿ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ ﴾ .

أي: مجيب الدعاء.

وقوله: ﴿ فَنَادَتْهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي ٱلْمِحْرَابِ ﴾ .

دل هذا أن المحراب هو موضع الصلاة.

﴿ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـىٰ ﴾ .

فيه دلالة لقول أصحابنا - رحمهم الله - أن الرجل إذا حلف ألا يبشر فلاناً فأرسل إليه غيره يبشره - حنث في يمينه؛ لأنه هو البشير، وإن كان المؤدي غيره؛ ألا ترى أن البشارة - ههنا - أضيفت إلى الله -  - فكان هو البشير؛ فكذلك هذا.

وقوله: ﴿ مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ .

﴿ بِكَلِمَةٍ ﴾ قيل: عيسى -  - كان بكلمة من الله، فيحيى صدّقه برسالته.

وقيل: أول من صدق عيسى - يحيى بن زكريا، ولهذا وقع على النصارى شبهه؛ حيث قالوا: عيسى ابن الله، بقوله: ﴿ بِكَلِمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ ، ﴿ وَرُوحٌ مِّنْهُ  ﴾ ظنوا أنه في معنى "فيه"؛ لكن ذلك إنما يذكر إكراماً لهم وإجلالاً، ولا يوجب ذلك ما قالوا؛ ألا ترى أن الله - عز وجل - قال: ﴿ وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ  ﴾ ونحو ذلك، لم يكن فيه أن النعمة منه في شيء؛ فعلت ذلك الأول.

وقوله: ﴿ وَسَيِّداً ﴾ : قيل: سيّداً في العلم والعبادة.

وقيل: السيّد: الحكيم ههنا.

وقيل: السيد: الذي يطيع ربه ولا يعصيه، فكذلك كان صلوات الله عليه.

وقيل: السيد: الحسن الخلق.

وقيل: السيّد: التقي.

وقيل: اشتق يحيى من أسماء لله -  - من: "حي"، والله - عز وجل - هو الذي سمّاه يحيى؛ وكذلك عيسى - روح الله - هو الذي سمّاه مسيحاً؛ بقوله: ﴿ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ  ﴾ وذلك إكراماً لهم وإجلالاً، على ما سمى إبراهيم: خليل الله، ومحمد: حبيب الله، وموسى: كليم الله؛ إكراماً لهم وإجلالاً؛ فكذلك الأوّل.

وجائز أن يكون "يحيى" بما حيي به الدّين.

قال الشيخ - رحمه الله - في قوله: ﴿ بِيَحْيَـىٰ ﴾ : قيل: سمّاه به؛ لما حيي به الدّين والمروءة، أو حيي به العلم والحكمة، أو حيي به الأخلاق الفاضلة، والأفعال المرضية؛ ولهذا - والله أعلم - سمي سيّداً؛ لأن السؤدد في الخلق يكتسب بهذا النوع من الأحوال.

وسمي مسيحاً بما مسح بالبركة، أو يبارك في كل شيء يمسحه بيده؛ نحو أن يبرأ به ويحيى، والله أعلم.

وحقيقة السؤدد أنه يكتسب بالأخلاق الحسنة، والأفعال المرضية، وجائز أن يكون -  - جمعهما فيه؛ فسمّي به، والله أعلم.

والأصل في هذا ونحوه: أن الأسماء إن جعلت للمعارف، ليعلم بها المقصود - فالكف عن التكلف في المعنى الذي له سموا له أسلم، وإن كان في الجملة يختار ما يحسن منه في الأسماع، دون ما يقبح على المقال، أو على الرغبة في ذكره على ما يختار من كل شيء، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَحَصُوراً ﴾ : قيل: الحصور: الذي لا ماء له ولا شهوة.

وقيل: هو المأخوذ عن النساء، والممنوع منهن.

وقيل: هو الذي لا يشتهي النساء.

وكله واحد، والله أعلم.

﴿ وَنَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ ﴾ : ذكر أنه من الصالحين، وإن كان كل نبي لا يكون إلاّ صالحاً؛ على ما سمي كل نبي صدّيقاً، وإن كان لا يكون إلا صدّيقاً، ووجه ذكره صالحاً: أنه كان يتحقق فيه ذلك؛ لأن غيره من الخلق، وإن كان يستحق ذلك الاسم - إنما يستحق بجهة، والأنبياء - عليهم السلام - يتحقق ذلك فيهم من الوجوه كلها.

والثاني: دعاء أن يلحق بالصالحين في الآخرة، والله أعلم.

قال الشيخ - رحمه الله -: ما ذكر في كل نبي أنه كان من الصالحين - يخرج على أوجه: على جميع الصلاح، وعلى البشارة لهم في الآخرة أنهم يلحقون بأهل الصلاح، وعلى أنهم منهم؛ لولا النبوة؛ ليعلم أن النبوة إنما تختار في الدين لم تم لهم وصف الصلاح، وعلى الوصف به أنهم كذلك على السن الناس، وأن الذين ردّوا عليهم - ردّوا بعد علمهم بصلاحهم، أو على الوصف به كالوصف بالصدِّيق، وإن كان كل نبي كذلك؛ مع ما لعل لذلك حد عند الله؛ لذلك أراد لم يكن أطلع غيره عليه، والله أعلم.

وجائز أن يكون "يحيى" بما حيي به الأخلاق المحمودة، والأفعال المرضية؛ ولذلك سمي سيداً؛ وجملته أن لله أن يسمي من شاء بما شاء، وليس لنا تكلف طلب المعنى، فيما سمى الله الجواهر به؛ إذ الأسماء للتعريف، لكن يختار الأسماء الحسنة في السمع على التفاؤل، والله أعلم.

وقوله: وروح الله وكلمته - كقوله: خليل الله وحبيبه، وذبيح الله، وكليم الله، ليس على توهم معنى يزيل معنى الخلقة، ويوجب معنى الربوبية أو النبوة، وذلك على ما قيل: من بيوت الله، وعلى ما قيل لدينه: نور الله، وقيل لفرائضه: حدود الله، لا على معنى يخرج عن جملة خلقه؛ بل على تخصيص لذلك في الفضل على أشكاله، وذلك كما قال لمحمّد  : ﴿ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ  ﴾ ، وقال في الجملة: ﴿ وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ  ﴾ لا على ما توهمته النصارى في المسيح، فمثله الأول، ولا قوة إلا بالله.

وقوله: ﴿ وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً ﴾ : بشارة ببقائه إلى أن يصير كهلاً.

وفيه وجه آخر: وهو أن في ذلك بيان أن كلامه في المهد كلام مختار؛ إذ ذلك وصف كلام الكهل؛ ليعلم أن قوله: ﴿ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ  ﴾ إلى آخره: إنما هو حقيقة الخضوع لله، والإنباء عنه، لا على خلقه؛ كنطق الجوارح في الآخرة، والله أعلم.

أو لتكون آية له دائمة؛ إذ لم يكن على ما عليه أمر البشر: من التغيير، على أن آيات الجوهرية تزول عند الفناء، نحو العصا فيما تعود إلى حالها، واليد، ونحو ذلك؛ ليخص هو بنوع من الآيات الحسية بالدوام، ولا قوة إلا بالله.

﴿ قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِي ٱلْكِبَرُ ﴾ الآية.

يحتمل هذا الكلام وجوهاً: أحَدها: على الإنكار، أي: لا يكون، لكن ههنا لا يحتمل؛ لأنه كان أعلم بالله وقدرته أن ينطق به، أو يخطر بباله.

والثاني: ﴿ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ ﴾ أي: كيف وجهه وسببه، وكذلك قوله: ﴿ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا ﴾ ، وقوله: ﴿ أَنَّىٰ يُحْيِـي هَـٰذِهِ ٱللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا  ﴾ ، ﴿ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلْمُلْكُ عَلَيْنَا  ﴾ أي: كيف وجهه وما سببه.

والثالث: ﴿ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ ﴾ في الحال التي أنا عليها، أو أرادّ إلى الشباب؛ فيكون لي الولد.

هذان الوجهان يحتملان، وأمّا الأول: فإنه لا يحتمل.

وقوله: ﴿ وَقَدْ بَلَغَنِي ٱلْكِبَرُ وَٱمْرَأَتِي عَاقِرٌ ﴾ .

وذكر في سورة مريم: ﴿ قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِي عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيّاً  ﴾ : ذكر على التقديم والتأخير.

[وكذلك قوله: ﴿ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً ﴾ أو ﴿ ثَلاَثَ لَيَالٍ  ﴾ والقصّة واحدة؛ ذكر على التقديم والتأخير]، وعلى اختلاف الألفاظ واللّسان؛ دل على أنه ليس على الخلق حفظ اللفظ واللسان؛ وإنما عليهم حفظ المعاني المدرجة المودعة فيها، وبالله التوفيق، ويعلم أنه لم يكن على كلا القولين، ولم يكن بهذا اللّسان.

وقوله: ﴿ قَالَ كَذَلِكَ ٱللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ ﴾ ، وقوله: ﴿ كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ  ﴾ وإن اختلف في اللّسان.

وقوله: ﴿ قَالَ رَبِّ ٱجْعَلْ لِّيۤ آيَةً ﴾ : طلب من ربّه آية؛ لما لعله لم يعرف أن تلك البشارة بشارة الملائكة، أو وساوس؛ فطلب آية ليعرف أن تلك البشارة بشارة الملائكة من الله - عز وجل - لا بشارة إبليس؛ لأنه لا يقدر أن يفتعل في الآية؛ لأن فيها تغير الخلقة والجوهر، وهم لا يقدرون [على] ذلك، ولعلهم يقدرون على الافتعال في البشارة؛ ألا ترى أن إبراهيم - صلوات الله على نبيّنا وعليه - لما نزل به الملائكة لم يعرفهم بالكلام وهابوه، حتى قال: ﴿ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ  ﴾ ، حتى قالوا: ﴿ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ  ﴾ ، فذهب ذلك الروع منه بعد ما أخبروه أنهم ملائكة، رسل الله، أرسلهم إليه.

وقوله: ﴿ قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً ﴾ .

قال بعض أهل التفسير: حبس لسانه عقوبة له بقوله: ﴿ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِي ٱلْكِبَرُ ﴾ ؛ لكن ذلك خطأ، والوجه فيه: منعه من تكليم الناس، ولم يمنعه عن الكلام في نفسه؛ ألا ترى أنه أمره أن يذكر ربّه، ويسبّح بالعشي والإبكار؛ كقوله: ﴿ وَٱذْكُر رَّبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِبْكَارِ ﴾ ؟!.

ويحتمل أن يكون أراه آية في نفسه من نوع ما كان سؤاله؛ إذ كان عن العلم بالولد في غير حينه، فأراه بمنع اللسان عن النطق، وأعلى أحوال الاحتمال؛ ليكون آية للأوّل.

وقيل في قوله: ﴿ ٱجْعَلْ لِّيۤ آيَةً ﴾ : أنه طلب آية؛ لجهله بعلوق الولد، وجعلها ليعرف متى يأتيها؟.

وقوله: ﴿ إِلاَّ رَمْزاً ﴾ : قيل: الرّمز: هو تحريك الشفتين.

وقيل: هو الإيماء بشفتيه.

وقيل: هو الإشارة بالرأس.

وقيل: هو الإشارة باليد، والله أعلم بذلك.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فنادته الملائكة مخاطبة له وهو في حال قيامه للصلاة في مكان عبادته بقولها: إن الله يُبشرك بولد يولد لك اسمه يحيى، من صفته أن يكون مصدقًا بكلمة من الله، وهو عيسى بن مريم -لأنه خُلِق خلقًا خاصًّا بكلمة من الله- ويكون هذا الولد سيدًا على قومه في العلم والعبادة، مانعًا نفسه وحابسها عن الشهوات ومنها قُرْبان النساء، متفرغًا لعبادة ربه، ويكون -أيضًا- نبيًّا من الصالحين.

<div class="verse-tafsir" id="91.V12EX"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

فسر بعضهم "هنالك" بالزمان وهو ضعيف والاستعمال الفصيح فيها أنها للمكان أي في ذلك المكان الذي خاطبته فيه مريم بما ذكر دعا ربه ورؤية الأولاد النجباء تشوق نفس القارئ وتهيج تمنيه لو يكون له مثلهم.

وذهب المفسر (الجلال) إلى أن الذي بعث زكريا إلى الدعاء هو رؤيته فاكهة الصيف في الشتاء وعكسه فإن ذلك من قبيل مجيء الولد من الشيخ الكبير والمرأة العاقر وليس في الآية ما يدل عليه، وقد يعترض عليه بأن فيه إشعارًا بأن زكريا لم يكن قبل ذلك عالمًا بإمكان الخوارق، ولا يقول بهذا مؤمن بنبوته.

فإن قيل: إن تعجبه بعد قوله ﴿ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ  ﴾ قد يشعر بشيء من ذلك، فالجواب: إن هذا يؤيد امتناع أن تكون رواية الخوارق هي التي أثارت في نفسه هذا الدعاء.

إن زكريا لما رأى ما رآه من نعمة الله على مريم في كمال إيمانها وحسن حالها ولا سيما اختراق شعاع بصيرتها لحجب الأسباب، ورؤيتها أن المسخر لها هو الذي يرزق من يشاء بغير حساب، أُخذ عن نفسه، وغاب عن حسه، وانصرف عن العالم وما فيه، واستغرق قلبه في ملاحظة فضل الله ورحمته، فنطق بهذا الدعاء في حال غيبته، وإنما يكون الدعاء جديرًا بأن يستجاب إذ جرى به اللسان بتلقين القلب في حال استغراقه في الشعور بكمال الرب، ولما عاد من سفره في عالم الوحدة، إلى عالم الأسباب ومقام التفرقة، وقد أوذن بسماع ندائه، واستجابة دعائه سأل ربه عن كيفية تلك الاستجابة، وهي على غير السنة الكونية فأجابه بما أجابه، وذلك قوله  ﴿ فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ  ﴾ ..

إن زكريا أحب بمقتضى الطبيعة البشرية أن يتعين لديه الزمن الذي ينال به تلك المنحة الإلهية ليطمئن قلبه، ويبشر أهله، فسأل عن الكيفية، ولما أجيب بما أُجيب به سأل ربه أن يخصه بعبادة يتعجل بها شكره ويكون إتمامه إياها آية وعلامة على حصول المقصود، فأمره بأن لا يكلم الناس ثلاثة أيام بل ينقطع للذكر والتسبيح مساء صباح مدة ثلاثة أيام فإذا احتيج إلى خطاب الناس أومأ إليهم إيماء، وعلى هذا تكون بشارته لأهله بعد مضي الثلاث ليال.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل