الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ٣٧ من سورة آل عمران
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 201 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٣٧ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يخبر ربنا أنه تقبلها من أمها نذيرة ، وأنه ( أنبتها نباتا حسنا ) أي : جعلها شكلا مليحا ومنظرا بهيجا ، ويسر لها أسباب القبول ، وقرنها بالصالحين من عباده تتعلم منهم الخير والعلم والدين .
ولهذا قال : ( وكفلها زكريا ) وفي قراءة : ( وكفلها زكريا ) بتشديد الفاء ونصب زكريا على المفعولية ، أي جعله كافلا لها .
قال ابن إسحاق : وما ذاك إلا أنها كانت يتيمة .
وذكر غيره أن بني إسرائيل أصابتهم سنة جدب ، فكفل زكريا مريم لذلك .
ولا منافاة بين القولين .
والله أعلم .
وإنما قدر الله كون زكريا كافلها لسعادتها ، لتقتبس منه علما جما نافعا وعملا صالحا ، ولأنه كان زوج خالتها ، على ما ذكره ابن إسحاق وابن جرير [ وغيرهما ] وقيل : زوج أختها ، كما ورد في الصحيح : " فإذا بيحيى وعيسى ، وهما ابنا الخالة " ، وقد يطلق على ما ذكره ابن إسحاق ذلك أيضا توسعا ، فعلى هذا كانت في حضانة خالتها .
وقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في عمارة بنت حمزة أن تكون في حضانة خالتها امرأة جعفر بن أبي طالب وقال : " الخالة بمنزلة الأم " .
ثم أخبر تعالى عن سيادتها وجلالتها في محل عبادتها ، فقال : ( كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا ) قال مجاهد ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير ، وأبو الشعثاء ، وإبراهيم النخعي ، والضحاك ، وقتادة ، والربيع بن أنس ، وعطية العوفي ، والسدي [ والشعبي ] يعني وجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف .
وعن مجاهد ( وجد عندها رزقا ) أي : علما ، أو قال : صحفا فيها علم .
رواه ابن أبي حاتم ، والأول أصح ، وفيه دلالة على كرامات الأولياء .
وفي السنة لهذا نظائر كثيرة .
فإذا رأى زكريا هذا عندها ( قال يا مريم أنى لك هذا ) أي : يقول من أين لك هذا ؟
( قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب ) .
وقال الحافظ أبو يعلى : حدثنا سهل بن زنجلة ، حدثنا عبد الله بن صالح ، حدثنا عبد الله بن لهيعة ، عن محمد بن المنكدر ، عن جابر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام أياما لم يطعم طعاما ، حتى شق ذلك عليه ، فطاف في منازل أزواجه فلم يجد عند واحدة منهن شيئا ، فأتى فاطمة فقال : " يا بنية ، هل عندك شيء آكله ، فإني جائع ؟
" فقالت : لا والله بأبي أنت وأمي .
فلما خرج من عندها بعثت إليها جارة لها برغيفين وقطعة لحم ، فأخذته منها فوضعته في جفنة لها ، وقالت : والله لأوثرن بهذا رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] على نفسي ومن عندي .
وكانوا جميعا محتاجين إلى شبعة طعام ، فبعثت حسنا أو حسينا إلى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فرجع إليها فقالت له : بأبي وأمي قد أتى الله بشيء فخبأته لك .
قال : " هلمي يا بنية " قالت : فأتيته بالجفنة .
فكشفت عن الجفنة فإذا هي مملوءة خبزا ولحما ، فلما نظرت إليها بهتت وعرفت أنها بركة من الله ، فحمدت الله وصلت على نبيه ، وقدمته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فلما رآه حمد الله وقال : " من أين لك هذا يا بنية ؟
" فقالت يا أبت ، ( هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب ) فحمد الله وقال : " الحمد لله الذي جعلك - يا بنية - شبيهة بسيدة نساء بني إسرائيل ، فإنها كانت إذا رزقها الله شيئا فسئلت عنه قالت : ( هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب ) فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى علي ثم أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكل علي ، وفاطمة ، وحسن ، وحسين ، وجميع أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وأهل بيته جميعا حتى شبعوا .
قالت : وبقيت الجفنة كما هي ، فأوسعت ببقيتها على جميع الجيران ، وجعل الله فيها بركة وخيرا كثيرا .
القول في تأويل قوله : فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا قال أبو جعفر: يعني بذلك: أن الله جل ثناؤه تقبّل مريمَ من أمها حَنَّة، وتحريرَها إياها للكنيسة وخدمتها وخدمة ربها = (58) " بقبول حَسن ".
* * * " والقبول " مصدر من: " قبِلها ربُّها "، فأخرج المصدر على غير لفظ الفعل.
ولو كانَ على لفظه لكان: " فتقبلها ربها تقبُّلا حسنًا ".
وقد تفعل العرب ذلك كثيرًا: أن يأتوا بالمصادر على أصول الأفعال، وإن اختلفت ألفاظها في الأفعال بالزيادة، وذلك كقولهم: " تكلم فلان كلامًا "، ولو أخرج المصدر على الفعل لقيل: " تكلم فلان تكلمًا ".
ومنه قوله: " وأنبتها نباتًا حسنًا "، ولم يقل: إنباتًا حسنًا.
(59) وذكر عن أبي عمرو بن العلاء أنه قال: لم نسمع العرب تضم القاف في" قبول "، وكان القياس الضمّ، لأنه مصدر مثل: " الدُّخول، والخروج ".
قال: ولم أسمع بحرف آخر في كلام العرب يُشبهه.
6900 - حدثت بذلك عن أبي عبيد قال، أخبرني اليزيدي، عن أبي عمرو.
* * * وأما قوله: " وأنبتها نباتًا حسنًا "، فإن معناه: وأنبتها رَبُّها في غذائه ورزْقه نباتًا حسنًا، حتى تمّت فكملت امرأةً بالغةً تامة، كما:- &; 6-345 &; 6901 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال الله عز وجل: " فتقبلها ربها بقبول حسن "، قال: تقبل من أمها ما أرادت بها للكنيسة، وأجرَها فيها =" وأنبتها "، قال: نبتت في غذاء الله.
* * * القول في تأويل قوله : وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة قوله: " وكفلها " فقرأته عامة قرأة أهل الحجاز والمدينة والبصرة: ( وَكَفَلَهَا ) مخففة " الفاء ".
بمعنى: ضمها زكريا إليه، اعتبارًا بقول الله عز وجل: يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ [سورة آل عمران: 44].
* * * وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفيين.( وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا )، بمعنى: وكفَّلها اللهُ زكريا.
* * * قال أبو جعفر: وأولى القراءتين بالصواب في ذلك عندي، قراءة من قرأ: ( وَكَفَّلَهَا ) مشددة " الفاء "، بمعنى: وكفَّلها الله زكريا، بمعنى: وضمها الله إليه.
لأن زكريا أيضًا ضمها إليه بإيجاب الله له ضمَّها إليه بالقُرْعة التي أخرجها اللهُ له، والآية التي أظهرَها لخصومه فيها، فجعله بها أولى منهم، إذ قَرَعَ فيها من شاحَّه فيها.
(60) &; 6-346 &; وذلك أنه بلغنا أن زكريا وخصومَه في مريم إذ تنازعوا فيها أيهم تكونُ عنده، تساهموا بقِدَاحهم، فرموا بها في نهر الأردنّ.
(61) فقال بعض أهل العلم: ارْتزّ قدح زكريا، (62) فقام ولم يجر به الماء، وجرى بقدَاح الآخرين الماء.
فجعل الله ذلك لزكريا علَمًا أنه أحق المتنازعين فيها بها.
(63) * * * وقال آخرون: بل اصّاعدَ قدح زكريا في النهر، (64) وانحدرت قداحُ الآخرين مع جرية الماء وذهبت، فكان ذلك له علَمًا من الله في أنه أولى القوم بها.
* * * قال أبو جعفر: وأيّ الأمرين كان من ذلك، فلا شك أن ذلك كان قضاءً من الله بها لزكريا على خصومه، بأنه أولاهم بها، وإذْ كان ذلك كذلك، فإنما ضمها زكريا إلى نفسه بضمّ الله إياها إليه بقضائه له بها على خصومه عند تَشاحِّهم فيها، واختصامهم في أولاهم بها.
&; 6-347 &; وإذْ كان ذلك كذلك؛ كان بيِّنًا أنّ أولى القراءتين بالصواب ما اخترنا من تشديد " كفَّلها ".
* * * وأما ما اعتلَّ به القارئون ذلك بتخفيف " الفاء "، من قول الله: أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ ، وأن ذلك موجبٌ صحةَ اختيارهم التخفيفَ في قوله: " وكفلها " = فحجة دالةٌ على ضَعف احتيال المحتج بها.
(65) ذلك أنه غير ممتنع ذُو عقل من أن يقول قائل: " كفَّل فلانٌ فلانًا فكفَله فلان ".
فكذلك القول في ذلك: ألقى القوم أقلامهم: أيهم يكفُل مريم، بتكفيل الله إياه بقضائه الذي يقضي بينهم فيها عند إلقائهم الأقلام.
* * * قال أبو جعفر: وكذلك اختلفت القرأة في قراءة " زكريا ".
فقرأته عامة قرأة المدينة بالمدّ.
وقرأته عامة قرأة الكوفة بالقصر.
وهما لغتان معروفتان، وقراءتان مستفيضتان في قراءة المسلمين، وليس في القراءة بإحداهما خلافٌ لمعنى القراءة الأخرى، فبأيتهما قرأ القارئ فهو مصيب.
* * * غيرَ أن الصوابَ عندنا - إذا مُدّ" زكريا " أن يُنصب بغير تنوين، لأنه اسم من أسماء العجم لا يُجرَى، (66) ولأن قراءتنا في" كفَّلها " بالتشديد، وتثقيل " الفاء ".
فـ" زكرياء " منصوب بالفعل الواقع عليه.
(67) * * * &; 6-348 &; وفي" زكريا " لغة ثالثة لا تجوز القراءة بها، لخلافها مصاحفَ المسلمين، وهو " زكري" بحذف المدة و " الياء " الساكنة، تشبهه العرب بالمنسوب من الأسماء، فتنوّنه وتُجْريه في أنواع الإعراب مجاريَ" ياء " النسبة.
(68) * * * قال أبو جعفر: فتأويل الكلام: وضمها اللهُ إلى زكريا، من قول الشاعر: (69) فَهُوَ لِضُلالِ الهَوَامِ كَافِل (70) يراد به: (71) لما ضلّ من متفرّق النعم ومنتشره، ضامٌّ إلى نفسه وجامع.
وقد روي: فَهُوَ لِضُلالِ الهَوافِي كَافِلُ (72) بمعنى أنه لما ندّ فهرب من النعمَ ضامٌّ من قولهم: " هفا الظَّليم "، إذا أسرَع الطيران.
يقال منه للرجل: " ما لك تكفُل كلَّ ضالة "؟
يعني به: تضمها إليك وتأخذُها.
* * * وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك: 6902 - حدثني عبد الرحمن بن الأسود الطفاويّ قال حدثنا محمد بن ربيعة، عن النضر بن عربيّ، عن عكرمة في قوله: إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ &; 6-349 &; مَرْيَمَ ، قال: ألقوا أقلامهم فجرَت بها الجِرْية، إلا قلم زكريا اصّاعدَ، (73) فكفلها زكريا.
6903 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله: " وكفلها زكريا "، قال: ضمها إليه.
قال: ألقوا أقلامهم - يقول: عصَّيهم - قال: فألقوها تلقاء جِرْية الماء، فاستقبلت عصا زكريا جِرْيةَ الماء، (74) فَقرَعهم.
6904 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السديّ، قال الله عز وجل: فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا ، فانطلقت بها أمها في خِرَقها - يعني أمّ مريم بمريم - حين ولدتها إلى المحراب = وقال بعضهم: انطلقت حين بلغتْ إلى المحراب = وكان الذين يكتبون التوراةَ إذا جاءوا إليهم بإنسان يجرّبونه، (75) اقترعوا عليه أيهم يأخذه فيعلمه.
وكان زكريا أفضلهم يومئذ، وكان بينهم، وكانت خالة مريم تحته.
(76) فلما أتوا بها اقترعوا &; 6-350 &; عليها، وقال لهم زكريا: أنا أحقكم بها، تحتي أختها!
(77) فأبوا، فخرجوا إلى نهر الأردنّ، فألقوا أقلامهم التي يكتبون بها: أيهم يقوم قلمه فيكفلها.
فجرت الأقلام، وقام قلم زكريا على قُرْنتَه كأنه في طين، (78) فأخذ الجارية.
وذلك قول الله عز وجل: " وكفلها زكريا "، فجعلها زكريا معه في بيته، وهو المحراب.
(79) 6905 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " وكفلها زكريا "، يقول: ضمها إليه.
6906 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " وكفلها زكريا "، قال: سَهمهم بقلمه.
(80) 6907 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد نحوه.
6908 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن قتادة، قال: كانت مريم ابنة سيدهم وإمامهم.
قال: فتشاحَّ عليها أحبارُهم، فاقترعوا فيها بسهامهم أيُّهم يكفلها.
قال قتادة: وكان زكريا زوجَ أختها، (81) فكفلها، وكانت عنده وَحضَنَها.
&; 6-351 &; 6909 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن القاسم بن أبي بزة: أنه أخبره، عن عكرمة = وأبي بكر، عن عكرمة قال: ثم خرجت بها = يعني: أمّ مريم = بمريم في خِرَقها تحملها إلى بني الكاهن بن هارون، أخي موسى بن عمران.
قال: وهم يومئذ يَلون من بيت المقدس ما يلي الحجبةُ من الكعبة، فقالت لهم: دُونكم هذه النذيرة، فإنّي حرّرتها، وهي ابنتي، ولا يدخل الكنيسة حائض، وأنا لا أردُّها إلى بيتي!
فقالوا: هذه ابنة إمامنا = وكان عمران يؤُمهم في الصلاة = وصاحب قُرْباننا!
(82) فقال زكريا: ادفعوها إلىّ، فإن خالتها عندي.
قالوا: لا تطيب أنفسنا، هي ابنة إمامنا!
فذلك حين اقترعوا، فاقترعوا بأقلامهم عليها - بالأقلام التي يكتبون بها التوراة - فقرعهم زكريا، فكفلها.
6910 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، أخبرني يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: جعلها زكريا معه في محرابه، قال الله عز وجل: " وكفلها زكريا " = قال حجاج قال، ابن جريج: " الكاهنُ" في كلامهم: العالمُ.
6911 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: " وكفلها زكريا "، بعد أبيها وأمها، يذكرها باليتم، ثم قص خبرها وخبرَ زكريا.
(83) 6912 - حدثنا المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك، عن &; 6-352 &; عطاء، عن سعيد بن جبير قوله: " وكفلها زكريا "، قال: كانت عنده.
6913 - حدثني علي بن سهل قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جبير قوله: " وكفلها زكريا "، قال: جعلها زكريا معه في مِحْرابه.
6914 - حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد، عن الحسن في قوله: فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا ، وتقارعها القومُ، فقرَع زكريا، فكفلها زكريا.
* * * وقال آخرون: بل كان زكريا بعد ولادة حَنَّةَ ابنتها مريمَ، كفَلها بغير اقتراع ولا استهام عليها، ولا منازعة أحد إياه فيها.
وإنما كفلها، لأن أمها ماتت بعد موت أبيها وهي طفلة، وعند زكريا خالتها ألاشِباع ابنة فاقوذ (84) = وقد قيل.
إنّ اسم أم يحيى خالة عيسى: إشبع=.
(85) 6915 - حدثنا بذلك القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: أخبرني وهب بن سليمان، عن شعيب الجبأيّ: أن اسم أم يحيى أشبع.
(86) * * * &; 6-353 &; = فضمها إلى خالتها أمّ يحيى، فكانت إليهم ومعهم، حتى إذا بلغت أدخلوها الكنيسة لنذْر أمها التي نذرت فيها.
قالوا: والاقتراع فيها بالأقلام، إنما كان بعد ذلك بمدة طويلة لشدة أصابتهم، ضَعُفَ زكريا عن حمل مئونتها، فتدافعوا حملَ مؤونتها، لا رغبة منهم، ولا تنافسًا عليها وعلى احتمال مؤونتها.
وسنذكر قصّتها على قول من قال ذلك، إذَا بلغنا إليها إن شاء الله تعالى.
6916 - حدثنا بذلك ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني محمد بن إسحاق.
= فعلى هذا التأويل، تصح قراءة من قرأ: " وكفَلها زكريا " بتخفيف " الفاء "، لو صح التأويلُ.
غير أن القول متظاهرٌ من أهل التأويل بالقول الأوّل: أن استهامَ القوم فيها كان قبل كفالة زكريا إياها، وأن زكريا إنما كفلها بإخراج سَهمه منها فالجًا على سهام خُصومه فيها.
(87) فلذلك كانت قراءته بالتشديد عندنا أولى من قراءته بالتخفيف.
* * * القول في تأويل قوله : كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: أن زكريا كان كلما دخل عليها المحرابَ، بعد إدخاله إياها المحراب، وجد عندها رزقًا من الله لغذائها.
فقيل إن ذلك الرزقَ الذي كان يجده زكريا عندها، فاكهةُ الشتاء في الصيف، وفاكهةُ الصيف في الشتاء.
&; 6-354 &; ذكر من قال ذلك: 6917 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا الحسن بن عطية، عن شريك، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: " وجد عندها رزقًا "، قال: وجد عندَها عنبًا في مِكْتَلٍ في غير حينه.
(88) 6918 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عمرو، عن عطاء، عن سعيد في قوله: " كلما دخل عليها زكريا المحراب وَجد عندها رزقًا "، قال: العنب في غير حينه.
6919 - حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم في قوله: " وجد عندها رزقًا "، قال: فاكهة في غير حينها.
6920 - حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا أبو إسحاق الكوفي، عن الضحاك: أنه كان يجدُ عندها فاكهةَ الصيف في الشتاء، وفاكهةَ الشتاء في الصيف = يعني في قوله: " وجد عندها رزقًا ".
(89) 6921 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك مثله.
6922- حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو قال، أخبرنا هشيم، عن بعض أشياخه، عن الضحاك مثله.
6923 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، أخبرنا هشيم قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك مثله.
6924 - حدثنا يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا من سمع الحكم بن عتيبة يحدّث، عن مجاهد قال: كان يجدُ عندها العنب في غير حينه.
6925 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، &; 6-355 &; عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " وجد عندها رزقًا "، قال: عنبًا وجده زكريا عند مريم في غير زمانه.
6926 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد نحوه.
6927 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي قال، حدثنا النضر بن عربي، عن مجاهد في قوله: " وجد عندها رزقًا "، قال: فاكهةَ الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف.
6928 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة في قوله: " كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقًا "، قال: كنا نحدَّث أنها كانت تؤتَى بفاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء.
6929 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة: " وجد عندها رزقًا "، قال: وجد عندها ثمرةً في غير زمانها.
6930 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال: جعل زكريا دونها عليها سبعةَ أبواب، فكان يدخل عليها فيجد عندها فاكهةَ الشتاء في الصيف، وفاكهةَ الصيف في الشتاء.
6931 - حدثني موسى [بن عبد الرحمن] (90) قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: قال: جعلها زكريا معه في بيتٍ - وهو المحراب - فكان يدخل عليها في الشتاء فيجد عندها فاكهةَ الصيف، ويدخل في الصيف فيجد عندها فاكهةَ الشتاء.
(91) &; 6-356 &; 6932 - حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: " وجدَ عندها رزقًا "، قال: كان يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء.
6933 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال، أخبرني يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس " كلما دخل عليها زكريا المحرابَ وجد عندها رزقًا "، قال: وجد عندها ثمارَ الجنة، فاكهةَ الصّيف في الشتاء، وفاكهةَ الشتاء في الصيف.
6934 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال، حدثني بعض أهل العلم: أنّ زكريا كان يجد عندها ثمرةَ الشتاء في الصيف، وثمرةَ الصيف في الشتاء.
6935 - حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد، عن الحسن قال: كان زكريا إذا دخل عليها = يعني على مريم = المحرابَ وجد عندها رزقًا من السماء، من الله، ليس من عند الناس.
وقالوا: لو أن زكريا كان يعلم أن ذلك الرزق من عنده، لم يسألها عنه.
* * * وقال آخرون: بل معنى ذلك: أن زكريا كان إذا دخل إليها المحراب وجد عندها من الرزق فضلا عما كان يأتيها به، الذي كان يَمُونها في تلك الأيام.
ذكر من قال ذلك: 6936 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني محمد بن إسحاق قال: كفلها بعد هلاك أمها فضمها إلى خالتها أم يحيى، حتى إذا بلغت أدخلوها الكنيسة لنَذْر أمها الذي نذرت فيها، فجعلت تنبت وتزيد.
قال: ثم أصابت بني إسرائيل أزْمة وهي على ذلك من حالها، حتى ضعف زكريا عن حملها، فخرج على بني إسرائيل فقال: يا بني إسرائيل، أتعلمون؟
والله لقد ضعفتُ عن &; 6-357 &; حَمل ابنة عمران!
فقالوا: ونحن لقد جُهِدنا وأصابنا من هذه السنة ما أصابكم!
(92) فتدافعوها بينهم، وهم لا يرون لهم من حملها بُدًّا، حتى تقارعوا بالأقلام، فخرج السّهم بحملها على رجل من بني إسرائيل نجار يقال لهُ جريج، قال: فعرفت مريم في وجهه شدة مؤنة ذلك عليه، فكانت تقول له: يا جريج، أحسن بالله الظن!
فإن الله سيرزقنا!
فجعل جريج يرزق بمكانها، فيأتيها كلّ يوم من كسبه بما يُصلحها، فإذا أدخله عليها وهي في الكنيسة، أنماه الله وكثَّره، فيدخل عليها زكريا فيرى عندها فضلا من الرزق، وليس بقدر ما يأتيها به جُريج، فيقول: " يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا "؟
فتقول: " هو من عند الله إنّ الله يرْزُق من يشاء بغير حساب ".
* * * قال أبو جعفر: وأما " المحراب "، فهو مقدم كل مجلس ومصلًّى، وهو سيد المجالس وأشرفُها وأكرمُها، وكذلك هو من المساجد، ومنه قول عديّ بن زيد: كَــدُمَى العَـاجِ فِـي المَحَـارِيبِ أَوْ كـالبَيْضِ فِـي الرَّوْضِ زَهْرُهُ مُسْتَنِيرُ (93) &; 6-358 &; و " المحاريب " جمع " محراب "، وقد يجمع على " محارب ".
(94) * * * القول في تأويل قوله : قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (37) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: " قال " زكريا: " يا مريم: أنَّى لك هذا "؟
من أي وجه لك هذا الذي أرَى عندك من الرزقَ؟
(95) قالت مريم مجيبة له: " هو من عند الله "، تعني: أن الله هو الذي رزقها ذلك فساقه إليها وأعطاها.
* * * وإنما كان زكريا يقول ذلك لها، لأنه كان - فيما ذكر لنا - يُغلِق عليها سبعة أبواب، ويخرج.
ثم يدخل عليها فيجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء.
فكان يعجب مما يرى من ذلك، ويقول لها تعجبًا مما يرى: " أنَّى لك هذا "؟
فتقول: من عند الله.
6937 - حدثني بذلك المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع.
6938 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال، حدثني بعض أهل العلم، فذكر نحوه.
6939 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " يا مريم أنَّى لك هذا قالت هو من عند الله "، قال: فإنه وجد عندها الفاكهة الغضّة حين لا تُوجد الفاكهة &; 6-359 &; عند أحد، فكان زكريا يقول: " يا مريم أنَّى لك هذا "؟
* * * وأما قوله: " إنّ الله يَرْزُقُ مَن يشاء بغير حساب "، فخبرٌ من الله أنه يسوق إلى من يشاء من خلقه رزقَه، بغير إحصاء ولا عدد يحاسب عليه عبدَه.
لأنه جل ثناؤه لا ينقصُ سَوْقُه ذلك إليه كذلك خزائنَه، ولا يزيدُ إعطاؤه إياه، ومحاسَبته عليه في مُلكه، وفيما لديه شيئًا، ولا يعزب عنه علمُ ما يرزقه، وإنما يُحاسب مَنْ يعطي مَا يعطيه، مَنْ يخشى النقصانَ من ملكه، ودخولَ النفاد عليه بخروج ما خرج من عنده بغير حساب معروف، (96) ومن كان جاهلا بما يعطى على غير حساب.
(97) * * * ------------------------ الهوامش : (58) في المطبوعة: "بتحريرها" ، وفي المخطوطة"تحريرها" بغير باء قبلها ، وكأن الصواب"وتحريرها" كما أثبت ، معطوفًا على"تقبل مريم".
(59) انظر بيان ذلك فيما سلف 1: 116 ، وقد عدد هناك شواهده / ثم 5: 533 ، 534.
(60) قرع (بفتح القاف والراء): أصابته القرعة دونهم.
يقال: قارعني فلان فقرعته: خرجت لي القرعة دونه.
وشاحه في الأمر وعليه ، وتشاحا عليه وفيه (بتشديد الحاء): إذا تنازعاه ، لا يريد كل واحد منهما أن يفوته ، كأن بعضهم يشح على بعض فيه.
(61) في المطبوعة: "رموا بها" ، والصواب بالفاء ، من المخطوطة.
(62) في المطبوعة: " رتب قدح زكريا" ، ورتب الشيء: ثبت ، فهو قريب المعنى.
بيد أن المخطوطة جاء فيها"ارتز" ، والراء مشبوكة بأسفل التاء ، فلذلك لم يستطع الناشر الأول أن يحسن قراءتها.
و"رز الشيء في الحائط أو في الأرض يرزه رزًا ، فارتز فيه": أثبته فثبت ، مثل رز السكين في الحائط ، فهو يرتز فيه.
(63) في المطبوعة: "فجعل الله ذلك لزكريا أنه أحق المتنازعين فيها" لم يحسن قراءة المخطوطة فحذف ما أثبت.
في المخطوطة"فجعل الله ذلك لزكريا علمًا أنه..." ، وكان النساخ قد كتب"آية" ، ثم أعاد على اللفظة نفسها بالقلم ، ليجعل"آية""وعلمًا" ، فاضطرب الخط ، فلم يحسن الناشر قراءتها ، فأسقطها ، فاختل جانب الكلام.
وكان في المخطوطة"المتنازعين فيها ها" فلم يحسن قراءة"ها" الأخيرة ، لأن نبرة الباء قد أكلها الناسخ فظلمها ظلمًا شديدًا ، فظن الناشر أنها حرف لا معنى له ، فقذف به.
فاختل جانب آخر من الكلام ، فصارت الجملة عرجاء تزك زكا.
(64) في المطبوعة: "بل صعد قدح زكريا" ، وفي المخطوطة"صاعد" ، أسقط الناسخ الألف قبل الصاد ، فأسقط الناشر الألف بعد الصاد!!
يقال: "صعد" ، و"اصعد" (بتشديد الصاد والعين مفتوحتين) و"اصاعد" (بتشديد الصاد المفتوحة): ارتفع.
(65) في المطبوعة: "على ضعف اختيار المحتج بها" ، وهي فاسدة ضعيفة المعنى ، والصواب من المخطوطة.
والاحتيال: طلب الحيلة والمخرج.
(66) الإجراء: الصرف.
يعني: لا يصرف ، لأنه ممنوع من الصرف ، كما يقول النحاة.
(67) الواقع عليه: المتعدي إليه.
وقد سلف أن"الوقوع" هو"التعدي" ، فاطلبه في فهرس المصطلحات.
(68) انظر مقالة الفراء في"زكريا" في معاني القرآن 1: 208.
(69) غاب عني قائله ، وإن كنت أذكر الشعر.
(70) "الهوام" ، هي الهوامي ، جمع هامية.
وهوامي الإبل: ضوالها المهملة بلا راع.
والهوامي الضوال ، وفي حديث عثمان أنه ولي أبا غاضرة الهوافي ، أي الإبل الضوال.
وانظر طبقات فحول الشعراء: 490.
(71) في المطبوعة: "يراد أنه" ، والصواب من المخطوطة.
(72) "الهوام" ، وهي الهوامي ، جمع هامية.
وهوامي الإبل: ضوالها المهملة بلا راع.
والهوامي الضوال ، وفي حديث عثمان أنه ولي أبا غاضرة الهوافي ، أي الإبل الضوال.
وانظر طبقات فحول الشعراء: 490.
(73) في المطبوعة والمخطوطة: "إلا قلم زكريا صاعدًا" ، وهو لا معنى له ، وانظر ما سلف ص 346 تعليق: 4.
وقوله: "الجرية" (بكسر الجيم وسكون الراء) ، وهي حالة الجريان ، والذي يسميه كتابنا اليوم: "التيار".
(74) هكذا في المطبوعة والمخطوطة: "فاستقبلت" ، ولست أرتضيها ، وكأنها"واستعلت" ، من قولهم: "علاه وتعلاه واستعلاه" ، إذا قهره وغلبه.
وفي اللسان مادة (جرى) ما نصه: "ومنه: وعال قلم زكريا الجرية ، وجرت الأقلام مع جرية الماء" ، وكأن هذا اللفظ"وعالى" ، وكلتاهما صواب بمعنى: قهر وغلب ، وأعجز الماء أن يحمله.
وأما قوله: "فقرعهم" ، فقد سلف تفسيرها ص: 345 ، تعليق: 1.
(75) في المطبوعة ، وسنن البيهقي 10: 286 هكذا"يجربونه" ، وهي في المخطوطة غير منقوطة ، وأخشى أن يكون هذا خطأ ، فإني رأيت السيوطي في الدر المنثور 2: 20 ، خرج هذا الأثر ، ونسبه للبيهقي في السنن ، وفيه: "إذا جاءوا إليهم بإنسان محرر ، اقترعوا عليه..." ، فكأن صواب هذا الحرف"يحررونه" اتصلت الراء بالواو فقرأوها"يجربونه".
وهذا الأثر الذي رواه السدي ، هو في سنن البيهقي ، بإسناد السدي في التفسير ، الذي مضى الكلام فيه في رقم: 168 ، وهو الإسناد الدائر في التفسير.
ثم حذف الطبري ما بعد السدي ، لما طال الكتاب.
(76) في سنن البيهقي ، والدر المنثور: "وكانت أخت مريم تحته" ، وهو خطأ لا شك فيه ، فإن المقطوع به في التاريخ أن زكريا وعمران أبا مريم ، كانا متزوجين بأختين ، إحداهما عند زكريا ، وهي أم يحيى.
والأخرى عند عمران ، وهي أم مريم ، فمات عمران وأم مريم حامل بمريم.
انظر تاريخ الطبري 2: 13.
(77) في المطبوعة: "تحتي خالتها" ، والصواب ما في الطبري والدر المنثور وسنن البيهقي ، وكأن الناشر ظن أنه أراد"أخت مريم" ، فغيرها ، وإنما أراد زكريا بمقالته ، أخت أم مريم ، التي جاءت تحملها.
(78) القرنة (بضم فسكون): الطرف الشاخص من كل شيء.
يقال: لحد السيف والسنان والسهم وغيرها"قرنة" ، وهو طرفه وذبابه.
(79) الأثر: 6904- سنن البيهقي 10: 286 ، والدر المنثور 2: 20.
(80) ساهم القوم فسهمهم ، وقارعهم فقرعهم: فاز سهمه ، وكانت له القرعة أو السهم دون أصحابه.
(81) هكذا في المطبوعة والمخطوطة: "زوج أختها" ، وظاهر أن كلام قتادة مختصر ، كان في ذكر"أم مريم" ، وأن قوله: " زوج أختها" ، أي زوج أخت مريم ، وقد أسلفت صحة ذلك وبيانه في ص 350 تعليق: 1.
وانظر سائر الآثار التي ستأتي بعد.
(82) في المطبوعة: "وصاحب قربانهم" ، وفي المخطوطة"وصاحب" وما بعدها بياض ، واستظهر الناشر زيادتها هكذا ، وأستظهر أن زيادتها كذلك ، على أنها من تمام قولهم: "هذه ابنة إمامنا معطوفًا عليه ، وما بينهما جملة معترضة للبيان من راوي الخبر.
(83) الأثر: 6910- سيرة ابن هشام 2: 229 ، وهو بقية الآثار التي آخرها رقم 6877.
(84) في المطبوعة: "إيشاع" ، والصواب من المخطوطة وتاريخ الطبري 2: 13 ، وهو في كتاب القوم"أليصابات" ، ومعناها كما في قاموسهم كتابهم"الله حلفها ، أي عائدة الله" ، وكأنه هو الاسم العبري القديم"أليشابع" ، ومعناه أيضًا"الله حلفها" ، وهو اسم امرأة هارون.
(85) في المطبوعة: "أشيع" بالياء ، والصواب بالباء.
وهي في المخطوطة غير منقوطة.
(86) الأثر: 6915-"وهب بن سليمان الجندي اليماني" ، روى عن شعيب الجبأي ، روى عنه ابن جريج.
مترجم في الكبير 4 / 2 / 169 ، وابن أبي حاتم 4 / 2 / 27.
و"شعيب الجبأي ، الجندي البجلي" ، منسوب إلى"جبأ" وهو جبل.
قال ابن أبي حاتم هو: "شعيب بن الأسود".
قال: يروى عن الكتب.
روى عنه سلمة بن وهرام ، ووهب بن سليمان.
مترجم في الكبير 2 / 2 / 219 ، وابن أبي حاتم 2 / 1 / 353.
وكان في المطبوعة: "شعيب الحياني" خطأ ، لم يحسن قراءة المخطوطة.
(87) السهم الفالج: الفاتر.
(88) المكتل والمكتلة (بكسر الميم): الزبيل الكبير يحمل فيه التمر أو العنب ، كأن فيه كتلا منه ، أي قطعًا مجتمعة.
(89) الأثر: 6920-"أبو إسحاق الكوفي" ، هو: عبد الله بن ميسرة ، روى عن الشعبي وأبي حريز وجماعة ، روى عنه هشيم ، وكناه أبا إسحاق ، وأبا عبد الجليل.
وهو ضعيف الحديث.
وقال ابن حبان: لا يحل الاحتجاج بخبره.
مترجم في التهذيب ، والكنى للبخاري.
(90) الأثر: 6931-"موسى بن عبد الرحمن" ، هكذا جاء في المطبوعة والمخطوطة ، وهو غريب جدًا ، ولم أعرف من هو"موسى بن عبد الرحمن" ، ولكن إسناد الطبري إلى السدي ، منذ بدأ التفسير ، فيه"حدثنا موسى بن هارون الهمداني" ، وهو إسناد دائر فيه دورانًا ، إلا هذا الموضع ، وأكاد أجزم بأنه خطأ من الناسخ ، وأنه"موسى بن هارون" ، ونسي الناسخ فكتب مكان"هارون" ، "عبد الرحمن".
وانظر الكلام عن إسناده هذا في رقم: 168.
(91) الأثر: 6931-"موسى بن عبد الرحمن" ، هكذا جاء في المطبوعة والمخطوطة ، وهو غريب جدًا ، ولم أعرف من هو"موسى بن عبد الرحمن" ، ولكن إسناد الطبري إلى السدي ، منذ بدأ التفسير ، فيه"حدثنا موسى بن هارون الهمداني" وهو إسناد دائر فيه دورانًا ، إلا هذا الموضع ، وأكاد أجزم بأنه خطأ من الناسخ ، وأنه"موسى بن هارون" ، ونسي الناسخ فكتب مكان"هارون" ، "عبد الرحمن".
وانظر الكلام عن إسناده هذا في رقم: 168.
(92) في المخطوطة: "لقد جهدنا من هذه السنة ما أصابكم" وبينهما بياض ، والذي في المطبوعة صواب جيد.
(93) ديوانه في شعراء الجاهلية: 455 ، وسيأتي في التفسير 22: 48 (بولاق) ، يصف نساء ، يقول: هن كتماثيل العاج في محاريب المعابد.
والبيض: يعني بيض النعام.
والروض جمع روضة: وهي البستان الحسن ، في أرض سهلة ذات رواب يستنقع فيها الماء.
وأصغر الرياض مئة ذراع.
وقد استعمل عدي"الروض" على الإفراد فقال: "زهره مستنير" ، كأنه عده مفردًا مذكرًا ، كأنه حمله على وزن مثله من المفرد ، مثل ثور ونور ، وأشباهها فذكره للفظه ، وإن كنت أستجيز أن يكون"الروض" مفردًا غير جمع ، ولم أجد ذلك في كتب اللغة ، ولكن البيت شاهد عليه ، وإن كانوا يستركون عدي بن زيد.
وقوله: "مستنير" من"النور" ، وهو زهر الشجر والنبات.
يقال: "نورت الشجرة وأنارت" ، إذا أطلعت زهرها وحسن منظرها.
ولم يذكر أهل اللغة"استنارت الشجرة" ، ولكن بيت عدي شاهد جيد ، وهو من عتيق العربية.
يصف عديًا عذارى مشرقات في ثياب الوشى ، فشبههن ببيض النعام في أرض قد أصابها الغيث فاستنارت أزهارها من كل لون ، فزادها بهاء ، وزادته حسنًا.
وهذا البيت في المخطوطة: "وهو مشتق / مستنير" و"مستنير" مكتوبة في هامش الصفحة ، ولم أدر كيف كان ، والذي في المطبوعة هي الرواية المعروفة ، وأخشى أن يكون الناسخ كتب: "وهو مشتق" ثم عاد فقرأ"مشتق""مستنير" فكتبها في الهامش ، فيكون الخطأ في كتابته"وهو" ، التي هي: "زهره".
(94) لم ينص على ذلك أصحاب اللغة ، ولكنه قياس يرتضى.
وانظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 91.
(95) انظر تفسير"أنى" فيما سلف 4: 398-416 / ثم 5: 312 ، 447.
(96) في المطبوعة: "من يخشى النقصان من ملكه بخروج ما خرج من عنده.
.
." ، وفي المخطوطة: "من يخشى النقصان من ملكه ، ودخول بخروج ما خرج من عنده..." ، وبين الكلامين بياض ، فلما لم يجد الناشر ما يكتبه مكانها ، حذف"ودخول" ووصل الكلامين.
وزدت أنا"النفاد عليه" مكان البياض استظهارًا من سياق الكلام ، ومن تفسير هذه الجملة في مواضع أخرى سأذكرها فيما يلي.
(97) انظر تفسير: "يرزق من يشاء بغير حساب" فيما سلف 4: 274 / ثم 6: 311.
قوله تعالى : فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حسابقوله تعالى : فتقبلها ربها بقبول حسن المعنى : سلك بها طريق السعداء ; عن ابن عباس .
وقال قوم : معنى التقبل التكفل في التربية والقيام بشأنها .
وقال الحسن : معنى التقبل أنه ما عذبها ساعة قط من ليل ولا نهار .
وأنبتها نباتا حسنا يعني سوى خلقها من غير زيادة ولا نقصان ، فكانت تنبت في اليوم ما ينبت المولود في عام واحد .
والقبول والنبات مصدران على غير المصدر ، والأصل تقبلا وإنباتا .
قال الشاعر :أكفرا بعد رد الموت عني وبعد عطائك المائة الرتاعاأراد بعد إعطائك ، لكن لما قال أنبتها دل على نبت ; كما قال امرؤ القيس :فصرنا إلى الحسنى ورق كلامنا ورضت فذلت صعبة أي إذلالوإنما مصدر ذلت ذل ، ولكنه رده على معنى أذللت ; وكذلك كل ما يرد عليك في هذا الباب .
فمعنى تقبل وقبل واحد ، فالمعنى فقبلها ربها بقبول حسن .
ونظيره قول رؤبة :وقد تطويت انطواء الحضبالأفعى لأن معنى تطويت وانطويت واحد ; ومثله قول القطامي :وخير الأمر ما استقبلت منه وليس بأن تتبعه اتباعالأن تتبعت واتبعت واحد .
وفي قراءة ابن مسعود ( وأنزل الملائكة تنزيلا ) لأن معنى نزل وأنزل واحد .
وقال المفضل : معناه وأنبتها فنبتت نباتا حسنا .
ومراعاة المعنى أولى كما ذكرنا .
والأصل في القبول الضم ; لأنه مصدر مثل الدخول والخروج ، والفتح جاء في حروف قليلة ; مثل الولوع والوزوع ; هذه الثلاثة لا غير ; قال أبو عمر والكسائي والأئمة .
وأجاز الزجاج ( بقبول ) بضم القاف على الأصل .[ ص: 66 ] قوله تعالى : وكفلها زكريا أي ضمها إليه .
أبو عبيدة : ضمن القيام بها .
وقرأ الكوفيون وكفلها بالتشديد ، فهو يتعدى إلى مفعولين ; والتقدير وكفلها ربها زكريا ، أي ألزمه كفالتها وقدر ذلك عليه ويسره له .
وفي مصحف أبي ( وأكفلها ) والهمزة كالتشديد في التعدي ; وأيضا فإن قبله فتقبلها ، و أنبتها فأخبر تعالى عن نفسه بما فعل بها ; فجاء كفلها بالتشديد على ذلك .
وخففه الباقون على إسناد الفعل إلى زكريا .
فأخبر الله تعالى أنه هو الذي تولى كفالتها والقيام بها ; بدلالة قوله : أيهم يكفل مريم .
قال مكي : وهو الاختيار ; لأن التشديد يرجع إلى التخفيف ، لأن الله تعالى إذا كفلها زكريا كفلها بأمر الله ، ولأن زكريا إذا كفلها فعن مشيئة الله وقدرته ; فعلى ذلك فالقراءتان متداخلتان .
وروى عمرو بن موسى عن عبد الله بن كثير وأبي عبد الله المزني " وكفلها " بكسر الفاء .
قال الأخفش : يقال كفل يكفل وكفل يكفل ولم أسمع كفل ، وقد ذكرت .
وقرأ مجاهد " فتقبلها " بإسكان اللام على المسألة والطلب .
" ربها " بالنصب نداء مضاف .
" وأنبتها " بإسكان التاء " وكفلها " بإسكان اللام " زكرياء " بالمد والنصب .
وقرأ حفص وحمزة والكسائي زكريا بغير مد ولا همزة ، ومده الباقون وهمزوه .
وقال الفراء : أهل الحجاز يمدون " زكرياء " ويقصرونه ، وأهل نجد يحذفون منه الألف ويصرفونه فيقولون : زكري .
قال الأخفش : فيه أربع لغات : المد والقصر ، وزكري بتشديد الياء والصرف ، وزكر ورأيت زكريا .
قال أبو حاتم : زكري بلا صرف لأنه أعجمي وهذا غلط ; لأن ما كان فيه " يا " مثل هذا انصرف مثل كرسي ويحيى ، ولم ينصرف زكرياء في المد والقصر لأن فيه ألف تأنيث والعجمة والتعريف .قوله تعالى : كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا إلى قوله إنك سميع الدعاءفيه مسائل :قوله تعالى : كلما دخل عليها زكريا المحراب المحراب في اللغة أكرم موضع في المجلس .
وسيأتي له مزيد بيان في سورة ( مريم ) .
وجاء في الخبر : إنها كانت في غرفة كان زكريا يصعد إليها بسلم .
قال وضاح اليمن :ربة محراب إذا جئتها لم ألقها حتى أرتقي سلماأي ربة غرفة .
روى أبو صالح عن ابن عباس قال : حملت امرأة عمران بعدما أسنت [ ص: 67 ] فنذرت ما في بطنها محررا فقال لها عمران : ويحك ما صنعت ؟
أرأيت إن كانت أنثى ؟
فاغتما لذلك جميعا .
فهلك عمران وحنة حامل فولدت أنثى فتقبلها الله بقبول حسن ، وكان لا يحرر إلا الغلمان فتساهم عليها الأحبار بالأقلام التي يكتبون بها الوحي ، على ما يأتي .
فكفلها زكريا وأخذ لها موضعا فلما أسنت جعل لها محرابا لا يرتقى إليه إلا بسلم ، واستأجر لها ظئرا وكان يغلق عليها بابا ، وكان لا يدخل عليها إلا زكريا حتى كبرت ، فكانت إذا حاضت أخرجها إلى منزله فتكون عند خالتها وكانت خالتها امرأة زكريا في قول الكلبي .
قال مقاتل : كانت أختها امرأة زكريا .
وكانت إذا طهرت من حيضتها واغتسلت ردها إلى المحراب .
وقال بعضهم : كانت لا تحيض وكانت مطهرة من الحيض .
وكان زكريا إذا دخل عليها يجد عندها فاكهة الشتاء في القيظ وفاكهة القيظ في الشتاء فقال : يا مريم أنى لك هذا ؟
فقالت : هو من عند الله .
فعند ذلك طمع زكريا في الولد وقال : إن الذي يأتيها بهذا قادر أن يرزقني ولدا .
ومعنى أنى من أين ; قاله أبو عبيدة .
قال النحاس : وهذا فيه تساهل ; لأن " أين " سؤال عن المواضع و " أنى " سؤال عن المذاهب والجهات .
والمعنى من أي المذاهب ومن أي الجهات لك هذا .
وقد فرق الكميت بينهما فقال :أنى ومن أين آبك الطرب من حيث لا صبوة ولا ريبو كلما منصوب ب وجد ، أي كل دخلة .إن الله يرزق من يشاء بغير حساب قيل : هو من قول مريم ، ويجوز أن يكون مستأنفا ; فكان ذلك سبب دعاء زكريا وسؤاله الولد .
{ فتقبلها ربها بقبول حسن } أي: جعلها نذيرة مقبولة، وأجارها وذريتها من الشيطان { وأنبتها نباتًا حسنًا } أي: نبتت نباتا حسنا في بدنها وخلقها وأخلاقها، لأن الله تعالى قيض لها زكريا عليه السلام { وكفلها } إياه، وهذا من رفقه بها ليربيها على أكمل الأحوال، فنشأت في عبادة ربها وفاقت النساء، وانقطعت لعبادة ربها، ولزمت محرابها أي: مصلاها فكان { كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقًا } أي: من غير كسب ولا تعب، بل رزق ساقه الله إليها، وكرامة أكرمها الله بها، فيقول لها زكريا { أنى لك هذا قالت هو من عند الله } فضلا وإحسانا { إن الله يرزق من يشاء بغير حساب } أي: من غير حسبان من العبد ولا كسب، قال تعالى: { ومن يتق الله يجعل له مخرجًا ويرزقه من حيث لا يحتسب } وفي هذه الآية دليل على إثبات كرامات الأولياء الخارقة للعادة كما قد تواترت الأخبار بذلك، خلافا لمن نفى ذلك، فلما رأى زكريا عليه السلام ما من الله به على مريم، وما أكرمها به من رزقه الهنيء الذي أتاها بغير سعي منها ولا كسب، طمعت نفسه بالولد
قوله ( فتقبلها ربها بقبول حسن ) أي تقبل الله مريم من حنة مكان المحرر ، وتقبل بمعنى قبل ورضي ، والقبول مصدر قبل يقبل قبولا مثل الولوع والوزوع ولم يأت غير هذه الثلاثة وقيل : معنى التقبل التكفل في التربية والقيام بشأنها ( وأنبتها نباتا حسنا ) معناه : وأنبتها فنبتت نباتا حسنا وقيل هذا مصدر على غير [ اللفظ ] وكذلك قوله ( فتقبلها ربها بقبول حسن ) [ ومثله شائع كقولك تكلمت كلاما وقال جويبر عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما ( فتقبلها ربها بقبول حسن ) ] أي سلك بها طريق السعداء ( وأنبتها نباتا حسنا ) يعني سوى خلقها من غير زيادة ولا نقصان فكانت تنبت في اليوم ما ينبت المولود في العام ( وكفلها زكريا ) قال أهل الأخبار : أخذت حنة مريم حين ولدتها فلفتها في خرقة وحملتها إلى المسجد فوضعتها عند الأحبار ، أبناء هارون وهم يومئذ يلون من بيت المقدس ما يلي الحجبة من الكعبة فقالت لهم : دونكم هذه النذيرة ، فتنافس فيها الأحبار لأنها كانت بنت إمامهم وصاحب قربانهم فقال لهمزكريا : أنا أحقكم بها ، عندي خالتها ، فقالت له الأحبار : لا نفعل ذلك ، فإنها لو تركت لأحق الناس لها لتركت لأمها التي ولدتها لكنا نقترع عليها فتكون عند من خرج سهمه ، فانطلقوا وكانوا [ تسعة وعشرين ] رجلا إلى نهر جار ، قال السدي : هو نهر الأردن فألقوا أقلامهم في الماء على أن من ثبت قلمه في الماء فصعد فهو أولى بها وقيل : كان على كل قلم اسم واحد منهم وقيل : كانوا يكتبون التوراة فألقوا أقلامهم التي كانت بأيديهم في الماء [ فارتز ] قلم زكريا فارتفع فوق الماء وانحدرت أقلامهم ورسبت في النهر ، قاله محمد بن إسحاق وجماعة وقيل : جرى قلم زكريا مصعدا إلى أعلى الماء وجرت أقلامهم بجري الماء .
وقال السدي وجماعة : بل ثبت قلم زكريا وقام فوق الماء كأنه في طين ، وجرت أقلامهم مع جرية الماء فذهب بها الماء فسهمهم وقرعهم زكريا ، وكان زكريا رأس الأحبار ونبيهم فذلك قوله تعالى ( وكفلها زكريا ) قرأ حمزة والكسائي وعاصم بتشديد الفاء فيكون زكريا في محل النصب أي ضمنها الله زكريا وضمها إليه بالقرعة ، وقرأ الآخرون بالتخفيف فيكون زكريا في محل الرفع أي ضمها زكريا إلى نفسه وقام بأمرها ، وهو زكريا بن آذن بن مسلم بن صدوق من أولاد سليمان بن داود عليهما السلام وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم : زكريا مقصورا والآخرون يمدونه فلما ضم زكريا مريم إلى نفسه بنى لها ، بيتا واسترضع لها وقال محمد بن إسحاق ضمها إلى خالتها أم يحيى حتى إذا شبت وبلغت مبلغ النساء بنى لها محرابا في المسجد ، وجعل بابه في وسطها لا يرقى إليها إلا بالسلم مثل باب الكعبة لا يصعد إليها غيره ، وكان يأتيها بطعامها وشرابها ودهنها كل يوم ( كلما دخل عليها زكريا المحراب ) وأراد بالمحراب الغرفة ، والمحراب أشرف المجالس ومقدمها ، وكذلك هو من المسجد ، ويقال للمسجد أيضا محراب قال المبرد : لا يكون المحراب إلا أن يرتقى إليه بدرجة ، وقال الربيع بن أنس : كان زكريا إذا خرج يغلق عليها سبعة أبواب فإذا دخل عليها غرفتها ( وجد عندها رزقا ) أي فاكهة في غير حينها ، فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف ( قال يا مريم أنى لك هذا ) قال أبو عبيدة : معناه من أين لك هذا؟
وأنكر بعضهم عليه ، وقال : معناه من أي جهة لك هذا؟
لأن " أنى " للسؤال عن الجهة وأين للسؤال عن المكان ( قالت هو من عند الله ) أي من قطف الجنة ، قال الحسن : حين ولدت مريم لم تلقم ثديا قط ، كان يأتيها رزقها من الجنة ، فيقول لها زكريا : أنى لك هذا؟
قالت : هو من عند الله تكلمت وهي صغيرة ( إن الله يرزق من يشاء بغير حساب ) وقال محمد بن إسحاق : ثم أصابت بني إسرائيل أزمة وهي على ذلك من حالها حتى ضعف زكريا عن حملها فخرج على بني إسرائيل فقال يا بني إسرائيل : تعلمون والله لقد كبرت سني وضعفت عن حمل مريم بنت عمران فأيكم يكفلها بعدي؟
قالوا : والله لقد جهدنا وأصابنا من السنة ما ترى ، فتدافعوها بينهم ثم لم يجدوا من حملها بدا ، فتقارعوا عليها بالأقلام فخرج السهم على رجل نجار من بني إسرائيل يقال له : يوسف بن يعقوب وكان ابن عم مريم فحملها ، فعرفت مريم في وجهه شدة مؤنة ذلك عليه فقالت له : يا يوسف أحسن بالله الظن فإن الله سيرزقنا ، فجعل يوسف يرزق بمكانها منه ، فيأتيها كل يوم من كسبه بما يصلحها فإذا أدخله عليها في الكنيسة أنماه الله ، فيدخل عليها زكريا فيرى عندها فضلا من الرزق ، ليس بقدر ما يأتيها به يوسف ، فيقول : يا مريم أنى لك هذا قالت : هو من عند الله ، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب .
قال أهل الأخبار فلما رأى ذلك زكريا قال : إن الذي قدر على أن يأتي مريم بالفاكهة في غير حينها من غير سبب لقادر على أن يصلح زوجتي ويهب لي ولدا في غير حينه من الكبر فطمع في الولد ، وذلك أن أهل بيته كانوا قد انقرضوا وكان زكريا قد شاخ وأيس من الولد
«فتقبلها ربها» أي قبل مريم من أمها «بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا» أنشأها بخلق حسن فكانت تنبت في اليوم كما ينبت المولود في العام وآتت بها أمها الأحبار سدنة بيت المقدس فقالت: دونكم هذه النذيرة فتنافسوا فيها أنها بنت إمامهم فقال زكريا أنا أحق بها لأن خالتها عندي فقالوا لا حتى نقترع فانطلقوا وهم تسعة وعشرون إلى نهر الأردن وألقوا أقلامهم على أن من ثبت قلمه في الماء وصعد فهو أولى بها فثبت قلم زكريا فأخذها وبنى لها غرفة في المسجد بسلم لا يصعد إليها غيره وكان يأتيها بأكلها وشربها ودهنها فيجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف كما قال تعالى «وَكَفَلَهَا زَكَريَّاُ» ضمها إليه وفي قراءة بالتشديد ونصب زكريا ممدودا ومقصورا والفاعل الله «كلما دخل عليها زكريا المحراب» الغرفة وهي أشرف المجالس «وجد عندها رزقا قال يا مريم أنَّى» من أين «لك هذا قالت» وهي صغيرة «هو من عند الله» يأتيني به من الجنة «إن الله يرزق من يشاء بغير حساب» رزقا واسعا بلا تبعة.
فاستجاب الله دعاءها وقبل منها نَذْرها أحسن قَبول، وتولَّى ابنتها مريم بالرعاية فأنبتها نباتًا حسنًا، ويسَّر الله لها زكريا عليه السلام كافلا فأسكنها في مكان عبادته، وكان كلَّما دخل عليها هذا المكان وجد عندها رزقًا هنيئًا معدّاً قال: يا مريم من أين لكِ هذا الرزق الطيب؟
قالت: هو رزق من عند الله.
إن الله -بفضله- يرزق مَن يشاء مِن خلقه بغير حساب.
كانت نتيجتها أن أجاب الله دعاءها وقبل تضرعها ، وقد حكى - سبحانه - ذلك بقوله : { فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً } .والفاء في قوله : { فَتَقَبَّلَهَا } تفريع على الدعاء مؤذن بسرعة الإجابة ، والضمير يعود إلى مريم .
والتقبل - كما يقول الراغب - قبول الشىء على وجه يقتضى ثوابا كالهداية ونحوها .
وإنما قال - سبحانه - { فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ } ولم يقل بتقبل : للجمع بين الأمرين : التقبل الذى هو الترقى فى القبول ، والقبول الذى يقتضى الرضا والإثابة " .والمعنى : أن الله - تعالى - تقبل مريم قبولا مباركا وخرق بها عادة قومها ، فرضى أن تكون محررة للعبادة وخدمة بيته كالذكور ، مع كونها أنثى وفاء بنذر الأم التقية التى قالت { رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً } .{ وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً } أى رباها تربية حسنة ، وصانها من كل سوء ، فكان حالها كحال النبات الذى ينمو في الأرض الصالحة حتى يؤتى ثماره الطيبة .وهكذا قيض الله - تعالى - لمريم كل ألوان السعادة الحقيقية ، فقد قبلها لخدمة بيته مع أنها أنثى ، وأنشأها حسنة بعيدة عن كل نقص خلقى أو خلقى ، وهيأ لها وسائل العيش الطيب من حيث لا تحتسب .
فقد قال - تعالى - { وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا المحراب وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يامريم أنى لَكِ هذا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ الله إِنَّ الله يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ } .قوله { وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا } أى ضمها إلى زكريا ، لأن الكفالة في أصل معناها الضم .أى ضمها الله - تعالى - إليه وجعله كافلا لها وضامنا لمصالحها .وقرئ { وَكَفَّلَهَا } بتخفيف الفاء .
وبرفع { زَكَرِيَّا } على أنه فاعل .
وعلى هذه القراءة تنطق كلمة زكريا بالمد قبل الهمزة فقط أى " زكرياء " .أما على القراءة الأولى فيجوز في زكريا المد والقصر .وزكريا هو أحد أنبياء بنى إسرائيل وينتهى نسبة إلى سليمان بن داود - عليهما السلام - وكان متزوجا بخالة مريم ، وقيل كان متزوجا بأختها .وكانت كافلته لها نتيجة اقتراع بينه وبين من رغبوا في كفالتها من سدنة بيت المقدس ، يدل على ذلك قوله - تعالى - { ذلك مِنْ أَنَبَآءِ الغيب نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } قال صاحب الكشاف : " روى أن " حنة " حين ولدت مريم ، لفتها في خرقة وحملتها إلى المسجد ، ووضعتها عند الأحبار وهم في بيت المقدس ، فقال لهم : دونكم هذه النذيرة ، فتنافسوا فيها لأنها كانت بنت إمامهم وصاحب قربانهم " .فقال لهم زكريا : أنا أحق بها عندى خالتها فقالوا : لا ، حتى نقترع عليها ، فانطلقوا إلى نهر وألقوا فيه أقلامهم فارتفع قلم زكريا فوق الماء ورسبت أقلامهم فتكفلها " .وقوله : { كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا المحراب وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً } بيان لكفالة الله - تعالى - لرزقها ورضاه عنها ، ورعايته لها .والمحراب موضع العالى الشريف والمراد به الغرفة التي تتخذها مريم مكانا لعبادتها فى المسجد .
سمى بذلك لأنه مكان محاربى الشيطان والهوى .قال الألوسى ما مخلصه : " والمحراب - على ما روى عن ابن عباس - غرقة بنيت لها في بيت المقدس ، وكانت لا يصعد إليها إلا بسلم .
وقيل المراد به المسجد إذ قد كانت مساجدهم تسمى المحاريب .
وقيل المراد به أشرف مواضع المسجد ومقدمها وهو مقام الإمام من المسجد أصله مفعال : صيغة مبالغة - كمطعان - فسمى به المكان ، لأن المحاربين نفوسهم كثيرون فيه و " كلما " ظرف على أن " ما " مصدرية ، والزمان محذوف أو نكرة موصوفة معناها الوقت ، والعائد محذوف والعامل فيها جوابها .والمعنى : كل زمان دخل عليها أو كل وقت دخل عليها فيه " وجد عندها رزقا " أى أصاب ولقى بحضرتها ذلك أو وجد ذلك كائنا بحضرتها .
أخرجه بن جرير عن الربيع قال : " أنه كان لا يدخل أحد سوى زكريا فكان يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف " والتنوين في { رِزْقاً } للتعظيم .
.
.وهذا دليل على قدرة الله - سبحانه - على كل شىء ، وعلى رعايته لمريم ، فقد رزقها - سبحانه - من حين لا تحتسب ، ودليل على وقوع الكرامة أوليائه - تعالى - .ولقد كان وجود هذا الرزق عند مريم دون أن يعرف زكريا - عليه السلام - مصدره مع أنه لا يدخل عليها أحد سواه كان ذلم محل عجبه ، لذا حكى القرآن عنه : { قَالَ يامريم أنى لَكِ هذا } أى من أين لك هذا الرزق العظيم الذى لا أعرف سببه ومصدره .
و { أنى } هنا بمعنى من أين .والجملة الكريمة استئناف مبنى على سؤال مقدر ، كأنه قيل : فماذا قال زكريا عند مشاهدة هذا الرزق؟
فكان الجواب : قال يا مريم من أين لك هذا .ولقد كانت إجابة مريم على زكريا تدل على قوة إيمانها ، وصفاء نفسها .
فقد أجابته بقولها - كما حكى القرآن عنها - { قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ الله } أى : قالت له إن هذا الزرق من عند الله - تعالى - فهو الذى رزقني إياه وسافه إلى بقدرته النافذة .وقوله - تعالى - { إِنَّ الله يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ } جملة تعليلية .
أى : إن الله تعالى ، يرزق من يشاء أن يرزقه رزقا واسعا عظيما لا يحده حد ، ولا تجرى عليه الأعداد التي تنتهى ، فهو - سبحانه - لا يحاسبه محاسب ، ولا تنقص خزائنه من أى عطاء مهما كثر وعظم .وهذه الجملة الكريمة يحتمل أنها من كلام الله - تعالى - فتكون مستأنفة ، ويحتمل أنها من كلامها الذى حكاه القرآن عنها ، فتكون تعليلية في محل نصب داخلة تحت القول .هذا وفى تلك الآيات التى حكاها القرآن عن مريم وأمها نرى كيف يعمل الإيمان عمله في القلوب فينقيها ويصفيها ويحررها من رق العبودية لغير الله الواحد القهار وكيف أن الله تعالى ، يتقبل دعاء عباده الصالحين ، وينبتهم نباتا حسنا ، ويرعاهم برعايته ، يزرقهم من حيث لا يحتسبون .ولقد كان ما رآه زكريا - عليه السلام - من أحوال مريم من الأسباب التي جعلته - وهو الشيخ الهرم - يتضرع إلى الله أن يرزقه الذرية الصالحة ، وقد حكى القرآن ذلك بأسلوبه البليغ فقال - تعالى - : { هُنَالِكَ دَعَا .
.
.
.
}
القصة الاولى: واقعة حنة أم مريم عليهما السلام: وفيه مسائل: المسألة الأولى: في موضع ﴿ إِذْ ﴾ من الإعراب أقوال الأول: قال أبو عبيدة: إنها زائدة لغواً، والمعنى: قالت امرأة عمران، ولا موضع لها من الإعراب، قال الزجاج: لم يصنع أبو عبيدة في هذا شيئاً، لأنه لا يجوز إلغاء حرف من كتاب الله تعالى، ولا يجوز حذف حرف من كتاب الله تعالى من غير ضرورة والثاني: قال الأخفش والمبرد: التقدير اذكر ﴿ إِذْ قَالَتِ امرأت عمران ﴾ ومثله في كتاب الله تعالى كثير الثالث: قال الزجاج، التقدير: واصطفى آل عمران على العالمين إذ قالت امرأة عمران، وطعن ابن الأنباري فيه وقال: إن الله تعالى قرن اصطفاء آل عمران باصطفاء آدم ونوح، ولما كان اصطفاؤه تعالى آدم ونوحاً قبل قول امرأة عمران استحال أن يقال: إن هذا الاصطفاء مقيد بذلك الوقت الذي قالت امرأة عمران هذا الكلام فيه ويمكن أن يجاب عنه بأن أثر اصطفاء كل واحد إنما ظهر عند وجوده، وظهور طاعاته، فجاز أن يقال: إن الله اصطفى آدم عند وجوده، ونوحاً عند وجوده، وآل عمران عندما قالت امرأة عمران هذا الكلام الرابع: قال بعضهم: هذا متعلق بما قبله، والتقدير: والله سميع عليم إذ قالت امرأة عمران هذا القول.
فإن قيل: إن الله سميع عليم قبل أن قالت المرأة هذا القول، فما معنى هذا التقييد؟
قلنا: إن سمعه تعالى لذلك الكلام مقيد بوجود ذلك الكلام وعلمه تعالى بأنها تذكر ذلك مقيد بذكرها لذلك والتغير في العلم والسمع إنما يقع في النسب والمتعلقات.
المسألة الثانية: أن زكريا بن أذن، وعمران بن ماثان، كانا في عصر واحد، وامرأة عمران حنة بنت فاقوذ، وقد تزوج زكريا بابنته إيشاع أخت مريم، وكان يحيى وعيسى عليهما السلام ابني خالة، ثم في كيفية هذا النذر روايات: الرواية الأولى: قال عكرمة.
إنها كانت عاقراً لا تلد، وكانت تغبط النساء بالأولاد، ثم قالت: اللّهم إن لك علي نذراً إن رزقتني ولداً أن أتصدق به على بيت المقدس ليكون من سدنته.
والرواية الثانية: قال محمد بن إسحاق: إن أم مريم ما كان يحصل لها ولد حتى شاخت، وكانت يوماً في ظل شجرة فرأت طائراً يطعم فرخاً له فتحركت نفسها للولد، فدعت ربها أن يهب لها ولداً فحملت بمريم، وهلك عمران، فلما عرفت جعلته لله محرراً، أي خادماً للمسجد، قال الحسن البصري: إنها إنما فعلت ذلك بإلهام من الله ولولاه ما فعلت كما رأى إبراهيم ذبح ابنه في المنام فعلم أن ذلك أمر من الله وإن لم يكن عن وحي، وكما ألهم الله أم موسى فقذفته في اليم وليس بوحي.
المسألة الثالثة: المحرر الذي جعل حراً خالصاً، يقال: حررت العبد إذا خلصته عن الرق، وحررت الكتاب إذا أصلحته، وخلصته فلم تبق فيه شيئاً من وجوه الغلط، ورجل حر إذا كان خالصاً لنفسه ليس لأحد عليه تعلق، والطين الحر الخالص عن الرمل والحجارة والحمأة والعيوب أما التفسير فقيل مخلصاً للعبادة عن الشعبي، وقيل: خادماً للبيعة، وقيل: عتيقاً من أمر الدنيا لطاعة الله، وقيل: خادماً لمن يدرس الكتاب، ويعلم في البيع، والمعنى أنها نذرت أن تجعل ذلك الولد وقفاً على طاعة الله، قال الأصم: لم يكن لبني إسرائيل غنيمة ولا سبي، فكان تحريرهم جعلهم أولادهم على الصفة التي ذكرنا، وذلك لأنه كان الأمر في دينهم أن الولد إذا صار بحيث يمكن استخدامه كان يجب عليه خدمة الأبوين، فكانوا بالنذر يتركون ذلك النوع من الانتفاع، ويجعلونهم محررين لخدمة المسجد وطاعة الله تعالى، وقيل: كان المحرر يجعل في الكنيسة يقوم بخدمتها حتى يبلغ الحلم، ثم يخير بين المقام والذهاب، فإن أبى المقام وأراد أن يذهب ذهب، وإن اختار المقام فليس له بعد ذلك خيار، ولم يكن نبي إلا ومن نسله محرر في بيت المقدس.
المسألة الرابعة: هذا التحرير لم يكن جائزاً إلا في الغلمان أما الجارية فكانت لا تصلح لذلك لما يصيبها من الحيض، والأذى، ثم إن حنة نذرت مطلقاً إما لأنها بنت الأمر على التقدير، أو لأنها جعلت ذلك النذر وسيلة إلى طلب الذكر.
المسألة الخامسة: في انتصاب قوله: ﴿ مُحَرَّرًا ﴾ وجهان الأول: أنه نصب على الحال من ﴿ مَا ﴾ وتقديره: نذرت لك الذي في بطني محرراً والثاني: وهو قول ابن قتيبة أن المعنى نذرت لك أن أجعل ما في بطني محرراً.
ثم قال الله تعالى حاكياً عنها: ﴿ فَتَقَبَّلْ مِنّي إِنَّكَ أَنتَ السميع العليم ﴾ التقبل: أخذ الشيء على الرضا، قال الواحدي: وأصله من المقابلة لأنه يقبل بالجزاء، وهذا كلام من لا يريد بما فعله إلا الطلب لرضا الله تعالى والإخلاص في عبادته، ثم قالت ﴿ إِنَّكَ أَنتَ السميع العليم ﴾ والمعنى: أنك أنت السميع لتضرعي ودعائي وندائي، العليم بما في ضميري وقلبي ونيتي.
واعلم أن هذا النوع من النذر كان في شرع بني إسرائيل وغير موجود في شرعنا، والشرائع لا يمتنع اختلافها في مثل هذه الأحكام.
قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا وَضَعَتْهَا ﴾ واعلم أن هذا الضمير إما أن يكون عائداً إلى الأنثى التي كانت في بطنها وكان عالماً بأنها كانت أنثى أو يقال: إنها عادت إلى النفس والنسمة أو يقال: عادت إلى المنذورة.
ثم قال تعالى: ﴿ قَالَتْ رَبّ إِنّى وَضَعْتُهَا أنثى ﴾ واعلم أن الفائدة في هذا الكلام أنه تقدم منها النذر في تحرير ما في بطنها، وكان الغالب على ظنها أنه ذكر فلم تشترط ذلك في كلامها، وكانت العادة عندهم أن الذي يحرر ويفرغ لخدمة المسجد وطاعة الله هو الذكر دون الأنثى فقالت ﴿ رَبّ إِنّى وَضَعْتُهَا أنثى ﴾ خائفة أن نذرها لم يقع الموقع الذي يعتمد به ومعتذرة من إطلاقها النذر المتقدم فذكرت ذلك لا على سبيل الإعلام لله تعالى، تعالى الله عن أن يحتاج إلى إعلامها، بل ذكرت ذلك على سبيل الاعتذار.
ثم قال الله تعالى: ﴿ والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ ﴾ قرأ أبو بكر عن عاصم وابن عامر ﴿ وَضَعَت ﴾ برفع التاء على تقدير أنها حكاية كلامها، والفائدة في هذا الكلام أنها لما قالت ﴿ إِنّى وَضَعْتُهَا أنثى ﴾ خافت أن يظن بها أنها تخبر الله تعالى، فأزالت الشبهة بقولها ﴿ والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ ﴾ وثبت أنها إنما قالت ذلك للاعتذار لا للاعلام، والباقون بالجزم على أنه كلام الله، وعلى هذه القراءة يكون المعنى أنه تعالى قال: والله أعلم بما وضعت تعظيماً لولدها، وتجهيلاً لها بقدر ذلك الولد، ومعناه: والله أعلم بالشيء الذي وضعت وبما علق به من عظائم الأمور، وأن يجعله وولده آية للعالمين، وهي جاهلة بذلك لا تعلم منه شيئاً فلذلك تحسرت، وفي قراءة ابن عباس ﴿ والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ ﴾ على خطاب الله لها، أي: أنك لا تعلمين قدر هذا الموهوب والله هو العالم بما فيه من العجائب والآيات.
ثم قال تعالى حكاية عنها ﴿ وَلَيْسَ الذكر كالأنثى ﴾ وفيه قولان الأول: أن مرادها تفضيل الولد الذكر على الأنثى، وسبب هذا التفضيل من وجوه: أحدها: أن شرعهم أنه لا يجوز تحرير الذكور دون الإناث والثاني: أن الذكر يصح أن يستمر على خدمة موضع العبادة، ولا يصح ذلك في الأنثى لمكان الحيض وسائر عوارض النسوان والثالث: الذكر يصلح لقوته وشدته للخدمة دون الأنثى فإنها ضعيفة لا تقوى على الخدمة والرابع: أن الذكر لا يلحقه عيب في الخدمة والاختلاط بالناس وليس كذلك الأنثى والخامس: أن الذكر لا يلحقه من التهمة عند الاختلاط ما يلحق الأنثى فهذه الوجوه تقتضي فضل الذكر على الأنثى في هذا المعنى.
والقول الثاني: أن المقصود من هذا الكلام ترجيح هذه الأنثى على الذكر، كأنها قالت الذكر مطلوبي وهذه الأنثى موهوبة الله تعالى، وليس الذكر الذي يكون مطلوبي كالأنثى التي هي موهوبة لله، وهذا الكلام يدل على أن تلك المرأة كانت مستغرقة في معرفة جلال الله عالمة بأن ما يفعله الرب بالعبد خير مما يريده العبد لنفسه.
ثم حكى تعالى عنها كلاماً ثانياً وهو قولها ﴿ وَإِنّى سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ ﴾ وفيه أبحاث: البحث الأول: أن ظاهر هذا الكلام يدل على ما حكينا من أن عمران كان قد مات في حال حمل حنة بمريم، فلذلك تولت الأم تسميتها، لأن العادة أن ذلك يتولاه الآباء.
البحث الثاني: أن مريم في لغتهم: العابدة، فأرادت بهذه التسمية أن تطلب من الله تعالى أن يعصمها من آفات الدين والدنيا، والذي يؤكد هذا قولها بعد ذلك ﴿ وِإِنّى أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرّيَّتَهَا مِنَ الشيطان الرجيم ﴾ .
البحث الثالث: أن قوله: ﴿ وَإِنّى سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ ﴾ معناه: وإني سميتها بهذا اللفظ أي جعلت هذا اللفظ اسماً لها، وهذا يدل على أن الاسم والمسمى والتسمية أمور ثلاثة متغايرة.
ثم حكى الله تعالى عنها كلاماً ثالثاً وهو قولها ﴿ وِإِنّى أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرّيَّتَهَا مِنَ الشيطان الرجيم ﴾ وذلك لأنه لما فاتها ما كانت تريد من أن يكون رجلاً خادماً للمسجد تضرعت إلى الله تعالى في أن يحفظها من الشيطان الرجيم، وأن يجعلها من الصالحات القانتات، وتفسير الشيطان الرجيم قد تقدم في أول الكتاب.
ولما حكى الله تعالى عن حنة هذه الكلمات قال: ﴿ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: إنما قال: ﴿ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ ﴾ ولم يقل: فتقبلها ربها بتقبل لأن القبول والتقبل متقاربان قال تعالى: ﴿ والله أَنبَتَكُمْ مّنَ الأرض نَبَاتاً ﴾ أي إنباتاً، والقبول مصدر قولهم: قبل فلان الشيء قبولاً إذا رضيه، قال سيبويه: خمسة مصادر جاءت على فعول: قبول وطهور ووضوء ووقود وولوغ، إلا أن الأكثر في الوقود إذا كان مصدرا الضم، وأجاز الفراء والزجاج: قبولاً بالضم، وروى ثعلب عن ابن الأعرابي يقال: قبلته قبولاً وقبولا، وفي الآية وجه آخر وهو أن ما كان من باب التفعل فإنه يدل على شدة اعتناء ذلك الفاعل بإظهار ذلك الفعل كالتصبر والتجلد ونحوهما فإنهما يفيدان الجد في إظهار الصبر والجلادة، فكذا هاهنا التقبل يفيد المبالغة في إظهار القبول.
فإن قيل: فلم لم يقل: فتقبلها ربها بتقبل حسن حتى صارت المبالغة أكمل؟
والجواب: أن لفظ التقبل وإن أفاد ما ذكرنا إلا أنه يفيد نوع تكلف على خلاف الطبع، أما القبول فإنه يفيد معنى القبول على وفق الطبع فذكر التقبل ليفيد الجد والمبالغة، ثم ذكر القبول ليفيد أن ذلك ليس على خلاف الطبع، بل على وفق الطبع، وهذه الوجوه وإن كانت ممتنعة في حق الله تعالى، إلا أنها تدل من حيث الاستعارة على حصول العناية العظيمة في تربيتها، وهذا الوجه مناسب معقول.
المسألة الثانية: ذكر المفسرون في تفسير ذلك القبول الحسن وجوهاً: الوجه الأول: أنه تعالى عصمها وعصم ولدها عيسى عليه السلام من مس الشيطان روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخاً من مس الشيطان إلا مريم وابنها» ثم قال أبو هريرة: اقرؤا إن شئتم ﴿ وِإِنّى أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرّيَّتَهَا مِنَ الشيطان ﴾ طعن القاضي في هذا الخبر وقال: إنه خبر واحد على خلاف الدليل فوجب رده، وإنما قلنا: إنه على خلاف الدليل لوجوه: أحدها: أن الشيطان إنما يدعو إلى الشر من يعرف الخير والشر والصبي ليس كذلك والثاني: أن الشيطان لو تمكن من هذا النخس لفعل أكثر من ذلك من إهلاك الصالحين وإفساد أحوالهم والثالث: لم خص بهذا الاستثناء مريم وعيسى عليهما السلام دون سائر الأنبياء عليهم السلام الرابع: أن ذلك النخس لو وجد بقي أثره، ولو بقي أثره لدام الصراخ والبكاء، فلما لم يكن كذلك علمنا بطلانه، واعلم أن هذه الوجوه محتملة، وبأمثالها لا يجوز دفع الخبر والله أعلم.
الوجه الثاني: في تفسير أن الله تعالى تقبلها بقبول حسن، ما روي أن حنة حين ولدت مريم لفتها في خرقة وحملتها إلى المسجد ووضعتها عند الأحبار أبناء هارون، وهم في بيت المقدس كالحجبة في الكعبة، وقالت: خذوا هذه النذيرة، فتنافسوا فيها لأنها كانت بنت إمامهم، وكانت بنو ماثان رؤوس بني إسرائيل وأحبارهم وملوكهم فقال لهم زكريا: أنا أحق بها عندي خالتها فقالوا لا حتى نقترع عليها، فانطلقوا وكانوا سبعة وعشرين إلى نهر فألقوا فيه أقلامهم التي كانوا يكتبون الوحي بها على أن كل من ارتفع قلمه فهو الراجح، ثم ألقوا أقلامهم ثلاث مرات، ففي كل مرة كان يرتفع قلم زكريا فوق الماء وترسب أقلامهم فأخذها زكريا.
الوجه الثالث: روى القفال عن الحسن أنه قال: إن مريم تكلمت في صباها كما تكلم المسيح ولم تلتقم ثدياً قط، وإن رزقها كان يأتيها من الجنة.
الوجه الرابع: في تفسير القبول الحسن أن المعتاد في تلك الشريعة أن التحرير لا يجوز إلا في حق الغلام حين يصير عاقلاً قادراً على خدمة المسجد، وهاهنا لما علم الله تعالى تضرع تلك المرأة قبل تلك الجارية حال صغرها وعدم قدرتها على خدمة المسجد، فهذا كله هو الوجوه المذكورة في تفسير القبول الحسن.
ثم قال الله تعالى: ﴿ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا ﴾ قال ابن الأنباري: التقدير أنبتها فنبتت هي نباتاً حسناً ثم منهم من صرف هذا النبات الحسن إلى ما يتعلق بالدنيا، ومنهم من صرفه إلى ما يتعلق بالدين، أما الأول فقالوا: المعنى أنها كانت تنبت في اليوم مثل ما ينبت المولود في عام واحد، وأما في الدين فلأنها نبتت في الصلاح والسداد والعفة والطاعة.
ثم قال الله تعالى: ﴿ وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: يقال: كفل يكفل كفالة وكفلاً فهو كافل، وهو الذي ينفق على إنسان ويهتم بإصلاح مصالحه، وفي الحديث أنا وكافل اليتيم كهاتين وقال الله تعالى: ﴿ أَكْفِلْنِيهَا ﴾ .
المسألة الثانية: قرأ عاصم وحمزة والكسائي (وكفلها) بالتشديد، ثم اختلفوا في زكريا فقرأ عاصم بالمد، وقرأ حمزة والكسائي بالقصر على معنى ضمها الله تعالى إلى زكريا، فمن قرأ (زكرياء) بالمد أظهر النصب ومن قرأ بالقصر كان في محل النصب والباقون قرأوا بالمد والرفع على معنى ضمها زكرياء إلى نفسه، وهو الاختيار، لأن هذا مناسب لقوله تعالى: ﴿ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ ﴾ وعليه الأكثر، وعن ابن كثير في رواية ﴿ كفلها ﴾ بكسر الفاء، وأما القصر والمد في زكريا فهما لغتان، كالهيجاء والهيجا، وقرأ مجاهد ﴿ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا وَأَنبَتَهَا وَكَفَّلَهَا ﴾ على لفظ الأمر في الأفعال الثلاثة، ونصب ﴿ رَبُّهَا ﴾ كأنها كانت تدعو الله فقالت: اقبلها يا ربها، وأنبتها يا ربها، واجعل زكريا كافلاً لها.
المسألة الثالثة: اختلفوا في كفالة زكريا عليه السلام إياها متى كانت، فقال الأكثرون: كان ذلك حال طفوليتها، وبه جاءت الروايات، وقال بعضهم: بل إنما كفلها بعد أن فطمت، واحتجوا عليه بوجهين: الأول: أنه تعالى قال: ﴿ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا ﴾ ثم قال: ﴿ وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ﴾ وهذا يوهم أن تلك الكفالة بعد ذلك النبات الحسن والثاني: أنه تعالى قال: ﴿ وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا المحراب وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ يامريم أنى لَكِ هذا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ الله ﴾ وهذا يدل على أنها كانت قد فارقت الرضاع وقت تلك الكفالة، وأصحاب القول الأول أجابوا بأن الواو لا توجب الترتيب، فلعل الانبات الحسن وكفالة زكرياء حصلا معاً.
وأما الحجة الثانية: فلعل دخوله عليها وسؤاله منها هذا السؤال إنما وقع في آخر زمان الكفالة.
ثم قال الله: ﴿ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا المحراب وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: ﴿ المحراب ﴾ الموضع العالي الشريف، قال عمر بن أبي ربيعة: ربة محراب إذا جئتها *** لم أدن حتى أرتقي سلما واحتج الأصمعي على أن المحراب هو الغرفة بقوله تعالى: ﴿ إِذْ تَسَوَّرُواْ المحراب ﴾ والتسور لا يكون إلا من علو، وقيل: المحراب أشرف المجالس وأرفعها، يروى أنها لما صارت شابة بنى زكريا عليه السلام لها غرفة في المسجد، وجعل بابها في وسطه لا يصعد إليه إلا بسلم، وكان إذا خرج أغلق عليها سبعة أبواب.
المسألة الثانية: احتج أصحابنا على صحة القول بكرامة الأولياء بهذه الآية، ووجه الاستدلال أنه تعالى أخبر أن زكرياء كلما دخل عليها المحراب وجد عندها رزقاً قال يا مريم: أنى لك هذا؟
قالت هو من عند الله، فحصول ذلك الرزق عندها إما أن يكون خارقاً للعادة، أو لا يكون، فإن قلنا: إنه غير خارق للعادة فهو باطل من خمسة أوجه: الأول: أن على هذا التقدير لا يكون حصول ذلك الرزق عند مريم دليلاً على علو شأنها وشرف درجتها وامتيازها عن سائر الناس بتلك الخاصية ومعلوم أن المراد من الآية هذا المعنى والثاني: أنه تعالى قال بعد هذه الآية ﴿ هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبّ هَبْ لِى مِن لَّدُنْكَ ذُرّيَّةً طَيّبَةً ﴾ والقرآن دل على أنه كان آيساً من الولد بسبب شيخوخته وشيخوخة زوجته، فلما رأى انخراق العادة في حق مريم طمع في حصول الولد فيستقيم قوله: ﴿ هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ ﴾ أما لو كان الذي شاهده في حق مريم لم يكن خارقاً للعادة لم تكن مشاهدة ذلك سبباً لطمعه في انخراق العادة بحصول الولد من المرأة الشيخة العاقر الثالث: أن التنكر في قوله: ﴿ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا ﴾ يدل على تعظيم حال ذلك الرزق، كأنه قيل: رزقاً.
أي رزق غريب عجيب، وذلك إنما يفيد الغرض اللائق لسياق هذه الآية لو كان خارقاً للعادة الرابع: هو أنه تعالى قال: ﴿ وجعلناها وابنها ءَايَةً للعالمين ﴾ ولولا أنه ظهر عليهما من الخوارق، وإلا لم يصح ذلك.
فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: المراد من ذلك هو أن الله تعالى خلق لها ولداً من غير ذكر؟
قلنا: ليس هذا بآية، بل يحتاج تصحيحه إلى آية، فكيف نحمل الآية على ذلك، بل المراد من الآية ما يدل على صدقها وطهارتها، وذلك لا يكون إلا بظهور خوارق العادات على يدها كما ظهرت على يد ولدها عيسى عليه السلام الخامس: ما تواترت الروايات به أن زكريا عليه السلام كان يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء، فثبت أن الذي ظهر في حق مريم عليها السلام كان فعلاً خارقاً للعادة، فنقول: إما أن يقال: إنه كان معجزة لبعض الأنبياء أو ما كان كذلك، والأول باطل لأن النبي الموجود في ذلك الزمان هو زكريا عليه السلام، ولو كان ذلك معجزة له لكان هو عالماً بحاله وشأنه، فكان يجب أن لا يشتبه أمره عليه وأن لا يقول لمريم ﴿ أنى لَكِ هذا ﴾ وأيضاً فقوله تعالى: ﴿ هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ ﴾ مشعر بأنه لما سألها عن أمر تلك الأشياء ثم إنها ذكرت له أن ذلك من عند الله فهنالك طمع في انخراق العادة في حصول الولد من المرأة العقيمة الشيخة العاقر وذلك يدل على أنه ما وقف على تلك الأحوال إلا بأخبار مريم، ومتى كان الأمر كذلك ثبت أن تلك الخوارق ما كانت معجزة لزكريا عليه السلام فلم يبق إلا أن يقال: إنها كانت كرامة لعيسى عليه السلام، أو كانت كرامة لمريم عليها السلام، وعلى التقديرين فالمقصود حاصل، فهذا هو وجه الاستدلال بهذه الآية على وقوع كرامات الأولياء.
اعترض أبو علي الجبائي وقال: لم لا يجوز أن يقال إن تلك الخوارق كانت من معجزات زكريا عليه السلام، وبيانه من وجهين: الأول: أن زكريا عليه السلام دعا لها على الإجمال أن يوصل الله إليها رزقاً، وأنه ربما كان غافلاً عن تفاصيل ما يأتيها من الأرزاق من عند الله تعالى، فإذا رأى شيئاً بعينه في وقت معين قال لها ﴿ أنى لَكِ هذا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ الله ﴾ فعنذ ذلك يعلم أن الله تعالى أظهر بدعائه تلك المعجزة والثاني: يحتمل أن يكون زكريا يشاهد عند مريم رزقاً معتاداً إلا أنه كان يأتيها من السماء، وكان زكريا يسألها عن ذلك حذراً من أن يكون يأتيها من عند إنسان يبعثه إليها، فقالت هو من عند الله لا من عند غيره.
المقام الثاني: أنا لا نسلم أنه كان قد ظهر على مريم شيء من خوارق العادات، بل معنى الآية أن الله تعالى كان قد سبب لها رزقاً على أيدي المؤمنين الذين كانوا يرغبون في الإنفاق على الزاهدات العابدات، فكان زكريا عليه السلام إذا رأى شيئاً من ذلك خاف أنه ربما أتاها ذلك الرزق من وجه لا ينبغي، فكان يسألها عن كيفية الحال، هذا مجموع ما قاله الجبائي في تفسيره وهو في غاية الضعف، لأنه لو كان ذلك معجزاً لزكريا عليه السلام كان مأذوناً له من عند الله تعالى في طلب ذلك، ومتى كان مأذوناً في ذلك الطلب كان عالماً قطعاً بأن يحصل، وإذا علم ذلك امتنع أن يطلب منها كيفية الحال، ولم يبق أيضاً لقوله: ﴿ هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ ﴾ فائدة، وهذا هو الجواب بعينه عن الوجه الثاني.
وأما سؤاله الثالث ففي غاية الركاكة لأن هذا التقدير لا يبقى فيه وجه اختصاص لمريم بمثل هذه الواقعة، وأيضاً فإن كان في قلبه احتمال أنه ربما أتاها هذا الرزق من الوجه الذي لا ينبغي فبمجرد إخبارها كيف يعقل زوال تلك التهمة فعلمنا سقوط هذه الأسئلة وبالله التوفيق.
أما المعتزلة فقد احتجوا على امتناع الكرامات بأنها دلالات صدق الأنبياء، ودليل النبوّة لا يوجد مع غير الأنبياء، كما أن الفعل المحكم لما كان دليلاً على العلم لا جرم لا يوجد في حق غير العالم.
والجواب من وجوه: الأول: وهو أن ظهور الفعل الخارق للعادة دليل على صدق المدعي، فإن ادعى صاحبه النبوّة فذاك الفعل الخارق للعادة يدل على كونه نبياً، وإن ادعى الولاية فذلك يدل على كونه ولياً والثاني: قال بعضهم: الأنبياء مأمورون بإظهارها، والأولياء مأمورون بإخفائها والثالث: وهو أن النبي يدعي المعجز ويقطع به، والولي لا يمكنه أن يقطع به والرابع: أن المعجزة يجب انفكاكها عن المعارضة، والكرامة لا يجب انفكاكها عن المعارضة، فهذا جملة الكلام في هذا الباب وبالله التوفيق.
ثم قال تعالى حكاية عن مريم عليها السلام: ﴿ إنَّ الله يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ فهذا يحتمل أن يكون من جملة كلام مريم، وأن يكون من كلام الله سبحانه وتعالى، وقوله: ﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ أي بغير تقدير لكثرته، أو من غير مسألة سألها على سبيل يناسب حصولها، وهذا كقوله: ﴿ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ ﴾ وهاهنا آخر الكلام في قصة حنة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ آل إبراهيم ا ﴾ إسماعيل وإسحاق وأولادهما.
﴿ وَءَالَ عِمْرَانَ ﴾ موسى وهرون ابنا عمران ابن يصهر.
وقيل عيسى ومريم بنت عمران بن ماثان، وبين العمرانين ألف وثمانمائة سنة.
و ﴿ ذُرّيَّةَ ﴾ بدل من آل إبراهيم وآل عمران ﴿ بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ ﴾ يعني أنّ الآلين ذرّية واحدة متسلسلة بعضها متشعب من بعض: موسى وهرون من عمران، وعمران من يصهر، ويصهر من فاهث، وفاهث من لاوى، ولاوى من يعقوب، ويعقوب من إسحاق.
وكذلك عيسى ابن مريم بنت عمران بن ماثان بن سليمان بن داود بن إيشا بن يهوذا بن يعقوب بن إسحاق.
وقد دخل في آل إبراهيم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقيل: (بعضها من بعض) في الدين، كقوله تعالى: ﴿ المنافقون والمنافقات بَعْضُهُمْ مّن بَعْضٍ ﴾ [التوبة: 67] ﴿ والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ يعلم من يصلح للاصطفاء، أو يعلم أنّ بعضهم من بعض في الدين.
أو (سميع عليم) لقول امرأة عمران ونيتها.
و ﴿ إِذْ ﴾ منصوب به.
وقيل: بإضمار اذكر.
وامرأة عمران هي امرأة عمران بن ماثان، أم مريم البتول.
جدّة عيسى عليه السلام، وهي حنة بنت فاقوذ.
وقوله: ﴿ إِذْ قَالَتِ امرأت عمران ﴾ على أثر قوله: ﴿ وَءَالَ عِمْران ﴾ مما يرجح أنّ عمران هو عمران بن ماثان جدّ عيسى، والقول الآخر يرجحه أن موسى يقرن بإبراهيم كثيراً في الذكر.
فإن قلت: كانت لعمران بن يصهر بنت اسمها مريم أكبر من موسى وهرون، ولعمران بن ماثان مريم البتول، فما أدراك أن عمران هذا هو أبو مريم البتول دون عمران أبي مريم التي هي أخت موسى وهرون؟
قلت: كفى بكفالة زكريا دليلاً على أنه عمران أبو البتول، لأن زكريا بن آذن وعمران بن ماثان كانا في عصر واحد، وقد تزوّج زكريا بنته إيشاع أخت مريم فكان يحيى وعيسى ابني خالة.
روي أنها كانت عاقرا لم تلد إلى أن عجزت، فبينا هي في ظل شجرة بصرت بطائر يطعم فرخاً له فتحرّكت نفسها للولد وتمنته، فقالت: اللهم إن لك عليّ نذراً شكراً إن رزقتني ولداً أن أتصدق به على بيت المقدس فيكون من سدنته وخدمه، فحملت بمريم وهلك عمران وهي حامل ﴿ مُحَرَّرًا ﴾ معتقاً لخدمة بيت المقدس لا يدَ لي عليه ولا أستخدمه ولا أشغله بشيء، وكان هذا النوع من النذر مشروعاً عندهم.
وروي: أنهم كانوا ينذرون هذا النذر، فإذا بلغ الغلام خير بين أن يفعل وبين أن لا يفعل.
وعن الشعبي ﴿ مُحَرَّرًا ﴾ : مخلصاً للعبادة، وما كان التحرير إلا للغلمان، وإنما بنت الأمر على التقدير، أو طلبت أن ترزق ذكراً ﴿ فَلَمَّا وَضَعَتْهَا ﴾ الضمير ل (ما في بطني)، وإنما أنث على المعنى لأن ما في بطنها كان أنثى في علم الله، أو على تأويل الحبلة أو النفس أو النسمة.
فإن قلت: كيف جاز انتصاب ﴿ أنثى ﴾ حالا من الضمير في وضعتها وهو كقولك وضعت الأنثى أنثى؟
قلت: الأصل: وضعته أنثى، وإنما أنثى لتأنيث الحال؛ لأن الحال وذا الحال لشيء واحد، كما أنث الاسم في (ما كانت أمّك) لتأنيث الخبر.
ونظيره قوله تعالى: ﴿ فَإِن كَانَتَا اثنتين ﴾ [النساء: 176] وأمّا على تأويل الحبلة أو النسمة فهو ظاهر، كأنه قيل: إني وضعت الحبلة أو النسمة أنثى.
فإن قلت: فلم قالت: إني وضعتها أنثى وما أرادت إلى هذا القول؟
قلت: قالته تحسراً على ما رأت من خيبة رجائها وعكس تقديرها.
فتحزنت إلى ربها لأنها كانت ترجو وتقدر أن تلد ذكراً، ولذلك نذرته محرّراً للسدانة.
ولتكلمها بذلك على وجه التحسر والتحزن قال الله تعالى: ﴿ والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ ﴾ تعظيماً لموضوعها وتجهيلا لها بقدر ما وهب لها منه.
ومعناه: والله أعلم بالشيء الذي وضعت وما علق به من عظائم الأمور، وأن يجعله وولده آية للعالمين وهي جاهلة بذلك لا تعلم منه شيئاً.
فلذلك تحسرت.
وفي قراءة ابن عباس ﴿ والله أعلم بما وَضَعْتِ ﴾ على خطاب الله تعالى لها أي إنك لا تعلمين قدر هذا الموهوب وما علم الله من عظم شأنه وعلوّ قدره.
وقرئ: ﴿ وضعت ﴾ .
بمعنى: ولعلّ لله تعالى فيه سراً وحكمة، ولعلّ هذه الأنثى خير من الذكر تسلية لنفسها.
فإن قلت: فما معنى قوله: ﴿ وَلَيْسَ الذكر كالانثى ﴾ ؟
قلت: هو بيان لما في قوله: ﴿ والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ ﴾ من التعظيم للموضوع والرفع منه، ومعناه: وليس الذكر الذي طلبت كالأنثى التي وهبت لها، واللام فيهما للعهد.
فإن قلت: علام عطف قوله: ﴿ وَإِنّى سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ ﴾ ؟
قلت: هو عطف على إني وضعتها أنثى، وما بينهما جملتان معترضتان، كقوله تعالى: ﴿ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴾ [الواقعة: 76] فإن قلت: فلم ذكرت تسميتها مريم لربها؟
قلت: لأن مريم في لغتهم بمعنى العابدة، فأرادت بذلك التقريب والطلب إليه أن يعصمها حتى يكون فعلها مطابقاً لاسمها، وأن يصدق فيها ظنها بها.
ألا ترى كيف أتبعته طلب الإعاذة لها ولولدها من الشيطان وإغوائه.
وما يروى من الحديث: «ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهلّ صارخاً من مس الشيطان إياه، إلا مريم وابنها» فالله أعلم بصحته.
فإن صح فمعناه أن كل مولود يطمع الشيطان في إغوائه إلا مريم وابنها، فإنهما كانا معصومين، وكذلك كل من كان في صفتهما كقوله تعالى: ﴿ لاَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين ﴾ [الحجر: 40 41] واستهلاله صارخاً من مسه تخييل وتصوير لطمعه فيه، كأنه يمسه ويضرب بيده عليه ويقول: هذا ممن أغويه، ونحوه من التخييل قول ابن الرومي: لِمَا تُؤْذِنُ الدُّنْيَا بِهِ مِنْ صُرُوفِهَا ** يَكُونُ بُكَاءُ الطَفْلِ سَاعَةَ يُولَدُ وأما حقيقة المس والنخس كما يتوهم أهل الحشو فكلا، ولو سلط إبليس على الناس بنخسهم لامتلأت الدنيا صراخاً وعياطاً مما يبلونا به من نخسه ﴿ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا ﴾ فرضي بها في النذر مكان الذكر ﴿ بِقَبُولٍ حَسَنٍ ﴾ فيه وجهان: أحدهما أن يكون القبول اسم ما تقبل به الشيء كالسعوط واللدود، لما يسعط به ويلد، وهو اختصاصه لها بإقامتها مقام الذكر في النذر، ولم يقبل قبلها أنثى في ذلك، أو بأن تسلمها من أمّها عقيب الولادة قبل أن تنشأ وتصلح للسدانة.
وروي: أن حنة حين ولدت مريم، لفتها في خرقة وحملتها إلى المسجد، ووضعتها عند الأحبار أبناء هرون، وهم في بيت المقدس كالحجبة في الكعبة، فقالت لهم: دونكم هذه النذيرة فتنافسوا فيها لأنها كانت بنت إمامهم وصاحب قربانهم، وكانت بنو ماثان رؤوس بني إسرائيل وأحبارهم وملوكهم، فقال لهم زكريا: أنا أحق بها، عندي خالتها فقالوا: لا حتى نقترع عليها، فانطلقوا وكانوا سبعة وعشرين إلى نهر، فألقوا فيه أقلامهم، فارتفع قلم زكريا فوق الماء ورسبت أقلامهم، فتكفلها.
والثاني: أن يكون مصدراً على تقدير حذف المضاف بمعنى: فتقبلها بذي قبول حسن، أي بأمر ذي قبول حسن وهو الاختصاص.
ويجوز أن يكون معنى ﴿ فَتَقَبَّلَهَا ﴾ فاستقبلها، كقولك: تعجله بمعنى استعجله، وتقصاه بمعنى استقصاه، وهو كثير في كلامهم، من استقبل الأمر إذا أخذه بأوّله وعنفوانه قال القطامي: وَخَيْرُ الأَمْرِ مَا استقبلت مِنْهُ ** وَلَيْسَ بِأَنْ تَتَبَّعَهُ اتِّبَاعَا ومنه المثل (خذ الأمر بقوابله).
أي فأخذها في أوّل أمرها حين ولدت بقبول حسن ﴿ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا ﴾ مجاز عن التربية الحسنة العائدة عليها بما يصلحها في جميع أحوالها.
وقرئ: ﴿ وَكَفِلَها زكريا ﴾ ، بوزن وعملها ﴿ وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ﴾ بتشديد الفاء ونصب زكرياء، والفعل لله تعالى بمعنى: وضمها إليه وجعله كافلاً لها وضامناً لمصالحها.
ويؤيدها قراءة أبيّ: وأكفلها، من قوله تعالى: ﴿ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا ﴾ [ص: 23] وقرأ مجاهد: فتقبلها ربها، وأنبتها، وكفلها، على لفظ الأمر في الأفعال الثلاثة، ونصب ربها، تدعو بذلك، أي فاقبلها يا ربها وربها، واجعل زكريا كافلاً لها.
قيل: بنى لها زكريا محراباً في المسجد، أي غرفة يصعد إليها بسلم.
وقيل: المحراب أشرف المجالس ومقدّمها، كأنها وضعت في أشرف موضع من بيت المقدس.
وقيل: كانت مساجدهم تسمى المحاريب.
وروي: أنه كان لا يدخل عليها إلا هو وحده، وكان إذا خرج غلق عليها سبعة أبواب.
﴿ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا ﴾ كان رزقها ينزل عليها من الجنة ولم ترضع ثديا قط، فكان يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء ﴿ أنى لَكِ هذا ﴾ من أين لك هذا الرزق الذي لا يشبه أرزاق الدنيا وهو آت في غير حينه والأبواب مغلقة عليك لا سبيل للداخل به إليك؟
﴿ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ الله ﴾ فلا تستبعد.
قيل تكلمت وهي صغيرة كما تكلم عيسى وهو في المهد.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه جاع في زمن قحط فأهدت له فاطمة رضي الله عنها رغيفين وبضعة لحم آثرته بها، فرجع بها إليها، وقال: هلمي يا بنية فكشفت عن الطبق فإذا هو مملوء خبزاً ولحماً، فبهتت وعلمت أنها نزلت من عند الله، فقال لها صلى الله عليه وسلم: أنيَّ لك هذا؟
فقالت: هو من عند الله، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب.
فقال عليه الصلاة والسلام: الحمد لله الذي جعلك شبيهة سيدة نساء بني إسرائيل، ثم جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم عليّ بن أبي طالب والحسن والحسين وجميع أهل بيته، فأكلوا عليه حتى شبعوا وبقي الطعام كما هو، فأوسعت فاطمة على جيرانها» ﴿ إنَّ الله يَرْزُقُ ﴾ من جملة كلام مريم عليها السلام، أو من كلام رب العزّة عزّ من قائل ﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ بغير تقدير لكثرته، أو تفضلاً بغير محاسبة ومجازاة على عمل بحسب الاستحقاق.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَتَقَبَّلَها رَبُّها ﴾ فَرَضِيَ بِها في النَّذْرِ مَكانَ الذَّكَرِ.
﴿ بِقَبُولٍ حَسَنٍ ﴾ أيْ بِوَجْهٍ حَسَنٍ يَقْبَلُ بِهِ النَّذائِرَ، وهو إقامَتُها مَقامَ الذَّكَرِ، أوْ تَسَلُّمُها عَقِيبِ وِلادَتِها قَبْلَ أنْ تَكْبُرَ وتَصْلُحَ لِلسَّدانَةِ.
رُوِيَ أنَّ حِنَّةَ لَمّا ولَدَتْها لَفَّتْها في خِرْقَةٍ وحَمْلَتْها إلى المَسْجِدِ ووَضَعَتْها عِنْدَ الأحْبارِ وقالَتْ: دُونَكم هَذِهِ النَّذِيرَةَ، فَتَنافَسُوا فِيها لِأنَّها كانَتْ بِنْتَ إمامِهِمْ وصاحِبِ قُرْبانِهِمْ، فَإنَّ بَنِي ماثانَ كانَتْ رُؤُوسَ بَنِي إسْرائِيلَ ومُلُوكَهم فَقالَ زَكَرِيّا: أنا أحَقُّ بِها، عِنْدِي خالَتُها فَأبَوْا إلّا القُرْعَةَ، وكانُوا سَبْعَةً وعِشْرِينَ فانْطَلَقُوا إلى نَهْرٍ فَألْقَوْا فِيهِ أقْلامَهم فَطَفا قَلَمُ زَكَرِيّا ورَسَبَتْ أقْلامُهم فَتَكَفَّلَها زَكَرِيّا.
وَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ بِذِي قَبُولٍ حَسَنٍ، وأنْ يَكُونَ تَقَبَّلْ بِمَعْنى اسْتَقْبِلْ كَتَقَضّى وتَعَجَّلَ أيْ فَأخَذَها في أوَّلِ أمْرِها حِينَ وُلِدَتْ بِقَبُولٍ حَسَنٍ.
﴿ وَأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا ﴾ مَجازٌ عَنْ تَرْبِيَتِها بِما يُصْلِحُها في جَمِيعِ أحْوالِها ﴿ وَكَفَّلَها زَكَرِيّا ﴾ شَدَّدَ الفاءَ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ، وقَصَرُوا زَكَرِيّا غَيْرَ عاصِمٍ في رِوايَةِ ابْنِ عَيّاشٍ عَلى أنَّ الفاعِلَ هو اللَّهُ تَعالى وزَكَرِيّا مَفْعُولٌ أيْ جَعَلَهُ كافِلًا لَها وضامِنًا لِمَصالِحِها، وخَفَّفَ الباقُونَ.
ومَدُّوا «زَكَرِيّاءَ» مَرْفُوعًا.
﴿ كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا المِحْرابَ ﴾ أيِ الغُرْفَةَ الَّتِي بُنِيَتْ لَها، أوِ المَسْجِدَ، أوْ أشْرَفَ مَواضِعِهِ ومُقَدَّمَها، سُمِّيَ بِهِ لِأنَّهُ مَحِلُّ مُحارَبَةِ الشَّيْطانِ كَأنَّها وُضِعَتْ في أشْرَفِ مَوْضِعٍ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ.
﴿ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقًا ﴾ جَوابُ كُلَّما وناصِبُهُ.
رُوِيَ: أنَّهُ كانَ لا يَدْخُلُ عَلَيْها غَيْرُهُ وإذا خَرَجَ أغْلَقَ عَلَيْها سَبْعَةَ أبْوابٍ، وكانَ يَجِدُ عِنْدَها فاكِهَةَ الشِّتاءِ في الصَّيْفِ وبِالعَكْسِ.
﴿ قالَ يا مَرْيَمُ أنّى لَكِ هَذا ﴾ مِن أيْنَ لَكِ هَذا الرِّزْقُ الآتِي في غَيْرِ أوانِهِ والأبْوابُ مُغْلَقَةٌ عَلَيْكِ، وهو دَلِيلُ جَوازِ الكَرامَةِ لِلْأوْلِياءِ.
جَعَلَ ذَلِكَ مُعْجِزَةَ زَكَرِيّا يَدْفَعُهُ اشْتِباهُ الأمْرِ عَلَيْهِ.
﴿ قالَتْ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴾ فَلا تَسْتَبْعِدُهُ.
قِيلَ: تَكَلَّمَتْ صَغِيرَةً كَعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ولَمْ تَرْضَعْ ثَدْيًا قَطُّ وكانَ رِزْقُها يُنَزَّلُ عَلَيْها مِنَ الجَنَّةِ.
﴿ إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ﴾ بِغَيْرِ تَقْدِيرٍ لِكَثْرَتِهِ، أوْ بِغَيْرِ اسْتِحْقاقٍ تَفَضُّلًا بِهِ.
وهو يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِهِما وأنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى.
رُوِيَ « (أنَّ فاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها أهْدَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ رَغِيفَيْنِ وبِضْعَةَ لَحْمٍ فَرَجَعَ بِها إلَيْها وقالَ: هَلُمِّي يا بُنَيَّةُ، فَكَشَفَتْ عَنِ الطَّبَقِ فَإذا هو مَمْلُوءٌ خُبْزًا ولَحْمًا فَقالَ لَها: أنّى لَكِ هَذا!
فَقالَتْ: ﴿ هُوَ مِن عِنْدِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ﴾ فَقالَ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَكِ شَبِيهَةَ سَيِّدَةِ نِساءِ بَنِي إسْرائِيلَ، ثُمَّ جَمَعَ عَلِيًّا والحَسَنَ والحُسَيْنَ وجَمَعَ أهْلَ بَيْتِهِ عَلَيْهِ حَتّى شَبِعُوا وبَقِيَ الطَّعامُ كَما هو فَأوْسَعَتْ عَلى جِيرانِها.» <div class="verse-tafsir"
{فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا} قبل الله مريم ورضي بها في النذر مكان الذكر {بِقَبُولٍ حَسَنٍ} قيل القبول اسم ما يقبل به الشئ كالسعوط بما يسعط به وهو اختصاصه لها بإقامتها مقام الذكر في النذر ولم تقبل قبلها أنثى في ذلك أو بأن تسلمها من أمها عقيب الولادة قبل أن تنشأ وتصلح للسدانة روي أن حنة لما ولدت مريم لفتها في خرقة وحملتها إلى المسجد ووضعتها عند الأحبار أبناء هرون وهم في بيت المقدس كالحجبة في الكعبة فقالت لهم دونكم هذه النذيرة فتنافسوا فيها لأنها كانت بنت إمامهم وصاحب قربانهم وكانت بنو ماثان رءوس بني إسرائيل وأحبارهم فقال لهم زكريا أنا أحق بها عندي أختها فقالوا لا حتى نقترع عليها فانطلقوا وكانوا سبعة وعشرين إلى نهر فألقوا فيه أقلامهم فارتفع قلم زكريا فوق الماء ورسبت أقلامهم فتكفلها وقيل هو مصدر على تقدير حذف المضاف أي فتقبلها
بذى قبول حسن أى بمر ذي قبول حسن وهو الاختصاص {وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا} مجاز عن التربية الحسنة قال ابن عطاء ما كانت
آل عمران (٣٧ _ ٣٩)
ثمرته مثل عيسى فذاك أحسن النبات ونباتاً مصدر على خلاف الصدر أو التقدير فنبتت نباتا {وكفلها} قبلها أو ضمن القيام بأمرها وكفّلها كوفي أي كفلها الله زكريا يعني جعله كافلاها وضامناً لمصالحها {زَكَرِيَّا} بالقصر كوفي غير أبي بكر في كل القرآن وقرأ أبو بكر بالمد والنصب هنا غيرهم بالمد والرفع كالثانية والثالثة ومعناه في العبري دائم الذكر والتسبيح {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا المحراب} قيل بنى لها زكريا محرابا فى السمجد أي غرفة تصعد إليها بسلم وقيل المحراب أشرف المجالس ومقدّمها كأنها وضعت في أشرف موضع من بيت المقدس وقيل كانت مساجدهم تسمى المحاريب وكان لا يدخل عليها إلا هو وحده {وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا} كان رزقها ينزل عليها من الجنة ولم ترضع ثدياً قط فكان يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف فى الشتاء {قال يا مريم أنى لَكِ هذا} من أين لك هذا الرزق الذي لا يشبه أرزاق الدنيا وهو آتٍ في غير حينه {قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ الله} فلا تستبعد قيل تكلمت وهي صغيرة كما تكلم عيسى وهو في المهد {إنَّ الله يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ} من جملة كلام مريم أو من كلام رب العالمين {بِغَيْرِ حِسَابٍ} بغير تقدير لكثرته أو تفضلاً بغير محاسبة ومجازاة على عمل
﴿ فَتَقَبَّلَها ﴾ أيْ رَضِيَ بِمَرْيَمَ في النُّذُرِ مَكانَ الذَّكَرِ، فَفِيهِ تَشْبِيهُ النُّذُرِ بِالهَدِيَّةِ ورِضْوانِ اللَّهِ تَعالى بِالقَبُولِ ﴿ رَبُّها ﴾ أيْ رَبُّ مَرْيَمَ المُبَلِّغُ لَها إلى كَمالِها اللّائِقِ بِها، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِاِمْرَأةِ عِمْرانَ بِدَلِيلِ أنَّها الَّتِي خاطَبَتْ ونادَتْ بِقَوْلِها: ﴿ رَبِّ إنِّي وضَعْتُها ﴾ الخ، والأوَّلُ أوْلى ﴿ بِقَبُولٍ حَسَنٍ ﴾ الباءُ مِثْلُها في كَتَبْتُ بِالقَلَمِ والقَبُولُ ما يُقْبَلُ بِهِ الشَّيْءُ كالسَّعُوطِ واللَّدُودِ ما يُسْعَطُ بِهِ ويُلَدُّ، أيْ تَقَبَّلَها بِوَجْهٍ حَسَنٍ تُقْبَلُ بِهِ النَّذائِرُ، وهو اِخْتِصاصُهُ سُبْحانَهُ إيّاها بِإقامَتِها مَقامَ الذَّكَرِ في النُّذُرِ ولَمْ يَقْبَلْ قَبْلَها أُنْثى، أوْ تَسَلَّمَها مِن أُمِّها عَقِبَ الوِلادَةِ قَبْلَ أنْ تَنْشَأ وتَصْلُحَ لِلسَّدانَةِ والخِدْمَةِ، فَقَدْ رُوِيَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: لَمّا وضَعَتْها خَشِيَتْ حَنَّةُ أنْ لا تُقْبَلَ الأُنْثى مُحَرَّرَةً فَلَفَّتْها في الخِرْقَةِ ووَضَعَتْها في بَيْتِ المَقْدِسِ عِنْدَ القُرّاءِ فَتَساهَمَ القُرّاءُ عَلَيْها لِأنَّها كانَتْ بِنْتَ إمامِهِمْ أيُّهم يَأْخُذُها فَقالَ زَكَرِيّا وهو رَأْسُ الأحْبارِ: أنا آخُذُها وأنا أحَقُّهم بِها لِأنَّ خالَتَها عِنْدِي، فَقالَتِ القُرّاءُ: ولَكُنّا نَتَساهَمُ عَلَيْها فَمَن خَرَجَ سَهْمُهُ فَهو أحَقُّ بِها فَدَعَوا بِأقْلامِهِمُ الَّتِي يَكْتُبُونَ بِها الوَحْيَ وجَمَعُوها في مَوْضِعٍ ثُمَّ غَطَّوْها، وقالَ زَكَرِيّا لِبَعْضٍ مِنَ الغِلْمانِ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلْمَ مِمَّنْ في بَيْتِ المَقْدِسِ: أدْخِلْ يَدَكَ فَأخْرِجْ فَأدْخَلَ يَدَهُ فَأخْرَجَ قَلَمَ زَكَرِيّا فَقالُوا: لا نَرْضى ولَكِنْ نُلْقِي الأقْلامَ في الماءِ فَمَن خَرَجَ قَلَمُهُ في جَرْيَةِ الماءِ ثُمَّ اِرْتَفَعَ فَهو يَكْفُلُها فَألْقَوْا أقْلامَهم في نَهْرِ الأُرْدُنِ فارْتَفَعَ قَلَمُ زَكَرِيّا في جَرْيِ الماءِ، فَقالُوا: نَقْتَرِعُ الثّالِثَةَ فَمَن جَرى قَلَمُهُ مَعَ الماءِ فَهو يَكْفُلُها فَألْقَوْا أقْلامَهم فَجَرى قَلَمُ زَكَرِيّا مَعَ الماءِ وارْتَفَعَتْ أقْلامُهم في جَرْيَةِ الماءِ وقَبَضَها عِنْدَ ذَلِكَ زَكَرِيّا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ لِلْمُلابَسَةِ.
والقَبُولُ مَصْدَرٌ وهو مِنَ المَصادِرِ الشّاذَّةِ وهُناكَ مُضافٌ مَحْذُوفٌ، والمَعْنى رَضِيَ بِها مُتَلَبِّسَةً بِأمْرٍ ذِي قَبُولٍ ووَجْهٍ ذِي رِضًا، وهو ما يُقِيمُها مَقامَ الذُّكُورِ لِما اِخْتَصَّتْ بِهِ مِنَ الإكْرامِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَفَعَّلَ بِمَعْنى اِسْتَفْعَلَ كَ تَعَجَّلَ بِمَعْنى اِسْتَعْجَلَ والمَعْنى فاسْتَقْبَلَها رَبُّها وتَلَقّاها مِن أوَّلِ وهْلَةٍ مِن وِلادَتِها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وأظْهَرَ الكَرامَةَ فِيها حِينَئِذٍ وفي المَثَلِ خُذِ الأمْرَ بِقَوابِلِهِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الباءُ زائِدَةً، والقَبُولُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِلْفِعْلِ السّابِقِ بِحَذْفِ الزَّوائِدِ أيْ قَبِلَها قَبُولًا حَسَنًا، وعُدِلَ عَنِ الظّاهِرِ لِلْإيذانِ بِمُقارَنَةِ التَّقَبُّلِ لِكَمالِ الرِّضا ومُوافَقَتِهِ لِلْعِنايَةِ الذّاتِيَّةِ فَإنَّ صِيغَةَ التَّفَعُّلِ مُشْعِرَةٌ بِحَسَبِ أصْلِ الوَضْعِ بِالتَّكَلُّفِ وكَوْنِ الفِعْلِ عَلى خِلافِ طَبْعِ الفاعِلِ وإنْ كانَ المُرادُ بِها في حَقِّهِ تَعالى ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِن كَمالِ قُوَّةِ الفِعْلِ وكَثْرَتِهِ، ويُحْتَمَلُ عَلى بُعْدٍ بَعِيدٍ أنْ تَكُونَ الباءُ لِلْمُصاحَبَةِ بِمَعْنى مَعَ، أيْ تَقَبَّلَ نَذْرَها مَعَ قَبُولٍ حَسَنٍ لِدُعاءِ أُمِّها في حَقِّها وحَقِّ ذُرِّيَّتِها حَيْثُ أعاذَهُما مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ مِن أوَّلِ الوِلادَةِ إلى خاتِمَةِ الحَياةِ.
﴿ وأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا ﴾ أيْ رَبّاها الرَّبُّ تَرْبِيَةً حَسَنَةً في عِبادَةٍ وطاعَةٍ لِرَبِّها قالَهُ اِبْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وفي رِوايَةٍ عَنْهُ أنَّهُ سَوّى خَلْقَها فَكانَتْ تَشُبُّ في يَوْمِ ما يَشُبُّ غَيْرُها في عامٍ، وقِيلَ: تَعَهَّدَها بِما يُصْلِحُها في سائِرِ أحْوالِها، فَفي الكَلامِ اِسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ أوْ مَجازٌ مُرْسَلٌ بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ فَإنَّ الزّارِعَ يَتَعَهَّدُ زَرْعَهُ بِسَقْيِهِ عِنْدَ الِاحْتِياجِ وحِمايَتِهِ عَنِ الآفاتِ وقَلْعِ ما يَخْنُقُهُ مِنَ النَّباتِ، و ﴿ نَباتًا ﴾ هُنا مَصْدَرٌ عَلى غَيْرِ لَفْظِ الفِعْلِ المَذْكُورِ وهو نائِبٌ عَنْ إنْباتٍ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ فَنَبَتَتْ نَباتًا، والنَّباتُ والنَّبْتُ بِمَعْنًى، وقَدْ يُعَبَّرُ بِهِما عَنِ النّابِتِ.
﴿ وكَفَّلَها زَكَرِيّا ﴾ وهو مِن ولَدِ سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ أيْ ضَمَّها اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ وجَعَلَهُ كافِلًا لَها وضامِنًا لِمَصالِحِها عَلى ما ذُكِرَ في حَدِيثِ اِبْنِ عَبّاسٍ، وكُلُّ ذَلِكَ مِن آثارِ قُدْرَتِهِ تَعالى، ولَمْ يَكُنْ هُناكَ وحْيٌ إلَيْهِ بِذَلِكَ، وقَرَأ بِتَشْدِيدِ الفاءِ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ، وقَصَرُوا ”زَكَرِيّا“ غَيْرَ عاصِمٍ في رِوايَةِ اِبْنِ عَيّاشٍ وهو مَفْعُولٌ بِهِ لِ (كَفَّلَها) وقَرَأ الباقُونَ بِتَخْفِيفِ الفاءِ ومَدُّوا ”زَكَرِيّا“ ورَفَعُوهُ عَلى الفاعِلِيَّةِ، وفِيهِ لُغَتانِ أُخْرَيانِ إحْداهُما: زَكَرِيٌّ بِياءٍ مُشَدَّدَةٍ مِن غَيْرِ ألِفٍ، وثانِيَتُهُما: زَكَرَ بِغَيْرِ ياءٍ ومَنعِهِ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ والعُجْمَةِ، وقِيلَ: لِألِفِ التَّأْنِيثِ، وقَرَأ أُبَيٌّ (وأكْفَلَها)، وقَرَأ مُجاهِدٌ (فَتَقَبَّلَها رَبَّها وأنْبِتْها وكَفِّلْها) عَلى صِيغَةِ الدُّعاءِ في الأفْعالِ الثَّلاثَةِ ونَصْبِ رَبِّها عَلى النِّداءِ، أيْ فاقْبَلْها يا رَبَّها ورَبِّها، واجْعَلْ زَكَرِيّا كافِلًا لَها، وقَدِ اِسْتَجابَ اللَّهُ تَعالى دُعاءَها في جَمِيعِ ذَلِكَ، واَلَّذِي عَلَيْهِ الأكْثَرُونَ وشَهِدَتْ لَهُ الأخْبارُ أنَّ كَفالَةَ زَكَرِيّا كانَتْ مِن أوَّلِ أمْرِها، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ كَفَّلَها بَعْدَ أنْ فُطِمَتْ ونَبَتَتِ النَّباتَ الحَسَنَ ولَيْسَ بِالقَوِيِّ.
﴿ كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا المِحْرابَ ﴾ بَيانٌ لِقَبُولِها ولِهَذا لَمْ يُعْطَفْ، والمِحْرابُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما غُرْفَةٌ بُنِيَتْ لَها في بَيْتِ المَقْدِسِ وجُعِلَتْ بابَها في وسَطِ الحائِطِ وكانَتْ لا يُصْعَدُ عَلَيْها إلّا بِسُلَّمٍ مِثْلَ بابِ الكَعْبَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ المَسْجِدُ إذْ قَدْ كانَتْ مَساجِدُهم تُسَمّى المَحارِيبَ؛ وقِيلَ: أشْرَفُ مَواضِعِهِ ومُقَدَّمُها وهو مَقامُ الإمامِ مِنَ المَسْجِدِ في رَأْيٍ، وأصْلُهُ مِفْعالٌ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ كَمِطْعانٍ فَسُمِّيَ بِهِ المَكانُ لِأنَّ المُحارِبِينَ نُفُوسَهم كَثِيرُونَ فِيهِ، وقِيلَ: إنَّهُ يَكُونُ اِسْمَ مَكانٍ وسُمِّيَ بِهِ لِأنَّ مَحِلَّ مُحارِبَةِ الشَّيْطانِ فِيهِ أوْ لِتَنافُسِ النّاسِ عَلَيْهِ، ولِبَعْضِ المَغارِبَةِ في المَدْحِ: جَمَعَ الشُّجاعَةَ والخُشُوعَ لِرَبِّهِ ما أحْسَنَ المِحْرابَ في المِحْرابِ وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ عَلى الفاعِلِ لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِأمْرِها، ونَصْبُ ﴿ المِحْرابَ ﴾ عَلى التَّوَسُّعِ إذْ حَقُّ الفِعْلِ أنْ يَتَعَدّى بِ (فِي) أوْ بِ (إلى)، وإظْهارُ الفاعِلِ قِيلَ: لِفَصْلِ الجُمْلَةِ، و ﴿ كُلَّما ﴾ ظَرْفُ عَلى أنَّ (ما) مَصْدَرِيَّةٌ، والزَّمانُ مَحْذُوفٌ أوْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ مَعْناها الوَقْتُ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ والعامِلُ فِيها جَوابُها بِالِاتِّفاقِ لِأنَّ ما في حَيِّزِ المُضافِ إلَيْهِ لا يَعْمَلُ في المُضافِ ولا يَجْرِي فِيها الخِلافُ المَذْكُورُ في أسْماءِ الشَّرْطِ، ومِنَ النّاسِ مَن وهَمَ، فَقالَ: إنَّ ناصَبَهُ فِعْلُ الشَّرْطِ، وادَّعى أنَّهُ الأنْسَبُ مَعْنًى فَزادَ في الشَّطْرَنْجِ جَمَلًا، والمَعْنى كُلَّ زَمانٍ دَخَلَ عَلَيْها أوْ كُلَّ وقْتٍ دَخَلَ عَلَيْها فِيهِ.
﴿ وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا ﴾ أيْ أصابَ ولَقِيَ بِحَضْرَتِها ذَلِكَ أوْ ذَلِكَ كائِنًا بِحَضْرَتِها، أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ الرَّبِيعِ قالَ: إنَّهُ كانَ لا يَدْخُلُ عَلَيْها غَيْرُهُ وإذا خَرَجَ أغْلَقَ عَلَيْها سَبْعَةَ أبْوابٍ فَكانَ يَجِدُ عِنْدَها فاكِهَةَ الصَّيْفِ في الشِّتاءِ وفاكِهَةَ الشِّتاءِ في الصَّيْفِ، والتَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ فَعَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ ذَلِكَ مِن ثِمارِ الجَنَّةِ واَلَّذِي عَلَيْهِ الجُلُّ أنَّ ذَلِكَ عُوِّضَ لَها عَنِ الرَّضاعَةِ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّها لَمْ تَرْضَعْ ثَدْيًا قَطُّ، وقِيلَ: إنَّ هَذا كانَ بَعْدَ أنْ تَرَعْرَعَتْ، فَفي رِوايَةِ اِبْنِ بِشْرٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما «أنَّ زَكَرِيّا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ اِسْتَأْجَرَ لَها ظِئْرًا فَلَمّا تَمَّ لَها حَوْلانِ فُطِمَتْ وتُرِكَتْ في المِحْرابِ وحْدَها وأغْلَقَتْ عَلَيْها البابَ ولَمْ يَتَعَهَّدْ أمْرَها سِواهُ».
﴿ قالَ يا مَرْيَمُ ﴾ اِسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ﴿ أنّى لَكِ هَذا ﴾ أيْ مِن أيْنَ لَكِ هَذا الرِّزْقُ الَّذِي لا يُشْبِهُ أرْزاقَ الدُّنْيا والأبْوابُ مُغْلَقَةٌ دُونَكِ، ومَجِيءُ (أنّى) بِمَعْنى مِن أيْنَ، أوْ كَيْفَ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ، واسْتَشْهَدَ لِلْأوَّلِ بِقَوْلِهِ: تَمَنّى بِوادِي الرَّمْثِ زَيْنَبَ ضَلَّةً ∗∗∗ فَكَيْفَ ومِن (أنّى) بِذِي الرَّمْثِ تَطْرُقُ ولِلثّانِي بِقَوْلِهِ: أنّى ومِن أيْنَ آبَكَ الطَّرَبُ ∗∗∗ مِن حَيْثُ لا صَبْوَةٌ ولا رِيَبُ وحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ مِن (أنّى) نَحْوَ حَذْفِ في مِنَ الظُّرُوفِ اللّازِمَةِ لِلظَّرْفِيَّةِ مِن نَحْوِ مَعَ وسَحَرٍ لِأنَّ الشَّيْءَ إذا عُلِمَ في مَوْضِعٍ جازَ حَذْفُهُ، والتَّحْقِيقُ أنَّ الظُّرُوفَ مَحَلُّ التَّوَسُّعِ لِكَثْرَةِ اِسْتِعْمالِهِمْ إيّاها وكُلُّ ظَرْفٍ يُسْتَعْمَلُ مَعَ حَرْفِ صِلَتِهِ الَّتِي يَكْثُرُ مَعَها اِسْتِعْمالُها لِأنَّ اِتِّصالَها بِمَظْرُوفِها بِتِلْكَ الحُرُوفِ فَجازَ حَذْفُها كَما جازَ حَذْفُ فِي، إلّا أنَّها لَمّا كانَتِ الأصْلَ لِوَضْعِها لِلظَّرْفِيَّةِ اِطَّرَدَ حَذْفُها مِنَ المُتَصَرِّفَةِ وغَيْرِ المُتَصَرِّفَةِ، وغَيْرُها مِن صِلاتِ الظُّرُوفِ لا يُحْذَفُ إلّا مَعَ ما يَكْثُرُ مِن غَيْرِ المُتَصَرِّفَةِ حَطًّا لِرُتْبَتِها عَنْ رُتْبَةِ فِي، كَما في «اَلْكَشْفِ».
واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى جَوازِ الكَرامَةِ لِلْأوْلِياءِ لِأنَّ مَرْيَمَ لا نُبُوَّةَ لَها عَلى المَشْهُورِ، وهَذا هو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ أهْلُ السُّنَّةِ والشِّيعَةِ، وخالَفَ في ذَلِكَ المُعْتَزِلَةُ، وأجابَ البَلْخِيُّ مِنهم عَنِ الآيَةِ بِأنَّ ذَلِكَ كانَ إرْهاصًا وتَأْسِيسًا لِنُبُوَّةِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأجابَ الجُبّائِيُّ بِأنَّهُ كانَ مُعْجِزَةً لِزَكَرِيّا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ورَدَّ الأخِيرُ بِأنَّ اِشْتِباهَ الأمْرِ عَلَيْهِ يَأْبى ذَلِكَ، ولَعَلَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى الظّاهِرِ، وإلّا فَفي اِقْتِضاءِ هَذِهِ العِبارَةِ في نَفْسِ الأمْرِ الِاشْتِباهَ نَظَرٌ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِإظْهارِ ما فِيها مِنَ العَجَبِ بِتَكَلُّمِها ونَحْوِهِ، والقَوْلُ بِأنَّ اِشْتِباهَ زَكَرِيّا في أنَّها مُعْجِزَةٌ لا يُنافِي كَوْنَها مُعْجِزَةً لِاشْتِباهِ أنَّهُ مِنَ الجَنَّةِ أوْ مِن بَساتِينِ الدُّنْيا لَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى.
﴿ قالَتْ ﴾ اِسْتِئْنافٌ كاَلَّذِي قَبْلَهُ ﴿ هُوَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴾ قِيلَ: أرادَتْ مِنَ الجَنَّةِ، وقِيلَ: مِمّا رَزَقَنِيهِ هو لا بِواسِطَةِ البَشَرِ فَلا تَعْجَبْ ولا تَسْتَبْعِدْ، وقِيلَ: تَكَلَّمَتْ بِذَلِكَ صَغِيرَةً كَعِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقَدْ جُمِعَ مَن تَكَلَّمَ كَذَلِكَ فَبَلَغُوا أحَدَ عَشَرَ نَفْسًا، وقَدْ نَظَمَهُمُ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ فَقالَ: تَكَلَّمَ في المَهْدِ النَّبِيُّ (مُحَمَّدٌ) ∗∗∗ (ويَحْيى وعِيسى والخَلِيلُ ومَرْيَمُ) ومِبْرى (جُرَيْجٍ) ثُمَّ (شاهِدُ يُوسُفَ) ∗∗∗ (وطِفْلٌ لِذِي الأُخْدُودِ) يَرْوِيهِ مُسْلِمُ (وطِفْلٌ) عَلَيْهِ مَرَّ بِالأمَةِ الَّتِي ∗∗∗ يُقالُ لَها تَزْنِي ولا تَتَكَلَّمُ وماشِطَةٌ في عَهْدِ فِرْعَوْنَ (طِفْلُها) ∗∗∗ وفي زَمَنِ الهادِي (اَلْمُبارَكُ) يَخْتِمُ ﴿ إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ ﴾ مِن عِبادِهِ أنْ يَرْزُقَهُ ﴿ بِغَيْرِ حِسابٍ ﴾ تَقَدَّمَ مَعْناهُ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِكَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، والظّاهِرُ أنَّها مِن كَلامِ مَرْيَمَ فَحِينَئِذٍ تَكَوْنُ في مَحَلِّ النَّصْبِ داخِلَةً تَحْتَ القَوْلِ، وقالَ الطَّبَرَيُّ: إنَّها لَيْسَتْ مِن كَلامِها بَلْ هي مُسْتَأْنَفَةٌ مِن كَلامِهِ تَعالى إخْبارًا لِنَبِيِّهِ ، والأوَّلُ أوْلى، وقَدْ أخْرَجَ أبُو يَعْلى عَنْ جابِرٍ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ أقامَ أيّامًا لَمْ يَطْعَمْ طَعامًا حَتّى شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَطافَ في مَنازِلِ أزْواجِهِ فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَ واحِدَةٍ مِنهُنَّ شَيْئًا فَأتى فاطِمَةَ فَقالَ: يا بُنَيَّةُ هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ آكُلُهُ فَإنِّي جائِعٌ؟
فَقالَتْ: لا واَللَّهِ، فَلَمّا خَرَجَ مِن عِنْدِها بَعَثَتْ إلَيْها جارَّةٌ لَها بِرَغِيفَيْنِ وقِطْعَةِ لَحْمٍ فَأخَذَتْهُ مِنها فَوَضَعَتْهُ في جَفْنَةٍ لَها، وقالَتْ: لَأُوثِرَنَّ بِهَذا رَسُولَ اللَّهِ عَلى نَفْسِي ومَن عِنْدِي وكانُوا جَمِيعًا مُحْتاجِينَ إلى شُبْعَةِ طَعامٍ، فَبَعَثَتْ حَسَنًا أوْ حُسَيْنًا إلى رَسُولِ اللَّهِ فَرَجَعَ إلَيْها فَقالَتْ لَهُ: بِي أنْتَ وأُمِّي قَدْ أتى اللَّهُ تَعالى بِشَيْءٍ قَدْ خَبَّأْتُهُ لَكَ قالَ: هَلُمِّي يا بُنَيَّةُ بِالجَفْنَةِ فَكَشَفَتْ عَنِ الجَفْنَةِ فَإذا هي مَمْلُوءَةٌ خُبْزًا ولَحْمًا، فَلَمّا نَظَرَتْ إلَيْها بُهِتَتْ وعَرَفَتْ أنَّها بَرَكَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَحَمِدَتِ اللَّهَ تَعالى وقَدَّمَتْهُ إلى النَّبِيِّ فَلَمّا رَآهُ حَمِدَ اللَّهَ تَعالى، وقالَ: مِن أيْنَ لَكَ هَذا يا بُنَيَّةُ؟
قالَتْ: يا أبَتِي هو مِن عِنْدِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ، فَحَمِدَ اللَّهَ سُبْحانَهُ ثُمَّ قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَكِ شَبِيهَةَ سَيِّدَةِ نِساءِ بَنِي إسْرائِيلَ فَإنَّها كانَتْ إذا رَزَقَها اللَّهُ تَعالى رِزْقًا فَسُئِلَتْ عَنْهُ قالَتْ: هو مِن عِنْدِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ، ثُمَّ جَمَعَ عَلِيًّا والحَسَنَ والحُسَيْنَ وجَمَعَ أهْلَ بَيْتِهِ حَتّى شَبِعُوا وبَقِيَ الطَّعامُ كَما هو فَأوْسَعَتْ فاطِمَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها عَلى جِيرانِها.» * * * هَذا ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ: ﴿ لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ ﴾ نَهى عَنْ مُوالاةِ المُؤْمِنِينَ الكافِرِينَ لِعَدَمِ المُناسِبَةِ بَيْنَهم في الحَقِيقَةِ ولِفَرْقٍ بَيْنَ الظُّلْمَةِ والنُّورِ والظِّلِّ والحَرُورِ، والوِلايَةُ تَقْتَضِي المُناسَبَةَ ومَتى لَمْ تَحْصُلْ كانَتِ الوِلايَةُ عَنْ مَحْضِ رِياءٍ أوْ نِفاقٍ واَللَّهُ تَعالى لا يُحِبُّ المُرائِينَ ولا المُنافِقِينَ، ومِن هُنا نَهى أهْلُ اللَّهِ تَعالى المُرِيدِينَ عَنْ مُوالاةِ المُنْكِرِينَ لِأنَّ ظُلْمَةَ الإنْكارِ والعِياذُ بِاَللَّهِ تَعالى تُحاكِي ظُلْمَةَ الكُفْرِ ورُبَّما تَراكَمَتْ فَسَدَّتْ طَرِيقَ الإيمانِ، ﴿ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ ﴾ وِلايَةِ ﴿ اللَّهِ ﴾ تَعالى ﴿ فِي شَيْءٍ ﴾ مُعْتَدٍّ بِهِ إذْ لَيْسَ فِيهِ نُورِيَّةٌ صافِيَةٌ يُناسِبُ بِها الحَضْرَةَ الإلَهِيَّةَ ﴿ إلا أنْ تَتَّقُوا مِنهم تُقاةً ﴾ فَحِينَئِذٍ تَجُوزُ المُوالاةُ ظاهِرًا، وهَذا بِالنِّسْبَةِ لِلضُّعَفاءِ وأمّا مَن قَوِيَ يَقِينُهُ فَلا يَخْشى إلّا اللَّهَ تَعالى ﴿ ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ﴾ أيْ يَدْعُوكم إلى التَّوْحِيدِ العِيانِيِّ لِئَلّا يَكُونَ خَوْفُكم مِن غَيْرِهِ ﴿ وإلى اللَّهِ المَصِيرُ ﴾ فَلا تَحْذَرُوا إلّا إيّاهُ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّ هَذا خِطابٌ لِلْخَواصِّ العارِفِينَ إذْ لا يَحْذَرُ نَفْسَهُ مَن لا يَعْرِفُهُ، وقَدْ حَذَّرَ مَن دُونَهم بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ ﴾ .
قالَ إبْراهِيمُ الخَوّاصُ: وعَلامَةُ الخَوْفِ في القَلْبِ دَوامُ المُراقَبَةِ وعَلامَةُ المُراقَبَةِ التَّفَقُّدُ لِلْأحْوالِ النّازِلَةِ ﴿ قُلْ إنْ تُخْفُوا ما في صُدُورِكُمْ ﴾ مِنَ المُوالاةِ ﴿ أوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ﴾ لِأنَّهُ مَعَ كُلِّ نَفَسٍ وخَطِرَةٍ ﴿ ويَعْلَمُ ما فِي ﴾ سَماواتِ الأرْواحِ وأرْضِ الأجْسامِ ﴿ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ فَلا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ ولا يُقَيِّدُهُ مَظْهَرٌ عَنْ مَظْهَرٍ ﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ مُحْضَرًا وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ ﴾ لِأنَّ كُلَّ ما يَعْمَلُهُ الإنْسانُ أوْ يَقُولُهُ يَنْتَقِشُ مِنهُ أثَرٌ في نَفْسِهِ ويُسَطَّرُ في صَحائِفِ النُّفُوسِ السَّماوِيَّةِ إلّا أنَّهُ لِاشْتِغالِهِ بِالشَّواغِلِ الحِسِّيَّةِ والإدْراكاتِ الوَهْمِيَّةِ والخَيالِيَّةِ لا يَرى تِلْكَ النُّقُوشَ ولا يُبْصِرُ هاتِيكَ السُّطُورَ فَإذا تَجَرَّدَ عَنْ عالَمِ الكَثافَةِ بَصُرَ ورَأى وشاهَدَ ما بِهِ قَلَمُ الِاسْتِعْدادِ جَرى، فَإذا وجَدَ سُوءًا ﴿ تَوَدُّ ﴾ نَفْسُهُ وتَتَمَنّى ﴿ لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًا بَعِيدًا ﴾ لِتُعَذِّبَها بِهِ ﴿ ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ﴾ كَرَّرَهُ تَأْكِيدًا لِئَلّا يَعْمَلُوا ما يَسْتَحِقُّونَ بِهِ عِقابَهُ ﴿ واللَّهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ ﴾ أيْ بِسائِرِهِمْ فَلِهَذا حَذَّرَهُمْ، أوْ بِمَنِ اِتَّصَفَ بِمَقامِ العُبُودِيَّةِ وانْقَطَعَ إلَيْهِ بِالكُلِّيَّةِ ﴿ قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي ﴾ لِأنِّي سَيِّدُ المُحِبِّينَ ﴿ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ﴾ وحَقِيقَةُ المَحَبَّةِ عِنْدَ العارِفِينَ اِحْتِراقُ القَلْبِ بِنِيرانِ الشَّوْقِ، ورَوْحُ الرُّوحِ بِلَذَّةِ العِشْقِ، واسْتِغْراقُ الحَواسِّ في بَحْرِ الأُنْسِ، وطَهارَةُ النَّفْسِ بِمِياهِ القُدْسِ، ورُؤْيَةُ الحَبِيبِ بِعَيْنِ الكُلِّ، وغَمْضُ عَيْنِ الكُلِّ عَنِ الكَوْنَيْنِ، وطَيَرانُ السِّرِّ في غَيْبِ الغَيْبِ، وتَخَلُّقُ المُحِبِّ بِخُلُقِ المَحْبُوبِ، وهَذا أصْلُ المَحَبَّةِ.
وأمّا فَرْعُها فَهو مُوافَقَةُ المَحْبُوبِ في جَمِيعِ ما يَرْضاهُ، وتَقَبُّلُ بَلائِهِ بِنَعْتِ الرِّضا والتَّسْلِيمُ في قَضائِهِ وقَدَرِهِ بِشَرْطِ الوَفا، ومُتابَعَةُ سُنَّةِ المُصْطَفى .
وأمّا آدابُها فالِانْقِطاعُ عَنِ الشَّهَواتِ واللَّذّاتِ المُباحَةِ، والسُّكُونُ في الخَلَواتِ والمُراقَباتِ، واسْتِنْشاقُ نَفَحاتِ الصِّفاتِ، والتَّواضُعُ والذُّلُّ في الحَرَكاتِ والسَّكَناتِ: مَساكِينُ أهْلِ العِشْقِ حَتّى قُبُورُهم عَلَيْها تُرابُ الذُّلِّ بَيْنَ المَقابِرِ وهَذا لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ أنْ تَرى الرُّوحُ بِعَيْنِ السِّرِّ مُشاهَدَةَ الحَقِّ بِنَعْتِ الجَمالِ وحُسْنِ القِدَمِ لا بِنَعْتِ الآلاءِ والنِّعَمِ لِأنَّ المَحَبَّةَ مَتّى كانَتْ مِن تَوَلُّدِ رُؤْيَةِ النَّعْماءِ كانَتْ مَعْلُولَةً، وحَقِيقَةُ المَحَبَّةِ ما لا عِلَّةَ فِيها بَيْنَ المُحِبِّ والحَبِيبِ سِوى ذاتِ الحَبِيبِ، ولِذا قالُوا: لا تَصِحُّ المَحَبَّةُ مِمَّنْ يُمَيِّزُ بَيْنَ النّارِ والجَنَّةِ وبَيْنَ السُّرُورِ والمِحْنَةِ وبَيْنَ الفَرْضِ والسُّنَّةِ وبَيْنَ الِاعْتِواضِ والِاعْتِراضِ ولا تَصِحُّ إلّا مِمَّنْ نَسِيَ الكُلَّ واسْتَغْرَقَ في مُشاهَدَةِ المَحْبُوبِ وفَنِيَ فِيهِ: خَلِيلَيَّ لَوْ أحْبَبْتُما لَعَلِمْتُما ∗∗∗ مَحَلَّ الهَوى مِن مُغْرَمِ القَلْبِ صَبِّهِ تَذَكَّرْ والذِّكْرى تَشُوقُ وذُو الهَوى ∗∗∗ يَتُوقُ ومَن يَعْلَقْ بِهِ الحُبُّ يُصْبِهِ غَرامٌ عَلى يَأْسِ الهَوى ورَجائِهِ ∗∗∗ وشَوْقٌ عَلى بُعْدِ المُرادِ وقُرْبِهِ وقَدْ يُقالُ: المَحَبَّةُ ثَلاثَةُ أقْسامٍ، القِسْمُ الأوَّلُ: مَحَبَّةُ العَوامِّ وهي مُطالَعَةُ المِنَّةِ مِن رُؤْيَةِ إحْسانِ المُحْسِنِ، جُبِلَتِ القُلُوبُ عَلى مَحَبَّةِ مَن أحْسَنَ إلَيْها وهو حُبٌّ يَتَغَيَّرُ وهو لِمُتابِعِي الأعْمالِ الَّذِينَ يَطْلُبُونَ أجْرًا عَلى ما يَعْمَلُونَ، وفِيهِ يَقُولُ أبُو الطَّيِّبِ: وما أنا بِالباغِي عَلى الحُبِّ رِشْوَةً ∗∗∗ ضَعِيفُ هَوًى يُرْجى عَلَيْهِ ثَوابُ القِسْمُ الثّانِي: مَحَبَّةُ الخَواصِّ المُتَّبِعِينَ لِلْأخْلاقِ الَّذِينَ يُحِبُّونَهُ إجْلالًا وإعْظامًا ولِأنَّهُ أهْلٌ لِذَلِكَ، وإلى هَذا القَسَمِ أشارَ بِقَوْلِهِ: «نَعِمَ العَبْدُ صُهَيْبٌ لَوْ لَمْ يَخَفِ اللَّهَ لَمْ يَعْصِهِ ”،» وقالَتْ رابِعَةُ رَحِمَها اللَّهُ تَعالى: أُحُبُّكَ حُبَّيْنِ حُبُّ الهَوى ∗∗∗ وحُبٌّ لِأنَّكَ أهْلٌ لِذاكا وهَذا الحُبُّ لا يَتَغَيَّرُ إلى الأبَدِ لِبَقاءِ الجَمالِ والجَلالِ إلى السَّرْمَدِ.
القِسْمُ الثّالِثُ: مُحِبَّةُ خَواصِّ الخَواصِّ المُتَّبِعِينَ لِلْأحْوالِ وهي النّاشِئَةُ مِنَ الجَذْبَةِ الإلَهِيَّةِ في مَكامِنِ ««كُنْتُ كَنْزًا مَخْفِيًّا»» وأهْلُ هَذِهِ المَحَبَّةِ هُمُ المُسْتَعِدُّونَ لِكَمالِ المَعْرِفَةِ، وحَقِيقَتُها أنْ يَفْنى المُحِبُّ بِسَطْوَتِها فَيَبْقى بِلا هو ورُبَّما بَقِيَ صاحِبُها حَيْرانَ سَكْرانَ لا هو حَيٌّ فَيُرْجى ولا مَيِّتٌ فَيُبْكى، وفي مِثْلِ ذَلِكَ قِيلَ: يَقُولُونَ إنَّ الحُبَّ كالنّارِ في الحَشا ∗∗∗ ألا كَذَبُوا فالنّارُ تَذْكُو وتَخْمَدُ وما هو إلّا جَذْوَةُ مَسٍّ عُودُها ∗∗∗ نَدًى فَهي لا تَذْكُو ولا تَتَوَقَّدُ ويَكْفِي في شَرْحِ الحُبِّ لَفْظُهُ، فَإنَّهُ حاءٌ وباءٌ، والحاءُ مِن حُرُوفِ الحَلْقِ، والباءُ شَفَوِيَّةٌ، فَفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الهَوى ما لَمْ يَسْتَوْلِ عَلى قَلْبِهِ ولِسانِهِ وباطِنِهِ وظاهِرِهِ وسِرِّهِ وعَلَنِهِ لا يُقالُ لَهُ: حُبٌّ، وشَرْحُ ذاكَ يَطُولُ، وهَذِهِ مُحِبَّةُ العَبْدِ لِرَبِّهِ، وأمّا مَحَبَّةُ رَبِّهِ سُبْحانَهُ لَهُ فَمُخْتَلِفَةٌ أيْضًا، وإنْ صَدَرَتْ مِن مَحَلٍّ واحِدٍ فَتَعَلَّقَتْ بِالعَوامِّ مِن حَيْثُ الرَّحْمَةُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُمُ: اِتَّبَعُونِي بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ يَخُصَّكُمُ اللَّهُ تَعالى بِرَحْمَتِهِ، وتَعَلَّقَتْ بِالخَواصِّ مِن حَيْثُ الفَضْلُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُمُ: اِتَّبَعُونِي بِمَكارِمِ الأخْلاقِ يَخُصَّكم بِتَجَلِّي صِفاتِ الجَمالِ، وتَعَلَّقَتْ بِخَواصِّ الخَواصِّ مِن حَيْثُ الجَذْبَةُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُمُ: اِتَّبَعُونِي بِبَذْلِ الوُجُودِ يَخُصَّكم بِجَذْبِهِ لَكم إلى نَفْسِهِ، وهُناكَ يَرْتَفِعُ البَوْنُ مِنَ البَيْنِ، ويَظْهَرُ الصُّبْحُ لِذِي عَيْنَيْنِ والقَطْرَةُ مِن هَذِهِ المَحَبَّةِ تُغْنِي عَنِ الغَدِيرِ: وفِي سَكْرَةٍ مِنها ولَوْ عَمَّرَ ساعَةً ∗∗∗ تَرى الدَّهْرَ عَبْدًا طائِعًا ولَهُ الحُكْمُ ﴿ ويَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكُمْ ﴾ أيْ مَعاصِيَكُمُ الَّتِي سَلَفَتْ مِنكم عَلى خِلافِ المُتابَعَةِ ولا يُعاقِبُكم عَلَيْها، أوْ يَغْفِرُ لَكم ذُنُوبَكم بِسَتْرِ ظُلْمَةِ صِفاتِكم بِأنْوارِ صِفاتِهِ، أوْ يَغْفِرُ لَكم ذُنُوبَ وجُودِكم ويُثِيبُكم مَكانَهُ وجُودًا لا يَفْنى كَما قالَ: «“ فَإذا أحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ» الحَدِيثَ، ﴿ واللَّهُ غَفُورٌ ﴾ يُكَفِّرُ خَطاياكم ويَمْحُو ذُنُوبَ صِفاتِكم ووُجُودِكم ﴿ رَحِيمٌ ﴾ يَهَبُ لَكم عِوَضَ ذاكَ حَسَناتٍ وصِفاتٍ ووُجُودًا حَقّانِيَّةً خَيْرًا مِن ذَلِكَ.
﴿ قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ ﴾ فَإنَّ المُرِيدَ يَلْزَمُهُ مُتابَعَةُ المُرادِ ﴿ فَإنْ تَوَلَّوْا ﴾ أيْ فَإنْ أعْرَضُوا فَهم كُفّارٌ مُنْكِرُونَ مَحْجُوبُونَ ﴿ فَإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ ﴾ لِقُصُورِ اِسْتِعْدادِهِمْ عَنْ ظُهُورِ جَمالِهِ فِيهِمْ ﴿ إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا وآلَ إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِينَ ﴾ الِاصْطِفاءُ أعَمُّ مِنَ المَحَبَّةِ والخُلَّةِ فَيَشْمَلُ الأنْبِياءَ كُلَّهم وتَتَفاضَلُ فِيهِ مَراتِبُهم كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ ﴾ فَأخَصُّ المَراتِبِ هو المَحَبَّةُ، وإلَيْهِ يُشِيرُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ورَفَعَ بَعْضَهم دَرَجاتٍ ﴾ ثُمَّ الخُلَّةُ، وفي لَفْظِها إشارَةٌ إلى ذَلِكَ مِن طَرِيقِ مَخارِجِ الحُرُوفِ، وأعَمُّها الِاصْطِفاءُ، فاصْطَفى آدَمَ بِتَعْلِيمِ الصِّفاتِ وجَمْعِ اليَدَيْنِ وإسْجادِ الأكْوانِ لَهُ، ونُوحًا الَّذِي هو الأبُ الثّانِي بِتِلْكَ الأُبُوَّةِ وبِما كانَ لَهُ مَعَ قَوْمِهِ، واصْطَفى آلَ إبْراهِيمَ وهُمُ الأنْبِياءُ مِن ذُرِّيَّتِهِ بِظُهُورِ أنْوارِ تَجَلِّيهِ الخاصِّ عَلى آفاقِ وُجُودِهِمْ، وآلَ عِمْرانَ بِجَعْلِهِمْ آيَةً لِلْعالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ في الدِّينِ والحَقِيقَةِ إذِ الوِلادَةُ قِسْمانِ: صُورِيَّةٌ ومَعْنَوِيَّةٌ، وكُلُّ نَبِيٍّ تَبِعَ نَبِيًّا في التَّوْحِيدِ والمَعْرِفَةِ وما يَتَعَلَّقُ بِالباطِنِ مِن أُصُولِ الدِّينِ فَهو ولَدُهُ كَأوْلادِ المَشايِخِ والوَلَدُ سِرُّ أبِيهِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: آدَمُ هو الرُّوحُ في أوَّلِ مَقاماتِ ظُهُورِها، ونُوحٌ هو هي في مَقامِها الثّانِي مِن مَقاماتِ التَّنَزُّلِ، وإبْراهِيمُ هو القَلْبُ الَّذِي ألْقاهُ نَمْرُودُ النَّفْسِ في نِيرانِ الفِتَنِ ورَماهُ فِيها بِمَنجَنِيقِ الشَّهَواتِ، وآلُهُ القُوى الرُّوحانِيَّةِ، وعِمْرانُ هو العَقْلُ الإمامُ في بَيْتِ مَقْدِسِ البَدَنِ، وآلُهُ التّابِعُونَ لَهُ في ذَلِكَ البَيْتِ المُقْتَدُونَ بِهِ، وكُلُّ ذَلِكَ ذُرِّيَّةٌ بَعْضُها مِن بَعْضٍ لِوَحْدَةِ المَوْرِدِ واتِّفاقِ المَشْرَبِ.
﴿ إذْ قالَتِ امْرَأتُ عِمْرانَ رَبِّ إنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي مُحَرَّرًا ﴾ عَنْ رِقِّ النَّفْسِ مُخْلِصًا في عِبادَتِكَ عَنِ المَيْلِ إلى السَّوِيِّ ﴿ فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ ﴾ قالَ الواسِطِيُّ: مَحْفُوظٌ عَنْ إدْراكِ الخَلْقِ ﴿ وأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا ﴾ حَيْثُ سَقاها مِن مِياهِ القُدْرَةِ وأثْمَرَها شَجَرَةَ النُّبُوَّةِ ﴿ وكَفَّلَها زَكَرِيّا ﴾ لِطِهارَةِ سِرِّهِ، وشَبِيهُ الشَّيْءِ مُنْجَذِبٌ إلَيْهِ ﴿ كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا المِحْرابَ وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا ﴾ هو ما عَلِمْتَ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ الرِّزْقُ الرُّوحانِيُّ مِنَ المَعارِفِ والحَقائِقِ والعُلُومِ والحِكَمِ الفائِضَةِ عَلَيْها مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى إذِ الِاخْتِصاصُ بِالعِنْدِيَّةِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ أشْرَفَ مِنَ الأرْزاقِ البَدَنِيَّةِ.
وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ مِن بَعْضِ الطُّرُقِ عَنْ مُجاهِدٍ، أنَّهُ قالَ: رِزْقًا أيْ عِلْمًا، وقَدْ يُقالُ عَلى نَحْوِ الأوَّلِ لِيَتِمَّ تَطْبِيقُ ما في الآفاقِ عَلى ما في الأنْفُسِ ﴿ إذْ قالَتِ امْرَأتُ عِمْرانَ ﴾ وهي النَّفْسُ في أوَّلِ مَراتِبِ طاعَتِها لِعِمْرانَ العَقْلِ ﴿ إنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي ﴾ وهو غُلامُ القَلْبِ ﴿ مُحَرَّرًا ﴾ لَيْسَ في رِقِّ شَيْءٍ مِنَ المَخْلُوقاتِ ﴿ فَلَمّا وضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إنِّي وضَعَتْها أُنْثى ﴾ وهي نَفْسٌ أيْضًا إلّا أنَّها أكْمَلُ مِنها في المَرْتَبَةِ، والجِنْسُ يَلِدُ الجِنْسَ ﴿ واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ ﴾ لِعِلْمِهِ أنَّهُ سَيَظْهَرُ مِن هَذِهِ الأُنْثى العَجَبُ العُجابُ، وغَيْرُهُ سُبْحانَهُ تَخْفى عَلَيْهِ الأسْرارُ ﴿ وإنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ ﴾ وهي العابِدَةُ ﴿ وإنِّي أُعِيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ ﴾ وهو الشَّهَواتُ النَّفْسانِيَّةُ الحاجِبَةُ لِلنَّفْسِ القُدْسِيَّةِ عَنْ رِياضِ المَلَكُوتِ ﴿ فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ ﴾ وهو اِخْتِصاصُهُ إيّاها بِإفاضَةِ أنْوارِهِ عَلَيْها ﴿ وأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا ﴾ ورَقّاها فِيما تَكْمُلُ بِهِ نَشْأتُها تَرَقِّيًا حَسَنًا غَيْرَ مَشُوبٍ بِالعَوائِقِ والعَلائِقِ ﴿ وكَفَّلَها زَكَرِيّا ﴾ الِاسْتِعْدادَ ﴿ كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا ﴾ وتَوَجَّهَ نَحْوَها في مِحْرابِ تَعَبُّدِها المَبْنِيِّ لَها في بَيْتِ مَقْدِسِ القَلْبِ ﴿ وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا ﴾ تَتَغَذّى بِهِ الأرْواحُ في عالَمِ المَلَكُوتِ ﴿ قالَ يا مَرْيَمُ أنّى لَكِ هَذا ﴾ الرِّزْقُ العَظِيمُ ﴿ قالَتْ هُوَ ﴾ مُفاضٌ ﴿ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴾ مُنَزَّهٌ عَنِ الحَمْلِ بِيَدِ الأفْكارِ ﴿ إنَّ اللَّهَ ﴾ الجامِعَ لِصِفاتِ الجَمالِ والجَلالِ ﴿ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ ﴾ ويَفِيضُ عَلَيْهِمْ مِن عِلْمِهِ حَسَبَ قابِلِيَّتِهِمْ ﴿ بِغَيْرِ حِسابٍ ﴾ فَسُبْحانَهُ مِن إلَهٍ وجَوادٍ كَرِيمٍ وهّابٍ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال تعالى: ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ أي بعضهم على إثر بعض.
ويقال: بعضهم على دين بعض.
وَاللَّهُ سَمِيعٌ لقولهم عليم بهم وبدينهم.
ويقال: قوله وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، انصرف إلى ما بعده، أي سميع بقول امرأة عمران إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ وهي حنة أم مريم امرأة عمران بن ماثان، وذلك أنها لما حبلت، قالت: لئن نجَّانِي الله ووضعت ما في بطني لأجعلنه محرَّراً، والمحرر من لا يعمل للدنيا، ولا يتزوج، ويتفرغ لعمل الآخرة، ويلزم المحراب، فيعبد الله تعالى فيه، وهذا قول مقاتل.
وقال الكلبي: محرراً، أي خادماً لبيت المقدس، ولم يكن محرراً إلا الغلمان.
فقال لها زوجها: إن كان الذي في بطنك أنثى، والأنثى عورة، فكيف تصنعين؟
فاهتمت بذلك وقالت: يا رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ وأنت تعلم مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ السميع لدعائي العليم بنيتي، وما في بطني فَلَمَّا وَضَعَتْها أي ولدت فإذا هي أنثى قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى يعني ولدتها جارية وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ قرأ ابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر، والله أعلم بما وَضَعْتُ، بجزم العين، وضم التاء، يعني أن المرأة قالت: والله أعلم بما وَضَعْتُ، والباقون بنصب العين وسكون التاء، فيكون هذا قول الله إنه يعلم بما وضعت تلك المرأة.
ثم قال تعالى: وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى في الخدمة.
قال بعضهم: هذا قول الله لمحمد ، وليس الذكر كالأنثى يا محمد.
وقال بعضهم: هي كلمة المرأة، أنها قالت: وليس الذكر كالانثى في الخدمة.
وقال مقاتل: فيها تقديم، فكأنه يقول: قالت رب إنى وضعتها أنثى، وليس الذكر كالأنثى، والله أعلم بما وضعت، ثم قالت: وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ يعني خادم الرب بلغتهم وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ يعني أعصمها وأمنعها بك وَذُرِّيَّتَها إن كان لها ذرية مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ يعني الملعون.
ويقال: المطرود من رحمة الله.
ويقال: الرجيم بمعنى المرجوم كما قال: وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ [الملك: 5] .
حدّثنا أبو الليث، قال: حدثنا الخليل بن أحمد القاضي.
قال: حدثنا أبو العباس قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال: حدّثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن رسول الله أنه قال: «ما من مَوُلُودٍ يُولَدُ إلاَّ والشَّيْطَانُ يَنْخَسُهُ حِينَ يُولَدُ، فَيَسْتَهِلُّ صَارِخَاً مِنْ الشَّيْطَانِ، إلاَّ مَرْيَمَ وَاْبْنَها عِيسَى عَلَيْهِما السَّلامُ» ، قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ وقال الزجاج: معنى قوله إِذْ يعني إن الله اختار آل عمران، إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ: واصطفاهم، إذ قالت الملائكة.
وقال أبو عبيدة: معناه قالت امرأة عمران، وقالت الملائكة و «إذ زيادة.
وقال الأخفش: معناه واذكر إذ قالت امرأة عمران، واذكر إذ قالت الملائكة، وقال أهل اللغة: المحرر والعتيق في اللغة بمعنى واحد، ثم إن حنة لفتها في خرق، ثم وضعتها في بيت المقدس عند المحراب، فاجتمعت القراء، أي الزهاد فقال زكريا: أنا أحق بها، لأن خالتها عندي.
فقال القُرّاء: إن هذه محررة، فلو تركت لخالتها، فكانت أمها أحق بها، ولكن نتساهم، فخرجوا إلى عين سلوان، فأَلْقَوْا أقلامهم في النهر.
قال بعضهم: كانت أقلامهم من الشَّبَّة، فغابت أقلامهم في الماء، وبقي قلم زكريا على وجه الماء.
وقال بعضهم كانت أقلامهم من قَصَب، فبقيت أقلامهم على وجه الماء، وغاب قلم زكريا في الماء.
وقال بعضهم: أَلْقَوْا أَقلامهم في النهر، فسال الماء بأقلامهم إلا قلم زكريا، فإنه جرى من الجانب الأعلى، فعلموا أن الحق له، فضمّها إلى نفسه فذلك قوله تعالى: فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ أي تقبل منها نَذْرها وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً وقال مجاهد غذاها غذاء حسناً، ورباها تربية حسنة وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا قرأ حمزة وعاصم والكسائي بالتشديد، أي كفلها الله إلى زكريا.
وقرأ الباقون بالتخفيف، أي ضمها زكريا إلى نفسه، وقرأ حمزة وعاصم والكسائي في رواية حفص زكريا بغير إعراب، وجزم الألف.
وقرأ الباقون بالإعراب والمد، وهما لغتان معروفتان عند العرب، فمن قرأ كفلها بالتشديد، قرأ زكريا بنصب الألف، لأنه يصير مفعولاً، ومن قرأ كفلها بالتخفيف قرأ زكريا برفع الألف على معنى الفاعل.
وذكر في الخبر أن زكريا بنى لها محراباً في غرفة، وجعل باب الغرفة في وسط الحائط، لا يصعد إليها إلا بسلم، واستأجر ظئراً، فكان يغلق عليها الباب، وكان لا يدخل عليها أحد إلا زكريا حتى كبرت، فإذا حاضت أخرجها إلى منزله، فتكون عند خالتها، وكانت خالتها امرأة زكريا.
وهذا قول الكلبي.
وقال مقاتل: كانت أختها امرأة زكريا، وكانت إذا طهرت من حيضها، واغتسلت ردها إلى المحراب.
وقال بعضهم: كانت لا تحيض، وكانت مطهرة من الحيض، وكان زكريا إذا دخل عليها في أيام الشتاء، رأى عندها فاكهة الصيف، وإذا دخل عليها في أيام الصيف، وجد عندها فاكهة الشتاء، وكانت الحكمة في ذلك أن لا يدخل في قلب زكريا شيء من الريبة، إذا رأى الفاكهة في غير أوانها، وعلم أنه لم يدخل عليها أحد من الآدميين، فذلك قوله تعالى: كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً ويقال: المحراب في اللغة أشرف المجالس، وهو المكان العالي، وقد قيل: إن مساجدهم كانت تسمى المحاريب ف قالَ لها زكريا يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا يعني: من أين لك هذا؟
فإنه لا يدخل عليك أحد غيري فَقالَتْ مريم هُوَ أي هذا الرزق مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أي من فضل الله إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ في غير حينه.
ويقال: من حيث لا يحتسب.
<div class="verse-tafsir"
في ذلِكَ، واجعله فعلاً مقبولاً مُجَازًى به، والسَّمِيعُ: إشارة إلى دعائها، والْعَلِيمُ:
إشارة إلى نيّتها.
وقوله تعالى: فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ:
الوضْعُ: الولادةُ، وقولها: رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى: لفظ خبر في ضِمْنِهِ التحسُّر والتلهُّف، وبيَّن اللَّه ذلك بقوله: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ، وقولها: وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى، تريد في امتناع نَذْرها إِذ الأنثى تحيضُ ولا تصلُحُ لِصُحْبَة الرُّهْبَان، قاله قتادة وغيره»
، وبدأَتْ بذكْرِ الأَهَمِّ في نفْسها، وإِلاَّ فسياق قصَّتها يقتضي أنْ تقول: وليس الأنثى كالذَّكَر، وفي قولها: وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ: سنةُ تسميةِ الأطفالِ قُرْبَ الولادةِ ونحوُهُ قول النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «وُلِدَ لِي اللَّيْلَةَ مَوْلُودٌ، فَسَمَّيْتُهُ باسم أَبِي إِبْرَاهِيمَ» «٢» ، وباقي الآيةِ إعاذةٌ، قال النووي «٣» : ورُوِّينَا فِي سُنَن أبِي دَاوُدَ بإسناد جيِّدٍ، عن أبي الدرداء «٤» ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنّه
قَالَ: «إِنَّكُمْ تُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ بأسْمَائِكُمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِكُمْ، فأحْسِنُوا أسْمَاءَكُمْ» «١» .
وفي صحيح مُسْلِمٍ، عن ابن عمر، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنَّهُ قَالَ: «إِنَّ أَحَبَّ أَسْمَائِكُمْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَبْدُ اللَّهِ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ» «٢» وفي سنن أبِي دَاوُدَ والنَّسَائِيّ، وغيرِهِمَا، عن أبِي وهب الجشميّ، قال: قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «تَسَمَّوْا بِأَسْمَاءِ الأَنْبِيَاءِ، وَأَحَبُّ الأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ تعالى عبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَأَصْدَقُهَا حَارِثٌ وَهَمَّامٌ، وَأَقْبَحُهَا حَرْبٌ ومُرَّة» «٣» .
اهـ.
وفي الحديثِ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، مِنْ روايةِ أبي هُرَيْرة، قَالَ: «كُلُّ مَوْلُودٍ مِنْ بَنِي آدَمَ لَهُ طَعْنَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَبِهَا يَسْتَهِلُّ الصَّبِيُّ إِلاَّ مَا كَانَ مِنْ مريم ابنة عمران، وابنها فإنّ أمّها
قَالَتْ حِينَ وَضَعْتَها: وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ، فَضُرِبَ بَيْنَهُمَا حِجَابٌ، فَطَعَنَ الشَّيْطَانُ فِي الحَجابِ» «١» ، وَقَدِ اختلفت ألفاظُ هذا الحديثِ، والمعنى واحد كما ذكرته، قال النوويُّ: بَاب مَا يُقَالُ عنْد الولادةِ «٢» : رُوِّينَا في كتاب ابْنِ السُّنِّيِّ، عن فاطمة «٣» (رضي اللَّه عنها) «أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، لمَّا دَنَا ولاَدَهَا، أَمَر أُمَّ سَلْمَة، وَزَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ أنْ تَأْتِيَاهَا، فَتَقْرَآ عِنْدَهَا آيَةَ الكرسيّ، وإِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ ...
إلى آخر الآية،
وتُعَوِّذَانِهَا بِالمُعَوِّذَتَيْنِ» «١» .
انتهى.
وقوله تعالى: فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ: إخبار منه سبحانه لمحمّد صلّى الله عليه وسلّم بأنه رَضِيَ مَرْيَمَ لخدمة المَسْجد كما نذَرَتْ أُمُّهَا وسنى لها الأمَلَ في ذلك.
وقوله سبحانه: وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً: عبارةٌ عن حُسْن النشأة في خِلْقَةٍ وخُلُقٍ/.
ص: بِقَبُولٍ مصدر على غير الصَّدْرِ، والجاري على: تَقَبَّلَ تَقَبُّلاً، وعلى قبل قبولا، ونَباتاً: مصدرٌ منصوبٌ ب «أَنْبَتَهَا» على غير الصَّدْر.
انتهى.
وقوله تعالى: وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا معناه: ضمَّها إِلى إِنفاقه وحِضْنِهِ، والكَافِلُ: هو المربِّي، قال السُّدِّيُّ وغيره: إِنَّ زكريَّا كان زَوْجَ أختها «٢» ويعضد هذا القول قوله صلّى الله عليه وسلّم في يحيى وعيسى: «ابنا الخَالَةِ» ، والذي عليه النَّاس: أنَّ زكريَّا إنما كفَّلها بالاِستهامِ «٣» لتشاحِّهم حينئذٍ فيمَنْ يكفُلُ المحرَّر.
وقوله تعالى: كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً: المِحْرَابُ:
المَبْنَى الحَسَنُ، ومِحْرَابُ القَصْر: أشرف ما فيه ولذلك قيل لأَشْرَفِ مَا في المصلى وهو موقِفُ الإِمامِ: مِحْرَاب، ومعنى رِزْقاً، أيْ: طعاما يتغذّى به، لم يَعْهَدْهُ، ولا عَرفَ كيف جُلِبَ إليها، قال مجاهد وغيره: كان يجدُ عندها فاكهةَ الشِّتاءِ في الصَّيْفِ، وفاكهةَ الصَّيْفِ في الشتاءِ «٤» ، ونحوه عن ابن عَبَّاس إِلاَّ أنه قال: ثِمَار الجَنَّة «٥» ، وقوله: أَنَّى:
معناه: كَيْفَ، ومِنْ أَيْنَ، وقولها: مِنْ عِنْدِ اللَّهِ دليلٌ على أنه ليس مِنْ جَلْب بَشَرٍ، قال الزَّجَّاج.
وهذا من الآية الَّتي قال اللَّه تعالى: وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ [الأنبياء: ٩١] وقولها: إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ: تقرير لكون ذلك الرزْقِ من عند اللَّه، وذهب الطَّبَرِيُّ إِلى أنَّ ذلك ليس من قولِ مرْيَمَ، وأنَّه خبر من الله تعالى لمحمّد صلّى الله عليه وسلّم، والله
سبحانه لا تنتقصُ خزائنه، فليس يَحْسُبُ ما خرج منها، وقد يُعَبَّر بهذه العبارة عن المُكْثِرِينَ مِنَ النَّاسِ أنهم ينفقون بغَيْرِ حِسَابٍ، وذلك مجازٌ وتشبيهٌ، والحقيقةُ هي فيما ينتفقُ من خزائنِ اللَّه سبحانه، قال الشيخُ ابْنُ أبي جَمْرَةَ (رضي اللَّه عنه) : وقد قال العلماءُ في معنى قوله عزَّ وجلَّ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ: إِنه الفتوحُ، إِذا كان على وجهه.
اهـ، ذكر هذا عند شرحه لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «لَوْ دُعِيْتُ إلى ذِرَاعٍ أَوْ كُرَاعٍ، لأَجَبْتُ» .
«١»
وقوله تعالى: هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ ...
الآية: هُنَالِكَ في كلامِ العربِ: إِشارةٌ إِلى مكانٍ أو زمانٍ فيه بُعْدٌ، ومعنى هذه الآية: إِنَّ في الوقْتِ الذي رأى زكريَّاء رزْقَ اللَّهِ لمَرْيَمَ ومكانَتَها مِنَ اللَّه، وفَكَّر في أنَّها جاءَتْ أُمَّها بَعْدَ أَنْ أَسَنَّتْ، وأن اللَّه تعالى تقَبَّلها، وجعَلَها من الصالحاتِ، تحرَّك أملُهُ لطَلَبِ الولدِ، وقَوِيَ رجاؤه، وذلك منْه على حالِ سِنٍّ وَوَهْنِ عَظْمٍ، واشتعال شَيْب، فدعا ربَّه أنْ يَهَبَ له ذريَّةً طيِّبَةً يرثه، والذُّرِّيَّةُ: اسم جنسٍ، يقع على واحد فصاعدًا كما أن الوَلَدَ: اسمُ جنسٍ كذلك، وطَيِّبة: معناه: سَلِيمَة في الخَلْق والدِّين، تَقِيَّة، ثم قال تعالى: فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ [آل عمران: ٣٩] ، وترك محذوف كثير
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ ﴾ قَرَأ مُجاهِدٌ (فَتَقَبَّلَها) بِسُكُونِ اللّامِ (رَبَّها) بِنَصْبِ الباءِ (وَأنْبَتَها) بِكَسْرِ الباءِ وسُكُونِ التّاءِ عَلى مَعْنى الدُّعاءِ.
قالَ الزَّجّاجُ: الأصْلُ في العَرَبِيَّةِ: فَتَقَبَّلَها بِتَقَبُّلٍ حَسَنٍ، ولَكِنَّ "قَبُولٌ" مَحْمُولٌ عَلى قَبِلَها قَبُولًا يُقالُ: قَبِلْتُ الشَّيْءَ قَبُولًا، ويَجُوزُ قُبُولًا: إذا رَضِيتُهُ.
﴿ وَأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا ﴾ أيْ: جَعَلَ نُشُوءَها نُشُوءًا حَسَنًا، وجاءَ "نَباتًا" عَلى غَيْرِ لَفْظِ أنْبَتَ، عَلى مَعْنى: نَبَتَتْ نَباتًا حَسَنًا.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لَمّا كانَ "أنْبَتَ" يَدُلُّ عَلى "نَبَتَ" حُمِلَ الفِعْلُ عَلى المَعْنى، فَكَأنَّهُ قالَ: وأنْبَتَها، فَنَبَتَتْ هي نَباتًا حَسَنًا.
قالَ امْرُؤُ القَيْسَ: فَصِرْنا إلى الحُسْنى ورَقَّ كَلامُنا ورَضَّتْ فَذَلَّتْ صَعْبَةً أيَّ إذْلالِ أرادَ: أيُّ رِياضَةٍ: فَلَمّا دَلَّ "رَضَّتْ" عَلى "أذْلَلْتُ" حَمَلَهُ عَلى المَعْنى.
ولِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْنى النَّباتِ الحَسَنِ، قَوْلانِ أحَدُهُما: أنَّهُ كَمالُ النُّشُوءِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَتْ تَنْبُتُ في اليَوْمِ ما يَنْبُتُ المَوْلُودُ في عامٍ، والثّانِي: أنَّهُ تَرَكَ الخَطايا، قالَ قَتادَةُ: حَدَّثَنا أنَّها كانَتْ لا تُصِيبُ الذُّنُوبَ، كَما يُصِيبُ بَنُو آَدَمَ.
قَوْلُهُ تَعالى: (وَكَفَلَها) قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "وَكَفَلَها" بِفَتْحِ الفاءِ خَفِيفَةً، و"زَكَرِيّاءُ" مَرْفُوعٌ مَمْدُودٌ.
ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: تَشْدِيدُ الفاءِ، ونَصَبَ "زَكَرِيّاءَ"، وكانَ يَمُدُّ "زَكَرِيّاءَ" في كُلِّ القُرْآَنِ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ.
ورَوى حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: تَشْدِيدُ الفاءِ و"زَكَرِيّا" مَقْصُورٌ في كُلِّ القُرْآَنِ.
وكانَ حَمْزَةَ والكِسائِيُّ يُشَدِّدانِ و"كَفَلَها"، ويُقْصِرانِ "زَكَرِيّا" في كُلِّ القُرْآَنِ.
فَأمّا "زَكَرِيّا" فَقالَ الفَرّاءُ: فِيهِ ثَلاثُ لُغاتٍ.
أهْلُ الحِجازِ يَقُولُونَ: هَذا زَكَرِيّا قَدْ جاءَ، مَقْصُورٌ، وزَكَرِيّاءُ، مَمْدُودٌ، وأهْلُ نَجْدٍ يَقُولُونَ: زَكَرِي، فَيُجْرُونَهُ، ويُلْقُونَ الألِفَ.
وقَرَأتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ، عَنِ ابْنِ دُرَيْدٍ، قالَ: زَكَرِيّا اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، يُقالُ: زَكَرِيُّ، وزَكَرِيّاءُ مَمْدُودٌ، وزَكَرِيّا مَقْصُورٌ، وقالَ غَيْرُهُ: وزَكَرِي بِتَخْفِيفِ الياءِ، فَمَن قالَ: زَكَرِيّاءُ بِالمَدِّ، قالَ في التَّثَنِّيهِ: زَكَرِيّاوانِ، وفي الجَمْعِ زَكَرِيّاوُونَ، ومَن قالَ: زَكَرِيّا بِالقَصْرِ، قالَ في التَّثَنِّيهِ زَكَرِيّانِ، كَما تَقُولُ: مَدَنِيّانِ، ومَن قالَ: زَكَرِي بِتَخْفِيفِ الياءِ، قالَ في التَّثْنِيَةِ: زَكَرِيانِ الياءُ خَفِيفَةٌ، وفي الجَمْعِ: زَكَرُونَ بِطَرْحِ الياءِ.
الإشارَةُ إلى كَفالَةِ زَكَرِيّا مَرْيَمَ قالَ السُّدِّيُّ: انْطَلَقَتْ بِها أمُّها في خَرْقِها، وكانُوا يَقْتَرِعُونَ عَلى الَّذِينَ يُؤْتُونَ بِهِمْ، فَقالَ زَكَرِيّا وهو نَبِيُّهم يَوْمَئِذٍ: أنا أحَقُّكم بِها، عِنْدِي أُخْتُها، فَأبَوْا، وخَرَجُوا إلى نَهْرِ الأُرْدُنِ، فَألْقَوْا أقْلامَهُمُ الَّتِي يَكْتُبُونَ بِها، فَجَرَتِ الأقْلامُ، وثَبَتَ قَلَمُ زَكَرِيّا، فَكَفَلَها.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانُوا سَبْعَةً وعِشْرِينَ رَجُلًا، فَقالُوا: نَطْرَحُ أقْلامَنا، فَمَن صَعَّدَ قَلَمَهُ مُغالِبًا لِلْجَرْيَةِ فَهو أحَقُّ بِها، فَصَعِدَ قَلَمُزَكَرِيّا، فَعَلى هَذا القَوْلِ كانَتْ غَلَبَةُ زَكَرِيّا بِمُصاعَدَةِ قَلَمِهِ، وعَلى قَوْلِ السُّدِّيُّ بِوُقُوفِهِ في جَرَيانِ الماءِ وقالَ مُقاتِلٌ: كانَ يُغْلِقُ عَلَيْها البابَ، ومَعَهُ المِفْتاحُ، لا يَأْمَنُ عَلَيْهِ أحَدًا، وكانَتْ إذا حاضَتْ، أخْرَجَها إلى مَنزِلِهِ تَكُونُ مَعَ أُخْتِها أمِّ يَحْيى، فَإذا طَهُرَتْ، رَدَّها إلى بَيْتِ المَقْدِسِ.
والأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ كَفَلَها مُنْذُ كانَتْ طِفْلَةً بِالقُرْعَةِ.
وقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ كَفَلَها عِنْدَ طُفُولَتِها بِغَيْرِ قُرْعَةٍ، لِأجْلِ أنْ أمَّها ماتَتْ، وكانَتْ خالَتُها عِنْدَهُ، فَلَمّا بَلَغَتْ، أدْخَلُوها الكَنِيسَةَ لِنَذْرِ أُمِّها، وإنَّما كانَ الِاقْتِراعُ بَعْدَ ذَلِكَ بِمُدَّةٍ، لِأجْلِ سَنَةٍ أصابَتْهم.
فَقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: كَفَلَها زَكَرِيّا إلى أنْ أصابَتِ النّاسَ سَنَةٌ، فَشَكا زَكَرِيّا إلى بَنِي إسْرائِيلَ ضِيقَ يَدِهِ، فَقالُوا: ونَحْنُ أيْضًا كَذَلِكَ، فَجَعَلُوا يَتَدافَعُونَها حَتّى اقْتَرَعُوا، فَخَرَجَ السَّهْمُ عَلى جُرَيْجٍ النَّجّارِ، وكانَ فَقِيرًا، وكانَ يَأْتِيها بِاليَسِيرِ، فَيُنَمّى، فَدَخَلَ زَكَرِيّا، فَقالَ: ما هَذا؟
عَلى قَدْرِ نَفَقَةٍ جُرَيْجٍ؟
فَمِن أيْنَ هَذا؟
قالَتْ: هو مِن عِنْدِ اللَّهِ.
والصَّحِيحُ ما عَلَيْهِ الأكْثَرُونَ، وأنَّ القَوْمَ تَشاحُّوا عَلى كَفالَتِها، لِأنَّها كانَتْ بِنْتَ سَيِّدِهِمْ وإمامِهِمْ عِمْرانَ، كَذَلِكَ قالَ قَتادَةُ في آَخَرِينَ، وأنَّ زَكَرِيّا ظَهَرَ عَلَيْهِمْ بِالقُرْعَةِ مُنْذُ طُفُولَتِها.
فَأمّا المِحْرابُ، فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المِحْرابُ سَيِّدُ المَجالِسِ، ومُقَدِّمُها، وأشْرَفُها، وكَذَلِكَ هو مِنَ المَسْجِدِ.
وقالَ الأصْمَعِيُّ: المِحْرابُ هاهُنا: الغُرْفَةُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: المِحْرابُ في اللُّغَةِ: المَوْضِعُ العالِي الشَّرِيفُ.
قالَ الشّاعِرُ: رَبَّةُ مِحْرابٍ إذا جِئْتَها ∗∗∗ لَمْ ألْقَها أوْ أرْتَقِي سُلَّمًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقًا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ثِمارُ الجَنَّةِ، فاكِهَةُ الصَّيْفِ في الشِّتاءِ، وفاكِهَةُ الشِّتاءِ في الصَّيْفِ، وهَذا قَوْلُ الجَماعَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنّى لَكِ هَذا ﴾ أيْ: مَن أيْنَ؟
قالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: كانَ زَكَرِيّا إذا خَرَجَ، أغْلَقَ عَلَيْها سَبْعَةَ أبْوابٍ، فَإذا دَخَلَ وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا.
وقالَ الحَسَنُ: لَمْ تَرْتَضِعْ ثَدْيًا قَطُّ، وكانَ يَأْتِيها رِزْقُها مِنَ الجَنَّةِ، فَيَقُولُ زَكَرِيّا: أنّى لَكِ هَذا؟
فَتَقُولُ: هو مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَتَكَلَّمَتْ وهي صَغِيرَةٌ.
وزَعَمَ مُقاتِلٌ أنَّ زَكَرِيّا اسْتَأْجَرَ لَها ظِئْرًا، وعَلى ما ذَكَرْنا عَنِ ابْنِ إسْحاقَ يَكُونُ قَوْلُهُ لَها: أنّى لَكِ هَذا؟
لِاسْتِكْثارِ ما يَرى عِنْدَها.
وما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ أصَحُّ.
والحِسابُ في اللُّغَةِ: التَّقْتِيرُ والتَّضْيِيقُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَلَمّا وضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إنِّي وضَعَتْها أُنْثى واللهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ ولَيْسَ الذَكَرُ كالأُنْثى وإنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وإنِّي أُعِيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَيْطانِ الرَجِيمِ ﴾ ﴿ فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا وكَفَّلَها زَكَرِيّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا المِحْرابَ وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا قالَ يا مَرْيَمُ أنّى لَكِ هَذا قالَتْ هو مِن عِنْدِ اللهِ إنَّ اللهِ يَرْزُقُ مِن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ خِطابٌ مِنَ اللهِ تَعالى لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ، والوَضْعُ: الوِلادَةُ، وأنَّثَ الضَمِيرَ في "وَضَعَتْها" حَمْلًا عَلى المَوْجُودَةِ ورَفْعًا لِلَفْظِ "ما" الَّتِي في قَوْلِها: ﴿ ما في بَطْنِي ﴾ وقَوْلُها: ﴿ رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى ﴾ لَفْظُ خَبَرٍ في ضِمْنِهِ التَحَسُّرُ والتَلَهُّفُ، وبَيَّنَ اللهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ واللهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ ﴾ .
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "وَضَعَتْ" بِفَتْحِ العَيْنِ وإسْكانِ التاءِ - وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: "وَضَعْتُ" - بِضَمِّ التاءِ وإسْكانِ العَيْنِ - وهَذا أيْضًا مَخْرَجُ قَوْلِها: "رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى" مِن مَعْنى الخَبَرِ إلى مَعْنى التَلَهُّفِ، وإنَّما تَلَهَّفَتْ لِأنَّهم كانُوا لا يُحَرِّرُونَ الإناثَ لِخِدْمَةِ الكَنائِسِ ولا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ، وكانَتْ قَدْ رَجَتْ أنْ يَكُونَ ما في بَطْنِها ذَكَرًا، فَلَمّا وضَعَتْ أُنْثى تَلَهَّفَتْ عَلى فَوْتِ الأمَلِ وأفْزَعَها أنْ نَذَرَتْ ما لا يَجُوزُ نَذْرُهُ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ "وَضَعْتِ" - بِكَسْرِ التاءِ - عَلى الخِطابِ مِنَ اللهِ لَها.
وقَوْلُها: "وَلَيْسَ الذَكَرُ كالأُنْثى" تُرِيدُ في امْتِناعِ نَذْرِهِ، إذِ الأُنْثى تَحِيضُ ولا تَصْلُحُ لِصُحْبَةِ الرُهْبانِ، قالَهُ قَتادَةُ والرَبِيعُ والسُدِّيُّ وعِكْرِمَةُ وغَيْرُهُمْ، وبَدَأتْ بِذِكْرِ الأهَمِّ في نَفْسِها، وإلّا فَسِياقُ قِصَّتِها يَقْتَضِي أنْ تَقُولَ: ولَيْسَتِ الأُنْثى كالذَكَرِ، فَتَضَعَ حَرْفَ النَفْيِ مَعَ الشَيْءِ الَّذِي عِنْدَها وانْتَفَتْ عنهُ صِفاتُ الكَمالِ لِلْغَرَضِ المُرادِ.
وفِي قَوْلِها ﴿ وَإنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ ﴾ سُنَّةُ تَسْمِيَةِ الأطْفالِ قُرْبَ الوِلادَةِ ونَحْوُهُ قَوْلُ النَبِيِّ : « "وُلِدَ لِيَ اللَيْلَةَ مَوْلُودٌ فَسَمَّيْتُهُ بِاسْمِ أبِي إبْراهِيمَ".» وقَدْ رُوِيَ عنهُ عَلَيْهِ السَلامُ « "أنَّ ذَلِكَ في يَوْمِ السابِعِ يُعَقُّ عَنِ المَوْلُودِ ويُسَمّى"» قالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ: "وَمَن ماتَ ولَدُهُ قَبْلَ السابِعِ فَلا عَقِيقَةَ عَلَيْهِ ولا تَسْمِيَةَ" قالَ ابْنُ حَبِيبٍ: "أحَبُّ إلَيَّ أنْ يُسَمّى، وأنْ يُسَمّى السَقْطُ لِما رُوِيَ مِن رَجاءِ شَفاعَتِهِ".
ومَرْيَمُ لا يَنْصَرِفُ لِعُجْمَتِهِ وتَعْرِيفِهِ وتَأْنِيثِهِ.
وباقِي الآيَةِ إعادَةٌ، ووَرَدَ في الحَدِيثِ عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ مِن رِوايَةِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: « "كُلُّ مَوْلُودٍ مِن بَنِي آدَمَ لَهُ طَعْنَةٌ مِنَ الشَيْطانِ وبِها يَسْتَهِلُّ، إلّا ما كانَ مِن مَرْيَمَ ابْنَةِ عِمْرانَ وابْنِها، فَإنَّ أُمَّها قالَتْ حِينَ وضَعَتْها: ﴿ وَإنِّي أُعِيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَيْطانِ الرَجِيمِ ﴾ فَضُرِبَ بَيْنَهُما حِجابٌ فَطَعَنَ الشَيْطانُ في الحِجابِ» وقَدِ اخْتَلَفَتْ ألْفاظُ الحَدِيثِ مِن طُرُقٍ، والمَعْنى واحِدٌ كَما ذَكَرْتُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَتَقَبَّلَها ﴾ إخْبارٌ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ بِأنَّ اللهَ رَضِيَ مَرْيَمَ لِخِدْمَةِ المَسْجِدِ كَما نَذَرَتْ أُمُّها وسَنّى لَها الأمَلَ في ذَلِكَ، والمَعْنى يَقْتَضِي أنَّ اللهَ أوحى إلى زَكَرِيّا ومَن كانَ هُنالِكَ بِأنَّهُ تَقَبَّلَها، ولِذَلِكَ جَعَلُوها كَما نَذَرَتْ.
وقَوْلُهُ "بِقَبُولٍ" مَصْدَرٌ جاءَ عَلى غَيْرِ المَصْدَرِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: "نَباتًا" بَعْدَ أنْبَتَ.
وقَوْلُهُ ﴿ وَأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا ﴾ ، عِبارَةٌ عن حُسْنِ النَشْأةِ وسُرْعَةِ الجَوْدَةِ فِيها في خِلْقَةٍ وخُلُقٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَفَّلَها زَكَرِيّا ﴾ مَعْناهُ: ضَمَّها إلى إنْفاقِهِ وحِضْنِهِ، والكافِلُ هو المُرَبِّي الحاضِنُ، قالَ ابْنُ إسْحاقَ: إنَّ زَكَرِيّا كانَ زَوْجَ خالَتِها، لِأنَّهُ وعِمْرانَ كانا سِلْفَيْنِ عَلى أُخْتَيْنِ، ولَدَتِ امْرَأةُ زَكَرِيّا يَحْيى، ووَلَدَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ مَرْيَمَ، وقالَ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ: إنَّ زَكَرِيّاءَ كانَ زَوْجَ ابْنَةٍ أُخْرى لِعِمْرانَ، ويُعَضِّدُ هَذا القَوْلَ «قَوْلُ النَبِيِّ في يَحْيى وعِيسى: "ابْنا الخالَةِ"» قالَ مَكِّيٌّ: وهو زَكَرِيّا بْنُ آذَنَ.
وذَكَرَ قَتادَةُ وغَيْرُ واحِدٍ مِن أهْلِ العِلْمِ أنَّهم كانُوا في ذَلِكَ الزَمانِ يَتَشاحُّونَ في المُحَرَّرِ عِنْدَ مَن يَكُونُ مِنَ القائِمِينَ بِأمْرِ المَسْجِدِ فَيَتَساهَمُونَ عَلَيْهِ، وأنَّهم فَعَلُوا في مَرْيَمَ ذَلِكَ، فَرُوِيَ أنَّهم ألْقَوْا أقْلامَهُمُ الَّتِي كانُوا يَكْتُبُونَ بِها التَوْراةَ في النَهْرِ، وقِيلَ: أقْلامًا بَرَوْها مِن عُودٍ كالسِهامِ والقِداحِ، وقِيلَ: عِصِيًّا لَهُمْ، وهَذِهِ كُلُّها تُقَلَّمُ، ورُوِيَ أنَّهم ألْقَوْا ذَلِكَ في نَهْرِ الأُرْدُنِّ، ورُوِيَ أنَّهم ألْقَوْهُ في عَيْنٍ.
ورُوِيَ أنَّ قَلَمَ زَكَرِيّا صاعَدَ الجَرْيَةَ ومَضَتْ أقْلامُ الآخَرِينَ مَعَ الماءِ في جَرْيَتِهِ.
ورُوِيَ أنَّ أقْلامَ القَوْمِ عامَتْ عَلى الماءِ مَعْرُوضَةً كَما تَفْعَلُ العِيدانُ وبَقِيَ قَلَمُ زَكَرِيّا مُرْتَزًّا واقِفًا كَأنَّما رُكِزَ في طِينٍ، فَكَفَّلَها زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَلامُ بِهَذا الِاسْتِهامِ، وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ أنَّها لَمّا تَرَعْرَعَتْ أصابَتْ بَنِي إسْرائِيلَ مَجاعَةٌ فَقالَ لَهم زَكَرِيّا: إنِّي قَدْ عَجَزْتُ عن إنْفاقِ مَرْيَمَ فاقْتَرِعُوا عَلى مَن يَكْفُلُها، فَفَعَلُوا، فَخَرَجَ السَهْمُ عَلى رَجُلٍ يُقالُ لَهُ جُرَيْجٌ، فَجَعَلَ يُنْفِقُ عَلَيْها، وحِينَئِذٍ كانَ زَكَرِيّا يَدْخُلُ عَلَيْها المِحْرابَ عِنْدَ جُرَيْجٍ فَيَجِدُ عِنْدَها الرِزْقَ.
وهَذا اسْتِهامٌ غَيْرُ الأوَّلِ، هَذا المُرادُ مِنهُ دَفْعُها، والأوَّلُ المُرادُ مِنهُ أخْذُها.
ومُضَمَّنُ هَذِهِ الرِوايَةِ أنَّ زَكَرِيّا كَفَّلَها مِن لَدُنِ طُفُولَتِها دُونَ اسْتِهامٍ، لَكِنْ لِأنَّ أُمَّها هَلَكَتْ، وقَدْ كانَ أبُوها هَلَكَ وهي في بَطْنِ أُمِّها، فَضَمَّها زَكَرِيّا إلى نَفْسِهِ لِقَرابَتِها مِنِ امْرَأتِهِ، وهَكَذا قالَ ابْنُ إسْحاقَ.
والَّذِي عَلَيْهِ الناسُ أنَّ زَكَرِيّا إنَّما كَفَّلَ بِالِاسْتِهامِ لِتَشاحِّهِمْ حِينَئِذٍ فِيمَن يَكْفُلُ المُحَرَّرَ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ: "وَكَفَلَها" - مَفْتُوحَةَ الفاءِ خَفِيفَةً "زَكَرِيّاءُ" مَرْفُوعًا مَمْدُودًا، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: و"كَفَّلَها" - مُشَدَّدَةَ الفاءِ، "زَكَرِيّاءَ" مَمْدُودًا مَنصُوبًا في جَمِيعِ القُرْآنِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ: و"كَفَّلَها" - مُشَدَّدَةَ الفاءِ مَفْتُوحَةً، "زَكَرِيّا" مَقْصُورًا في جَمِيعِ القُرْآنِ، وفي رِوايَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: و"أكْفَلَها زَكَرِيّاءَ" - بِفَتْحِ الفاءِ - عَلى التَعْدِيَةِ بِالهَمْزَةِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "فَتَقَبَّلْها" - بِسُكُونِ اللامِ - عَلى الدُعاءِ "رَبَّها" بِنَصْبِ الباءِ عَلى النِداءِ و"أنْبِتْها" - بِكَسْرِ الباءِ - عَلى الدُعاءِ، و"كَفِّلْها" - بِكَسْرِ الفاءِ وشَدِّها - عَلى الدُعاءِ "زَكَرِيّاءَ" مَنصُوبًا مَمْدُودًا، ورُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ كَثِيرٍ، وأبِي عَبْدِ اللهِ المُزْنِيِّ، "وَكَفِلَها" - بِكَسْرِ الفاءِ خَفِيفَةً - وهي لُغَةٌ يُقالُ: كَفِلَ يَكْفُلُ- بِضَمِّ العَيْنِ في المُضارِعِ، وكَفِلَ-بِكَسْرِ العَيْنِ- يَكْفَلُ- بِفَتْحِها- في المُضارِعِ.
"زَكَرِيّا": اسْمٌ أعْجَمِيٌّ يُمَدُّ ويُقْصَرُ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: لَمّا عُرِّبَ صادَفَ العَرَبِيَّةَ في بِنائِهِ فَهو كالهَيْجاءِ تُمَدُّ وتُقْصَرُ.
قالَ الزَجّاجُ: فَأمّا تَرْكُ صَرْفِهِ فَلِأنَّ فِيهِ في المَدِّ ألِفَيْ تَأْنِيثٍ وفي القَصْرِ ألِفَ تَأْنِيثٍ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: ألِفُ زَكَرِيّا ألِفُ تَأْنِيثٍ ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ألِفَ إلْحاقٍ، لِأنَّهُ لَيْسَ في الأُصُولِ شَيْءٌ عَلى وزْنِهِ، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُنْقَلِبَةً، ويُقالُ في لُغَةٍ: زَكَرِيٌّ مُنَوَّنٌ مُعَرَّبٌ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: هاتانِ ياءُ نَسَبٍ ولَوْ كانَتا اللَتَيْنِ في زَكَرِيّا لَوَجَبَ ألّا يَنْصَرِفَ الِاسْمُ لِلْعُجْمَةِ والتَعْرِيفِ، وإنَّما حُذِفَتْ تِلْكَ وجُلِبَتْ ياءُ النَسَبِ.
وحَكى أبُو حاتِمٍ زَكَرِيُّ بِغَيْرِ صَرْفٍ وهو غَلَطٌ عِنْدَ النُحاةِ، ذَكَرَهُ مَكِّيٌّ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: "كُلَّما" ظَرْفٌ، والعامِلُ فِيهِ "وَجَدَ"، والمِحْرابُ: المَبْنى الحَسَنُ كالغُرَفِ والعَلالِيِّ ونَحْوِهِ، ومِحْرابُ القَصْرِ أشْرَفُ ما فِيهِ، ولِذَلِكَ قِيلَ لِأشْرَفِ ما في المُصَلّى - وهو مَوْقِفُ الإمامِ-: مِحْرابٌ، وقالَ الشاعِرُ: رَبَّةُ مِحْرابٍ إذا جِئْتُها ∗∗∗ لَمْ ألْقَها أو أرْتَقِي سُلَّما ومِثْلُ قَوْلِ الآخَرِ: كَدُمى العاجِ في المَحارِيبِ أو كالـ ∗∗∗ ∗∗∗ بَيْضِ في الرَوْضِ زَهْرُهُ مُسْتَنِيرُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقًا ﴾ مَعْناهُ: طَعامًا تَتَغَذّى بِهِ ما لَمْ يَعْهَدْهُ ولا عَرَفَ كَيْفَ جُلِبَ إلَيْها، وكانَتْ- فِيما ذَكَرَ الرَبِيعُ- تَحْتَ سَبْعَةِ أبْوابٍ مُغْلَقَةٍ، وحَكى مَكِّيٌّ أنَّها كانَتْ في غُرْفَةٍ يُطْلَعُ إلَيْها بِسُلَّمٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وجَدَ عِنْدَها عِنَبًا في مِكْتَلٍ في غَيْرِ حِينِهِ، وقالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ، وقالَ الضَحّاكُ ومُجاهِدٌ أيْضًا وقَتادَةُ: كانَ يَجِدُ عِنْدَها فاكِهَةَ الشِتاءِ في الصَيْفِ، وفاكِهَةَ الصَيْفِ في الشِتاءِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ يَجِدُ عِنْدَها ثِمارَ الجَنَّةِ: فاكِهَةَ الصَيْفِ في الشِتاءِ وفاكِهَةَ الشِتاءِ في الصَيْفِ، وقالَ الحَسَنُ: كانَ يَجِدُ عِنْدَها رِزْقًا مِنَ السَماءِ لَيْسَ عِنْدَ الناسِ، ولَوْ أنَّهُ عَلِمَ أنَّ ذَلِكَ الرِزْقَ مِن عِنْدِهِ لَمْ يَسْألْها عنهُ؛ وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: هَذا الدُخُولُ الَّذِي ذَكَرَ اللهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿ كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها ﴾ إنَّما هو دُخُولُ زَكَرِيّا عَلَيْها وهي في كَفالَةِ جُرَيْجٍ أخِيرًا، وذَلِكَ أنَّ جُرَيْجًا كانَ يَأْتِيها بِطَعامِها فَيُنَمِّيهِ اللهُ ويُكَثِّرُهُ، حَتّى إذا دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا عَجِبَ مِن كَثْرَتِهِ فَقالَ: ﴿ يا مَرْيَمُ أنّى لَكِ هَذا ﴾ والَّذِي عَلَيْهِ الناسُ أقْوى مِمّا ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحاقَ.
وقَوْلُهُ "أنّى" مَعْناهُ: كَيْفَ؟
ومِن أيْنَ؟
وقَوْلُها: ﴿ هُوَ مِن عِنْدِ اللهِ ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَيْسَ مِن جَلْبِ بَشَرٍ، وهَكَذا تَلَقّى زَكَرِيّا المَعْنى، وإلّا فَلَيْسَ كانَ يَقْنَعُ بِهَذا الجَوابِ.
قالَ الزَجّاجُ: وهَذا مِنَ الآيَةِ الَّتِي قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْناها وابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ ﴾ ورُوِيَ أنَّها لَمْ تَلْقَمْ ثَدْيًا قَطُّ.
وقَوْلُها: ﴿ إنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ﴾ تَقْرِيرٌ لِكَوْنِ ذَلِكَ الرِزْقِ مِن عِنْدِ اللهِ.
وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِن قَوْلِ مَرْيَمَ وأنَّهُ خَبَرٌ مِنَ اللهِ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ، واللهُ تَعالى لا تَنْتَقِصُ خَزائِنُهُ، فَلَيْسَ يَحْسِبُ ما يَخْرُجُ مِنها، وقَدْ يُعَبَّرُ بِهَذِهِ العِبارَةِ عَنِ المُكْثِرِينَ مِنَ الناسِ أنَّهم يُنْفِقُونَ بِغَيْرِ حِسابٍ، وذَلِكَ مَجازٌ وتَشْبِيهٌ، والحَقِيقَةُ هي فِيما يَنْتَفِقُ مِن خَزائِنِ اللهِ تَعالى.
<div class="verse-tafsir"
تفريع على الدعاء مؤذن بسرعة الإجابة، وضمائر النصب لمريم.
ومعنى تقبلها: تقبل تحريرها لخدمة بيت المقدس، أي أقام الله مريم مقام منقطع لله تعالى، ولم يكن ذلك مشروعاً من قبل.
وقوله: بقبول حسنفَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا} الباء فيه للتأكيد، وأصل نظم الكلام: فتقبّلها قبولاً حسناً، فأدخلت الباء على المفعول المطلق ليصير كالآلَة للتقبل فكأنه شيء ثاننٍ، وهذا إظهار للعناية بها في هذا القبول، وقد عرف هذا القبول بوحي من الله إلى زكرياء بذلك، وأمره بأن يكفلها زكرياء أعظم أحبارهم، وأن يوحى إليه بإقامتها بعد ذلك لخدمة المسجد، ولم يكن ذلك للنساء قبلها، وكل هذا إرهاصٌ بأنه سيكون منها رسول ناسخ لأحكام كثيرة من التوراة؛ لأنّ خدمة النساء للمسجد المقدّس لم تكن مشروعة.
ومعنى: ﴿ وأنبتها نباتاً حسناً ﴾ : أنشأها إنشاء صالحاً، وذلك في الخلق ونزاهة الباطن، فشبه إنشاؤها وشبابها بإنبات النبات الغضّ على طريق الاستعارة، (ونبات) مفعول مطلق لأنبَت وهو مصدر نبت وإنما أجري على أنبت للتخفيف.
﴿ وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ﴾ .
عُدَّ هذا في فضائل مريم، لأنه من جملة ما يزيد فضلها لأنّ أبا التربية يكسب خلقه وصلاحه مُربّاه.
وزكرياء كاهن إسرائيلي اسمه زكرياء من بني أَبِيَّا بن باكر بن بنيامين من كَهَنة اليهود، جاءته النبوءة في كبره وهو ثاني من اسمه زكرياء من أنبياء بني إسرائيل وكان متزوجاً امرأةً من ذرية هارون اسمها (اليصابات) وكانت امرأته نسيبَة مريم كما في إنجيل لوقا قيل: كانت أختها والصحيح أنّها كانت خالتها، أو من قرابة أمها، ولما ولدت مريم كان أبوها قد مات فتنازع كفالتها جماعة من أحْبار بني إسرائيل حرصاً.
على كفالة بنت حبرهم الكبير، واقترعوا على ذلك كما يأتي، فطارت القرعة لزكرياء، والظاهر أنّ جعل كفالتها للأحبار لأنّها محررة لخدمة المسجد فيلزم أن تربّى تربيَةً صالحة لذلك.
وقرأ الجمهور: ﴿ وكَفَلها زكرياءُ ﴾ بتخفيف الفاء من كفَلها أي تولَّى كفالتها، وقرأ حمزة، وعاصم، والكسائي، وخلف: وكَفّلها بتشديد الفاء أي أنّ الله جعل زكرياء كافلاً لها، وقرأ الجمهور زكرياء بهمزة في آخره، ممدوداً وبرفع الهمزة.
وقرأه حمزة، والكسائي وحفص عن عاصم، وخلفٌ: بالقصر، وقرأه أبو بكر عن عاصم: بالهمز في آخره ونصب الهمزة.
﴿ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا المحراب وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ يامريم أنى لَكِ هذا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ الله إنَّ الله يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ .
دل قوله: ﴿ كلما دخل عليها زكرياء المحراب وجد عندها رزقاً ﴾ على كلام محذوف، أي فكانت مريم ملازِمة لخدمة بيت المقدس، وكانت تتعبد بمكان تتخذه بها مِحراباً، وكان زكرياء يتعهد تعبدها فيرى كرامةً لها أنّ عندها ثِماراً في غير وقت وجود صنفها.
و ﴿ كلّما ﴾ مركّبة من (كُلَ) الذي هو اسم لعموم ما يضاف هو إليه، ومن (مَا) الظرفية وصلتِها المقدّرةِ بالمصدر، والتّقدير: كلّ وقتتِ دُخوللِ زَكرياء عليها وجد عندها رزقاً.
وانتصب كل على النيابة عن المفعول فيه، وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ كلما رزقوا منها من ثمرة رزقاً قالوا هذا الذي رزقنا من قبل ﴾ في سورة [البقرة: 25].
فجملة وجد عندها رزقاً حال من زكرياء في قوله ﴿ وكفَلها زكرياء ﴾ [آل عمران: 36].
ولك أن تجعل جملة ﴿ وجد عندها رزقاً ﴾ بدلَ اشتمال من جملة ﴿ وكفّلها زكريّاء ﴾ .
والمحراب بناء يتّخذه أحد ليخلو فيه بتعبده وصلاته، وأكثر ما يتخذ في علوّ يرتقي إليه بسلّم أو درج، وهو غير المسجد.
وأطلق على غير ذلك إطلاقات، على وجه التشبيه أو التوسّع كقول عمر بن أبي ربيعة: دمْيةٌ عند راهب قسيس *** صوّرُوها في مذبح المحراب أراد في مذبح البيعةِ، لأنّ المحراب لا يجعل فيه مذبح.
وقد قيل: إنّ المحراب مشتق من الحَرْب لأن المتعبّد كأنّه يحارب الشيطان فيه، فكأنّهم جعلوا ذلك المكان آلة لمِحرَب الشيطان.
ثم أطلق المحراب عند المسلمين على موضع كشكل نصف قبّة في طول قامة ونصف يجعل بموضع القبلة ليقف فيه الإمام للصلاة.
وهو إطلاق مولد وأول محراب في الإسلام محراب مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم صنع في خلافة الوليد بن عبد الملك، مدةَ إمارة عُمَر بن عبد العزيز على المدينة.
والتعريف في ﴿ المحراب ﴾ تعريف الجنس ويعلم أنّ المراد محراب جعلته مريم للتعبّد.
و (أنّى) استفهام عن المكان، أي من أين لك هذا، فلذلك كان جواب استفهامه قوله: ﴿ من عند الله ﴾ .
واستفهام زكرياءَ مريمَ عن الرزق لأنه في غير إبَّانِه ووقتتِ أمثاله.
قيل: كان عِنباً في فصل الشتاء.
والرزق تقدم آنفاً عند قوله: ﴿ يرزق من يشاء بغير حساب ﴾ .
وجملة ﴿ إنّ الله يرزق من يشاء ﴾ من كلام مريم المحكي.
والحساب في قوله: ﴿ بغير حساب ﴾ بمعنى الحصر لأنّ الحساب يقتضي حصر الشيء المحسوب بحيث لا يزيد ولا ينقص، فالمعنى إنّ الله يرزق من يريد رزقه بما لا يعرف مقداره لأنه موكول إلى فضل الله.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ ﴾ مَعْناهُ أنَّهُ رَضِيَها في النَّذْرِ الَّذِي نَذَرَتْهُ بِإخْلاصِ العِبادَةِ في بَيْتِ المَقْدِسِ.
﴿ وَأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا ﴾ يَعْنِي أنْشَأها إنْشاءً حَسَنًا في غِذائِها وحُسْنِ تَرْبِيَتِها.
﴿ وَكَفَّلَها زَكَرِيّا ﴾ قَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ ( وكَفَّلَها ) بِالتَّشْدِيدِ، ومَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ دَفَعَ كَفالَتَها إلى غَيْرِهِ.
وَقَرَأ الباقُونَ: ( كَفَلَها ) بِالتَّخْفِيفِ، ومَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ أخَذَ كَفالَتَها إلَيْهِ.
﴿ كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا المِحْرابَ ﴾ وهو مَعْرُوفٌ، وأصْلُهُ أنَّهُ أكْرَمُ مَوْضِعٍ في المَجْلِسِ.
﴿ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الرِّزْقَ الَّذِي أتاها فاكِهَةُ الصَّيْفِ في الشِّتاءِ، وفاكِهَةُ الشِّتاءِ في الصَّيْفِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، والضَّحّاكِ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ.
والثّانِي: أنَّها لَمْ تَطْعَمْ ثَدْيًا قَطُّ حَتّى تَكَلَّمَتْ في المَهْدِ، وإنَّما كانَ يَأْتِيها رِزْقُها مِنَ الجَنَّةِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.
واخْتُلِفَ في السَّبَبِ الَّذِي يَأْتِيها هَذا الرِّزْقُ لِأجْلِهِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ يَأْتِيها بِدَعْوَةِ زَكَرِيّا لَها.
والثّانِي: أنَّهُ كانَ ذَلِكَ يَأْتِيها لِنُبُوَّةِ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿ قالَ يا مَرْيَمُ أنّى لَكِ هَذا قالَتْ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ تَعالى كانَ يَأْتِيها بِالرِّزْقِ.
والثّانِي: أنَّ بَعْضَ الصّالِحِينَ مِن عِبادِهِ سَخَّرَهُ اللَّهُ تَعالى لَها لُطْفًا مِنهُ بِها حَتّى يَأْتِيَها رِزْقُها.
والأوَّلُ أشْبَهُ.
﴿ إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ حِكايَةٌ عَنْ قَوْلِ مَرْيَمَ بَعْدَ أنْ قالَتْ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعالى بَعْدَ أنْ قَطَعَ كَلامَ مَرْيَمَ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ فتقبلها ربها بقبول حسن ﴾ قال: تقبل من أمها ما أرادت بها الكنيسة فأجرها فيه ﴿ وأنبتها نباتاً حسناً ﴾ قال: نبتت في غذاء الله.
وأخرج ابن جرير عن الربيع وكفلها زكريا قال: ضمها إليه.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس قال: كفلها زكريا فدخل عليها المحراب فوجد عندها رزقاً عنباً في مكتل في غير حينه ﴿ قال أني لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب ﴾ قال: إن الذي يرزقك العنب في غير حينه لقادر أن يرزقني من العاقر الكبير العقيم ولداً ﴿ هنالك دعا زكريا ربه ﴾ فلما بشر بيحيى قال: ﴿ رب اجعل لي آية قال آيتك ألاَّ تكلم الناس ﴾ قال: يعتقل لسانك من غير مرض وأنت سوي.
وأخرج عبد بن حميد وآدم وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن مجاهد في قوله: ﴿ وكفلها زكريا ﴾ قال: سهمهم بقلمه.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: كانت مريم ابنة سيدهم وإمامهم فتشاح عليها أحبارهم، فاقترعوا فيها بسهامهم أيهم يكفلها، وكان زكريا زوج خالتها.
فكفلها وكانت عنده وحضنتها.
وأخرج البيهقي في سننه عن ابن مسعود وابن عباس وناس مق الصحابة، إن الذين كانوا يكتبون التوراة إذا جاؤوا إليهم بإنسان محرر واقترعوا عليه أيهم يأخذه فيعلمه، وكان زكريا أفضلهم يومئذ، وكان معهم، وكانت أخت أم مريم تحته، فلما أتوا بها قال لهم زكريا: أنا أحقكم بها، تحتي أختها.
قال: فخرجوا إلى نهر الأردن، فألقوا أقلامهم التي يكتبون بها أيهم يقوم قلمه فيكفلها، فجرت الأقلام، وقام قلم زكريا على قرنيه كأنه في طين فأخذ الجارية.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ وكفلها زكريا ﴾ قال: جعلها معه في محرابه.
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم بن أبي النجود أنه قرأها ﴿ وكفلها ﴾ مشددة ﴿ زكرياء ﴾ ممدودة مهموز منصوب.
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس ﴿ وجد عندها رزقاً ﴾ قال: مكتلاً فيه عنب في غير حينه.
وأخرج عبد بن حميد عن ابن جرير عن مجاهد ﴿ وجد عندها رزقاً ﴾ قال: عنباً في غير زمانه.
وأخرج ابن جرير من وجه آخر عن مجاهد ﴿ وجد عندها رزقاً ﴾ قال: فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف.
وأخرج ابن أبي حاتم من وجه آخر عن مجاهد ﴿ وجد عندها رزقاً ﴾ قال: علماً.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ وجد عندها رزقاً ﴾ قال: وجد عندها ثمار الجنة.
فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ وجد عندها رزقاً ﴾ قال: الفاكهة الغضة حين لا توجد الفاكهة عند أحد.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك ﴿ أنَّى ﴾ يعني من أين.
وأخرج عن الضحاك ﴿ أنى لك هذا ﴾ يقول من أتاك بهذا.
وأخرج أبو يعلى عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام أياماً لم يطعم طعاماً حتى شق ذلك عليه، فطاف في منازل أزواجه فلم يجد عند واحدة منهن شيئاً، فأتى فاطمة فقال يا بنية هل عندك شيء آكله فإني جائع؟
فقالت: لا والله.
فلما خرج من عندها بعثت إليها جارة لها برغيفين وقطعة لحم، فأخذته منها فوضعته في جفنة لها وقالت: والله لأوثرن بهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفسي ومن عندي، وكانوا جميعاً محتاجين إلى شبعة طعام، فبعثت حسناً أو حسيناً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجع إليها فقالت له: بأبي أنت وأمي قد أتى الله بشيء قد خبأته لك فقال: هلمي يا بنية بالجفنة.
فكشفت عن الجفنة فإذا هي مملوءة خبزاً ولحماً، فلما نظرت إليها بهتت وعرفت أنها بركة من الله.
فحمدت الله تعالى وقدمته إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رآه حمد الله وقال: من أين لك هذا يا بنية؟
قالت: يا أبت ﴿ هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب ﴾ فحمد الله ثم قال: «الحمد لله الذي جعلك شبيهة سيدة نساء بني إسرائيل فإنها كانت إذا رزقها الله رزقاً فَسُئِلَتْ عنه ﴿ قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب ﴾ » .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ ﴾ التَّقَبلُ، والقَبُولُ، معناهما سواء، وهو: أن ترضى بالشيء، وتأخذه؛ ولهذا قال: ﴿ بِقَبُولٍ ﴾ ، ولم يقل: (بتَقَبُّلٍ)؛ لأن معناهما واحدٌ.
قال الفراء (١) وذكرنا هذا عند قوله: ﴿ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ﴾ .
والقَبُول: مصدر قولهم: (قَبِلَ فلانٌ الشيءَ): إذا رضِيَهُ.
قال أبو عمرو بن العَلاء (٢) وقال سيبويه (٣) خمسة (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) (٩) ثَعْلَب، عن ابن الأعرابي (١٠) (١١) (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) قال المفسِّرون (١٦) ﴿ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ ﴾ أي: رَضِيَها مكان المُحَرَّرِ الذي نذَرتْه (حَنَّةُ)، ولم يقبل قبلها أنثى في ذلك المعنى.
وقال ابن عباس في رواية الضحَّاك: معناه: سَلَك بها طريقَ السُّعداء.
وقوله تعالى: ﴿ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا ﴾ .
قال الزجَّاج (١٧) (١٨) ﴿ نَبَاتًا ﴾ على غير لفظِ (أَنْبَتَ)، على معنى: نبتت نباتاً حَسنَاً.
وقال ابن الأنباري (١٩) (٢٠) (٢١) [ورُضْتُ] (٢٢) (٢٣) (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) قال ابن عباس في رواية عطاء (٢٨) ﴿ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا ﴾ ؛ يريد: في صلاحٍ ومعرفةٍ بالله، وطاعةٍ له، وخدمةٍ للمسجد.
وقال في رواية الضحَّاك (٢٩) وقوله تعالى: ﴿ وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ﴾ (٣٠) (٣١) قال الزجَّاج (٣٢) (٣٣) (٣٤) (٣٥) (٣٦) و ﴿ زَكَرِيَّا ﴾ ، رُفعَ بفعله (٣٧) (٣٨) (٣٩) (٤٠) (٤١) (٤٢) (٤٣) (٤٤) (٤٥) (٤٦) وقرأ حمزةُ والكسائيُ: (وكَفَّلَها) مشَدَّدا، ومصدره: التَّكْفِيلُ، والتَّكْفِلةُ (٤٧) ﴿ زَكَرِيَّا ﴾ (٤٨) (٤٩) (٥٠) (٥١) (٥٢) .
ونذكر ما فيه عند قوله: ﴿ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ ﴾ .
فمعنى قوله: ﴿ وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ﴾ (٥٣) (٥٤) (٥٥) (٥٦) (٥٧) وقوله تعالى: ﴿ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا ﴾ .
قال المفسرون (٥٨) و (المِحْرابُ) في اللغة: أشرف المجالس.
وكانت محاريب بني إسرائيل مساجدَهم (٥٩) و (المِحْراب): الغُرْفَة أيضاً، قال عمر (٦٠) (٦١) رَبَّةُ مِحْرابٍ إذا جِئْتها ...
لم أَدْنُ حتى أرْتَقي سُلَّما (٦٢) أي: رَبَّة غُرفةٍ.
وقال الأصمعي (٦٣) ﴿ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ ﴾ .
وقال الزجاج (٦٤) (٦٥) وقال أبو عبيدة (٦٦) (٦٧) قال امرؤ (٦٨) كغزلان وَحْشٍ في محاريبِ أَقْوال (٦٩) (٧٠) (٧١) وقوله تعالى: ﴿ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا ﴾ .
قال (٧٢) (٧٣) (٧٤) قال محمد بن إسحاق (٧٥) وقال الحَسَنُ (٧٦) (٧٧) ﴿ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﴾ (٧٨) قال أبو إسحاق (٧٩) ﴿ كُلَّمَا ﴾ بقوله: ﴿ وَجَدَ ﴾ (٨٠) (٨١) (٨٢) وقوله تعالى: ﴿ أَنَّى لَكِ هَذَا ﴾ .
قال ابن عباس (٨٣) (٨٤) وقوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ .
قد فَسَّرنا هذا في موضعين: من (٨٥) (٨٦) (٨٧) (٨٨) (٨٩) (١) لم أهتد إلى مصدر قوله.
(٢) قوله في "تفسير الطبري" 3/ 241، وفي مادة (قبل) في "الصحاح" 5/ 1795، "تفسير الثعلبي" 3/ 40 ب، "اللسان" 11/ 540، ونصه كما في "الصحاح": (وحكى اليزيدي عن أبي عمرو بن العلاء: (القَبُول) بالفتح مصدر، ولم أسمع غيره.
(٣) في "الكتاب" 4/ 42 نقله عنه بالمعنى، وقد ذكرها سيبويه في باب ما جاء من المصادر على فعول، ونصه: (..
توضَّأت وَضُوءًا حسنًا، وأولِعْتُ به وَلُوعًا، وسمعنا من العرب من يقول: وَقَدَت النارُ وَقُودًا عاليًا، وقَبِلَه قَبولًا، والوُقُود أكثر، والوَقود: الحطب).
وفي نسخة أخرى لـ"كتاب سيبويه" أشار إليها محققُ الكتاب في الهامش: (وتطهَّر طَهورًا حسنًا، وَأُولِعت وَلوعا).
(٤) في (د): (خمس).
(٥) في (ج): (ووضو)، وفي (د): (ووصول).
(٦) في (ب): قود.
(٧) في (د): مصدر.
(٨) لم أهتد إلى مصدر قوله، وقد يكون في كتابه (المصادر) وهو مفقود.
(٩) في "معاني القرآن وإعرابه" 1/ 401، قال: (ويجوز قُبولًا: إذا رضيته.).
(١٠) أورد قولَه الأزهري في "تهذيب اللغة" 9/ 169.
وابن الأعرابي، هو: أبو عبد الله، محمد بن زياد.
كوفيٌّ، تقدمت ترجمته.
(١١) (وقبولًا): ساقطة من (ج).
(١٢) هكذا جاءت (قَبول) بالفتح في مصدرها في "التهذيب" وكذا ضبطها في "لسان العرب" 6/ 3516 بالفتح، وفي "القاموس المحيط" (1045) (قبل) أجاز فيها الأمرين، قال: (والقَبُول، وقد يُضم: الحُسْنُ والشَّارَةُ)، وانظر: "التاج" == 15/ 595 (قبل).
وأما (وَضوء) بالفتح، فقيل: الماء الذي يُتوضأ به، وقيل: هو المصدر، من: (توضأت للصلاة)، وقيل: إنَّ المصدر هو: (الوُضوء) بالضم.
انظر: "معاني القرآن" للأخفش: 1/ 51، "اللسان" 8/ 4854 (وضأ).
أما (طَهور) بالفتح، فقيل: هو الماء الطاهر، المُطَهِّر، وهو أعم من الطاهر، حيث إنَّ كل طَهور طاهر، وليس كل طاهر طَهور، وقيل إنَّ (طُهور) بالضم مصدر، بمعنى: التَّطَهُّر.
انظر: "النهاية في غريب الحديث" 3/ 147، "اللسان" 5/ 2712 (طهر).
أما (وَلُوع) بالفتح، فهي: العلاقة، وهو اسم أقيم مقام المصدر الحقيقي، يقال: (وَلعَ به وَلَعًا، و (وَلُوعا)، و (أولِعَ به إيلاعًا)، و (أوْلَعَه به): إذا أغراه، و (مُولَعٌ به): مُغْرًى به.
انظر: "اللسان" 8/ 410.
أما الـ (وَقود) بالفتح، فقيل: الحطب، والـ (وُقود) بالضم: المصدر.
انظر: "معاني القرآن" للأخفش: 1/ 51، "اللسان" 8/ 4888.
(١٣) في (ج)، (د): (يحمد).
(١٤) في (د): (يبل).
(١٥) لم أهتد إلى قائله.
(١٦) انظر: "تفسير الطبري" 3/ 241، يرويه عن ابن جريج، وقال به، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 638، يرويه عن شرحبيل بن سعد، "تفسير الثعلبي" 3/ 40 ب، "النكت والعيون" 1/ 388، "تفسير البغوي" 2/ 31، "الدر المنثور" 2/ 35.
(١٧) في "معاني القرآن وإعرابه" له 1/ 403، نقله عنه بالنص.
(١٨) (لفظ): ساقط من (د).
(١٩) لم أقف على مصدره، وقد ورد في "زاد المسير" 1/ 377.
(٢٠) ما بين المعقوفين مطموس في: (أ)، ومثبت من بقية النسخ.
(٢١) في (ب): (عمل).
(٢٢) ما بين المعقوفين غير مقروء في: (أ)، وفي (ب): (ونبتت)، والمثبت من: (ج)، (د)؛ نظرًا لموافقتها "الديوان" وللسياق.
(٢٣) في (د): (فدلت).
(٢٤) في (د): (إدلال).
عجز بيت، وصدره: فَصِرْنا إلى الحسْنى ورَقَّ كلامُنا وهو في "ديوانه" 32، كما ورد في "المقتضب" 1/ 74، "معاني القرآن" للزجاج: 2/ 36 ولم ينسبه، "إعراب القرآن" للنحاس: 1/ 326، "تهذيب اللغة" 3/ 2875، "وليس في كلام العرب" لابن خالويه: 227، "المحتسب" 2/ 260، "والمخصص": 14/ 187، "زاد المسير" 1/ 378، "اللسان" 3/ 1775 (روض)، "شرح شواهد المغني" 1/ 341، "خزانة الأدب" 9/ 187.
ورد في بعض المصادر: (..
فَذَلَّتْ صَعْبَةٌ) بالضَمِّ.
ومعنى (فَصِرنا): فَرَجعنا وانتقلنا، على أن (صار) هنا تامة.
و (الحسْنى): قد تكون اسم مصدر، بمعنى: الإحسان، أو تكون صيغة مؤنث (أحسن)؛ أي: الحالة الحسنة.
و (رَقَّ): لطُف.
و (رُضْتُ)؛ أي: سَهلت وانقادت، فهي (ذلُول)، ويقال لتعدية الفعل: (ذلَّلْتها وأذْلَلْتها).
و (صعبة)؛ أي: غير ذلول.
والشاهد فيه: أنَّ (رُضت) تتضمن معنى: (أذللت)؛ ولذا جاء المصدر بعدها: (إذلالًا)؛ أي: أذلَلْت ..
إذلالًا، وأقام (الإذلال) مقام (الرياضة).
انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1319 (راض)، "اللسان" 3/ 1775 (روض)، "الخزانة" 9/ 187.
(٢٥) في (د): (دللت).
(٢٦) في (ب): (جاء).
(٢٧) في (أ)، (ب)، (د): (وخلا)، وفي (ج): (وحلى)، وما أثبَتُه يوافق القاعدة الإملائية؛ حيث إنه فعل يزيد على ثلاثة أحرف، ولم يكن قبل الألف ياءٌ، كما إنه يوافق ما جاء في نسخة (ج) وإن خلت الكلمة فيها من النقط.
ومعنى (خلَّى الأمرَ): تركه.
انظر: "اللسان" 2/ 1254 (خلا).
(٢٨) لم أهتد إلى مصدر هذه الرواية.
(٢٩) الرواية في "تفسير الثعلبي" 3/ 41 أ، "تفسير البغوي" 1/ 31، وهذه الرواية من طريق جويبر بن سعيد، وسبق أنه ضعيف جدًا.
(٣٠) حديث المؤلف التالي عن هذا المقطع، بالنظر إلى قراءة من قرأ: (وَكَفَلَهَا) بتخفيف الفاء وفتحها، و ﴿ زَكَرِيَّا ﴾ بالمد والرفع.
هي قراءة ابن كثير، ونافع، وأبي عمرو، وابن عامر.
وقد أثبتُّ رسم الآية كما جاء في جميع النسخ، وهي مطابقة لقراءة حفص عن عاصم.
أما بقية قراءات "السبعة" فهي: قراءة عاصم في رواية أبي== بكر: (وكَفَّلَها) بتشديد الفاء، و ﴿ زَكَرِيَّا ﴾ ممدودة منصوبة، وكان يمدها في جميع القرآن.
أما قراءة عاصم برواية حفص، وقراءة حمزة والكسائي، فهي: ﴿ وَكَفَّلَهَا ﴾ بتشديد الفاء، و ﴿ زَكَرِيَّا ﴾ مقصورة في جميع القرآن.
انظر: "السبعة" 204، "الحجة" للفارسي: 3/ 33، "حجة القراءات" لابن زنجلة: 161.
"إعراب القرآن" المنسوب للزجاج: 3/ 869.
(٣١) في (ب): (ضمنها).
(٣٢) في "معاني القرآن" له 1/ 403.
(٣٣) من قوله: (يقال ..) إلى (..
وينفق عليه): نقله عن "تهذيب اللغة" للأزهري: 4/ 3166 (كفل)، وانظر: "اللسان" 7/ 3905 (كفل).
(٣٤) في "التهذيب" (كفل به).
(٣٥) (وكفلا): غير موجودة في "التهذيب".
(٣٦) في (ب): (يقول من).
(٣٧) على أن (زكرياءُ) هنا ممدودة مرفوعة، وهي فاعل لـ (كَفَلَ) المتعدي لمفعول واحد، بناء على قراءة من قرأ بالتخفيف فيها.
(٣٨) في (ب)، (د) (زكريا).
(٣٩) في (ج)، (د): (حمرا، وسودا).
(٤٠) في (ب): (حتى).
و (الحُبْلى): المرأة الحامل، وجمعها: (حَبَالى) و (حُبْلَيات).
انظر: "القاموس" 1269 (حبل).
(٤١) يقال: (هي سَكِرَة، وسَكْرَى، وسَكْرانة) للمؤنث.
انظر: "القاموس" 524 (سكر).
(٤٢) في (ب): (دفري).
و (الذِفْرى)، هو: العظم الشاخص خلف الأذن.
وهما ذِفريَان.
والجمع: ذِفرَيات، وذَفارى.
انظر: "خلق الإنسان" لابن أبي ثابت: 54، "القاموس" 396 (ذفر)، "المعجم الوسيط" 1/ 312 (ذفر).
(٤٣) في (ج): (اللام).
(٤٤) في (ب): (لزمت).
(٤٥) يعني: قامت ألفُ التأنيث، مقامَ العلميةِ والعجمةِ في المنع من الصرف.
انظر في علَّة منعها من الصرف "الحجة" للفارسي: 3/ 34، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 157، "البيان" للأنباري: 1/ 201.
(٤٦) في (د): (تنصرف).
(٤٧) لم أقف في معاجم اللغة التي رجعت إليها، على أنَّ (التكفلة) مصدر لـ (كَفَّل).
وهي على خلاف القياس في مصدر (فَعَّلَ) الرباعي المضاعف العين؛ الصحيح اللام.
وتأتي (تفْعِلَة) مصدرًا للرُّباعي المعتل اللام، المُضاعَف العين؛ مثل: (رضَّى تَرْضيَةً)، و (ورَّى تورِيَةً).
وأشار الشيخ محمد محي الدين عبد الحميد إلى مجيء (تفْعِلَة) مصدرًا لـ (فَعَّلَ) الصحيح اللام، وذلك في النادر، ومَثَّلَ لها بـ (قَدَّمَ== تَقْدِمَةً جَرَّبَ تَجْرِبَةً).
انظر: "منحة الجليل بتحقيق شرح ابن عقيل" مطبوع بهامش "شرح ابن عقيل": 3/ 128، "النحو الوافي" 3/ 198.
وانظر (كفل) في "الصحاح" 5/ 1811، "اللسان" 7/ 3905 - 3906، "التاج" 15/ 658.
(٤٨) في (ج)، (د): (وزكريا).
(٤٩) (أ)، (ب): (وزكريا)، والمثبت من: (ج)، (د)، وهو الصواب؛ لأنه لا وجه لحرف العطف هنا.
(٥٠) النذيرة هنا: الابن الذي يجعله أبواه قَيِّما أو خادمًا للكنيسة أو للمُتَعَبَّد؛ من ذكر أو أنثى.
انظر: "اللسان" 7/ 4390 (نذر).
(٥١) الأحبار: جمعُ (حَبْر) أو (حِبْر)، وهو: واحد أحبار اليهود، وهو: العالم أو الرجل الصالح، وُيجمع كذلك على (حُبُور).
انظر: "الصحاح" 2/ 620، "اللسان" 2/ 748 (حبر).
(٥٢) في (ج): زكريا.
(٥٣) في (ب)، (ج)، (د): (وكفلها زكريا).
(٥٤) في (أ)، (ب) (إن شاء الله تعالى)، والمثبت من: (ج)، (د)؛ نظرًا لمناسبته لسياق الكلام، ولا وجه لما في (أ)، (ب).
(٥٥) في (ب): (ضمنها).
(٥٦) في (د): (زكرياء).
(٥٧) في (ب): اقترعها.
ومعنى (قرعها): أصابته القرعةُ دونهم.
يقال: (كانت له == القرعة): إذا قَرَع أصحابه، و (قارعه فَقَرَعَه، يَقرَعه): إذا أصابته القرعة دونه.
"اللسان" 6/ 3596 (قرع)، وانظر: "المعجم الوسيط" 735 (قرع).
وانظر القصة في "تفسير الطبري" 3/ 239 - 240، "وسنن البيهقي": 10/ 286، "الدر المنثور" 2/ 35.
(٥٨) من قوله: (قال ..) إلى (..
أي: ربة غرفة): نقله مع الاختصار والتصرف من "تفسير الثعلبي" 3/ 42 أ، وانظر: "تفسير البغوي" 2/ 31.
(٥٩) قوله: (وكانت محاريب بني إسرائيل مساجدهم): ليسست عند الثعلبي، وإنما هي في "تهذيب اللغة" 1/ 772.
(٦٠) في (د): (عمرو).
(٦١) هو: أبو الخطاب، عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة المُغِيري المخزومي تقدمت ترجمته.
(٦٢) البيت ليس لعمر بن أبي ربيعة، ولم أقف عليه في "ديوانه" وإنما نسبته المصادر لوضَّاح اليمن، والمؤلف تبع الثعلبي في نسبته لعمر.
وقد ورد منسوبًا لوضَّاح، في "مجاز القرآن" 2/ 144، 180، "جمهرة اللغة" 276 (حرب)، "الصحاح" 1/ 109 (حرب)، "والأغاني" (نسخة مصورة من طبعة دار الكتب مصر): 6/ 237، "تفسير القرطبي" 4/ 71، "اللسان" 2/ 817 (حرب).
كما ورد غير منسوب، في "معاني القرآن" للزجاج: 1/ 403، 4/ 325،== "الاشتقاق" لابن دريد: 75، "الزاهر" 1/ 541، "التهذيب" 1/ 772، "مقاييس اللغة" 2/ 49.
وهذه الرواية للبيت وردت في: الجمهرة، "الزاهر" "تفسير الثعلبي" وورد في بقية المصادر: (...
لم ألقها أو أرتقى سلما).
(٦٣) نقل المؤلف قوله باختصار عن "الزاهر" 1/ 541.
كما ورد هذا القول عن الأصمعي في: الاشتقاق: 75، قال: (وقال أبو حاتم وعبد الرحمن، عن الأصمعي) وذكره.
(٦٤) في "معاني القرآن" له 4/ 325.
(٦٥) قوله: (وأنشد بيت عمر) ساقط من (د).
(٦٦) في قوله: (وقال أبو عبيدة ..) إلى (..
أراد بالمحاريب القصور) نقله بنصه عن "الزاهر" 1/ 540.
أما قول أبي عبيدة في "مجاز القرآن" 1/ 91 عن المحاريب، فنصه: (سيد المجالس، ومقدمها وأشرفها، وكذلك هو من المساجد)، وفي 2/ 144، 180 ورد عنه هذا المعنى بألفاظ مختلفة قليلًا، أما بقية الكلام فهو من قول ابن الأنباري.
(٦٧) في "الزاهر" (أشرف المنازل).
(٦٨) في (أ): (امرئ)، والمثبت من بقة النسخ.
(٦٩) عجز بيت، وصدره: == وماذا عليه أنْ ذكرتُ أوانسًا وقد ورد البيت في "ديوانه": 34، "مجاز القرآن" 2/ 180، حيث ورد في هامش إحدى نسخ المجاز، كما أشار إلى ذلك المحقق، وفي "الزاهر": 1/ 540، "اللسان" 2/ 817 (حرب).
وورد غير منسوب في "تهذيب اللغة" 1/ 772، "والمخصص": 3/ 135، "البحر المحيط" 3/ 249.
وورد في كل المصادر السابقة: (كغزلان رَمْلٍ ..)، وورد في الديوان، وبعض المصادر: (..
محاريب أقيال)، وفي "الزاهر" (وماذا عليه أن أروضَ نجائبًا ..).
و (الأقوال) و (الأقيال): ملوك اليمن، وقيل: هم مَنْ دون الملك الأعظم.
ومفردها: (قَيْل).
انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2859 (قال).
وقوله: (كغزلان وَحشٍ)، الوَحشُ: حيوان البَرِّ؛ مثل: حمارُ وَحشٍ، وحمارٌ وحشِيٌّ.
انظر: "القاموس" 609 (وحش).
(٧٠) انظر معاني الـ (محراب) السابقة، في: مادة (حرب)، في "التهذيب" 1/ 772، "الصحاح" 1/ 108، "اللسان" 2/ 817.
(٧١) لم أقف على مصدر هذه الرواية.
(٧٢) من قوله: (قال ..) إلى (..
غرفتها، وجد عندها رزقًا): ساقط من: (ج)، (د).
(٧٣) قوله، في "تفسير الطبري" 3/ 244، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 229، "المحرر الوجيز" 3/ 94، "زاد المسير" لابن الجوزي 1/ 380.
قال ابن الجوزي: (وهذا قول الجماعة).
(٧٤) قوله، في "تفسير الطبري" 3/ 245، "تفسير الثعلبي" 3/ 42 ب.
وهو قول مجاهد، وعكرمة، وابن جبير، وأبي الشعثاء، والنخعي، والضحاك، وقتادة، وعطيَّة العوفي، والسُّدِّي.
انظر: "تفسير ابن كثير" 1/ 386.
(٧٥) قوله، في "تفسير الثعلبي" 3/ 42 أ.
(٧٦) لم أقف على مصدر قوله.
وقد ورد في "تفسير البغوي" 2/ 32، وفيه: (قال أبو الحسن)، وهو خطأ، والصواب: الحسن.
كما ورد في "زاد المسير" 1/ 380.
(٧٧) (بل): ساقطة من (د).
(٧٨) انظر حول الذين تكلموا في المهد صغارًا: "مصنف ابن أبي شيبة": 6/ 342 (31864)، "المستدرك" للحاكم 2/ 595، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 652، "القرطبي" 4/ 91، "البحر المحيط" 2/ 442 - 443، "روح المعاني" 3/ 140.
(٧٩) في "معاني القرآن" له 1/ 403، نقله عنه بنصه.
(٨٠) لأن (كلَّ) عندما تضاف إلى (ما) المصدرية الظرفية، تصبح ظرفًا متضمنًا معنى الشرط، ويكون لها فعل وجواب، وتتعلق بجوابها، وتنتصب به، وجوابها هنا (وَجَدَ).
أمَّا (ما) فهي حرف مصدري ظرفي، مبني على السكون، لا محل لها من الإعراب.
(٨١) لأن (ما) وما بعدها تُؤَؤَّل بمصدر، وهو هنا: الدخول.
(٨٢) انظر في إعرابها "مشكل إعراب القرآن" 1/ 157، "التبيان" للعكبري ص 34، "الفريد" للهمداني 1/ 566.
(٨٣) لم أقف على مصدر هذه الرواية عنه.
(٨٤) ممن قال بأن (أنَّى) بمعنى (أين): أبو عبيدة في "مجاز القرآن" 1/ 91، وابن قتيبة في "تفسير غريب القرآن" ص 99.
بينما يرى الإمام الطبري في تفسيره: 1/ 397 - 398: أنَّ هناك اختلافًا بين (أنى) و (أين) و (كيف)، ويرى أنه نظرا لتقارب معنى (أنَّى) من هذه الحروف فقد تداخلت معانيها وحصل اللَّبْسُ، فتُؤُؤِّلت بـ (أين) و (كيف) و (متى) مع مخالفة معناها لهذه الحروف، ومخالفة هذه الحروف لها، ويرى أنَّ (أين) سؤال عن الأماكن، و (كيف) سؤال عن الأحوال، أمَّا (أنَّى) فهي سؤال عن المذاهب والوجوه، وقد بيَّن الطبري هذا الأمر بإسهاب مستدلًّا عليه بأمثلة من القرآن وشعر العرب.
وبهذا قال النحاس كذلك، رادًا على أبي عبيدة في "معاني القرآن" 1/ 389.
وانظر حول هذا الموضوع: "إعراب الحديث النبوي" للعكبري: 96، "البحر المحيط" 2/ 443، "الدر المصون" 2/ 423.
(٨٥) في (د): (في).
(٨٦) عند آية: 27.
(٨٧) في (ب): (أن يكون على).
(٨٨) وبه قال الطبري في "تفسيره" 3/ 247.
(٨٩) في (ج): (ليس).
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِنَّ الله اصطفى ﴾ الآية: لما مضى صدر من محاجة نصارى نجران أخذ يبين لهم ما اختلفوا فيه، وأشكل عليهم من أمر عيسى عليه السلام، وكيفية ولادته وبدأ بذكر آدم ونوح عليهما السلام تكميلاً للأمر لأنهما أبوان لجميع الأنبياء، ثم ذكر إبراهيم تدريجاً إلى ذكر عمران والد مريم أم عيسى عليه السلام، وقيل: إنّ عمران هنا هو والد موسى، وبينهما ألف وثمانمائة سنة، والأظهر أن المراد هنا والد مريم، لذكر قصتها بعد ذلك ﴿ وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ ﴾ يحتمل أن يريد بآل: القرابة، أو الأتباع، وعلى الوجهين؛ يدخل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في آل إبراهيم ﴿ ذُرِّيَّةً ﴾ بدل مما تقدم أو حال ووزنه فعليه منسوب إلى الذر أي النمل.
لأن الله تعالى أخرج الخلق من صلب آدم كالذر، ﴿ إِذْ قَالَتِ ﴾ العامل فيه محذوف تقديره: اذكروا، وقيل: عليم، وقال الزجّاج: العامل فيه معنى الاصطفاء ﴿ امرأت عِمْرَانَ ﴾ اسمها حنة بالنون، وهي أم مريم، وعمران هذا هو والد مريم ﴿ نَذَرْتُ ﴾ أي: جعلت نذراً عليّ أن يكون هذا الولد في بطني حبساً على خدمة بيتك، وهو بيت المقدس ﴿ مُحَرَّراً ﴾ أي عتيقاً من كل شغل إلاّ خدمة المسجد ﴿ فَلَمَّا وَضَعَتْهَا ﴾ الآية.
كانوا لا يحررون الإناث للقيام بخدمة المساجد، فقالت: ﴿ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أنثى ﴾ تحسراً وتلهفاً على ما فاتها من النذر الذي نذرت ﴿ والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ ﴾ قرئ وضعت بإسكان التاء وهو من كلام الله تعظيماً لوضعها وقرئ بضم التاء وإسكان العين وهو على هذا من كلامهما ﴿ وَلَيْسَ الذكر كالأنثى ﴾ يحتمل أن يكون من كلام الله، فالمعنى ليس الذكر كالأنثى في خدمة المساجد؛ لأن الذكور كانوا يخدمونها دون الأناث ﴿ سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ ﴾ إنما قالت لربها سميتها مريم؛ لأن مريم في لغتهم بمعنى العابدة، فأرادت بذلك التقرب إلى الله، ويؤخذ من هذا تسمية المولود يوم ولادته، وامتنع مريم من الصرف للتعريف والتأنيث، وفيه أيضاً العجمة ﴿ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ ﴾ ورد في الحديث: «ما من مولود إلاّ نخسة الشيطان يوم ولد فيستهل صارخاً إلاّ مريم وابنها» ، لقوله: ﴿ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ ﴾ : الآية ﴿ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا ﴾ أي رضيها للمسجد مكان الذكر ﴿ بِقَبُولٍ حَسَنٍ ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن يكون مصدراً على غير المصدر، والآخر: أن يكون اسماً لما يقبل به كالسعوط اسم لما يسعط به ﴿ وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً ﴾ عبارة عن حسن النشأة ﴿ وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ﴾ أي ضمها إلى إنفاقه وحضانته، والكافل هو الحاضن، وكان زكريا زوج خالتها، وقرئ كفلها بتشديد الفاء، ونصب زكريا: أي جعله الله كافلها ﴿ المحراب ﴾ في اللغة: أشرف المجالس، وبذلك سمي موضع العبادة ﴿ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً ﴾ كان يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء، ويقال: إنها لم ترضع ثدياً قط، وكان الله يرزقها ﴿ أنى لَكِ هذا ﴾ إشارة إلى مكان أي: كيف ومن أين؟
﴿ إِنَّ الله يَرْزُقُ ﴾ يحتمل أن يكون من كلام مريم أو من كلام الله تعالى.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ مني إنك ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو.
﴿ بما وضعت ﴾ على الحكاية: ابن عامر ويعقوب وأبو بكر وحماد.
الباقون ﴿ وضعت ﴾ على الغيبة.
﴿ وإني أعيذها ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع.
﴿ وكفلها ﴾ مشددة: عاصم وحمزة وعلي وخلف.
الباقون خفيفاً ﴿ زكريا ﴾ مقصوراً كل القرآن: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.
وقرأ أبو بكر وحماد بالمد والنصب ههنا.
الباقون بالمد والرفع.
﴿ فناديه ﴾ بالياء والإمالة: علي وحمزة وخلف.
الباقون ﴿ فنادته ﴾ بتاء التأنيث ﴿ في المحراب ﴾ بالإمالة حيث كان مخفوضاً.
قتيبة وابن ذكوان ﴿ إن الله ﴾ بكسر "إن": ابن عامر وحمزة.
الباقون بالفتح.
﴿ يبشرك ﴾ وما بعده من البشارة خفيفاً: حمزة وعلي.
الباقون بالتشديد ﴿ لي آية ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وابن شنبوذ عن ابن كثير.
الوقوف: ﴿ مني ﴾ ج للابتداء ولاحتمال لأنك ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ أنثى ﴾ ط لمن قرأ ﴿ بما وضعت ﴾ بتاء التأنيث الساكنة، ومن قرأ على الحكاية لم يقف لأنه يجعلها من كلامها.
﴿ بما وضعت ﴾ ط ﴿ كالأنثى ﴾ ج للابتداء بأن، ولاحتمال أن المجموع كلام واحد من قولها على قراءة من قرأ ﴿ وضعت ﴾ بالضم ﴿ الرجيم ﴾ ه ﴿ حسناً ﴾ ص لمن قرأ ﴿ وكفلها ﴾ مخففاً لتبدل فاعله، فإن فاعل المخفف ﴿ زكريا ﴾ وفاعل المشدد الرب.
وقد يعدى إلى مفعولين كقوله: ﴿ أكفلنيها ﴾ ﴿ المحراب ﴾ (لا) لأن ﴿ وجد ﴾ جواب ﴿ كلما ﴾ ﴿ رزقاً ﴾ ج لاتحاد فاعل الفعلين مع عدم العاطف ﴿ هذا ﴾ ط ﴿ من عند الله ﴾ ط ﴿ حساب ﴾ ه ﴿ ربه ﴾ ج لما قلنا في ﴿ رزقاً ﴾ ﴿ طيبة ﴾ ج للابتداء ولجواز لأنك ﴿ الدعاء ﴾ ه ﴿ في المحراب ﴾ (لا) وإن كسر "إن" لأن من كسر جعل النداء في معنى القول ﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ عاقر ﴾ ط ﴿ ما يشاء ﴾ ه ﴿ آية ﴾ ط ﴿ والإبكار ﴾ ه.
التفسير: إنه ذكر في هذا المقام قصصاً.
القصة الأولى حنة أم مريم البتول زوجة ابن عمران بن ماثان بنت فاقوذ أخت إيشاع التي كانت تحت زكريا بن أذن.
روي أن حنة كانت عاقراً لم تلد إلى أن كبرت وعجزت.
فبينما هي في ظل شجرة بصرت بطائر يطعم فرخاً له، فتحركت نفسها للولد وتمنته فقالت: اللهم إن لك عليّ نذراً شكراً إن رزقتني ولداً أن أتصدق به على بيت المقدس فيكون من سدنته وخدمته.
فحملت بمريم / وهلك عمران وهي حامل.
قال الحسن: إنما فعلت ذلك بإلهام الله كما ألهم أم موسى فقذفته في أليم.
عن الشعبي: محرراً مخلصاً للعبادة.
وتحرير العبد تخليصه من الرق، وحررت الكتاب إذا أصلحته وخلص من الغلط، ورجل حر إذا كان خالصاً لنفسه ليس لأحد عليه يد وتصرف.
قال الأصم: لم يكن لبني إسرائيل غنيمة ولا سبي، وكان في دينهم أن الولد إذا صار بحيث يمكن استخدامه كان يجب عليه خدمة الأبوين.
فكانوا بالنذر يتركون ذلك النوع عن الانتفاع ويجعلون الأولاد محررين لخدمة المسجد وطاعة الله ، حتى إذا بلغ الحلم كان مخيراً.
فإن أبى المقام وأراد أن يذهب ذهب، وإن اختار المقام فلا خيار له بعد ذلك.
ولم يكن نبي إلا ومن نسله محرر في بيت المقدس، وما كان هذا التحرير إلا في الغلمان.
لأن الجارية يصيبها الحيض والقذر، ثم إنها نذرت مطلقاً إما لبناء الأمر على الفرض والتقدير، وإما لأنها جعلت النذر وسيلة إلى طلب الولد الذكر.
﴿ محرراً ﴾ حال من "ما".
وعن ابن قتيبة: المعنى نذرت لك أن أجعل ما في بطني محرراً.
فلما وضعتها يعني ما في بطنها لأنها كانت أنثى في علم الله، أو على تأويل النفس أو النسمة أو الحبلة.
والحبل بفتح الباء مصدر بمعنى المحبول، كما سمي بالحمل، ثم أدخلت عليه التاء للإشعار بمعنى الأنوثة فيه، ومنه الحديث " نهى عن حبل الحبلة " ومعناه أن يبيع ما سوف يحمله الجنين الذي في بطن الناقة على تقدير أنه يكون أنثى.
﴿ قالت رب إني وضعتها ﴾ حال كونها ﴿ أنثى ﴾ ثم من قرأ ﴿ والله أعلم بما وضعت ﴾ على الحكاية فمجموع الكلام إلى آخر الآية من قولها، ويكون فائدة قولها ﴿ إني وضعتها أنثى ﴾ الاعتذار عن إطلاق النذر الذي تقدم منها، والخوف من أنها لا تقع الموقع الذي يعتد به والتحزن إلى ربها والتحسر على ما رأت من خيبة رجائها وعكس تقديرها.
ثم خافت أن يظن بها أنها قالت ذلك لإعلام الله فقالت: ﴿ والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى ﴾ ليس جنس الذكور كجنس الإناث لا سيما في باب السدانة، فإن تحرير غير الذكور لم يكن جائزاً في شرعهم، والذكر يمكن له الاستمرار على الخدمة دون الأنثى لعوارض النسوان، ولأن الأنثى لا تقوى على الخدمة لأنها محل التهمة عند الاختلاط، ويحتمل أن تكون عارفة بالله واثقة بأن كل ما صدر عنه فإنه يكون خيراً وصواباً فقالت: ﴿ رب إني وضعتها أنثى ﴾ ولكنك أعرف وأعلم بحال ما وضعت فلعل لك فيه سراً ﴿ وليس الذكر ﴾ الذي طلبت ﴿ كالأنثى ﴾ التي وهبت لي لأنك لا تفعل إلا ما فيه حكمة ومصلحة، فعلى هذا اللام في الذكر وفي الأنثى لمعهود حاضر ذهني لكنها في الذكر لحاضر ذهني تقديراً لدلالة ما في بطني عليه ضمناً، وفي الأنثى لحاضر ذهني حقيقة لتقدم لفظة أنثى.
ومن قرأ ﴿ بما وضعت ﴾ بسكون التاء للتأنيث فالجملتان أعني / قوله ﴿ والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى ﴾ معترضتان.
ومعناه والله أعلم بالشيء الذي وضعت لما علق به من عظائم الأمور وجعلها وولدها آية للعالمين وهي جاهلة بذلك.
ثم زاده بياناً وإيضاحاً فقال: ﴿ وليس الذكر ﴾ الذي طلبت ﴿ كالأنثى ﴾ التي وهبت لها.
﴿ وإني سميتها مريم ﴾ وذلك أن أباها قد مات عند وضعها فلهذا تولت الأم تسميتها.
ومريم في لغتهم العابدة.
فأرادت بقولها ذلك التقرب والطلب إلى الله أن يعصمها حتى يكون فعلها مطابقاً لاسمها، ولهذا أردف ذلك بطلب الإعاذة لها ولولدها من الشيطان ﴿ فتقبلها ربها ﴾ الضمير يعود إلى امرأة عمران ظاهراً بدليل أنها التي خاطبت ونادت بقولها ﴿ رب إني وضعتها ﴾ ويحتمل أن يعود إلى مريم فيكون فيه إشارة إلى أنه كما رباها في بطن أمها فسيربيها بعد ذلك ﴿ بقبول حسن ﴾ تقبلت الشيء وقبلته إذا رضيته لنفسك.
قبولاً بفتح القاف وهو مصدر شاذ حتى حكي أنه لم يسمع غيره.
وأجاز الفراء والزجاج قبولاً بالضم.
والباء في قوله ﴿ بقبول ﴾ بمنزلة الباء في قولك "كتب بالقلم وضربته بالسوط".
وفي التقبل نوع تكلف فكأنه إنما حكم بالتقبل بواسطة القبول الحسن.
قال في الكشاف: معناه فتقبلها بذي قبول حسن أي بأمر ذي قبول وهو اختصاصها بإقامتها مقام الذكر في النذر ولم يقبل قبلها أنثى في النذر، أو بأن تسلمها من أمها عقيب الولادة قبل أن تنشأ وتصلح للسدانة.
قال: ويجوز أن يكون القبول اسم ما يقبل به الشيء كالسعوط واللدود لما يسعط به ويلدّ وهو الاختصاص، ويجوز أن يكون معناه فاستقبلها مثل تعجل بمعنى استعجل وذلك من قولهم "استقبل الأمر" إذا أخذه بأوله أي فأخذها من أول أمرها حين ولدت بقبول حسن.
﴿ وأنبتها نباتاً حسناً ﴾ قيل: كانت تنبت في اليوم مثل ما ينبت المولود في عام.
وقيل: المراد نماؤها في الطاعة والعفة والصلاح والسداد ﴿ وكفلها زكريا ﴾ روي أن حنة حين ولدت مريم لفتها في خرقة وحملتها إلى المسجد ووضعتها عند الأحبار أبناء هارون وهم في بيت المقدس كالحجبة في الكعبة.
فقالت لهم: دونكم هذه النذيرة فتنافسوا فيها لأنها كانت بنت إمامهم وصاحب قربانهم، وكانت بنو ماثان رؤوس بني إسرائيل وأحبارهم وملوكهم.
فقال لهم زكريا: أنا أحق بها، عندي خالتها، فقالوا: لا حتى نقترع عليها.
فانطلقوا وكانوا سبعة وعشرين إلى نهر فألقوا فيه أقلامهم التي كانوا يكتبون بها التوراة والوحي، على أن كل من ارتفع قلمه فهو الراجح.
فألقوا ثلاث مرات وفي كل مرة كان يرتفع قلم زكريا وترسب أقلامهم، فأخذها زكريا.
فعلى هذه الرواية تكون كفالة زكريا إياها من أول أمرها وهو قول الأكثرين.
وزعم بعضهم أنه كفلها بعد أن فطمت ونبتت النبات الحسن على ترتيب الذكور.
والأرجح أنها لم ترضع ثدياً قط، وكانت تتكلم في الصغر، وكان رزقها من الجنة، وأن / زكريا بنى لها محراباً وهي غرفة يصعد إليها بسلم.
وقيل: هو أشرف المجالس ومقدّمها كأنها وضعت في أشرف موضع من بيت المقدس.
وقيل: كانت مساجدهم تسمى المحاريب.
والتركيب يدل على الطلب فكان صدر المجلس يسمى محراباً لطلب الناس إياه.
وكان إذا خرج غلق عليها سبعة أبواب فكان يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء، وذلك قوله عز من قائل ﴿ كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً قال يا مريم أنى لك هذا ﴾ من أين لك هذا الرزق الذي لا يشبه أرزاق الدنيا وهو آتٍ في غير حينه والأبواب مغلقة؟
قالت ﴿ هو من عند الله ﴾ فلا تستبعد ﴿ إن الله يرزق من يشاء بغير حساب ﴾ يحتمل أن يكون من تمام كلام مريم، وأن يكون معترضاً من كلام الله .
واعلم أن الأمور الخارقة للعادة في حق مريم كثيرة فمنها: أنه روى أبو هريرة عن النبي " "ما من مولود إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخاً من مس الشيطان إياه إلا مريم وابنها " قلت: وذلك لدعاء حنة ﴿ وإني أعيذها ﴾ ومنه تكلمها في الصغر.
ومنها حصول الرزق لها من عند الله كما "روي عن النبي أنه جاع في زمن قحط فأهدت له فاطمة ا رغيفين وبضعة لحم آثرته بها فرجع بها إليها وقال: هلمي يا بنية.
فكشفت عن الطبق فإذا هو مملوء خبزاً ولحماً فبهتت وعلمت أنها نزلت من عند الله.
فقال النبي لها: أنى لك هذا؟
قالت: هو من عند الله.
إن الله يرزق من يشاء بغير حساب.
فقال : الحمد لله الذي جعلك شبيهة سيدة نساء بني إسرائيل.
ثم جمع رسول الله علي بن أبي طالب والحسن والحسين وجميع أهل بيته حتى شبعوا وبقي الطعام كما هو، فأوسعت فاطمة ا على جيرانها" .
وفي أمثال هذه الخوارق من غير الأنبياء دليل على صحة الكرامات من الأولياء.
والفرق بين المعجزة والكرامة أن صاحب الفعل الخارق في الأول يدعي النبوة، وفي الثاني يدعي الولاية، والنبي يدعي المعجز ويقطع به، والولي لا يمكنه أن يقطع به، والمعجزة يجب انفكاكها عن المعارضة، والكرامة بخلافها.
وقال بعضهم: الأنبياء مأمورون بإظهار المعجزة، والأولياء مأمورون بإخفاء الكرامات أما المعتزلة فقد احتجوا على امتناع الكرامات.
بأنها دلالات صدق الأنبياء، ودليل النبوة لا يوجد مع غير النبي كما أن الفعل المحكم لما كان دليلاً على أن فاعله عالم فلا جرم لا يوجد في غير العالم.
وأجابوا عن حديث أبي هريرة بعد تسليم صحته أن استهلال المولود صارخاً من مس الشيطان تخييل وتصوير لطمعه فيه، كأنه يمسه ويضرب بيده عليه ويقول: / هذا ممن أغويه.
فمعنى الحديث أن كل مولود فإنه يطمع الشيطان في إغوائه إلا مريم وابنها.
وهذا المعنى يعم جميع من كان في صفتهما من عباد الله المخلصين.
قال في الكشاف: وأما حقيقة المس والنخس كما يتوهم أهل الحشو فكلا ولو سلط إبليس على الناس ينخسهم لامتلأت الدنيا صراخاً وعياطاً مما يبلون به من نخسه.
قلت: وعجيب من مثله مثل هذا هذا الكلام فإنه لا يلزم من الإحساس بمس الشيطان والصراخ منه في وقت الولادة وإنه قريب العهد بعالم الأرواح وبزمان المكاشفة بعيد العهد من عالم الغفلة والإلف بالمحسوسات أن يحس به في وقت آخر ويصرخ على أن أثر مس الشيطان ونخسه يظهر في هيئات النفس وأحوالها، وأنها أمور لا يحس بها إلا بعد المفارقة أو قطع العلائق البدنية، والكلام فيه يستدعي فهمه استعداداً آخر غير العلوم الظاهرية.
قال الجبائي: لم لا يجوز أن تكون تلك الخوارق من معجزات زكريا؟
وبيانه أن زكريا دعا لها على الإجمال أن يوصل الله إليها رزقها، وربما كان غافلاً عن تفاصيل ما يأتيها من الأرزاق من عند الله.
فإذا رأى شيئاً بعينه في وقت معين قال لها: أنى لك هذا؟
قالت: هو من عند الله لا من عند غيره.
فعند ذلك يعلم أن الله أظهر بدعائه تلك المعجزة.
ويحتمل أن يكون زكريا يشاهد عند مريم رزقاً معتاداً لأنه كان يأتيها من السماء وكان زكريا يسألها عن ذلك حذراً من أن يكون من عند إنسان يبعثه إليها فقالت: هو من عند الله، لا من عند غيره.
على أنا لا نسلم أنه قد ظهر لها شيء من الخوارق، بل كانوا يرغبون في الإنفاق على الزاهدات العابدات.
فكان زكريا إذا رأى شيئاً من ذلك خاف أن ذلك الرزق أتاها من حيث لا ينبغي، وكان يسألها عن كيفية الحال.
قلت: أمثال هذه الشبهات يوجبها الشك في القرآن وفي الحديث أو العصبية المحضة.
على أنا نقول: لو كان معجزاً لزكريا لكان مأذوناً من عند الله في طلبه فكان عالماً بحصوله، وإذا علم امتنع أن يطلب كيفية الحال.
وأيضاً كيف قنع بمجرد إخبارها في زوال الشبهة؟
وكيف مدح الله مريم بحصول هذا الرزق عندها؟
وكيف يستبعد هذا القدر ممن أخبر الله بأنه اصطفاها على نساء العالمين وقال: ﴿ وجعلناها وابنها آية للعالمين ﴾ ؟} [الأنبياء: 91].
القصة الثانية: واقعة زكريا وذلك قوله ﴿ هنالك ﴾ أي في ذلك المكان الذي كانا فيه في المحراب، أو في ذلك الوقت ذلك الوقت الذي شاهد تلك الكرامات فقد يستعار "هنا" و "ثمة" و "حيث" للزمان ﴿ دعا زكريا ربه ﴾ وهذا يقتضي أن يكون قد عرف في ذلك الزمان أو المكان أمراً له تعلق بهذا الدعاء، فالجمهور من العلماء المحققين على أن زكريا رأى عند مريم من فاكهة الصيف في الشتاء وبالعكس وأن ذلك خارق للعادة، فطمع / هو أيضاً في أمر خارق هو حصول الولد من شيخ كبير ومن امرأة عاقر.
وهذا لا يقتضي أن يكون زكريا قبل ذلك شاكاً في قدرة الله غير مجوّز وقوع الخوارق، فإن من حسن الأدب رعاية الوقت الأنسب في الطلب.
وأما المعتزلة فحين أنكروا كرامات الأولياء وإرهاص الأنبياء قالوا: إن زكريا لما رأى آثار الصلاح والعفاف والتقوى مجتمعة في حق مريم تمنى أن يكون له ولد مثلها.
قال المتكلمون: إن دعاء النبي لا يكون إلا بعد الإذن لاحتمال أن لا تكون الإجابة مصلحة فحينئذٍ تصير دعوته مردودة وذلك نقص في منصبه.
وقول إن دعاء النبي لا يكون بمجرد التشهي فلا حاجة له في كل دعاء إلى إذن مخصوص، بل يكفي له الإذن في الدعاء على الاطلاق والغالب في دعوته الإجابة، ثم إن وقع الأمر بالندرة على خلاف دعوته فذلك بالحقيقة مطلوبه لأنه يريد الأصلح، ويضمر في دعائه أنه لو لم يكن أصلح لم يبعثه الله عليه ويصرفه عنه.
ومعنى قوله: ﴿ من لدنك ﴾ أن حصول الولد في العرف والعادة له أسباب مخصوصة وكانت مفقودة في حقه.
فكأنه قال: أريد منك يا رب أن تعزل الأسباب في هذه الواقعة وتخلق هذا الولد بمحض قدرتك من غير توسيط الأسباب.
والذرية النسل يقع على الواحد والجمع والذكر والأنثى والمراد ههنا ولد واحد كما قال: ﴿ فهب لي من لدنك ولياً ﴾ قال الفراء: وأنث الطيبة لتأنيث لفظ الذرية في الظاهر.
فالتذكير والتأنيث تارة يجيء على اللفظ وأخرى على المعنى، وهذا في أسماء الأجناس بخلاف الأسماء الأعلام فإنه لا يجوز أن يقال: جاءت طلحة، لأن اسم العلم لا يفيد إلا ذلك الشخص، فإذا كان مذكراً لم يجز فيه إلا التذكير.
﴿ إنك سميع الدعاء ﴾ يعني سماع إجابة.
وذلك لما عهد من الإجابة في غير هذه الواقعة كما قال في سورة مريم ﴿ ولم أكن بدعائك رب شقياً ﴾ .
﴿ فنادته الملائكة ﴾ ظاهر اللفظ للجمع وهذا في باب التشريف أعظم.
ثم ما روي أن المنادي كان جبريل فالوجه فيه أنه كقولهم "فلان يركب الخيل ويأكل الأطعمة النفيسة" أي يركب من هذا الجنس ويأكل منه.
أو لأن جبريل كان رئيس الملائكة وقلما يبعث إلا ومعه آخرون.
﴿ يبشرك بيحيى ﴾ يحتمل أن يكون زكريا قد عرف أنه سيكون في الأنبياء رجل اسمه يحيى وله درجة عالية.
فإذا قيل له: إن ذلك النبي المسمى بيحيى هو ولدك كان بشارة له، ويحتمل أن يكون المعنى يبشرك بولد اسمه يحيى كما يجيء في سورة مريم ﴿ إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى ﴾ وإنه اسم أعجمي كموسى وعيسى، ومن جوز أن يكون عربياً فمنع صرفه للعلمية ووزن الفعل كيعمر.
ثم إنه وصف يحيى بصفات منها: قوله ﴿ مصدقاً بكلمة من الله ﴾ وهو نصب على الحال لأنه نكرة و"يحيى" معرفة.
قال أبو عبيدة: أي مؤمناً بكتاب الله.
وسمي الكتاب / كلمة كما قيل: "كلمة الحويدرة" لقصيدته.
والجمهور على أن المراد بكلمة من الله هو عيسى.
قال السدي: لقيت أم يحيى أم عيسى وهما حاملان بهما.
فقالت: يا مريم أشعرت أني حبلى؟
فقالت مريم: وأنا أيضاً حبلى.
قالت امرأة زكريا: فإني وجدت ما في بطني يسجد لما في بطنك فذاك قوله: ﴿ مصدقاً بكلمة من الله ﴾ وقال ابن عباس: إن يحيى أكبر سناً من عيسى بستة أشهر، وكان يحيى أول من آمن به وصدّق بأنه كلمة الله وروحه، ثم قتل يحيى قبل رفع عيسى.
وسمي عيسى كلمة الله لأنه لم يوجد إلا بكلمة الله وهي "كن" من غير واسطة أب وزرع كما يسمى المخلوق خلقاً والمرجو رجاء، أو لكونه متكلماً في أوان الطفولية، أو لأنه منشأ الحقائق والأسرار كالكلمة، ولهذا سمي روحاً أيضاً لأنه سبب حياة الأرواح.
وقد يقال للسلطان العادل ظل الله ونور الله لأنه سبب ظهور ظل العدل ونور الإحسان، أو لأنه وردت البشارة به في كلمات الأنبياء وكتبهم كما لو أخبرت عن حدوث أمر، ثم إذا حدث قلت قد جاء قولي أو كلامي أي ما كنت أقول أو أتكلم به.
ومنها قوله: ﴿ وسيداً ﴾ والسيد الذي يفوق قومه في الشرف.
وكان يحيى فائقاً لقومه بل للناس كلهم في الخصال الحميدة.
وقال ابن عباس: السيد الحليم.
وقال ابن المسيب: الفقيه العالم.
وقال عكرمة: الذي لا يغلبه الغضب.
ومنها قوله: ﴿ وحصوراً ﴾ قيل: أي محصوراً عن النساء لضعف في الآلة، وزيف بأنه من صفات النقص فلا يليق في معرض المدح.
والمحققون على أنه فعول بمعنى فاعل وهو الذي لا يأتي النسوان لا للعجز بل للعفة والزهد وحبس النفس عنهن، وفيه دليل على أن ترك النكاح كان أفضل من تلك الشريعة، فلولا أن الأمر بالنكاح والحث عليه وارد في شرعنا كان الأصل بقاء الأمر على ما كان.
ومنها قوله: ﴿ ونبياً ﴾ واعلم أن السيادة لا تتم إلا بالقدرة على ضبط مصالح الخلق فيما يرجع إلى الدين والدنيا.
والحصور إشارة إلى الزهد التام وهو منع النفس عما لا يعنيه.
روي أنه مر وهو طفل بصبيان يلعبون فدعوه إلى اللعب فقال: ما للعب خلقت.
فقوله: ﴿ ونبياً ﴾ أشار به إلى ما عدا مجموع الأمرين فإنه ليس بعدهما إلا النبوة.
ثم قال: ﴿ ومن الصالحين ﴾ أي من أولادهم لأنه كان من أصلاب الأنبياء أو كائناً من جملة الصالحين كقوله: ﴿ وإنه في الآخرة لمن الصالحين ﴾ أو لأن صلاحه كان أتم بدليل قوله : " "ما من نبي إلا وقد عصى أو هم بمعصية غير يحيى بن زكريا فإنه لم يعص ولم يهم " وفيه أن الختم على الصلاح هو الغرض الأعظم والغاية القصوى وإن كان نبياً، ولهذا قال سليمان بعد حصول النبوة ﴿ وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين ﴾ وقال يوسف: ﴿ توفني مسلماً وألحقني بالصالحين ﴾ .
ثم إن الملائكة لما نادوه بما نادوه قال زكريا / مخاطباً لله ومناجياً إياه ﴿ رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر ﴾ أدركتني السنون العالية وأثر فيّ طول العمر وأضعفني.
قال أهل اللغة: كل شيء صادفته وبلغته فقد صادفك وبلغك وذلك إذا أمكن تصور الطلب من الجانبين.
فيجوز بلغت الكبر وبلغني الكبر لأن الكبر كالشيء الطالب للإنسان فهو يأتيه بحدوثه فيه.
والإنسان أيضاً يأتيه بمرور العمر عليه.
ولا يجوز بلغني البلد في موضع بلغت البلد لأن البلد ليس كالطالب للإنسان الذاهب.
﴿ وامرأتي عاقر ﴾ هي من الصفات الخاصة بالنساء.
ويقال: رمل عاقر لا ينبت شيئاً.
فإن قيل: لما كان زكريا هو الذي سأل الولد ثم أجابه الله إلى ذلك فما وجه تعجبه واستبعاده بقوله: ﴿ أنى يكون ﴾ من أين يحصل لي غلام؟
فالجواب على ما في الكشاف أن الاستبعاد إنما جاء من حيث العادة.
وقيل: إنه دهش من شدة الفرح فسبق لسانه.
ونقل عن سفيان بن عيينة أن دعاءه كان قبل البشارة بستين سنة، فكان قد نسي ذلك السؤال وقت البشارة، فلما سمع البشارة في زمان الشيخوخة استغرب وكان له يؤمئذٍ مائة وعشرون سنة أو تسع وتسعون ولامرأته ثمان وتسعون، وعن السدي أن الشيطان جاءه عند سماع البشارة قال: إن هذا النداء من الشيطان وقد سخر منك فاشتبه عليه الأمر ولا سيما أنه كان من مصالح الدنيا ولم يتأكد بالمعجزة فرجع إلى إزالة ذلك الخاطر فسأل ما سأل.
والجواب المعتمد أن زكريا لم يسأل عما سأل استبعاداً وتشككاً في قدرة الله ، وإنما أراد تعيين الجهة التي بها يحصل الولد، فإن الجهة المعتادة كانت متعذرة عادة لكبره وعقارتها فأجيب بقوله: ﴿ كذلك الله يفعل ما يشاء ﴾ وهو إما جملة واحدة أي الله يفعل ما يشاء من الأفعال العجيبة مثل ذلك الفعل وهو خلق الولد بين الشيخ الفاني والعجوز العاقر، أو جملتان فيكون ﴿ كذلك الله ﴾ مبتدأ وخبراً أي على نحو هذه الصفة الله و ﴿ يفعل ما يشاء ﴾ بياناً له أي يفعل ما يريد من الأفاعيل الخارقة للعادات.
ثم إنه لفرط سروره وثقته بكرم ربه وإنعامه سأل عن تعيين الوقت فقال: ﴿ رب اجعل لي آية ﴾ علامة أعرف بها العلوق فإن ذلك لا يظهر من أوّل الأمر فقال : ﴿ آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام ﴾ أي بلياليها ولهذا ذكر في سورة مريم ﴿ ثلاث ليال ﴾ ومعنى قوله: ﴿ ألا تكلم الناس ﴾ قال المفسرون: أي لا تقدر على التكلم.
حبس لسانه عن أمور الدنيا وأقدره على الذكر والتسبيح ليكون في تلك المدة مشتغلاً بذكر الله وبالطاعة وبالشكر على تلك النعمة الجسمية، فيصير الشيء الواحد علامة على المقصود وأداء لشكر النعمة فيكون جامعاً للمقاصد.
وفي هذه الآية إعجاز من وجوه منها: القدر على التكلم بالتسبيح والذكر مع العجز عن التكلم بكلام البشر.
ومنها العجز مع سلامة البنية واعتدال المزاج.
ومنها الإخبار بأنه متى حصلت هذه / الحالة فقد حصل الولد.
ثم إن الأمر وقع على وفق هذا الخبر.
وعن قتادة أنه عوتب بذلك حيث سأل بعد بشارة الملائكة فأخذ لسانه وصبر بحيث لا يقدر على الكلام.
قلت: وأحسن العتاب ما كانت منتزعاً من نفس الواقعة ومناسباً لها.
وفيه لطيفة أخرى وهي أنه طلب الآية على الإطلاق فاحتمل أن يكون قد طلب علامة للعلوق، واحتمل أن يكون قد طلب دلالة على إحداث الخوارق ليصير علم اليقين عين اليقين، فصار حبس لسانه آية العلوق ودلالة على الفعل الخارق جميعاً مع مناسبته للواقعة حيث سأل ما كان من حقه أن لا يسأل.
وزعم أبو مسلم أن المعنى: آيتك أن تصير مأموراً بعدم التكلم ولكن بالاشتغال بالذكر والتسبيح ﴿ إلا رمزاً ﴾ إشارة بيد أو رأس أو بالشفتين ونحوها.
وأصل التركيب للتحرك يقال: ارتمز إذا تحرك ومنه الراموز للبحر، وهو استثناء من قوله: ﴿ ألا تكلم ﴾ وجاز وإن لم يكن الرمز من جنس الكلام لأن مؤدّاه مؤدى الكلام، ويجوز أن يكون استثناء منقطعاً.
وقيل: الرمز الكلام الخفي.
وعلى هذا فالاستثناء متصل من غير تكلف.
وقرأ يحيى بن وثاب ﴿ إلا رمزاً ﴾ بضمتين جميع رموز كرسول ورسل وقرىء ﴿ رمزاً ﴾ بفتحتين جمع رامز كخادم وخدم وهو حال منه ومن الناس دفعة بمعنى إلا مترامزين كما يكلم الناس الأخرس بالإشارة ويكلمهم ﴿ واذكر ربك كثيراً ﴾ قيل: إنه لم يكن عاجزاً إلا عن تكليم البشر.
وقيل: المراد الذكر بالقلب وإنه كان عاجزاً عن التكلم مطلقاً ﴿ وسبح ﴾ حمله بعضهم على صلّ كيلا يكون تكراراً للذكر.
وقد تسمى الصلاة تسبيحاً ﴿ فسبحان الله حين تمسون ﴾ لاشتمالها عليه.
والعشيّ مصدر على "فعيل" وهو من وقت زوال الشمس إلى غروبها.
والإبكار من طلوع الفجر إلى الضحى وهو مصدر أبكر يبكر إذا خرج للأمر من أول النهار، ومنه الباكورة لأول الثمار.
وقرىء بفتح الهمزة جمع بكر كسحر وأسحار.
التأويل: إن لله في كل ذرة من ذرات الموجودات وحركة من حركاتها أسراراً لا يعلمها إلا الله.
فانظر ماذا أخرج الله من الأسرار عن إطعام طائر فرخه، وماذا أظهر من الآيات والمعجزات من تلك الساعة إلى يوم القيامة بواسطة مريم وعيسى ﴿ فتقبل مني ﴾ راجع إلى المحرر لا إلى التحرير أي تقبلها مني أن تتكفلها وتربيها تربية المحررين ﴿ فتقبلها ربها ﴾ أي تقبلها ربها أن يربيها ﴿ بقبول حسن ﴾ كقبول ذكر أو قبولاً أخرج منها مثل عيسى ﴿ وكفلها زكريا ﴾ من كمال رأفته أنه جعل كفالتها إلى زكريا حيث أراد أن يخرج عيسى منها بلا أب لئلا يدخل عليها غيره فتكون أبعد من التهمة.
﴿ وجد عندها رزقاً ﴾ أي من فتوحات الغيب الذي يطعم الله به خواص عباده الذين يبيتون عنده لا عند أنفسهم ولا عند الخلق / كقوله : " أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني " ﴿ إن الله يرزق من يشاء بغير حساب ﴾ ما لم يكن في حسابها من الولد بلا أب، ومن الفاكهة بلا شجرة، ومن المعجزات بلا نبوة، ومن العلوم اللدنية بلا واسطة ﴿ هنالك دعا زكريا ربه ﴾ كما أنه جعل إطعام الطائر فرخه سبب تحريك قلب حنة لطلب الولد، فكذلك جعل حالة مريم وما كان يأتيها من الرزق خارقاً للعادة سبب تحريك قلب زكريا ﴿ قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة ﴾ أي ولداً يكون روحه من الصف الأول من صفوف الأرواح المجندة، وهو المطهر من لوث الحجاب والوسط الصالح للنبوة والولاية بخلاف الصف الثاني الذي هو لأرواح الأولياء وبينه وبين الله تعالى حجاب الصف الأول، وبخلاف الصف الثالث الذي هو لأرواح المؤمنين، وبخلاف الصف الرابع الذي هو لأرواح المنافقين والمشركين ﴿ فنادته الملائكة وهو قائم ﴾ بالله ﴿ يصلي ﴾ بسائر سره في الملكوت يحارب نفسه وهواه ﴿ في المحراب إن الله يبشرك بغلام اسمه يحيى ﴾ لأنه منذ خلق ما ابتلى بالموت لا بموت القلب بالمعاصي ولا بموت الصورة لأنه استشهد والشهداء لا يموتون بل أحياء عند ربهم يرزقون.
﴿ مصدقاً بكلمة من الله ﴾ وهي قوله: ﴿ يا يحيى خذ الكتاب بقوة ﴾ ﴿ وسيداً ﴾ أي حراً من رق الكونين بل سيداً لرقيقي الكونين ﴿ وحصوراً ﴾ نفسه عن التعليق بالكونين ﴿ ونبياً من الصالحين ﴾ من أهل الصف الأول ﴿ رب أنى يكون لي غلام ﴾ لم يكن استبعاده من قبل القدرة الإلهية ولكن من جهة استحقاقه لهذه الكرامة ﴿ آيتك ألا تكلم الناس ﴾ لغلبات الصفات الروحانية عليك واستيلاء سلطان الحقيقة على قلبك، فإن النفس الناطقة تكون مغلوبة في تلك الحالة بشواهد الحق في الغيب، فلا تفرغ لإجراء عادتها في الشهادة بالكلام ﴿ إلا رمزاً ﴾ ولهذا يقوى الروح الحيواني وتستمد منه القوة البشرية فيحيى الله به الشهوة الميتة فسمى ما تولد من الشهوة الميتة التي أحياها الله يحيى.
ولاستمرار هذه الحالة في الأيام الثلاثة أمر بالمراقبة ليلاً ونهاراً وعشياً وإبكاراً حسبي الله.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ ءَادَمَ ﴾ : اختلف فيه؛ قيل: ﴿ ٱصْطَفَىٰ ءَادَمَ وَنُوحاً ﴾ ومن ذكر لرسالته ولنبوته.
وقيل: اختارهم لدينه، وهو الإسلام.
وقيل: اختارهم في النية والعمل الصالح والإخلاص لله.
قال الشيخ - رحمه الله -: الاصطفاء: أن يجعلهم أصفياء من غير تكدر بالدنيا، وغيرهم اختيارهم لأمرين: لأمر الآخرة، ولأمر المعاش؛ ألا ترى إلى قوله: "إِنَّا مَعَاشِرَ الأَنْبِيَاءِ لاَ نُورَثُ؛ نَمُوتُ مَوْتَ العَبْدِ لِسَيِّدِه" وقال الشيخ [رحمه الله] أيضاً في قوله: إن الله اصطفى من ذكر: فهو - والله أعلم - ذكر الله أولياءه وأهل صفوته، ثم أعداءه وأهل الشقاء؛ ترغيباً فيما استوجبوا الصفوة؛ وتحذيراً عما به صاروا أهل الشقاء؛ إذ هما أمران يتولّدان عن اختيار البشر، ويقومان بأسبابهما أهل المحن، لا بنفس الخلقة والجوهر؛ فصار الذكر للمعنى الذي ذكرت؛ وعلى [ذلك وجه ذكر] عواقب الفريقين في الدنيا، وما إليه يصير أمرهم في المعاد؛ وعلى هذا ما ضرب الله من الأمثال بأنواع الجواهر الطيبة والخبيثة في العقول والطبائع ترغيباً وترهيباً؛ وعلى هذا جميع أمور الدنيا، أنها كلها عبر ومواعظ، وإن كان فيها شهوات ولذات، وآلام وأوجاع؛ ليعلم أنها خلقت لا لها لكن لأمر عظيم، كان ذلك هو المقصود من مدبر العلم [أن] بالعواقب يذم أهل الاختبار ويحمدون؛ فجعل الله عواقب الحكماء وأهل الإحسان حميدة لذيذة؛ ترغيباً فيها، وعواقب السفهاء وأهل الإساءة دميمة وجيفة؛ تزهيداً فيها؛ فخرج جميع فعل الله على الحكمة والإحسان، وإن كانت مختلفة في اللذة والكراهة؛ لأنه كذلك طريق الحكمة في الجزاء، وفي ابتداء المحنة، إلا أن المحنة تكون مختلفة، والجزاء نوع لما هو كذلك في الحكمة والإحسان؛ إذ كذلك سبق من أهله الاختيار والجزاء على ما اختاره من له وعليه حكمه وإحسان؛ أعني: بالإحسان فيما يجوز الامتحان بلا جزاء بحق الشكر لما أولى وأبلى، والحكمة فيما كان لازماً ذلك في التدبير، ولا قوة إلا بالله.
وقوله: ﴿ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ ﴾ : قيل: بعضها من بعض في النسب من ذرية آدم، ثم من ذرية نوح، ثم من ذرية إبراهيم، عليهم السلام.
وقيل: بعضهم من ذرية بعض.
وقيل: بعضهم من جوهر بعض؛ فلا تتكبروا؛ كقوله: ﴿ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَٰنِكُمْ بَعْضُكُمْ مِّن بَعْضٍ ﴾ منع الحرّ عن التعظيم على العبد.
واختلف في الذرية: قال بعضهم: "الذرية": الأولاد والآباء؛ كقوله: ﴿ ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ ﴾ ، وكانوا الأولاد والآباء، والذريّة مأخوذة، وهو الخلقة.
وقيل: "الذرية": الأولاد خاصّة، يقال: ذرية فلان، إنما يراد، أولاده خاصّة؛ دليله قوله: ﴿ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ﴾ .
وقوله: ﴿ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ﴾ .
واختلف في الآل؛ قيل: آل الرجل: المتصلون به.
وقيل: آل الرجل: أتباعه.
وقيل: أقرباؤه.
وروى [أن النبي] قال: "كُلُّ تَقِيٍّ فَهُوَ مِنْ آلِي".
وقيل: إن عمران من ولد سليمان بن داود.
وقوله: ﴿ إِذْ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً ﴾ .
لما أخبر - عز وجل - أنه اصطفى آل عمران واختارهم على سائر العالمين، وكان أقل ما في صفوته واختياره أن جعلت امرأة عمران ما في بطنها محرّراً.
"والمحرّر": هو العتيق عن المعاش بالعبادة.
وقيل: "المحرّر" هو الذي يعبد الله - - خالصاً مطيعاً، لا يشغله شيء عن عبادته، فارغاً لذلك، وهو قول ابن عباس - .
وقيل: "المحرر" هو الذي يكون لله صافياً؟
وقيل: "المحرر" هو مَنْ خَدَمَ المسجد.
وقوله: ﴿ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً ﴾ .
جعلت ما في بطنها لله خالصاً، لم تطلب منه الاستئناس به، ولا ما يطمع الناس من أولادهم، وذلك من الصفوة التي ذكر - عز وجل - وهكذا الواجب على كل أحد أنه إذا طلب ولداً أن يطلب للوجه الذي طلبت امرأة عمران وزكريّا، حيث، قال: ﴿ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ﴾ ، وما سأل إبراهيم - -: ﴿ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ ٱلصَّالِحِينَ ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا...
﴾ الآية [الفرقان: 74] هكذا الواجب أن يطلب الولد لا ما يطلبون من الاستئناس والاستنصار والاستعانة بأمر المعاش بهم.
وقوله: ﴿ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ﴾ .
أي: تقبل مني قرباني، ومنا جعلت لك خالصاً، إنك أنت السميع لنذري، العليم بقصدي في التحرير.
وقيل: ﴿ ٱلسَّمِيعُ ﴾ : المجيب لدعائي، ﴿ ٱلْعَلِيمُ ﴾ بنيتي.
وقوله: ﴿ فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَىٰ ﴾ .
ومعنى قولها: ﴿ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَىٰ ﴾ - مع علمها أن الله عالم بما في بطنها وبما وضعتها - وجهان: أحدهما: اعتذاراً لما لم يكن يُحَرَّر في ذلك الزمان إلى الذكور من الأولاد؛ فاعتذرت: إني ما وضعت لا يصلح للوجه الذي جعلت.
والثاني: أن الإنسان إذا رأى شيئاً عجيبا قد ينطق بذلك، وإن كان يعلم أن غيره علم ما علم هو، وأنه رأى مثل ما رأى هو.
أو يحتمل أن طلبت ردّها إلى منافعها إذا وضعت الأنثى؛ لما رأت الأنثى لا تصلح لذلك.
ويحتمل قولها: ﴿ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَىٰ ﴾ : التعريض لإجابة الله - - لها فيما قصدت من طاعته بالنذور إن لم تكن صلحت لما قصدت، وقد أجيبت في ذلك بقوله: ﴿ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ ﴾ نحو ما يتقبل لو كان ذكراً في الاختيار والإكرام، وجعلها خير نساء العالمين.
وقوله: ﴿ وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلأُنْثَىٰ ﴾ .
اختلف فيه: إن ذلك قولها، قالت: ﴿ وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلأُنْثَىٰ ﴾ على إثر قولها: ﴿ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَىٰ ﴾ ؛ لما تحتاج الأنثى إلى فضل حفظ وتعاهد، والقيام بأسبابها ما لا يحتاج الذكر.
وقيل: إن ذلك قول قاله - عز وجل - لما قالت: ﴿ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَىٰ ﴾ ، جواباً لها، ﴿ وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلأُنْثَىٰ ﴾ فيما قصدت، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ ﴾ .
فيه دليل [على] أن تسمية الأولاد إلى الأمهات في الإناث دون الآباء، ثم التجأت إلى الله ، حيث أعاذتها به - وذرّيتَها - من الشيطان الرجيم.
وفيه دلالة أن الذكور يكونون من ذرّية الإناث؛ لأنه لم يكن منها إلا عيسى، .
وقوله: ﴿ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ ﴾ : أن أعاذها وذرّيتها من الشيطان الرجيم على ما سألت.
ويحتمل أن جعلها تصلح للتحرير ولما جعلت، وإن كانت أنثى.
وقوله: ﴿ وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً ﴾ .
يحتمل - أيضاً - نباتاً حسناً؛ أن لم يجعل للشيطان إليها سبيلاً.
ويحتمل أن ربّاها تربية حسنة؛ أن لم يجعل رزقها وكفايتها بيد أحد من الخلق؛ بل هو الذي يتولى ذلك لما يبعث إليها من ألوان الرزق، كقوله: ﴿ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَهُزِّىۤ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً ﴾ .
وقوله: ﴿ وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ﴾ .
فيه لغتان: إحداهما: بالتخفيف، والأخرى: بالتشديد؛ فمن قرأ بالتخفيف؛ فمعناه ضمّها زكريّا إلى نفسه، ومن قرأ بالتشديد؛ فمعناه: أن الله - عز وجل - ضمّها إلى زكريا.
وقوله: ﴿ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً ﴾ .
قيل: وجد عندنا فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف - قال زكريا: ﴿ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا ﴾ .
قيل: فيه بوجهين: قيل: استخبار عن موضعه، أو كيف لك هذا، على الاستيصاف؛ إنكاراً عليها واتهاماً؛ لما لا يدخل عليها غيره، ولا يقوم بكفايتها سواه، فوقع في قلبه أن أحداً من البشر يأتيها بذلك.
وقيل: إنه قال ذلك؛ تعجباً منه لذلك لما رأى من الفاكهة والطعام في غير حينه غير متغير؛ فقال: ﴿ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا ﴾ ؛ تعجباً منه لذلك.
ثم قالت: ﴿ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ .
أي: يرزق من حيث لا يحستب.
<div class="verse-tafsir"
فتقبَّل الله نذرها بقَبول حسن، وأنشأها نشاةً حسنة، وعطف عليها قلوب الصالحين من عباده، وجعل كفالتها إلى زكريا.
وكان زكريا كلما دخل عليها مكان العبادة وجد عندها رزقًا طيبًا ميسَّرًا، فقال مخاطبًا إياها: يا مريم، من أين لك هذا الرزق؟
قالت مجيبة إياه: هذا الرزق من عند الله، إن الله يرزق من يشاء رزقًا واسعًا بغير حساب.
من فوائد الآيات عظم مقام الله وشدة عقوبته تجعل العاقل على حذر من مخالفة أمره تعالى.
برهان المحبة الحقة لله ولرسوله باتباع الشرع أمرًا ونهيًا، وأما دعوى المحبة بلا اتباعٍ فلا تنفع صاحبها.
أن الله تعالى يختار من يشاء من عباده ويصطفيهم للنبوة والعبادة بحكمته ورحمته، وقد يخصهم بآيات خارقة للعادة.
<div class="verse-tafsir" id="91.LAeMl"
﴿ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ ﴾ : يقال إن لفظ الذرية قد يطلق على الوالدين والأولاد خلافًا لعرف الفقهاء، وهو قليل، والمشهور ما جرى عليه الفقهاء وهو أن الذرية الأولاد فقط فقوله ﴿ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ ﴾ ظاهر على الأول.
ويخص على الثاني بآل إبراهيم وآل عمران.
ويصح أن يكون بمعنى إنهم أشباه وأمثال في الخيرية والفضيلة التي هي أصل اصطفائهم على حد قوله تعالى: ﴿ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ ﴾ وهو استعمال معروف.
ورد ذكر عمران في الآيات مرتين، فبعضهم يقول إنهما واحد وهو أبو مريم ويستدل على ذلك بورودهما في سياق واحد، وأكثرهم يقول إن الأول أبو موسى والثاني أبو مريم وبينهما نحو ألف وثمانمائة سنة تقريبًا، وتفصيل ذلك معروف عند اليهود.
والمسيحيون لا يعترفون بأن أبا مريم يدعى عمران، ولا ضير في ذلك، فإنه لا يلزم أن تكون كل حقيقة معروفة عندهم وليس لهم سند لنسب المسيح يحتج به فهو كسلسلة الطريق عند المتصوفة يزعمون أنها متصلة بعلي أو بالصديق وليس لهم في ذلك سند متصل يحتج بمثله.
﴿ وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴾ : في حديث أبي هريرة عند الشيخين وغيرهما واللفظ هنا لمسلم: "كل بني آدم يمسه الشيطان يوم ولدته أمه إلا مريم وابنها".
وإذا صح الحديث فهو من قبيل التمثيل لا من باب الحقيقة.
إن القرآن نزل سائغًا يسهل على كل أحد فهمه من غير حاجة إلى عناء ولا ذهاب في الدفاع عن شيء خلاف الظاهر فعلينا أن لا نخرج عنه سنّته ولا نضيف إليه حكايات إسرائيلية أو غير إسرائيلية لجعل هذه القصة من خوارق العادات، والبحث عن ذلك الرزق ما هو ومن أين جاء فضول لا يحتاج إليه لفهم المعنى ولا لمزيد العبرة، ولو علم الله أن في بيانه خيرًا لبينه.
أما ما سيقت القصة لأجله، وهو الذي يجب أن نبحث فيه، ونستخرج العبر من قوادمه وخوافيه، فهو تقرير نبوة النبي ودحض شبه أهل الكتاب الذين احتكروا فضل الله وجعلوا خاصًا بشعب إسرائيل وشبهة المشركين الذين كانوا ينكرون نبوته لأنه بشر.
وبيان ذلك أن المقصد الأول من مقاصد الوحي هو تقرير عقيدة الألوهية وأهم مسائلها مسألة الوحدانية وتقرير عقيدة البعث والجزاء وعقيدة الوحي والأنبياء وقد افتتحت السورة بذكر التوحيد وإنزال الكتاب ثم كانت الآيات من أولها إلى هذه القصة أو قبيل هذه القصة في الألوهية والجزاء بعد البعث بالتفصيل وإزالة الشبهات والأوهام في ذلك، ثم بيّن أن الإيمان بالله وادعاء حبه ورجاء النجاة في الآخرة والفوز بالسعادة فيها إنما تكون باتباع رسوله وقفى على ذلك بهذه القصة التي تزيل شبه المشركين وأهل الكتاب في رسالته وتردها على وجودهم.
رد عليهم بما يعرفونه من أن أبو البشر، وأن الله اصطفاه بجعله أفضل من كل أنواع الحيوان، وتمكينه هو وذريته من تسخيرها، وهذا متفق عليه بين المشركين وأهل الكتاب، ومن اصطفاء نوح وجعله أبا البشر الثاني وجعل ذريته هم الباقين، ومن اصطفاء إبراهيم وآله على البشر فإن العرب وأهل الكتاب كانوا يعرفون ذلك، فالأولون يفخرون بأنهم ولد إسماعيل وعلى ملة إبراهيم كما يفخر الآخرون باصطفاء آل عمران من بني إسرائيل حفيد إبراهيم.
فالله يرشد هؤلاء وأولئك وجميع البشر إلى أنه هو الذي اصطفى هؤلاء بغير مزية سبقت منهم ذلك وتوجبه عليه، فإذا كان الأمر له في اصطفاء من يشاء من عباده وبذلك اصطفى هؤلاء على عالمي زمانهم فما المانع له من اصطفاء محمد بعد ذلك على العالمين كما اصطفى أولئك؟
لا مانع يمنع ذلك عند من يعقل.
فإن قيل: إنه لم يعهد أن بعث نبيًا من غير بني إسرائيل بعد وجودهم، قلنا: ولم اصطفى بني إسرائيل عند وجودهم؟
أليس ذلك بمحض مشيئته؟
بلى، وبمحض مشيئته اصطفى محمدًا .
فهذه المثل مسوقة لبيان أنه تعالى يصطفي من خلقه من يشاء، أما الدليل على كونه شاء اصطفاءه فاصطفاه بالفعل فهو أنه اصطفاه بالفعل إذ جعله هاديًا للناس مخرجًا لهم من ظلمات الشرك والجهل والفساد إلى نور الحق الجامع للتوحيد والعلم والصلاح، ولم يكن أثر غيره من آل إبراهيم وآل عمران في الهداية بأظهر من أثره.
بل أثره أظهر، ونوره أسطع، صلى الله عليه وعلى كل عبد مصطفى.
وهذا بيان لوجه اتصال القصة بما قبلها من أول السورة.
ومن هذه المثل قصة مريم فإن أمها إذا كانت قد ولدتها وهي عاقر على خلاف المعهود كما نقل، أو يقال إذا كان قبول الأنثى محررة لخدمة بيت الله على خلاف المعهود عندهم وقد تقبله الله فلماذا لا يجوز أن يرسل الله محمدًا من غير بني إسرائيل على خلاف المعهود عندهم؟
ومثل هذا يقال في قصة زكريا الآتية ومن ذلك كله يعلم أن أعماله لا تأتي دائمًا على ما يعهد الناس ويألفون.
<div class="verse-tafsir"