الآية ٣٦ من سورة آل عمران

الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ٣٦ من سورة آل عمران

فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّى وَضَعْتُهَآ أُنثَىٰ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلْأُنثَىٰ ۖ وَإِنِّى سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّىٓ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ ٱلرَّجِيمِ ٣٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 169 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٦ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٦ من سورة آل عمران عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت ) قرئ برفع التاء على أنها تاء المتكلم ، وأن ذلك من تمام قولها ، وقرئ بتسكين التاء على أنه من قول الله عز وجل ( وليس الذكر كالأنثى ) أي : في القوة والجلد في العبادة وخدمة المسجد الأقصى ( وإني سميتها مريم ) فيه دلالة على جواز التسمية يوم الولادة كما هو الظاهر من السياق ، لأنه شرع من قبلنا ، وقد حكي مقررا ، وبذلك ثبتت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال : " ولد لي الليلة ولد سميته باسم أبي إبراهيم " .

أخرجاه وكذلك ثبت فيهما أن أنس بن مالك ذهب بأخيه ، حين ولدته أمه ، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فحنكه وسماه عبد الله وفي صحيح البخاري : أن رجلا قال : يا رسول الله ، ولد لي ولد ، فما أسميه ؟

قال : " اسم ولدك عبد الرحمن " وثبت في الصحيح أيضا : أنه لما جاءه أبو أسيد بابنه ليحنكه ، فذهل عنه ، فأمر به أبوه فرده إلى منزلهم ، فلما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس سماه المنذر .

فأما حديث قتادة ، عن الحسن البصري ، عن سمرة بن جندب ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " كل غلام رهين بعقيقته ، يذبح عنه يوم سابعه ، ويسمى ويحلق رأسه " فقد رواه أحمد وأهل السنن ، وصححه الترمذي بهذا اللفظ ، ويروي : " ويدمى " ، وهو أثبت وأحفظ والله أعلم .

وكذا ما رواه الزبير بن بكار في كتاب النسب : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عق عن ولده إبراهيم يوم سابعه وسماه إبراهيم .

فإسناده لا يثبت ، وهو مخالف لما في الصحيح ولو صح لحمل على أنه أشهر اسمه بذلك يومئذ ، والله أعلم .

وقوله إخبارا عن أم مريم أنها قالت : ( وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ) أي : عوذتها بالله ، عز وجل ، من شر الشيطان ، وعوذت ذريتها ، وهو ولدها عيسى ، عليه السلام .

فاستجاب الله لها ذلك كما قال عبد الرزاق : أنبأنا معمر ، عن الزهري ، عن ابن المسيب ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما من مولود يولد إلا مسه الشيطان حين يولد ، فيستهل صارخا من مسه إياه ، إلا مريم وابنها " .

ثم يقول أبو هريرة : اقرأوا إن شئتم : ( وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ) أخرجاه من حديث عبد الرزاق .

ورواه ابن جرير ، عن أحمد بن الفرج ، عن بقية ، [ عن الزبيدي ] عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، بنحوه .

وروى من حديث قيس ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما من مولود إلا وقد عصره الشيطان عصرة أو عصرتين إلا عيسى ابن مريم ومريم " .

ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ) .

ومن حديث العلاء عن أبيه عن أبي هريرة .

ورواه مسلم ، عن أبي الطاهر ، عن ابن وهب ، عن عمرو بن الحارث ، عن أبي يونس ، عن أبي هريرة .

ورواه وهب أيضا ، عن ابن أبي ذئب ، عن عجلان مولى المشمعل ، عن أبي هريرة .

ورواه محمد بن إسحاق ، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم بأصل الحديث .

وهكذا رواه الليث بن سعد ، عن جعفر بن ربيعة ، عن عبد الرحمن بن هرمز ، الأعرج قال : قال أبو هريرة : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كل بني آدم يطعن الشيطان في جنبه حين تلده أمه ، إلا عيسى ابن مريم ، ذهب يطعن فطعن في الحجاب " .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله جل ثناؤه : فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " فلما وضعتها "، فلما وضعت حَنَّة النذيرةَ، ولذلك أنث.

ولو كانت " الهاء " عائدة على " ما " التي في قوله: إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا ، لكان الكلام: " فلما وضعته قالتْ رب إني وضعته أنثى ".

* * * ومعنى قوله: (وضعتها)"، ولدتها.

يقال منه: " وضعت المرأة تَضَع وضْعًا ".

* * * &; 6-334 &; =" قالت ربّ إني وضعتها أنثى "، أي: ولدت النذيرة أنثى =" والله أعلم بما وضعت ".

* * * واختلف القرأة في قراءة ذلك.

فقرأته عامة القرأة: ( وَضَعَتْ )، خبرًا من الله عز وجل عن نفسه: أنه العالم بما وضعت، من غير قيلها: " ربّ إني وضعتها أنثى ".

* * * وقرأ ذلك بعض المتقدّمين: ( وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعْتُ ) على وجه الخبر بذلك عن أم مريم أنها هي القائلة: " والله أعلم بما ولدتُ مني".

* * * قال أبو جعفر: وأولى القراءتين بالصواب ما نقلته الحجة مستفيضة فيها قراءته بينها، لا يتدافعون صحتها.

وذلك قراءة من قرأ " والله أعلم بما وضعتْ"، ولا يعترض بالشاذّ عنها عليها.

* * * فتأويل الكلام إذًا: والله أعلم من كل خلقه بما وضعت = ثم رجع جل ذكره إلى الخبر عن قولها، وأنها قالت - اعتذارًا إلى ربها مما كانت نذرتْ في حملها فحررته لخدمة ربها -: " وليس الذكر كالأنثى "، لأن الذكر أقوى على الخدمة وأقوم بها، وأن الأنثى لا تصلح في بعض الأحوال لدخول القدْس والقيام بخدمة الكنيسة، لما يعتريها من الحيض والنفاس =" وإني سميتها مريم "، كما:- 6877 - حدثني ابن حميد قال، ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: " فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى "، أي: لما جعلتها محرّرًا له نذيرة.

(37) 6878 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني ابن إسحاق: &; 6-335 &; " وليس الذكر كالأنثى "، لأن الذكر هو أقوى على ذلك من الأنثى.

6879 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " وليس الذكر كالأنثى "، كانت المرأة لا يستطاع أن يصنع بها ذلك = (38) يعني أن تحرر للكنيسة، فتجعل فيها، تقوم عليها وتكنسها فلا تبرحها = مما يصيبها من الحيض والأذى، فعند ذلك قالت: (39) " ليس الذكر كالأنثى ".

6880 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة: " قالت رب إني وضعتها أنثى "، وإنما كانوا يحرّرون الغلمان - قال: " وليس الذكر كالأنثى وإني سميتها مريم ".

6881 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قال: كانت امرأة عمران حرّرت لله ما في بطنها، وكانت على رَجاء أن يهبَ لها غلامًا، لأن المرأة لا تستطيع ذلك = يعني القيامَ على الكنيسة لا تَبرحها، وتكنُسها = لما يصيبها من الأذى.

6882 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: أن امرأة عمران ظنتّ أن ما في بطنها غلامٌ، فوهبته لله.

فلما وضعت إذا هي جارية، فقالت تعتذر إلى الله: " رب إني وضعتها أنثى وليس الذكر كالأنثى "، تقول: إنما يحرّر الغلمان.

يقول الله: " والله أعلم بما وضعت "، فقالت: " إني سَمّيتها مريم ".

&; 6-336 &; 6883 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن القاسم بن أبي بزة: أنه أخبره عن عكرمة = وأبي بكر، عن عكرمة: " فلما وضعتها قالت رَبّ إني وضعتها أنثى " =" وليس الذكر كالأنثى "، يعني: في المحيض، ولا ينبغي لامرأة أن تكون مع الرجال = أمها تقول ذلك.

* * * القول في تأويل قوله جل ثناؤه : وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (36) قال أبو جعفر: تعني بقولها: " وإني أعيذُها بك وذُريتها "، وإني أجعل مَعاذها ومَعاذ ذرّيتها من الشيطان الرجيم، بك.

* * * وأصل " المعاذ "، الموئل والملجأ والمعقل.

(40) * * * = فاستجاب الله لها، فأعاذها الله وذرّيتها من الشيطان الرجيم، فلم يجعل له عليها سبيلا.

* * * 6884 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عبدة بن سليمان، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من نَفْس مولود يُولد إلا والشيطان ينال منه تلك الطعنة، ولها يَستهلّ الصبي، إلا ما كان من مريم ابنة عمران، فإنها لما وضعتها قالت: " رب إني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم "، فضُرب دُونها حجاب، فطعَن فيه.

(41) &; 6-337 &; 6885 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير قال، حدثني محمد بن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبي هريرة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل مولود من ولد آدم له طَعنةٌ من الشيطان، وبها يستهلُّ الصبي، إلا ما كان من مريم ابنة عمران وولدها، فإنّ أمها قالت حين وضعتها: " إني أعيذها بك وذرّيتها من الشيطان الرجيم "، فضرب دونهما حجاب، فطَعَن في الحجاب.

6886 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني محمد بن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بنحوه.

6887 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا هارون بن المغيرة، عن عمرو، عن شعيب بن خالد، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب قال: سمعت أبا هريرة يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ما من بني آدم مولودٌ يولد إلا قد مسَّه الشيطان حين يولد، فيستهلّ صارخًا بمسِّه إياه، غير مريم وابنها.

قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: " إني أعيذها بك وذرّيتها من الشيطان الرجيم ".

(42) &; 6-338 &; 6888 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب، قال، أخبرني ابن أبي ذئب، عن عجلان مولى المشمعِلّ، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل مولود يولد من بني آدم يمسُّه الشيطان بإصبعه، إلا مريم وابنها.

(43) 6889 - حدثني أحمد بن عبد الرحمن بن وهب قال، حدثني عمي عبد الله بن وهب قال، أخبرني عمرو بن الحارث: أن أبا يونس سُليماً مولى أبي هريرة حدثه، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كل بني آدم يمسُّه الشيطان يوم ولدته أمه، إلا مريم وابنها.

(44) 6890 - حدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني عمران، أن &; 6-339 &; أبا يونس حدثه، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله.

(45) 6891 - حدثني الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من مولود يولد إلا يمسُّه الشيطان، فيستهل صارخًا من مسَّةِ الشيطان، إلا مريم وابنها.

ثم يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: " وإني أعيذُها بك وذرّيتها من الشيطان الرجيم ".

(46) 6892 - حدثني المثنى قال، حدثني الحماني قال، حدثنا قيس، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من مولود يولد إلا وقد عَصَره الشيطان عَصرةً أو عصرتين، إلا عيسى ابن مريم ومريم.

ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ".

(47) &; 6-340 &; 6893 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا هارون بن المغيرة، عن عمرو بن أبي قيس، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: ما ولد مولود إلا وقد استهلّ، غير المسيح ابن مريم، لم يسلَّط عليه الشيطان ولم يَنْهَزْه.

(48) &; 6-341 &; 6894 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا المنذر بن النعمان الأفطس: أنه سمع وهب بن منبه يقول: لما وُلد عيسى أتت الشياطينُ إبليس، فقالوا: أصبحت الأصنام قد نكست رءوسها!

فقال: هذا في حادث حدث!

وقال: مكانَكم!

(49) فطارَ حتى جاء خَافقي الأرض، فلم يجد شيئًا، (50) ثم جاء البحار فلم يجد شيئًا، ثم طار أيضًا فوجد عيسى قد ولد عند مِذْوَد حمار، (51) وإذا الملائكة قد حفَّت حوله، فرجع إليهم فقال: إن نبيًّا قد ولد البارحة، ما حملت أنثى قط ولا وضعت إلا أنا بحضرتها، إلا هذه!

فَأيِسوا أن تُعبد الأصنام بعد هذه الليلة، (52) ولكن ائتوا بني آدم من قبل الخفَّة والعجَلة.

(53) 6895 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " وإني أعيذُها بك وذريتها من الشيطان الرجيم "، وذكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: كل بني آدم طَعَن الشيطانُ في جنبه، إلا عيسى ابن مريم وأمه، جُعل بينهما وبينه حجابٌ، فأصابت الطعنة الحجابَ، ولم ينفذ إليهما شيء = وذكر لنا أنهما كانا لا يصيبان الذنوبَ كما يصيبها سائرُ بني آدم.

= وذكر لنا أنّ عيسى كان يمشي على البحر كما يمشي على البر، مما أعطاه الله تعالى من اليقين والإخلاص.

&; 6-342 &; 6896 - حدثني المثنى قال، حدثني إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " وإني أعيذها بك وذرّيتها من الشيطان الرجيم "، قال: إن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: كل آدمي طَعن الشيطان في جنبه غير عيسى وأمه، كانا لا يُصيبان الذنوب كما يصيبُها بنو آدم.

قال: وقال عيسى صلى الله عليه وسلم فيما يثني على ربَه: وأعاذني وأمي من الشيطان الرجيم، فلم يكن له علينا سبيلٌ.

(54) 6897 - حدثنا الربيع بن سليمان قال، حدثنا شعيب بن الليث قال، حدثنا الليث، عن جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز أنه قال: قال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل بني آدم يَطعن الشيطان في جنبه حين تلده أمه، إلا عيسى ابن مريم، ذهب يطعَن فطعَن في الحجاب.

(55) 6898 - حدثنا الربيع قال، حدثنا شعيب قال، أخبرنا الليث، عن &; 6-343 &; جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز أنه قال: قال أبو هريرة: أرأيتَ هذه الصرخة التي يَصرُخها الصبيُّ حين تلده أمه؟

فإنها منها.

(56) 6899 - حدثني أحمد بن الفرج قال، حدثنا بقية بن الوليد قال، حدثنا الزُّبيديّ، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما من بني آدم مولودٌ إلا يمسُّه الشيطان حين يولدُ يستهلّ صارخًا.

(57) ---------------------- الهوامش : (37) الأثر: 6877- سيرة ابن هشام 2: 228 ، وهو بقية الآثار التي آخرها رقم: 6859.

ونص ابن هشام في المطبوعة الأوربية: "لما جعلتها محررًا له نذيرة" كنص الطبري هنا ، وفي مطبوعة الحلبي: "محررًا لك" ، وفي إحدى نسخ سيرة ابن هشام"محررة" ، وهي صواب جيد ، ولكن مطبوعة الطبري غيرت نص المخطوطة الذي أثبته ، فجعلتها: "لما جعلتها له محررة نذيرة" ، ولست أدري لم فعل ذلك!!

(38) في المطبوعة: "لا تستطيع" ، وفي المخطوطة: "لا تستطاع" ، وهو الصواب ، إلا أن الناسخ أخطأ فجعلها بالتاء الفوقية.

(39) هكذا في المطبوعة والمخطوطة ، وأنا أرجح أن الصواب: "فعن ذلك قالت" ، أي من أجل ذلك قالت.

و"عن" هنا بمعنى التعليل ، كما في قوله تعالى: "وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك".

وهي عبارة مشهورة من نهج عبارات القدماء ، وهي أجود من نص المخطوطة والمطبوعة وأشبه بالعربية.

(40) انظر ما سلف في تفسير"عاذ يعوذ" 1: 111 ، قال: "الاستعاذة: الاستجارة".

(41) الحديث: 6884 - يزيد بن عبد الله بن قسيط الليثي المدني: تابعي فقيه ثقة من الثقات ، من شيوخ مالك ، احتج به في مواضع من الموطأ.

وأخرج له الجماعة.

والحديث سيأتي ، عقب هذا ، بإسنادين آخرين إلى ابن إسحاق ، بهذا الإسناد ، نحوه.

وأشار إليه ابن كثير في التاريخ 2: 57 ، من رواية ابن إسحاق ، دون تعيين في تخريجه.

ورواه الحاكم في المستدرك 2: 594 ، من طريق إسماعيل بن جعفر ، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط ، عن أبي هرير.

وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه".

ووافقه الذهبي.

وإسماعيل بن جعفر بن أبي كثير ، قارئ أهل المدينة: ثقة مأمون ، شارك مالكًا في أكثر شيوخه.

ووقع في المستدرك ومختصر الذهبي: "يزيد بن عبد الله بن قسيط ، عن أبيه ، عن أبي هريرة".

وزيادة"عن أبيه" في الإسناد - خطأ صرف ، لا معنى لها.

وأرجح أنه خطأ من ناسخي المستدرك.

فإن والد يزيد هذا - غير معروف بالرواية ، ولم يذكره أحد في رواة الحديث.

ثم رواه ابن جرير بنحوه ، بأسانيد متعددة ، إلى رقم: 6899.

وكلها عن أبي هريرة ، إلا: 6893 ، فإنه عن ابن عباس.

(42) الحديث: 6887 -عمرو- شيخ هارون: هو عمرو بن أبي قيس الرازي الأزرق ، وهو ثقة ، أثنى عليه الثوري.

شعيب بن خالد البجلي ، قاصي الري: ثقة ، أثنى عليه الثوري أيضًا.

وقال ابن عيينة: "حفظ من الزهري ومالك شابًا".

وهو هنا يروي عن"الزهري".

ووقع في المطبوعة"الزبير" بدل"الزهري".

وهو خطأ.

صوابه من المخطوطة.

والحديث رواه البخاري 6: 338 - 339 ، من طريق شعيب ، عن الزهري ، بهذا ، بنحوه.

و"شعيب" - في إسناد البخاري-: هو"شعيب بن أبي حمزة الحمصي".

وأما "شعيب بن خالد" فلم يرو له من أصحاب الكتب الستة غير أبي داود.

وكذلك رواه مسلم 2: 224 ، من طريق شعيب بن أبي حمزة.

وانظر: 6891.

(43) الحديث: 6888- عجلان مولى المشمعل: تابعي ثقة.

والحديث: رواه أحمد في المسند: 7866 ، عن إسماعيل بن عمر: و: 7902 ، عن يزيد بن هارون ، و : 7902 ، عن هاشم بن القاسم (2: 288 ، 292 ، 319 حلبي) - ثلاثتهم عن ابن أبي ذئب ، بهذا الإسناد.

ونقله ابن كثير في التاريخ 2: 57 ، عن الرواية الأولى من روايات المسند.

وذكره في التفسير 2: 130 ، من رواية ابن وهب - إشارة إلى رواية الطبري هذه.

(44) الحديث: 6889 - عمرو بن الحارث بن يعقوب المصري: مضت ترجمته في: 1387.

سليم - بضم السين - بن جبير ، أبو يونس مولى أبي هريرة: تابعي مصري ثقة.

وقع في المطبوعة: "أن أبا يونس سليمان" ، بزيادة النون في آخر الاسم.

وصوابه من المخطوطة"سليما" ، بالتنوين.

بل في رواية مسلم طبعة بولاق: "أن أبا يونس سليم مولى أبي هريرة" ، فرسم بالتنوين دون ألف ، على لغة ربيعة ، في الوقوف على المنصوب بالسكون.

والحديث رواه مسلم 2: 224 ، من طريق ابن وهب ، عن عمرو بن الحارث ، بهذا الإسناد.

(45) الحديث 6890 -"عمران" - في الإسناد: هكذا ثبت في المخطوطة والمطبوعة.

ولا ندري من هو؟

والظاهر أنه خطأ من الناسخين ، فرجح أن صوابه"ابن عمران".

فإن يكنه يكن"حرملة بن عمران التجيبي المصري".

وهو ثقة ، يروي عن سليم بن جبير مولى أبي هريرة ، راوي هذا الحديث.

ويروي عنه ابن وهب.

وهو الصواب إن شاء الله.

(46) الحديث: 6891- مضى بنحوه: 6887 ، من رواية شعيب بن خالد عن الزهري.

وأشرنا هناك إلى رواية شعيب بن أبي حمزة عن الزهري.

وهذه رواية معمر عن الزهري.

وقد رواه أحمد في المسند: 7694 ، عن عبد الرزاق ، عن معمر ، به.

ونقله ابن كثير في التاريخ 2: 57 ، عن رواية المسند.

وكذلك رواه البخاري 8: 159 ، ومسلم 2: 224 كلاهما من طريق عبد الرزاق.

ورواه أحمد أيضًا: 7182 ، عن عبد الأعلى ، عن معمر ، به.

وكذلك رواه مسلم 2: 224 ، من طريق عبد الأعلى.

(47) الحديث: 6892 - الحماني ، بكسر الحاء المهملة وتشديد الميم: هو يحيى بن عبد الحميد ابن عبد الرحمن ، أبو زكريا الحافظ.

وقد اختلف فيه كثيرًا ، والراجح عندي أنه ثقة.

وقد وثقه ابن معين.

وقال فيه غيره كلامًا شديدًا.

ولكن المنصف إذا تتبع ترجمته مع إنصاف اقتنع بتوثيقه.

مترجم في التهذيب ، والكبير 4 / 2 / 291 ، والصغير: 229 ، وابن أبي حاتم 4 / 2 / 168-170 ، وتاريخ بغداد 14: 167- 177 ، وتذكره الحفاظ 2: 10-11.

قيس: هو ابن الربيع الأسدي ، وهو ثقة ، كما رجحنا في: 4842.

والحديث - من هذا الوجه - ذكره ابن كثير في التفسير 2: 130 ، والتاريخ 2: 57 - تعليقًا عن قيس ، دون أن يبين مخرجه.

ولكن سياق كلامه في التفسير يدل على أنه يشير إلى روايته عند الطبري ، يعني هذا الإسناد.

فإنه ذكر في التفسير رواية الطبري الآتية: 6899 ، ثم قال: "وروي من حديث قيس ، عن الأعمش.

.

." - إلخ.

فهذا الفعل"روى" ، ينبغي أن يقرأ مبنيًا للفاعل ، فيكون معناه أن ابن جرير"روى من حديث قيس".

ولا نرى أن يقرأ بالبناء لما لم يسم فاعله.

لأن علماء الحديث وأئمته ، أمثال ابن كثير - لا يستعملون صيغة التمريض هذه ، بالبناء للمجهول ، إلا في الأحاديث الواهية الإسناد.

ولا يذكر الأحاديث الجياد بصيغة التمريض إلا جاهل أو غافل.

ثم ذكر ابن كثير - بعد حديث قيس هذا ، عطفًا عليه - ما نصه: "ومن حديث العلاء ، عن أبيه ، عن أبي هريرة".

فهذه إشارة منه إلى إسناد آخر.

أرجح أنه رواه أيضًا الطبري ، بعد حديث قيس.

ولعله سقط سهوًا من الناسخين.

فرأيت - تمامًا للسياق- أن أذكره هنا من رواية أحمد ، واحتياطًا أيضًا: فقال الإمام أحمد في المسند: 8801 (ج 2 ص 368 حلبي): "حدثنا هُشيم ، قال: حدثنا حفص بن ميسرة ، عن العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كل إنسانٍ تَلِدُه أُمُّه يَلْكُزُه الشَّيطانُ بِحِضْنَيْه ، إِلاّ ما كان مِن مريمَ وابنها ، أَلَمْ تَرَوْا إِلى الصَّبِيّ حين يَسْقُطُ ، كيفَ يَصْرُخُ؟

قالوا: بلى يا رسول الله!

قال: فَذَاكَ حين يَلْكُزُه الشيطان بِحِضْنَيْه".

وهذا إسناد صحيح ، على شرط مسلم.

ورواية قيس بن الربيع ذكرها السيوطي 2: 19 ، ولم ينسبها لغير الطبري.

وقوله: "عصره الشيطان.

.

." - عصر العنب وغيره عصرًا: ضغطه ليستخرج ما فيه.

وهو هنا مجاز ، أي: شديده عليه وضغطه.

(48) الحديث: 6893- هذا إسناد صحيح.

ولم أجد هذا الحديث من غير رواية الطبري ، وكذلك ذكره السيوطي 2: 19 ، ولم ينسبه لغيره.

وقوله"ولم ينهزه" - من"التهز" ، وهو الدفع."تهزه ينهزه نهزًا": دفعه ، مثل"نكزه" ، و"وكزه".

(49) في المطبوعة: "فقال" ، والصواب من المخطوطة.

(50) الخافقان: أفق المشرق وأفق المغرب ، محيطان بجانبي الأرض.

(51) المذود (بكسر الميم وسكون الذال): معلف الدابة.

(52) أيس الرجل يأيس يأسًا ، لغة في يئس.

والأمر منه هنا على هذه اللغة.

(53) الأثر: 6894 - في المخطوطة"أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر المنذر بن النعمان" ، أو كأنها تقرأ"معتمر" ثم ضرب على"معمر".

والمنذر بن النعمان الأفطس اليماني ، روى عن وهب بن منبه.

ثقة.

روى عنه عبد الرزاق ، وروى عنه معتمر بن سليمان ، فأخشى أن يكون كان أصل الطبري"حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق ومعتمر قال: أخبر المنذر بن النعمان الأفطس".

والمنذر مترجم في الكبير 4 / 1 / 359 ، وابن أبي حاتم 4 / 1 / 242 ، وتعجيل المنفعة: 410.

(54) الأثران: 6895 ، 6896 - هذان خبران مرسلان كما هو ظاهر.

(55) الحديث: 6897- جعفر بن ربيعة بن شرحبيل بن حسنة المصري: ثقة من شيوخ الليث بن سعد.

أخرج له الجماعة.

عبد الرحمن بن هرمز الأعرج المدني: تابعي ثقة مشهور ، من شيوخ الزهري وأبي الزناد.

كان الناس يقرأون عليه حديثه عن أبي هريرة.

انظر المسند: 7276 ، وابن سعد 5: 209 ، وهذا يرد على من يزعم أن الأحاديث لم تكتب إلا في عصر مالك.

وهذا عبد الرحمن شيخ شيوخ مالك ، ومات سنة 117.

والحديث ذكره ابن كثير في التفسير 2: 130 ، من رواية الليث بن سعد ، بهذا الإسناد.

ولم يذكر من خرجه ، فهو إشارة منه إلى رواية الطبري هذه.

وقد رواه أحمد في المسند: 10783 (ج 2 ص 523 حلبي) ، عن عبد الملك بن عمرو ، عن المغيرة - وهو ابن عبد الرحمن الحزامي - عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، مرفوعًا ، بنحوه.

ونقله ابن كثير في التاريخ 2: 57 ، عن رواية المسند.

وقال: "وهذا على شرط الصحيحين.

ولم يخرجوه من هذا الوجه".

ووقع في ابن كثير"المغيرة ، وهو ابن عبد الله الحزامي" ، وهو خطأ مطبعي.

ولسنا نوافق ابن كثير على دعواه أنهم"لم يخرجوه من هذا الوجه" - فإن البخاري رواه 6: 242 ، عن أبي اليمان ، عن شعيب ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، مرفوعًا ، بنحو روايتي المسند والطبري.

فهذا من هذا الوجه: يجتمع مع إسناد المسند في"أبي الزناد" ، ومع إسناد الطبري في"الأعرج".

(56) الحديث: 6898- وهذا حديث صحيح ، بالإسناد السابق نفسه.

وظاهره أنه موقوف ، من كلام أبي هريرة.

وعن ذلك - فيما أرى - فصله الطبري عن المرفوع الذي قبله.

ومعناه ثابت صحيح ، من حديث أبي هريرة مرفوعًا: فرواه مسلم 2: 224 ، من رواية سهيل - وهو ابن أبي صالح - عن أبيه ، عن أبي هرير ، قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صياح المولود حين يقع ، نزغة من الشيطان".

ثم معناه ثابت مرفوعًا ، ضمن بعض الأحاديث الصحاح السابقة.

(57) الحديث: 6899 - بقية بن الوليد الحمصي: ثقة.

تكلموا فيه من أجل تدليسه ، فإذا صرح بالسماع - كما هنا - كانت روايته صحيحة.

الزبيدي - بضم الزاي: هو محمد بن الوليد بن عامر الحمصي.

وهو ثقة ، روى له الشيخان.

والحديث ذكره ابن كثير في التاريخ 2: 57 ، عن الموضع ، دون أن يسوق لفظه.

ووقع فيه تسمية الزبيدي"عبد الله بن الزبيدي"!

وهو تحريف من ناسخ أو طابع.

ولا يوجد راو بهذا الاسم.

وهذه الرواية ، هي من رواية الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة.

وقد مضى الحديث بنحوه: 6887 ، 6891 ، من رواية الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة.

ولا تعل إحدى الروايتين بالأخرى.

فالزهري له إذن في هذا الحديث شيخان.

وقد أشار الحافظ في الفتح 6: 338 إلى هذه الرواية ، عند رواية الزهري عن ابن المسيب ، فقال: "كذا قال أكثر أصحاب الزهري.

وقال الزبيدي: عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة.

أخرجه الطبري".

ووقع في الفتح"السدي" بدل"الزبيدي".

وهو تحريف من الناسخين.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى قال ابن عباس : إنما قالت هذا لأنه لم يكن يقبل في النذر إلا الذكور ، فقبل الله مريم .

و أنثى حال ، وإن شئت بدل .

فقيل : إنها ربتها حتى ترعرعت وحينئذ أرسلتها ; رواه أشهب عن مالك : وقيل : لفتها في خرقتها وأرسلت بها إلى المسجد ، فوفت بنذرها وتبرأت منها .

ولعل الحجاب لم يكن عندهم كما كان في صدر الإسلام ; ففي البخاري ومسلم أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فماتت .

الحديث .قوله تعالى : والله أعلم بما وضعت هو على قراءة من قرأ " وضعت " بضم التاء من جملة كلامها ; فالكلام متصل .

وهي قراءة أبي بكر وابن عامر ، وفيها معنى التسليم لله والخضوع والتنزيه له أن يخفى عليه شيء ، ولم تقله على طريق الإخبار لأن علم الله في كل شيء قد تقرر في نفس المؤمن ، وإنما قالته على طريق التعظيم والتنزيه لله تعالى .

وعلى قراءة الجمهور هو من كلام الله عز وجل قدم ، وتقديره أن يكون مؤخرا بعد وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم والله أعلم بما وضعت ; قال المهدوي .

وقال مكي : هو إعلام من الله تعالى لنا على طريق التثبيت فقال : والله أعلم بما وضعت أم مريم قالته أو لم تقله .

ويقوي ذلك أنه لو كان من كلام أم مريم لكان وجه الكلام : وأنت أعلم بما [ ص: 64 ] وضعت ; لأنها نادته في أول الكلام في قولها : رب إني وضعتها أنثى .

وروي عن ابن عباس ( بما وضعت ) بكسر التاء ، أي قيل لها هذا .قوله تعالى : وليس الذكر كالأنثى استدل به بعض الشافعية على أن المطاوعة في نهار رمضان لزوجها على الوطء لا تساويه في وجوب الكفارة عليها ، ابن العربي ، وهذه منه غفلة ، فإن هذا خبر عن شرع من قبلنا وهم لا يقولون به ، وهذه الصالحة إنما قصدت بكلامها ما تشهد له به بينة حالها ومقطع كلامها ، فإنها نذرت خدمة المسجد في ولدها ، فلما رأته أنثى لا تصلح وأنها عورة اعتذرت إلى ربها من وجودها لها على خلاف ما قصدته فيها .

ولم ينصرف ( مريم ) لأنه مؤنث معرفة ، وهو أيضا أعجمي ; قاله النحاس .

والله تعالى أعلم .قوله تعالى : وإني سميتها مريم يعني خادم الرب في لغتهم .

وإني أعيذها بك يعني مريم .

وذريتها يعني عيسى .

وهذا يدل على أن الذرية قد تقع على الولد خاصة .

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما من مولود يولد إلا نخسه الشيطان فيستهل صارخا من نخسة الشيطان إلا ابن مريم وأمه ثم قال أبو هريرة : اقرءوا إن شئتم : وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم .

قال علماؤنا : فأفاد هذا الحديث أن الله تعالى استجاب دعاء أم مريم ، فإن الشيطان ينخس جميع ولد آدم حتى الأنبياء والأولياء إلا مريم وابنها .

قال قتادة : كل مولود يطعن الشيطان في جنبه حين يولد غير عيسى وأمه جعل بينهما حجاب فأصابت الطعنة الحجاب ولم ينفذ لهما منه شيء ، قال علماؤنا : وإن لم يكن كذلك بطلت الخصوصية بهما ، ولا يلزم من هذا أن نخس الشيطان يلزم منه إضلال الممسوس وإغواؤه فإن ذلك ظن فاسد ; فكم تعرض الشيطان للأنبياء والأولياء بأنواع الإفساد والإغواء ومع ذلك فعصمهم الله مما يرومه الشيطان ، كما قال تعالى : إن عبادي ليس لك عليهم سلطان .

هذا مع أن كل واحد من بني آدم قد وكل به قرينه من الشياطين ; كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمريم وابنها وإن عصما من نخسه فلم يعصما من ملازمته لهما ومقارنته ، والله أعلم

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى } كأنها تشوفت أن يكون ذكرا ليكون أقدر على الخدمة وأعظم موقعا، ففي كلامها [نوع] عذر من ربها، فقال الله: { والله أعلم بما وضعت } أي: لا يحتاج إلى إعلامها، بل علمه متعلق بها قبل أن تعلم أمها ما هي { وليس الذكر كالأنثى وإني سميتها مريم } فيه دلالة على تفضيل الذكر على الأنثى، وعلى التسمية وقت الولادة، وعلى أن للأم تسمية الولد إذا لم يكره الأب { وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم } دعت لها ولذريتها أن يعيذهم الله من الشيطان الرجيم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فلما وضعتها ) أي ولدتها إذا هي جارية ، والهاء في قوله " وضعتها " راجعة إلى النذير لا إلى ما ولد لذلك أنث ( قالت ) حنة وكانت ترجو أن يكون غلاما ( رب إني وضعتها أنثى ) اعتذارا إلى الله عز وجل ( والله أعلم بما وضعت ) بجزم التاء إخبارا عن الله عز وجل وهي قراءة العامة وقرأ ابن عامر وأبو بكر ويعقوب وضعت برفع التاء جعلوها من كلام أم مريم ( وليس الذكر كالأنثى ) في خدمة الكنيسة والعباد الذين فيها لعورتها وضعفها وما يعتريها من الحيض والنفاس ( وإني سميتها مريم ) ومريم بلغتهم العابدة والخادمة ، وكانت مريم أجمل النساء في وقتها وأفضلهن ( وإني أعيذها ) أمنعها وأجيرها ( بك وذريتها ) أولادها ( من الشيطان الرجيم ) فالشيطان الطريد اللعين ، والرجيم المرمي بالشهب .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل ، أنا أبو اليمان ، أنا شعيب عن الزهري ، حدثني سعيد بن المسيب ، قال : قال أبو هريرة رضي الله عنه : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ما من بني آدم مولود إلا يمسه الشيطان حين يولد ، فيستهل الصبي صارخا من الشيطان غير مريم وابنها " ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه : " وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم " .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل ، أنا أبو اليمان ، أنا شعيب ، عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " كل بني آدم يطعن الشيطان في جنبه بأصبعه حين يولد غير عيسى ابن مريم ذهب يطعن فطعن في الحجاب " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

(فلما وضعتها) ولدتها جارية وكانت ترجو أن يكون غلامًا إذ لم يكن يحرر إلا الغلمان (قالت) معتذرة يا (رب إني وضعتها أنثى والله أعلم) أي عالم (بما وضعت) جملة اعتراض من كلامه تعالى وفي قراءة بضم التاء (وليس الذكر) الذي طلبت (كالأنثى) التي وهبت لأنه يقصد للخدمة وهي لا تصلح لضعفها وعورتها وما يعتريها من الحيض ونحوه (وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها) أولادها (من الشيطان الرجيم) المطرود في الحديث "" ما من مولود يولد إلا مسه الشيطان حين يولد فيستهل صارخًا إلا مريم وابنها "" رواه الشيخان.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فلما تمَّ حملها ووضعت مولودها قالت: ربِّ إني وضعتها أنثى لا تصلح للخدمة في "بيت المقدس" -والله أعلم بما وضَعَتْ، وسوف يجعل الله لها شأنًا- وقالت: وليس الذكر الذي أردت للخدمة كالأنثى في ذلك؛ لأن الذكر أقوى على الخدمة وأقْوَم بها، وإني سمَّيتها مريم، وإني حصَّنتها بك هي وذريَّتها من الشيطان المطرود من رحمتك.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حكى - سبحانه - ما قالته بعد أن وضعت ما في بطنها فقال - تعالى - : { فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أنثى } .قالوا : إن هذا خبر لا يقصد به الإخبار ، بل المقصود منه إظهار التحسر والتحزن والاعتذار ، فقد كانت امرأة عمران تتوقع أن يكون ما في بطنها ذكرا ، لأنه هو الذى يصلح لخدمة بيت الله والانقطاع للعبادة فيه ، لكنها حين وضعت حملها ووجدته أنثى ، قالت على سبيل الاعتذار عن الوفاء بنذرها : رب إنى وضعتها أنثى ، والأنثى لا تصلح للمهمة التى نذرت ما فى بطنى لها وهى خدمة بيتك المقدس ، وأنت يا إلهي القدير على كل شيء فبقدرتك أن تخلق الذكر وبقدرتك أن تخلق الأنثى .والضمير فى قوله { فَلَمَّا وَضَعَتْهَا } يعود لما فى بطنها .

وتأنيث باعتبار حاله في الواقع ونفس الأمر وهو أنه أنثى .وقوله { أنثى } منصوب على الحال من الضمير في وضعتها ، وهى حال مؤكدة لأن كونها أنثى مفهوم من تأنيث الضمير فجاءت أنثى مؤكدة .وقوله { والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ } جملة معترضة سيقت للايماء إلى تعظيم المولود الذى وضعته وتفخيم شأنه ، وللإشعار بأن الأنثى ستصلح لما يصلح له الذكور من خدمة بيته .

أى : والله - تعالى - أعلم منها ومن غيرها بما وضعته ، لأنه هو الذى خلق هذا المولود وجعله أنثى ، وهو العليم بما سيصير إليه أمر هذه الأنثى من فضل ، إذ منها سيكون عيسى - عليه السلام - وسيجعلها - سبحانه - آية ظاهرة دالة على كمال قدرته ، ونفوذ إرادته .وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم ويعقوب { والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ } بضم التاء وعلى هذه القراءة لا تكون الجملة معترضة وإنما هى من تتمة ما قالته ، ويكون الكلام التفات من الخطاب إلى الاسم الظاهر وهو لفظ الجلاة إذ لو جرت على مقتضى قولها ، { رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أنثى } لقالت : وأنت أعلم بما وضعت .ويكون قولها هذا من تتمة الاعتذار إلى الله - تعالى - حيث وضعت مولودا لا يصلح لما نذرته - في عرف قومها وتسلية لنفسها ، أى ولعل الله سرا وحكمة لا يعلمها أحد سواه في جعل هذا المولود أنثى .

أو لعل هذه الأنثى تكون خيراً من الذكر .وقوله - تعالى - { وَلَيْسَ الذكر كالأنثى } يحتمل أنه من كلامه - سبحانه - وهو الظاهر - فتكون الجملة معترضة كسابقتها ، ويكون : وليس الذكر الذى طلبته كالأنثى التي ولدتها ، بل هذه الأنثى وإن كانت أفضل منه في العبادة والمكانة إلا أنها لا تصلح عندهم لسدانة بيت الله تعالى ، بسبب حرمة اختلاطها بالرجال وما يعتريها من حيض وغير ذلك مما يعترى النساء .ويحتمل أنه من كلامها الذى حكاه الله تعالى عنها فلا تكون الجملة معترضة ويكون المعنى : وليس الذكر الذى طلبته كالأنثى التي وضعتها ، بل هو خير منها لأنه هو الذى يصلح لسدانة بيتك وخدمته ، ومع هذا فأنا في كلتا الحالتين راضية بقضائك مستسلمة لإرادتك .ثم حكى - سبحانك - أيضاً بعض ما قالته بعد ولادتها فقال { وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشيطان الرجيم } .قالوا : إن كلمة مريم معناها في لغتهم العابدة ، فأرادت بهذه التسمية التقرب إلى الله والالتماس منه أن يعصمها حتى يكون فعلها مطابقا لا سمها .ومعنى { أُعِيذُهَا بِكَ } أمنعها وأجيرها بحفظك .

مأخوذ من العوذ ، وهو أن تلتجىء إلى غيرك وتتعلق به .

يقال : عاذ فلان بفلان إذا استجار به ، ومنه العوذة وهي التميمة والرقية .والشيطان في لغة العرب : كل متمرد من الجن والإنس والدواب وكل شىء .

وهو مشتق من شكن إذا بعد ، فهو بعيد بطبعه عن كل خير .والرجيم : فعيل بمعنى مفعول .

أى أنه مرجوم مطرود من رحمة الله ومن كل خير .

وقيل رجيم بمعنى راجم لأنه يرجم الناس بالوساوس والشرور .والمعنى : وإنى يا خالقى مع حبى لأن يكون المولود ذكراً لتتهيأ له خدمة بيتك فقد رضيت بما وهبت لي ، وإنى قد سميت هذه الأثنى التي أعطيتنى إياها مرم .

أى العابدة الخادمة لك ، وإنى أحصنها وأجيرها بكفالتك لها ولذريتها من الشيطان الرجيم الذى يزين للناس الشرور والمساوىء .

قال القرطبى : وفى صحيح مسلم عن أبى هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما من مولود يولد إلا نخسه الشيطان فيستهل صارخاً من نخسة الشيطان ، إلا ابن مريم وأمه " .ثم قال أبو هريرة : " اقرءوا إن شئتم : وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم " .قال علماؤنا : فأفاد هذا الحديث أن الله - تعالى - استجاب دعاء أم مريم .

.

.

ولا يلزم من هذا أن نخس الشيطان يلزم منه إضلال المنخوس فإن ذلك ظن فاسد ، فكم تعرض الشيطان للأنبياء والأولياء بأنواع الإفساد والإغواء ، ومع ذلك عصمهم الله مما يرومه الشيطان كما قال تعالى :{ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ } وقوله : { وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ } معطوف على { إِنِّي وَضَعْتُهَآ أنثى } وما بينهما اعتراض .

وهذا على قراءة الجمهور التي جاءت بتسكين التاء فى { وَضَعَتْ } في قوله - تعالى - { والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ } .وأما على قراءة غير الجمهور التى جاءت بضم التاء فى قوله : { وَضَعَتْ } فيكون أيضاً معطوفاً على { إِنِّي وَضَعْتُهَآ أنثى } ويكون هذا القول وما عطف عليه في محل نصب بالقول ، والتقدير : قالت : إنى وضعتها أنثى ، وقالت : الله أعلم بما وضعت وقالت : ليس الذكر كالأنثى ، وقالت : إنى سميتها مريم .وأتى في قوله : { وِإِنِّي أُعِيذُهَا } بخبر إن فعلا مضارعا للدلالة على طلبها استمرار الاستعاذة دون انقطاعها ، بخلاف وضعتها ، وسميتها ، حيث أتى بالخبرين ماضيين لانقطاعهما .

وقوله : { وَذُرِّيَّتَهَا } معطوف على الضمير المنصوب فى أعيذها .وفى التنصيص على إعاذتها وإعاذة ذريتها من الشيطان الرجيم ، رمز إلى طلب بقائها على قيد الحياة حتى تكبر وتكون منها الذرية الصالحة .تلك هى بعض الكلمات الطيبات والدعوات الخاشعات ، التي توجهت بها امرأة عمران إلى ربها عندما أحست بالحمل في بطنها وعندما وضعت حملها حكاها القرآن بأسلوبه البليغ المؤثر ، فماذا كانت نتيجتها؟

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

القصة الاولى: واقعة حنة أم مريم عليهما السلام: وفيه مسائل: المسألة الأولى: في موضع ﴿ إِذْ ﴾ من الإعراب أقوال الأول: قال أبو عبيدة: إنها زائدة لغواً، والمعنى: قالت امرأة عمران، ولا موضع لها من الإعراب، قال الزجاج: لم يصنع أبو عبيدة في هذا شيئاً، لأنه لا يجوز إلغاء حرف من كتاب الله تعالى، ولا يجوز حذف حرف من كتاب الله تعالى من غير ضرورة والثاني: قال الأخفش والمبرد: التقدير اذكر ﴿ إِذْ قَالَتِ امرأت عمران ﴾ ومثله في كتاب الله تعالى كثير الثالث: قال الزجاج، التقدير: واصطفى آل عمران على العالمين إذ قالت امرأة عمران، وطعن ابن الأنباري فيه وقال: إن الله تعالى قرن اصطفاء آل عمران باصطفاء آدم ونوح، ولما كان اصطفاؤه تعالى آدم ونوحاً قبل قول امرأة عمران استحال أن يقال: إن هذا الاصطفاء مقيد بذلك الوقت الذي قالت امرأة عمران هذا الكلام فيه ويمكن أن يجاب عنه بأن أثر اصطفاء كل واحد إنما ظهر عند وجوده، وظهور طاعاته، فجاز أن يقال: إن الله اصطفى آدم عند وجوده، ونوحاً عند وجوده، وآل عمران عندما قالت امرأة عمران هذا الكلام الرابع: قال بعضهم: هذا متعلق بما قبله، والتقدير: والله سميع عليم إذ قالت امرأة عمران هذا القول.

فإن قيل: إن الله سميع عليم قبل أن قالت المرأة هذا القول، فما معنى هذا التقييد؟

قلنا: إن سمعه تعالى لذلك الكلام مقيد بوجود ذلك الكلام وعلمه تعالى بأنها تذكر ذلك مقيد بذكرها لذلك والتغير في العلم والسمع إنما يقع في النسب والمتعلقات.

المسألة الثانية: أن زكريا بن أذن، وعمران بن ماثان، كانا في عصر واحد، وامرأة عمران حنة بنت فاقوذ، وقد تزوج زكريا بابنته إيشاع أخت مريم، وكان يحيى وعيسى عليهما السلام ابني خالة، ثم في كيفية هذا النذر روايات: الرواية الأولى: قال عكرمة.

إنها كانت عاقراً لا تلد، وكانت تغبط النساء بالأولاد، ثم قالت: اللّهم إن لك علي نذراً إن رزقتني ولداً أن أتصدق به على بيت المقدس ليكون من سدنته.

والرواية الثانية: قال محمد بن إسحاق: إن أم مريم ما كان يحصل لها ولد حتى شاخت، وكانت يوماً في ظل شجرة فرأت طائراً يطعم فرخاً له فتحركت نفسها للولد، فدعت ربها أن يهب لها ولداً فحملت بمريم، وهلك عمران، فلما عرفت جعلته لله محرراً، أي خادماً للمسجد، قال الحسن البصري: إنها إنما فعلت ذلك بإلهام من الله ولولاه ما فعلت كما رأى إبراهيم ذبح ابنه في المنام فعلم أن ذلك أمر من الله وإن لم يكن عن وحي، وكما ألهم الله أم موسى فقذفته في اليم وليس بوحي.

المسألة الثالثة: المحرر الذي جعل حراً خالصاً، يقال: حررت العبد إذا خلصته عن الرق، وحررت الكتاب إذا أصلحته، وخلصته فلم تبق فيه شيئاً من وجوه الغلط، ورجل حر إذا كان خالصاً لنفسه ليس لأحد عليه تعلق، والطين الحر الخالص عن الرمل والحجارة والحمأة والعيوب أما التفسير فقيل مخلصاً للعبادة عن الشعبي، وقيل: خادماً للبيعة، وقيل: عتيقاً من أمر الدنيا لطاعة الله، وقيل: خادماً لمن يدرس الكتاب، ويعلم في البيع، والمعنى أنها نذرت أن تجعل ذلك الولد وقفاً على طاعة الله، قال الأصم: لم يكن لبني إسرائيل غنيمة ولا سبي، فكان تحريرهم جعلهم أولادهم على الصفة التي ذكرنا، وذلك لأنه كان الأمر في دينهم أن الولد إذا صار بحيث يمكن استخدامه كان يجب عليه خدمة الأبوين، فكانوا بالنذر يتركون ذلك النوع من الانتفاع، ويجعلونهم محررين لخدمة المسجد وطاعة الله تعالى، وقيل: كان المحرر يجعل في الكنيسة يقوم بخدمتها حتى يبلغ الحلم، ثم يخير بين المقام والذهاب، فإن أبى المقام وأراد أن يذهب ذهب، وإن اختار المقام فليس له بعد ذلك خيار، ولم يكن نبي إلا ومن نسله محرر في بيت المقدس.

المسألة الرابعة: هذا التحرير لم يكن جائزاً إلا في الغلمان أما الجارية فكانت لا تصلح لذلك لما يصيبها من الحيض، والأذى، ثم إن حنة نذرت مطلقاً إما لأنها بنت الأمر على التقدير، أو لأنها جعلت ذلك النذر وسيلة إلى طلب الذكر.

المسألة الخامسة: في انتصاب قوله: ﴿ مُحَرَّرًا ﴾ وجهان الأول: أنه نصب على الحال من ﴿ مَا ﴾ وتقديره: نذرت لك الذي في بطني محرراً والثاني: وهو قول ابن قتيبة أن المعنى نذرت لك أن أجعل ما في بطني محرراً.

ثم قال الله تعالى حاكياً عنها: ﴿ فَتَقَبَّلْ مِنّي إِنَّكَ أَنتَ السميع العليم ﴾ التقبل: أخذ الشيء على الرضا، قال الواحدي: وأصله من المقابلة لأنه يقبل بالجزاء، وهذا كلام من لا يريد بما فعله إلا الطلب لرضا الله تعالى والإخلاص في عبادته، ثم قالت ﴿ إِنَّكَ أَنتَ السميع العليم ﴾ والمعنى: أنك أنت السميع لتضرعي ودعائي وندائي، العليم بما في ضميري وقلبي ونيتي.

واعلم أن هذا النوع من النذر كان في شرع بني إسرائيل وغير موجود في شرعنا، والشرائع لا يمتنع اختلافها في مثل هذه الأحكام.

قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا وَضَعَتْهَا ﴾ واعلم أن هذا الضمير إما أن يكون عائداً إلى الأنثى التي كانت في بطنها وكان عالماً بأنها كانت أنثى أو يقال: إنها عادت إلى النفس والنسمة أو يقال: عادت إلى المنذورة.

ثم قال تعالى: ﴿ قَالَتْ رَبّ إِنّى وَضَعْتُهَا أنثى ﴾ واعلم أن الفائدة في هذا الكلام أنه تقدم منها النذر في تحرير ما في بطنها، وكان الغالب على ظنها أنه ذكر فلم تشترط ذلك في كلامها، وكانت العادة عندهم أن الذي يحرر ويفرغ لخدمة المسجد وطاعة الله هو الذكر دون الأنثى فقالت ﴿ رَبّ إِنّى وَضَعْتُهَا أنثى ﴾ خائفة أن نذرها لم يقع الموقع الذي يعتمد به ومعتذرة من إطلاقها النذر المتقدم فذكرت ذلك لا على سبيل الإعلام لله تعالى، تعالى الله عن أن يحتاج إلى إعلامها، بل ذكرت ذلك على سبيل الاعتذار.

ثم قال الله تعالى: ﴿ والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ ﴾ قرأ أبو بكر عن عاصم وابن عامر ﴿ وَضَعَت ﴾ برفع التاء على تقدير أنها حكاية كلامها، والفائدة في هذا الكلام أنها لما قالت ﴿ إِنّى وَضَعْتُهَا أنثى ﴾ خافت أن يظن بها أنها تخبر الله تعالى، فأزالت الشبهة بقولها ﴿ والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ ﴾ وثبت أنها إنما قالت ذلك للاعتذار لا للاعلام، والباقون بالجزم على أنه كلام الله، وعلى هذه القراءة يكون المعنى أنه تعالى قال: والله أعلم بما وضعت تعظيماً لولدها، وتجهيلاً لها بقدر ذلك الولد، ومعناه: والله أعلم بالشيء الذي وضعت وبما علق به من عظائم الأمور، وأن يجعله وولده آية للعالمين، وهي جاهلة بذلك لا تعلم منه شيئاً فلذلك تحسرت، وفي قراءة ابن عباس ﴿ والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ ﴾ على خطاب الله لها، أي: أنك لا تعلمين قدر هذا الموهوب والله هو العالم بما فيه من العجائب والآيات.

ثم قال تعالى حكاية عنها ﴿ وَلَيْسَ الذكر كالأنثى ﴾ وفيه قولان الأول: أن مرادها تفضيل الولد الذكر على الأنثى، وسبب هذا التفضيل من وجوه: أحدها: أن شرعهم أنه لا يجوز تحرير الذكور دون الإناث والثاني: أن الذكر يصح أن يستمر على خدمة موضع العبادة، ولا يصح ذلك في الأنثى لمكان الحيض وسائر عوارض النسوان والثالث: الذكر يصلح لقوته وشدته للخدمة دون الأنثى فإنها ضعيفة لا تقوى على الخدمة والرابع: أن الذكر لا يلحقه عيب في الخدمة والاختلاط بالناس وليس كذلك الأنثى والخامس: أن الذكر لا يلحقه من التهمة عند الاختلاط ما يلحق الأنثى فهذه الوجوه تقتضي فضل الذكر على الأنثى في هذا المعنى.

والقول الثاني: أن المقصود من هذا الكلام ترجيح هذه الأنثى على الذكر، كأنها قالت الذكر مطلوبي وهذه الأنثى موهوبة الله تعالى، وليس الذكر الذي يكون مطلوبي كالأنثى التي هي موهوبة لله، وهذا الكلام يدل على أن تلك المرأة كانت مستغرقة في معرفة جلال الله عالمة بأن ما يفعله الرب بالعبد خير مما يريده العبد لنفسه.

ثم حكى تعالى عنها كلاماً ثانياً وهو قولها ﴿ وَإِنّى سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ ﴾ وفيه أبحاث: البحث الأول: أن ظاهر هذا الكلام يدل على ما حكينا من أن عمران كان قد مات في حال حمل حنة بمريم، فلذلك تولت الأم تسميتها، لأن العادة أن ذلك يتولاه الآباء.

البحث الثاني: أن مريم في لغتهم: العابدة، فأرادت بهذه التسمية أن تطلب من الله تعالى أن يعصمها من آفات الدين والدنيا، والذي يؤكد هذا قولها بعد ذلك ﴿ وِإِنّى أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرّيَّتَهَا مِنَ الشيطان الرجيم ﴾ .

البحث الثالث: أن قوله: ﴿ وَإِنّى سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ ﴾ معناه: وإني سميتها بهذا اللفظ أي جعلت هذا اللفظ اسماً لها، وهذا يدل على أن الاسم والمسمى والتسمية أمور ثلاثة متغايرة.

ثم حكى الله تعالى عنها كلاماً ثالثاً وهو قولها ﴿ وِإِنّى أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرّيَّتَهَا مِنَ الشيطان الرجيم ﴾ وذلك لأنه لما فاتها ما كانت تريد من أن يكون رجلاً خادماً للمسجد تضرعت إلى الله تعالى في أن يحفظها من الشيطان الرجيم، وأن يجعلها من الصالحات القانتات، وتفسير الشيطان الرجيم قد تقدم في أول الكتاب.

ولما حكى الله تعالى عن حنة هذه الكلمات قال: ﴿ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: إنما قال: ﴿ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ ﴾ ولم يقل: فتقبلها ربها بتقبل لأن القبول والتقبل متقاربان قال تعالى: ﴿ والله أَنبَتَكُمْ مّنَ الأرض نَبَاتاً  ﴾ أي إنباتاً، والقبول مصدر قولهم: قبل فلان الشيء قبولاً إذا رضيه، قال سيبويه: خمسة مصادر جاءت على فعول: قبول وطهور ووضوء ووقود وولوغ، إلا أن الأكثر في الوقود إذا كان مصدرا الضم، وأجاز الفراء والزجاج: قبولاً بالضم، وروى ثعلب عن ابن الأعرابي يقال: قبلته قبولاً وقبولا، وفي الآية وجه آخر وهو أن ما كان من باب التفعل فإنه يدل على شدة اعتناء ذلك الفاعل بإظهار ذلك الفعل كالتصبر والتجلد ونحوهما فإنهما يفيدان الجد في إظهار الصبر والجلادة، فكذا هاهنا التقبل يفيد المبالغة في إظهار القبول.

فإن قيل: فلم لم يقل: فتقبلها ربها بتقبل حسن حتى صارت المبالغة أكمل؟

والجواب: أن لفظ التقبل وإن أفاد ما ذكرنا إلا أنه يفيد نوع تكلف على خلاف الطبع، أما القبول فإنه يفيد معنى القبول على وفق الطبع فذكر التقبل ليفيد الجد والمبالغة، ثم ذكر القبول ليفيد أن ذلك ليس على خلاف الطبع، بل على وفق الطبع، وهذه الوجوه وإن كانت ممتنعة في حق الله تعالى، إلا أنها تدل من حيث الاستعارة على حصول العناية العظيمة في تربيتها، وهذا الوجه مناسب معقول.

المسألة الثانية: ذكر المفسرون في تفسير ذلك القبول الحسن وجوهاً: الوجه الأول: أنه تعالى عصمها وعصم ولدها عيسى عليه السلام من مس الشيطان روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخاً من مس الشيطان إلا مريم وابنها» ثم قال أبو هريرة: اقرؤا إن شئتم ﴿ وِإِنّى أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرّيَّتَهَا مِنَ الشيطان ﴾ طعن القاضي في هذا الخبر وقال: إنه خبر واحد على خلاف الدليل فوجب رده، وإنما قلنا: إنه على خلاف الدليل لوجوه: أحدها: أن الشيطان إنما يدعو إلى الشر من يعرف الخير والشر والصبي ليس كذلك والثاني: أن الشيطان لو تمكن من هذا النخس لفعل أكثر من ذلك من إهلاك الصالحين وإفساد أحوالهم والثالث: لم خص بهذا الاستثناء مريم وعيسى عليهما السلام دون سائر الأنبياء عليهم السلام الرابع: أن ذلك النخس لو وجد بقي أثره، ولو بقي أثره لدام الصراخ والبكاء، فلما لم يكن كذلك علمنا بطلانه، واعلم أن هذه الوجوه محتملة، وبأمثالها لا يجوز دفع الخبر والله أعلم.

الوجه الثاني: في تفسير أن الله تعالى تقبلها بقبول حسن، ما روي أن حنة حين ولدت مريم لفتها في خرقة وحملتها إلى المسجد ووضعتها عند الأحبار أبناء هارون، وهم في بيت المقدس كالحجبة في الكعبة، وقالت: خذوا هذه النذيرة، فتنافسوا فيها لأنها كانت بنت إمامهم، وكانت بنو ماثان رؤوس بني إسرائيل وأحبارهم وملوكهم فقال لهم زكريا: أنا أحق بها عندي خالتها فقالوا لا حتى نقترع عليها، فانطلقوا وكانوا سبعة وعشرين إلى نهر فألقوا فيه أقلامهم التي كانوا يكتبون الوحي بها على أن كل من ارتفع قلمه فهو الراجح، ثم ألقوا أقلامهم ثلاث مرات، ففي كل مرة كان يرتفع قلم زكريا فوق الماء وترسب أقلامهم فأخذها زكريا.

الوجه الثالث: روى القفال عن الحسن أنه قال: إن مريم تكلمت في صباها كما تكلم المسيح ولم تلتقم ثدياً قط، وإن رزقها كان يأتيها من الجنة.

الوجه الرابع: في تفسير القبول الحسن أن المعتاد في تلك الشريعة أن التحرير لا يجوز إلا في حق الغلام حين يصير عاقلاً قادراً على خدمة المسجد، وهاهنا لما علم الله تعالى تضرع تلك المرأة قبل تلك الجارية حال صغرها وعدم قدرتها على خدمة المسجد، فهذا كله هو الوجوه المذكورة في تفسير القبول الحسن.

ثم قال الله تعالى: ﴿ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا ﴾ قال ابن الأنباري: التقدير أنبتها فنبتت هي نباتاً حسناً ثم منهم من صرف هذا النبات الحسن إلى ما يتعلق بالدنيا، ومنهم من صرفه إلى ما يتعلق بالدين، أما الأول فقالوا: المعنى أنها كانت تنبت في اليوم مثل ما ينبت المولود في عام واحد، وأما في الدين فلأنها نبتت في الصلاح والسداد والعفة والطاعة.

ثم قال الله تعالى: ﴿ وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: يقال: كفل يكفل كفالة وكفلاً فهو كافل، وهو الذي ينفق على إنسان ويهتم بإصلاح مصالحه، وفي الحديث أنا وكافل اليتيم كهاتين وقال الله تعالى: ﴿ أَكْفِلْنِيهَا ﴾ .

المسألة الثانية: قرأ عاصم وحمزة والكسائي (وكفلها) بالتشديد، ثم اختلفوا في زكريا فقرأ عاصم بالمد، وقرأ حمزة والكسائي بالقصر على معنى ضمها الله تعالى إلى زكريا، فمن قرأ (زكرياء) بالمد أظهر النصب ومن قرأ بالقصر كان في محل النصب والباقون قرأوا بالمد والرفع على معنى ضمها زكرياء إلى نفسه، وهو الاختيار، لأن هذا مناسب لقوله تعالى: ﴿ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ ﴾ وعليه الأكثر، وعن ابن كثير في رواية ﴿ كفلها ﴾ بكسر الفاء، وأما القصر والمد في زكريا فهما لغتان، كالهيجاء والهيجا، وقرأ مجاهد ﴿ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا وَأَنبَتَهَا وَكَفَّلَهَا ﴾ على لفظ الأمر في الأفعال الثلاثة، ونصب ﴿ رَبُّهَا ﴾ كأنها كانت تدعو الله فقالت: اقبلها يا ربها، وأنبتها يا ربها، واجعل زكريا كافلاً لها.

المسألة الثالثة: اختلفوا في كفالة زكريا عليه السلام إياها متى كانت، فقال الأكثرون: كان ذلك حال طفوليتها، وبه جاءت الروايات، وقال بعضهم: بل إنما كفلها بعد أن فطمت، واحتجوا عليه بوجهين: الأول: أنه تعالى قال: ﴿ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا ﴾ ثم قال: ﴿ وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ﴾ وهذا يوهم أن تلك الكفالة بعد ذلك النبات الحسن والثاني: أنه تعالى قال: ﴿ وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا المحراب وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ يامريم أنى لَكِ هذا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ الله ﴾ وهذا يدل على أنها كانت قد فارقت الرضاع وقت تلك الكفالة، وأصحاب القول الأول أجابوا بأن الواو لا توجب الترتيب، فلعل الانبات الحسن وكفالة زكرياء حصلا معاً.

وأما الحجة الثانية: فلعل دخوله عليها وسؤاله منها هذا السؤال إنما وقع في آخر زمان الكفالة.

ثم قال الله: ﴿ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا المحراب وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: ﴿ المحراب ﴾ الموضع العالي الشريف، قال عمر بن أبي ربيعة: ربة محراب إذا جئتها *** لم أدن حتى أرتقي سلما واحتج الأصمعي على أن المحراب هو الغرفة بقوله تعالى: ﴿ إِذْ تَسَوَّرُواْ المحراب  ﴾ والتسور لا يكون إلا من علو، وقيل: المحراب أشرف المجالس وأرفعها، يروى أنها لما صارت شابة بنى زكريا عليه السلام لها غرفة في المسجد، وجعل بابها في وسطه لا يصعد إليه إلا بسلم، وكان إذا خرج أغلق عليها سبعة أبواب.

المسألة الثانية: احتج أصحابنا على صحة القول بكرامة الأولياء بهذه الآية، ووجه الاستدلال أنه تعالى أخبر أن زكرياء كلما دخل عليها المحراب وجد عندها رزقاً قال يا مريم: أنى لك هذا؟

قالت هو من عند الله، فحصول ذلك الرزق عندها إما أن يكون خارقاً للعادة، أو لا يكون، فإن قلنا: إنه غير خارق للعادة فهو باطل من خمسة أوجه: الأول: أن على هذا التقدير لا يكون حصول ذلك الرزق عند مريم دليلاً على علو شأنها وشرف درجتها وامتيازها عن سائر الناس بتلك الخاصية ومعلوم أن المراد من الآية هذا المعنى والثاني: أنه تعالى قال بعد هذه الآية ﴿ هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبّ هَبْ لِى مِن لَّدُنْكَ ذُرّيَّةً طَيّبَةً ﴾ والقرآن دل على أنه كان آيساً من الولد بسبب شيخوخته وشيخوخة زوجته، فلما رأى انخراق العادة في حق مريم طمع في حصول الولد فيستقيم قوله: ﴿ هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ ﴾ أما لو كان الذي شاهده في حق مريم لم يكن خارقاً للعادة لم تكن مشاهدة ذلك سبباً لطمعه في انخراق العادة بحصول الولد من المرأة الشيخة العاقر الثالث: أن التنكر في قوله: ﴿ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا ﴾ يدل على تعظيم حال ذلك الرزق، كأنه قيل: رزقاً.

أي رزق غريب عجيب، وذلك إنما يفيد الغرض اللائق لسياق هذه الآية لو كان خارقاً للعادة الرابع: هو أنه تعالى قال: ﴿ وجعلناها وابنها ءَايَةً للعالمين  ﴾ ولولا أنه ظهر عليهما من الخوارق، وإلا لم يصح ذلك.

فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: المراد من ذلك هو أن الله تعالى خلق لها ولداً من غير ذكر؟

قلنا: ليس هذا بآية، بل يحتاج تصحيحه إلى آية، فكيف نحمل الآية على ذلك، بل المراد من الآية ما يدل على صدقها وطهارتها، وذلك لا يكون إلا بظهور خوارق العادات على يدها كما ظهرت على يد ولدها عيسى عليه السلام الخامس: ما تواترت الروايات به أن زكريا عليه السلام كان يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء، فثبت أن الذي ظهر في حق مريم عليها السلام كان فعلاً خارقاً للعادة، فنقول: إما أن يقال: إنه كان معجزة لبعض الأنبياء أو ما كان كذلك، والأول باطل لأن النبي الموجود في ذلك الزمان هو زكريا عليه السلام، ولو كان ذلك معجزة له لكان هو عالماً بحاله وشأنه، فكان يجب أن لا يشتبه أمره عليه وأن لا يقول لمريم ﴿ أنى لَكِ هذا ﴾ وأيضاً فقوله تعالى: ﴿ هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ ﴾ مشعر بأنه لما سألها عن أمر تلك الأشياء ثم إنها ذكرت له أن ذلك من عند الله فهنالك طمع في انخراق العادة في حصول الولد من المرأة العقيمة الشيخة العاقر وذلك يدل على أنه ما وقف على تلك الأحوال إلا بأخبار مريم، ومتى كان الأمر كذلك ثبت أن تلك الخوارق ما كانت معجزة لزكريا عليه السلام فلم يبق إلا أن يقال: إنها كانت كرامة لعيسى عليه السلام، أو كانت كرامة لمريم عليها السلام، وعلى التقديرين فالمقصود حاصل، فهذا هو وجه الاستدلال بهذه الآية على وقوع كرامات الأولياء.

اعترض أبو علي الجبائي وقال: لم لا يجوز أن يقال إن تلك الخوارق كانت من معجزات زكريا عليه السلام، وبيانه من وجهين: الأول: أن زكريا عليه السلام دعا لها على الإجمال أن يوصل الله إليها رزقاً، وأنه ربما كان غافلاً عن تفاصيل ما يأتيها من الأرزاق من عند الله تعالى، فإذا رأى شيئاً بعينه في وقت معين قال لها ﴿ أنى لَكِ هذا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ الله ﴾ فعنذ ذلك يعلم أن الله تعالى أظهر بدعائه تلك المعجزة والثاني: يحتمل أن يكون زكريا يشاهد عند مريم رزقاً معتاداً إلا أنه كان يأتيها من السماء، وكان زكريا يسألها عن ذلك حذراً من أن يكون يأتيها من عند إنسان يبعثه إليها، فقالت هو من عند الله لا من عند غيره.

المقام الثاني: أنا لا نسلم أنه كان قد ظهر على مريم شيء من خوارق العادات، بل معنى الآية أن الله تعالى كان قد سبب لها رزقاً على أيدي المؤمنين الذين كانوا يرغبون في الإنفاق على الزاهدات العابدات، فكان زكريا عليه السلام إذا رأى شيئاً من ذلك خاف أنه ربما أتاها ذلك الرزق من وجه لا ينبغي، فكان يسألها عن كيفية الحال، هذا مجموع ما قاله الجبائي في تفسيره وهو في غاية الضعف، لأنه لو كان ذلك معجزاً لزكريا عليه السلام كان مأذوناً له من عند الله تعالى في طلب ذلك، ومتى كان مأذوناً في ذلك الطلب كان عالماً قطعاً بأن يحصل، وإذا علم ذلك امتنع أن يطلب منها كيفية الحال، ولم يبق أيضاً لقوله: ﴿ هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ ﴾ فائدة، وهذا هو الجواب بعينه عن الوجه الثاني.

وأما سؤاله الثالث ففي غاية الركاكة لأن هذا التقدير لا يبقى فيه وجه اختصاص لمريم بمثل هذه الواقعة، وأيضاً فإن كان في قلبه احتمال أنه ربما أتاها هذا الرزق من الوجه الذي لا ينبغي فبمجرد إخبارها كيف يعقل زوال تلك التهمة فعلمنا سقوط هذه الأسئلة وبالله التوفيق.

أما المعتزلة فقد احتجوا على امتناع الكرامات بأنها دلالات صدق الأنبياء، ودليل النبوّة لا يوجد مع غير الأنبياء، كما أن الفعل المحكم لما كان دليلاً على العلم لا جرم لا يوجد في حق غير العالم.

والجواب من وجوه: الأول: وهو أن ظهور الفعل الخارق للعادة دليل على صدق المدعي، فإن ادعى صاحبه النبوّة فذاك الفعل الخارق للعادة يدل على كونه نبياً، وإن ادعى الولاية فذلك يدل على كونه ولياً والثاني: قال بعضهم: الأنبياء مأمورون بإظهارها، والأولياء مأمورون بإخفائها والثالث: وهو أن النبي يدعي المعجز ويقطع به، والولي لا يمكنه أن يقطع به والرابع: أن المعجزة يجب انفكاكها عن المعارضة، والكرامة لا يجب انفكاكها عن المعارضة، فهذا جملة الكلام في هذا الباب وبالله التوفيق.

ثم قال تعالى حكاية عن مريم عليها السلام: ﴿ إنَّ الله يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ فهذا يحتمل أن يكون من جملة كلام مريم، وأن يكون من كلام الله سبحانه وتعالى، وقوله: ﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ أي بغير تقدير لكثرته، أو من غير مسألة سألها على سبيل يناسب حصولها، وهذا كقوله: ﴿ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ  ﴾ وهاهنا آخر الكلام في قصة حنة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ آل إبراهيم ا ﴾ إسماعيل وإسحاق وأولادهما.

﴿ وَءَالَ عِمْرَانَ ﴾ موسى وهرون ابنا عمران ابن يصهر.

وقيل عيسى ومريم بنت عمران بن ماثان، وبين العمرانين ألف وثمانمائة سنة.

و ﴿ ذُرّيَّةَ ﴾ بدل من آل إبراهيم وآل عمران ﴿ بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ ﴾ يعني أنّ الآلين ذرّية واحدة متسلسلة بعضها متشعب من بعض: موسى وهرون من عمران، وعمران من يصهر، ويصهر من فاهث، وفاهث من لاوى، ولاوى من يعقوب، ويعقوب من إسحاق.

وكذلك عيسى ابن مريم بنت عمران بن ماثان بن سليمان بن داود بن إيشا بن يهوذا بن يعقوب بن إسحاق.

وقد دخل في آل إبراهيم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقيل: (بعضها من بعض) في الدين، كقوله تعالى: ﴿ المنافقون والمنافقات بَعْضُهُمْ مّن بَعْضٍ ﴾ [التوبة: 67] ﴿ والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ يعلم من يصلح للاصطفاء، أو يعلم أنّ بعضهم من بعض في الدين.

أو (سميع عليم) لقول امرأة عمران ونيتها.

و ﴿ إِذْ ﴾ منصوب به.

وقيل: بإضمار اذكر.

وامرأة عمران هي امرأة عمران بن ماثان، أم مريم البتول.

جدّة عيسى عليه السلام، وهي حنة بنت فاقوذ.

وقوله: ﴿ إِذْ قَالَتِ امرأت عمران ﴾ على أثر قوله: ﴿ وَءَالَ عِمْران ﴾ مما يرجح أنّ عمران هو عمران بن ماثان جدّ عيسى، والقول الآخر يرجحه أن موسى يقرن بإبراهيم كثيراً في الذكر.

فإن قلت: كانت لعمران بن يصهر بنت اسمها مريم أكبر من موسى وهرون، ولعمران بن ماثان مريم البتول، فما أدراك أن عمران هذا هو أبو مريم البتول دون عمران أبي مريم التي هي أخت موسى وهرون؟

قلت: كفى بكفالة زكريا دليلاً على أنه عمران أبو البتول، لأن زكريا بن آذن وعمران بن ماثان كانا في عصر واحد، وقد تزوّج زكريا بنته إيشاع أخت مريم فكان يحيى وعيسى ابني خالة.

روي أنها كانت عاقرا لم تلد إلى أن عجزت، فبينا هي في ظل شجرة بصرت بطائر يطعم فرخاً له فتحرّكت نفسها للولد وتمنته، فقالت: اللهم إن لك عليّ نذراً شكراً إن رزقتني ولداً أن أتصدق به على بيت المقدس فيكون من سدنته وخدمه، فحملت بمريم وهلك عمران وهي حامل ﴿ مُحَرَّرًا ﴾ معتقاً لخدمة بيت المقدس لا يدَ لي عليه ولا أستخدمه ولا أشغله بشيء، وكان هذا النوع من النذر مشروعاً عندهم.

وروي: أنهم كانوا ينذرون هذا النذر، فإذا بلغ الغلام خير بين أن يفعل وبين أن لا يفعل.

وعن الشعبي ﴿ مُحَرَّرًا ﴾ : مخلصاً للعبادة، وما كان التحرير إلا للغلمان، وإنما بنت الأمر على التقدير، أو طلبت أن ترزق ذكراً ﴿ فَلَمَّا وَضَعَتْهَا ﴾ الضمير ل (ما في بطني)، وإنما أنث على المعنى لأن ما في بطنها كان أنثى في علم الله، أو على تأويل الحبلة أو النفس أو النسمة.

فإن قلت: كيف جاز انتصاب ﴿ أنثى ﴾ حالا من الضمير في وضعتها وهو كقولك وضعت الأنثى أنثى؟

قلت: الأصل: وضعته أنثى، وإنما أنثى لتأنيث الحال؛ لأن الحال وذا الحال لشيء واحد، كما أنث الاسم في (ما كانت أمّك) لتأنيث الخبر.

ونظيره قوله تعالى: ﴿ فَإِن كَانَتَا اثنتين ﴾ [النساء: 176] وأمّا على تأويل الحبلة أو النسمة فهو ظاهر، كأنه قيل: إني وضعت الحبلة أو النسمة أنثى.

فإن قلت: فلم قالت: إني وضعتها أنثى وما أرادت إلى هذا القول؟

قلت: قالته تحسراً على ما رأت من خيبة رجائها وعكس تقديرها.

فتحزنت إلى ربها لأنها كانت ترجو وتقدر أن تلد ذكراً، ولذلك نذرته محرّراً للسدانة.

ولتكلمها بذلك على وجه التحسر والتحزن قال الله تعالى: ﴿ والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ ﴾ تعظيماً لموضوعها وتجهيلا لها بقدر ما وهب لها منه.

ومعناه: والله أعلم بالشيء الذي وضعت وما علق به من عظائم الأمور، وأن يجعله وولده آية للعالمين وهي جاهلة بذلك لا تعلم منه شيئاً.

فلذلك تحسرت.

وفي قراءة ابن عباس ﴿ والله أعلم بما وَضَعْتِ ﴾ على خطاب الله تعالى لها أي إنك لا تعلمين قدر هذا الموهوب وما علم الله من عظم شأنه وعلوّ قدره.

وقرئ: ﴿ وضعت ﴾ .

بمعنى: ولعلّ لله تعالى فيه سراً وحكمة، ولعلّ هذه الأنثى خير من الذكر تسلية لنفسها.

فإن قلت: فما معنى قوله: ﴿ وَلَيْسَ الذكر كالانثى ﴾ ؟

قلت: هو بيان لما في قوله: ﴿ والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ ﴾ من التعظيم للموضوع والرفع منه، ومعناه: وليس الذكر الذي طلبت كالأنثى التي وهبت لها، واللام فيهما للعهد.

فإن قلت: علام عطف قوله: ﴿ وَإِنّى سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ ﴾ ؟

قلت: هو عطف على إني وضعتها أنثى، وما بينهما جملتان معترضتان، كقوله تعالى: ﴿ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴾ [الواقعة: 76] فإن قلت: فلم ذكرت تسميتها مريم لربها؟

قلت: لأن مريم في لغتهم بمعنى العابدة، فأرادت بذلك التقريب والطلب إليه أن يعصمها حتى يكون فعلها مطابقاً لاسمها، وأن يصدق فيها ظنها بها.

ألا ترى كيف أتبعته طلب الإعاذة لها ولولدها من الشيطان وإغوائه.

وما يروى من الحديث: «ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهلّ صارخاً من مس الشيطان إياه، إلا مريم وابنها» فالله أعلم بصحته.

فإن صح فمعناه أن كل مولود يطمع الشيطان في إغوائه إلا مريم وابنها، فإنهما كانا معصومين، وكذلك كل من كان في صفتهما كقوله تعالى: ﴿ لاَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين ﴾ [الحجر: 40 41] واستهلاله صارخاً من مسه تخييل وتصوير لطمعه فيه، كأنه يمسه ويضرب بيده عليه ويقول: هذا ممن أغويه، ونحوه من التخييل قول ابن الرومي: لِمَا تُؤْذِنُ الدُّنْيَا بِهِ مِنْ صُرُوفِهَا ** يَكُونُ بُكَاءُ الطَفْلِ سَاعَةَ يُولَدُ وأما حقيقة المس والنخس كما يتوهم أهل الحشو فكلا، ولو سلط إبليس على الناس بنخسهم لامتلأت الدنيا صراخاً وعياطاً مما يبلونا به من نخسه ﴿ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا ﴾ فرضي بها في النذر مكان الذكر ﴿ بِقَبُولٍ حَسَنٍ ﴾ فيه وجهان: أحدهما أن يكون القبول اسم ما تقبل به الشيء كالسعوط واللدود، لما يسعط به ويلد، وهو اختصاصه لها بإقامتها مقام الذكر في النذر، ولم يقبل قبلها أنثى في ذلك، أو بأن تسلمها من أمّها عقيب الولادة قبل أن تنشأ وتصلح للسدانة.

وروي: أن حنة حين ولدت مريم، لفتها في خرقة وحملتها إلى المسجد، ووضعتها عند الأحبار أبناء هرون، وهم في بيت المقدس كالحجبة في الكعبة، فقالت لهم: دونكم هذه النذيرة فتنافسوا فيها لأنها كانت بنت إمامهم وصاحب قربانهم، وكانت بنو ماثان رؤوس بني إسرائيل وأحبارهم وملوكهم، فقال لهم زكريا: أنا أحق بها، عندي خالتها فقالوا: لا حتى نقترع عليها، فانطلقوا وكانوا سبعة وعشرين إلى نهر، فألقوا فيه أقلامهم، فارتفع قلم زكريا فوق الماء ورسبت أقلامهم، فتكفلها.

والثاني: أن يكون مصدراً على تقدير حذف المضاف بمعنى: فتقبلها بذي قبول حسن، أي بأمر ذي قبول حسن وهو الاختصاص.

ويجوز أن يكون معنى ﴿ فَتَقَبَّلَهَا ﴾ فاستقبلها، كقولك: تعجله بمعنى استعجله، وتقصاه بمعنى استقصاه، وهو كثير في كلامهم، من استقبل الأمر إذا أخذه بأوّله وعنفوانه قال القطامي: وَخَيْرُ الأَمْرِ مَا استقبلت مِنْهُ ** وَلَيْسَ بِأَنْ تَتَبَّعَهُ اتِّبَاعَا ومنه المثل (خذ الأمر بقوابله).

أي فأخذها في أوّل أمرها حين ولدت بقبول حسن ﴿ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا ﴾ مجاز عن التربية الحسنة العائدة عليها بما يصلحها في جميع أحوالها.

وقرئ: ﴿ وَكَفِلَها زكريا ﴾ ، بوزن وعملها ﴿ وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ﴾ بتشديد الفاء ونصب زكرياء، والفعل لله تعالى بمعنى: وضمها إليه وجعله كافلاً لها وضامناً لمصالحها.

ويؤيدها قراءة أبيّ: وأكفلها، من قوله تعالى: ﴿ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا ﴾ [ص: 23] وقرأ مجاهد: فتقبلها ربها، وأنبتها، وكفلها، على لفظ الأمر في الأفعال الثلاثة، ونصب ربها، تدعو بذلك، أي فاقبلها يا ربها وربها، واجعل زكريا كافلاً لها.

قيل: بنى لها زكريا محراباً في المسجد، أي غرفة يصعد إليها بسلم.

وقيل: المحراب أشرف المجالس ومقدّمها، كأنها وضعت في أشرف موضع من بيت المقدس.

وقيل: كانت مساجدهم تسمى المحاريب.

وروي: أنه كان لا يدخل عليها إلا هو وحده، وكان إذا خرج غلق عليها سبعة أبواب.

﴿ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا ﴾ كان رزقها ينزل عليها من الجنة ولم ترضع ثديا قط، فكان يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء ﴿ أنى لَكِ هذا ﴾ من أين لك هذا الرزق الذي لا يشبه أرزاق الدنيا وهو آت في غير حينه والأبواب مغلقة عليك لا سبيل للداخل به إليك؟

﴿ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ الله ﴾ فلا تستبعد.

قيل تكلمت وهي صغيرة كما تكلم عيسى وهو في المهد.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه جاع في زمن قحط فأهدت له فاطمة رضي الله عنها رغيفين وبضعة لحم آثرته بها، فرجع بها إليها، وقال: هلمي يا بنية فكشفت عن الطبق فإذا هو مملوء خبزاً ولحماً، فبهتت وعلمت أنها نزلت من عند الله، فقال لها صلى الله عليه وسلم: أنيَّ لك هذا؟

فقالت: هو من عند الله، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب.

فقال عليه الصلاة والسلام: الحمد لله الذي جعلك شبيهة سيدة نساء بني إسرائيل، ثم جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم عليّ بن أبي طالب والحسن والحسين وجميع أهل بيته، فأكلوا عليه حتى شبعوا وبقي الطعام كما هو، فأوسعت فاطمة على جيرانها» ﴿ إنَّ الله يَرْزُقُ ﴾ من جملة كلام مريم عليها السلام، أو من كلام رب العزّة عزّ من قائل ﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ بغير تقدير لكثرته، أو تفضلاً بغير محاسبة ومجازاة على عمل بحسب الاستحقاق.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَلَمّا وضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى ﴾ الضَّمِيرُ لِما في بَطْنِها وتَأْنِيثُهُ لِأنَّهُ كانَ أُنْثى، وجازَ انْتِصابُ أُنْثى حالًا عَنْهُ لِأنَّ تَأْنِيثَها عَلَمٌ مِنهُ فَإنَّ الحالَ وصاحِبَها بِالذّاتِ واحِدٌ.

أوْ عَلى تَأْوِيلِ مُؤَنَّثٍ كالنَّفْسِ والحَبْلَةِ.

وَإنَّما قالَتْهُ تَحَسُّرًا وتَحَزُّنًا إلى رَبِّها لِأنَّها كانَتْ تَرْجُو أنْ تَلِدَ ذَكَرًا ولِذَلِكَ نَذَرَتْ تَحْرِيرَهُ.

﴿ واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ ﴾ أيْ بِالشَّيْءِ الَّذِي وضَعَتْ.

هو اسْتِئْنافٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى تَعْظِيمًا لِمَوْضُوعِها وتَجْهِيلًا لَها بِشَأْنِها.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ويَعْقُوبَ "وَضَعْتُ" عَلى أنَّهُ مِن كَلامِها تَسْلِيَةٌ لِنَفْسِها أيْ ولَعَلَّ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى فِيهِ سِرًّا، أوِ الأُنْثى كانَتْ خَيْرًا.

وقُرِئَ «وَضَعْتِ» عَلى أنَّهُ خِطابُ اللَّهِ تَعالى لَها.

﴿ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثى ﴾ بَيانٌ لِقَوْلِهِ ﴿ واللَّهُ أعْلَمُ ﴾ أيْ ولَيْسَ الذَّكَرُ الَّذِي طَلَبَتْ كالأُنْثى الَّتِي وُهِبَتْ، واللّامُ فِيهِما لِلْعَهْدِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِها بِمَعْنى ولَيْسَ الذَّكَرُ والأُنْثى سِيّانَ فِيما نَذَرَتْ فَتَكُونُ اللّامُ لِلْجِنْسِ.

﴿ وَإنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ ﴾ عُطِفَ عَلى ما قَبْلَها مِن مَقالِها وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، وإنَّما ذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَبِّها تَقَرُّبًا إلَيْهِ وطَلَبًا لِأنْ يَعْصِمَها ويُصْلِحَها حَتّى يَكُونَ فِعْلُها مُطابِقًا لِاسْمِها فَإنَّ مَرْيَمَ في لُغَتِهِمْ بِمَعْنى: العابِدَةُ.

وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الِاسْمَ والمُسَمّى والتَّسْمِيَةَ أُمُورٌ مُتَغايِرَةٌ.

﴿ وَإنِّي أُعِيذُها بِكَ ﴾ أُجِيرُها بِحِفْظِكَ.

﴿ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ ﴾ المَطْرُودِ، وأصْلُ الرَّجْمِ الرَّمْيُ بِالحِجارَةِ.

وَعَنِ النَّبِيِّ  «ما مِن مَوْلُودٍ يُولَدُ إلّا والشَّيْطانُ يَمَسُّهُ حِينَ يُولَدُ، فَيَسْتَهِلُّ مِن مَسِّهِ إلّا مَرْيَمَ وابْنَها» .

ومَعْناهُ أنَّ الشَّيْطانَ يَطْمَعُ في إغْواءِ كُلِّ مَوْلُودٍ يَتَأثَّرُ مِنهُ إلّا مَرْيَمَ وابْنَها فَإنَّ اللَّهَ تَعالى عَصَمَهُما بِبَرَكَةِ هَذِهِ الِاسْتِعاذَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فلما وضعتها} الضمير لما في بطني وإنما أنّث على تأويل الحبلة أو النفس أو النسمة {قَالَتْ رَبِّ إِنّي وَضَعْتُهَا أنثى} أنثى حال من الضمير في وضعتها أي وضعت الحبلة أو النفس أو النسمة أنثى وإنما قالت هذا القول لأن التحرير لم يكن إلا للغلمان فاعتذرت عما نذرت وتحزنت إلى ربها ولتكلمها بذلك على وجه التحزن والتحسر قال الله {والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ} تعظيماً لموضوعها أي والله أعلم بالشئ الذى وضعت وماعلق به من عزائم الأمور وضعتُ شامي وأبو بكر بمعنى ولعل لله فيه سراً

وحكمة وعلى هذا يكون داخلاً في القول وعلى الأول يوقف عند قوله أنثى وقوله والله أعلم بما وضعت ابتداء إخبار من الله تعالى {وَلَيْسَ الذكر} الذي طلبت {كالأنثى} التي وهتب لها واللام فيهما للعهد {وَإِنّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ} معطوف على إني وضعتها أنثى وما بينهما جملتان معترضتان وإنما ذكرت حنة تسميتها مريم لربها لأن مريم في لغتهم العابدة فأرادت بذلك التقرب والطلب إليه أن يعصمها حتى يكون فعلها مطابقاً لاسمها وأن يصدق فيها ظنها بها ألا ترى كيف أتبعته طلب الإعاذة لها ولولدها من الشيطان قوله {وإنّي} مدني {أُعِيذُهَا بِكَ} أجيرها {وَذُرِّيَّتَهَا} أولادها {مِنَ الشيطان الرجيم} الملعون في الحديث ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخاً من مس الشيطان إياه إلا مريم وابنها

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَلَمّا وضَعَتْها ﴾ الضَّمِيرُ -لَمّا- ولَمّا عَلِمَ المُتَكَلِّمُ أنَّ مَدْلُولَها مُؤَنَّثٌ جازَ لَهُ تَأْنِيثُ الضَّمِيرِ العائِدِ إلَيْهِ وإنْ كانَ اللَّفْظُ مُذَكَّرًا، وأمّا التَّأْنِيثُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قالَتْ رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى ﴾ فَلَيْسَ بِاعْتِبارِ العِلْمِ بَلْ بِاعْتِبارِ أنَّ كُلَّ ضَمِيرٍ وقَعَ بَيْنَ مُذَكَّرٍ ومُؤَنَّثٍ هُما عِبارَتانِ عَنْ مَدْلُولٍ واحِدٍ جازَ فِيهِ التَّذْكِيرُ والتَّأْنِيثُ نَحْوَ: الكَلامُ يُسَمّى جُمْلَةً، و ﴿ أُنْثى ﴾ حالٌ بِمَنزِلَةِ الخَبَرِ فَأنَّثَ العائِدُ إلى (ما) نَظَرًا إلى الحالِ مِن غَيْرِ أنْ يَعْتَبِرَ فِيهِ مَعْنى الأُنُوثَةِ لِيَلْزِمُ اللَّغْوُ أوْ بِاعْتِبارِ التَّأْوِيلِ بِمُؤَنَّثٍ لَفْظِيٍّ يَصْلُحُ لِلْمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ كالنَّفْسِ والحَبْلَةِ والنَّسَمَةِ، فَلا يُشْكِلُ التَّأْنِيثُ ولا يَلْغُو ﴿ أُنْثى ﴾ بَلْ هي حالَةٌ مُبَيَّنَةٌ كَذا قِيلَ، ولا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ، فالحَقُّ أنَّ الضَّمِيرَ لِ (ما في بَطْنِي) والتَّأْنِيثُ في الأوَّلِ لِما أنَّ المَقامَ يَسْتَدْعِي ظُهُورَ أُنُوثَتِهِ واعْتِبارَهُ في حَيِّزِ الشَّرْطِ إذْ عَلَيْهِ يَتَرَتَّبُ جَوابُ (لَمّا) لا عَلى وضْعِ ولَدٍ ما، والتَّأْنِيثُ في الثّانِي لِلْمُسارَعَةِ إلى عَرْضِ ما دَهَمَها مِن خَيْبَةِ الرَّجاءِ وانْقِطاعِ حَبْلِ الأمَلِ، و ﴿ أُنْثى ﴾ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ مِنَ الضَّمِيرِ أوْ بَدَلٌ مِنهُ، ولَيْسَ الغَرَضُ مِن هَذا الكَلامِ الإخْبارَ لِأنَّهُ إمّا لِلْفائِدَةِ أوْ لِلازِمِها، وعِلْمُ اللَّهِ تَعالى مُحِيطٌ بِهِما بَلْ لِمُجَرَّدِ التَّجَسُّرِ والتَّحَزُّنِ، وقَدْ قالَ الإمامُ المَرْزُوقِيُّ: إنَّهُ قَدْ يَرِدُ الخَبَرُ صُورَةً لِأغْراضٍ سِوى الإخْبارِ، كَما في قَوْلِهِ: قَوْمِي هم قَتَلُوا أُمَيْمَ أخِي فَإذا رَمَيْتُ (يُصِيبُنِي سَهْمِي) فَإنَّ هَذا الكَلامَ تَحَزُّنٌ وتَفَجُّعٌ ولَيْسَ بِإخْبارٍ، وحاصِلُ المَعْنى هُنا عَلى ما قَرَّرَ فَلَمّا وضَعَتْ بِنْتًا تَحَسَّرَتْ إلى مَوْلاها وتَفَجَّعَتْ إذْ خابَ مِنها رَجاها وعَلى هَذا لا إشْكالَ أصْلًا في التَّأْنِيثِ ولا في الجَزاءِ نَفْسِهِ، ولا في تَرَتُّبِهِ عَلى الشَّرْطِ، وما قِيلَ: إنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فائِدَةُ هَذا الكَلامِ التَّحْقِيرَ لِلْمُحَرَّرِ اِسْتِجْلابًا لِلْقَبُولِ، لِأنَّهُ مَن تَواضَعَ لِلَّهِ تَعالى رَفَعَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ فَمُسْتَحْقَرٌ مِنَ القَوْلِ بِالنِّسْبَةِ إلى ما ذَكَرْنا؛ والتَّأْكِيدُ هُنا قِيلَ: لِلرَّدِّ عَلى اِعْتِقادِها الباطِلِ ورُبَّما أنَّهُ يَعُودُ إلى الِاعْتِناءِ والمُبالَغَةِ في التَّحَسُّرِ الَّذِي قَصَدَتْهُ، والرَّمْزُ إلى أنَّهُ صادِرٌ عَنْ قَلْبٍ كَسِيرٍ وفُؤادٍ بِقُيُودِ الحِرْمانِ أسِيرٍ.

﴿ واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ ﴾ لَيْسَ المُرادُ الرَّدَّ عَلَيْها في إخْبارِها بِما هو سُبْحانَهُ أعْلَمُ بِهِ كَما يَتَراءى مِنَ السِّياقِ بَلِ الجُمْلَةُ اِعْتِراضِيَّةٌ سِيقَتْ لِتَعْظِيمِ المَوْلُودِ الَّذِي وضَعَتْهُ وتَفْخِيمِ شَأْنِهِ والتَّجْهِيلِ لَها بِقَدَرِهِ، أيْ واَللَّهُ أعْلَمُ بِالشَّيْءِ الَّذِي وضَعَتْهُ وما عَلِقَ بِهِ مِن عَظائِمِ الأُمُورِ ودَقائِقِ الأسْرارِ وواضِحِ الآياتِ، وهي غافِلَةٌ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، و(ما) عَلى هَذِهِ عِبارَةٌ عَنِ المَوْضُوعَةِ، قِيلَ: والإتْيانُ بِها دُونَ مَن يُلائِمُ التَّجْهِيلَ فَإنَّها كَثِيرًا ما يُؤْتى بِها لِما يُجْهَلُ بِهِ، وجَعَلَها عِبارَةً عَنِ الواضِعَةِ، أيْ واَللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِشَأْنٍ أُمِّ مَرْيَمَ حِينَ تَحَسُّرِها وتَحَزُّنِها مِن تَوَهُّمِ خَيْبَةِ رَجاها، وأنَّها لَيْسَتْ مِنَ الوَلِيِّ إلى اللَّهِ تَعالى في شَيْءٍ، إذْ لَها مَرْتَبَةٌ عُظْمى وتَحْرِيرُها تَحْرِيرٌ لا يُوجَدُ مِنهُ مِمّا لا وجْهَ لَهُ، وجَزالَةُ النَّظْمِ تَأْباهُ.

وقَرَأ اِبْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ﴿ بِما وضَعَتْ ﴾ عَلى خِطابِ اللَّهِ تَعالى لَها، والمُرادُ بِهِ تَعْظِيمُ شَأْنِ المَوْضُوعِ أيْضًا أيْ إنَّكِ لا تَعْلَمِينَ قَدْرَ ما وضَعْتِهِ وما أوْدَعَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ.

وقَرَأ اِبْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ويَعْقُوبُ (بِما وضَعْتُ) عَلى أنَّهُ مِن كَلامِها، قالَتْهُ اِعْتِذارًا إلى اللَّهِ تَعالى حَيْثُ وضَعَتْ مَوْلُودًا لا يَصْلُحُ لِلْغَرَضِ، أوْ تَسْلِيَةً لِنَفْسِها أيْ ولَعَلَّ لِلَّهِ تَعالى في ذَلِكَ سِرًّا وحِكْمَةً ولَعَلَّ هَذِهِ الأُنْثى خَيْرٌ مِنَ الذَّكَرِ فالجُمْلَةُ حِينَئِذٍ لِنَفْيِ العِلْمِ لا لِلتَّجْهِيلِ لِأنَّ العَبْدَ يَنْظُرُ إلى ظاهِرِ الحالِ ولا يَقِفُ عَلى ما في خِلالِهِ مِنَ الأسْرارِ، وحَمْلُ قِراءَةِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما عَلى هَذا المَعْنى بِجَعْلِ الخِطابِ مِنها لِنَفْسِها في غايَةِ البُعْدِ، ووَضُعِ الظّاهِرُ مَوْضِعَ ضَمِيرِ المُخاطَبِ إظْهارًا لِغايَةِ الإجْلالِ.

﴿ ولَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثى ﴾ اِعْتِراضٌ آخَرُ مُبَيِّنٌ لِما اِشْتَمَلَ عَلَيْهِ الأوَّلُ مِنَ التَّعْظِيمِ ولَيْسَ بَيانًا لِمَنطُوقِهِ حَتّى يَلْحَقَ بِعَطْفِ البَيانِ المُمْتَنِعِ فِيهِ العَطْفُ، واللّامُ في الذَّكَرِ والأُنْثى لِلْعَهْدِ، أمّا الَّتِي في الأُنْثى فَلِسَبْقِ ذِكْرِها صَرِيحًا في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ حِكايَةً: ﴿ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى ﴾ وأمّا الَّتِي في الذَّكَرِ فَلِقَوْلِها: ﴿ إنِّي نَذَرْتُ ﴾ الخ، إذْ هو الَّذِي طَلَبَتْهُ والتَّحْرِيرُ لا يَكُونُ إلّا لِلذَّكَرِ، وسُمِّيَ هَذا العَهْدَ التَّقْدِيرِيَّ وهو غَيْرُ الذِّهْنِيِّ لِأنَّ قَوْلَها: ﴿ ما في بَطْنِي ﴾ صالِحٌ لِلصِّنْفَيْنِ، وقَوْلُها: ﴿ مُحَرَّرًا ﴾ تَمَنٍّ لِأنْ يَكُونَ ذَكَرًا فَأُشِيرَ إلى ما في البَطْنِ حَسَبَ رَجائِها، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مِن قَوْلِها فَيَكُونُ مُرادُها نَفْيَ مُماثَلَةِ الذَّكَرِ لِلْأُنْثى، فاللّامُ لِلْجِنْسِ كَما هو الظّاهِرُ لِأنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ خُصُوصَ ذَكَرٍ وأُنْثى، بَلْ إنَّ المُرادَ أنَّ هَذا الجِنْسَ لَيْسَ كَهَذا الجِنْسِ، وأُورِدُ عَلَيْهِ أنَّ قِياسَ كَوْنِ ذَلِكَ مِن قَوْلِها أنْ يَكُونَ، ولَيْسَتِ الأُنْثى كالذَّكَرِ فَإنَّ مَقْصُودَها تَنْقِيصُ الأُنْثى بِالنِّسْبَةِ إلى الذَّكَرِ، والعادَةُ في مَثَلِهِ أنْ يُنْفى عَنِ النّاقِصِ شِبْهُهُ بِالكامِلِ لا العَكْسُ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ جارٍ عَلى ما هو العادَةُ في مِثْلِهِ أيْضًا لِأنَّ مُرادَ أُمِّ مَرْيَمَ لَيْسَ تَفْضِيلَ الذَّكَرِ عَلى الأُنْثى بَلِ العَكْسُ، تَعْظِيمًا لِعَطِيَّةِ اللَّهِ تَعالى عَلى مَطْلُوبِها، أيْ ولَيْسَ الذَّكَرُ الَّذِي هو مَطْلُوبِي كالأُنْثى الَّتِي وهَبَها اللَّهُ تَعالى لِي عِلْمًا مِنها بِأنَّ ما يَفْعَلُهُ الرَّبُّ خَيْرٌ مِمّا يُرِيدُهُ العَبْدُ وفِيهِ نَظَرٌ، أمّا أوَّلًا: فَلِأنَّ اللّامَ في الذَّكَرِ والأُنْثى عَلى هَذا يَكُونُ لِلْعَهْدِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وأمّا ثانِيًا: فَلِأنَّهُ يُنافِي التَّحَسُّرَ والتَّحَزُّنَ المُسْتَفادَ مِن قَوْلِها: ﴿ رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى ﴾ فَإنَّ تَحَزُّنَها ذَلِكَ إنَّما هو لِتَرْجِيحِها الذَّكَرَ عَلى الأُنْثى، والمَفْهُومُ مِن هَذا الجَوابِ تَرْجِيحُها الأُنْثى عَلى الذَّكَرِ اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُحْمَلَ قَوْلُها ذَلِكَ عَلى تَسْلِيَةِ نَفْسِها بَعْدَ ما تَحَزَّنَتْ عَلى هِبَةِ الأُنْثى بَدَلَ الذَّكَرِ الَّذِي كانَتْ طَلَبَتْهُ، إلّا أنَّهُ تَبْقى مُخالَفَةُ الظّاهِرِ عَلى ما هِيَ، فالأوْلى في الجَوابِ عَدَمُ الخُرُوجِ عَمّا هو الظّاهِرُ والبَحْثُ فِيما اِقْتَضَتْهُ العادَةُ، فَقَدْ قالَ في «اَلِانْتِصافَ» بَعْدَ نَقْلِ الإيرادِ وذِكْرِ القاعِدَةِ: وقَدْ وجَدْتُ الأمْرَ في ذَلِكَ مُخْتَلِفًا فَلَمْ يَثْبُتْ لِي تَعَيُّنُ ما قالُوهُ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ ﴾ فَنَفى عَنِ الكامِلِ شِبْهَ النّاقِصِ لِأنَّ الكَمالَ لِأزْواجِ النَّبِيِّ  ثابِتٌ بِالنِّسْبَةِ إلى عُمُومِ النِّساءِ وعَلى ذَلِكَ جاءَتْ عِبارَةُ اِمْرَأةِ عِمْرانَ، ومِنهُ أيْضًا ﴿ أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ ﴾ اِنْتَهى.

وتَمامُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ ما ذَكَرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّهُ إذا دَخَلَ نَفْيٌ بِلا أوْ غَيْرِها، أوْ ما في مَعْناهُ عَلى تَشْبِيهٍ مُصَرَّحٍ بِأرْكانِهِ، أوْ بِبَعْضِها اِحْتَمَلَ مَعْنَيَيْنِ تَفْضِيلِ المُشَبَّهِ بِأنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهُ لا يُشَبَّهُ بِكَذا لِأنَّ وجْهَ الشَّبَهِ فِيهِ أوْلى وأقْوى كَقَوْلِكَ لَيْسَ زَيْدٌ كَحاتِمٍ في الجُودِ، ويُحْتَمَلُ عَكْسُهُ بِأنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهُ لا يُشَبَّهُ بِهِ لِبُعْدِ المَسافَةِ بَيْنَهُما كَقَوْلِ العَرَبِ ماءٌ ولا كَصِداءٍ، ومَرْعًى ولا كالسَّعْدانِ، وفَتًى ولا كَمالِكٍ، وقَوْلِهِ: طَرَفُ الخَيالِ ولا كَلَيْلَةِ مُدْلِجٍ ووَقَعَ في «شُرُوحِ المَقاماتِ» وغَيْرِها أنَّ العَرَبَ لَمْ تَسْتَعْمِلِ النَّفْيَ بِلا عَلى هَذا الوَجْهِ إلّا لِلْمَعْنى الثّانِي وأنَّ اِسْتِعْمالَهُ لِتَفْضِيلِ المُشَبَّهِ مِن كَلامِ المُوَلِّدِينَ حَتّى اِعْتَرَضُوا عَلى قَوْلِ الحَرِيرِيِّ في قَوْلِهِ: غَدَوْتَ ولا اِغْتِداءَ الغُرابِ وعِيبٌ قَوْلُ صاحِبِ «اَلتَّلْوِيحِ» في خُطْبَتِهِ: نالَ حَظًّا مِنَ الِاشْتِهارِ ولا اِشْتِهارَ الشَّمْسِ نِصْفَ النَّهارِ، ومَبْنى الِاعْتِراضِ عَلى هَذا، ولَعَلَّهُ لَيْسَ بِلازِمٍ كَما أشارَ إلَيْهِ صاحِبُ «اَلِانْتِصافِ» بِما أوْرَدَ مِنَ الآياتِ، ومِمّا أوْرَدَهُ الثَّعالِبِيُّ مِن خِلافِهِ أيْضًا في كِتابِهِ «اَلْمُنْتَخَبِ» فُلانٌ حَسَنٌ ولا القَمَرَ، وجَوادٌ ولا المَطَرَ عَلى أنَّهُ لَوْ سُلِّمَ ما ذَكَرُوهُ فالمَعانِي لا حَجْرَ فِيها عَلى أنَّ ما ورَدَ في النَّفْيِ بِلا المُعْتَرِضَةِ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ لا في كُلِّ نَفْيٍ اِنْتَهى.

وهو كَما قالَ: مِن نَفائِسِ المَعانِي الَّتِي يَنْبَغِي حِفْظُها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وإنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى ﴾ المَنصُوبَةِ المَحَلِّ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِلْقَوْلِ وما بَيْنَهُما كَما عَلِمْتَ اِعْتِراضٌ بِجُمْلَتَيْنِ غَيْرِ مَحْكِيَّتَيْنِ الثّانِيَةُ مِن تَتِمَّةِ الأُولى مَعْنًى عَلى ما بُيِّنَ، ولِهَذا أجْراهُ البَعْضُ مَجْرى الِاعْتِراضِ في الِاعْتِراضِ فَجَعَلَهُ نَظِيرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴾ ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ كَيْفَ يَجُوزُ الِاعْتِراضُ بَيْنَ كَلامَيْ أُمِّ مَرْيَمَ وكَلامِ مُتَكَلِّمٍ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُعْتَرِضًا بَيْنَ كَلامَيْ مُتَكَلِّمٍ آخَرَ، وأُجِيبَ بِأنَّ كَلامَ أُمِّ مَرْيَمَ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى نَقْلًا عَنْ أُمِّ مَرْيَمَ ولا بُعْدَ في أنْ يَكُونَ كَلامُهُ تَعالى اِعْتِراضًا بَيْنَ كَلامَيْها اللَّذَيْنِ هُما مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى نَقْلًا عَنْها، هَذا عَلى تَقْدِيرِ أنْ لا تَكُونَ تانِكَ الجُمْلَتانِ مِن كَلامِ أُمِّ مَرْيَمَ، أمّا إذا كانَتا مِن كَلامِها بِناءً عَلى ما سَبَقَ مِنَ القِراءَةِ والِاحْتِمالِ فَلا اِعْتِراضَ.

قِيلَ: والغَرَضُ مِن عَرْضِ التَّسْمِيَةِ عَلى عَلّامِ الغُيُوبِ التَّقَرُّبُ إلَيْهِ تَعالى واسْتِدْعاءُ العِصْمَةِ لَها فَإنَّ مَرْيَمَ في لُغَتِهِمْ بِمَعْنى العابِدَةِ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ إذْ مُجَرَّدُ ذِكْرِ تَسْمِيَتِها مَرْيَمَ لا يَكادُ يَكُونُ مُقَرِّبًا لَها إلَيْهِ تَعالى لِأنَّ التَّقَرُّبَ إلَيْهِ تَعالى إنَّما يَكُونُ بِسَبَبِ العِبادَةِ، ومُجَرَّدُ عَرْضِ التَّسْمِيَةِ لَيْسَ بِعِبادَةٍ فَكَيْفَ يَكُونُ مُقَرِّبًا، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ التَّقَرُّبَ إلى اللَّهِ تَعالى بِحُبِّها لِلْعِبادَةِ الَّذِي أشْعَرَ بِهِ تَسْمِيَتُها بِنْتَها عابِدَةً، أوِ اِعْتِقادُ أنَّ اللَّهَ تَعالى مُسْتَعاذٌ يُجِيرُ مَن يَسْتَعِيذُ بِهِ عَمّا يَخافُهُ.

واعْتُرِضَ بِأنَّ هَذا لا يَدْفَعُ الشُّبْهَةَ بَلْ هي باقِيَةٌ أيْضًا لِأنَّ المُقَرَّبَ حِينَئِذٍ ما في القَلْبِ مِنَ الحُبِّ والِاعْتِقادِ لا عَرْضَ ذَلِكَ عَلى مَن لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ، والأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّ الغَرَضَ مِن ذَلِكَ إظْهارُ أنَّها غَيْرُ راجِعَةٍ عَنْ نِيَّتِها وإنْ كانَ ما وضَعَتْهُ أُنْثى وأنَّها وإنْ لَمْ تَكُنْ خَلِيقَةً بِسِدانَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ فَلْتَكُنْ مِنَ العابِداتِ فِيهِ، واسْتِقْلالُها بِالتَّسْمِيَةِ لِكَوْنِ أبِيها قَدْ ماتَ وأُمِّها حامِلٌ بِها، فَتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ لِلتَّخْصِيصِ يَعْنِي التَّسْمِيَةَ مِنِّي لا يُشارِكُنِي فِيها أبُوها.

قِيلَ: وفي ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِيُتْمِها اِسْتِعْطافًا لَهُ تَعالى وجَعْلًا لِيُتْمِها شَفِيعًا لَها، والقَوْلُ بِأنَّ فائِدَةَ عَرْضِ تَسْمِيَتِها التَّحَسُّرَ والتَّحَزُّنَ أيْضًا أيْ إنِّي سَمَّيْتُها لا أبُوها لِعَدَمِ اِحْتِفالِهِ بِها والتِفاتِهِ إلَيْها لِكَراهَةِ الرِّجالِ في الغالِبِ البَناتِ، فَمَعَ أنَّهُ خِلافُ ما دَلَّ عَلَيْهِ أكْثَرُ الآثارِ ونَطَقَ بِهِ غالِبُ الأخْبارِ مِن مَوْتِ أبِيها وهي حامِلٌ يَجُرُّ إلى ما يَنْبَغِي أنْ تُنَزَّهَ عَنْهُ ساحَةُ الرَّجُلِ الصّالِحِ عِمْرانَ كَما لا يَخْفى.

وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في مَرْيَمَ وزْنًا ومَعْنًى، وقَدِ اِخْتارَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ أنَّها مُعْرَبَةُ مارِيَةَ بِمَعْنى جارِيَةٍ، ويَقْرُبُ أنْ يَكُونَ القَوْلَ المُعَوَّلَ عَلَيْهِ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى جَوازِ تَسْمِيَةِ الأطْفالِ يَوْمَ الوِلادَةِ لا يَوْمَ السّابِعِ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّها إنَّما قالَتْ ذَلِكَ بِإثْرِ الوَضْعِ، واسْتُدِلَّ بِتَغايُرِ المَفْعُولَيْنِ عَلى تَغايُرِ الِاسْمِ والمُسَمّى، وقَدْ تَقَدَّمَ البَحْثُ فِيهِ.

﴿ وإنِّي أُعِيذُها بِكَ ﴾ عَطْفٌ عَلى ”إنِّي سَمَّيْتُها“ وأتى هُنا بِخَبَرِ إنَّ فِعْلًا مُضارِعًا دَلالَةً عَلى طَلَبِها اِسْتِمْرارَ الِاسْتِعاذَةِ دُونَ اِنْقِطاعِها وهَذا بِخِلافِ (وضَعْتُها، وسَمَّيْتُها) حَيْثُ أتى بِالخَبَرَيْنِ ماضِيَيْنِ لِانْقِطاعِهِما وقَدَّمَ المُعاذَ بِهِ عَلى المَعْطُوفِ الآتِي اِهْتِمامًا بِهِ.

ومَعْنى ﴿ أُعِيذُها بِكَ ﴾ أمْنَعُها وأُجِيرُها بِحِفْظِكَ، وأصِلُ العَوْذِ كَما قالَ الرّاغِبُ: الِالتِجاءُ إلى الغَيْرِ والتَّعَلُّقُ بِهِ، يُقالُ: عاذَ فَلانٌ بِفُلانٍ إذا اِسْتَجارَ بِهِ، ومِنهُ أُخِذَتِ العَوْذَةُ وهي التَّمِيمَةُ والرُّقْيَةُ؛ وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ونافِعٌ (إنِّيَ) بِفَتْحِ ياءِ المُتَكَلِّمِ، وكَذا في سائِرِ المَواضِعِ الَّتِي بَعْدَ الياءِ ألْفٌ مَضْمُومَةٌ إلّا في مَوْضِعَيْنِ: ﴿ بِعَهْدِي ﴾ و ﴿ آتُونِي أُفْرِغْ ﴾ .

و”ذُرِّيَّتَها“ عَطْفٌ عَلى الضَّمِيرِ المَنصُوبِ، وفي التَّنْصِيصِ عَلى إعاذَتِها وإعاذَةِ ذُرِّيَّتِها رَمْزٌ إلى طَلَبِ بَقائِها حَيَّةً حَتّى تَكْبُرَ، وطَلَبٌ لِلتَّناسُلِ مِنها هَذا إذا أُرِيدَ بِالإعاذَةِ ﴿ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ  ﴾ أيِ المَطْرُودِ، وأصْلُ الرَّجْمِ الرَّمْيُ بِالحِجارَةِ - الحِفْظَ مِن إغْوائِهِ المُوقِعِ في الخَطايا لِأنَّهُ إنَّما يَكُونُ بَعْدَ البُلُوغِ إذْ لا تَكْلِيفَ قَبْلَهُ، وأمّا إذا أُرِيدَ مِنها الحِفْظُ مِنهُ مُطْلَقًا فَيُفْهَمُ طَلَبُ الأمْرَيْنِ مِنَ الأمْرِ الأخِيرِ، ويُؤَيِّدُ هَذا ما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : «ما مِن مَوْلُودٍ يُولَدُ إلّا والشَّيْطانُ يَمَسُّهُ حِينَ يُولَدُ فَيَسْتَهِلُّ مِن مَسِّهِ صارِخًا إلّا مَرْيَمَ وابْنَها ”،» وفي بَعْضِ طُرُقِهِ أنَّهُ ضُرِبَ بَيْنَهُ وبَيْنَها حِجابٌ وأنَّ الشَّيْطانَ أرادَ أنْ يَطْعَنَ بِإصْبَعِهِ فَوَقَعَتِ الطَّعْنَةُ في الحِجابِ، وفي رِوايَةِ إسْحاقَ بْنِ بِشْرٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : «“ كُلُّ ولَدِ آدَمَ يَنالُ مِنهُ الشَّيْطانُ يَطْعَنُهُ حِينَ يَقَعُ بِالأرْضِ بِإصْبَعِهِ ولِهَذا يَسْتَهِلُّ، إلّا ما كانَ مِن مَرْيَمَ وابْنِها فَإنَّهُ لَمْ يَصِلْ إبْلِيسُ إلَيْهِما».

وطَعَنَ القاضِي عَبْدُ الجَبّارِ بِإصْبَعِ فِكْرِهِ في هَذِهِ الأخْبارِ بِأنَّها خَبَرُ واحِدٍ عَلى خِلافِ الدَّلِيلِ، وذَلِكَ أنَّ الشَّيْطانَ إنَّما يَدْعُو إلى الشَّرِّ مَن لَهُ تَمْيِيزٌ، ولِأنَّهُ لَوْ تَمَكَّنَ مِن هَذا الفِعْلِ لَجازَ أنْ يُهْلِكَ الصّالِحِينَ، وأيْضًا لِمَ خَصَّ عِيسى وأُمَّهُ دُونَ سائِرِ الأنْبِياءِ؟

وأنَّهُ لَوْ وُجِدَ المَسُّ أوِ النَّخْسُ لَدامَ أثَرُهُ ولَيْسَ فَلَيْسَ، واَلزَّمَخْشَرِيُّ زَعَمَ أنَّ المَعْنى عَلى تَقْدِيرِ الصِّحَّةِ أنَّ كُلَّ مَوْلُودٍ يَطْمَعُ الشَّيْطانُ في إغْوائِهِ إلّا مَرْيَمَ وابْنَها فَإنَّهُما كانا مَعْصُومَيْنِ، وكَذَلِكَ كُلُّ مَن كانَ في صِفَتِهِما كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ ﴾ ﴿ إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ ﴾ واسْتِهْلالُهُ صارِخًا مِن مَسِّهِ تَخْيِيلٌ وتَصْوِيرٌ لِطَمَعِهِ فِيهِ كَأنَّهُ يَمَسُّهُ ويَضْرِبُ بِيَدِهِ عَلَيْهِ ونَحْوَهُ مِنَ التَّخْيِيلِ قَوْلُ اِبْنِ الرُّومِيِّ: لَمّا تُؤْذِنُ الدُّنْيا بِهِ مِن صُرُوفِها ∗∗∗ يَكُونُ بُكاءُ الطِّفْلِ ساعَةَ يُولَدُ وأمّا حَقِيقَةُ النَّخْسِ والمَسِّ كَما يَتَوَهَّمُ أهْلُ الحَشْوِ فَكَلّا ولَوْ سُلِّطَ إبْلِيسُ عَلى النّاسِ يَنْخُسُهم لامْتَلَأتِ الدُّنْيا صُراخًا وعِياطًا مِمّا يَبْلُونا بِهِ مِن نَخْسِهِ، اِنْتَهى.

ولا يَخْفى أنَّ الأخْبارَ في هَذا البابِ كَثِيرَةٌ وأكْثَرُها مُدَوِّنٌ في «اَلصِّحاحِ» والأمْرُ لا اِمْتِناعَ فِيهِ، وقَدْ أخْبَرَ بِهِ الصّادِقُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَلْيُتَلَقَّ بِالقَبُولِ، والتَّخْيِيلُ الَّذِي رَكَنَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ المَسَّ بِاليَدِ رُبَّما يَصْلُحُ لِذَلِكَ أمّا الِاسْتِهْلالُ صارِخًا فَلا عَلى أنَّ أكْثَرَ الرِّواياتِ لا يَجْرِي فِيها مِثْلُ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: لامْتَلَأتِ الدُّنْيا عِياطًا، قُلْنا: هي مَلِيئَةٌ فَما مِن مَوْلُودٍ إلّا يَصْرُخُ، ولا يَلْزَمُ مِن تَمَكُّنِهِ مِن تِلْكَ النَّخْسَةِ تَمَكُّنُهُ مِنها في جَمِيعِ الأوْقاتِ كَيْفَ وفي «اَلصَّحِيحِ»: «لَوْلا أنَّ المَلائِكَةَ يَحْفَظُونَكم لاحْتَوَشَتْكُمُ الشَّياطِينُ كَما يَحْتَوِشُ الذُّبابُ العَسَلَ» وفي رِوايَةٍ ««لاخْتَطَفَتْكُمُ الجِنُّ»» وفُسِّرَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَهُ مُعَقِّباتٌ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ﴾ في أحَدِ الوُجُوهِ بِهِ، وبِهَذا يَنْدَفِعُ أيْضًا قَوْلُ القاضِي مِن أنَّهُ لَوْ تَمَكَّنَ مِن هَذا الفِعْلِ لَجازَ أنْ يُهْلِكَ الصّالِحِينَ، وبَقاءُ الأثَرِ بَلْ وحُصُولُهُ أيْضًا لَيْسَ أمْرًا ضَرُورِيًّا لِلْمَسِّ ولا لِلنَّخْسِ والحَصْرُ بِاعْتِبارِ الأغْلَبِ والِاقْتِصارُ عَلى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وأُمِّهِ إيذانًا بِاسْتِجابَةِ دُعاءِ اِمْرَأةِ عِمْرانَ عَلى أتَمِّ وجْهٍ لِيَتَوَجَّهَ أرْبابُ الحاجِّ إلى اللَّهِ تَعالى بِشَراشِرِهِمْ، أوْ يُقَدِّرُ لَهُ ما يُخَصِّصُهُ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ يَخْرُجُ النَّبِيُّ  مِنَ العُمُومِ فَلا يَلْزَمُ تَفْضِيلُ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في هَذا المَعْنى، ويُؤَيِّدُهُ خُرُوجُ المُتَكَلِّمِ مِن عُمُومِ كَلامِهِ، وقَدْ قالَ بِهِ جَمْعٌ ويَشْهَدُ لَهُ ما رَوى الجَلالُ في «اَلْبَهْجَةِ السَّنِيَّةِ» عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: لَمّا وُلِدَ النَّبِيُّ  أشْرَقَتِ الأرْضُ نُورًا فَقالَ إبْلِيسُ: لَقَدْ وُلِدَ اللَّيْلَةَ ولَدٌ يُفْسِدُ عَلَيْنا أمْرَنا فَقالَتْ لَهُ جُنُودُهُ: لَوْ ذَهَبْتَ إلَيْهِ، فَجاءَهُ، فَرَكَضَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَوَقَعَ بِعَدَنَ، وهَذا أوْلى مِن إبْقاءِ العامِّ عَلى عُمُومِهِ.

والقَوْلُ بِأنَّهُ لا يَبْعُدُ اِخْتِصاصُ عِيسى وأُمِّهِ بِهَذِهِ الفَضِيلَةِ دُونَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ولا يَلْزَمُ مِنهُ تَفْضِيلُهُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إذْ قَدْ يُوجَدُ في الفاضِلِ ما لا يُوجَدُ في الأفْضَلِ، وعَلى كِلا الأمْرَيْنِ الفاضِلِ والمَفْضُولِ لا إشْكالَ في الأخْبارِ مِن تِلْكَ الحَيْثِيَّةِ، نَعَمْ قَدْ يُشْكِلُ عَلى ظاهِرِها أنَّ إعاذَةَ أُمِّ مَرْيَمَ كانَتْ بَعْدَ الوَضْعِ فَلا يَصِحُّ حَمْلُها عَلى الإعاذَةِ مِنَ المَسِّ الَّذِي يَكُونُ حِينَ الوِلادَةِ، وأُجِيبَ بِأنَّ المَسَّ لَيْسَ إلّا بِالِانْفِصالِ وهو الوَضْعُ ومَعَهُ الإعاذَةُ، غايَتُهُ أنَّهُ عَبَّرَ عَنْهُ بِالمُضارِعِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ لِقَصْدِ الِاسْتِمْرارِ، فَلْيُتَأمَّلْ.

والعَجَبُ مِن بَعْضِ أهْلِ السُّنَّةِ كَيْفَ يَتْبَعُ المُعْتَزِلَةَ في تَأْوِيلِ مِثْلِ هَذِهِ الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ لِمُجَرَّدِ المَيْلِ إلى تُرَّهاتِ الفَلاسِفَةِ مَعَ أنَّ إبْقاءَها عَلى ظاهِرِها مِمّا لا يُرَنِّقُ لَهم شُرْبًا ولا يُضَيِّقُ عَلَيْهِمْ سِرْبًا، نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يُوَفِّقَنا لِمَراضِيهِ ويَجْعَلَ مُسْتَقْبَلَ حالِنا خَيْرًا مِن ماضِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال تعالى: ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ أي بعضهم على إثر بعض.

ويقال: بعضهم على دين بعض.

وَاللَّهُ سَمِيعٌ لقولهم عليم بهم وبدينهم.

ويقال: قوله وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، انصرف إلى ما بعده، أي سميع بقول امرأة عمران إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ وهي حنة أم مريم امرأة عمران بن ماثان، وذلك أنها لما حبلت، قالت: لئن نجَّانِي الله ووضعت ما في بطني لأجعلنه محرَّراً، والمحرر من لا يعمل للدنيا، ولا يتزوج، ويتفرغ لعمل الآخرة، ويلزم المحراب، فيعبد الله تعالى فيه، وهذا قول مقاتل.

وقال الكلبي: محرراً، أي خادماً لبيت المقدس، ولم يكن محرراً إلا الغلمان.

فقال لها زوجها: إن كان الذي في بطنك أنثى، والأنثى عورة، فكيف تصنعين؟

فاهتمت بذلك وقالت: يا رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ وأنت تعلم مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ السميع لدعائي العليم بنيتي، وما في بطني فَلَمَّا وَضَعَتْها أي ولدت فإذا هي أنثى قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى يعني ولدتها جارية وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ قرأ ابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر، والله أعلم بما وَضَعْتُ، بجزم العين، وضم التاء، يعني أن المرأة قالت: والله أعلم بما وَضَعْتُ، والباقون بنصب العين وسكون التاء، فيكون هذا قول الله إنه يعلم بما وضعت تلك المرأة.

ثم قال تعالى: وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى في الخدمة.

قال بعضهم: هذا قول الله لمحمد  ، وليس الذكر كالأنثى يا محمد.

وقال بعضهم: هي كلمة المرأة، أنها قالت: وليس الذكر كالانثى في الخدمة.

وقال مقاتل: فيها تقديم، فكأنه يقول: قالت رب إنى وضعتها أنثى، وليس الذكر كالأنثى، والله أعلم بما وضعت، ثم قالت: وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ يعني خادم الرب بلغتهم وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ يعني أعصمها وأمنعها بك وَذُرِّيَّتَها إن كان لها ذرية مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ يعني الملعون.

ويقال: المطرود من رحمة الله.

ويقال: الرجيم بمعنى المرجوم كما قال: وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ [الملك: 5] .

حدّثنا أبو الليث، قال: حدثنا الخليل بن أحمد القاضي.

قال: حدثنا أبو العباس قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال: حدّثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن رسول الله  أنه قال: «ما من مَوُلُودٍ يُولَدُ إلاَّ والشَّيْطَانُ يَنْخَسُهُ حِينَ يُولَدُ، فَيَسْتَهِلُّ صَارِخَاً مِنْ الشَّيْطَانِ، إلاَّ مَرْيَمَ وَاْبْنَها عِيسَى عَلَيْهِما السَّلامُ» ، قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ وقال الزجاج: معنى قوله إِذْ يعني إن الله اختار آل عمران، إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ: واصطفاهم، إذ قالت الملائكة.

وقال أبو عبيدة: معناه قالت امرأة عمران، وقالت الملائكة و «إذ زيادة.

وقال الأخفش: معناه واذكر إذ قالت امرأة عمران، واذكر إذ قالت الملائكة، وقال أهل اللغة: المحرر والعتيق في اللغة بمعنى واحد، ثم إن حنة لفتها في خرق، ثم وضعتها في بيت المقدس عند المحراب، فاجتمعت القراء، أي الزهاد فقال زكريا: أنا أحق بها، لأن خالتها عندي.

فقال القُرّاء: إن هذه محررة، فلو تركت لخالتها، فكانت أمها أحق بها، ولكن نتساهم، فخرجوا إلى عين سلوان، فأَلْقَوْا أقلامهم في النهر.

قال بعضهم: كانت أقلامهم من الشَّبَّة، فغابت أقلامهم في الماء، وبقي قلم زكريا على وجه الماء.

وقال بعضهم كانت أقلامهم من قَصَب، فبقيت أقلامهم على وجه الماء، وغاب قلم زكريا في الماء.

وقال بعضهم: أَلْقَوْا أَقلامهم في النهر، فسال الماء بأقلامهم إلا قلم زكريا، فإنه جرى من الجانب الأعلى، فعلموا أن الحق له، فضمّها إلى نفسه فذلك قوله تعالى: فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ أي تقبل منها نَذْرها وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً وقال مجاهد غذاها غذاء حسناً، ورباها تربية حسنة وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا قرأ حمزة وعاصم والكسائي بالتشديد، أي كفلها الله إلى زكريا.

وقرأ الباقون بالتخفيف، أي ضمها زكريا إلى نفسه، وقرأ حمزة وعاصم والكسائي في رواية حفص زكريا بغير إعراب، وجزم الألف.

وقرأ الباقون بالإعراب والمد، وهما لغتان معروفتان عند العرب، فمن قرأ كفلها بالتشديد، قرأ زكريا بنصب الألف، لأنه يصير مفعولاً، ومن قرأ كفلها بالتخفيف قرأ زكريا برفع الألف على معنى الفاعل.

وذكر في الخبر أن زكريا بنى لها محراباً في غرفة، وجعل باب الغرفة في وسط الحائط، لا يصعد إليها إلا بسلم، واستأجر ظئراً، فكان يغلق عليها الباب، وكان لا يدخل عليها أحد إلا زكريا حتى كبرت، فإذا حاضت أخرجها إلى منزله، فتكون عند خالتها، وكانت خالتها امرأة زكريا.

وهذا قول الكلبي.

وقال مقاتل: كانت أختها امرأة زكريا، وكانت إذا طهرت من حيضها، واغتسلت ردها إلى المحراب.

وقال بعضهم: كانت لا تحيض، وكانت مطهرة من الحيض، وكان زكريا إذا دخل عليها في أيام الشتاء، رأى عندها فاكهة الصيف، وإذا دخل عليها في أيام الصيف، وجد عندها فاكهة الشتاء، وكانت الحكمة في ذلك أن لا يدخل في قلب زكريا شيء من الريبة، إذا رأى الفاكهة في غير أوانها، وعلم أنه لم يدخل عليها أحد من الآدميين، فذلك قوله تعالى: كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً ويقال: المحراب في اللغة أشرف المجالس، وهو المكان العالي، وقد قيل: إن مساجدهم كانت تسمى المحاريب ف قالَ لها زكريا يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا يعني: من أين لك هذا؟

فإنه لا يدخل عليك أحد غيري فَقالَتْ مريم هُوَ أي هذا الرزق مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أي من فضل الله إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ في غير حينه.

ويقال: من حيث لا يحتسب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

في ذلِكَ، واجعله فعلاً مقبولاً مُجَازًى به، والسَّمِيعُ: إشارة إلى دعائها، والْعَلِيمُ:

إشارة إلى نيّتها.

وقوله تعالى: فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ:

الوضْعُ: الولادةُ، وقولها: رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى: لفظ خبر في ضِمْنِهِ التحسُّر والتلهُّف، وبيَّن اللَّه ذلك بقوله: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ، وقولها: وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى، تريد في امتناع نَذْرها إِذ الأنثى تحيضُ ولا تصلُحُ لِصُحْبَة الرُّهْبَان، قاله قتادة وغيره»

، وبدأَتْ بذكْرِ الأَهَمِّ في نفْسها، وإِلاَّ فسياق قصَّتها يقتضي أنْ تقول: وليس الأنثى كالذَّكَر، وفي قولها: وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ: سنةُ تسميةِ الأطفالِ قُرْبَ الولادةِ ونحوُهُ قول النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «وُلِدَ لِي اللَّيْلَةَ مَوْلُودٌ، فَسَمَّيْتُهُ باسم أَبِي إِبْرَاهِيمَ» «٢» ، وباقي الآيةِ إعاذةٌ، قال النووي «٣» : ورُوِّينَا فِي سُنَن أبِي دَاوُدَ بإسناد جيِّدٍ، عن أبي الدرداء «٤» ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنّه

قَالَ: «إِنَّكُمْ تُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ بأسْمَائِكُمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِكُمْ، فأحْسِنُوا أسْمَاءَكُمْ» «١» .

وفي صحيح مُسْلِمٍ، عن ابن عمر، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنَّهُ قَالَ: «إِنَّ أَحَبَّ أَسْمَائِكُمْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَبْدُ اللَّهِ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ» «٢» وفي سنن أبِي دَاوُدَ والنَّسَائِيّ، وغيرِهِمَا، عن أبِي وهب الجشميّ، قال: قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «تَسَمَّوْا بِأَسْمَاءِ الأَنْبِيَاءِ، وَأَحَبُّ الأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ تعالى عبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَأَصْدَقُهَا حَارِثٌ وَهَمَّامٌ، وَأَقْبَحُهَا حَرْبٌ ومُرَّة» «٣» .

اهـ.

وفي الحديثِ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، مِنْ روايةِ أبي هُرَيْرة، قَالَ: «كُلُّ مَوْلُودٍ مِنْ بَنِي آدَمَ لَهُ طَعْنَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَبِهَا يَسْتَهِلُّ الصَّبِيُّ إِلاَّ مَا كَانَ مِنْ مريم ابنة عمران، وابنها فإنّ أمّها

قَالَتْ حِينَ وَضَعْتَها: وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ، فَضُرِبَ بَيْنَهُمَا حِجَابٌ، فَطَعَنَ الشَّيْطَانُ فِي الحَجابِ» «١» ، وَقَدِ اختلفت ألفاظُ هذا الحديثِ، والمعنى واحد كما ذكرته، قال النوويُّ: بَاب مَا يُقَالُ عنْد الولادةِ «٢» : رُوِّينَا في كتاب ابْنِ السُّنِّيِّ، عن فاطمة «٣» (رضي اللَّه عنها) «أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، لمَّا دَنَا ولاَدَهَا، أَمَر أُمَّ سَلْمَة، وَزَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ أنْ تَأْتِيَاهَا، فَتَقْرَآ عِنْدَهَا آيَةَ الكرسيّ، وإِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ ...

إلى آخر الآية،

وتُعَوِّذَانِهَا بِالمُعَوِّذَتَيْنِ» «١» .

انتهى.

وقوله تعالى: فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ: إخبار منه سبحانه لمحمّد صلّى الله عليه وسلّم بأنه رَضِيَ مَرْيَمَ لخدمة المَسْجد كما نذَرَتْ أُمُّهَا وسنى لها الأمَلَ في ذلك.

وقوله سبحانه: وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً: عبارةٌ عن حُسْن النشأة في خِلْقَةٍ وخُلُقٍ/.

ص: بِقَبُولٍ مصدر على غير الصَّدْرِ، والجاري على: تَقَبَّلَ تَقَبُّلاً، وعلى قبل قبولا، ونَباتاً: مصدرٌ منصوبٌ ب «أَنْبَتَهَا» على غير الصَّدْر.

انتهى.

وقوله تعالى: وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا معناه: ضمَّها إِلى إِنفاقه وحِضْنِهِ، والكَافِلُ: هو المربِّي، قال السُّدِّيُّ وغيره: إِنَّ زكريَّا كان زَوْجَ أختها «٢» ويعضد هذا القول قوله صلّى الله عليه وسلّم في يحيى وعيسى: «ابنا الخَالَةِ» ، والذي عليه النَّاس: أنَّ زكريَّا إنما كفَّلها بالاِستهامِ «٣» لتشاحِّهم حينئذٍ فيمَنْ يكفُلُ المحرَّر.

وقوله تعالى: كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً: المِحْرَابُ:

المَبْنَى الحَسَنُ، ومِحْرَابُ القَصْر: أشرف ما فيه ولذلك قيل لأَشْرَفِ مَا في المصلى وهو موقِفُ الإِمامِ: مِحْرَاب، ومعنى رِزْقاً، أيْ: طعاما يتغذّى به، لم يَعْهَدْهُ، ولا عَرفَ كيف جُلِبَ إليها، قال مجاهد وغيره: كان يجدُ عندها فاكهةَ الشِّتاءِ في الصَّيْفِ، وفاكهةَ الصَّيْفِ في الشتاءِ «٤» ، ونحوه عن ابن عَبَّاس إِلاَّ أنه قال: ثِمَار الجَنَّة «٥» ، وقوله: أَنَّى:

معناه: كَيْفَ، ومِنْ أَيْنَ، وقولها: مِنْ عِنْدِ اللَّهِ دليلٌ على أنه ليس مِنْ جَلْب بَشَرٍ، قال الزَّجَّاج.

وهذا من الآية الَّتي قال اللَّه تعالى: وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ [الأنبياء: ٩١] وقولها: إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ: تقرير لكون ذلك الرزْقِ من عند اللَّه، وذهب الطَّبَرِيُّ إِلى أنَّ ذلك ليس من قولِ مرْيَمَ، وأنَّه خبر من الله تعالى لمحمّد صلّى الله عليه وسلّم، والله

سبحانه لا تنتقصُ خزائنه، فليس يَحْسُبُ ما خرج منها، وقد يُعَبَّر بهذه العبارة عن المُكْثِرِينَ مِنَ النَّاسِ أنهم ينفقون بغَيْرِ حِسَابٍ، وذلك مجازٌ وتشبيهٌ، والحقيقةُ هي فيما ينتفقُ من خزائنِ اللَّه سبحانه، قال الشيخُ ابْنُ أبي جَمْرَةَ (رضي اللَّه عنه) : وقد قال العلماءُ في معنى قوله عزَّ وجلَّ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ: إِنه الفتوحُ، إِذا كان على وجهه.

اهـ، ذكر هذا عند شرحه لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «لَوْ دُعِيْتُ إلى ذِرَاعٍ أَوْ كُرَاعٍ، لأَجَبْتُ» .

«١»

وقوله تعالى: هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ ...

الآية: هُنَالِكَ في كلامِ العربِ: إِشارةٌ إِلى مكانٍ أو زمانٍ فيه بُعْدٌ، ومعنى هذه الآية: إِنَّ في الوقْتِ الذي رأى زكريَّاء رزْقَ اللَّهِ لمَرْيَمَ ومكانَتَها مِنَ اللَّه، وفَكَّر في أنَّها جاءَتْ أُمَّها بَعْدَ أَنْ أَسَنَّتْ، وأن اللَّه تعالى تقَبَّلها، وجعَلَها من الصالحاتِ، تحرَّك أملُهُ لطَلَبِ الولدِ، وقَوِيَ رجاؤه، وذلك منْه على حالِ سِنٍّ وَوَهْنِ عَظْمٍ، واشتعال شَيْب، فدعا ربَّه أنْ يَهَبَ له ذريَّةً طيِّبَةً يرثه، والذُّرِّيَّةُ: اسم جنسٍ، يقع على واحد فصاعدًا كما أن الوَلَدَ: اسمُ جنسٍ كذلك، وطَيِّبة: معناه: سَلِيمَة في الخَلْق والدِّين، تَقِيَّة، ثم قال تعالى: فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ [آل عمران: ٣٩] ، وترك محذوف كثير

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثى ﴾ مِن تَمامِ اعْتِذارِها، ومَعْناهُ: لا تَصْلُحُ الأُنْثى لِما يَصْلُحُ لَهُ الذَّكَرُ، مِن خِدْمَتِهِ المَسْجِدَ، والإقامَةَ فِيهِ، لِما يَلْحَقُ الأُنْثى مِنَ الحَيْضِ والنِّفاسِ.

قالَ السُّدِّيُّ: ظَنَّتْ أنَّ ما في بَطْنِها غُلامٌ، فَلَمّا وضَعَتْ جارِيَةٌ، اعْتَذَرَتْ.

ومَرْيَمَ: اسْمٌ أعْجَمِيٌّ.

وفي الرَّجِيمِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: المَلْعُونُ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ المَرْجُومُ بِالحِجارَةِ، كَما تَقُولُ: قَتِيلٌ بِمَعْنى مَقْتُولٌ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، فَعَلى هَذا سُمِّيَ رَجِيمًا، لِأنَّهُ يُرْمى بِالنُّجُومِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَلَمّا وضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إنِّي وضَعَتْها أُنْثى واللهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ ولَيْسَ الذَكَرُ كالأُنْثى وإنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وإنِّي أُعِيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَيْطانِ الرَجِيمِ ﴾ ﴿ فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا وكَفَّلَها زَكَرِيّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا المِحْرابَ وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا قالَ يا مَرْيَمُ أنّى لَكِ هَذا قالَتْ هو مِن عِنْدِ اللهِ إنَّ اللهِ يَرْزُقُ مِن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ خِطابٌ مِنَ اللهِ تَعالى لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ، والوَضْعُ: الوِلادَةُ، وأنَّثَ الضَمِيرَ في "وَضَعَتْها" حَمْلًا عَلى المَوْجُودَةِ ورَفْعًا لِلَفْظِ "ما" الَّتِي في قَوْلِها: ﴿ ما في بَطْنِي  ﴾ وقَوْلُها: ﴿ رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى ﴾ لَفْظُ خَبَرٍ في ضِمْنِهِ التَحَسُّرُ والتَلَهُّفُ، وبَيَّنَ اللهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ واللهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ ﴾ .

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "وَضَعَتْ" بِفَتْحِ العَيْنِ وإسْكانِ التاءِ - وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: "وَضَعْتُ" - بِضَمِّ التاءِ وإسْكانِ العَيْنِ - وهَذا أيْضًا مَخْرَجُ قَوْلِها: "رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى" مِن مَعْنى الخَبَرِ إلى مَعْنى التَلَهُّفِ، وإنَّما تَلَهَّفَتْ لِأنَّهم كانُوا لا يُحَرِّرُونَ الإناثَ لِخِدْمَةِ الكَنائِسِ ولا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ، وكانَتْ قَدْ رَجَتْ أنْ يَكُونَ ما في بَطْنِها ذَكَرًا، فَلَمّا وضَعَتْ أُنْثى تَلَهَّفَتْ عَلى فَوْتِ الأمَلِ وأفْزَعَها أنْ نَذَرَتْ ما لا يَجُوزُ نَذْرُهُ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ "وَضَعْتِ" - بِكَسْرِ التاءِ - عَلى الخِطابِ مِنَ اللهِ لَها.

وقَوْلُها: "وَلَيْسَ الذَكَرُ كالأُنْثى" تُرِيدُ في امْتِناعِ نَذْرِهِ، إذِ الأُنْثى تَحِيضُ ولا تَصْلُحُ لِصُحْبَةِ الرُهْبانِ، قالَهُ قَتادَةُ والرَبِيعُ والسُدِّيُّ وعِكْرِمَةُ وغَيْرُهُمْ، وبَدَأتْ بِذِكْرِ الأهَمِّ في نَفْسِها، وإلّا فَسِياقُ قِصَّتِها يَقْتَضِي أنْ تَقُولَ: ولَيْسَتِ الأُنْثى كالذَكَرِ، فَتَضَعَ حَرْفَ النَفْيِ مَعَ الشَيْءِ الَّذِي عِنْدَها وانْتَفَتْ عنهُ صِفاتُ الكَمالِ لِلْغَرَضِ المُرادِ.

وفِي قَوْلِها ﴿ وَإنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ ﴾ سُنَّةُ تَسْمِيَةِ الأطْفالِ قُرْبَ الوِلادَةِ ونَحْوُهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "وُلِدَ لِيَ اللَيْلَةَ مَوْلُودٌ فَسَمَّيْتُهُ بِاسْمِ أبِي إبْراهِيمَ".» وقَدْ رُوِيَ عنهُ عَلَيْهِ السَلامُ « "أنَّ ذَلِكَ في يَوْمِ السابِعِ يُعَقُّ عَنِ المَوْلُودِ ويُسَمّى"» قالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ: "وَمَن ماتَ ولَدُهُ قَبْلَ السابِعِ فَلا عَقِيقَةَ عَلَيْهِ ولا تَسْمِيَةَ" قالَ ابْنُ حَبِيبٍ: "أحَبُّ إلَيَّ أنْ يُسَمّى، وأنْ يُسَمّى السَقْطُ لِما رُوِيَ مِن رَجاءِ شَفاعَتِهِ".

ومَرْيَمُ لا يَنْصَرِفُ لِعُجْمَتِهِ وتَعْرِيفِهِ وتَأْنِيثِهِ.

وباقِي الآيَةِ إعادَةٌ، ووَرَدَ في الحَدِيثِ عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ مِن رِوايَةِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: « "كُلُّ مَوْلُودٍ مِن بَنِي آدَمَ لَهُ طَعْنَةٌ مِنَ الشَيْطانِ وبِها يَسْتَهِلُّ، إلّا ما كانَ مِن مَرْيَمَ ابْنَةِ عِمْرانَ وابْنِها، فَإنَّ أُمَّها قالَتْ حِينَ وضَعَتْها: ﴿ وَإنِّي أُعِيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَيْطانِ الرَجِيمِ ﴾ فَضُرِبَ بَيْنَهُما حِجابٌ فَطَعَنَ الشَيْطانُ في الحِجابِ» وقَدِ اخْتَلَفَتْ ألْفاظُ الحَدِيثِ مِن طُرُقٍ، والمَعْنى واحِدٌ كَما ذَكَرْتُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَتَقَبَّلَها ﴾ إخْبارٌ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ بِأنَّ اللهَ رَضِيَ مَرْيَمَ لِخِدْمَةِ المَسْجِدِ كَما نَذَرَتْ أُمُّها وسَنّى لَها الأمَلَ في ذَلِكَ، والمَعْنى يَقْتَضِي أنَّ اللهَ أوحى إلى زَكَرِيّا ومَن كانَ هُنالِكَ بِأنَّهُ تَقَبَّلَها، ولِذَلِكَ جَعَلُوها كَما نَذَرَتْ.

وقَوْلُهُ "بِقَبُولٍ" مَصْدَرٌ جاءَ عَلى غَيْرِ المَصْدَرِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: "نَباتًا" بَعْدَ أنْبَتَ.

وقَوْلُهُ ﴿ وَأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا ﴾ ، عِبارَةٌ عن حُسْنِ النَشْأةِ وسُرْعَةِ الجَوْدَةِ فِيها في خِلْقَةٍ وخُلُقٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَفَّلَها زَكَرِيّا ﴾ مَعْناهُ: ضَمَّها إلى إنْفاقِهِ وحِضْنِهِ، والكافِلُ هو المُرَبِّي الحاضِنُ، قالَ ابْنُ إسْحاقَ: إنَّ زَكَرِيّا كانَ زَوْجَ خالَتِها، لِأنَّهُ وعِمْرانَ كانا سِلْفَيْنِ عَلى أُخْتَيْنِ، ولَدَتِ امْرَأةُ زَكَرِيّا يَحْيى، ووَلَدَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ مَرْيَمَ، وقالَ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ: إنَّ زَكَرِيّاءَ كانَ زَوْجَ ابْنَةٍ أُخْرى لِعِمْرانَ، ويُعَضِّدُ هَذا القَوْلَ «قَوْلُ النَبِيِّ  في يَحْيى وعِيسى: "ابْنا الخالَةِ"» قالَ مَكِّيٌّ: وهو زَكَرِيّا بْنُ آذَنَ.

وذَكَرَ قَتادَةُ وغَيْرُ واحِدٍ مِن أهْلِ العِلْمِ أنَّهم كانُوا في ذَلِكَ الزَمانِ يَتَشاحُّونَ في المُحَرَّرِ عِنْدَ مَن يَكُونُ مِنَ القائِمِينَ بِأمْرِ المَسْجِدِ فَيَتَساهَمُونَ عَلَيْهِ، وأنَّهم فَعَلُوا في مَرْيَمَ ذَلِكَ، فَرُوِيَ أنَّهم ألْقَوْا أقْلامَهُمُ الَّتِي كانُوا يَكْتُبُونَ بِها التَوْراةَ في النَهْرِ، وقِيلَ: أقْلامًا بَرَوْها مِن عُودٍ كالسِهامِ والقِداحِ، وقِيلَ: عِصِيًّا لَهُمْ، وهَذِهِ كُلُّها تُقَلَّمُ، ورُوِيَ أنَّهم ألْقَوْا ذَلِكَ في نَهْرِ الأُرْدُنِّ، ورُوِيَ أنَّهم ألْقَوْهُ في عَيْنٍ.

ورُوِيَ أنَّ قَلَمَ زَكَرِيّا صاعَدَ الجَرْيَةَ ومَضَتْ أقْلامُ الآخَرِينَ مَعَ الماءِ في جَرْيَتِهِ.

ورُوِيَ أنَّ أقْلامَ القَوْمِ عامَتْ عَلى الماءِ مَعْرُوضَةً كَما تَفْعَلُ العِيدانُ وبَقِيَ قَلَمُ زَكَرِيّا مُرْتَزًّا واقِفًا كَأنَّما رُكِزَ في طِينٍ، فَكَفَّلَها زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَلامُ بِهَذا الِاسْتِهامِ، وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ أنَّها لَمّا تَرَعْرَعَتْ أصابَتْ بَنِي إسْرائِيلَ مَجاعَةٌ فَقالَ لَهم زَكَرِيّا: إنِّي قَدْ عَجَزْتُ عن إنْفاقِ مَرْيَمَ فاقْتَرِعُوا عَلى مَن يَكْفُلُها، فَفَعَلُوا، فَخَرَجَ السَهْمُ عَلى رَجُلٍ يُقالُ لَهُ جُرَيْجٌ، فَجَعَلَ يُنْفِقُ عَلَيْها، وحِينَئِذٍ كانَ زَكَرِيّا يَدْخُلُ عَلَيْها المِحْرابَ عِنْدَ جُرَيْجٍ فَيَجِدُ عِنْدَها الرِزْقَ.

وهَذا اسْتِهامٌ غَيْرُ الأوَّلِ، هَذا المُرادُ مِنهُ دَفْعُها، والأوَّلُ المُرادُ مِنهُ أخْذُها.

ومُضَمَّنُ هَذِهِ الرِوايَةِ أنَّ زَكَرِيّا كَفَّلَها مِن لَدُنِ طُفُولَتِها دُونَ اسْتِهامٍ، لَكِنْ لِأنَّ أُمَّها هَلَكَتْ، وقَدْ كانَ أبُوها هَلَكَ وهي في بَطْنِ أُمِّها، فَضَمَّها زَكَرِيّا إلى نَفْسِهِ لِقَرابَتِها مِنِ امْرَأتِهِ، وهَكَذا قالَ ابْنُ إسْحاقَ.

والَّذِي عَلَيْهِ الناسُ أنَّ زَكَرِيّا إنَّما كَفَّلَ بِالِاسْتِهامِ لِتَشاحِّهِمْ حِينَئِذٍ فِيمَن يَكْفُلُ المُحَرَّرَ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ: "وَكَفَلَها" - مَفْتُوحَةَ الفاءِ خَفِيفَةً "زَكَرِيّاءُ" مَرْفُوعًا مَمْدُودًا، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: و"كَفَّلَها" - مُشَدَّدَةَ الفاءِ، "زَكَرِيّاءَ" مَمْدُودًا مَنصُوبًا في جَمِيعِ القُرْآنِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ: و"كَفَّلَها" - مُشَدَّدَةَ الفاءِ مَفْتُوحَةً، "زَكَرِيّا" مَقْصُورًا في جَمِيعِ القُرْآنِ، وفي رِوايَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: و"أكْفَلَها زَكَرِيّاءَ" - بِفَتْحِ الفاءِ - عَلى التَعْدِيَةِ بِالهَمْزَةِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "فَتَقَبَّلْها" - بِسُكُونِ اللامِ - عَلى الدُعاءِ "رَبَّها" بِنَصْبِ الباءِ عَلى النِداءِ و"أنْبِتْها" - بِكَسْرِ الباءِ - عَلى الدُعاءِ، و"كَفِّلْها" - بِكَسْرِ الفاءِ وشَدِّها - عَلى الدُعاءِ "زَكَرِيّاءَ" مَنصُوبًا مَمْدُودًا، ورُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ كَثِيرٍ، وأبِي عَبْدِ اللهِ المُزْنِيِّ، "وَكَفِلَها" - بِكَسْرِ الفاءِ خَفِيفَةً - وهي لُغَةٌ يُقالُ: كَفِلَ يَكْفُلُ- بِضَمِّ العَيْنِ في المُضارِعِ، وكَفِلَ-بِكَسْرِ العَيْنِ- يَكْفَلُ- بِفَتْحِها- في المُضارِعِ.

"زَكَرِيّا": اسْمٌ أعْجَمِيٌّ يُمَدُّ ويُقْصَرُ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: لَمّا عُرِّبَ صادَفَ العَرَبِيَّةَ في بِنائِهِ فَهو كالهَيْجاءِ تُمَدُّ وتُقْصَرُ.

قالَ الزَجّاجُ: فَأمّا تَرْكُ صَرْفِهِ فَلِأنَّ فِيهِ في المَدِّ ألِفَيْ تَأْنِيثٍ وفي القَصْرِ ألِفَ تَأْنِيثٍ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: ألِفُ زَكَرِيّا ألِفُ تَأْنِيثٍ ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ألِفَ إلْحاقٍ، لِأنَّهُ لَيْسَ في الأُصُولِ شَيْءٌ عَلى وزْنِهِ، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُنْقَلِبَةً، ويُقالُ في لُغَةٍ: زَكَرِيٌّ مُنَوَّنٌ مُعَرَّبٌ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: هاتانِ ياءُ نَسَبٍ ولَوْ كانَتا اللَتَيْنِ في زَكَرِيّا لَوَجَبَ ألّا يَنْصَرِفَ الِاسْمُ لِلْعُجْمَةِ والتَعْرِيفِ، وإنَّما حُذِفَتْ تِلْكَ وجُلِبَتْ ياءُ النَسَبِ.

وحَكى أبُو حاتِمٍ زَكَرِيُّ بِغَيْرِ صَرْفٍ وهو غَلَطٌ عِنْدَ النُحاةِ، ذَكَرَهُ مَكِّيٌّ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: "كُلَّما" ظَرْفٌ، والعامِلُ فِيهِ "وَجَدَ"، والمِحْرابُ: المَبْنى الحَسَنُ كالغُرَفِ والعَلالِيِّ ونَحْوِهِ، ومِحْرابُ القَصْرِ أشْرَفُ ما فِيهِ، ولِذَلِكَ قِيلَ لِأشْرَفِ ما في المُصَلّى - وهو مَوْقِفُ الإمامِ-: مِحْرابٌ، وقالَ الشاعِرُ: رَبَّةُ مِحْرابٍ إذا جِئْتُها ∗∗∗ لَمْ ألْقَها أو أرْتَقِي سُلَّما ومِثْلُ قَوْلِ الآخَرِ: كَدُمى العاجِ في المَحارِيبِ أو كالـ ∗∗∗ ∗∗∗ بَيْضِ في الرَوْضِ زَهْرُهُ مُسْتَنِيرُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقًا ﴾ مَعْناهُ: طَعامًا تَتَغَذّى بِهِ ما لَمْ يَعْهَدْهُ ولا عَرَفَ كَيْفَ جُلِبَ إلَيْها، وكانَتْ- فِيما ذَكَرَ الرَبِيعُ- تَحْتَ سَبْعَةِ أبْوابٍ مُغْلَقَةٍ، وحَكى مَكِّيٌّ أنَّها كانَتْ في غُرْفَةٍ يُطْلَعُ إلَيْها بِسُلَّمٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وجَدَ عِنْدَها عِنَبًا في مِكْتَلٍ في غَيْرِ حِينِهِ، وقالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ، وقالَ الضَحّاكُ ومُجاهِدٌ أيْضًا وقَتادَةُ: كانَ يَجِدُ عِنْدَها فاكِهَةَ الشِتاءِ في الصَيْفِ، وفاكِهَةَ الصَيْفِ في الشِتاءِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ يَجِدُ عِنْدَها ثِمارَ الجَنَّةِ: فاكِهَةَ الصَيْفِ في الشِتاءِ وفاكِهَةَ الشِتاءِ في الصَيْفِ، وقالَ الحَسَنُ: كانَ يَجِدُ عِنْدَها رِزْقًا مِنَ السَماءِ لَيْسَ عِنْدَ الناسِ، ولَوْ أنَّهُ عَلِمَ أنَّ ذَلِكَ الرِزْقَ مِن عِنْدِهِ لَمْ يَسْألْها عنهُ؛ وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: هَذا الدُخُولُ الَّذِي ذَكَرَ اللهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿ كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها ﴾ إنَّما هو دُخُولُ زَكَرِيّا عَلَيْها وهي في كَفالَةِ جُرَيْجٍ أخِيرًا، وذَلِكَ أنَّ جُرَيْجًا كانَ يَأْتِيها بِطَعامِها فَيُنَمِّيهِ اللهُ ويُكَثِّرُهُ، حَتّى إذا دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا عَجِبَ مِن كَثْرَتِهِ فَقالَ: ﴿ يا مَرْيَمُ أنّى لَكِ هَذا ﴾ والَّذِي عَلَيْهِ الناسُ أقْوى مِمّا ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحاقَ.

وقَوْلُهُ "أنّى" مَعْناهُ: كَيْفَ؟

ومِن أيْنَ؟

وقَوْلُها: ﴿ هُوَ مِن عِنْدِ اللهِ ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَيْسَ مِن جَلْبِ بَشَرٍ، وهَكَذا تَلَقّى زَكَرِيّا المَعْنى، وإلّا فَلَيْسَ كانَ يَقْنَعُ بِهَذا الجَوابِ.

قالَ الزَجّاجُ: وهَذا مِنَ الآيَةِ الَّتِي قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْناها وابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ  ﴾ ورُوِيَ أنَّها لَمْ تَلْقَمْ ثَدْيًا قَطُّ.

وقَوْلُها: ﴿ إنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ﴾ تَقْرِيرٌ لِكَوْنِ ذَلِكَ الرِزْقِ مِن عِنْدِ اللهِ.

وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِن قَوْلِ مَرْيَمَ وأنَّهُ خَبَرٌ مِنَ اللهِ تَعالى لِمُحَمَّدٍ  ، واللهُ تَعالى لا تَنْتَقِصُ خَزائِنُهُ، فَلَيْسَ يَحْسِبُ ما يَخْرُجُ مِنها، وقَدْ يُعَبَّرُ بِهَذِهِ العِبارَةِ عَنِ المُكْثِرِينَ مِنَ الناسِ أنَّهم يُنْفِقُونَ بِغَيْرِ حِسابٍ، وذَلِكَ مَجازٌ وتَشْبِيهٌ، والحَقِيقَةُ هي فِيما يَنْتَفِقُ مِن خَزائِنِ اللهِ تَعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تقدم القول في موقع إذ في أمثال هذا المقام عند تفسير قوله تعالى: ﴿ وإذ قال ربك للملائكة إليّ جاعل في الأرض خليفة ﴾ [البقرة: 30].

وموقعها هنا أظهر في أنها غير متعلقة بعامل، فهي لمجرد الاهتمام بالخبر ولذا قال أبو عبيدة: إذ هنا زائدة، ويجوز أن تتعلق باذكر محذوفاً، ولا يجوز تعلقها باصطفى: لأنّ هذا خاص بفضل آل عمران، ولا علاقة له بفضل آدم ونوح وآل إبراهيم.

وامرأة عمران هي حَنَّة بنت فاقوذا.

قيل: مات زوجها وتركها حبلى فنذرت حَبَلَها ذلك محرّراً أي مخلَّصاً لخدمة بيت المقدس، وكانوا ينذرون ذلك إذا كان المولود ذكراً.

وإطلاق المحرّر على هذا المعنى إطلاق تشريف لأنّه لما خلص لخدمة بيت المقدس فكأنّه حُرر من أسر الدنيا وقيودها إلى حرية عبادة الله تعالى.

قيل: إنّها كانت تظنّه ذكراً فصدر منها النذر مطلقاً عن وصف الذكورة وإنّما كانوا يقولون: إذا جاء ذكراً فهو محرّر.

وأنّث الضمير في قوله: ﴿ فلما وضعتها ﴾ وهو عائد إلى ﴿ ما في بطني ﴾ باعتبار كونه انكشف ما صْدَقه على أنثى.

وقولها: ﴿ إني وضعتها أُنثى ﴾ خبر مستعمل في إنشاء التحذير لظهور كون المخاطب عليماً بكل شيء.

وتأكيد الخبر بإنّ مراعاةٌ لأصل الخبرية، تحقيقاً لكون المولود أنثى؛ إذ هو بوقوعه على خلاف المترقّب لها كان بحيث تشك في كونه أنثى وتخاطب نفسها بنفسها بطريق التأكيد، فلذا أكّدته.

ثم لما استعملت هذا الخبر في الإنشاء استعملته برمّته على طريقة المجاز المركّب المُرسَل، ومعلوم أنّ المركب يَكون مجازاً بمجموعه لا بأجزائه ومفرداتِه.

وهذا التركيب بما اشتمل عليه من الخصوصيات يَحكي ما تضمنه كلامها في لغتها من المعاني: وهي الروْعة والكراهية لولادتها أنثى، ومحاولتها مغالطة نفسها في الإذعان لهذا الحكم، ثم تحقيقها ذلك لنفسها وتطْمينها بها، ثم التنقل إلى التحسير على ذلك، فلذلك أودع حكاية كلامها خصوصيات من العربية تعبر عن معاننٍ كثيرة قصدتها في مناجاتها بلغتها.

وأنّث الضمير في ﴿ إني وضعتها أُنثى ﴾ باعتبار ما دلت عليه الحال اللازمة في قولها ﴿ أُنثى ﴾ إذ بدون الحال لا يكون الكلام مفيداً فلذلك أنّث الضمير باعتبار تلك الحال.

وقوله: ﴿ والله أعلم بما وضعت ﴾ جملة معترضة، وقرأ الجمهور: وضعَتْ بسكون التاء فيكون الضمير راجعاً إلى امرأة عِمران.

وهو حينئذ من كلام الله تعالى وليس من كلامها المحكي، والمقصود منه: أنّ اللَّه أعلم منها بنفاسة ما وضعت، وأنها خير من مطلق الذكر الذي سألْته، فالكلام إعلام لأهل القرآن بتغليطها، وتعليم بأنّ من فوّض أمره إلى الله لا ينبغي أن يتعقّب تدبيره.

وقرأ ابن عامر، وأبو بكر عن عاصم، ويعقوب: بضم التاء، على أنها ضمير المتكلمة امرأةِ عمران فتكون الجملة من كلامها المحكي، وعليه فاسم الجلالة التفات من الخطاب إلى الغيبة فيكون قرينة لفظية على أنّ الخبر مستعمل في التحسر.

وجملة ﴿ وليس الذكر كالأنثى ﴾ خبر مستعمل في التحسر لفوات ما قصدته في أن يكون المولود ذكراً، فتحرره لخدمة بيت المقدس.

وتعريف الذكر تعريف الجنس لما هو مرتكز في نفوس الناس من الرغبة في مواليد الذكور، أي ليس جنس الذكر مساوياً لجنس الأنثى.

وقيل: التعريف في ﴿ وليس الذكر كالأنثى ﴾ تعريف العهد للمعهود في نفسها.

وجملة ﴿ وليس الذكر ﴾ تكملة للاعتراض المبدوء بقوله: ﴿ والله أعلم بما وضعت ﴾ والمعنى: وليس الذكر الذي رغبتْ فيه بمساوٍ للأنثى التي أعطيتْها لو كانت تعلم علوّ شأن هاته الأنثى وجعلوا نفي المشَابهة على بابه من نفي مشابهة المفضول للفاضل وإلى هذا مال صاحب «الكشاف» وتبعه صاحب «المفتاح» والأول أظهر.

ونفي المشابهة بين الذكر والأنثى يقصد به معنى التفصيل في مثل هذا المقام وذلك في قول العرب: ليس سواءً كذا وكذا، وليس كذا مثلَ كذا، ولا هو مثل كذا، كقوله تعالى: ﴿ هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ﴾ [الزمر: 9] وقوله ﴿ يا نساء النبي لستن كأحد من النساء ﴾ [الإحزاب: 32] وقول السموأل: فليسَ سواءً عالمٌ وجَهول *** وقولِهم: «مرعى ولا كالسعدان، وماء ولا كَصَدَّى».

ولذلك لا يَتوخون أن يكون المشبه في مثله أضعف من المشبه به؛ إذ لم يبق للتشبيه أثر، ولذلك قيل هنا: وليس الذكر كالأنثى، ولو قيل: وليست الأنثى كالذكر لفهم المقصود.

ولكن قدّم الذكر هنا لأنه هو المرجو المأمول فهو أسبق إلى لفظ المتكلم.

وقد يجيء النفي على معنى كون المشبه المنفي أضعف من المشبه به كما قال الحريري في المقامة الرابعة: «غدوتَ قبلَ استقلال الركاب، ولا اغتداء اغتداءَ الغراب» وقال في الحادية عشرة: «وضحكتم وقت الدفن، ولا ضَحِكَكُم ساعةَ الزّفن» وفي الرابعة عشرة: «وقمتَ» ولا كعَمْرو بن عُبيد» فجاء بها كلها على نَسق ما في هذه الآية.

وقوله: ﴿ وإني سميتها مريم ﴾ الظاهر أنها أرادت تسميتها باسم أفضل نبيئة في بني إسرائيل وهي مريم أختُ موسى وهارون، وخَوّلها أنّ أباها سَمِيُّ أبي مريم أختتِ موسى.

وتكرُّر التأكيد في ﴿ وإنّي سميتها ﴾ ﴿ وإنّي أعيذها بك ﴾ للتأكيد: لأنّ حال كراهيتها يؤذن بأنها ستعْرض عنها فلا تشتغل بها، وكأنها أكدت هذا الخبر إظهاراً للرضا بما قدّر الله تعالى، ولذلك انتقلت إلى الدعاء لها الدال على الرضا والمحبة، وأكدت جملة أعيذها مع أنها مستعملة في إنشاء الدعاء: لأنّ الخبر مستعمل في الإنشاء برمّته التي كان عليها وقتَ الخبرية، كما قدّمناه في قوله تعالى: ﴿ إني وضعتها أُنثى ﴾ وكقول أبي بكر: «إنّي استخلفت عليكم عمر بن الخطاب».

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ إذْ قالَتِ امْرَأتُ عِمْرانَ رَبِّ إنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي مُحَرَّرًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مُحَرَّرًا أيْ مُخْلَصًا لِلْعِبادَةِ، وهَذا قَوْلُ الشَّعْبِيِّ.

والثّانِي: يَعْنِي خادِمًا لِلْبَيْعَةِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّالِثُ: يَعْنِي عَتِيقًا مِنَ الدُّنْيا لِطاعَةِ اللَّهِ، وهَذا قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا وضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى ﴾ إنَّما قالَتْ ذَلِكَ اعْتِذارًا مِنَ العُدُولِ عَنْ نَذْرِها لِأنَّها أُنْثى.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِضَمِّ التّاءِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ راجِعًا إلى اعْتِذارِها بِأنَّ اللَّهَ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ، وقَرَأ الباقُونَ بِجَزْمِ التّاءِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ جَوابًا مِنَ اللَّهِ تَعالى لَها بِأنَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ مِنها.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثى ﴾ لِأنَّ الأُنْثى لا تَصْلُحُ لِما يَصْلُحُ لَهُ الذَّكَرُ مِن خِدْمَةِ المَسْجِدِ المُقَدَّسِ، لِما يَلْحَقُها مِنَ الحَيْضِ، ولِصِيانَةِ النِّساءِ عَنِ التَّبَرُّجِ، وإنَّما يَخْتَصُّ الغِلْمانُ بِذَلِكَ.

﴿ وَإنِّي أُعِيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ: مِن طَعْنِ الشَّيْطانِ الَّذِي يَسْتَهِلُّ بِهِ المَوْلُودُ صارِخًا، وقَدْ رَوى ذَلِكَ أبُو هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا.

والثّانِي: مَعْناهُ مِن إغْوائِهِ لَها، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، ومَعْنى الرَّجِيمِ المَرْجُومُ بِالشُّهُبِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله: ﴿ وآل إبراهيم وآل عمران ﴾ قال: هم المؤمنون من آل إبراهيم، وآل عمران، وآل ياسين، وآل محمد صلى الله عليه وسلم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال: ذكر الله أهل بيتين صالحين، ورجلين صالحين، ففضلهم على العالمين، فكان محمد صلى الله عليه وسلم من آل إبراهيم.

وأخرج ابن جرير وأبي أبي حاتم عن الحسن في الآية قال: فضلهم الله على العالمين بالنبوّة على الناس كلهم، كانوا هم الأنبياء الأتقياء المطيعين لربهم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ ذرية بعضها من بعض ﴾ قال: في النية، والعمل، والإخلاص، والتوحيد.

وأخرج ابن سعد وابن أبي حاتم عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده، أن علياً قال للحسن قم فاخطب الناس قال: إني أهابك أن أخطب وأنا أراك.

فتغيب عنه حيث يسمع كلامه ولا يراه، فقام الحسن فحمد الله وأثنى عليه وتكلم.

ثم نزل فقال علي رضي الله عنه ﴿ ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم ﴾ .

وأخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر عن ابن عباس في قوله: ﴿ إن الله اصطفى ﴾ يعني اختار من الناس لرسالته ﴿ آدم ونوحاً وآل إبراهيم ﴾ يعني إبراهيم وإسمعيل وإسحق ويعقوب والأسباط ﴿ وآل عمران على العالمين ﴾ يعني اختارهم للنبوّة والرسالة على عالمي ذلك الزمان.

فهم ذرية بعضها من بعض، فكل هؤلاء من ذرية آدم، ثم ذرية نوح، ثم من ذرية إبراهيم ﴿ إذ قالت امرأة عمران ﴾ بن ماثان واسمها حنة بنت فاقوذ.

وهي أم مريم ﴿ رب إني نذرت لك ما في بطني محرراً ﴾ وذلك أن أم مريم حنة كانت جلست عن الولد والمحيض، فبينما هي ذات يوم في ظل شجرة إذ نظرت إلى طير يزق فرخاً له، فتحركت نفسها للولد، فدعت الله أن يهب لها ولداً، فحاضت من ساعتها، فلما طهرت أتاها زوجها، فلما أيقنت بالود قالت: لئن نجاني الله ووضعت ما في بطني لأجعلنه محرراً.

وبنو ماثان من ملوك بني إسرائيل من نسل داود.

والمحرر لا يعمل للدنيا، ولا يتزوّج، ويتفرغ لعمل الآخرة.

يعبد الله تعالى، ويكون في خدمة الكنيسة، ولم يكن محرراً في ذلك الزمان إلا الغلمان.

فقالت لزوجها: ليس جنس من جنس الأنبياء إلا وفيهم محرر غيرنا، وإني جعلت ما في بطني نذيرة تقول: نذرت أن أجعله لله فهو المحرر.

فقال زوجها: أرأيت أن كان الذي في بطنك أنثى والأنثى عورة- فكيف تصنعين؟

فاغتمت لذلك فقالت عند ذلك ﴿ رب إني نذرت لك ما في بطني محرراً فتقبل مني إنك السميع العليم ﴾ يعني تقبل مني ما نذرت لك.

﴿ فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى ﴾ والأنثى عورة، ثم قالت ﴿ وإني سميتها مريم ﴾ وكذلك كان اسمها عند الله ﴿ وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ﴾ يعني الملعون، فاستجاب الله لها، فلم يقربها الشيطان ولا ذريتها عيسى.

قال ابن عباس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل ولد آدم ينال منه الشيطان يطعنه حين يقع بالأرض بأصبعه لما يستهل، إلا ما كان من مريم وابنها لم يصل إبليس إليهما» قال ابن عباس: لما وضعتها خشيت حنة أم مريم أن لا تقبل الأنثى محررة، فلفتها في الخرقة ووضعتها في بيت المقدس عند القراء، فتساهم القراء عليها لأنها كانت بنت إمامهم، وكان إمام القراء من ولد هرون.

أيهم يأخذها فقال زكريا وهو رأس الأحبار أنا آخذها وأنا أحقهم بها لأن خالتها عندي يعني أم يحيى فقال القراء: وإن كان القوم من هو أفقر إليها منك؟

ولو تركت لأحق الناس بها تركت لأبيها ولكنها محررة، غير أنا نتساهم عليها فمن خرج سهمه فهو أحق بها، فقرعوا ثلاث مرات بأقلامهم التي كانوا يكتبون بها الوحي ﴿ أيهم يكفل مريم ﴾ يعني أيهم يقبضها فقرعهم زكريا.

وكانت قرعة أقلامهم أنهم جمعوها في موضع ثم غطوها فقالوا لبعض خدم بيت المقدس من الغلمان الذين لم يبلغوا الحلم: أدخل يدك فأخرج قلماً منها، فأدخل يده فأخرج قلم زكريا فقالوا: لا نرضى ولكن نلقي الأقلام في الماء فمن خرج قلمه في جرية الماء ثم ارتفع فهو يكلفها.

فألقوا أقلامهم في نهر الأردن، فارتفع قلم زكريا في جرية الماء فقالوا: نقترع الثالثة فمن جرى قلمه مع الماء فهو يكلفها.

فألقوا أقلامهم، فجرى قلم زكريا مع الماء، وارتفعت أقلامهم في جرية الماء وقبضها عند ذلك زكريا.

فذلك قوله: ﴿ وكفلها زكريا ﴾ يعني قبضها ثم قال: ﴿ فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتاً حسناً ﴾ يعني رباها تربية حسنة في عبادة وطاعة لربها حتى ترعرعت، وبنى لها زكريا محراباً في بيت المقدس، وجعل له بابه في وسط الحائط لا يصعد إليها إلا بسلم.

وكان استأجر لها ظِئْراً، فلما تم لها حولان فطمت وتحركت، فكان يغلق عليها الباب والمفتاح معه لا يأمن عليه أحداً، لا يأتيها بما يصلحها أحد غيره حتى بلغت.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن عساكر عن عكرمة قال: اسم أم مريم حنة.

وأخرج الحاكم عن أبي هريرة قال: حنة ولدت مريم أم عيسى.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ نذرت لك ما في بطني محرراً ﴾ قال: كانت نذرت أي تجعله في الكنيسة يتعبد بها، وكانت ترجو أن يكون ذكراً.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في الآية قال: نذرت أي تجعله محرراً للعبادة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ محرراً ﴾ قال: خادماً للبيعة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من وجه آخر عن مجاهد في قوله: ﴿ محرراً ﴾ قال: خالصاً لا يخالطه شيء من أمر الدنيا.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في الآية قال: كانت امرأة عمران حررت لله ما في بطنها، وكانوا إنما يحررون الذكور، وكان المحرر إذا حرر جعل في الكنيسة لا يبرحها، يقوم عليها ويكنسها، وكانت المرأة لا تستطيع أن تصنع بها ذلك لما يصيبها من الأذى، فعند ذلك قالت ﴿ وليس الذكر كالأنثى ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير ﴿ محرراً ﴾ قال: جعلته لله والكنيسة فلا يحال بينه وبين العبادة.

وأخرج ابن المنذر عن الضحاك قال: كانت المرأة في زمان بني إسرائيل إذا ولدت غلاماً أرضعته حتى إذا أطاق الخدمة دفعته إلى الذين يدرسون الكتب، فقالت: هذا محرر لكم يخدمكم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة قال: إن امرأة عمران كانت عجوزاً عاقراً تسمى، حنة، وكانت لا تلد، فجعلت تغبط النساء لأولادهن فقالت: اللهم إن عليَّ نذراً شكراً إن رزقتني ولداً أن أتصدق به على بيت المقدس، فيكون من سدنته وخدامه ﴿ فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى...

وليس الذكر كالأنثى ﴾ يعني في المحيض ولا ينبغي لامرأة أن تكون مع الرجال، ثم خرجت أم مريم تحملها في خرقتها إلى بني الكاهن ابن هارون أخي موسى قال: وهم يومئذ يلون من بيت المقدس ما يلي الحجبة من الكعبة فقالت لهم: دونكم هذه النذيرة فإني حررتها وهي ابنتي ولا يدخل الكنيسة حائض، وأنا لا أردها إلى بيتي فقالوا: هذه ابنة إمامنا وكان عمران يؤمهم في الصلاة فقال زكريا: ادفعوها إليَّ فإن خالتها تحتي فقالوا: لا تطيب أنفسنا بذلك.

فذلك حين اقترعوا عليها بالأقلام التي يكتبون بها التوراة، فقرعهم زكريا فكفلها.

وأخرج سعيد بن منصور عن ابن عباس أنه كان يقرأ ﴿ والله أعلم بما وضعت ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك أنه قرأ ﴿ بما وضعت ﴾ برفع التاء.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم بن أبي النجود أنه كان يقرؤها برفع التاء.

وأخرج عبدالله بن أحمد في زوائد الزهد عن سفيان بن حسين ﴿ والله أعلم بما وضعت ﴾ قال: على وجه الشكاية إلى الرب تبارك وتعالى.

وأخرج عبد بن حميد عن الأسود أنه كان يقرؤها ﴿ والله أعلم بما وضعت ﴾ بنصب العين.

وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم أنه كان يقرؤها ﴿ والله أعلم بما وضعت ﴾ بنصب العين.

أما قوله تعالى: ﴿ وإني أعيذها ﴾ الآية.

أخرج عبد الرزاق وأحمد والبخاري ومسلم وابن جرير وأبي المنذر وابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد، فيستهل صارخاً من مس الشيطان إياه، إلا مريم وابنها» ثم قال أبو هريرة: واقرأوا إن شئتم ﴿ وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير والحاكم وصححه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل مولود من ولد آدم له طعنة من الشيطان وبها يستهل الصبي، إلا ما كان من مريم بنت عمران وولدها، فإن أمها قالت حين وضعتها ﴿ وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ﴾ فضرب بينهما حجاب، فطعن في الحجاب» وأخرج ابن جرير عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من مولود يولد إلا وقد عصره الشيطان عصرة أو عصرتين إلا عيسى ابن مريم ومريم.

ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ﴾ » .

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: ما ولد مولود إلا قد استهل غير المسيح ابن مريم لم يسلط عليه الشيطان ولم ينهزه.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن عساكر عن وهب بن منبه قال: لما ولد عيسى عليه السلام أتت الشياطين إبليس فقالوا: أصبحت الأصنام قد نكست رؤوسها فقال: هذا حدث مكانكم.

فطار حتى جاب خافقي الأرض فلم يجد شيئاً، ثم جاء البحار فلم يقدر على شيء، ثم طار أيضاً فوجد عيسى عليه السلام قد ولد عند مدود حمار، وإذا الملائكة قد حفَّت حوله، فرجع إليهم فقال إليهم فقال: إن نبياً قد ولد البارحة ما حملت أنثى قط ولا وضعت إلا وأنا بحضرتها إلا هذا.

فأيسوا أن تعبد الأصنام بعد هذه الليلة ولكن ائتوا بني آدم من قبل الخفة والعجلة.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ﴾ قال: «ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كل بني آدم طعن الشيطان في جنبه إلا عيسى ابن مريم وأمه، جعل بينهما وبينه حجاب فأصابت الطعنة الحجاب ولم ينفذ إليهما شيء.

وذكر لنا أنهما كانا لا يصيبان الذنوب كما يصيبه سائر بني آدم.

وذكر لنا أن عيسى عليه السلام كان يمشي على البحر كما يمشي على البر، مما أعطاه الله من اليقين والإِخلاص» .

وأخرج ابن جرير عن الربيع ﴿ وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ﴾ قال: «إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كل آدمي طعن الشيطان في جنبه غير عيسى وأمه كانا لا يصيبان الذنوب كما يصيبها بنو آدم قال: وقال عيسى عليه السلام فيما يثني على ربه: وأعاذني وأمي من الشيطان الرجيم فلم يكن له علينا سبيل» .

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس قال: لولا أنها قالت ﴿ وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ﴾ إذن لم تكن لها ذرية.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا وَضَعَتهَا ﴾ .

قال المفسرون (١) (٢) ﴿ فَلَمَّا وَضَعَتهَا ﴾ أي: ولدتها.

و (الهاء): راجعة إلى ﴿ مَا ﴾ ، في قوله: ﴿ نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي ﴾ ، و (ما) يقع على المؤنث، وقوعُهُ على المُذَكَّر (٣) وقوله تعالى: ﴿ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى ﴾ .

اعتذار منها إلى الله حين فعلت ما لا يجوز من تحرير الأنثى للكنيسة (٤) وقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ ﴾ .

قُرئ بإسكان التَّاء وضمها (٥) (٦) (٧) ﴿ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ ﴾ (٨) ﴿ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى ﴾ ، إخبارًا لله تعالى.

ومن قرأ بإسكان التَّاء وهو أَجْوَدُ القراءتين، كان قوله: ﴿ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ ﴾ ، مِن (٩) (١٠) ﴿ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى ﴾ \[فليست\] (١١) (١٢) (١٣) (١٤) وقوله تعالى: ﴿ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى ﴾ .

أي: في خِدْمَة الكنيسة والعِبِّادِ الذين فيها؛ لما يلحقها من الحَيْضِ والنفاس، والصيانة عن التَّبَرُّجِ [للناس] (١٥) قال عبد الله بن مُسْلِم (١٦) ﴿ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى ﴾ ، مؤخَّرٌ، معناه التقديم على قراءة العامة كأنه قال: إنِّي وضَعتها أُنثى وليس الذكر كالأنثى؛ لأنه من قول أمِّ مريم (١٧) قوله تعالى: ﴿ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ ﴾ .

يقال: (عاذ فلانٌ بالله)؛ أي: التجأ إليه، وامتنع به، فأعاذه؛ أي: أجارَهُ، ومنعه (١٨) ﴿ أُعِيذُهَا بِكَ ﴾ أي: أمنعها، وأجيرها بك.

وذكرنا معنى (العوذ) في قوله: ﴿ قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾ (١٩) (٢٠) وقوله تعالى: ﴿ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴾ .

أي: المطرود، المَرْمِيِّ (٢١) ﴿ الرَّجِيمِ ﴾ : الملعون (٢٢) ﴿ الرَّجِيمِ ﴾ بمعنى: المسبوب المشتوم [[من معاني الرَّجْمِ في اللغة: الرمي بالحجارة، والقتل، والسب والشتم، واللعن.

وينقل الأزهري عن ابن الأنباري، قوله: (والرجيم في نعت الشيطان: المرجوم بالنجوم، فصُرِف إلى (فَعِيل) من (مفعول).

قال: ويكون الرجيم، بمعنى: المشتوم المسبوب، من قوله: ﴿ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ ﴾ \[46 سورة مريم\]؛ أي: لأسبنَّك.

قال: ويكون الرجيم، بمعنى: المطرود.

قال: وهو قول أهل التفسير).

"تهذيب اللغة" 2/ 1375 (رجم)، وانظر: "القاموس المحيط" 1111 (رجم).]].

وذكرنا معاني (الرَّجْمِ) في سورة الحِجْر عند قوله: ﴿ مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ  ﴾ .

ومعنى هذه الإعاذة، وإجابة الله تعالى إيَّاها إلى ما سألت؛ هو: ما رواه أبو هريرة: أنَّ النبي  قال: "ما من مولود، إلاَّ والشيطان يَمَسُّهُ حين يُولَد، فيستَهِلُ صارخاً من مَسِّ الشيطان إيَّاه، إلا مريمَ وابنَها"، ثمَّ يقول أبو هريرة: (اقرأوا إنْ شِئْتُم: ﴿ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴾ (٢٣) (١) ممن ذكر ذلك: الطبري في "تفسيره" 3/ 235 يرويه عن ابن إسحاق، والثعلبي في "تفسيره" 3/ 39 ب، والبغوي في "تفسيره" 1/ 30، ونسبه للكلبي عن ابن إسحاق.

(٢) في (ب): (كامل).

(٣) وقيل: إن (الهاء) تعود على: النذيرة، أو النسمة، أو النفس، وهي ألفاظ مؤنثة، ولذا أنَّث الضمير.

وهو رأي الطبري في "تفسيره" 3/ 237، والثعلبي: 3/ 39 ب، وانظر: "الكشاف" 1/ 425.

(٤) هذا قول السدي؛ كما في "تفسير الطبري" 3/ 238، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 637، "زاد المسير" 1/ 377.

وقيل: إنها قالته على سبيل التَّحسُّر، والتلهف على ما فاتها من رجائها وتقديرها.

انظر: "المحرر الوجيز" 3/ 88، "الكشاف" 1/ 425، "البحر" 2/ 438.

وإليه مال الطبري في "تفسيره" 3/ 237، والثعلبي في "تفسيره" 3/ 39 ب، والبغوي في "تفسيره" 2/ 30.

(٥) وردت القراءة بإسكان التاء وفتح العين في (وَضَعَتْ)، عن: عاصم برواية حفص والمفضل عنه، وابن كثير، ونافع، وأبي عمرو، وحمزة، والكسائي.

أما القراءة بضم التاء وإسكان العين: (وَضَعْتُ)، فقد وردت عن: عاصم برواية أبي بكر، وعن ابن عامر، ويعقوب، وأبي رجاء، وإبراهيم النخعي.

انظر: "السبعة" 204، "إيضاح الوقف والابتداء" 2/ 575، "القطع والائتناف" للنحاس: 221، "التيسير" 87، "النشر" 2/ 239.

(٦) من قوله: (فمن ..) إلى: (..

بما وضعت): نقله بتصرف واختصار عن "الحجة" للفارسي: 3/ 34.

(٧) ما بين المعقوفين زيادة من: (ب).

(٨) في (أ): وضَعَتْ، وفي بقية النسخ، غير مضبوطة بالشكل، والصواب ما أثبته لتناسبها مع سياق الكلام.

(٩) من قوله: (كلام ..) إلى (وأنت أعلم بما وضعتُ): ساقط من: (ج)، (د).

(١٠) ما بين المعقوفين زيادة من: (ب).

(١١) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج)، (د)، "الحجة" للفارسي.

(١٢) في (ب): (يحتاج).

(١٣) ما بين المعقوفين زيادة من: (د)، وليست موجودة في "الحجة" للفارسي.

(١٤) انظر: "الحجة" لابن خالويه 108، "الكشف" لمكي 1/ 340.

(١٥) ما بين المعقوفين من: (ج)، (د).

(١٦) هو ابن قتيبة، في "تفسير غريب القرآن" 104، نقله المؤلف عنه بالمعنى.

(١٧) أما على القراءة الأخرى (..

وضَعْتُ) بضم التاء، فليس فيه تقديم ولا تأخير.

انظر: "معاني القرآن" للنحاس 1/ 387.

(١٨) انظر (عوذ) في: "العين " 229، "الصحاح" 2/ 566، "مقاييس اللغة" 4/ 183، 184.

(١٩) (قال): ساقطة من (د) (٢٠) وانظر: "تفسير البسيط" 3/ 10.

(٢١) في (ب): (الرمي).

(٢٢) لم أهتد إلى مصدر هذا القول عن ابن عباس، والذي عثرت عليه، أنه من قول قتادة، كما في "زاد المسير" 1/ 337، "الدر المنثور" 5/ 69 ونسب إخراجه لعبد ابن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.

(٢٣) الحديث، أخرجه البخاري في: الصحيح: 5/ 166 كتاب التفسير سورة آل عمران، 4/ 138 كتاب الأنبياء، باب:44.

ومسلم في "الصحيح" 4/ 1838رقمه (2366) كتاب الفضائل، باب: فضائل عيسى  .

وأحمد في "المسند" 2/ 274 (وانظر: "الفتح الرباني" 20/ 132، وعبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 119، والطبري في "تفسيره" 3/ 240، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 638، والبغوي في "تفسيره" 2/ 30، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 2/ 32.

وورد الحديثُ بألفاظ أخرى من طرق أخرى عن أبي هريرة -  -، انظر: "تفسير الطبري" 6/ 336 - 340، " الدر المنثور" 2/ 32.

واستهلال الصبي: رفع صوته بالبكاء عند ولادته.

انظر: "النهاية في غريب الحديث" 5/ 271، "القاموس" (1072) (هلل).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِنَّ الله اصطفى ﴾ الآية: لما مضى صدر من محاجة نصارى نجران أخذ يبين لهم ما اختلفوا فيه، وأشكل عليهم من أمر عيسى عليه السلام، وكيفية ولادته وبدأ بذكر آدم ونوح عليهما السلام تكميلاً للأمر لأنهما أبوان لجميع الأنبياء، ثم ذكر إبراهيم تدريجاً إلى ذكر عمران والد مريم أم عيسى عليه السلام، وقيل: إنّ عمران هنا هو والد موسى، وبينهما ألف وثمانمائة سنة، والأظهر أن المراد هنا والد مريم، لذكر قصتها بعد ذلك ﴿ وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ ﴾ يحتمل أن يريد بآل: القرابة، أو الأتباع، وعلى الوجهين؛ يدخل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في آل إبراهيم ﴿ ذُرِّيَّةً ﴾ بدل مما تقدم أو حال ووزنه فعليه منسوب إلى الذر أي النمل.

لأن الله تعالى أخرج الخلق من صلب آدم كالذر، ﴿ إِذْ قَالَتِ ﴾ العامل فيه محذوف تقديره: اذكروا، وقيل: عليم، وقال الزجّاج: العامل فيه معنى الاصطفاء ﴿ امرأت عِمْرَانَ ﴾ اسمها حنة بالنون، وهي أم مريم، وعمران هذا هو والد مريم ﴿ نَذَرْتُ ﴾ أي: جعلت نذراً عليّ أن يكون هذا الولد في بطني حبساً على خدمة بيتك، وهو بيت المقدس ﴿ مُحَرَّراً ﴾ أي عتيقاً من كل شغل إلاّ خدمة المسجد ﴿ فَلَمَّا وَضَعَتْهَا ﴾ الآية.

كانوا لا يحررون الإناث للقيام بخدمة المساجد، فقالت: ﴿ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أنثى ﴾ تحسراً وتلهفاً على ما فاتها من النذر الذي نذرت ﴿ والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ ﴾ قرئ وضعت بإسكان التاء وهو من كلام الله تعظيماً لوضعها وقرئ بضم التاء وإسكان العين وهو على هذا من كلامهما ﴿ وَلَيْسَ الذكر كالأنثى ﴾ يحتمل أن يكون من كلام الله، فالمعنى ليس الذكر كالأنثى في خدمة المساجد؛ لأن الذكور كانوا يخدمونها دون الأناث ﴿ سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ ﴾ إنما قالت لربها سميتها مريم؛ لأن مريم في لغتهم بمعنى العابدة، فأرادت بذلك التقرب إلى الله، ويؤخذ من هذا تسمية المولود يوم ولادته، وامتنع مريم من الصرف للتعريف والتأنيث، وفيه أيضاً العجمة ﴿ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ ﴾ ورد في الحديث: «ما من مولود إلاّ نخسة الشيطان يوم ولد فيستهل صارخاً إلاّ مريم وابنها» ، لقوله: ﴿ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ ﴾ : الآية ﴿ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا ﴾ أي رضيها للمسجد مكان الذكر ﴿ بِقَبُولٍ حَسَنٍ ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن يكون مصدراً على غير المصدر، والآخر: أن يكون اسماً لما يقبل به كالسعوط اسم لما يسعط به ﴿ وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً ﴾ عبارة عن حسن النشأة ﴿ وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ﴾ أي ضمها إلى إنفاقه وحضانته، والكافل هو الحاضن، وكان زكريا زوج خالتها، وقرئ كفلها بتشديد الفاء، ونصب زكريا: أي جعله الله كافلها ﴿ المحراب ﴾ في اللغة: أشرف المجالس، وبذلك سمي موضع العبادة ﴿ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً ﴾ كان يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء، ويقال: إنها لم ترضع ثدياً قط، وكان الله يرزقها ﴿ أنى لَكِ هذا ﴾ إشارة إلى مكان أي: كيف ومن أين؟

﴿ إِنَّ الله يَرْزُقُ ﴾ يحتمل أن يكون من كلام مريم أو من كلام الله تعالى.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ مني إنك ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو.

﴿ بما وضعت ﴾ على الحكاية: ابن عامر ويعقوب وأبو بكر وحماد.

الباقون ﴿ وضعت ﴾ على الغيبة.

﴿ وإني أعيذها ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع.

﴿ وكفلها ﴾ مشددة: عاصم وحمزة وعلي وخلف.

الباقون خفيفاً ﴿ زكريا ﴾ مقصوراً كل القرآن: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.

وقرأ أبو بكر وحماد بالمد والنصب ههنا.

الباقون بالمد والرفع.

﴿ فناديه ﴾ بالياء والإمالة: علي وحمزة وخلف.

الباقون ﴿ فنادته ﴾ بتاء التأنيث ﴿ في المحراب ﴾ بالإمالة حيث كان مخفوضاً.

قتيبة وابن ذكوان ﴿ إن الله ﴾ بكسر "إن": ابن عامر وحمزة.

الباقون بالفتح.

﴿ يبشرك ﴾ وما بعده من البشارة خفيفاً: حمزة وعلي.

الباقون بالتشديد ﴿ لي آية ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وابن شنبوذ عن ابن كثير.

الوقوف: ﴿ مني ﴾ ج للابتداء ولاحتمال لأنك ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ أنثى ﴾ ط لمن قرأ ﴿ بما وضعت ﴾ بتاء التأنيث الساكنة، ومن قرأ على الحكاية لم يقف لأنه يجعلها من كلامها.

﴿ بما وضعت ﴾ ط ﴿ كالأنثى ﴾ ج للابتداء بأن، ولاحتمال أن المجموع كلام واحد من قولها على قراءة من قرأ ﴿ وضعت ﴾ بالضم ﴿ الرجيم ﴾ ه ﴿ حسناً ﴾ ص لمن قرأ ﴿ وكفلها ﴾ مخففاً لتبدل فاعله، فإن فاعل المخفف ﴿ زكريا ﴾ وفاعل المشدد الرب.

وقد يعدى إلى مفعولين كقوله: ﴿ أكفلنيها  ﴾ ﴿ المحراب ﴾ (لا) لأن ﴿ وجد ﴾ جواب ﴿ كلما ﴾ ﴿ رزقاً ﴾ ج لاتحاد فاعل الفعلين مع عدم العاطف ﴿ هذا ﴾ ط ﴿ من عند الله ﴾ ط ﴿ حساب ﴾ ه ﴿ ربه ﴾ ج لما قلنا في ﴿ رزقاً ﴾ ﴿ طيبة ﴾ ج للابتداء ولجواز لأنك ﴿ الدعاء ﴾ ه ﴿ في المحراب ﴾ (لا) وإن كسر "إن" لأن من كسر جعل النداء في معنى القول ﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ عاقر ﴾ ط ﴿ ما يشاء ﴾ ه ﴿ آية ﴾ ط ﴿ والإبكار ﴾ ه.

التفسير: إنه  ذكر في هذا المقام قصصاً.

القصة الأولى حنة أم مريم البتول زوجة ابن عمران بن ماثان بنت فاقوذ أخت إيشاع التي كانت تحت زكريا بن أذن.

روي أن حنة كانت عاقراً لم تلد إلى أن كبرت وعجزت.

فبينما هي في ظل شجرة بصرت بطائر يطعم فرخاً له، فتحركت نفسها للولد وتمنته فقالت: اللهم إن لك عليّ نذراً شكراً إن رزقتني ولداً أن أتصدق به على بيت المقدس فيكون من سدنته وخدمته.

فحملت بمريم / وهلك عمران وهي حامل.

قال الحسن: إنما فعلت ذلك بإلهام الله  كما ألهم أم موسى فقذفته في أليم.

عن الشعبي: محرراً مخلصاً للعبادة.

وتحرير العبد تخليصه من الرق، وحررت الكتاب إذا أصلحته وخلص من الغلط، ورجل حر إذا كان خالصاً لنفسه ليس لأحد عليه يد وتصرف.

قال الأصم: لم يكن لبني إسرائيل غنيمة ولا سبي، وكان في دينهم أن الولد إذا صار بحيث يمكن استخدامه كان يجب عليه خدمة الأبوين.

فكانوا بالنذر يتركون ذلك النوع عن الانتفاع ويجعلون الأولاد محررين لخدمة المسجد وطاعة الله  ، حتى إذا بلغ الحلم كان مخيراً.

فإن أبى المقام وأراد أن يذهب ذهب، وإن اختار المقام فلا خيار له بعد ذلك.

ولم يكن نبي إلا ومن نسله محرر في بيت المقدس، وما كان هذا التحرير إلا في الغلمان.

لأن الجارية يصيبها الحيض والقذر، ثم إنها نذرت مطلقاً إما لبناء الأمر على الفرض والتقدير، وإما لأنها جعلت النذر وسيلة إلى طلب الولد الذكر.

﴿ محرراً ﴾ حال من "ما".

وعن ابن قتيبة: المعنى نذرت لك أن أجعل ما في بطني محرراً.

فلما وضعتها يعني ما في بطنها لأنها كانت أنثى في علم الله، أو على تأويل النفس أو النسمة أو الحبلة.

والحبل بفتح الباء مصدر بمعنى المحبول، كما سمي بالحمل، ثم أدخلت عليه التاء للإشعار بمعنى الأنوثة فيه، ومنه الحديث " نهى عن حبل الحبلة " ومعناه أن يبيع ما سوف يحمله الجنين الذي في بطن الناقة على تقدير أنه يكون أنثى.

﴿ قالت رب إني وضعتها ﴾ حال كونها ﴿ أنثى ﴾ ثم من قرأ ﴿ والله أعلم بما وضعت ﴾ على الحكاية فمجموع الكلام إلى آخر الآية من قولها، ويكون فائدة قولها ﴿ إني وضعتها أنثى ﴾ الاعتذار عن إطلاق النذر الذي تقدم منها، والخوف من أنها لا تقع الموقع الذي يعتد به والتحزن إلى ربها والتحسر على ما رأت من خيبة رجائها وعكس تقديرها.

ثم خافت أن يظن بها أنها قالت ذلك لإعلام الله  فقالت: ﴿ والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى ﴾ ليس جنس الذكور كجنس الإناث لا سيما في باب السدانة، فإن تحرير غير الذكور لم يكن جائزاً في شرعهم، والذكر يمكن له الاستمرار على الخدمة دون الأنثى لعوارض النسوان، ولأن الأنثى لا تقوى على الخدمة لأنها محل التهمة عند الاختلاط، ويحتمل أن تكون عارفة بالله واثقة بأن كل ما صدر عنه فإنه يكون خيراً وصواباً فقالت: ﴿ رب إني وضعتها أنثى ﴾ ولكنك أعرف وأعلم بحال ما وضعت فلعل لك فيه سراً ﴿ وليس الذكر ﴾ الذي طلبت ﴿ كالأنثى ﴾ التي وهبت لي لأنك لا تفعل إلا ما فيه حكمة ومصلحة، فعلى هذا اللام في الذكر وفي الأنثى لمعهود حاضر ذهني لكنها في الذكر لحاضر ذهني تقديراً لدلالة ما في بطني عليه ضمناً، وفي الأنثى لحاضر ذهني حقيقة لتقدم لفظة أنثى.

ومن قرأ ﴿ بما وضعت ﴾ بسكون التاء للتأنيث فالجملتان أعني / قوله ﴿ والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى ﴾ معترضتان.

ومعناه والله أعلم بالشيء الذي وضعت لما علق به من عظائم الأمور وجعلها وولدها آية للعالمين وهي جاهلة بذلك.

ثم زاده بياناً وإيضاحاً فقال: ﴿ وليس الذكر ﴾ الذي طلبت ﴿ كالأنثى ﴾ التي وهبت لها.

﴿ وإني سميتها مريم ﴾ وذلك أن أباها قد مات عند وضعها فلهذا تولت الأم تسميتها.

ومريم في لغتهم العابدة.

فأرادت بقولها ذلك التقرب والطلب إلى الله أن يعصمها حتى يكون فعلها مطابقاً لاسمها، ولهذا أردف ذلك بطلب الإعاذة لها ولولدها من الشيطان ﴿ فتقبلها ربها ﴾ الضمير يعود إلى امرأة عمران ظاهراً بدليل أنها التي خاطبت ونادت بقولها ﴿ رب إني وضعتها ﴾ ويحتمل أن يعود إلى مريم فيكون فيه إشارة إلى أنه كما رباها في بطن أمها فسيربيها بعد ذلك ﴿ بقبول حسن ﴾ تقبلت الشيء وقبلته إذا رضيته لنفسك.

قبولاً بفتح القاف وهو مصدر شاذ حتى حكي أنه لم يسمع غيره.

وأجاز الفراء والزجاج قبولاً بالضم.

والباء في قوله ﴿ بقبول ﴾ بمنزلة الباء في قولك "كتب بالقلم وضربته بالسوط".

وفي التقبل نوع تكلف فكأنه إنما حكم بالتقبل بواسطة القبول الحسن.

قال في الكشاف: معناه فتقبلها بذي قبول حسن أي بأمر ذي قبول وهو اختصاصها بإقامتها مقام الذكر في النذر ولم يقبل قبلها أنثى في النذر، أو بأن تسلمها من أمها عقيب الولادة قبل أن تنشأ وتصلح للسدانة.

قال: ويجوز أن يكون القبول اسم ما يقبل به الشيء كالسعوط واللدود لما يسعط به ويلدّ وهو الاختصاص، ويجوز أن يكون معناه فاستقبلها مثل تعجل بمعنى استعجل وذلك من قولهم "استقبل الأمر" إذا أخذه بأوله أي فأخذها من أول أمرها حين ولدت بقبول حسن.

﴿ وأنبتها نباتاً حسناً ﴾ قيل: كانت تنبت في اليوم مثل ما ينبت المولود في عام.

وقيل: المراد نماؤها في الطاعة والعفة والصلاح والسداد ﴿ وكفلها زكريا ﴾ روي أن حنة حين ولدت مريم لفتها في خرقة وحملتها إلى المسجد ووضعتها عند الأحبار أبناء هارون وهم في بيت المقدس كالحجبة في الكعبة.

فقالت لهم: دونكم هذه النذيرة فتنافسوا فيها لأنها كانت بنت إمامهم وصاحب قربانهم، وكانت بنو ماثان رؤوس بني إسرائيل وأحبارهم وملوكهم.

فقال لهم زكريا: أنا أحق بها، عندي خالتها، فقالوا: لا حتى نقترع عليها.

فانطلقوا وكانوا سبعة وعشرين إلى نهر فألقوا فيه أقلامهم التي كانوا يكتبون بها التوراة والوحي، على أن كل من ارتفع قلمه فهو الراجح.

فألقوا ثلاث مرات وفي كل مرة كان يرتفع قلم زكريا وترسب أقلامهم، فأخذها زكريا.

فعلى هذه الرواية تكون كفالة زكريا إياها من أول أمرها وهو قول الأكثرين.

وزعم بعضهم أنه كفلها بعد أن فطمت ونبتت النبات الحسن على ترتيب الذكور.

والأرجح أنها لم ترضع ثدياً قط، وكانت تتكلم في الصغر، وكان رزقها من الجنة، وأن / زكريا بنى لها محراباً وهي غرفة يصعد إليها بسلم.

وقيل: هو أشرف المجالس ومقدّمها كأنها وضعت في أشرف موضع من بيت المقدس.

وقيل: كانت مساجدهم تسمى المحاريب.

والتركيب يدل على الطلب فكان صدر المجلس يسمى محراباً لطلب الناس إياه.

وكان إذا خرج غلق عليها سبعة أبواب فكان يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء، وذلك قوله عز من قائل ﴿ كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً قال يا مريم أنى لك هذا ﴾ من أين لك هذا الرزق الذي لا يشبه أرزاق الدنيا وهو آتٍ في غير حينه والأبواب مغلقة؟

قالت ﴿ هو من عند الله ﴾ فلا تستبعد ﴿ إن الله يرزق من يشاء بغير حساب ﴾ يحتمل أن يكون من تمام كلام مريم، وأن يكون معترضاً من كلام الله  .

واعلم أن الأمور الخارقة للعادة في حق مريم كثيرة فمنها: أنه روى أبو هريرة عن النبي  " "ما من مولود إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخاً من مس الشيطان إياه إلا مريم وابنها " قلت: وذلك لدعاء حنة ﴿ وإني أعيذها ﴾ ومنه تكلمها في الصغر.

ومنها حصول الرزق لها من عند الله كما "روي عن النبي  أنه  جاع في زمن قحط فأهدت له  فاطمة  ا رغيفين وبضعة لحم آثرته بها فرجع  بها إليها وقال: هلمي يا بنية.

فكشفت عن الطبق فإذا هو مملوء خبزاً ولحماً فبهتت وعلمت أنها نزلت من عند الله.

فقال النبي  لها: أنى لك هذا؟

قالت: هو من عند الله.

إن الله يرزق من يشاء بغير حساب.

فقال  : الحمد لله الذي جعلك شبيهة سيدة نساء بني إسرائيل.

ثم جمع رسول الله  علي بن أبي طالب والحسن والحسين وجميع أهل بيته  حتى شبعوا وبقي الطعام كما هو، فأوسعت فاطمة  ا على جيرانها" .

وفي أمثال هذه الخوارق من غير الأنبياء دليل على صحة الكرامات من الأولياء.

والفرق بين المعجزة والكرامة أن صاحب الفعل الخارق في الأول يدعي النبوة، وفي الثاني يدعي الولاية، والنبي  يدعي المعجز ويقطع به، والولي لا يمكنه أن يقطع به، والمعجزة يجب انفكاكها عن المعارضة، والكرامة بخلافها.

وقال بعضهم: الأنبياء مأمورون بإظهار المعجزة، والأولياء مأمورون بإخفاء الكرامات أما المعتزلة فقد احتجوا على امتناع الكرامات.

بأنها دلالات صدق الأنبياء، ودليل النبوة لا يوجد مع غير النبي كما أن الفعل المحكم لما كان دليلاً على أن فاعله عالم فلا جرم لا يوجد في غير العالم.

وأجابوا عن حديث أبي هريرة بعد تسليم صحته أن استهلال المولود صارخاً من مس الشيطان تخييل وتصوير لطمعه فيه، كأنه يمسه ويضرب بيده عليه ويقول: / هذا ممن أغويه.

فمعنى الحديث أن كل مولود فإنه يطمع الشيطان في إغوائه إلا مريم وابنها.

وهذا المعنى يعم جميع من كان في صفتهما من عباد الله المخلصين.

قال في الكشاف: وأما حقيقة المس والنخس كما يتوهم أهل الحشو فكلا ولو سلط إبليس على الناس ينخسهم لامتلأت الدنيا صراخاً وعياطاً مما يبلون به من نخسه.

قلت: وعجيب من مثله مثل هذا هذا الكلام فإنه لا يلزم من الإحساس بمس الشيطان والصراخ منه في وقت الولادة وإنه قريب العهد بعالم الأرواح وبزمان المكاشفة بعيد العهد من عالم الغفلة والإلف بالمحسوسات أن يحس به في وقت آخر ويصرخ على أن أثر مس الشيطان ونخسه يظهر في هيئات النفس وأحوالها، وأنها أمور لا يحس بها إلا بعد المفارقة أو قطع العلائق البدنية، والكلام فيه يستدعي فهمه استعداداً آخر غير العلوم الظاهرية.

قال الجبائي: لم لا يجوز أن تكون تلك الخوارق من معجزات زكريا؟

وبيانه أن زكريا دعا لها على الإجمال أن يوصل الله إليها رزقها، وربما كان غافلاً عن تفاصيل ما يأتيها من الأرزاق من عند الله.

فإذا رأى شيئاً بعينه في وقت معين قال لها: أنى لك هذا؟

قالت: هو من عند الله لا من عند غيره.

فعند ذلك يعلم أن الله  أظهر بدعائه تلك المعجزة.

ويحتمل أن يكون زكريا يشاهد عند مريم رزقاً معتاداً لأنه كان يأتيها من السماء وكان زكريا يسألها عن ذلك حذراً من أن يكون من عند إنسان يبعثه إليها فقالت: هو من عند الله، لا من عند غيره.

على أنا لا نسلم أنه قد ظهر لها شيء من الخوارق، بل كانوا يرغبون في الإنفاق على الزاهدات العابدات.

فكان زكريا إذا رأى شيئاً من ذلك خاف أن ذلك الرزق أتاها من حيث لا ينبغي، وكان يسألها عن كيفية الحال.

قلت: أمثال هذه الشبهات يوجبها الشك في القرآن وفي الحديث أو العصبية المحضة.

على أنا نقول: لو كان معجزاً لزكريا لكان مأذوناً من عند الله في طلبه فكان عالماً بحصوله، وإذا علم امتنع أن يطلب كيفية الحال.

وأيضاً كيف قنع بمجرد إخبارها في زوال الشبهة؟

وكيف مدح الله  مريم بحصول هذا الرزق عندها؟

وكيف يستبعد هذا القدر ممن أخبر الله  بأنه اصطفاها على نساء العالمين وقال: ﴿ وجعلناها وابنها آية للعالمين ﴾ ؟} [الأنبياء: 91].

القصة الثانية: واقعة زكريا  وذلك قوله  ﴿ هنالك ﴾ أي في ذلك المكان الذي كانا فيه في المحراب، أو في ذلك الوقت ذلك الوقت الذي شاهد تلك الكرامات فقد يستعار "هنا" و "ثمة" و "حيث" للزمان ﴿ دعا زكريا ربه ﴾ وهذا يقتضي أن يكون قد عرف في ذلك الزمان أو المكان أمراً له تعلق بهذا الدعاء، فالجمهور من العلماء المحققين على أن زكريا رأى عند مريم من فاكهة الصيف في الشتاء وبالعكس وأن ذلك خارق للعادة، فطمع / هو أيضاً في أمر خارق هو حصول الولد من شيخ كبير ومن امرأة عاقر.

وهذا لا يقتضي أن يكون زكريا قبل ذلك شاكاً في قدرة الله  غير مجوّز وقوع الخوارق، فإن من حسن الأدب رعاية الوقت الأنسب في الطلب.

وأما المعتزلة فحين أنكروا كرامات الأولياء وإرهاص الأنبياء قالوا: إن زكريا لما رأى آثار الصلاح والعفاف والتقوى مجتمعة في حق مريم تمنى أن يكون له ولد مثلها.

قال المتكلمون: إن دعاء النبي  لا يكون إلا بعد الإذن لاحتمال أن لا تكون الإجابة مصلحة فحينئذٍ تصير دعوته مردودة وذلك نقص في منصبه.

وقول إن دعاء النبي  لا يكون بمجرد التشهي فلا حاجة له في كل دعاء إلى إذن مخصوص، بل يكفي له الإذن في الدعاء على الاطلاق والغالب في دعوته الإجابة، ثم إن وقع الأمر بالندرة على خلاف دعوته فذلك بالحقيقة مطلوبه لأنه يريد الأصلح، ويضمر في دعائه أنه لو لم يكن أصلح لم يبعثه الله عليه ويصرفه عنه.

ومعنى قوله: ﴿ من لدنك ﴾ أن حصول الولد في العرف والعادة له أسباب مخصوصة وكانت مفقودة في حقه.

فكأنه قال: أريد منك يا رب أن تعزل الأسباب في هذه الواقعة وتخلق هذا الولد بمحض قدرتك من غير توسيط الأسباب.

والذرية النسل يقع على الواحد والجمع والذكر والأنثى والمراد ههنا ولد واحد كما قال: ﴿ فهب لي من لدنك ولياً  ﴾ قال الفراء: وأنث الطيبة لتأنيث لفظ الذرية في الظاهر.

فالتذكير والتأنيث تارة يجيء على اللفظ وأخرى على المعنى، وهذا في أسماء الأجناس بخلاف الأسماء الأعلام فإنه لا يجوز أن يقال: جاءت طلحة، لأن اسم العلم لا يفيد إلا ذلك الشخص، فإذا كان مذكراً لم يجز فيه إلا التذكير.

﴿ إنك سميع الدعاء ﴾ يعني سماع إجابة.

وذلك لما عهد من الإجابة في غير هذه الواقعة كما قال في سورة مريم ﴿ ولم أكن بدعائك رب شقياً  ﴾ .

﴿ فنادته الملائكة ﴾ ظاهر اللفظ للجمع وهذا في باب التشريف أعظم.

ثم ما روي أن المنادي كان جبريل فالوجه فيه أنه كقولهم "فلان يركب الخيل ويأكل الأطعمة النفيسة" أي يركب من هذا الجنس ويأكل منه.

أو لأن جبريل كان رئيس الملائكة وقلما يبعث إلا ومعه آخرون.

﴿ يبشرك بيحيى ﴾ يحتمل أن يكون زكريا قد عرف أنه سيكون في الأنبياء رجل اسمه يحيى وله درجة عالية.

فإذا قيل له: إن ذلك النبي المسمى بيحيى هو ولدك كان بشارة له، ويحتمل أن يكون المعنى يبشرك بولد اسمه يحيى كما يجيء في سورة مريم ﴿ إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى  ﴾ وإنه اسم أعجمي كموسى وعيسى، ومن جوز أن يكون عربياً فمنع صرفه للعلمية ووزن الفعل كيعمر.

ثم إنه  وصف يحيى بصفات منها: قوله ﴿ مصدقاً بكلمة من الله ﴾ وهو نصب على الحال لأنه نكرة و"يحيى" معرفة.

قال أبو عبيدة: أي مؤمناً بكتاب الله.

وسمي الكتاب / كلمة كما قيل: "كلمة الحويدرة" لقصيدته.

والجمهور على أن المراد بكلمة من الله هو عيسى.

قال السدي: لقيت أم يحيى أم عيسى وهما حاملان بهما.

فقالت: يا مريم أشعرت أني حبلى؟

فقالت مريم: وأنا أيضاً حبلى.

قالت امرأة زكريا: فإني وجدت ما في بطني يسجد لما في بطنك فذاك قوله: ﴿ مصدقاً بكلمة من الله ﴾ وقال ابن عباس: إن يحيى أكبر سناً من عيسى بستة أشهر، وكان يحيى أول من آمن به وصدّق بأنه كلمة الله وروحه، ثم قتل يحيى قبل رفع عيسى.

وسمي عيسى كلمة الله لأنه لم يوجد إلا بكلمة الله وهي "كن" من غير واسطة أب وزرع كما يسمى المخلوق خلقاً والمرجو رجاء، أو لكونه متكلماً في أوان الطفولية، أو لأنه منشأ الحقائق والأسرار كالكلمة، ولهذا سمي روحاً أيضاً لأنه سبب حياة الأرواح.

وقد يقال للسلطان العادل ظل الله ونور الله لأنه سبب ظهور ظل العدل ونور الإحسان، أو لأنه وردت البشارة به في كلمات الأنبياء وكتبهم كما لو أخبرت عن حدوث أمر، ثم إذا حدث قلت قد جاء قولي أو كلامي أي ما كنت أقول أو أتكلم به.

ومنها قوله: ﴿ وسيداً ﴾ والسيد الذي يفوق قومه في الشرف.

وكان يحيى فائقاً لقومه بل للناس كلهم في الخصال الحميدة.

وقال ابن عباس: السيد الحليم.

وقال ابن المسيب: الفقيه العالم.

وقال عكرمة: الذي لا يغلبه الغضب.

ومنها قوله: ﴿ وحصوراً ﴾ قيل: أي محصوراً عن النساء لضعف في الآلة، وزيف بأنه من صفات النقص فلا يليق في معرض المدح.

والمحققون على أنه فعول بمعنى فاعل وهو الذي لا يأتي النسوان لا للعجز بل للعفة والزهد وحبس النفس عنهن، وفيه دليل على أن ترك النكاح كان أفضل من تلك الشريعة، فلولا أن الأمر بالنكاح والحث عليه وارد في شرعنا كان الأصل بقاء الأمر على ما كان.

ومنها قوله: ﴿ ونبياً ﴾ واعلم أن السيادة لا تتم إلا بالقدرة على ضبط مصالح الخلق فيما يرجع إلى الدين والدنيا.

والحصور إشارة إلى الزهد التام وهو منع النفس عما لا يعنيه.

روي أنه مر وهو طفل بصبيان يلعبون فدعوه إلى اللعب فقال: ما للعب خلقت.

فقوله: ﴿ ونبياً ﴾ أشار به إلى ما عدا مجموع الأمرين فإنه ليس بعدهما إلا النبوة.

ثم قال: ﴿ ومن الصالحين ﴾ أي من أولادهم لأنه كان من أصلاب الأنبياء أو كائناً من جملة الصالحين كقوله: ﴿ وإنه في الآخرة لمن الصالحين  ﴾ أو لأن صلاحه كان أتم بدليل قوله  : " "ما من نبي إلا وقد عصى أو هم بمعصية غير يحيى بن زكريا فإنه لم يعص ولم يهم " وفيه أن الختم على الصلاح هو الغرض الأعظم والغاية القصوى وإن كان نبياً، ولهذا قال سليمان بعد حصول النبوة ﴿ وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين  ﴾ وقال يوسف: ﴿ توفني مسلماً وألحقني بالصالحين  ﴾ .

ثم إن الملائكة لما نادوه بما نادوه قال زكريا / مخاطباً لله  ومناجياً إياه ﴿ رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر ﴾ أدركتني السنون العالية وأثر فيّ طول العمر وأضعفني.

قال أهل اللغة: كل شيء صادفته وبلغته فقد صادفك وبلغك وذلك إذا أمكن تصور الطلب من الجانبين.

فيجوز بلغت الكبر وبلغني الكبر لأن الكبر كالشيء الطالب للإنسان فهو يأتيه بحدوثه فيه.

والإنسان أيضاً يأتيه بمرور العمر عليه.

ولا يجوز بلغني البلد في موضع بلغت البلد لأن البلد ليس كالطالب للإنسان الذاهب.

﴿ وامرأتي عاقر ﴾ هي من الصفات الخاصة بالنساء.

ويقال: رمل عاقر لا ينبت شيئاً.

فإن قيل: لما كان زكريا هو الذي سأل الولد ثم أجابه الله  إلى ذلك فما وجه تعجبه واستبعاده بقوله: ﴿ أنى يكون ﴾ من أين يحصل لي غلام؟

فالجواب على ما في الكشاف أن الاستبعاد إنما جاء من حيث العادة.

وقيل: إنه دهش من شدة الفرح فسبق لسانه.

ونقل عن سفيان بن عيينة أن دعاءه كان قبل البشارة بستين سنة، فكان قد نسي ذلك السؤال وقت البشارة، فلما سمع البشارة في زمان الشيخوخة استغرب وكان له يؤمئذٍ مائة وعشرون سنة أو تسع وتسعون ولامرأته ثمان وتسعون، وعن السدي أن الشيطان جاءه عند سماع البشارة قال: إن هذا النداء من الشيطان وقد سخر منك فاشتبه عليه الأمر ولا سيما أنه كان من مصالح الدنيا ولم يتأكد بالمعجزة فرجع إلى إزالة ذلك الخاطر فسأل ما سأل.

والجواب المعتمد أن زكريا لم يسأل عما سأل استبعاداً وتشككاً في قدرة الله  ، وإنما أراد تعيين الجهة التي بها يحصل الولد، فإن الجهة المعتادة كانت متعذرة عادة لكبره وعقارتها فأجيب بقوله: ﴿ كذلك الله يفعل ما يشاء ﴾ وهو إما جملة واحدة أي الله يفعل ما يشاء من الأفعال العجيبة مثل ذلك الفعل وهو خلق الولد بين الشيخ الفاني والعجوز العاقر، أو جملتان فيكون ﴿ كذلك الله ﴾ مبتدأ وخبراً أي على نحو هذه الصفة الله و ﴿ يفعل ما يشاء ﴾ بياناً له أي يفعل ما يريد من الأفاعيل الخارقة للعادات.

ثم إنه  لفرط سروره وثقته بكرم ربه وإنعامه سأل عن تعيين الوقت فقال: ﴿ رب اجعل لي آية ﴾ علامة أعرف بها العلوق فإن ذلك لا يظهر من أوّل الأمر فقال  : ﴿ آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام ﴾ أي بلياليها ولهذا ذكر في سورة مريم ﴿ ثلاث ليال  ﴾ ومعنى قوله: ﴿ ألا تكلم الناس ﴾ قال المفسرون: أي لا تقدر على التكلم.

حبس لسانه عن أمور الدنيا وأقدره على الذكر والتسبيح ليكون في تلك المدة مشتغلاً بذكر الله وبالطاعة وبالشكر على تلك النعمة الجسمية، فيصير الشيء الواحد علامة على المقصود وأداء لشكر النعمة فيكون جامعاً للمقاصد.

وفي هذه الآية إعجاز من وجوه منها: القدر على التكلم بالتسبيح والذكر مع العجز عن التكلم بكلام البشر.

ومنها العجز مع سلامة البنية واعتدال المزاج.

ومنها الإخبار بأنه متى حصلت هذه / الحالة فقد حصل الولد.

ثم إن الأمر وقع على وفق هذا الخبر.

وعن قتادة أنه  عوتب بذلك حيث سأل بعد بشارة الملائكة فأخذ لسانه وصبر بحيث لا يقدر على الكلام.

قلت: وأحسن العتاب ما كانت منتزعاً من نفس الواقعة ومناسباً لها.

وفيه لطيفة أخرى وهي أنه طلب الآية على الإطلاق فاحتمل أن يكون قد طلب علامة للعلوق، واحتمل أن يكون قد طلب دلالة على إحداث الخوارق ليصير علم اليقين عين اليقين، فصار حبس لسانه آية العلوق ودلالة على الفعل الخارق جميعاً مع مناسبته للواقعة حيث سأل ما كان من حقه أن لا يسأل.

وزعم أبو مسلم أن المعنى: آيتك أن تصير مأموراً بعدم التكلم ولكن بالاشتغال بالذكر والتسبيح ﴿ إلا رمزاً ﴾ إشارة بيد أو رأس أو بالشفتين ونحوها.

وأصل التركيب للتحرك يقال: ارتمز إذا تحرك ومنه الراموز للبحر، وهو استثناء من قوله: ﴿ ألا تكلم ﴾ وجاز وإن لم يكن الرمز من جنس الكلام لأن مؤدّاه مؤدى الكلام، ويجوز أن يكون استثناء منقطعاً.

وقيل: الرمز الكلام الخفي.

وعلى هذا فالاستثناء متصل من غير تكلف.

وقرأ يحيى بن وثاب ﴿ إلا رمزاً ﴾ بضمتين جميع رموز كرسول ورسل وقرىء ﴿ رمزاً ﴾ بفتحتين جمع رامز كخادم وخدم وهو حال منه ومن الناس دفعة بمعنى إلا مترامزين كما يكلم الناس الأخرس بالإشارة ويكلمهم ﴿ واذكر ربك كثيراً ﴾ قيل: إنه لم يكن عاجزاً إلا عن تكليم البشر.

وقيل: المراد الذكر بالقلب وإنه كان عاجزاً عن التكلم مطلقاً ﴿ وسبح ﴾ حمله بعضهم على صلّ كيلا يكون تكراراً للذكر.

وقد تسمى الصلاة تسبيحاً ﴿ فسبحان الله حين تمسون  ﴾ لاشتمالها عليه.

والعشيّ مصدر على "فعيل" وهو من وقت زوال الشمس إلى غروبها.

والإبكار من طلوع الفجر إلى الضحى وهو مصدر أبكر يبكر إذا خرج للأمر من أول النهار، ومنه الباكورة لأول الثمار.

وقرىء بفتح الهمزة جمع بكر كسحر وأسحار.

التأويل: إن لله  في كل ذرة من ذرات الموجودات وحركة من حركاتها أسراراً لا يعلمها إلا الله.

فانظر ماذا أخرج الله من الأسرار عن إطعام طائر فرخه، وماذا أظهر من الآيات والمعجزات من تلك الساعة إلى يوم القيامة بواسطة مريم وعيسى ﴿ فتقبل مني ﴾ راجع إلى المحرر لا إلى التحرير أي تقبلها مني أن تتكفلها وتربيها تربية المحررين ﴿ فتقبلها ربها ﴾ أي تقبلها ربها أن يربيها ﴿ بقبول حسن ﴾ كقبول ذكر أو قبولاً أخرج منها مثل عيسى ﴿ وكفلها زكريا ﴾ من كمال رأفته أنه جعل كفالتها إلى زكريا حيث أراد أن يخرج عيسى منها بلا أب لئلا يدخل عليها غيره فتكون أبعد من التهمة.

﴿ وجد عندها رزقاً ﴾ أي من فتوحات الغيب الذي يطعم الله به خواص عباده الذين يبيتون عنده لا عند أنفسهم ولا عند الخلق / كقوله  : " أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني " ﴿ إن الله يرزق من يشاء بغير حساب ﴾ ما لم يكن في حسابها من الولد بلا أب، ومن الفاكهة بلا شجرة، ومن المعجزات بلا نبوة، ومن العلوم اللدنية بلا واسطة ﴿ هنالك دعا زكريا ربه ﴾ كما أنه  جعل إطعام الطائر فرخه سبب تحريك قلب حنة لطلب الولد، فكذلك جعل حالة مريم وما كان يأتيها من الرزق خارقاً للعادة سبب تحريك قلب زكريا ﴿ قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة ﴾ أي ولداً يكون روحه من الصف الأول من صفوف الأرواح المجندة، وهو المطهر من لوث الحجاب والوسط الصالح للنبوة والولاية بخلاف الصف الثاني الذي هو لأرواح الأولياء وبينه وبين الله تعالى حجاب الصف الأول، وبخلاف الصف الثالث الذي هو لأرواح المؤمنين، وبخلاف الصف الرابع الذي هو لأرواح المنافقين والمشركين ﴿ فنادته الملائكة وهو قائم ﴾ بالله ﴿ يصلي ﴾ بسائر سره في الملكوت يحارب نفسه وهواه ﴿ في المحراب إن الله يبشرك بغلام اسمه يحيى ﴾ لأنه منذ خلق ما ابتلى بالموت لا بموت القلب بالمعاصي ولا بموت الصورة لأنه استشهد والشهداء لا يموتون بل أحياء عند ربهم يرزقون.

﴿ مصدقاً بكلمة من الله ﴾ وهي قوله: ﴿ يا يحيى خذ الكتاب بقوة  ﴾ ﴿ وسيداً ﴾ أي حراً من رق الكونين بل سيداً لرقيقي الكونين ﴿ وحصوراً ﴾ نفسه عن التعليق بالكونين ﴿ ونبياً من الصالحين ﴾ من أهل الصف الأول ﴿ رب أنى يكون لي غلام ﴾ لم يكن استبعاده من قبل القدرة الإلهية ولكن من جهة استحقاقه لهذه الكرامة ﴿ آيتك ألا تكلم الناس ﴾ لغلبات الصفات الروحانية عليك واستيلاء سلطان الحقيقة على قلبك، فإن النفس الناطقة تكون مغلوبة في تلك الحالة بشواهد الحق في الغيب، فلا تفرغ لإجراء عادتها في الشهادة بالكلام ﴿ إلا رمزاً ﴾ ولهذا يقوى الروح الحيواني وتستمد منه القوة البشرية فيحيى الله  به الشهوة الميتة فسمى ما تولد من الشهوة الميتة التي أحياها الله يحيى.

ولاستمرار هذه الحالة في الأيام الثلاثة أمر بالمراقبة ليلاً ونهاراً وعشياً وإبكاراً حسبي الله.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ ءَادَمَ ﴾ : اختلف فيه؛ قيل: ﴿ ٱصْطَفَىٰ ءَادَمَ وَنُوحاً ﴾ ومن ذكر لرسالته ولنبوته.

وقيل: اختارهم لدينه، وهو الإسلام.

وقيل: اختارهم في النية والعمل الصالح والإخلاص لله.

قال الشيخ - رحمه الله -: الاصطفاء: أن يجعلهم أصفياء من غير تكدر بالدنيا، وغيرهم اختيارهم لأمرين: لأمر الآخرة، ولأمر المعاش؛ ألا ترى إلى قوله: "إِنَّا مَعَاشِرَ الأَنْبِيَاءِ لاَ نُورَثُ؛ نَمُوتُ مَوْتَ العَبْدِ لِسَيِّدِه" وقال الشيخ [رحمه الله] أيضاً في قوله: إن الله اصطفى من ذكر: فهو - والله أعلم - ذكر الله أولياءه وأهل صفوته، ثم أعداءه وأهل الشقاء؛ ترغيباً فيما استوجبوا الصفوة؛ وتحذيراً عما به صاروا أهل الشقاء؛ إذ هما أمران يتولّدان عن اختيار البشر، ويقومان بأسبابهما أهل المحن، لا بنفس الخلقة والجوهر؛ فصار الذكر للمعنى الذي ذكرت؛ وعلى [ذلك وجه ذكر] عواقب الفريقين في الدنيا، وما إليه يصير أمرهم في المعاد؛ وعلى هذا ما ضرب الله من الأمثال بأنواع الجواهر الطيبة والخبيثة في العقول والطبائع ترغيباً وترهيباً؛ وعلى هذا جميع أمور الدنيا، أنها كلها عبر ومواعظ، وإن كان فيها شهوات ولذات، وآلام وأوجاع؛ ليعلم أنها خلقت لا لها لكن لأمر عظيم، كان ذلك هو المقصود من مدبر العلم [أن] بالعواقب يذم أهل الاختبار ويحمدون؛ فجعل الله عواقب الحكماء وأهل الإحسان حميدة لذيذة؛ ترغيباً فيها، وعواقب السفهاء وأهل الإساءة دميمة وجيفة؛ تزهيداً فيها؛ فخرج جميع فعل الله على الحكمة والإحسان، وإن كانت مختلفة في اللذة والكراهة؛ لأنه كذلك طريق الحكمة في الجزاء، وفي ابتداء المحنة، إلا أن المحنة تكون مختلفة، والجزاء نوع لما هو كذلك في الحكمة والإحسان؛ إذ كذلك سبق من أهله الاختيار والجزاء على ما اختاره من له وعليه حكمه وإحسان؛ أعني: بالإحسان فيما يجوز الامتحان بلا جزاء بحق الشكر لما أولى وأبلى، والحكمة فيما كان لازماً ذلك في التدبير، ولا قوة إلا بالله.

وقوله: ﴿ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ ﴾ : قيل: بعضها من بعض في النسب من ذرية آدم، ثم من ذرية نوح، ثم من ذرية إبراهيم، عليهم السلام.

وقيل: بعضهم من ذرية بعض.

وقيل: بعضهم من جوهر بعض؛ فلا تتكبروا؛ كقوله: ﴿ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَٰنِكُمْ بَعْضُكُمْ مِّن بَعْضٍ  ﴾ منع الحرّ عن التعظيم على العبد.

واختلف في الذرية: قال بعضهم: "الذرية": الأولاد والآباء؛ كقوله: ﴿ ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ  ﴾ ، وكانوا الأولاد والآباء، والذريّة مأخوذة، وهو الخلقة.

وقيل: "الذرية": الأولاد خاصّة، يقال: ذرية فلان، إنما يراد، أولاده خاصّة؛ دليله قوله: ﴿ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً  ﴾ .

وقوله: ﴿ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ﴾ .

واختلف في الآل؛ قيل: آل الرجل: المتصلون به.

وقيل: آل الرجل: أتباعه.

وقيل: أقرباؤه.

وروى [أن النبي]  قال: "كُلُّ تَقِيٍّ فَهُوَ مِنْ آلِي".

وقيل: إن عمران من ولد سليمان بن داود.

وقوله: ﴿ إِذْ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً ﴾ .

لما أخبر - عز وجل - أنه اصطفى آل عمران واختارهم على سائر العالمين، وكان أقل ما في صفوته واختياره أن جعلت امرأة عمران ما في بطنها محرّراً.

"والمحرّر": هو العتيق عن المعاش بالعبادة.

وقيل: "المحرّر" هو الذي يعبد الله -  - خالصاً مطيعاً، لا يشغله شيء عن عبادته، فارغاً لذلك، وهو قول ابن عباس -  .

وقيل: "المحرر" هو الذي يكون لله صافياً؟

وقيل: "المحرر" هو مَنْ خَدَمَ المسجد.

وقوله: ﴿ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً ﴾ .

جعلت ما في بطنها لله خالصاً، لم تطلب منه الاستئناس به، ولا ما يطمع الناس من أولادهم، وذلك من الصفوة التي ذكر - عز وجل - وهكذا الواجب على كل أحد أنه إذا طلب ولداً أن يطلب للوجه الذي طلبت امرأة عمران وزكريّا، حيث، قال: ﴿ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً  ﴾ ، وما سأل إبراهيم -  -: ﴿ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ ٱلصَّالِحِينَ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا...

﴾ الآية [الفرقان: 74] هكذا الواجب أن يطلب الولد لا ما يطلبون من الاستئناس والاستنصار والاستعانة بأمر المعاش بهم.

وقوله: ﴿ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ﴾ .

أي: تقبل مني قرباني، ومنا جعلت لك خالصاً، إنك أنت السميع لنذري، العليم بقصدي في التحرير.

وقيل: ﴿ ٱلسَّمِيعُ ﴾ : المجيب لدعائي، ﴿ ٱلْعَلِيمُ ﴾ بنيتي.

وقوله: ﴿ فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَىٰ ﴾ .

ومعنى قولها: ﴿ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَىٰ ﴾ - مع علمها أن الله عالم بما في بطنها وبما وضعتها - وجهان: أحدهما: اعتذاراً لما لم يكن يُحَرَّر في ذلك الزمان إلى الذكور من الأولاد؛ فاعتذرت: إني ما وضعت لا يصلح للوجه الذي جعلت.

والثاني: أن الإنسان إذا رأى شيئاً عجيبا قد ينطق بذلك، وإن كان يعلم أن غيره علم ما علم هو، وأنه رأى مثل ما رأى هو.

أو يحتمل أن طلبت ردّها إلى منافعها إذا وضعت الأنثى؛ لما رأت الأنثى لا تصلح لذلك.

ويحتمل قولها: ﴿ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَىٰ ﴾ : التعريض لإجابة الله -  - لها فيما قصدت من طاعته بالنذور إن لم تكن صلحت لما قصدت، وقد أجيبت في ذلك بقوله: ﴿ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ ﴾ نحو ما يتقبل لو كان ذكراً في الاختيار والإكرام، وجعلها خير نساء العالمين.

وقوله: ﴿ وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلأُنْثَىٰ ﴾ .

اختلف فيه: إن ذلك قولها، قالت: ﴿ وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلأُنْثَىٰ ﴾ على إثر قولها: ﴿ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَىٰ ﴾ ؛ لما تحتاج الأنثى إلى فضل حفظ وتعاهد، والقيام بأسبابها ما لا يحتاج الذكر.

وقيل: إن ذلك قول قاله - عز وجل - لما قالت: ﴿ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَىٰ ﴾ ، جواباً لها، ﴿ وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلأُنْثَىٰ ﴾ فيما قصدت، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ ﴾ .

فيه دليل [على] أن تسمية الأولاد إلى الأمهات في الإناث دون الآباء، ثم التجأت إلى الله  ، حيث أعاذتها به - وذرّيتَها - من الشيطان الرجيم.

وفيه دلالة أن الذكور يكونون من ذرّية الإناث؛ لأنه لم يكن منها إلا عيسى،  .

وقوله: ﴿ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ ﴾ : أن أعاذها وذرّيتها من الشيطان الرجيم على ما سألت.

ويحتمل أن جعلها تصلح للتحرير ولما جعلت، وإن كانت أنثى.

وقوله: ﴿ وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً ﴾ .

يحتمل - أيضاً - نباتاً حسناً؛ أن لم يجعل للشيطان إليها سبيلاً.

ويحتمل أن ربّاها تربية حسنة؛ أن لم يجعل رزقها وكفايتها بيد أحد من الخلق؛ بل هو الذي يتولى ذلك لما يبعث إليها من ألوان الرزق، كقوله: ﴿ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَهُزِّىۤ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ﴾ .

فيه لغتان: إحداهما: بالتخفيف، والأخرى: بالتشديد؛ فمن قرأ بالتخفيف؛ فمعناه ضمّها زكريّا إلى نفسه، ومن قرأ بالتشديد؛ فمعناه: أن الله - عز وجل - ضمّها إلى زكريا.

وقوله: ﴿ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً ﴾ .

قيل: وجد عندنا فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف - قال زكريا: ﴿ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا ﴾ .

قيل: فيه بوجهين: قيل: استخبار عن موضعه، أو كيف لك هذا، على الاستيصاف؛ إنكاراً عليها واتهاماً؛ لما لا يدخل عليها غيره، ولا يقوم بكفايتها سواه، فوقع في قلبه أن أحداً من البشر يأتيها بذلك.

وقيل: إنه قال ذلك؛ تعجباً منه لذلك لما رأى من الفاكهة والطعام في غير حينه غير متغير؛ فقال: ﴿ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا ﴾ ؛ تعجباً منه لذلك.

ثم قالت: ﴿ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ .

أي: يرزق من حيث لا يحستب.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فلما تم حملُها وضعت ما في بطنها، وقالت معتذرة -وقد كانت ترجو أن يكون الحمل ذكرًا-: يا رب إني ولدتها أنثى، والله أعلم بما ولدت، وليس الذكر الذي كانت ترجوه كالأنثى التي وُهِبت لها في القوة والخِلْقَة.

وإني سمَّيتها مريم، وإني حَصَّنتها بك هي وذريتها من الشيطان المطرود من رحمتك.

<div class="verse-tafsir" id="91.J9Emb"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

﴿ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ  ﴾ : يقال إن لفظ الذرية قد يطلق على الوالدين والأولاد خلافًا لعرف الفقهاء، وهو قليل، والمشهور ما جرى عليه الفقهاء وهو أن الذرية الأولاد فقط فقوله ﴿ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ  ﴾ ظاهر على الأول.

ويخص على الثاني بآل إبراهيم وآل عمران.

ويصح أن يكون بمعنى إنهم أشباه وأمثال في الخيرية والفضيلة التي هي أصل اصطفائهم على حد قوله تعالى: ﴿ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ  ﴾ وهو استعمال معروف.

ورد ذكر عمران في الآيات مرتين، فبعضهم يقول إنهما واحد وهو أبو مريم ويستدل على ذلك بورودهما في سياق واحد، وأكثرهم يقول إن الأول أبو موسى والثاني أبو مريم وبينهما نحو ألف وثمانمائة سنة تقريبًا، وتفصيل ذلك معروف عند اليهود.

والمسيحيون لا يعترفون بأن أبا مريم يدعى عمران، ولا ضير في ذلك، فإنه لا يلزم أن تكون كل حقيقة معروفة عندهم وليس لهم سند لنسب المسيح يحتج به فهو كسلسلة الطريق عند المتصوفة يزعمون أنها متصلة بعلي أو بالصديق وليس لهم في ذلك سند متصل يحتج بمثله.

﴿ وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ  ﴾ : في حديث أبي هريرة عند الشيخين وغيرهما واللفظ هنا لمسلم: "كل بني آدم يمسه الشيطان يوم ولدته أمه إلا مريم وابنها".

وإذا صح الحديث فهو من قبيل التمثيل لا من باب الحقيقة.

إن القرآن نزل سائغًا يسهل على كل أحد فهمه من غير حاجة إلى عناء ولا ذهاب في الدفاع عن شيء خلاف الظاهر فعلينا أن لا نخرج عنه سنّته ولا نضيف إليه حكايات إسرائيلية أو غير إسرائيلية لجعل هذه القصة من خوارق العادات، والبحث عن ذلك الرزق ما هو ومن أين جاء فضول لا يحتاج إليه لفهم المعنى ولا لمزيد العبرة، ولو علم الله أن في بيانه خيرًا لبينه.

أما ما سيقت القصة لأجله، وهو الذي يجب أن نبحث فيه، ونستخرج العبر من قوادمه وخوافيه، فهو تقرير نبوة النبي  ودحض شبه أهل الكتاب الذين احتكروا فضل الله وجعلوا خاصًا بشعب إسرائيل وشبهة المشركين الذين كانوا ينكرون نبوته لأنه بشر.

وبيان ذلك أن المقصد الأول من مقاصد الوحي هو تقرير عقيدة الألوهية وأهم مسائلها مسألة الوحدانية وتقرير عقيدة البعث والجزاء وعقيدة الوحي والأنبياء وقد افتتحت السورة بذكر التوحيد وإنزال الكتاب ثم كانت الآيات من أولها إلى هذه القصة أو قبيل هذه القصة في الألوهية والجزاء بعد البعث بالتفصيل وإزالة الشبهات والأوهام في ذلك، ثم بيّن أن الإيمان بالله وادعاء حبه ورجاء النجاة في الآخرة والفوز بالسعادة فيها إنما تكون باتباع رسوله وقفى على ذلك بهذه القصة التي تزيل شبه المشركين وأهل الكتاب في رسالته وتردها على وجودهم.

رد عليهم بما يعرفونه من أن أبو البشر، وأن الله اصطفاه بجعله أفضل من كل أنواع الحيوان، وتمكينه هو وذريته من تسخيرها، وهذا متفق عليه بين المشركين وأهل الكتاب، ومن اصطفاء نوح وجعله أبا البشر الثاني وجعل ذريته هم الباقين، ومن اصطفاء إبراهيم وآله على البشر فإن العرب وأهل الكتاب كانوا يعرفون ذلك، فالأولون يفخرون بأنهم ولد إسماعيل وعلى ملة إبراهيم كما يفخر الآخرون باصطفاء آل عمران من بني إسرائيل حفيد إبراهيم.

فالله  يرشد هؤلاء وأولئك وجميع البشر إلى أنه هو الذي اصطفى هؤلاء بغير مزية سبقت منهم ذلك وتوجبه عليه، فإذا كان الأمر له في اصطفاء من يشاء من عباده وبذلك اصطفى هؤلاء على عالمي زمانهم فما المانع له من اصطفاء محمد  بعد ذلك على العالمين كما اصطفى أولئك؟

لا مانع يمنع ذلك عند من يعقل.

فإن قيل: إنه لم يعهد أن بعث نبيًا من غير بني إسرائيل بعد وجودهم، قلنا: ولم اصطفى بني إسرائيل عند وجودهم؟

أليس ذلك بمحض مشيئته؟

بلى، وبمحض مشيئته اصطفى محمدًا  .

فهذه المثل مسوقة لبيان أنه تعالى يصطفي من خلقه من يشاء، أما الدليل على كونه شاء اصطفاءه فاصطفاه بالفعل فهو أنه اصطفاه بالفعل إذ جعله هاديًا للناس مخرجًا لهم من ظلمات الشرك والجهل والفساد إلى نور الحق الجامع للتوحيد والعلم والصلاح، ولم يكن أثر غيره من آل إبراهيم وآل عمران في الهداية بأظهر من أثره.

بل أثره أظهر، ونوره أسطع، صلى الله عليه وعلى كل عبد مصطفى.

وهذا بيان لوجه اتصال القصة بما قبلها من أول السورة.

ومن هذه المثل قصة مريم فإن أمها إذا كانت قد ولدتها وهي عاقر على خلاف المعهود كما نقل، أو يقال إذا كان قبول الأنثى محررة لخدمة بيت الله على خلاف المعهود عندهم وقد تقبله الله فلماذا لا يجوز أن يرسل الله محمدًا من غير بني إسرائيل على خلاف المعهود عندهم؟

ومثل هذا يقال في قصة زكريا  الآتية ومن ذلك كله يعلم أن أعماله لا تأتي دائمًا على ما يعهد الناس ويألفون.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله