الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ٣٨ من سورة آل عمران
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 105 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٣٨ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
لما رأى زكريا ، عليه السلام ، أن الله تعالى يرزق مريم ، عليها السلام ، فاكهة الشتاء في الصيف ، وفاكهة الصيف في الشتاء ، طمع حينئذ في الولد ، و [ إن ] كان شيخا كبيرا قد [ ضعف و ] وهن منه العظم ، واشتعل رأسه شيبا ، وإن كانت امرأته مع ذلك كبيرة وعاقرا ، لكنه مع هذا كله سأل ربه وناداه نداء خفيا ، وقال : ( رب هب لي من لدنك ) أي : من عندك ( ذرية طيبة ) أي : ولدا صالحا ( إنك سميع الدعاء ) .
القول في تأويل قوله : هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (38) قال أبو جعفر: وأما قوله: " هنالك دعا زكريا ربه "، فمعناها: عند ذلك، أي: عند رؤية زكريا ما رأى عند مريم من رزق الله الذي رَزَقها، وفضله الذي آتاها من غير تسبُّب أحد من الآدميين في ذلك لها = (1) ومعاينته عندَها الثمرة &; 6-360 &; الرّطبة التي لا تكون في حين رؤيته إياها عندَها في الأرض = (2) طمع بالولد، مع كبر سنه، من المرأة العاقر.
فرجا أن يرزقه الله منها الولد، مع الحال التي هما بها، كما رزق مريم على تخلِّيها من الناس ما رَزَقها من ثمرة الصيف في الشتاء وثمرة الشتاء في الصيف، وإن لم يكن مثله مما جرت بوجوده في مثل ذلك الحين العاداتُ في الأرض، بل المعروف في الناس غير ذلك، كما أن ولادة العاقر غيرُ الأمر الجاريةِ به العادات في الناس.
فرغب إلى الله جل ثناؤه في الولد، وسأله ذرّيةً طيبة.
وذلك أن أهل بيت زكريا - فيما ذكر لنا - كانوا قد انقرضوا في ذلك الوقت، كما:- 6940 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: فلما رأى زكريا من حالها ذلك = يعني: فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف = قال: إنّ ربًّا أعطاها هذا في غير حينه، لقادرٌ على أن يرزقني ذرية طيبة!
ورغب في الولد، فقام فصلَّى، ثم دعا ربه سرًّا فقال: رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا * وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا [سورة مريم: 4-6]، = وقوله: (3) ( رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ ) = وقال: رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ [سورة الأنبياء: 89].
6941 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، أخبرني يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، &; 6-361 &; قال: فلما رأى ذلك زكريا - يعني فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف - عند مريم قال: إنّ الذي يأتي بهذا مريمَ في غير زمانه، قادرٌ أن يرزقني ولدًا، قال الله عز وجل: " هنالك دعا زكريا ربه "، قال: فذلك حين دعا.
6942 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن أبي بكر، عن عكرمة قال: فدخل المحرابَ وغلَّق الأبوابَ، وناجى ربه فقال: رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا إلى قوله: رَبِّ رَضِيًّا = فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ الآية.
6943 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال، حدثني بعض أهل العلم قال: فدعا زكريا عند ذلك بعد ما أسنّ ولا ولد له، وقد انقرض أهل بيته فقال: " ربّ هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء "، ثم شكا إلى ربه فقال: رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا إلى وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا = فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ الآية.
* * * وأما قوله: " ربّ هب لي من لدنك ذرية طيبة "، فإنه يعني بـ" الذرية " النسل، وبـ" الطيبة " المباركة، (4) كما:- 6944 - حدثني موسى قال: حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " قال رَبّ هب لي من لدنك ذرية طيبة "، يقول: مباركة.
* * * &; 6-362 &; وأما قوله: " من لدنك "، فإنه يعني: من عندك.
* * * وأما " الذرية "، فإنها جمع، وقد تكون في معنى الواحد، وهي في هذا الموضع الواحد.
وذلك أنّ الله عز وجل قال في موضع آخر، مخبرًا عن دعاء زكريا: فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا [سورة مريم: 5]، ولم يقل: أولياء - فدلّ على أنه سأل واحدًا.
وإنما أنث " طيبة "، لتأنيث الذرّية، كما قال الشاعر: (5) أَبُــوكَ خَلِيفَــةٌ وَلَدَتْــهُ أُخْــرَى وَأَنْـــتَ خَلِيفَـــةٌ, ذَاكَ الكَمَــالُ (6) فقال: " ولدته أخرى "، فأنَّث، وهو ذَكر، لتأنيث لفظ " الخليفة "، كما قال الآخر: (7) فَمَــا تَْــزدَرِي مِـنْ حَيَّـةٍ جَبَلِيَّـةٍ سُـكَاتٍ, إذَا مَـا عَـضَّ لَيْسَ بِـأَدْرَدَا (8) فأنث " الجبلية " لتأنيث لفظ " الحية "، ثم رجع إلى المعنى فقال: " إذا مَا عَضّ"، لأنه كان أراد حَية ذكرًا، وإنما يجوز هذا فيما لم يقع عليه " فلانٌ" من الأسماء، كـ" الدابة، والذرية، والخليفة ".
فأما إذا سُمّي رجل بشيء من ذلك، &; 6-363 &; فكان في معنى " فلان "، لم يجز تأنيثُ فعله ولا نعته.
(9) * * * وأما قوله: " إنك سميع الدعاء "، فإن معناه: إنك سامع الدعاء، غير أنّ" سميع "، أمدَحُ، وهو بمعنى: ذو سمع له.
(10) * * * وقد زعم بعض نحويي البصرة أن معناه: إنك تَسمعَ ما تُدْعى به.
* * * قال أبو جعفر: فتأويل الآية، فعند ذلك دعا زكريا ربه فقال: رب هب لي من عندك ولدًا مباركًا، إنك ذو سَمعٍ دُعاءَ من دَعاك.
------------------ الهوامش : (1) قوله: "ومعاينته عندها..." معطوف على قوله آنفًا: "عند رؤية زكريا.
.
.".
(2) سياق الجملة: أي عند رؤية زكريا ما رأى.
.
.
وعند معاينته عندها الثمرة...
طمع بالولد..." وفي المطبوعة: "طمع في الولد.." ، وأثبت ما في المخطوطة ، وكلاهما صواب.
(3) في المطبوعة والمخطوطة: "وقوله" ، والسياق يقتضي ما أثبت ، وذاك من عجلة الناسخ.
(4) انظر قوله"ذرية" فيما سلف 3: 19 ، 79 / ثم 5: 543 / 6: 327 ولم يفسرها في هذه المواضع ، ثم فسرها هنا ، وهو من اختصار هذا الكتاب الجليل ، كما قيل في ترجمته.
ثم انظر تفسير"الطيب" فيما سلف 3: 301 / ثم 5: 555.
(5) لم أعرف قائله.
(6) معاني القرآن للفراء 1: 208 سيأتي في التفسير 4: 150 (بولاق).
(7) لم أعرف قائله.
(8) معاني القرآن للفراء 1: 208 ، واللسان (سكت) وكان في المطبوعة: "كما تزدري...
سكاب...
ليس بأزدرا" ، وهو خطأ.
والحية إذا كانت جبلية ، فذاك أشد لها ولسمها ، يقول عنترة: أَصَــمَّ جبَــالِيٍّ, إِذا عَـضَّ عَضَّـةً تَـــزَايَلَ عَنْــهُ جِــلْدُه فتبــدّدَا وحية سكوت وسكات (بضم السين): إذا لم يشعر الملسوع به حتى يلسعه ، والأدرد: الذي سقطت أسنانه ، فلم يبق في فمه سن.
يصف رجلا داهية.
يقول: كيف تستخف به ، وهو حية فاتكة ، لا يشعر الملسوع بعضها حتى تعضه بناب لم يسقط ولم يذهب سمه.
(9) انظر معاني القرآن للفراء 1: 208 ، 209.
(10) انظر تفسير"سميع" فيما سلف 2: 140 ، 377 ، 540 / 3: 399 / 4: 488.
هنالك دعا زكريا ربه هنالك في موضع نصب ; لأنه ظرف يستعمل للزمان والمكان وأصله للمكان .
وقال المفضل بن سلمة : " هنالك " في الزمان و " هناك " في المكان ، وقد يجعل هذا مكان هذا .
هب لي أعطني .
من لدنك من عندك .
ذرية طيبة أي نسلا صالحا .
والذرية تكون واحدة وتكون جمعا ذكرا وأنثى ، وهو هنا واحد .
يدل عليه قوله .
فهب لي من لدنك وليا ولم يقل أولياء ، وإنما أنث طيبة لتأنيث لفظ الذرية ; كقوله :أبوك خليفة ولدته أخرى وأنت خليفة ذاك الكمالفأنث ولدته لتأنيث لفظ الخليفة .وروي من حديث أنس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : [ ص: 68 ] أي رجل مات وترك ذرية طيبة أجرى الله له مثل أجر عملهم ولم ينقص من أجورهم شيئا .
وقد مضى في " البقرة " اشتقاق الذرية .
و ( طيبة ) أي صالحة مباركة .
إنك سميع الدعاء أي قابله ; ومنه : سمع الله لمن حمده .دلت هذه الآية على طلب الولد ، وهي سنة المرسلين والصديقين ، قال الله تعالى : ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية .
وفي صحيح مسلم عن سعد بن أبي وقاص قال : أراد عثمان أن يتبتل فنهاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولو أجاز له ذلك لاختصينا .
وخرج ابن ماجه عن عائشة قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : النكاح من سنتي فمن لم يعمل بسنتي فليس مني وتزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم ومن كان ذا طول فلينكح ومن لم يجد فعليه بالصوم فإنه له وجاء .
وفي هذا رد على بعض جهال المتصوفة حيث قال : الذي يطلب الولد أحمق ، وما عرف أنه هو الغبي الأخرق ; قال الله تعالى مخبرا عن إبراهيم الخليل : واجعل لي لسان صدق في الآخرين وقال : والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين .
وقد ترجم البخاري على هذا ( باب طلب الولد ) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - لأبي طلحة حين مات ابنه : ( أعرستم الليلة ) ؟
قال : نعم .
قال : ( بارك الله لكما في غابر ليلتكما ) .
قال فحملت .
في البخاري : قال سفيان فقال رجل من الأنصار : فرأيت [ ص: 69 ] تسعة أولاد كلهم قد قرءوا القرآن .
وترجم أيضا " باب الدعاء بكثرة الولد مع البركة " وساق حديث أنس بن مالك قال : قالت أم سليم : يا رسول الله ، خادمك أنس ادع الله له .
فقال : اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيما أعطيته .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين واخلفه في عقبه في الغابرين .
خرجه البخاري ومسلم .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : تزوجوا الولود الودود فإني مكاثر بكم الأمم .
أخرجه أبو داود .
والأخبار في هذا المعنى كثيرة تحث على طلب الولد وتندب إليه ; لما يرجوه الإنسان من نفعه في حياته وبعد موته .
قال - صلى الله عليه وسلم - : إذا مات أحدكم انقطع عمله إلا من ثلاث فذكر ( أو ولد صالح يدعو له ) .
ولو لم يكن إلا هذا الحديث لكان فيه كفاية .فإذا ثبت هذا فالواجب على الإنسان أن يتضرع إلى خالقه في هداية ولده وزوجه بالتوفيق لهما والهداية والصلاح والعفاف والرعاية ، وأن يكونا معينين له على دينه ودنياه حتى تعظم منفعته بهما في أولاه وأخراه ; ألا ترى قول زكريا : واجعله رب رضيا وقال : ذرية طيبة .
وقال : هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين .
ودعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأنس فقال : اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيه .
خرجه البخاري ومسلم ، وحسبك .
أي: دعا زكريا عليه السلام ربه أن يرزقه ذرية طيبة، أي: طاهرة الأخلاق، طيبة الآداب، لتكمل النعمة الدينية والدنيوية بهم.
فاستجاب له دعاءه.
قال الله تعالى ( هنالك ) أي عند ذلك ( دعا زكريا ربه ) فدخل المحراب [ وأغلق الباب ] وناجى ربه ( قال رب ) أي يا رب ( هب لي ) أعطني ( من لدنك ) أي من عندك ( ذرية طيبة ) أي ولدا مباركا تقيا صالحا رضيا ، والذرية تكون واحدا وجمعا ذكرا وأنثى ، وهو هاهنا واحد ، بدليل قوله عز وجل " فهب لي من لدنك وليا " ( 5 - مريم ) وإنما قال : طيبة لتأنيث لفظ الذرية ( إنك سميع الدعاء ) أي سامعه ، وقيل مجيبه ، كقوله تعالى : " إني آمنت بربكم فاسمعون " ( 25 - يس ) أي فأجيبوني
«هنالك» أي لما رأى زكريَّا ذلك وعلم أن القادر على الإتيان بالشيء في غير حينه قادر على الإتيان بالولد على الكبر وكان أهل بيته انقرضوا «دعا زَكَريَّاُ ربَّه» لما دخل المحراب للصلاة جوف الليل «قال ربِّ هب لي من لدنك» من عندك «ذرية طيبة» ولدا صالحا «إنك سميع» مجيب «الدعاء».
عندما رأى زكريا ما أكرم الله به مريم مِن رزقه وفضله توجه إلى ربه قائلا يا ربِّ أعطني من عندك ولدًا صالحًا مباركًا، إنك سميع الدعاء لمن دعاك.
قوله - تعالى - { هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ } كلام مستأنف ، وقصة مستقلة سيقت في تضاعيف قصة مريم وأمها لما بينهما من قوة الارتباط ، وشدة الاشتباك مع ما فى إيرادها من تقرير ما سيقت له قصة مريم و أمها من بيان اصطفاء آل عمران .و " هنا " ظرف يشار به إلى المكان القريب كما فى قوله - تعالى - { إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ } وتدخل عليه اللام والكاف " هنالك " أو الكاف وحدها " هناك فيكون للبعيد وقد يشار به للزمان اتساعا .والمعنى : فى ذلك المكان الطاهر الذى كان يلتقى فيه زكريا بمريم ويرى من شأنها ما يرى من فضائل وغربائب ، تحركت في نفس زكريا عاطفة الأبوة ، وهو الشيخ الكبير الذى وهن عظمه واشتعل رأسه شيباً ، وبلغ من الكبر عتياً - فدعا الله تعالى - بقلب سليم ، وبنفس صافية وبجوارح خاشعة ، أن يرزقه الذرية الصالحة .
كولقد حكى القرآن دعاءه بأسلوبه المؤثر فقال : { قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدعآء } .أى ، قال زكريا مناجيا ربه : يا رب أنت الذى خلقتني ، وأنت الذى لا يقف أمام قدرتك شىء ، وأنت الذى جعلتنى أرى من أحوال مريم ما يشهد بقدرتك النافذة وفضلك العميم فهب لي يا خالقي من عندك ذرية صالحة تقر بها عينى ، وتكون خلفا من بعدى { إِنَّكَ سَمِيعُ الدعآء } أى أنك عليم بدعائي علم من يسمع ، قريب الإجابة لمن يدعوك ، فإن أجبت لى سؤالى فبفضلك وإن لم تجبه ، فبعدلك وحكمتك .
فأنتترى في هذا الدعاء الذى صدر عن زكريا - عليه السلام - أسمى ألوان الأدب والخشوع والإنابة .
فقد رفع أكف الضراعة في مكان مقدس طاهر ، وفي التعبير بقوله { دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ } إشارة إلى تسليمه لله وإلى شعوره بقدرة الله على كل شىء ، فهو الذى خلقه ورباه وتولاه برعايته في كل أدوار حياته .وفى قوله { هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ } إشعار بأنه يريد من خالقه - عز وجل - أن يعطيه هذه الذرية بلا سبب عادى ، ولكن بإرادته وقدرته لأنه لو كان الأمر فى هذا العطاء يعود إلى الأسباب والمسببات العادية لكان الحصول على الذرية مستبعداً إذ هو قد بلغ من الكبر عتيا وزوجته قد تجاوزت السن التي يحصل فيها الانجاب في العادة .أى هب لى من عندك لا من عندى ، لأن الأسباب عندى أصبحت مستبعدة .
وفي تقييد الذرية بكونها طيبة ، إشارة إلى أن زكريا لقوة إيمانه ، ونقاء سريرته ، وحسن صلته بربه ، لا يريد ذرية فحسب وإنما يريد ذرية صالحة يرجى منها الخير في الدنيا والآخرة .وجملة { إِنَّكَ سَمِيعُ الدعآء } تعليلية ، أى إنى ما التجأت إليك يا إلهى إلا لأنك مجيب للدعاء غير مخيب للرجاء .قال القرطبى ما ملخصه " دلت هذه الآية على طلب الولد وهى سنة المرسلين والصديقين .
قال الله - تعالى - { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً } وقد ترجم البخارى على هذا " باب طلب الولد " وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبى طلحة حين مات ابنه " " أعرستم الليلة " قال نعم .
قال : " بارك الله لكما في غابر ليلتكما " فقال رجل من الأنصار فرأيت تسعة أولاد كلهم قد قرءوا القرآن " ، والأخبار في هذا المعنى كثيرة .
تحث على طلب الولد لما يرجوه الإنسان من نفعه في حياته وبعد مماته .
قال صلى الله عليه وسلم إذا مات أحدكم انقطع عمله إلا من ثلاث : فذكر منها " أو ولد صالح يدعو له " ولو لم يكن إلا هذا الحديث لكان فيه كفاية .هذا ، وقد حكى لنا القرآن في سورة مريم دعاء زكريا بصورة أكثر تفصيلا فقال : { ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ إِذْ نادى رَبَّهُ نِدَآءً خَفِيّاً قَالَ رَبِّ إِنَّي وَهَنَ العظم مِنِّي واشتعل الرأس شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّاً وَإِنِّي خِفْتُ الموالي مِن وَرَآئِي وَكَانَتِ امرأتي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ واجعله رَبِّ رَضِيّاً } هذا هو دعاء زكريا كما حكاه الله - تعالى - في أكثر من موضع فى كتابه الكريم فماذا كانت نتيجة هذا الدعاء الخاشع ، والتضرع الخالص؟
لقد كانت نتيجته الإجابة من الله - تعالى - لعبده زكريا ،
القصة الثانية: واقعة زكريا عليه السلام: في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن قولنا: ثم، وهناك، وهنالك، يستعمل في المكان، ولفظة: عند، وحين يستعملان في الزمان، قال تعالى: ﴿ فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وانقلبوا صاغرين ﴾ وهو إشارة إلى المكان الذي كانوا فيه، وقال تعالى: ﴿ إِذَا أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً ضَيّقاً مُّقَرَّنِينَ دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً ﴾ أي في ذلك المكان الضيق، ثم قد يستعمل لفظة ﴿ هُنَالِكَ ﴾ في الزمان أيضاً، قال تعالى: ﴿ هُنَالِكَ الولاية لِلَّهِ الحق ﴾ فهذا إشارة إلى الحال والزمان.
إذا عرفت هذا فنقول: قوله: ﴿ هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ ﴾ إن حملناه على المكان فهو جائز، أي في ذلك المكان الذي كان قاعداً فيه عند مريم عليها السلام، وشاهد تلك الكرامات دعا ربه، وإن حملناه على الزمان فهو أيضاً جائز، يعني في ذلك الوقت دعا ربه.
المسألة الثانية: اعلم أن قوله: ﴿ هُنَالِكَ دَعَا ﴾ يقتضي أنه دعا بهذا الدعاء عند أمر عرفه في ذلك الوقت له تعلق بهذا الدعاء، وقد اختلفوا فيه، والجمهور الأعظم من العلماء المحققين والمفسرين قالوا: هو أن زكريا عليه السلام رأى عند مريم من فاكهة الصيف في الشتاء، ومن فاكهة الشتاء في الصيف، فلما رأى خوارق العادات عندها، طمع في أن يخرقها الله تعالى في حقه أيضاً فيرزقه الولد من الزوجة الشيخة العاقر.
والقول الثاني: وهو قول المعتزلة الذين ينكرون كرامات الأولياء، وإرهاصات الأنبياء قالوا: إن زكريا عليه السلام لما رأى آثار الصلاح والعفاف والتقوى مجتمعة في حق مريم عليها السلام اشتهى الولد وتمناه فدعا عند ذلك، واعلم أن القول الأول أولى، وذلك لأن حصول الزهد والعفاف والسيرة المرضية لا يدل على انخراق العادات، فرؤية ذلك لا يحمل الإنسان على طلب ما يخرق العادة، وأما رؤية ما يخرق العادة قد يطمعه في أن يطلب أيضاً فعلاً خارقاً للعادة ومعلوم أن حدوث الولد من الشيخ الهرم، والزوجة العاقر من خوارق العادات، فكان حمل الكلام على هذا الوجه أولى.
فإن قيل: إن قلتم إن زكريا عليه السلام ما كان يعلم قدرة الله تعالى على خرق العادات إلا عندما شاهد تلك الكرامات عند مريم عليها السلام كان في هذا نسبة الشك في قدرة الله تعالى إلى زكريا عليه السلام.
فإن قلنا: إنه كان عالماً بقدرة الله على ذلك لمن تكن مشاهدة تلك الأشياء سبباً لزيادة علمه بقدرة الله تعالى، فلم يكن لمشاهدة تلك الكرامات أثر في ذلك، فلا يبقى لقوله هنالك أثر.
والجواب: أنه كان قبل ذلك عالماً بالجواز، فأما أنه هل يقع أم لا فلم يكن عالماً به، فلما شاهد علم أنه إذا وقع كرامة لولي، فبأن يجوز وقوع معجزة لنبي كان أولى، فلا جرم قوي طمعه عند مشاهدة تلك الكرامات.
المسألة الثالثة: إن دعاء الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام لا يكون إلا بعد الإذن، لاحتمال أن لا تكون الإجابة مصلحة، فحينئذ تصير دعوته مردودة، وذلك نقصان في منصب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، هكذا قاله المتكلمون، وعندي فيه بحث، وذلك لأنه تعالى لما أذن في الدعاء مطلقاً، وبين أنه تارة يجيب وأخرى لا يجيب، فللرسول أن يدعو كلما شاء وأراد مما لا يكون معصية، ثم إنه تعالى تارة يجيب وأخرى لا يجيب، وذلك لا يكون نقصاناً بمنصب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لأنهم على باب رحمة الله تعالى سائلون فإن أجابهم فبفضله وإحسانه وإن لم يجبهم فمن المخلوق حتى يكون له منصب على باب الخالق.
أما قوله تعالى حكاية عن زكريا عليه السلام: ﴿ هَبْ لِى مِن لَّدُنْكَ ذُرّيَّةً طَيّبَةً ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: أما الكلام في لفظة ﴿ لَّدُنْ ﴾ فسيأتي في سورة الكهف والفائدة في ذكره هاهنا أن حصول الولد في العرف والعادة له أسباب مخصوصة فلما طلب الولد مع فقدان تلك الأسباب كان المعنى: أُريد منك إلهي أن تعزل الأسباب في هذه الواقعة وأن تحدث هذا الولد بمحض قدرتك من غير توسط شيء من هذه الأسباب.
المسألة الثانية: لذرية النسل، وهو لفظ يقع على الواحد، والجمع، والذكر والأنثى، والمراد منه هاهنا: ولد واحد، وهو مثل قوله: ﴿ فَهَبْ لِى مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً ﴾ قال الفراء: وأنث ﴿ طَيّبَةً ﴾ لتأنيث الذرية في الظاهر، فالتأنيث والتذكير تارة يجيء على اللفظ، وتارة على المعنى، وهذا إنما نقوله في أسماء الأجناس، أما في أسماء الأعلام فلا، لأنه لا يجوز أن يقال جاءت طلحة، لأن أسماء الأعلام لا تفيد إلا ذلك الشخص، فإذا كان ذلك الشخص مذكراً لم يجز فيها إلا التذكير.
المسألة الثالثة: قوله تعالى: ﴿ إِنَّكَ سَمِيعُ الدعاء ﴾ ليس المراد منه أن يسمع صوت الدعاء فذلك معلوم، بل المراد منه أن يجيب دعاءه ولا يخيب رجاءه، وهو كقول المصلين: سمع الله لمن حمده، يريدون قبل حمد من حمد من المؤمنين، وهذا متأكد بما قال تعالى حكاية عن زكريا عليه السلام في سورة مريم ﴿ وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبّ شَقِيّاً ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ هُنَالِكَ ﴾ في ذلك المكان حيث هو قاعد عند مريم في المحراب أو في ذلك الوقت.
فقد يستعار هنا وثم وحيث للزمان.
لما رأى حال مريم في كرامتها على الله ومنزلتها، رغب في أن يكون له من ايشاع ولد مثل ولد أختها حنة في النجابة والكرامة على الله، وإن كانت عاقراً عجوزاً فقد كانت أختها كذلك.
وقيل: لما رأى الفاكهة في غير وقتها انتبه على جواز ولادة العاقر ﴿ ذُرِّيَّةَ ﴾ ولداً.
والذرية يقع على الواحد والجمع ﴿ سَمِيعُ الدعاء ﴾ مجيبه.
قرئ: ﴿ فناداه الملائكة ﴾ .
وقيل: ناداه جبريل عليه السلام، وإنما قيل الملائكة على قولهم: فلان يركب الخيل ﴿ أَنَّ الله يُبَشّركَ ﴾ بالفتح على بأن الله، وبالكسر على إرادة القول.
أو لأن النداء نوع من القول.
وقرئ: ﴿ يبشرك ﴾ ، ﴿ ويبشرك ﴾ ، من بشره وأبشره.
﴿ ويَبْشُرك ﴾ بفتح الياء من بشره.
ويحيى إن كان أعجمياً وهو الظاهر فمنع صرفه للتعريف والعجمة كموسى وعيسى، وإن كان عربياً فللتعريف ووزن الفعل كيعمر ﴿ مُصَدّقاً بِكَلِمَةٍ مّنَ الله ﴾ مصدّقاً بعيسى مؤمناً به.
قيل هو أول من آمن به، وسمي عيسى ﴿ كلمة ﴾ لأنه لم يوجد إلا بكلمة الله وحدها، وهي قوله: (كن) من غير سبب آخر.
وقيل: مصدّقاً بكلمة من الله، مؤمناً بكتاب منه.
وسمي الكتاب كلمة، كما قيل كلمة الحويدرة لقصيدته.
والسيد: الذي يسود قومه، أي يفوقهم في الشرف.
وكان يحيى فائقاً لقومه وفائقاً للناس كلهم في أنه لم يركب سيئة قط، ويالها من سيادة.
والحصور: الذي لا يقرب النساء حصراً لنفسه أي منعاً لها من الشهوات.
وقيل هو الذي لا يدخل مع القوم في الميسر.
قال الأخطل: وَشَارِبٍ مُرْبِحٍ بِالكأْسِ نَادَمَني ** لاَ بِالْحَصُورِ وَلاَ فِيهَا بِسَئَّارِ فاستعير لمن لا يدخل في اللعب واللهو.
وقد روي أنه مرّ وهو طفل بصبيان فدعوه إلى اللعب فقال: ما للعب خلقت ﴿ مّنَ الصالحين ﴾ ناشئاً من الصالحين، لأنه كان من أصلاب الأنبياء، أو كائناً من جملة الصالحين كقوله: ﴿ وَإِنَّهُ فِي الاخرة لَمِنَ الصالحين ﴾ [البقرة: 130] .
﴿ أنى يَكُونُ لِي غلام ﴾ استبعاد من حيث العادة كما قالت مريم.
﴿ وَقَدْ بَلَغَنِي الكبر ﴾ كقولهم: أدركته السنّ العالية.
والمعنى أثر فيّ الكبر فأضعفني، وكانت له تسع وتسعون سنة، ولامرأته ثمان وتسعون ﴿ كذلك ﴾ أي يفعل الله ما يشاء من الأفعال العجيبة مثل ذلك الفعل، وهو خلق الولد بين الشيخ الفاني والعجوز العاقر، أو كذلك الله مبتدأ وخبر، أي على نحو هذه الصفة الله، ويفعل ما يشاء بيان له، أي يفعل ما يريد من الأفاعيل الخارقة للعادات ﴿ ءَايَةً ﴾ علامة أعرف بها الحبل لأتلقى النعمة إذا جاءت بالشكر ﴿ قَالَ ءَايَتُكَ أَلاَّ ﴾ تقدر على تكليم الناس ﴿ ثلاثة أَيَّامٍ ﴾ وإنما خص تكليم الناس ليعلمه أنه يحبس لسانه عن القدرة على تكليمهم خاصة، مع إبقاء قدرته على التكلم بذكر الله، ولذلك قال: ﴿ واذكر رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبّحْ بالعشى والإبكار ﴾ يعني في أيام عجزك عن تكليم الناس، وهي من الآيات الباهرة.
فإن قلت: لم حبس لسانه عن كلام الناس؟
قلت: ليخلص المدّة لذكر الله لا يشغل لسانه بغيره، توفراً منه على قضاء حق تلك النعمة الجسيمة، وشكرها الذي طلب الآية من أجله، كأنه لما طلب الآية من أجل الشكر قيل له: آيتك أن تحبس لسانك إلا عن الشكر.
وأحسن الجواب وأوقعه ما كان مشتقا من السؤال.
ومنتزعاً منه ﴿ إِلاَّ رَمْزًا ﴾ إلا إشارة بيد أو رأس أو غيرهما وأصله التحرّك.
يقال ارتمز: إذا تحرّك.
ومنه قيل للبحر الراموز.
وقرأ يحيى ابن وثاب ﴿ إلا رمزاً ﴾ بضمتين، جمع رموز كرسول ورسل.
وقرئ: ﴿ رمزاً ﴾ بفتحتين جمع رامز كخادم وخدم، وهو حال منه ومن الناس دفعة كقوله: مَتَى مَا تَلْقَني فَرْدَيْنِ تَرْجُفْ ** رَوَانِفُ إلْيَتَيْكَ وَتُسْتَطَارَ بمعنى إلا مترامزين، كما يكلم الناس الأخرس بالإشارة ويكلمهم.
والعشيّ: من حين تزول الشمس إلى أن تغيب.
و ﴿ والإبكار ﴾ من طلوع الفجر إلى وقت الضحى.
وقرئ ﴿ والأبكار ﴾ ، بفتح الهمزة جمع بكر كسحر وأسحار.
يقال: أتيته بكراً بفتحتين.
فإن قلت: الرمز ليس من جنس الكلام؛ فكيف استثنى منه؟
قلت: لما أدّى مؤدّى الكلام وفهم منه ما يفهم منه سمي كلاماً.
ويجوز أن يكون استثناء منقطعاً.
<div class="verse-tafsir"
﴿ هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ ﴾ في ذَلِكَ المَكانِ، أوِ الوَقْتِ إذْ يُسْتَعارُ هُنا وثَمَّ وحَيْثُ لِلزَّمانِ، لِما رَأى كَرامَةَ مَرْيَمَ ومَنزِلَتَها مِنَ اللَّهِ تَعالى.
﴿ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ﴾ كَما وهَبْتَها لِحِنَّةَ العَجُوزِ العاقِرِ.
وقِيلَ لَمّا رَأى الفَواكِهَ في غَيْرِ أوانِها انْتَبَهَ عَلى جَوازِ وِلادَةِ العاقِرِ مِنَ الشَّيْخِ، فَسَألَ وقالَ: ﴿ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً ﴾ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلى الوُجُوهِ المُعْتادَةِ وبِالأسْبابِ المَعْهُودَةِ.
﴿ إنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ ﴾ مُجِيبُهُ.
﴿ فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ ﴾ أيْ مِن جِنْسِهِمْ كَقَوْلِهِمْ زَيْدٌ يَرْكَبُ الخَيْلَ.
فَإنَّ المُنادِيَ كانَ جِبْرِيلُ وحْدَهُ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ «فَناداهُ» بِالإمالَةِ والتَّذْكِيرِ.
﴿ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ ﴾ أيْ قائِمًا في الصَّلاةِ، و (يُصَلِّي صِفَةُ قائِمٍ أوْ خَبَرٌ أوْ حالٌ آخَرَ أوْ حالٌ عَنِ الضَّمِيرِ في "قائِمٌ".
﴿ أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى ﴾ أيْ بِأنَّ اللَّهَ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ بِالكَسْرِ عَلى إرادَةِ القَوْلِ، أوْ لِأنَّ النِّداءَ نَوْعٌ مِنهُ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (يُبَشِّرُكَ)، و (يَحْيى) اسْمٌ أعْجَمِيٌّ وإنْ جُعِلَ عَرَبِيًّا فَمَنعُ صَرْفِهِ لِلتَّعْرِيفِ ووَزْنِ الفِعْلِ.
﴿ مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ ﴾ أيْ بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ وُجِدَ بِأمْرِهِ تَعالى دُونَ أبٍ فَشابَهَ البِدْعِيّاتِ الَّتِي هي عالِمُ الأمْرِ، أوْ بِكِتابِ اللَّهِ، سُمِّيَ كَلِمَةً كَما قِيلَ كَلِمَةُ الحُوَيْدِرَةِ لِقَصِيدَتِهِ.
﴿ وَسَيِّدًا ﴾ يَسُودُ قَوْمَهُ ويَفُوقُهم وكانَ فائِقًا لِلنّاسِ كُلِّهِمْ في أنَّهُ ما هَمَّ بِمَعْصِيَةٍ قَطُّ.
﴿ وَحَصُورًا ﴾ مُبالِغًا في حَبْسِ النَّفْسِ عَنِ الشَّهَواتِ والمَلاهِي.
رُوِيَ أنَّهُ مَرَّ في صِباهُ بِصِبْيانٍ فَدَعَوْهُ إلى اللَّعِبِ فَقالَ ما لِلَّعِبِ خُلِقْتُ.
﴿ وَنَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ ﴾ ناشِئًا مِنهم أوْ كائِنًا مِن عِدادِ مَن لَمْ يَأْتِ كَبِيرَةً ولا صَغِيرَةً.
<div class="verse-tafsir"
{هُنَالِكَ} في ذلك المكان حيث هو قاعد عند مريم في المحراب أو في ذلك الوقت فقد يستعار هنا وحيث وثم للزمان لما رأى حال
مريم في كرامتها على الله ومنزلتها رغب أن يكون له من إيشاع ولد مثل ولد أمها حنة في الكرامة على الله وإن كانت عاقراً عجوزاً فقد كانت أمها كذلك وقيل لما رأى الفاكهة في غير وقتها انتبه على جواز ولادة العاقر {دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرّيَّةً} ولداً والذرية يقع على الواحد والجمع {طَيِّبَةً} مباركة والتأنيث للفظ الذرية {إِنَّكَ سَمِيعُ الدعاء} مجيبه
﴿ هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ ﴾ قِصَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ سِيقَتْ في أثْناءِ قِصَّةِ مَرْيَمَ لِكَمالِ الِارْتِباطِ مَعَ ما في إيرادِها مِن تَقْرِيرِ ما سِيقَتْ لَهُ، و(هُنا) ظَرْفُ مَكانٍ، واللّامُ لِلْبُعْدِ، والكافُ لِلْخِطابِ، أيْ في ذَلِكَ المَكانِ حَيْثُ هو قاعِدٌ عِنْدَ مَرْيَمَ في المِحْرابِ، وهي ظَرْفٌ مُلازِمٌ لِلظَّرْفِيَّةِ وقَدْ تُجَرُّ بِمِن وإلى؛ وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِها الزَّمانُ مَجازًا فَإنَّ (هُنا) وثُمَّ وحَيْثُ كَثِيرًا ما تُسْتَعارُ لَهُ وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِ (دَعا) وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ أقْبَلَ عَلى الدُّعاءِ مِن غَيْرِ تَأْخِيرٍ، وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّ (هُنا) هُنا مُسْتَعارَةٌ لِلْجِهَةِ والحالِ أيْ مِن تِلْكَ الحالِ دَعا زَكَرِيّا كَما تَقُولُ: مِن هَهُنا قُلْتُ كَذا، ومِن هُنالِكَ قُلْتُ كَذا، أيْ مِن ذَلِكَ الوَجْهِ وتِلْكَ الجِهَةِ.
أخْرَجَ اِبْنُ بِشْرٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ الحَسَنِ قالَ: لَمّا وجَدَ زَكَرِيّا عِنْدَ مَرْيَمَ ثَمَرَ الشِّتاءِ في الصَّيْفِ وثَمَرَ الصَّيْفِ في الشِّتاءِ يَأْتِيها بِهِ جِبْرِيلُ، قالَ لَها: أنّى لَكِ هَذا في غَيْرِ حِينِهِ.
قالَتْ: هو رِزْقٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ يَأْتِينِي بِهِ اللَّهُ إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ، فَطَمِعَ زَكَرِيّا في الوَلَدِ فَقالَ: إنَّ الَّذِي أتى مَرْيَمَ بِهَذِهِ الفاكِهَةِ في غَيْرِ حِينِها لَقادِرٌ عَلى أنْ يُصْلِحَ لِي زَوْجَتِي ويَهَبَ لِي مِنها ولَدًا فَعِنْدَ ذَلِكَ دَعا رَبَّهُ، وذَلِكَ لِثَلاثِ لَيالٍ بَقَيْنَ مِنَ المُحَرَّمِ، قامَ زَكَرِيّا فاغْتَسَلَ ثُمَّ اِبْتَهَلَ في الدُّعاءِ إلى اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: أطْمَعَهُ في الوَلَدِ فَدَعا مَعَ أنَّهُ كانَ شَيْخًا فانِيًا وكانَتِ اِمْرَأتُهُ عاقِرًا لِما أنَّ الحالَ نَبَّهَتْهُ عَلى جَوازِ وِلادَةِ العاقِرِ مِنَ الشَّيْخِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: ما أشارَ إلَيْهِ الأثَرُ مِن حَيْثُ أنَّ الوَلَدَ بِمَنزِلَةِ الثَّمَرِ والعُقْرَ بِمَنزِلَةِ غَيْرِ أوانِهِ، والثّانِي: أنَّهُ لَمّا رَأى تَقَبُّلَ أُنْثى مَكانَ الذَّكَرِ تَنَبَّهَ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَقُومَ الشَّيْخُ مَقامَ الشّابِّ والعاقِرُ مَقامَ النّاتِجِ، والثّالِثُ: أنَّهُ لَمّا رَأى تَقَبُّلَ الطِّفْلِ مَقامَ الكَبِيرِ لِلتَّحْرِيرِ تَنَبَّهَ لِذَلِكَ، والرّابِعُ: أنَّهُ لَمّا رَأى تَكَلُّمَ مَرْيَمَ في غَيْرِ أوانِهِ تَنَبَّهَ لِجَوازِ أنْ تَلِدَ اِمْرَأتُهُ في غَيْرِ أوانِهِ، والخامِسُ: أنَّهُ لَمّا سَمِعَ مِن مَرْيَمَ ﴿ إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ﴾ تَنَبَّهَ لِجَوازِ أنْ تَلِدَ مِن غَيْرِ اِسْتِعْدادٍ؛ ولا يَخْفى ما في بَعْضِ هَذِهِ الوُجُوهِ مِنَ الخَدْشِ، وعَلى العِلّاتِ لَيْسَ ما رَأى فَقَطْ عِلَّةً مُوجِبَةً لِلْإقْبالِ عَلى الدُّعاءِ بَلْ كانَ جُزْءًا مِنَ العِلَّةِ التّامَّةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها كَبِرُ سِنِّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وضَعْفُ قُواهُ وخَوْفُ مَوالِيهِ حَسْبَما فُصِّلَ في سُورَةِ مَرْيَمَ.
(قالَ) شَرْحٌ لِلدُّعاءِ وبَيانٌ لِكَيْفِيَّتِهِ ﴿ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ﴾ الجارّانِ مُتَعَلِّقانِ بِما قَبْلَهُما وجازَ لِاخْتِلافِ المَعْنى، و(مِن) لِابْتِداءِ الغايَةِ مَجازًا أيْ أعْطِنِي مِن عِنْدِكَ ﴿ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ﴾ أيْ مُبارَكَةً كَما قالَ السُّدِّيُّ، وقِيلَ: صالِحَةٌ تَقِيَّةٌ نَقِيَّةُ العَمَلِ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ الجارُّ الأخِيرُ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ذُرِّيَّةٍ، وجاءَ الطَّلَبُ بِلَفْظِ الهِبَةِ لِأنَّ الهِبَةَ إحْسانٌ مَحْضٌ لَيْسَ في مُقابَلَةِ شَيْءٍ وهو يُناسَبُ ما لا دَخْلَ فِيهِ لِلْوالِدِ لِكِبَرِ سِنِّهِ ولا لِلْوالِدَةِ لِكَوْنِها عاقِرَةً لا تَلِدُ فَكَأنَّهُ قالَ: أعْطِنِي ذُرِّيَّةً مِن غَيْرِ وسَطٍ مُعْتادٍ، والذُّرِّيَّةُ في المَشْهُورِ النَّسْلُ تَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ والذَّكَرِ والأُنْثى.
والمُرادُ هَهُنا ولَدٌ واحِدٌ؛ قالَ الفَرّاءُ: وأنَّثَ الطَّيِّبَةَ لِتَأْنِيثِ لَفْظِ الذُّرِّيَّةِ والتَّأْنِيثُ والتَّذْكِيرُ تارَةً يَجِيئانِ عَلى اللَّفْظِ وأُخْرى عَلى المَعْنى وهَذا في أسْماءِ الأجْناسِ كَما في قَوْلِهِ: أبُوكَ خَلِيفَةٌ ولَدَتْهُ أُخْرى وأنْتَ خَلِيفَةُ ذاكَ الكَمالِ بِخِلافِ الأعْلامِ فَإنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: جاءَتْ طَلْحَةُ لِأنَّ اِسْمَ العَلَمِ لا يُفِيدُ إلّا ذَلِكَ الشَّخْصَ فَإذا كانَ مُذَكَّرًا لَمْ يَجُزْ فِيهِ إلّا التَّذْكِيرُ.
﴿ إنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ ﴾ أرادَ كَثِيرَ الإجابَةِ لِمَن يَدْعُوكَ مِن خَلْقِكَ وهو تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ وتَحْرِيكٌ لِسِلْسِلَةِ الإجابَةِ، وفي ذَلِكَ اِقْتِداءٌ بِجَدِّهِ الأعْلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إذْ قالَ: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ إنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ ﴾ قِيلَ: قَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في كَيْفِيَّةِ دُعائِهِ ثَلاثَ صِيَغٍ: إحْداها: هَذِهِ، والثّانِيَةُ: ﴿ إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي ﴾ الخ، والثّالِثَةُ: ﴿ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا ﴾ الخ، فَدَلَّ عَلى أنَّ الدُّعاءَ تَكَرَّرَ مِنهُ ثَلاثَ مَرّاتٍ كُلَّ مَرَّةٍ بِصِيغَةٍ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ بَيْنَ الدُّعاءِ والإجابَةِ زَمانًا، ويُصَرِّحُ بِهِ ما نُقِلَ في بَعْضِ الآثارِ أنَّ بَيْنَهُما أرْبَعِينَ سَنَةً، وفِيهِ مَنعٌ ظاهِرٌ لِجَوازِ أنْ تَكُونَ الصِّيَغُ الثَّلاثُ حِكايَةً لِدُعاءٍ واحِدٍ مُرَّةً عَلى سَبِيلِ الإيجازِ، وتارَةً عَلى سَبِيلِ الإسْهابِ، وأُخْرى عَلى سَبِيلِ التَّوَسُّطِ، وهَذِهِ الحِكايَةُ في هَذِهِ الصِّيَغِ إنَّما هي بِالمَعْنى إذْ لَمْ يَكُنْ لِسانُهم عَرَبِيًّا؛ ولِهَذا ورَدَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ دَعا قالَ: يا رازِقُ مَرْيَمَ ثِمارَ الصَّيْفِ في الشِّتاءِ وثِمارَ الشِّتاءِ في الصَّيْفِ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً، ولَمْ يَذْكُرْ في الدُّعاءِ يا رَبِّ، قِيلَ: ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ دُعاءٌ واحِدٌ مُتَعَقِّبٌ بِالتَّبْشِيرِ العَطْفُ بِالفاءِ في قَوْلِهِ تَعالى: <div class="verse-tafsir"
هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ يقول عند ذلك طمع في الولد، وكان آيساً من ذلك، وكان مفاتيح بيت القربان عند آبائه، وقد صار ذلك بيده، وكان يخشى أن يخرج من أهل بيته إذا مات.
فقال عند ذلك: إن الله قادر على أن يأتيها برزق الشتاء في الصيف، وبرزق الصيف في الشتاء، فهو قادر أن يرزق لي الولد بعد الكبر فذلك قوله تعالى: هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ أي من عندك ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً أي من عندك تقية مهذبة.
ويقال: مستوي الخلق.
ويقال: مسلمة مطيعة.
ويقال: تقية إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ أي مجيب له.
<div class="verse-tafsir"
في ذلِكَ، واجعله فعلاً مقبولاً مُجَازًى به، والسَّمِيعُ: إشارة إلى دعائها، والْعَلِيمُ:
إشارة إلى نيّتها.
وقوله تعالى: فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ:
الوضْعُ: الولادةُ، وقولها: رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى: لفظ خبر في ضِمْنِهِ التحسُّر والتلهُّف، وبيَّن اللَّه ذلك بقوله: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ، وقولها: وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى، تريد في امتناع نَذْرها إِذ الأنثى تحيضُ ولا تصلُحُ لِصُحْبَة الرُّهْبَان، قاله قتادة وغيره»
، وبدأَتْ بذكْرِ الأَهَمِّ في نفْسها، وإِلاَّ فسياق قصَّتها يقتضي أنْ تقول: وليس الأنثى كالذَّكَر، وفي قولها: وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ: سنةُ تسميةِ الأطفالِ قُرْبَ الولادةِ ونحوُهُ قول النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «وُلِدَ لِي اللَّيْلَةَ مَوْلُودٌ، فَسَمَّيْتُهُ باسم أَبِي إِبْرَاهِيمَ» «٢» ، وباقي الآيةِ إعاذةٌ، قال النووي «٣» : ورُوِّينَا فِي سُنَن أبِي دَاوُدَ بإسناد جيِّدٍ، عن أبي الدرداء «٤» ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنّه
قَالَ: «إِنَّكُمْ تُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ بأسْمَائِكُمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِكُمْ، فأحْسِنُوا أسْمَاءَكُمْ» «١» .
وفي صحيح مُسْلِمٍ، عن ابن عمر، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنَّهُ قَالَ: «إِنَّ أَحَبَّ أَسْمَائِكُمْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَبْدُ اللَّهِ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ» «٢» وفي سنن أبِي دَاوُدَ والنَّسَائِيّ، وغيرِهِمَا، عن أبِي وهب الجشميّ، قال: قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «تَسَمَّوْا بِأَسْمَاءِ الأَنْبِيَاءِ، وَأَحَبُّ الأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ تعالى عبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَأَصْدَقُهَا حَارِثٌ وَهَمَّامٌ، وَأَقْبَحُهَا حَرْبٌ ومُرَّة» «٣» .
اهـ.
وفي الحديثِ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، مِنْ روايةِ أبي هُرَيْرة، قَالَ: «كُلُّ مَوْلُودٍ مِنْ بَنِي آدَمَ لَهُ طَعْنَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَبِهَا يَسْتَهِلُّ الصَّبِيُّ إِلاَّ مَا كَانَ مِنْ مريم ابنة عمران، وابنها فإنّ أمّها
قَالَتْ حِينَ وَضَعْتَها: وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ، فَضُرِبَ بَيْنَهُمَا حِجَابٌ، فَطَعَنَ الشَّيْطَانُ فِي الحَجابِ» «١» ، وَقَدِ اختلفت ألفاظُ هذا الحديثِ، والمعنى واحد كما ذكرته، قال النوويُّ: بَاب مَا يُقَالُ عنْد الولادةِ «٢» : رُوِّينَا في كتاب ابْنِ السُّنِّيِّ، عن فاطمة «٣» (رضي اللَّه عنها) «أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، لمَّا دَنَا ولاَدَهَا، أَمَر أُمَّ سَلْمَة، وَزَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ أنْ تَأْتِيَاهَا، فَتَقْرَآ عِنْدَهَا آيَةَ الكرسيّ، وإِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ ...
إلى آخر الآية،
وتُعَوِّذَانِهَا بِالمُعَوِّذَتَيْنِ» «١» .
انتهى.
وقوله تعالى: فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ: إخبار منه سبحانه لمحمّد صلّى الله عليه وسلّم بأنه رَضِيَ مَرْيَمَ لخدمة المَسْجد كما نذَرَتْ أُمُّهَا وسنى لها الأمَلَ في ذلك.
وقوله سبحانه: وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً: عبارةٌ عن حُسْن النشأة في خِلْقَةٍ وخُلُقٍ/.
ص: بِقَبُولٍ مصدر على غير الصَّدْرِ، والجاري على: تَقَبَّلَ تَقَبُّلاً، وعلى قبل قبولا، ونَباتاً: مصدرٌ منصوبٌ ب «أَنْبَتَهَا» على غير الصَّدْر.
انتهى.
وقوله تعالى: وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا معناه: ضمَّها إِلى إِنفاقه وحِضْنِهِ، والكَافِلُ: هو المربِّي، قال السُّدِّيُّ وغيره: إِنَّ زكريَّا كان زَوْجَ أختها «٢» ويعضد هذا القول قوله صلّى الله عليه وسلّم في يحيى وعيسى: «ابنا الخَالَةِ» ، والذي عليه النَّاس: أنَّ زكريَّا إنما كفَّلها بالاِستهامِ «٣» لتشاحِّهم حينئذٍ فيمَنْ يكفُلُ المحرَّر.
وقوله تعالى: كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً: المِحْرَابُ:
المَبْنَى الحَسَنُ، ومِحْرَابُ القَصْر: أشرف ما فيه ولذلك قيل لأَشْرَفِ مَا في المصلى وهو موقِفُ الإِمامِ: مِحْرَاب، ومعنى رِزْقاً، أيْ: طعاما يتغذّى به، لم يَعْهَدْهُ، ولا عَرفَ كيف جُلِبَ إليها، قال مجاهد وغيره: كان يجدُ عندها فاكهةَ الشِّتاءِ في الصَّيْفِ، وفاكهةَ الصَّيْفِ في الشتاءِ «٤» ، ونحوه عن ابن عَبَّاس إِلاَّ أنه قال: ثِمَار الجَنَّة «٥» ، وقوله: أَنَّى:
معناه: كَيْفَ، ومِنْ أَيْنَ، وقولها: مِنْ عِنْدِ اللَّهِ دليلٌ على أنه ليس مِنْ جَلْب بَشَرٍ، قال الزَّجَّاج.
وهذا من الآية الَّتي قال اللَّه تعالى: وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ [الأنبياء: ٩١] وقولها: إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ: تقرير لكون ذلك الرزْقِ من عند اللَّه، وذهب الطَّبَرِيُّ إِلى أنَّ ذلك ليس من قولِ مرْيَمَ، وأنَّه خبر من الله تعالى لمحمّد صلّى الله عليه وسلّم، والله
سبحانه لا تنتقصُ خزائنه، فليس يَحْسُبُ ما خرج منها، وقد يُعَبَّر بهذه العبارة عن المُكْثِرِينَ مِنَ النَّاسِ أنهم ينفقون بغَيْرِ حِسَابٍ، وذلك مجازٌ وتشبيهٌ، والحقيقةُ هي فيما ينتفقُ من خزائنِ اللَّه سبحانه، قال الشيخُ ابْنُ أبي جَمْرَةَ (رضي اللَّه عنه) : وقد قال العلماءُ في معنى قوله عزَّ وجلَّ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ: إِنه الفتوحُ، إِذا كان على وجهه.
اهـ، ذكر هذا عند شرحه لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «لَوْ دُعِيْتُ إلى ذِرَاعٍ أَوْ كُرَاعٍ، لأَجَبْتُ» .
«١»
وقوله تعالى: هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ ...
الآية: هُنَالِكَ في كلامِ العربِ: إِشارةٌ إِلى مكانٍ أو زمانٍ فيه بُعْدٌ، ومعنى هذه الآية: إِنَّ في الوقْتِ الذي رأى زكريَّاء رزْقَ اللَّهِ لمَرْيَمَ ومكانَتَها مِنَ اللَّه، وفَكَّر في أنَّها جاءَتْ أُمَّها بَعْدَ أَنْ أَسَنَّتْ، وأن اللَّه تعالى تقَبَّلها، وجعَلَها من الصالحاتِ، تحرَّك أملُهُ لطَلَبِ الولدِ، وقَوِيَ رجاؤه، وذلك منْه على حالِ سِنٍّ وَوَهْنِ عَظْمٍ، واشتعال شَيْب، فدعا ربَّه أنْ يَهَبَ له ذريَّةً طيِّبَةً يرثه، والذُّرِّيَّةُ: اسم جنسٍ، يقع على واحد فصاعدًا كما أن الوَلَدَ: اسمُ جنسٍ كذلك، وطَيِّبة: معناه: سَلِيمَة في الخَلْق والدِّين، تَقِيَّة، ثم قال تعالى: فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ [آل عمران: ٣٩] ، وترك محذوف كثير
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا عايَنَ زَكَرِيّا هَذِهِ الآَيَةَ العَجِيبَةَ مِن رِزْقِ اللَّهِ تَعالى مَرْيَمُ الفاكِهَةُ في غَيْرِ حِينِها، طَمِعَ في الوَلَدِ عَلى الكِبَرِ.
و ﴿ مِن لَدُنْكَ ﴾ بِمَعْنى: مِن عِنْدِكِ.
والذُّرِّيَّةُ، تُقالُ لِلْجَمْعِ، وتُقالُ لِلْواحِدِ، والمُرادُ بِها هاهُنا: الواحِدُ.
قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما قالَ طَيِّبَةٌ، لِتَأْنِيثِ الذُّرِّيَّةِ، والمُرادُ بِالطِّيبَةِ: النَّقِيَّةُ الصّالِحَةُ.
والسَّمِيعُ: بِمَعْنى السّامِعِ.
وقِيلَ: أرادَ مُجِيبُ الدُّعاءِ <div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إنَّكَ سَمِيعُ الدُعاءِ ﴾ ﴿ فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ وهو قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ أنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهَ وسَيِّدًا وحَصُورًا ونَبِيًّا مِنَ الصالِحِينَ ﴾ هُناكَ - في كَلامِ العَرَبِ - إشارَةٌ إلى مَكانٍ فِيهِ بُعْدٌ أو زَمانٌ، وهُنالِكَ بِاللامِ - أبْلَغُ في الدَلالَةِ عَلى البُعْدِ، ولا يُعْرَبُ "هُنالِكَ" لِأنَّهُ إشارَةٌ فَأشْبَهَ الحُرُوفَ الَّتِي جاءَتْ لِمَعْنىً.
ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ في الوَقْتِ الَّذِي رَأى زَكَرِيّا رِزْقَ اللهِ لِمَرْيَمَ ومَكانَتَها مِنهُ، وفَكَّرَ في أنَّها جاءَتْ أُمَّها بَعْدَ أنْ أسَنَّتْ، وأنَّ اللهَ تَقَبَّلَها وجَعَلَها مِنَ الصالِحاتِ، تَحَرَّكَ أمَلُهُ لِطَلَبِ الوَلَدِ وقَوِيَ رَجاؤُهُ، وذَلِكَ مِنهُ عَلى حالِ سِنٍّ ووَهْنِ عَظْمٍ واشْتِعالِ شَيْبٍ، وذَلِكَ لِخَوْفِهِ المَوالِيَ مِن ورائِهِ - حَسْبَما يَتَفَسَّرُ في سُورَةِ مَرْيَمَ إنْ شاءَ اللهُ - فَدَعا رَبَّهُ أنْ يَهَبَ لَهُ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً.
و"الذُرِّيَّةُ": اسْمُ جِنْسٍ يَقَعُ عَلى واحِدٍ فَصاعِدًا كَما الوَلِيُّ اسْمُ جِنْسٍ كَذَلِكَ، وقالَ الطَبَرِيُّ: إنَّما أرادَ هُنا بِالذُرِّيَّةِ واحِدًا ودَلِيلُ ذَلِكَ طَلَبُهُ ولِيًّا ولَمْ يَطْلُبْ أولِياءَ، وأنَّثَ "الطَيِّبَةَ" حَمْلًا عَلى لَفْظِ الذُرِّيَّةِ كَما قالَ الشاعِرُ: أبُوكَ خَلِيفَةٌ ولَدَتْهُ أُخْرى ∗∗∗ وأنْتَ خَلِيفَةٌ ذاكَ الكَمالُ وَكَما قالَ الآخَرُ: فَما تَزْدَرِي مِن حَيَّةٍ جَبَلِيَّةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ سُكاتٍ إذا ما عَضَّ لَيْسَ بِأدْرَدا وفِيما قالَ الطَبَرِيُّ تَعَقُّبٌ، وإنَّما الذُرِّيَّةُ والوَلِيُّ اسْما جِنْسٍ يَقَعانِ لِلْواحِدِ فَما زادَ، وهَكَذا كانَ طَلَبُ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَلامُ، و"طَيِّبَةً" مَعْناهُ: سَلِيمَةٌ في الخُلُقِ والدِينِ نَقِيَّةٌ، "سَمِيعُ" في هَذِهِ الآيَةِ بِناءُ اسْمِ فاعِلٍ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ ﴾ وتُرِكَ مَحْذُوفٌ كَثِيرٌ دَلَّ ما ذُكِرَ عَلَيْهِ، تَقْدِيرُهُ: فَقَبِلَ اللهُ دُعاءَهُ، ووَهَبَهُ يَحْيى، وبَعَثَ المَلَكَ أوِ المَلائِكَةَ بِذَلِكَ إلَيْهِ، فَنادَتْهُ، وذُكِرَ أنَّهُ كانَ بَيْنَ دُعائِهِ والِاسْتِجابَةِ لَهُ بِالبِشارَةِ أرْبَعُونَ سَنَةً، وذَكَرَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ أنَّ المُنادِي المُخْبِرَ إنَّما كانَ جِبْرِيلَ وحْدَهُ، وهَذا هو العُرْفُ في الوَحْيِ إلى الأنْبِياءِ، وقالَ قَوْمٌ: بَلْ نادَتْ مَلائِكَةٌ كَثِيرَةٌ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ ألْفاظُ الآيَةِ.
وقَدْ وجَدْنا اللهَ تَعالى بَعَثَ مَلائِكَةً إلى لُوطٍ وإلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ وفي غَيْرِ ما قِصَّةٍ.
وفِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ وقِراءَتِهِ: "فَناداهُ جِبْرِيلُ وهو قائِمٌ يُصَلِّي".
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وعاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو: "فَنادَتْهُ" بِالتاءِ "المَلائِكَةُ"، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "فَناداهُ المَلائِكَةُ" - بِالألِفِ وإمالَةِ الدالِ -.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن قَرَأ بِالتاءِ فَلِمَوْضِعِ الجَماعَةِ،والجَماعَةُ مِمَّنْ يَعْقِلُ في جَمْعِ التَكْسِيرِ؛ تَجْرِي مَجْرى ما لا يَعْقِلُ، ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: هي الرِجالُ كَما تَقُولُ: هي الجُذُوعُ وهي الجِمالُ، ومِثْلُهُ "قالَتِ الأعْرابُ".
فَفَسَّرَ أبُو عَلِيٍّ عَلى أنَّ المُنادِيَ مَلائِكَةٌ كَثِيرَةٌ، والقِراءَةُ بِالتاءِ عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ: المُنادِي جِبْرِيلُ وحْدَهُ مُتَّجِهَةً عَلى مُراعاةِ لَفْظِ المَلائِكَةِ، وعَبَّرَ عن جِبْرِيلَ بِالمَلائِكَةِ إذْ هو مِنهُمْ، فَذَكَرَ اسْمَ الجِنْسِ كَما قالَ تَعالى: "الَّذِينَ قالَ لَهُمُ الناسُ"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: ومَن قَرَأ: "فَناداهُ المَلائِكَةُ"، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: "وَقالَ نِسْوَةٌ في المَدِينَةِ".
قالَ القاضِي: وهَذا عَلى أنَّ المُنادِيَ كَثِيرٌ، ومَن قالَ إنَّهُ جِبْرِيلُ وحْدَهُ كالسُدِّيِّ وغَيْرِهِ فَأفْرَدَ الفِعْلَ مُراعاةً لِلْمَعْنى، وعَبَّرَ عن جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ بِالمَلائِكَةِ إذْ هو اسْمُ جِنْسِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "فَنادَتْهُ" عِبارَةٌ تُسْتَعْمَلُ في التَبْشِيرِ وفِيما يَنْبَغِي أنْ يُسْرَعَ بِهِ ويُنْهى إلى نَفْسِ السامِعِ لِيُسَرَّ بِهِ، فَلَمْ يَكُنْ هَذا مِنَ المَلائِكَةِ إخْبارًا عَلى عُرْفِ الوَحْيِ، بَلْ نِداءً كَما نادى الرَجُلُ الأنْصارِيُّ كَعْبَ بْنَ مالِكٍ مِن أعْلى الجَبَلِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُوَ قائِمٌ ﴾ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ، و"يُصَلِّي" صِفَةٌ لِـ "قائِمٌ"، و"المِحْرابِ" في هَذا المَوْضِعِ مَوْقِفُ الإمامِ مِنَ المَسْجِدِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ: "إنَّ اللهَ" بِكَسْرِ الألِفِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا عَلى إضْمارِ القَوْلِ، كَأنَّهُ قالَ: "فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ" فَقالَتْ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: "فَدَعا رَبَّهُ إنِّي مَغْلُوبٌ" عَلى قِراءَةِ مَن كَسَرَ الألِفَ، وقالَ بَعْضُ النُحاةِ: كُسِرَتْ بَعْدَ النِداءِ والدُعاءِ لِأنَّ النِداءَ والدُعاءَ أقْوالٌ.
وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الألِفِ مِن قَوْلِهِ: "أنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ" قالَ أبُو عَلِيٍّ: المَعْنى: فَنادَتْهُ بِأنَّ اللهَ، فَلَمّا حُذِفَ الجارُّ مِنها وصَلَ الفِعْلُ إلَيْها فَنَصَبَها، فَأنَّ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، وعَلى قِياسِ قَوْلِ الخَلِيلِ في مَوْضِعِ جَرٍّ.
وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ "فِي المِحْرابِ يا زَكَرِيّاءُ إنَّ اللهَ"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: فَقَوْلُهُ: "زَكَرِيّاءُ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِوُقُوعِ النِداءِ عَلَيْهِ، ولا يَجُوزُ فَتْحُ الألِفِ في "إنَّ" عَلى هَذِهِ القِراءَةِ لِأنَّ "نادَتْهُ" قَدِ اسْتَوْفَتْ مَفْعُولَيْها، أحَدُهُما الضَمِيرُ،، والآخَرُ المُنادى، فَإنْ فَتَحْتَ "إنَّ" لَمْ يَبْقَ لَها شَيْءٌ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وكُلُّهم قَرَأ: "فِي المِحْرابِ" بِفَتْحِ الراءِ - إلّا ابْنَ عامِرٍ فَإنَّهُ أمالَها، وأطْلَقَ ابْنُ مُجاهِدٍ القَوْلَ في إمالَةِ ابْنِ عامِرٍ الألِفَ مِن "مِحْرابْ" ولَمْ يَخُصَّ بِهِ الجَرَّ مِن غَيْرِهِ، وقالَ غَيْرُ ابْنِ مُجاهِدٍ: إنَّما نُمِيلُهُ في الجَرِّ فَقَطْ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: "يُبَشِّرُكَ"، بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الباءِ والتَشْدِيدِ - في كُلِّ القُرْآنِ إلّا فِي: "عسق" فَإنَّهُما قَرَآ "ذَلِكَ الَّذِي يَبْشُرُ اللهُ عِبادَهُ: - بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الباءِ وضَمِّ الشِينِ، وقَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ: "يُبَشِّرُكَ" بِشَدِّ الشِينِ المَكْسُورَةِ في كُلِّ القُرْآنِ، وقَرَأ حَمْزَةُ: "يَبْشُرُ" خَفِيفًا - بِضَمِّ الشِينِ "مِمّا لَمْ يَقَعْ" في كُلِّ القُرْآنِ إلّا قَوْلَهُ تَعالى: "فَبِمَ تُبَشِّرُونَ".
وقَرَأ الكِسائِيُّ: "يَبْشُرُ" مُخَفَّفَةً في خَمْسَةِ مَواضِعَ: في آلِ عِمْرانَ في قِصَّةِ زَكَرِيّا وقِصَّةِ مَرْيَمَ، وفي سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ والكَهْفِ: "وَيَبْشُرُ المُؤْمِنِينَ" وفي عسق- "يَبْشُرُ اللهُ عِبادَهُ".
قالَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ اللُغَوِيِّينَ: في هَذِهِ اللَفْظَةِ ثَلاثُ لُغاتٍ، بَشَّرَ بِشَدِّ الشِينِ، وبَشَرَ بِتَخْفِيفِها، وأبْشَرَ يُبْشِرُ إبْشارًا، وهَذِهِ القِراءاتُ كُلُّها مُتَّجِهَةٌ فَصِيحَةٌ مَرْوِيَّةٌ، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "يُبْشِرُكَ" -بِضَمِّ الياءِ وتَخْفِيفِ الشِينِ المَكْسُورَةِ- مِن "أبْشَرَ" وهَكَذا قَرَأ في كُلِّ القُرْآنِ.
و"يَحْيى" اسْمٌ سَمّاهُ اللهُ بِهِ قَبْلَ أنْ يُولَدَ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: هو اسْمٌ بِالعِبْرانِيَّةِ صادَفَ هَذا البِناءَ، والمَعْنى مِنَ العَرَبِيَّةِ، قالَ الزَجّاجُ: لا يَنْصَرِفُ لِأنَّهُ إنْ كانَ أعْجَمِيًّا فَفِيهِ التَعْرِيفُ والعُجْمَةُ، وإنْ كانَ عَرَبِيًّا فالتَعْرِيفُ ووَزْنُ الفِعْلِ، وقالَ قَتادَةُ: سَمّاهُ اللهُ يَحْيى لِأنَّهُ أحْياهُ بِالإيمانِ و"مُصَدِّقًا" نُصِبَ عَلى الحالِ، وهي مُؤَكِّدَةٌ بِحَسَبِ حالِ هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ"، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ والحَسَنُ والسُدِّيُّ وغَيْرُهُمُ: الكَلِمَةُ هُنا يُرادُ بِها عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ.
وسَمّى اللهُ تَعالى عِيسى كَلِمَةً إذْ صَدَرَ عن كَلِمَةٍ مِنهُ تَعالى لا بِسَبَبِ إنْسانٍ آخَرَ كَعُرْفِ البَشَرِ.
ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ أنَّ امْرَأةَ زَكَرِيّاءَ قالَتْ لِمَرْيَمَ وهُما حامِلَتانِ: إنِّي أجِدُ ما في بَطْنِي يَتَحَرَّكُ لِما في بَطْنِكِ، وفي بَعْضِ الرِواياتِ: يَسْجُدُ لِما في بَطْنِكِ قالَ: فَذَلِكَ تَصْدِيقُهُ، أيْ: أوَّلُ التَصْدِيقِ.
وقالَ بَعْضُ الناسِ: "بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ" مَعْناهُ: بِكِتابٍ مِنَ اللهِ، الإنْجِيلِ وغَيْرِهِ مِن كُتُبِ اللهِ، فَأوقَعَ المُفْرَدَ مَوْقِعَ الجَمْعِ، فَـ "كَلِمَةٍ": اسْمُ جِنْسٍ، وعَلى هَذا النَظَرِ سَمَّتِ العَرَبُ القَصِيدَةَ الطَوِيلَةَ كَلِمَةً.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَسَيِّدًا ﴾ قالَ فِيهِ قَتادَةُ: أيْ واللهِ، سَيِّدٌ في الحِلْمِ والعِبادَةِ والوَرَعِ، وقالَ مَرَّةً: مَعْناهُ: في العِلْمِ والعِبادَةِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: "وَسَيِّدًا" أيْ حَلِيمًا، وقالَ مَرَّةً: السَيِّدُ: التَقِيُّ، وقالَ الضَحّاكُ: "وَسَيِّدًا" أيْ تَقِيًّا حَلِيمًا، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: السَيِّدُ الشَرِيفُ، وقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: السَيِّدُ الفَقِيهُ العالِمُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "وَسَيِّدًا" يَقُولُ، تَقِيًّا حَلِيمًا، وقالَ عِكْرِمَةُ: السَيِّدُ الَّذِي لا يَغْلِبُهُ الغَضَبُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: كُلُّ مَن فَسَّرَ مِن هَؤُلاءِ العُلَماءِ المَذْكُورِينَ السُؤْدُدَ بِالحِلْمِ، فَقَدْ أحْرَزَ أكْثَرَ مَعْنى السُؤْدُدِ، ومَن جَرَّدَ تَفْسِيرَهُ بِالعِلْمِ والتُقى ونَحْوِهِ فَلَمْ يُفَسِّرْ بِحَسَبِ كَلامِ العَرَبِ، وقَدْ تَحَصَّلَ العِلْمُ لِيَحْيى عَلَيْهِ السَلامُ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ ﴾ ، وتَحَصَّلَ التُقى بِباقِي الآيَةِ.
وخَصَّهُ اللهُ بِذِكْرِ السُؤْدُدِ الَّذِي هو الِاعْتِمالُ في رِضى الناسِ عَلى أشْرَفِ الوُجُوهِ دُونَ أنْ يَقَعَ في باطِلٍ- هَذا لَفْظٌ يَعُمُّ السُؤْدُدَ، وتَفْصِيلُهُ أنْ يُقالَ: بَذْلُ النَدى وهَذا هو الكَرَمُ، وكَفُّ الأذى وهُنا هي العِفَّةُ بِالفَرْجِ واليَدِ واللِسانِ، واحْتِمالُ العَظائِمِ وهُنا هو الحِلْمُ وغَيْرُهُ مِن تَحَمُّلِ الغَراماتِ وجَبْرِ الكَسِيرِ والإفْضالِ عَلى المُسْتَرْفِدِ والإنْقاذِ مِنَ الهَلَكاتِ.
وانْظُرْ أنَّ النَبِيَّ قالَ: « "أنا سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ ولا فَخْرَ،» يَجْمَعُ اللهُ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ"، وذَكَرَ حَدِيثَ الشَفاعَةِ في إطْلاقِ المَوْقِفِ، وذَلِكَ مِنهُ احْتِمالٌ في رِضى ولَدِ آدَمَ فَهو سَيِّدُهم بِذَلِكَ.
وقَدْ يُوجَدُ مِنَ الثِقاتِ العُلَماءِ مَن لا يَبْرُزُ في هَذِهِ الخِصالِ، وقَدْ يُوجَدُ مَن يَبْرُزُ في هَذِهِ فَيُسَمّى سَيِّدًا وإنْ قَصَّرَ في كَثِيرٍ مِنَ الواجِباتِ، أعْنِي واجِباتِ النَدْبِ والمُكافَحَةِ في الحَقِّ وقِلَّةِ المُبالاةِ بِاللائِمَةِ.
وقَدْ قالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ما رَأيْتُ أحَدًا أسْوَدَ مِن مُعاوِيَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ، قِيلَ لَهُ: وَأبُو بَكْرٍ وعُمَرُ؟
قالَ: هُما خَيْرٌ مِن مُعاوِيَةَ، ومُعاوِيَةُ أسْوَدُ مِنهُما.
فَهَذِهِ إشارَةٌ إلى أنَّ مُعاوِيَةَ بَرَزَ في هَذِهِ الخِصالِ ما لَمْ يُواقِعْ مَحْذُورًا؛ وأنَّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ كانا مِنَ الاسْتِضْلاعِ بِالواجِباتِ وتَتَبُّعِ ذَلِكَ مِن أنْفُسِهِما وإقامَةِ الحَقائِقِ عَلى الناسِ بِحَيْثُ كانا خَيْرًا مِن مُعاوِيَةَ، ومَعَ تَتَبُّعِ الحَقائِقِ، وحَمْلِ الناسِ عَلى الجادَّةِ، وقِلَّةِ المُبالاةِ بِرِضاهُمْ، والوَزْنِ بِقِسْطاسِ الشَرِيعَةِ تَحْرِيرًا يَنْخَرِمُ كَثِيرٌ مِن هَذِهِ الخِصالِ الَّتِي هي السُؤْدُدُ ويَشْغَلُ الزَمَنُ عنها.
والتُقى والعِلْمُ والأخْذُ بِالأشَدِّ أوكَدُ وأعْلى مِنَ السُؤْدُدِ، أمّا إنَّهُ يَحْسُنُ بِالتَقِيِّ العالِمِ أنْ يَأْخُذَ مِنَ السُؤْدُدِ بِكُلِّ ما لا يُخِلُّ بِعِلْمِهِ وتُقاهُ، وهَكَذا كانَ يَحْيى عَلَيْهِ السَلامُ، ولَيْسَ هَذا الَّذِي يَحْسُنُ بِواجِبٍ ولا بُدَّ، كَما لَيْسَ التَتَبُّعُ والتَحْرِيرُ في الشِدَّةِ بِواجِبٍ ولا بُدَّ، وهُما طَرَفا خَيْرٍ حَفَّتْهُما الشَرِيعَةُ، فَمِن صائِرٍ إلى هَذا ومِن صائِرٍ إلى هَذا، ومِثالُ ذَلِكَ، حاكِمٌ صَلِيبٌ مُعَبِّسٌ فَظٌّ عَلى مَن عِنْدَهُ أدْنى عِوَجٍ لا يَعْتَنِي في حَوائِجِ الناسِ، وآخَرُ بَسْطُ الوَجْهِ بَسّامٌ يَعْتَنِي فِيما يَجُوزُ، ولا يَتَتَبَّعُ ما لَمْ يُرْفَعْ إلَيْهِ ويُنَفِّذُ الحُكْمَ مَعَ رِفْقٍ بِالمَحْكُومِ عَلَيْهِ، فَهُما طَرِيقانِ حَسَنانِ.
وقَوْلُهُ: "وَحَصُورًا" أصْلُ هَذِهِ اللَفْظَةِ الحَبْسُ والمَنعُ، ومِنهُ الحَصِيرُ لِأنَّهُ يَحْصُرُ مَن جَلَسَ عَلَيْهِ، ومِنهُ سُمِّيَ السِجْنُ حَصِيرًا وجَهَنَّمُ حَصِيرًا، ومِنهُ حَصْرُ العَدُوِّ وإحْصارُ المَرَضِ والعُذْرِ، ومِنهُ قِيلَ: لِلَّذِي لا يُنْفِقُ مَعَ نُدَمائِهِ حَصُورٌ، قالَ الأخْطَلُ: وشارِبٍ مُرْبِحٍ بِالكَأْسِ نادَمَنِي ∗∗∗ ∗∗∗ لا بِالحَصُورِ ولا فِيها بِسَوّارِ ويُقالُ لِلَّذِي يَكْتُمُ السِرَّ حَصُورٌ وحَصِرٌ، قالَ جَرِيرٌ: ولَقَدْ تَساقَطَنِي الوُشاةُ فَصادَفُوا ∗∗∗ ∗∗∗ حَصِرًا بِسِرِّكِ يا أُمَيْمُ ضَنِينا وأجْمَعَ مَن يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ هَذِهِ الصِفَةَ لِيَحْيى عَلَيْهِ السَلامُ إنَّما هي الِامْتِناعُ مِن وطْءِ النِساءِ، إلّا ما حَكى مَكِّيٌّ مِن قَوْلِ مَن قالَ: إنَّهُ الحَصُورُ عَنِ الذُنُوبِ أيْ لا يَأْتِيها.
ورَوى ابْنُ المُسَيِّبِ عَنِ ابْنِ العاصِي- إمّا عَبْدُ اللهِ وإمّا أبُوهُ- عَنِ النَبِيِّ ، أنَّهُ قالَ: « "كُلُّ بَنِي آدَمَ يَأْتِي يَوْمَ القِيامَةِ ولَهُ ذَنْبٌ إلّا ما كانَ مِن يَحْيى بْنِ زَكَرِيّاءَ" قالَ: ثُمَّ دَلّى رَسُولُ اللهِ بِيَدِهِ إلى الأرْضِ فَأخَذَ عُوَيْدًا صَغِيرًا، ثُمَّ قالَ: "وَذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ ما لِلرِّجالِ إلّا مِثْلُ هَذا العُودِ، ولِذَلِكَ سَمّاهُ اللهُ سَيِّدًا وحَصُورًا"» وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الحَصُورُ: العِنِّينُ، وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: الحَصُورُ: الَّذِي لا يَأْتِي النِساءَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَحّاكُ: الحَصُورُ: الَّذِي لا يُنْزِلُ الماءَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ذَهَبَ بَعْضُ العُلَماءِ إلى أنَّ حَصْرَ يَحْيى عَلَيْهِ السَلامُ كانَ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلّا مِثْلُ الهُدْبَةِ، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ حَصْرَهُ كانَ لِأنَّهُ كانَ عِنِّينًا لا يَأْتِي النِساءَ وإنْ كانَتْ خِلْقَتُهُ غَيْرَ ناقِصَةٍ، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ حَصْرَهُ كانَ بِأنَّهُ كانَ يُمْسِكُ نَفْسَهُ تُقىً وجَلَدًا في طاعَةِ اللهِ، وكانَتْ بِهِ القُدْرَةُ عَلى جِماعِ النِساءِ.
قالُوا: وهَذا أمْدَحُ لَهُ ولَيْسَ لَهُ في التَأْوِيلَيْنِ الأوَّلَيْنِ مَدْحٌ، إلّا بِأنَّ اللهَ يَسَّرَ لَهُ شَيْئًا لا تَكَسُّبَ لَهُ فِيهِ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ، ورُوِيَ مِن صَلاحِهِ عَلَيْهِ السَلامُ أنَّهُ كانَ يَعِيشُ مِنَ العُشْبِ، وأنَّهُ كانَ كَثِيرَ البُكاءِ مِن خَشْيَةِ اللهِ حَتّى خَدَّدَ الدَمْعُ في وجْهِهِ طُرُقًا وأخادِيدَ.
<div class="verse-tafsir"
أي في المكان، قبل أن يخرج، وقد نبّهه إلى الدعاء مشاهدةُ خوارق العادة مع قول مريم: ﴿ إن الله يرزق من يشاء بغير حساب ﴾ [آل عمران: 37] والحكمةُ ضالة المؤمن، وأهلُ النفوس الزكية يعتبرون بما يرون ويسمعون، فلذلك عمد إلى الدعاء بطلب الولد في غير إبانه، وقد كان في حَسرة من عدم الولد كما حكى الله عنه في سورة مريم.
وأيضاً فقد كان حينئذ في مكان شَهد فيه فيضا إلاهياً.
ولم يزل أهل الخير يتوخون الأمْكنة بما حدث فيها من خير، والأزمنة الصالحة كذلك، وما هي إلاّ كالذوات الصالحة في أنها محالّ تجلّيات رضا الله.
وسأل الذرية الطيّبة لأنها التي يرجى منها خير الدنيا والآخرة بحصول الآثار الصالحة النافعة.
ومشاهدةُ خوارق العادات خوّلت لزكرياء الدعاء بما هو من الخوارق، أو من المستبعدات، لأنّه رأى نفسه غير بعيد عن عناية الله تعالى، لا سيما في زمن الفيض أو مكانه، فلا يعد دعاؤه بذلك تجاوزاً لحدود الأدب مع الله على نحو ما قرّره القرافي في الفرق بين ما يجوز من الدعاء وما لا يجوز.
وسميع هنا معنى مجيب.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ ﴾ اخْتُلِفَ في سَبَبِ دُعائِهِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ تَعالى أذِنَ لَهُ في المَسْألَةِ لِأنَّ سُؤالَ ما خالَفَ العادَةَ يُمْنَعُ مِنهُ إلّا عَنْ إذْنٍ لِتَكُونَ الإجابَةُ إعْجازًا.
والثّانِي: أنَّهُ لَمّا رَأى فاكِهَةَ الصَّيْفِ في الشِّتاءِ، وفاكِهَةَ الشِّتاءِ في الصَّيْفِ طَمِعَ في رِزْقِ الوَلَدِ مِن عاقِرٍ.
﴿ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ﴾ يَعْنِي هَبْ لِي مِن عِنْدِكَ ولَدًا مُبارَكًا، وقَصَدَ بِالذُّرِّيَّةِ الواحِدَ.
﴿ إنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ ﴾ أيْ تُجِيبُ الدُّعاءَ، لِأنَّ إجابَةَ الدُّعاءِ بَعْدَ سَماعِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: فَناداهُ المَلائِكَةُ، وفي مُناداتِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ جِبْرِيلُ وحْدَهُ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.
والثّانِي: جَماعَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ.
﴿ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى ﴾ قِيلَ: إنَّما سَمّاهُ يَحْيى لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أحْياهُ بِالإيمانِ، وسَمّاهُ بِهَذا الِاسْمِ قَبْلَ مَوْلِدِهِ.
﴿ مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِكِتابٍ مِنَ اللَّهِ، وهَذا قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ وأهْلِ البَصْرَةِ.
والثّانِي: يَعْنِي المَسِيحَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، والرَّبِيعِ، والضَّحّاكِ، والسُّدِّيِّ.
واخْتَلَفُوا في تَسْمِيَتِهِ كَلِمَةً مِنَ اللَّهِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ خَلَقَهُ بِكَلِمَتِهِ مِن غَيْرِ أبٍ.
والثّانِي: أنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّ النّاسَ يَهْتَدُونَ بِهِ في دِينِهِمْ كَما يَهْتَدُونَ بِكَلامِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
﴿ وَسَيِّدًا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ الخَلِيفَةُ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.
والثّانِي: أنَّهُ التَّقِيُّ، وهو قَوْلُ سالِمٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ الشَّرِيفُ، وهو قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.
والرّابِعُ: أنَّهُ الفَقِيهُ العالِمُ، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ.
والخامِسُ: سَيِّدُ المُؤْمِنِينَ، يَعْنِي بِالرِّياسَةِ عَلَيْهِمْ، وهَذا قَوْلُ بَعْضِ المُتَكَلِّمِينَ.
﴿ وَحَصُورًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ كانَ عِنِّينًا لا ماءَ لَهُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، والضَّحّاكِ.
والثّانِي: أنَّهُ كانَ لا يَأْتِي النِّساءَ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ، والحَسَنِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ ما يَأْتِي بِهِ النِّساءَ، لِأنَّهُ كانَ مَعَهُ مِثْلُ الهُدْبَةِ، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ ﴾ وإنَّما جازَ لَهُ أنْ يَقُولَ: (وَقَدْ بَلَغَنِي الكِبَرُ) لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ الطّالِبِ لَهُ.
﴿ وامْرَأتِي عاقِرٌ ﴾ أيْ لا تَلِدُ.
فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ راجَعَ بِهَذا القَوْلِ بَعْدَ أنْ بُشِّرَ بِالوَلَدِ، فَفِيهِ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ راجَعَ لِيَعْلَمَ عَلى أيِّ حالٍ يَكُونُ مِنهُ الوَلَدُ، بِأنْ يُرَّدَّ هو وامْرَأتُهُ إلى حالِ الشَّبابِ، أمْ عَلى حالِ الكِبَرِ، فَقِيلَ لَهُ: كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ، أيْ عَلى هَذِهِ الحالِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.
والثّانِي: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ اسْتِعْظامًا لِمَقْدُورِ اللَّهِ وتَعَجُّبًا.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً ﴾ أيْ عَلامَةً لِوَقْتِ الحَمْلِ لِيَتَعَجَّلَ السُّرُورَ بِهِ.
﴿ قالَ آيَتُكَ ألا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أيّامٍ إلا رَمْزًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: تَحْرِيكُ الشَّفَتَيْنِ وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.
والثّانِي: الإشارَةُ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.
والثّالِثُ: الإيماءُ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ.
﴿ واذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا ﴾ لَمْ يُمْنَعْ مِن ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ هي الآيَةُ.
﴿ وَسَبِّحْ بِالعَشِيِّ والإبْكارِ ﴾ والعَشِيُّ: مِن حِينِ زَوالِ الشَّمْسِ إلى أنْ تَغِيبَ، وأصْلُ العَشِيِّ الظُّلْمَةُ، ولِذَلِكَ كانَ العَشى ضَعْفَ البَصَرِ، فَسُمِّيَ ما بَعْدَ الزَّوالِ عِشاءً لِاتِّصالِهِ بِالظُّلْمَةِ.
وَأمّا الإبْكارُ فَمِن حِينِ طُلُوعِ الفَجْرِ إلى وقْتِ الضُّحى، وأصْلُهُ التَّعْجِيلُ، لِأنَّهُ تَعْجِيلُ الضِّياءِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: لما رأى ذلك زكريا يعني فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف عند مريم قال: إن الذي يأتي بهذا مريم في غير زمانه قادر أن يرزقني ولداً فذلك حين دعا ربه.
وأخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر عن الحسن قال: لما وجد زكريا عند مريم ثمر الشتاء في الصيف وثمر الصيف في الشتاء يأتيها به جبريل قال لها: أنى لك هذا في غيره حينه؟
فقالت: هذا رزق من عند الله يأتي به الله ﴿ أن الله يرزق من يشاء بغير حساب ﴾ فطمع زكريا في الولد فقال: أن الذي أتى مريم بهذه الفاكهة في غير حينها لقادر أن يصلح لي زوجتي، ويهب لي منها ولداً، فعند ذلك ﴿ دعا زكريا ربه ﴾ وذلك لثلاث ليال بقين من المحرم.
قام زكريا فاغتسل ثم ابتهل في الدعاء إلى الله قال: يا رازق مريم ثمار الصيف في الشتاء وثمار الشتاء في الصيف هب لي من لدنك يعني من عندك ذرية طيبة يعني تقيا.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي ﴿ ذرية طيبة ﴾ يقول: مباركة.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ ﴾ قال أهل اللغة (١) (٢) ومعنى (هنالك)؛ أي: عند ذلك.
و (وهنالك): مَحَلٌّ ومَوْضِعٌّ؛ كما أنَّ (حيث): مَحَلٌّ، و (عِنْدَ)، و (حِينَ): وقتان.
فلو قال عز وجل: (عند ذلك دعا زكريا) لكان جائزاً (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) ﴿ هُنَالِكَ ﴾ ، و (هناك)، و (هنالك) لأصلُ فيهما: [هنا] (٩) (١٠) (١١) ومن قال: (هنالك) فتقديره تقدير (ذلك)، والكاف فيهما للخطاب (١٢) هنالك إنْ تُسْتَخبَلُوا (١٣) (١٤) (١٥) و (هنالك)، و (هناك) و (هنا) (١٦) (١٧) قال الزجَّاج (١٨) (١٩) [ومعنى قوله: ﴿ هُنَاِلكَ دَعَا ﴾ ؛ أي: في ذلك المكان من الزمان والحال] (٢٠) قال أهل التفسير: لمَّا رأى زكريا ما أوتي (٢١) ﴿ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ﴾ .
أي: من عندك (٢٢) (٢٣) وقوله تعالى: ﴿ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ﴾ .
أي (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) والمراد بـ (الذُّرِّيَّة) ههنا: ولدٌ واحدٌ؛ لقوله: ﴿ فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا ﴾ .
قال الفرَّاء (٢٨) أبوك خليفةُ وَلَدَتْهُ أخرى ...
وأنت خليفةٌ، ذاك الكمال (٢٩) فأنَّثَ فعل الخليفة؛ لتأنيث لفظهِ (٣٠) (٣١) (٣٢) فجمع التأنيث، والتذكير: مرَّة على اللفظ، ومرةً على المعنى.
قال: وهذا يجوز في أسماء الأجناس، دون التي معناها: فلانٌ؛ نحو: (طَلْحَة)، و (حَمْزَة)، و (مُغِيرَة).
لا يجوز (جاءت طلحة)؛ من قِبَل أنَّ التذكيرَ الحقيقي يغلب على تأنيث اللفظ.
وقوله تعالى: ﴿ إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ ﴾ .
قيل (٣٣) (٣٤) (٣٥) (٣٦) ﴿ إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ ﴾ يريد: لأنبيائك، وأهل طاعتك (٣٧) وهذا يدل على أنه أراد بالسمع: الإجابة؛ لأن دعاء غير هؤلاء مسموع لله تعالى على الحقيقة.
(١) انظر مادة: (هنا) في "الصحاح" 6/ 2561، "اللسان" 8/ 4715، "تاج العروس" 20/ 432.
(٢) (ثَمَّ) بفتح الثاء، وتشديد الميم: اسم إشارة إلى المكان البعيد، وهو ظرف مكان، لا يتصرف، مبني على الفتح، في محل نصب على الظرفية، ويقال: (ثَمَّةَ) والتاء فيه لتأنيث اللفظ فقط.
انظر: "معجم الشوارد النحوية" لمحمد شراب 227، "معجم النحو" للدقر: 124.
أما (هنا) و (هناك) فيقول عنهما الجوهري: (للتقريب، إذا أشرت إلى مكان، و (هناك) و (هنالك): للتبعيد).
"الصحاح" 6/ 2561 (هنا).
(٣) قول المؤلف: (فلو قال ..
لكان جائزًا)، أقول: غفر الله للمؤلف، ليته لم يقل هذه العبارة، فإنها كلمةٌ فيما أرى عظيمةٌ، يجب أن لا تقال في حق الله تعالى، وهل يجوز أن نقترح على الله تعالى.؟!
ومتى كان الحق عز وجل لا يقول الأفضل من القول، والأبلغ من الكلام، والفَصْلَ في الخطاب، حتى نقول نحن البشر القاصرون مثل تلك المقولة العظيمة.؟!
فالله تعالى يضع الكَلِمَ وفق حكمته وعلمه، وهو الأحكم الأعلم.
(٤) في (د): (مثل).
(٥) في (ج): (موضع).
(٦) في (ج)، (د): (بوقت).
(٧) (ب): (إلا أن يكون).
(٨) إلا: ساقطة من (ب)، (ج).
(٩) ما بين المعقوفين زيادة يقتضيها السياق، وهي غير موجودة في جميع النسخ.
(١٠) (ثم): ساقطة من (ج).
(١١) (ذا): ساقطة من (ج).
(١٢) انظر في زيادة الكاف في هذه الأسماء "المسائل العسكرية" للفارسي: 140، "المسائل الحلبيات" له: 7576، "سر صناعة الإعراب" 1/ 309، 321 - 322، 2/ 571، "مغني اللبيب" 240.
(١٣) في (د): (يستجلبوا).
(١٤) صدر بيت، وقد وردت روايته في "الديوان" بضمير الغائب، كالتالي: هنالك إنْ يُسْتَخْبَلوا المالَ يُخبِلوا ...
وإنْ يُسألوا يُعْطوا وإن يَيْسِروا يُغْلُوا انظر: "ديوانه" ص 112.
كما ورد منسوبًا له في "الخصائص" 1/ 1097، "اللسان" 2/ 109 (خبل)، و3/ 1293 (خول).
وروايته في "الخصائص" "اللسان" 3/ 1293 (خول) (هنالك إن يُسْتَخوَلوا المال يُخوِلوا ..).
وفي "اللسان" 3/ 1293 (خول: (..
وإن يُسألُوا يُعْصوا ..).
و (يُستَخبَلوا)؛ من قولهم: (أخبَلْتُ الرجلَ، أُخبِلُه، إخبالًا)،== و (اسْتَخبَلَه إبِلًا وغنمًا، فأخبله)، و (يُسْتَخوَلُوا) بمعناها؛ أي: إن تُطلَب منهم إبلُهم أو غنمُهم على سبيل الاستعارة؛ ليُنتفَعَ بألبانها وأوبارها، أو تستعار منهم خيلهم للغزو، فإنهم (يُخبلوا)؛ أي: يتكرموا ويتفضلوا بإعارتها.
ومعنى (يَيْسَروا): من (يَسَر، يَيْسَر، يَسْرًا)، وهو: المقامر بالمَيْسر، أو هو: تجزئة الجَزُور، واقتسام أعضائها؛ يقال: (يَسَرَ القومُ الجزورَ)، وهو المراد في البيت هنا -والله أعلم- نظرًا لمناسبته لما سبقه من أبيات يمدح فيها الشاعرُ سنان بن أبي حارثة المُرِّي، والمعنى: إنهم يأخذون سِمان الجزُرِ والغاليَة منها وينحرونها، ويقسمونها على ذوي الحاجات.
ومعنى: (يعْصوا) كما في رواية "اللسان" -: أي- والله أعلم-: يجمعونهم، من قولهم؛ (عصوت القومَ): إذا جمعتهم على الخير أو الشر؛ أي: إنهم إذا سُئلوا الخيرَ، جمعوا الناس على خيرهم وزادهم.
وقبله: إذا السنةُ الشهباءُ بالناس أجحفت رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم ...
قطينًا بها حتى إذا نبت البقل والذي دعاني لسوق الأبيات، أن المُعَلِّق على الديوان، فسَّر (ييسروا) بقوله: (يقامروا بالميسر)، وإن كان المعنى صحيحًا لغة، إلا أن المعنى الآخر الذي ذكرته أصح في رأيي لمناسبته لسياق الأبيات.
انظر: "اللسان" 2/ 1097 (خبل)، 3/ 1293 (خول)، 5/ 2980 (عصا)، 8/ 4959 - 4960 (يسر).
والشاهد في البيت: قوله: (هنالك) المحتملة أن تكون لوقت ومكان.
(١٥) في (ب): (يحتمل أن يكون هنالك).
(١٦) (وهنا): ساقطة من (ج).
(١٧) (ج): (المحل).
(١٨) في "معاني القرآن" له: 1/ 404، نقله بتصرف يسير جدًّا.
(١٩) (ج) (وأحوال الزمان)، بدلًا من: (من الزمان والحال).
(٢٠) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج)، (د) ومن "معاني القرآن" للزجاج.
(٢١) في (د): (أولي).
(٢٢) ممن قال بذلك: ابن عباس، والسُّدِّي، وابن جبير، والحسن.
انظر: "تفسير الطبري" 3/ 249، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 641، "الدر المنثور" 2/ 37.
(٢٣) الاسم غير المتمكن، هو الاسم المبني، الذي لا يتغير آخره بتغير العوامل في أوله؛ أي: لا يتمكن من تحمل الحركات المختلفة.
انظر: "معجم المصطلحات النحوية والصرفية" د.
محمد اللبدي: 213.
و (لَدُنْ): اسم جامد يُعرب ظرفًا للمكان أو الزمان، مبني على السكون، في محل نصب مفعول فيه، وهي تلازم الإضافة الاسم، أو الضمير، أو الجملة، وإذا أضيفت إلى ياء المتكلم اتصلت بها نون الوقاية، فيقال: (لَدُنِّي) ويقل تجريدها منها، فيقال: (لَدُنِي) وهي في المعنى والإضافة كـ (عند)، إلا أنها أقرب مكانًا من (عند) وأخصُّ منها.
انظر: "معجم الأدوات النحوية" د.
محمد التونجي: (101)، "معجم النحو" د.
الدقر: 309، "موسوعة النحو والصرف" د.
أميل يعقوب: 576.
(٢٤) من قوله: (أي ..) إلى (فهب لي من لدنك وليا): نقله بتصرف يسير عن "تفسير الثعلبي" 3/ 44 أ.
(٢٥) عند الثعلبي: (نقيا).
(٢٦) في (ب)، (د)، وعند الثعلبي: (تكون)، وفي: (ج) غير منقوطة.
(٢٧) انظر: "معاني القرآن" للفرَّاء: 1/ 208، "تفسير الطبري" 3/ 249، "تهذيب اللغة" 2/ 1274.
(٢٨) في "معاني القرآن" له 1/ 208.
نقله عنه بالمعنى.
(٢٩) البيت نسبه ابن الأنباري لنُصَيْب بن رباح.
انظر: "المذكر والمؤنث" 2/ 163.
وقال محقق الكتاب: بأن البيت ليس في مجموع شعره.
وقد ورد غير منسوب، في "معاني القرآن" للفراء: 1/ 208، "تفسير الطبري" 3/ 248، "الزاهر" 2/ 242، "تفسير الثعلبي" 3/ 44 أ، "المحرر الوجيز" 3/ 96، "اللسان" 6/ 3459 (فلح)، 2/ 1235 (خلف).
(٣٠) أي: قال: (ولدته أخرى)؛ نظرًا لأن لفظ الخليفة مؤنث، والوجه: أن يقول: ولده آخر.
قال ابن الأنباري: (ويقال: (قال الخليفة)، و (قالت الخليفة)، ويقال: (قال الخليفة الآخر)، و (الخليفة الأخرى)؛ فمن ذكَّر، قال: (الخليفة)، معناه: فلان؛ ومن أنَّثَ، قال: هو وصف قد دخلته علامة التأنيث، فحمل الفعل على لفظ المؤنث ..
ومن استعمل لفظ المؤنث، قال في الجمع: (خلائف)، ومن استعمل == المعنى المذكَّر، قال في الجمع: (خلفاء ..).
"الزاهر" 2/ 242، وانظر: "المذكر والمؤنث" له 2/ 163.
(٣١) في جميع النسخ: سُكابٌ، ولم أر لها وجهًا، والتصويب من المصادر التي أوردت البيت، وسيأتي بيانها.
(٣٢) لم أهتد إلى قائله، وقد ورد غير منسوب، في "معاني القرآن" للفراء 1/ 208، "تفسير الطبري" 3/ 248، "المذكر والمؤنث" لابن الأنباري 1/ 125، "تهذيب اللغة" 2/ 1718 (سكت)، "الصحاح" 1/ 253 (سكت)، "تفسير الثعلبي" 3/ 44 أ، "المحرر الوجيز" 3/ 96، "اللسان" 4/ 2046 (سكت).
وقوله: (سُكاتٌ): وصف للحيَّة، يقال: (حيَّة سُكاتٌ، وسَكُوتٌ)،: إذا لم يشعر بها الملسوع حتى تلسعه وقوله: (أدردا)؛ أي: ليس في فمه سِنٌ، و (الدَّرَدُ): هو ذهاب الأسنان، والأنثى: دَرْداء.
انظر: "الصحاح" 2/ 470 (درد)، "اللسان" 4/ 2046 (سكت)، "القاموس" ص 153 (سكت).
والبيت في وصف رجل داهية يقول عنه: كيف تستخف به، وهو كالحية الجبلية الفاتكة، التي لا يشعر الملسوع بعضها حتى تعضه بناب لم يسقط، ولم يذهب سُمُّه.
والشاهد فيه كونه أنَّث (جبلية)؛ نظرًا لورود الموصوف مؤنثًا في اللفظ، وهو (حيَّة)، وذكَّرَ (عضَّ)؛ لأنه أراد المعنى؛ أي: حيَّة ذكَرًا.
(٣٣) لم أقف على صاحب هذا القول، وقد حكاه الثعلبي في "تفسيره" 3/ 44أ، والبغوي في "تفسيره" 2/ 33، وابن الجوزي، في "الزاد" 1/ 380.
(٣٤) في (أ)، (ب): (الإيجاب)، والمثبت من: (ج)، (د).
(٣٥) في (أ)، (ب): (يَسمع)، والمثبت من: (ج)، (د).
(٣٦) في (أ): قولك، والمثبت من: (ب)، (ج)، (د).
(٣٧) لم أقف على مصدر قول ابن عباس هذا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ هُنَالِكَ ﴾ إشارة إلى مكان، وقد يستعمل في الزمان، وهو الأظهر هنا أي: لما رأى زكريا كرامة الله تعالى لمريم سأل مِنَ اللِه الولد ﴿ فَنَادَتْهُ الملائكة ﴾ أنث رعاية للجماعة، وقرئ فناداه بالألف على التذكير، وقيل: الذي ناداه جبريل وحده وإنما قيل الملائكة: لقولهم: فلان يركب الخيل، أي جنس الخيل وإن كان فرساً واحداً ﴿ بيحيى ﴾ اسم سماه الله تعالى به قبل أن يولد، وهو اسم بالعبرانية صادف اشتقاقاً وبناءً في العربية، وهو لا ينصرف، فإن كان في الإعراب أعجمياً ففيه التعريف والعجمة، وإن كان عربياً فالتعريف ووزن الفعل ﴿ مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ الله ﴾ أي مصدقاً بعيسى عليه السلام مؤمناً به، وسمي عيسى كلمة الله، لأنه لم يوجد إلاّ بكلمة الله وحدها وهي قوله: كن، لا بسبب آخر وهو الوالد كسائر بني آدم ﴿ وَسَيِّداً ﴾ السيد، الذي يسود قومه؛ أي يفوقهم في الشرف والفضل ﴿ وَحَصُوراً ﴾ أي لا يأتي النساء فقيل: خلقه الله كذلك، وقيل: كان يمسك نفسه، وقيل: الحصور الذي لا يأتي الذنوب ﴿ أنى يَكُونُ لِي غلام ﴾ تعجُّب استبعاد أن يكون له ولد مع شيخوخته، وعقم امرأته، ويقال: كان له تسع وتسعون سنة، ولامرأته ثمان وتسعون سنة، فاستبعد ذلك في العادة، مع علمه بقدرة الله تعالى على ذلك، فسأله مع علمه بقدرة الله، واستبعده لأنه نادر في العادة، وقيل: سأله وهو شاب، وأجيب وهو شيخ، ولذلك استبعده ﴿ كَذَلِكَ الله يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ ﴾ أي مثل هذه الفعلة العجيبة، يفعل الله ما يشاء؛ فالكاف لتشبيه أفعال الله العجيبة بهذه الفعلية العجيبة، والإشارة بذلك إلى هبة الولد لزكريا، واسم الله مرفوع بالابتداء، أو كذلك خبره فيجب وصله معه، وقيل: الخبر: يفعل الله ما يشاء، ويحتمل كذلك على هذا وجهين: أحدهما: أن يكون في موضع الحال من فاعل يفعل، والآخر: أن يكون في موضع خبر مبتدأ محذوف تقديره: الأمر كذلك، أو أنتما كذلك، وعلى هذا يوقف على كذلك والأول أرجح لاتصال الكلام، وارتباط قوله: ﴿ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ ﴾ مع ما قبله، ولأن له نظائر كثيرة في القرآن منها قوله: ﴿ وكذلك أَخْذُ رَبِّكَ ﴾ [هود: 102] ﴿ اجعل لي آيَةً ﴾ أي علامة على حمل المرأة ﴿ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ الناس ﴾ أي علامتك أن لا تقدر على كلام الناس ﴿ ثلاثة أَيَّامٍ ﴾ بمنع لسانه عن ذلك مع إبقاء الكلام بذكر الله، ولذلك قال: ﴿ واذكر رَّبَّكَ كَثِيراً ﴾ وإنما حبس لسانه عن الكلام تلك المدة ليخلص فيها لذكر الله شكراً على استجابة دعائه ولا يشغل لسانه بغير الشكر والذكر ﴿ إِلاَّ رَمْزاً ﴾ إشارة باليد أو بالرأس أو غيرهما، فهو استثناء منقطع ﴿ بالعشي ﴾ من زوال الشمس إلى غروبها، والإبكار من طلوع الفجر إلى الضحى.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ مني إنك ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو.
﴿ بما وضعت ﴾ على الحكاية: ابن عامر ويعقوب وأبو بكر وحماد.
الباقون ﴿ وضعت ﴾ على الغيبة.
﴿ وإني أعيذها ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع.
﴿ وكفلها ﴾ مشددة: عاصم وحمزة وعلي وخلف.
الباقون خفيفاً ﴿ زكريا ﴾ مقصوراً كل القرآن: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.
وقرأ أبو بكر وحماد بالمد والنصب ههنا.
الباقون بالمد والرفع.
﴿ فناديه ﴾ بالياء والإمالة: علي وحمزة وخلف.
الباقون ﴿ فنادته ﴾ بتاء التأنيث ﴿ في المحراب ﴾ بالإمالة حيث كان مخفوضاً.
قتيبة وابن ذكوان ﴿ إن الله ﴾ بكسر "إن": ابن عامر وحمزة.
الباقون بالفتح.
﴿ يبشرك ﴾ وما بعده من البشارة خفيفاً: حمزة وعلي.
الباقون بالتشديد ﴿ لي آية ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وابن شنبوذ عن ابن كثير.
الوقوف: ﴿ مني ﴾ ج للابتداء ولاحتمال لأنك ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ أنثى ﴾ ط لمن قرأ ﴿ بما وضعت ﴾ بتاء التأنيث الساكنة، ومن قرأ على الحكاية لم يقف لأنه يجعلها من كلامها.
﴿ بما وضعت ﴾ ط ﴿ كالأنثى ﴾ ج للابتداء بأن، ولاحتمال أن المجموع كلام واحد من قولها على قراءة من قرأ ﴿ وضعت ﴾ بالضم ﴿ الرجيم ﴾ ه ﴿ حسناً ﴾ ص لمن قرأ ﴿ وكفلها ﴾ مخففاً لتبدل فاعله، فإن فاعل المخفف ﴿ زكريا ﴾ وفاعل المشدد الرب.
وقد يعدى إلى مفعولين كقوله: ﴿ أكفلنيها ﴾ ﴿ المحراب ﴾ (لا) لأن ﴿ وجد ﴾ جواب ﴿ كلما ﴾ ﴿ رزقاً ﴾ ج لاتحاد فاعل الفعلين مع عدم العاطف ﴿ هذا ﴾ ط ﴿ من عند الله ﴾ ط ﴿ حساب ﴾ ه ﴿ ربه ﴾ ج لما قلنا في ﴿ رزقاً ﴾ ﴿ طيبة ﴾ ج للابتداء ولجواز لأنك ﴿ الدعاء ﴾ ه ﴿ في المحراب ﴾ (لا) وإن كسر "إن" لأن من كسر جعل النداء في معنى القول ﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ عاقر ﴾ ط ﴿ ما يشاء ﴾ ه ﴿ آية ﴾ ط ﴿ والإبكار ﴾ ه.
التفسير: إنه ذكر في هذا المقام قصصاً.
القصة الأولى حنة أم مريم البتول زوجة ابن عمران بن ماثان بنت فاقوذ أخت إيشاع التي كانت تحت زكريا بن أذن.
روي أن حنة كانت عاقراً لم تلد إلى أن كبرت وعجزت.
فبينما هي في ظل شجرة بصرت بطائر يطعم فرخاً له، فتحركت نفسها للولد وتمنته فقالت: اللهم إن لك عليّ نذراً شكراً إن رزقتني ولداً أن أتصدق به على بيت المقدس فيكون من سدنته وخدمته.
فحملت بمريم / وهلك عمران وهي حامل.
قال الحسن: إنما فعلت ذلك بإلهام الله كما ألهم أم موسى فقذفته في أليم.
عن الشعبي: محرراً مخلصاً للعبادة.
وتحرير العبد تخليصه من الرق، وحررت الكتاب إذا أصلحته وخلص من الغلط، ورجل حر إذا كان خالصاً لنفسه ليس لأحد عليه يد وتصرف.
قال الأصم: لم يكن لبني إسرائيل غنيمة ولا سبي، وكان في دينهم أن الولد إذا صار بحيث يمكن استخدامه كان يجب عليه خدمة الأبوين.
فكانوا بالنذر يتركون ذلك النوع عن الانتفاع ويجعلون الأولاد محررين لخدمة المسجد وطاعة الله ، حتى إذا بلغ الحلم كان مخيراً.
فإن أبى المقام وأراد أن يذهب ذهب، وإن اختار المقام فلا خيار له بعد ذلك.
ولم يكن نبي إلا ومن نسله محرر في بيت المقدس، وما كان هذا التحرير إلا في الغلمان.
لأن الجارية يصيبها الحيض والقذر، ثم إنها نذرت مطلقاً إما لبناء الأمر على الفرض والتقدير، وإما لأنها جعلت النذر وسيلة إلى طلب الولد الذكر.
﴿ محرراً ﴾ حال من "ما".
وعن ابن قتيبة: المعنى نذرت لك أن أجعل ما في بطني محرراً.
فلما وضعتها يعني ما في بطنها لأنها كانت أنثى في علم الله، أو على تأويل النفس أو النسمة أو الحبلة.
والحبل بفتح الباء مصدر بمعنى المحبول، كما سمي بالحمل، ثم أدخلت عليه التاء للإشعار بمعنى الأنوثة فيه، ومنه الحديث " نهى عن حبل الحبلة " ومعناه أن يبيع ما سوف يحمله الجنين الذي في بطن الناقة على تقدير أنه يكون أنثى.
﴿ قالت رب إني وضعتها ﴾ حال كونها ﴿ أنثى ﴾ ثم من قرأ ﴿ والله أعلم بما وضعت ﴾ على الحكاية فمجموع الكلام إلى آخر الآية من قولها، ويكون فائدة قولها ﴿ إني وضعتها أنثى ﴾ الاعتذار عن إطلاق النذر الذي تقدم منها، والخوف من أنها لا تقع الموقع الذي يعتد به والتحزن إلى ربها والتحسر على ما رأت من خيبة رجائها وعكس تقديرها.
ثم خافت أن يظن بها أنها قالت ذلك لإعلام الله فقالت: ﴿ والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى ﴾ ليس جنس الذكور كجنس الإناث لا سيما في باب السدانة، فإن تحرير غير الذكور لم يكن جائزاً في شرعهم، والذكر يمكن له الاستمرار على الخدمة دون الأنثى لعوارض النسوان، ولأن الأنثى لا تقوى على الخدمة لأنها محل التهمة عند الاختلاط، ويحتمل أن تكون عارفة بالله واثقة بأن كل ما صدر عنه فإنه يكون خيراً وصواباً فقالت: ﴿ رب إني وضعتها أنثى ﴾ ولكنك أعرف وأعلم بحال ما وضعت فلعل لك فيه سراً ﴿ وليس الذكر ﴾ الذي طلبت ﴿ كالأنثى ﴾ التي وهبت لي لأنك لا تفعل إلا ما فيه حكمة ومصلحة، فعلى هذا اللام في الذكر وفي الأنثى لمعهود حاضر ذهني لكنها في الذكر لحاضر ذهني تقديراً لدلالة ما في بطني عليه ضمناً، وفي الأنثى لحاضر ذهني حقيقة لتقدم لفظة أنثى.
ومن قرأ ﴿ بما وضعت ﴾ بسكون التاء للتأنيث فالجملتان أعني / قوله ﴿ والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى ﴾ معترضتان.
ومعناه والله أعلم بالشيء الذي وضعت لما علق به من عظائم الأمور وجعلها وولدها آية للعالمين وهي جاهلة بذلك.
ثم زاده بياناً وإيضاحاً فقال: ﴿ وليس الذكر ﴾ الذي طلبت ﴿ كالأنثى ﴾ التي وهبت لها.
﴿ وإني سميتها مريم ﴾ وذلك أن أباها قد مات عند وضعها فلهذا تولت الأم تسميتها.
ومريم في لغتهم العابدة.
فأرادت بقولها ذلك التقرب والطلب إلى الله أن يعصمها حتى يكون فعلها مطابقاً لاسمها، ولهذا أردف ذلك بطلب الإعاذة لها ولولدها من الشيطان ﴿ فتقبلها ربها ﴾ الضمير يعود إلى امرأة عمران ظاهراً بدليل أنها التي خاطبت ونادت بقولها ﴿ رب إني وضعتها ﴾ ويحتمل أن يعود إلى مريم فيكون فيه إشارة إلى أنه كما رباها في بطن أمها فسيربيها بعد ذلك ﴿ بقبول حسن ﴾ تقبلت الشيء وقبلته إذا رضيته لنفسك.
قبولاً بفتح القاف وهو مصدر شاذ حتى حكي أنه لم يسمع غيره.
وأجاز الفراء والزجاج قبولاً بالضم.
والباء في قوله ﴿ بقبول ﴾ بمنزلة الباء في قولك "كتب بالقلم وضربته بالسوط".
وفي التقبل نوع تكلف فكأنه إنما حكم بالتقبل بواسطة القبول الحسن.
قال في الكشاف: معناه فتقبلها بذي قبول حسن أي بأمر ذي قبول وهو اختصاصها بإقامتها مقام الذكر في النذر ولم يقبل قبلها أنثى في النذر، أو بأن تسلمها من أمها عقيب الولادة قبل أن تنشأ وتصلح للسدانة.
قال: ويجوز أن يكون القبول اسم ما يقبل به الشيء كالسعوط واللدود لما يسعط به ويلدّ وهو الاختصاص، ويجوز أن يكون معناه فاستقبلها مثل تعجل بمعنى استعجل وذلك من قولهم "استقبل الأمر" إذا أخذه بأوله أي فأخذها من أول أمرها حين ولدت بقبول حسن.
﴿ وأنبتها نباتاً حسناً ﴾ قيل: كانت تنبت في اليوم مثل ما ينبت المولود في عام.
وقيل: المراد نماؤها في الطاعة والعفة والصلاح والسداد ﴿ وكفلها زكريا ﴾ روي أن حنة حين ولدت مريم لفتها في خرقة وحملتها إلى المسجد ووضعتها عند الأحبار أبناء هارون وهم في بيت المقدس كالحجبة في الكعبة.
فقالت لهم: دونكم هذه النذيرة فتنافسوا فيها لأنها كانت بنت إمامهم وصاحب قربانهم، وكانت بنو ماثان رؤوس بني إسرائيل وأحبارهم وملوكهم.
فقال لهم زكريا: أنا أحق بها، عندي خالتها، فقالوا: لا حتى نقترع عليها.
فانطلقوا وكانوا سبعة وعشرين إلى نهر فألقوا فيه أقلامهم التي كانوا يكتبون بها التوراة والوحي، على أن كل من ارتفع قلمه فهو الراجح.
فألقوا ثلاث مرات وفي كل مرة كان يرتفع قلم زكريا وترسب أقلامهم، فأخذها زكريا.
فعلى هذه الرواية تكون كفالة زكريا إياها من أول أمرها وهو قول الأكثرين.
وزعم بعضهم أنه كفلها بعد أن فطمت ونبتت النبات الحسن على ترتيب الذكور.
والأرجح أنها لم ترضع ثدياً قط، وكانت تتكلم في الصغر، وكان رزقها من الجنة، وأن / زكريا بنى لها محراباً وهي غرفة يصعد إليها بسلم.
وقيل: هو أشرف المجالس ومقدّمها كأنها وضعت في أشرف موضع من بيت المقدس.
وقيل: كانت مساجدهم تسمى المحاريب.
والتركيب يدل على الطلب فكان صدر المجلس يسمى محراباً لطلب الناس إياه.
وكان إذا خرج غلق عليها سبعة أبواب فكان يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء، وذلك قوله عز من قائل ﴿ كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً قال يا مريم أنى لك هذا ﴾ من أين لك هذا الرزق الذي لا يشبه أرزاق الدنيا وهو آتٍ في غير حينه والأبواب مغلقة؟
قالت ﴿ هو من عند الله ﴾ فلا تستبعد ﴿ إن الله يرزق من يشاء بغير حساب ﴾ يحتمل أن يكون من تمام كلام مريم، وأن يكون معترضاً من كلام الله .
واعلم أن الأمور الخارقة للعادة في حق مريم كثيرة فمنها: أنه روى أبو هريرة عن النبي " "ما من مولود إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخاً من مس الشيطان إياه إلا مريم وابنها " قلت: وذلك لدعاء حنة ﴿ وإني أعيذها ﴾ ومنه تكلمها في الصغر.
ومنها حصول الرزق لها من عند الله كما "روي عن النبي أنه جاع في زمن قحط فأهدت له فاطمة ا رغيفين وبضعة لحم آثرته بها فرجع بها إليها وقال: هلمي يا بنية.
فكشفت عن الطبق فإذا هو مملوء خبزاً ولحماً فبهتت وعلمت أنها نزلت من عند الله.
فقال النبي لها: أنى لك هذا؟
قالت: هو من عند الله.
إن الله يرزق من يشاء بغير حساب.
فقال : الحمد لله الذي جعلك شبيهة سيدة نساء بني إسرائيل.
ثم جمع رسول الله علي بن أبي طالب والحسن والحسين وجميع أهل بيته حتى شبعوا وبقي الطعام كما هو، فأوسعت فاطمة ا على جيرانها" .
وفي أمثال هذه الخوارق من غير الأنبياء دليل على صحة الكرامات من الأولياء.
والفرق بين المعجزة والكرامة أن صاحب الفعل الخارق في الأول يدعي النبوة، وفي الثاني يدعي الولاية، والنبي يدعي المعجز ويقطع به، والولي لا يمكنه أن يقطع به، والمعجزة يجب انفكاكها عن المعارضة، والكرامة بخلافها.
وقال بعضهم: الأنبياء مأمورون بإظهار المعجزة، والأولياء مأمورون بإخفاء الكرامات أما المعتزلة فقد احتجوا على امتناع الكرامات.
بأنها دلالات صدق الأنبياء، ودليل النبوة لا يوجد مع غير النبي كما أن الفعل المحكم لما كان دليلاً على أن فاعله عالم فلا جرم لا يوجد في غير العالم.
وأجابوا عن حديث أبي هريرة بعد تسليم صحته أن استهلال المولود صارخاً من مس الشيطان تخييل وتصوير لطمعه فيه، كأنه يمسه ويضرب بيده عليه ويقول: / هذا ممن أغويه.
فمعنى الحديث أن كل مولود فإنه يطمع الشيطان في إغوائه إلا مريم وابنها.
وهذا المعنى يعم جميع من كان في صفتهما من عباد الله المخلصين.
قال في الكشاف: وأما حقيقة المس والنخس كما يتوهم أهل الحشو فكلا ولو سلط إبليس على الناس ينخسهم لامتلأت الدنيا صراخاً وعياطاً مما يبلون به من نخسه.
قلت: وعجيب من مثله مثل هذا هذا الكلام فإنه لا يلزم من الإحساس بمس الشيطان والصراخ منه في وقت الولادة وإنه قريب العهد بعالم الأرواح وبزمان المكاشفة بعيد العهد من عالم الغفلة والإلف بالمحسوسات أن يحس به في وقت آخر ويصرخ على أن أثر مس الشيطان ونخسه يظهر في هيئات النفس وأحوالها، وأنها أمور لا يحس بها إلا بعد المفارقة أو قطع العلائق البدنية، والكلام فيه يستدعي فهمه استعداداً آخر غير العلوم الظاهرية.
قال الجبائي: لم لا يجوز أن تكون تلك الخوارق من معجزات زكريا؟
وبيانه أن زكريا دعا لها على الإجمال أن يوصل الله إليها رزقها، وربما كان غافلاً عن تفاصيل ما يأتيها من الأرزاق من عند الله.
فإذا رأى شيئاً بعينه في وقت معين قال لها: أنى لك هذا؟
قالت: هو من عند الله لا من عند غيره.
فعند ذلك يعلم أن الله أظهر بدعائه تلك المعجزة.
ويحتمل أن يكون زكريا يشاهد عند مريم رزقاً معتاداً لأنه كان يأتيها من السماء وكان زكريا يسألها عن ذلك حذراً من أن يكون من عند إنسان يبعثه إليها فقالت: هو من عند الله، لا من عند غيره.
على أنا لا نسلم أنه قد ظهر لها شيء من الخوارق، بل كانوا يرغبون في الإنفاق على الزاهدات العابدات.
فكان زكريا إذا رأى شيئاً من ذلك خاف أن ذلك الرزق أتاها من حيث لا ينبغي، وكان يسألها عن كيفية الحال.
قلت: أمثال هذه الشبهات يوجبها الشك في القرآن وفي الحديث أو العصبية المحضة.
على أنا نقول: لو كان معجزاً لزكريا لكان مأذوناً من عند الله في طلبه فكان عالماً بحصوله، وإذا علم امتنع أن يطلب كيفية الحال.
وأيضاً كيف قنع بمجرد إخبارها في زوال الشبهة؟
وكيف مدح الله مريم بحصول هذا الرزق عندها؟
وكيف يستبعد هذا القدر ممن أخبر الله بأنه اصطفاها على نساء العالمين وقال: ﴿ وجعلناها وابنها آية للعالمين ﴾ ؟} [الأنبياء: 91].
القصة الثانية: واقعة زكريا وذلك قوله ﴿ هنالك ﴾ أي في ذلك المكان الذي كانا فيه في المحراب، أو في ذلك الوقت ذلك الوقت الذي شاهد تلك الكرامات فقد يستعار "هنا" و "ثمة" و "حيث" للزمان ﴿ دعا زكريا ربه ﴾ وهذا يقتضي أن يكون قد عرف في ذلك الزمان أو المكان أمراً له تعلق بهذا الدعاء، فالجمهور من العلماء المحققين على أن زكريا رأى عند مريم من فاكهة الصيف في الشتاء وبالعكس وأن ذلك خارق للعادة، فطمع / هو أيضاً في أمر خارق هو حصول الولد من شيخ كبير ومن امرأة عاقر.
وهذا لا يقتضي أن يكون زكريا قبل ذلك شاكاً في قدرة الله غير مجوّز وقوع الخوارق، فإن من حسن الأدب رعاية الوقت الأنسب في الطلب.
وأما المعتزلة فحين أنكروا كرامات الأولياء وإرهاص الأنبياء قالوا: إن زكريا لما رأى آثار الصلاح والعفاف والتقوى مجتمعة في حق مريم تمنى أن يكون له ولد مثلها.
قال المتكلمون: إن دعاء النبي لا يكون إلا بعد الإذن لاحتمال أن لا تكون الإجابة مصلحة فحينئذٍ تصير دعوته مردودة وذلك نقص في منصبه.
وقول إن دعاء النبي لا يكون بمجرد التشهي فلا حاجة له في كل دعاء إلى إذن مخصوص، بل يكفي له الإذن في الدعاء على الاطلاق والغالب في دعوته الإجابة، ثم إن وقع الأمر بالندرة على خلاف دعوته فذلك بالحقيقة مطلوبه لأنه يريد الأصلح، ويضمر في دعائه أنه لو لم يكن أصلح لم يبعثه الله عليه ويصرفه عنه.
ومعنى قوله: ﴿ من لدنك ﴾ أن حصول الولد في العرف والعادة له أسباب مخصوصة وكانت مفقودة في حقه.
فكأنه قال: أريد منك يا رب أن تعزل الأسباب في هذه الواقعة وتخلق هذا الولد بمحض قدرتك من غير توسيط الأسباب.
والذرية النسل يقع على الواحد والجمع والذكر والأنثى والمراد ههنا ولد واحد كما قال: ﴿ فهب لي من لدنك ولياً ﴾ قال الفراء: وأنث الطيبة لتأنيث لفظ الذرية في الظاهر.
فالتذكير والتأنيث تارة يجيء على اللفظ وأخرى على المعنى، وهذا في أسماء الأجناس بخلاف الأسماء الأعلام فإنه لا يجوز أن يقال: جاءت طلحة، لأن اسم العلم لا يفيد إلا ذلك الشخص، فإذا كان مذكراً لم يجز فيه إلا التذكير.
﴿ إنك سميع الدعاء ﴾ يعني سماع إجابة.
وذلك لما عهد من الإجابة في غير هذه الواقعة كما قال في سورة مريم ﴿ ولم أكن بدعائك رب شقياً ﴾ .
﴿ فنادته الملائكة ﴾ ظاهر اللفظ للجمع وهذا في باب التشريف أعظم.
ثم ما روي أن المنادي كان جبريل فالوجه فيه أنه كقولهم "فلان يركب الخيل ويأكل الأطعمة النفيسة" أي يركب من هذا الجنس ويأكل منه.
أو لأن جبريل كان رئيس الملائكة وقلما يبعث إلا ومعه آخرون.
﴿ يبشرك بيحيى ﴾ يحتمل أن يكون زكريا قد عرف أنه سيكون في الأنبياء رجل اسمه يحيى وله درجة عالية.
فإذا قيل له: إن ذلك النبي المسمى بيحيى هو ولدك كان بشارة له، ويحتمل أن يكون المعنى يبشرك بولد اسمه يحيى كما يجيء في سورة مريم ﴿ إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى ﴾ وإنه اسم أعجمي كموسى وعيسى، ومن جوز أن يكون عربياً فمنع صرفه للعلمية ووزن الفعل كيعمر.
ثم إنه وصف يحيى بصفات منها: قوله ﴿ مصدقاً بكلمة من الله ﴾ وهو نصب على الحال لأنه نكرة و"يحيى" معرفة.
قال أبو عبيدة: أي مؤمناً بكتاب الله.
وسمي الكتاب / كلمة كما قيل: "كلمة الحويدرة" لقصيدته.
والجمهور على أن المراد بكلمة من الله هو عيسى.
قال السدي: لقيت أم يحيى أم عيسى وهما حاملان بهما.
فقالت: يا مريم أشعرت أني حبلى؟
فقالت مريم: وأنا أيضاً حبلى.
قالت امرأة زكريا: فإني وجدت ما في بطني يسجد لما في بطنك فذاك قوله: ﴿ مصدقاً بكلمة من الله ﴾ وقال ابن عباس: إن يحيى أكبر سناً من عيسى بستة أشهر، وكان يحيى أول من آمن به وصدّق بأنه كلمة الله وروحه، ثم قتل يحيى قبل رفع عيسى.
وسمي عيسى كلمة الله لأنه لم يوجد إلا بكلمة الله وهي "كن" من غير واسطة أب وزرع كما يسمى المخلوق خلقاً والمرجو رجاء، أو لكونه متكلماً في أوان الطفولية، أو لأنه منشأ الحقائق والأسرار كالكلمة، ولهذا سمي روحاً أيضاً لأنه سبب حياة الأرواح.
وقد يقال للسلطان العادل ظل الله ونور الله لأنه سبب ظهور ظل العدل ونور الإحسان، أو لأنه وردت البشارة به في كلمات الأنبياء وكتبهم كما لو أخبرت عن حدوث أمر، ثم إذا حدث قلت قد جاء قولي أو كلامي أي ما كنت أقول أو أتكلم به.
ومنها قوله: ﴿ وسيداً ﴾ والسيد الذي يفوق قومه في الشرف.
وكان يحيى فائقاً لقومه بل للناس كلهم في الخصال الحميدة.
وقال ابن عباس: السيد الحليم.
وقال ابن المسيب: الفقيه العالم.
وقال عكرمة: الذي لا يغلبه الغضب.
ومنها قوله: ﴿ وحصوراً ﴾ قيل: أي محصوراً عن النساء لضعف في الآلة، وزيف بأنه من صفات النقص فلا يليق في معرض المدح.
والمحققون على أنه فعول بمعنى فاعل وهو الذي لا يأتي النسوان لا للعجز بل للعفة والزهد وحبس النفس عنهن، وفيه دليل على أن ترك النكاح كان أفضل من تلك الشريعة، فلولا أن الأمر بالنكاح والحث عليه وارد في شرعنا كان الأصل بقاء الأمر على ما كان.
ومنها قوله: ﴿ ونبياً ﴾ واعلم أن السيادة لا تتم إلا بالقدرة على ضبط مصالح الخلق فيما يرجع إلى الدين والدنيا.
والحصور إشارة إلى الزهد التام وهو منع النفس عما لا يعنيه.
روي أنه مر وهو طفل بصبيان يلعبون فدعوه إلى اللعب فقال: ما للعب خلقت.
فقوله: ﴿ ونبياً ﴾ أشار به إلى ما عدا مجموع الأمرين فإنه ليس بعدهما إلا النبوة.
ثم قال: ﴿ ومن الصالحين ﴾ أي من أولادهم لأنه كان من أصلاب الأنبياء أو كائناً من جملة الصالحين كقوله: ﴿ وإنه في الآخرة لمن الصالحين ﴾ أو لأن صلاحه كان أتم بدليل قوله : " "ما من نبي إلا وقد عصى أو هم بمعصية غير يحيى بن زكريا فإنه لم يعص ولم يهم " وفيه أن الختم على الصلاح هو الغرض الأعظم والغاية القصوى وإن كان نبياً، ولهذا قال سليمان بعد حصول النبوة ﴿ وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين ﴾ وقال يوسف: ﴿ توفني مسلماً وألحقني بالصالحين ﴾ .
ثم إن الملائكة لما نادوه بما نادوه قال زكريا / مخاطباً لله ومناجياً إياه ﴿ رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر ﴾ أدركتني السنون العالية وأثر فيّ طول العمر وأضعفني.
قال أهل اللغة: كل شيء صادفته وبلغته فقد صادفك وبلغك وذلك إذا أمكن تصور الطلب من الجانبين.
فيجوز بلغت الكبر وبلغني الكبر لأن الكبر كالشيء الطالب للإنسان فهو يأتيه بحدوثه فيه.
والإنسان أيضاً يأتيه بمرور العمر عليه.
ولا يجوز بلغني البلد في موضع بلغت البلد لأن البلد ليس كالطالب للإنسان الذاهب.
﴿ وامرأتي عاقر ﴾ هي من الصفات الخاصة بالنساء.
ويقال: رمل عاقر لا ينبت شيئاً.
فإن قيل: لما كان زكريا هو الذي سأل الولد ثم أجابه الله إلى ذلك فما وجه تعجبه واستبعاده بقوله: ﴿ أنى يكون ﴾ من أين يحصل لي غلام؟
فالجواب على ما في الكشاف أن الاستبعاد إنما جاء من حيث العادة.
وقيل: إنه دهش من شدة الفرح فسبق لسانه.
ونقل عن سفيان بن عيينة أن دعاءه كان قبل البشارة بستين سنة، فكان قد نسي ذلك السؤال وقت البشارة، فلما سمع البشارة في زمان الشيخوخة استغرب وكان له يؤمئذٍ مائة وعشرون سنة أو تسع وتسعون ولامرأته ثمان وتسعون، وعن السدي أن الشيطان جاءه عند سماع البشارة قال: إن هذا النداء من الشيطان وقد سخر منك فاشتبه عليه الأمر ولا سيما أنه كان من مصالح الدنيا ولم يتأكد بالمعجزة فرجع إلى إزالة ذلك الخاطر فسأل ما سأل.
والجواب المعتمد أن زكريا لم يسأل عما سأل استبعاداً وتشككاً في قدرة الله ، وإنما أراد تعيين الجهة التي بها يحصل الولد، فإن الجهة المعتادة كانت متعذرة عادة لكبره وعقارتها فأجيب بقوله: ﴿ كذلك الله يفعل ما يشاء ﴾ وهو إما جملة واحدة أي الله يفعل ما يشاء من الأفعال العجيبة مثل ذلك الفعل وهو خلق الولد بين الشيخ الفاني والعجوز العاقر، أو جملتان فيكون ﴿ كذلك الله ﴾ مبتدأ وخبراً أي على نحو هذه الصفة الله و ﴿ يفعل ما يشاء ﴾ بياناً له أي يفعل ما يريد من الأفاعيل الخارقة للعادات.
ثم إنه لفرط سروره وثقته بكرم ربه وإنعامه سأل عن تعيين الوقت فقال: ﴿ رب اجعل لي آية ﴾ علامة أعرف بها العلوق فإن ذلك لا يظهر من أوّل الأمر فقال : ﴿ آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام ﴾ أي بلياليها ولهذا ذكر في سورة مريم ﴿ ثلاث ليال ﴾ ومعنى قوله: ﴿ ألا تكلم الناس ﴾ قال المفسرون: أي لا تقدر على التكلم.
حبس لسانه عن أمور الدنيا وأقدره على الذكر والتسبيح ليكون في تلك المدة مشتغلاً بذكر الله وبالطاعة وبالشكر على تلك النعمة الجسمية، فيصير الشيء الواحد علامة على المقصود وأداء لشكر النعمة فيكون جامعاً للمقاصد.
وفي هذه الآية إعجاز من وجوه منها: القدر على التكلم بالتسبيح والذكر مع العجز عن التكلم بكلام البشر.
ومنها العجز مع سلامة البنية واعتدال المزاج.
ومنها الإخبار بأنه متى حصلت هذه / الحالة فقد حصل الولد.
ثم إن الأمر وقع على وفق هذا الخبر.
وعن قتادة أنه عوتب بذلك حيث سأل بعد بشارة الملائكة فأخذ لسانه وصبر بحيث لا يقدر على الكلام.
قلت: وأحسن العتاب ما كانت منتزعاً من نفس الواقعة ومناسباً لها.
وفيه لطيفة أخرى وهي أنه طلب الآية على الإطلاق فاحتمل أن يكون قد طلب علامة للعلوق، واحتمل أن يكون قد طلب دلالة على إحداث الخوارق ليصير علم اليقين عين اليقين، فصار حبس لسانه آية العلوق ودلالة على الفعل الخارق جميعاً مع مناسبته للواقعة حيث سأل ما كان من حقه أن لا يسأل.
وزعم أبو مسلم أن المعنى: آيتك أن تصير مأموراً بعدم التكلم ولكن بالاشتغال بالذكر والتسبيح ﴿ إلا رمزاً ﴾ إشارة بيد أو رأس أو بالشفتين ونحوها.
وأصل التركيب للتحرك يقال: ارتمز إذا تحرك ومنه الراموز للبحر، وهو استثناء من قوله: ﴿ ألا تكلم ﴾ وجاز وإن لم يكن الرمز من جنس الكلام لأن مؤدّاه مؤدى الكلام، ويجوز أن يكون استثناء منقطعاً.
وقيل: الرمز الكلام الخفي.
وعلى هذا فالاستثناء متصل من غير تكلف.
وقرأ يحيى بن وثاب ﴿ إلا رمزاً ﴾ بضمتين جميع رموز كرسول ورسل وقرىء ﴿ رمزاً ﴾ بفتحتين جمع رامز كخادم وخدم وهو حال منه ومن الناس دفعة بمعنى إلا مترامزين كما يكلم الناس الأخرس بالإشارة ويكلمهم ﴿ واذكر ربك كثيراً ﴾ قيل: إنه لم يكن عاجزاً إلا عن تكليم البشر.
وقيل: المراد الذكر بالقلب وإنه كان عاجزاً عن التكلم مطلقاً ﴿ وسبح ﴾ حمله بعضهم على صلّ كيلا يكون تكراراً للذكر.
وقد تسمى الصلاة تسبيحاً ﴿ فسبحان الله حين تمسون ﴾ لاشتمالها عليه.
والعشيّ مصدر على "فعيل" وهو من وقت زوال الشمس إلى غروبها.
والإبكار من طلوع الفجر إلى الضحى وهو مصدر أبكر يبكر إذا خرج للأمر من أول النهار، ومنه الباكورة لأول الثمار.
وقرىء بفتح الهمزة جمع بكر كسحر وأسحار.
التأويل: إن لله في كل ذرة من ذرات الموجودات وحركة من حركاتها أسراراً لا يعلمها إلا الله.
فانظر ماذا أخرج الله من الأسرار عن إطعام طائر فرخه، وماذا أظهر من الآيات والمعجزات من تلك الساعة إلى يوم القيامة بواسطة مريم وعيسى ﴿ فتقبل مني ﴾ راجع إلى المحرر لا إلى التحرير أي تقبلها مني أن تتكفلها وتربيها تربية المحررين ﴿ فتقبلها ربها ﴾ أي تقبلها ربها أن يربيها ﴿ بقبول حسن ﴾ كقبول ذكر أو قبولاً أخرج منها مثل عيسى ﴿ وكفلها زكريا ﴾ من كمال رأفته أنه جعل كفالتها إلى زكريا حيث أراد أن يخرج عيسى منها بلا أب لئلا يدخل عليها غيره فتكون أبعد من التهمة.
﴿ وجد عندها رزقاً ﴾ أي من فتوحات الغيب الذي يطعم الله به خواص عباده الذين يبيتون عنده لا عند أنفسهم ولا عند الخلق / كقوله : " أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني " ﴿ إن الله يرزق من يشاء بغير حساب ﴾ ما لم يكن في حسابها من الولد بلا أب، ومن الفاكهة بلا شجرة، ومن المعجزات بلا نبوة، ومن العلوم اللدنية بلا واسطة ﴿ هنالك دعا زكريا ربه ﴾ كما أنه جعل إطعام الطائر فرخه سبب تحريك قلب حنة لطلب الولد، فكذلك جعل حالة مريم وما كان يأتيها من الرزق خارقاً للعادة سبب تحريك قلب زكريا ﴿ قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة ﴾ أي ولداً يكون روحه من الصف الأول من صفوف الأرواح المجندة، وهو المطهر من لوث الحجاب والوسط الصالح للنبوة والولاية بخلاف الصف الثاني الذي هو لأرواح الأولياء وبينه وبين الله تعالى حجاب الصف الأول، وبخلاف الصف الثالث الذي هو لأرواح المؤمنين، وبخلاف الصف الرابع الذي هو لأرواح المنافقين والمشركين ﴿ فنادته الملائكة وهو قائم ﴾ بالله ﴿ يصلي ﴾ بسائر سره في الملكوت يحارب نفسه وهواه ﴿ في المحراب إن الله يبشرك بغلام اسمه يحيى ﴾ لأنه منذ خلق ما ابتلى بالموت لا بموت القلب بالمعاصي ولا بموت الصورة لأنه استشهد والشهداء لا يموتون بل أحياء عند ربهم يرزقون.
﴿ مصدقاً بكلمة من الله ﴾ وهي قوله: ﴿ يا يحيى خذ الكتاب بقوة ﴾ ﴿ وسيداً ﴾ أي حراً من رق الكونين بل سيداً لرقيقي الكونين ﴿ وحصوراً ﴾ نفسه عن التعليق بالكونين ﴿ ونبياً من الصالحين ﴾ من أهل الصف الأول ﴿ رب أنى يكون لي غلام ﴾ لم يكن استبعاده من قبل القدرة الإلهية ولكن من جهة استحقاقه لهذه الكرامة ﴿ آيتك ألا تكلم الناس ﴾ لغلبات الصفات الروحانية عليك واستيلاء سلطان الحقيقة على قلبك، فإن النفس الناطقة تكون مغلوبة في تلك الحالة بشواهد الحق في الغيب، فلا تفرغ لإجراء عادتها في الشهادة بالكلام ﴿ إلا رمزاً ﴾ ولهذا يقوى الروح الحيواني وتستمد منه القوة البشرية فيحيى الله به الشهوة الميتة فسمى ما تولد من الشهوة الميتة التي أحياها الله يحيى.
ولاستمرار هذه الحالة في الأيام الثلاثة أمر بالمراقبة ليلاً ونهاراً وعشياً وإبكاراً حسبي الله.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ﴾ .
قيل: فعند ذلك دعا زكريا ربه لما كانت نفسه الخاشية تحدث بالولدان تهب له، لكنه لم يدعو لما رأى نفسه متغيرة عن الحال التي يطمع منها الولد، فرأى أن السؤال في مثل ذلك لا يصلح؛ فلما رأى عندها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف غير متغيرة عن حالها - علم عند ذلك أن السؤال يصلح، وأنه يجاب للدعاء في غير حينه، فذلك معنى قوله: ﴿ هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ ﴾ ، والله أعلم.
ويحتمل أنه لما رأى ما أكرمت امرأة عمران في قبول دعوتها وتبليغ ابنتها في الكرامة المبلغ الذي رأى فيها مما لعل أطماع الأنفس لا تبلغ ذلك - دعا الله - أن يكرمه ممن يبقى له الأثر فيه والذكر، وإن كانت تلك الحال حال لا تطمع الأنفس فيما رغب - - مع ما كان يعلم قدرة الله - - على ما يشاء من غير أن كان يحس على طلب الإكرام بكل ما يبلغه قدره، حتى رأى ما هو في الأعجوبة قريب مما كانت نفسه تتمنى، والله أعلم بالمعنى الذي سأل.
وقوله: ﴿ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ ﴾ .
أي: مجيب الدعاء.
وقوله: ﴿ فَنَادَتْهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي ٱلْمِحْرَابِ ﴾ .
دل هذا أن المحراب هو موضع الصلاة.
﴿ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـىٰ ﴾ .
فيه دلالة لقول أصحابنا - رحمهم الله - أن الرجل إذا حلف ألا يبشر فلاناً فأرسل إليه غيره يبشره - حنث في يمينه؛ لأنه هو البشير، وإن كان المؤدي غيره؛ ألا ترى أن البشارة - ههنا - أضيفت إلى الله - - فكان هو البشير؛ فكذلك هذا.
وقوله: ﴿ مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ .
﴿ بِكَلِمَةٍ ﴾ قيل: عيسى - - كان بكلمة من الله، فيحيى صدّقه برسالته.
وقيل: أول من صدق عيسى - يحيى بن زكريا، ولهذا وقع على النصارى شبهه؛ حيث قالوا: عيسى ابن الله، بقوله: ﴿ بِكَلِمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ ، ﴿ وَرُوحٌ مِّنْهُ ﴾ ظنوا أنه في معنى "فيه"؛ لكن ذلك إنما يذكر إكراماً لهم وإجلالاً، ولا يوجب ذلك ما قالوا؛ ألا ترى أن الله - عز وجل - قال: ﴿ وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ ﴾ ونحو ذلك، لم يكن فيه أن النعمة منه في شيء؛ فعلت ذلك الأول.
وقوله: ﴿ وَسَيِّداً ﴾ : قيل: سيّداً في العلم والعبادة.
وقيل: السيّد: الحكيم ههنا.
وقيل: السيد: الذي يطيع ربه ولا يعصيه، فكذلك كان صلوات الله عليه.
وقيل: السيد: الحسن الخلق.
وقيل: السيّد: التقي.
وقيل: اشتق يحيى من أسماء لله - - من: "حي"، والله - عز وجل - هو الذي سمّاه يحيى؛ وكذلك عيسى - روح الله - هو الذي سمّاه مسيحاً؛ بقوله: ﴿ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ ﴾ وذلك إكراماً لهم وإجلالاً، على ما سمى إبراهيم: خليل الله، ومحمد: حبيب الله، وموسى: كليم الله؛ إكراماً لهم وإجلالاً؛ فكذلك الأوّل.
وجائز أن يكون "يحيى" بما حيي به الدّين.
قال الشيخ - رحمه الله - في قوله: ﴿ بِيَحْيَـىٰ ﴾ : قيل: سمّاه به؛ لما حيي به الدّين والمروءة، أو حيي به العلم والحكمة، أو حيي به الأخلاق الفاضلة، والأفعال المرضية؛ ولهذا - والله أعلم - سمي سيّداً؛ لأن السؤدد في الخلق يكتسب بهذا النوع من الأحوال.
وسمي مسيحاً بما مسح بالبركة، أو يبارك في كل شيء يمسحه بيده؛ نحو أن يبرأ به ويحيى، والله أعلم.
وحقيقة السؤدد أنه يكتسب بالأخلاق الحسنة، والأفعال المرضية، وجائز أن يكون - - جمعهما فيه؛ فسمّي به، والله أعلم.
والأصل في هذا ونحوه: أن الأسماء إن جعلت للمعارف، ليعلم بها المقصود - فالكف عن التكلف في المعنى الذي له سموا له أسلم، وإن كان في الجملة يختار ما يحسن منه في الأسماع، دون ما يقبح على المقال، أو على الرغبة في ذكره على ما يختار من كل شيء، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَحَصُوراً ﴾ : قيل: الحصور: الذي لا ماء له ولا شهوة.
وقيل: هو المأخوذ عن النساء، والممنوع منهن.
وقيل: هو الذي لا يشتهي النساء.
وكله واحد، والله أعلم.
﴿ وَنَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ ﴾ : ذكر أنه من الصالحين، وإن كان كل نبي لا يكون إلاّ صالحاً؛ على ما سمي كل نبي صدّيقاً، وإن كان لا يكون إلا صدّيقاً، ووجه ذكره صالحاً: أنه كان يتحقق فيه ذلك؛ لأن غيره من الخلق، وإن كان يستحق ذلك الاسم - إنما يستحق بجهة، والأنبياء - عليهم السلام - يتحقق ذلك فيهم من الوجوه كلها.
والثاني: دعاء أن يلحق بالصالحين في الآخرة، والله أعلم.
قال الشيخ - رحمه الله -: ما ذكر في كل نبي أنه كان من الصالحين - يخرج على أوجه: على جميع الصلاح، وعلى البشارة لهم في الآخرة أنهم يلحقون بأهل الصلاح، وعلى أنهم منهم؛ لولا النبوة؛ ليعلم أن النبوة إنما تختار في الدين لم تم لهم وصف الصلاح، وعلى الوصف به أنهم كذلك على السن الناس، وأن الذين ردّوا عليهم - ردّوا بعد علمهم بصلاحهم، أو على الوصف به كالوصف بالصدِّيق، وإن كان كل نبي كذلك؛ مع ما لعل لذلك حد عند الله؛ لذلك أراد لم يكن أطلع غيره عليه، والله أعلم.
وجائز أن يكون "يحيى" بما حيي به الأخلاق المحمودة، والأفعال المرضية؛ ولذلك سمي سيداً؛ وجملته أن لله أن يسمي من شاء بما شاء، وليس لنا تكلف طلب المعنى، فيما سمى الله الجواهر به؛ إذ الأسماء للتعريف، لكن يختار الأسماء الحسنة في السمع على التفاؤل، والله أعلم.
وقوله: وروح الله وكلمته - كقوله: خليل الله وحبيبه، وذبيح الله، وكليم الله، ليس على توهم معنى يزيل معنى الخلقة، ويوجب معنى الربوبية أو النبوة، وذلك على ما قيل: من بيوت الله، وعلى ما قيل لدينه: نور الله، وقيل لفرائضه: حدود الله، لا على معنى يخرج عن جملة خلقه؛ بل على تخصيص لذلك في الفضل على أشكاله، وذلك كما قال لمحمّد : ﴿ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ﴾ ، وقال في الجملة: ﴿ وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ ﴾ لا على ما توهمته النصارى في المسيح، فمثله الأول، ولا قوة إلا بالله.
وقوله: ﴿ وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً ﴾ : بشارة ببقائه إلى أن يصير كهلاً.
وفيه وجه آخر: وهو أن في ذلك بيان أن كلامه في المهد كلام مختار؛ إذ ذلك وصف كلام الكهل؛ ليعلم أن قوله: ﴿ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ ﴾ إلى آخره: إنما هو حقيقة الخضوع لله، والإنباء عنه، لا على خلقه؛ كنطق الجوارح في الآخرة، والله أعلم.
أو لتكون آية له دائمة؛ إذ لم يكن على ما عليه أمر البشر: من التغيير، على أن آيات الجوهرية تزول عند الفناء، نحو العصا فيما تعود إلى حالها، واليد، ونحو ذلك؛ ليخص هو بنوع من الآيات الحسية بالدوام، ولا قوة إلا بالله.
﴿ قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِي ٱلْكِبَرُ ﴾ الآية.
يحتمل هذا الكلام وجوهاً: أحَدها: على الإنكار، أي: لا يكون، لكن ههنا لا يحتمل؛ لأنه كان أعلم بالله وقدرته أن ينطق به، أو يخطر بباله.
والثاني: ﴿ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ ﴾ أي: كيف وجهه وسببه، وكذلك قوله: ﴿ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا ﴾ ، وقوله: ﴿ أَنَّىٰ يُحْيِـي هَـٰذِهِ ٱللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ﴾ ، ﴿ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلْمُلْكُ عَلَيْنَا ﴾ أي: كيف وجهه وما سببه.
والثالث: ﴿ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ ﴾ في الحال التي أنا عليها، أو أرادّ إلى الشباب؛ فيكون لي الولد.
هذان الوجهان يحتملان، وأمّا الأول: فإنه لا يحتمل.
وقوله: ﴿ وَقَدْ بَلَغَنِي ٱلْكِبَرُ وَٱمْرَأَتِي عَاقِرٌ ﴾ .
وذكر في سورة مريم: ﴿ قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِي عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيّاً ﴾ : ذكر على التقديم والتأخير.
[وكذلك قوله: ﴿ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً ﴾ أو ﴿ ثَلاَثَ لَيَالٍ ﴾ والقصّة واحدة؛ ذكر على التقديم والتأخير]، وعلى اختلاف الألفاظ واللّسان؛ دل على أنه ليس على الخلق حفظ اللفظ واللسان؛ وإنما عليهم حفظ المعاني المدرجة المودعة فيها، وبالله التوفيق، ويعلم أنه لم يكن على كلا القولين، ولم يكن بهذا اللّسان.
وقوله: ﴿ قَالَ كَذَلِكَ ٱللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ ﴾ ، وقوله: ﴿ كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ﴾ وإن اختلف في اللّسان.
وقوله: ﴿ قَالَ رَبِّ ٱجْعَلْ لِّيۤ آيَةً ﴾ : طلب من ربّه آية؛ لما لعله لم يعرف أن تلك البشارة بشارة الملائكة، أو وساوس؛ فطلب آية ليعرف أن تلك البشارة بشارة الملائكة من الله - عز وجل - لا بشارة إبليس؛ لأنه لا يقدر أن يفتعل في الآية؛ لأن فيها تغير الخلقة والجوهر، وهم لا يقدرون [على] ذلك، ولعلهم يقدرون على الافتعال في البشارة؛ ألا ترى أن إبراهيم - صلوات الله على نبيّنا وعليه - لما نزل به الملائكة لم يعرفهم بالكلام وهابوه، حتى قال: ﴿ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ ﴾ ، حتى قالوا: ﴿ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ ﴾ ، فذهب ذلك الروع منه بعد ما أخبروه أنهم ملائكة، رسل الله، أرسلهم إليه.
وقوله: ﴿ قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً ﴾ .
قال بعض أهل التفسير: حبس لسانه عقوبة له بقوله: ﴿ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِي ٱلْكِبَرُ ﴾ ؛ لكن ذلك خطأ، والوجه فيه: منعه من تكليم الناس، ولم يمنعه عن الكلام في نفسه؛ ألا ترى أنه أمره أن يذكر ربّه، ويسبّح بالعشي والإبكار؛ كقوله: ﴿ وَٱذْكُر رَّبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِبْكَارِ ﴾ ؟!.
ويحتمل أن يكون أراه آية في نفسه من نوع ما كان سؤاله؛ إذ كان عن العلم بالولد في غير حينه، فأراه بمنع اللسان عن النطق، وأعلى أحوال الاحتمال؛ ليكون آية للأوّل.
وقيل في قوله: ﴿ ٱجْعَلْ لِّيۤ آيَةً ﴾ : أنه طلب آية؛ لجهله بعلوق الولد، وجعلها ليعرف متى يأتيها؟.
وقوله: ﴿ إِلاَّ رَمْزاً ﴾ : قيل: الرّمز: هو تحريك الشفتين.
وقيل: هو الإيماء بشفتيه.
وقيل: هو الإشارة بالرأس.
وقيل: هو الإشارة باليد، والله أعلم بذلك.
<div class="verse-tafsir"
عند ذلك الذي رآه زكريا من رزق الله تعالى لمريم بنت عمران على غير المعتاد من سُننه تعالى في الرزق؛ رجا أن يرزقه الله ولدًا مع الحال التي هو عليها من تقدم سنِّه وعُقْم امرأته، فقال: يا رب، هب لي ولدًا طيبًا، إنك سميعٌ لدعاء من دعاك، مجيب له.
<div class="verse-tafsir" id="91.p1vZa"
فسر بعضهم "هنالك" بالزمان وهو ضعيف والاستعمال الفصيح فيها أنها للمكان أي في ذلك المكان الذي خاطبته فيه مريم بما ذكر دعا ربه ورؤية الأولاد النجباء تشوق نفس القارئ وتهيج تمنيه لو يكون له مثلهم.
وذهب المفسر (الجلال) إلى أن الذي بعث زكريا إلى الدعاء هو رؤيته فاكهة الصيف في الشتاء وعكسه فإن ذلك من قبيل مجيء الولد من الشيخ الكبير والمرأة العاقر وليس في الآية ما يدل عليه، وقد يعترض عليه بأن فيه إشعارًا بأن زكريا لم يكن قبل ذلك عالمًا بإمكان الخوارق، ولا يقول بهذا مؤمن بنبوته.
فإن قيل: إن تعجبه بعد قوله ﴿ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ ﴾ قد يشعر بشيء من ذلك، فالجواب: إن هذا يؤيد امتناع أن تكون رواية الخوارق هي التي أثارت في نفسه هذا الدعاء.
إن زكريا لما رأى ما رآه من نعمة الله على مريم في كمال إيمانها وحسن حالها ولا سيما اختراق شعاع بصيرتها لحجب الأسباب، ورؤيتها أن المسخر لها هو الذي يرزق من يشاء بغير حساب، أُخذ عن نفسه، وغاب عن حسه، وانصرف عن العالم وما فيه، واستغرق قلبه في ملاحظة فضل الله ورحمته، فنطق بهذا الدعاء في حال غيبته، وإنما يكون الدعاء جديرًا بأن يستجاب إذ جرى به اللسان بتلقين القلب في حال استغراقه في الشعور بكمال الرب، ولما عاد من سفره في عالم الوحدة، إلى عالم الأسباب ومقام التفرقة، وقد أوذن بسماع ندائه، واستجابة دعائه سأل ربه عن كيفية تلك الاستجابة، وهي على غير السنة الكونية فأجابه بما أجابه، وذلك قوله ﴿ فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ ﴾ ..
إن زكريا أحب بمقتضى الطبيعة البشرية أن يتعين لديه الزمن الذي ينال به تلك المنحة الإلهية ليطمئن قلبه، ويبشر أهله، فسأل عن الكيفية، ولما أجيب بما أُجيب به سأل ربه أن يخصه بعبادة يتعجل بها شكره ويكون إتمامه إياها آية وعلامة على حصول المقصود، فأمره بأن لا يكلم الناس ثلاثة أيام بل ينقطع للذكر والتسبيح مساء صباح مدة ثلاثة أيام فإذا احتيج إلى خطاب الناس أومأ إليهم إيماء، وعلى هذا تكون بشارته لأهله بعد مضي الثلاث ليال.
<div class="verse-tafsir"