زاد المسير سورة الطلاق

الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > تفسير سورة الطلاق

تفسيرُ سورةِ الطلاق كاملةً من زاد المسير (ابن الجوزي) (جمال الدين ابن الجوزي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 22 دقيقة قراءة

تفسير سورة الطلاق كاملةً (جمال الدين ابن الجوزي)

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا۟ ٱلْعِدَّةَ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ رَبَّكُمْ ۖ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنۢ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّآ أَن يَأْتِينَ بِفَـٰحِشَةٍۢ مُّبَيِّنَةٍۢ ۚ وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُۥ ۚ لَا تَدْرِى لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًۭا ١

سُورَةُ الطَّلاقِ وَتُسَمّى سُورَةَ النِّساءِ القُصْرى، وهي مَدَنِيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هَذا خِطابٌ لِلنَّبِيِّ  .

والمُؤْمِنُونَ داخِلُونَ مَعَهُ فِيهِ.

ومَعْناهُ: إذا أرَدْتُمْ طَلاقَ النِّساءِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ  ﴾ وفي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ حِينَ «طَلَّقَ رَسُولُ اللَّهِ  حَفْصَةَ، وقِيلَ لَهُ: راجِعْها، فَإنَّها صَوّامَةٌ قَوّامَةٌ، وهي مِن إحْدى زَوْجاتِكَ في الجَنَّةِ،» قالَهُ أنَسُ بْنُ مالِكٍ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وذَلِكَ «أنَّهُ طَلَّقَ امْرَأتَهُ حائِضًا، فَأمَرَهُ النَّبِيُّ  أنْ يُراجِعَها، ثُمَّ يُمْسِكُها حَتّى تَطْهُرَ،» قالَهُ السُّدِّيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ لِعِدَّتِهِنَّ ﴾ أيْ: لِزَمانِ عِدَّتِهِنَّ، وهو الطُّهْرُ.

وهَذا لِلْمَدْخُولِ بِها، لِأنَّ غَيْرَ المَدْخُولِ بِها لا عِدَّةَ عَلَيْها.

والطَّلاقُ عَلى ضَرْبَيْنِ: سُنِّيٌّ، وبِدْعِيٌّ.

فالسُّنِّيُّ: أنْ يُطَلِّقَها في طُهْرٍ لَمْ يُجامِعْها فِيهِ، وذَلِكَ هو الطَّلاقُ لِلْعِدَّةِ، لِأنَّها تَعْتَدُّ بِذَلِكَ الطُّهْرِ مِن عِدَّةٍ وتَقَعُ في العِدَّةِ عُقَيْبَ الطَّلاقِ، فَلا يَطُولُ عَلَيْها زَمانُ العِدَّةِ.

والطَّلاقُ البِدْعِيُّ: أنْ يَقَعَ في حالِ الحَيْضِ، أوْ في طُهْرٍ قَدْ جامَعَها فِيهِ، فَهو واقِعٌ، وصاحِبُهُ آثِمٌ.

وإنْ جَمَعَ الطَّلاقَ الثَّلاثَ في طُهْرٍ واحِدٍ، فالمَنصُورُ مِن مَذْهَبِنا أنَّهُ بِدْعَةٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأحْصُوا العِدَّةَ ﴾ أيْ: زَمانَ العِدَّةِ.

وفي إحْصائِها فَوائِدُ.

مِنها: مُراعاةُ زَمانِ الرَّجْعَةِ، وأوانِ النَّفَقَةِ، والسُّكْنى، وتَوْزِيعِ الطَّلاقِ عَلى الإقْرارِ إذا أرادَ أنْ يُطَلِّقَ ثَلاثًا، ولِيَعْلَمَ أنَّها قَدْ بانَتْ، فَيَتَزَوَّجَ بِأُخْتِها، وأرْبَعٍ سِواها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ ﴾ أيْ: فَلا تَعْصُوهُ فِيما أمَرَكم بِهِ.

و ﴿ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ ﴾ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ السُّكْنى.

ونَسَبِ البُيُوتِ إلَيْهِنَّ، لِسُكْناهُنَّ قَبْلَ الطَّلاقِ فِيهِنَّ، ولا يَجُوزُ لَها أنْ تَخْرُجَ في عِدَّتِها إلّا لِضَرُورَةِ ظاهِرَةٍ.

فَإنْ خَرَجَتْ أثِمَتْ ﴿ إلا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ ﴾ وفِيها أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: المَعْنى: إلّا أنْ يَخْرُجْنَ قَبْلَ انْقِضاءِ المُدَّةِ فَخُرُوجُهُنَّ هو الفاحِشَةُ المُبَيِّنَةُ، وهَذا قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، والسُّدِّيِّ، وابْنِ السّائِبِ.

والثّانِي: أنَّ الفاحِشَةَ: الزِّنا، رَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، والشَّعْبِيُّ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ.

فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: إلّا أنْ يَزْنِينَ فَيَخْرُجْنَ لِإقامَةِ الحَدِّ عَلَيْهِنَّ.

والثّالِثُ: الفاحِشَةُ: أنْ تَبْذُؤَ عَلى أهْلِها، فَيَحِلُّ لَهم إخْراجُها، رَواهُ مُحَمَّدُ ابْنُ إبْراهِيمَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنَّها إصابَةُ حَدٍّ، فَتَخْرُجُ لِإقامَةِ الحَدِّ عَلَيْها، قالَهُ سَعِيدُ ابْنُ المُسَيَّبِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي: ما ذَكَرَ مِنَ الأحْكامِ ﴿ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ ﴾ الَّتِي بَيَّنَها، وأمَرَ بِها ﴿ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ﴾ أيْ: أثِمَ فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى ﴿ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا ﴾ أيْ: يُوقِعُ في قَلْبِ الزَّوْجِ المَحَبَّةَ لَرَجَعْتِها بَعْدَ الطَّلْقَةِ والطَّلْقَتَيْنِ.

وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُسْتَحَبَّ في الطَّلاقِ تَفْرِيقُهُ، وأنْ لا يَجْمَعَ الثَّلاثَ.

<div class="verse-tafsir"

فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍۢ وَأَشْهِدُوا۟ ذَوَىْ عَدْلٍۢ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا۟ ٱلشَّهَـٰدَةَ لِلَّهِ ۚ ذَٰلِكُمْ يُوعَظُ بِهِۦ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ ۚ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُۥ مَخْرَجًۭا ٢ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُۥٓ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بَـٰلِغُ أَمْرِهِۦ ۚ قَدْ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَىْءٍۢ قَدْرًۭا ٣

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ ﴾ أيْ: قارَبْنَ انْقِضاءَ العِدَّةِ "فَأمْسَكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ" وهَذا مُبَيَّنٌ في [البَقَرَةِ: ٢٣١] "وَأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ" قالَ المُفَسِّرُونَ: أشْهِدُوا عَلى الطَّلاقِ، أوِ المُراجَعَةِ.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ: هَلِ الإشْهادُ عَلى المُراجَعَةِ واجِبٌ، أمْ مُسْتَحَبٌّ؟

وفِيهِ عَنْ أحْمَدَ رِوايَتانِ، وعَنِ الشّافِعِيِّ قَوْلانِ ثُمَّ قالَ لِلشُّهَداءِ: "وَأقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ" أيِ: اشْهَدُوا بِالحَقِّ، وأدُّوها عَلى الصِّحَّةِ، طَلَبًا لِمَرْضاةِ اللَّهِ، وقِيامًا بِوَصِيَّتِهِ.

وما بَعْدَهُ قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [البَقَرَةِ: ٢٣٢] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ﴾ فَذَكَرَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ أنَّها نَزَلَتْ في «عَوْفِ بْنِ مالِكٍ الأشْجَعِيِّ، أسَرَ العَدُوُّ ابْنًا لَهُ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ  ، وشَكا إلَيْهِ الفاقَةَ، فَقالَ: اتَّقِ اللَّهَ، واصْبِرْ، وأكْثِرْ مِن قَوْلِ: لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ، فَفَعَلَ الرَّجُلُ ذَلِكَ، فَغَفَلَ العَدُوُّ عَنِ ابْنِهِ، فَساقَ غَنَمَهُمْ، وجاءَ بِها إلى أبِيهِ، وهي أرْبَعَةُ آلافِ شاةٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.» وَفِي مَعْناها لِلْمُفَسِّرِينَ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يُنْجِهِ مِن كُلِّ كَرْبٍ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: بِأنَّ مَخْرَجَهُ: عِلْمُهُ بِأنَّ ما أصابَهُ مِن عَطاءٍ أوْ مَنعٍ، مِن قِبَلِ اللَّهِ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ.

والثّالِثُ: ومَن يَتَّقِ اللَّهَ، فَيُطَلِّقْ لِلسُّنَّةِ، ويُراجِعْ لِلسَّنَةِ، يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والرّابِعُ: ومَن يَتَّقِ اللَّهَ بِالصَّبْرِ عِنْدَ المُصِيبَةِ، يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا مِنَ النّارِ إلى الجَنَّةِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والخامِسُ: يَجْعَلُ لَهُ مَخْرَجًا مِنَ الحَرامِ إلى الحَلالِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والصَّحِيحُ أنَّ هَذا عامٌّ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَجْعَلُ لِلتَّقِيِّ مَخْرَجًا مِن كُلِّ ما يُضَيَّقُ عَلَيْهِ.

ومَن لا يَتَّقِي، يَقَعُ في كُلِّ شِدَّةٍ.

قالَ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ: يَجْعَلُ لَهُ مَخْرَجًا مِن كُلِّ ما يُضَيَّقُ عَلى النّاسِ "وَيَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ" أيْ: مِن حَيْثُ لا يَأْمُلُ، ولا يَرْجُو.

قالَ الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ: إذا اتَّقى اللَّهَ في طَلاقِهِ، وجَرى في ذَلِكَ عَلى السُّنَّةِ، رَزَقَهُ اللَّهُ أهْلًا بَدَلَ أهْلِهِ "وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ" أيْ: مَن وثِقَ بِهِ فِيما نابَهُ، كَفاهُ اللَّهُ ما أهَمَّهُ "إنَّ اللَّهَ بالِغٌ أمْرَهُ " ورَوى حَفْصٌ، والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ ﴿ بالِغُ أمْرِهِ ﴾ مُضافٌ.

والمَعْنى: يَقْضِي ما يُرِيدُ ﴿ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ﴾ أيْ: أجَلًا ومُنْتَهًى يَنْتَهِي إلَيْهِ، قَدَّرَ اللَّهُ ذَلِكَ كُلَّهُ فَلا يُقَدَّمُ ولا يُؤَخَّرُ.

قالَ مُقاتِلٌ: قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الشِّدَّةِ والرَّخاءِ قَدْرًا، فَقَدَّرَ مَتى يَكُونُ هَذا الغَنِيُّ فَقِيرًا، وهَذا الفَقِيرُ غَنِيًّا.

<div class="verse-tafsir"

وَٱلَّـٰٓـِٔى يَئِسْنَ مِنَ ٱلْمَحِيضِ مِن نِّسَآئِكُمْ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَـٰثَةُ أَشْهُرٍۢ وَٱلَّـٰٓـِٔى لَمْ يَحِضْنَ ۚ وَأُو۟لَـٰتُ ٱلْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ۚ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُۥ مِنْ أَمْرِهِۦ يُسْرًۭا ٤ ذَٰلِكَ أَمْرُ ٱللَّهِ أَنزَلَهُۥٓ إِلَيْكُمْ ۚ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّـَٔاتِهِۦ وَيُعْظِمْ لَهُۥٓ أَجْرًا ٥

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: «أنَّها لَمّا نَزَلَتْ عِدَّةُ المُطَلَّقَةِ، والمُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها في [البَقَرَةِ: ٢٢٧، ٢٣٢] قالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ نِساءً مِن أهْلِ المَدِينَةِ يَقُلْنَ: قَدْ بَقِيَ مِنَ النِّساءِ ما لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ شَيْءٌ.

قالَ: "وَما هُوَ؟" قالَ: الصِّغارُ والكِبارُ، وذَواتُ الحَمْلِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» قالَهُ عَمْرُو بْنُ سالِمٍ.

والثّانِي: أنَّهُ «لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ.

.

.

﴾ الآيَةُ [البَقَرَةِ: ٢٢٨] قالَ خَلّادُ بْنُ النُّعْمانِ الأنْصارِيُّ: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَما عِدَّةُ الَّتِي لا تَحِيضُ، وعِدَّةُ الَّتِي لَمْ تَحِضْ، وعِدَّةُ الحُبْلى؟

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» قالَهُ مُقاتِلٌ.

ومَعْنى الآيَةِ: "إنِ ارْتَبْتُمْ" أيْ: شَكَكْتُمْ فَلَمْ تَدْرُوا ما عِدَّتُهُنَّ "فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ واللّائِي لَمْ يَحِضْنَ" كَذَلِكَ.

* فَصْلٌ قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: والمُرادُ بِالِارْتِيابِ ها هُنا: ارْتِيابُ المُخاطَبِينَ في مِقْدارِ عِدَّةِ الآيِسَةِ والصَّغِيرَةِ كَمْ هُوَ؟

ولَيْسَ المُرادُ بِهِ ارْتِيابَ المُعْتَدّاتِ في اليَأْسِ مِنَ المَحِيضِ، أوِ اليَأْسِ مِنَ الحَمْلِ لِلسَّبَبِ الَّذِي ذُكِرَ في نُزُولِ الآيَةِ.

ولِأنَّهُ لَوْ أُرِيدَ بِذَلِكَ النِّساءُ لَتَوَجَّهَ الخِطابُ إلَيْهِنَّ، فَقِيلَ: إنِ ارْتَبْتُنَّ، أوِ ارْتَبْنَ، لِأنَّ الحَيْضَ إنَّما يُعْلَمُ مِن جِهَتِهِنَّ.

وَقَدِ اخْتُلِفَ في المَرْأةِ إذا تَأخَّرَ حَيْضُها لا لِعارِضٍ كَمْ تَجْلِسُ؟

فَمَذْهَبُ أصْحابِنا أنَّها تَجْلِسُ غالِبَ مُدَّةِ الحَمْلِ، وهو تِسْعَةُ أشْهُرٍ، ثُمَّ ثَلاثَةٌ.

والعِدَّةُ: هي الثَّلاثَةُ الَّتِي بَعْدَ التِّسْعَةِ.

فَإنْ حاضَتْ قَبْلَ السَّنَةِ بِيَوْمٍ، اسْتَأْنَفَتْ ثَلاثَ حِيَضٍ، وإنْ تَمَّتِ السَّنَةَ مِن غَيْرِ حَيْضٍ، حَلَّتْ، وبِهِ قالَ مالِكٌ.

وقالَ أبُو حَنِيفَةَ، والشّافِعِيُّ في الجَدِيدِ: تَمْكُثُ أبَدًا حَتّى يُعْلَمَ بَراءَةُ رَحِمِها قَطْعًا، وهي أنْ تَصِيرَ في حَدٍّ لا يَحِيضُ مِثْلُها، فَتَعْتَدُّ بَعْدَ ذَلِكَ ثَلاثَةَ أشْهُرٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللائِي لَمْ يَحِضْنَ ﴾ يَعْنِي: عِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ أيْضًا، لِأنَّهُ كَلامٌ لا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ، فَلا بُدَّ لَهُ مِن ضَمِيرٍ، وضَمِيرُهُ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مُظْهَرًا، وهو العِدَّةُ بِالشُّهُورِ.

وهَذا عَلى قَوْلِ أصْحابِنا مَحْمُولٌ عَلى مَن لَمْ يَأْتِ عَلَيْها زَمانُ الحَيْضِ: أنَّها تَعْتَدُّ ثَلاثَةَ أشْهُرٍ.

فَأمّا مَن أتى عَلَيْها زَمانُ الحَيْضِ، ولَمْ تَحِضْ، فَإنَّها تَعْتَدُّ سَنَةً.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾ عامٌّ في المُطَلَّقاتِ، والمُتَوَفّى عَنْهُنَّ أزْواجُهُنَّ، وهَذا قَوْلُ عُمْرَ، وابْنِ عُمَرَ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وأبِي مَسْعُودٍ البَدْرِيِّ، وأبِي هُرَيْرَةَ، وفُقَهاءِ الأمْصارِ.

وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: تَعْتَدُّ آخِرَ الأجَلَيْنِ.

ويَدُلُّ عَلى قَوْلِنا عُمُومُ الآيَةِ.

وقَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ: مَن شاءَ لاعَنْتُهُ، ما نَزَلَتْ "وَأُولاتُ الأحْمالِ" إلّا بَعْدَ آيَةِ المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها، وَقَوْلُ أمِّ سَلَمَةَ: «إنَّ سُبَيْعَةَ وضَعَتْ بَعْدَ وفاةِ زَوْجِها بِأيّامٍ، فَأمَرَها رَسُولُ اللَّهِ  أنْ تَتَزَوَّجَ.» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ ﴾ أيْ: فِيما أمَرَ بِهِ "يَجْعَلْ لَهُ مِن أمْرِهِ يُسْرًا" يُسَهِّلْ عَلَيْهِ أمْرَ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وهَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

وقالَ الضَّحّاكُ: ومَن يَتَّقِ اللَّهَ في طَلاقِ السُّنَّةِ، يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ مَن أمْرِهِ يُسْرًا في الرَّجْعَةِ "ذَلِكَ أمْرُ اللَّهِ أنْزَلَهُ إلَيْكم ﴿ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ" ﴾ بِطاعَتِهِ ﴿ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ ﴾ أيْ: يَمْحُ عَنْهُ خَطاياهُ "وَيُعْظِمْ لَهُ أجْرًا" في الآخِرَةِ.

<div class="verse-tafsir"

أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا۟ عَلَيْهِنَّ ۚ وَإِن كُنَّ أُو۟لَـٰتِ حَمْلٍۢ فَأَنفِقُوا۟ عَلَيْهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ۚ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَـَٔاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ۖ وَأْتَمِرُوا۟ بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍۢ ۖ وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُۥٓ أُخْرَىٰ ٦ لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍۢ مِّن سَعَتِهِۦ ۖ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُۥ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ۚ لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَآ ءَاتَىٰهَا ۚ سَيَجْعَلُ ٱللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍۢ يُسْرًۭا ٧

"أسْكَنُوهُنَّ مِن حَيْثُ سَكَنْتُمْ" و"مِن" صِلَةُ قَوْلِهِ: "مِن وُجْدِكُمْ" قَرَأ الجُمْهُورُ بِضَمِّ الواوِ.

وقَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وأبُو رَزِينٍ، وقَتادَةُ، ورُوحٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِكَسْرِ الواوِ.

وقَرَأ ابْنُ يَعْمَرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وأبُو حَيْوَةَ: بِفَتْحِ الواوِ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: بِقَدْرِ وُسْعِكم.

والوُجْدُ: المَقْدِرَةُ، والغِنى، يُقالُ: افْتَقَرَ فُلانٌ بَعْدَ وُجْدٍ.

قالَ الفَرّاءُ: يَقُولُ: عَلى ما يَجِدُ، فَإنْ كانَ مُوَسَّعًا عَلَيْهِ، وسَّعَ عَلَيْها في المَسْكَنِ والنَّفَقَةِ، وإنْ كانَ مُقَتَّرًا عَلَيْهِ، فَعَلى قَدْرٍ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تُضارُّوهُنَّ ﴾ بِالتَّضْيِيقِ عَلَيْهِنَّ في المَسْكَنِ، والنَّفَقَةِ، وأنْتُمْ تَجِدُونَ سَعَةً.

قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: المُرادُ بِهَذا: المُطَلَّقَةُ الرَّجْعِيَّةُ دُونَ المَبْتُوتَةِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا  ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿ فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ  ﴾ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ أرادَ الرَّجْعِيَّةَ.

وَقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في المَبْتُوتَةِ: هَلْ لَها سُكْنى، ونَفَقَةٌ في مُدَّةِ العِدَّةِ، أمْ لا؟

فالمَشْهُورُ عِنْدَ أصْحابِنا: أنَّهُ لا سُكْنى لَها ولا نَفَقَةَ، وهو قَوْلُ ابْنِ أبِي لَيْلى.

وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لَها السُّكْنى، والنَّفَقَةُ.

وقالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ: لَها السُّكْنى، دُونَ النَّفَقَةِ.

وقَدْ رَواهُ الكَوْسَجُ عَنْ أحْمَدَ.

ويَدُلُّ عَلى الأوَّلِ حَدِيثُ فاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أنَّ النَّبِيَّ  قالَ لَها: «إنَّما النَّفَقَةُ لِلْمَرْأةِ عَلى زَوْجِها ما كانَتْ لَهُ عَلَيْها الرَّجْعَةُ، فَإذا لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْها، فَلا نَفَقَةَ ولا سُكْنى.» ومِن حَيْثُ المَعْنى: إنَّ النَّفَقَةَ إنَّما تَجِبُ لِأجْلِ التَّمْكِينِ مِنَ الِاسْتِمْتاعِ، بِدَلِيلِ أنَّ النّاشِزَ لا نَفَقَةَ لَها.

واخْتَلَفُوا في الحامِلِ، والمُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها، فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عُمَرَ، وأبُو العالِيَةِ، والشَّعْبِيُّ، وشُرَيْحٌ، وإبْراهِيمُ: نَفَقَتُها مِن جَمِيعِ المالِ، وبِهِ قالَ مالِكٌ، وابْنُ أبِي لَيْلى، والثَّوْرِيُّ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ الزُّبَيْرِ، والحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، وعَطاءٌ: نَفَقَتُها في مالِ نَفْسِها، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ، وأصْحابُهُ.

وعَنْ أحْمَدَ كالقَوْلَيْنِ.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ فَإنْ أرْضَعْنَ لَكم فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ يَعْنِي: أُجْرَةَ الرَّضاعِ.

وفي هَذا دَلالَةٌ عَلى أنَّ الأُمَّ إذا رَضِيَتْ أنْ تُرْضِعَهُ بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ، لَمْ يَكُنْ لِلْأبِ أنْ يَسْتَرْضِعَ غَيْرَها ﴿ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكم بِمَعْرُوفٍ ﴾ ، أيْ: لا تَشْتَطُّ المَرْأةُ عَلى الزَّوْجِ فِيما تَطْلُبُهُ مِن أُجْرَةِ الرَّضاعِ، ولا يُقَصِّرُ الزَّوْجُ عَنِ المِقْدارِ المُسْتَحَقِّ ﴿ وَإنْ تَعاسَرْتُمْ ﴾ في الأُجْرَةِ، ولَمْ يَتَراضَ الوالِدانِ عَلى شَيْءٍ ﴿ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى ﴾ لَفْظُهُ لَفْظُ الخَبَرِ، ومَعْناهُ: الأمْرُ، أيْ: فَلْيَسْتَرْضِعِ الوالِدُ غَيْرَ والِدَةِ الصَّبِيِّ.

﴿ لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِن سَعَتِهِ ﴾ أمَرَ أهْلَ التَّوْسِعَةِ أنْ يُوَسِّعُوا عَلى نِسائِهِمُ المُرْضِعاتِ أوْلادَهُنَّ عَلى قَدْرِ سَعَتِهِمْ.

وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ ( لِيُنْفِقَ ) بِفَتْحِ القافِ.

﴿ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ ﴾ أيْ: ضُيِّقَ عَلَيْهِ مِنَ المُطَلِّقِينَ.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وحُمَيْدٌ (قُدِّرَ) بِضَمِّ القافِ وتَشْدِيدِ الدّالِ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ (قَدَّرَ) بِفَتْحِ القافِ وتَشْدِيدِ الدّالِ.

(رِزْقَهُ) بِنَصْبِ القافِ.

﴿ فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللَّهُ ﴾ عَلى قَدْرِ ما أعْطاهُ.

﴿ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا ما آتاها ﴾ أيْ: عَلى قَدْرِ ما أعْطاها مِنَ المالِ.

﴿ سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا ﴾ أيْ: بَعْدَ ضِيقٍ وشِدَّةٍ، غِنًى وسَعَةً، وكانَ الغالِبُ عَلَيْهِمْ حِينَئِذٍ الفَقْرَ، فَأعْلَمَهم أنَّهُ سَيَفْتَحُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِۦ فَحَاسَبْنَـٰهَا حِسَابًۭا شَدِيدًۭا وَعَذَّبْنَـٰهَا عَذَابًۭا نُّكْرًۭا ٨ فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَـٰقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا ٩ أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ عَذَابًۭا شَدِيدًۭا ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ يَـٰٓأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ۚ قَدْ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًۭا ١٠ رَّسُولًۭا يَتْلُوا۟ عَلَيْكُمْ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ مُبَيِّنَـٰتٍۢ لِّيُخْرِجَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ ۚ وَمَن يُؤْمِنۢ بِٱللَّهِ وَيَعْمَلْ صَـٰلِحًۭا يُدْخِلْهُ جَنَّـٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًۭا ۖ قَدْ أَحْسَنَ ٱللَّهُ لَهُۥ رِزْقًا ١١

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَأيِّنْ ﴾ أيْ: وكَمْ ﴿ "مِن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أمْرِ رَبِّها ورُسُلِهِ ﴾ ، أيْ: عَنْ أمْرِ رُسُلِهِ.

والمَعْنى: عَتا أهْلُها.

قالَ ابْنُ زَيْدٍ: عَتَتْ، أيْ: كَفَرَتْ، وتَرَكَتْ أمْرَ رَبِّها، فَلَمْ تَقْبَلْهُ.

وفي باقِي الآيَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ فِيها تَقْدِيمًا، وتَأْخِيرًا.

والمَعْنى: عَذَّبْناها عَذابًا نُكْرًا في الدُّنْيا بِالجُوعِ، والسَّيْفِ، والبَلايا، وحاسَبْناها حِسابًا شَدِيدًا في الآخِرَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والفَرّاءُ في آخَرِينَ.

والثّانِي: أنَّها عَلى نَظْمِها، والمَعْنى: حاسَبْناها بِعَمَلِها في الدُّنْيا، فَجازَيْناها بِالعَذابِ عَلى مِقْدارِ عَمَلِها، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: "وَعَذَّبْناها" فَجَعَلَ المُجازاةَ بِالعَذابِ مُحاسَبَةً.

والحِسابُ الشَّدِيدُ: الَّذِي لا عَفْوَ فِيهِ، والنُّكْرُ: المُنْكَرُ ﴿ فَذاقَتْ وبالَ أمْرِها ﴾ أيْ: جَزاءَ ذَنْبِها ﴿ وَكانَ عاقِبَةُ أمْرِها خُسْرًا ﴾ في الدُّنْيا، والآخِرَةِ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الخُسْرُ: الهَلَكَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكم ذِكْرًا ﴾ أيْ: قُرْآنًا.

﴿ رَسُولا ﴾ أيْ: وبَعَثَهُ رَسُولًا، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وإلى نَحْوِهِ ذَهَبَ السُّدِّيُّ.

وقالَ ابْنُ السّائِبِ: الرَّسُولُ ها هُنا: جِبْرائِيلُ، فَعَلى هَذا: يَكُونُ الذِّكْرُ والرَّسُولُ جَمِيعًا مُنَزَّلَيْنِ.

وقالَ ثَعْلَبٌ: الرَّسُولُ: هو الذِّكْرُ.

وقالَ غَيْرُهُ: مَعْنى الذِّكْرِ هاهُنا: الشَّرَفُ.

وَما بَعْدَهُ قَدْ تَقَدَّمَ [البَقَرَةِ: ٢٥٧، والأحْزابِ: ٤٣، والتَّغابُنِ: ٩] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قَدْ أحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا ﴾ يَعْنِي: الجَنَّةَ الَّتِي لا يَنْقَطِعُ نَعِيمُها.

<div class="verse-tafsir"

ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَـٰوَٰتٍۢ وَمِنَ ٱلْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ ٱلْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ وَأَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ عِلْمًۢا ١٢

قَوْلُهُ: ﴿ وَمِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ ﴾ أيْ: وخَلَقَ الأرْضَ بِعَدَدِهِنَّ.

وجاءَ في الحَدِيثِ: " «كَثافَةُ كُلِّ سَماءٍ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، وما بَيْنَها وبَيْنَ الأُخْرى كَذَلِكَ، وكَثافَةُ كُلِّ أرْضٍ خَمْسُمِائَةِ عامٍ، وما بَيْنَها وبَيْنَ الأرْضِ الأُخْرى كَذَلِكَ "» .

وقَدْ رَوى أبُو الضُّحى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " في كُلِّ أرْضٍ آدَمُ مِثْلُ آدَمِكُمْ، ونُوحٌ مِثْلُ نُوحِكُمْ، وإبْراهِيمُ مِثْلُ إبْراهِيمِكُمْ، وعِيسى كَعِيسى"، فَهَذا الحَدِيثُ [تارَةً] يُرْفَعُ إلى ابْنِ عَبّاسٍ، وتارَةً يُوقَفُ عَلى أبِي الضُّحى، ولَيْسَ لَهُ مَعْنًى إلّا ما حَكى أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ، قالَ: سَمِعْتُ أنَّ مَعْناهُ: إنَّ في كُلِّ أرْضٍ خَلْقًا مِن خَلْقِ اللَّهِ لَهم سادَةٌ، يَقُومُ كَبِيرُهم ومُتَقَدِّمُهم في الخَلْقِ مَقامَ آدَمَ فِينا، وتَقُومُ ذُرِّيَّتُهُ في السِّنِّ والقِدَمِ كَمَقامِ نُوحٍ.

وعَلى هَذا المِثالِ سائِرُهم.

وقالَ كَعْبٌ: ساكِنُ الأرْضِ الثّانِيَةِ: البَحْرُ العَقِيمُ، وفي الثّالِثَةِ: حِجارَةُ جَهَنَّمَ، والرّابِعَةِ: كِبْرِيتُ جَهَنَّمَ، والخامِسَةِ: حَيّاتُ جَهَنَّمَ، والسّادِسَةِ: عَقارِبُ جَهَنَّمَ، والسّابِعَةِ: فِيها إبْلِيسُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ ﴾ في الأمْرِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: قَضاءُ اللَّهِ وقَدَرُهُ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

قالَ قَتادَةُ: في كُلِّ أرْضٍ مِن أرْضِهِ وسَماءٍ مِن سَمائِهِ خَلْقٌ مِن خَلْقِهِ، وأمْرٌ مِن أمْرِهِ، وقَضاءٌ مِن قَضائِهِ.

والثّانِي: أنَّهُ الوَحْيُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وأنَّ اللَّهَ قَدْ أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾ أعْلَمَكم بِهَذا لِتَعْلَمُوا قُدْرَتَهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وعِلْمَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله