الآية ٣٤ من سورة يونس

الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ٣٤ من سورة يونس

قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَبْدَؤُا۟ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ ۚ قُلِ ٱللَّهُ يَبْدَؤُا۟ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ ٣٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 57 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٤ من سورة يونس: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٤ من سورة يونس عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وهذا إبطال لدعواهم فيما أشركوا بالله غيره ، وعبدوا من الأصنام والأنداد ، ( قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده ) أي : من بدأ خلق هذه السماوات والأرض ثم ينشئ ما فيهما من الخلائق ، ويفرق أجرام السماوات والأرض ويبدلهما بفناء ما فيهما ، ثم يعيد الخلق خلقا جديدا ؟

( قل الله ) هو الذي يفعل هذا ويستقل به ، وحده لا شريك له ، ( فأنى تؤفكون ) أي : فكيف تصرفون عن طريق الرشد إلى الباطل ؟

!

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (34) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: (قل)، يا محمد ، (هل من شركائكم)، يعني من الآلهة والأوثان ، (من يبدأ الخلق ثم يعيده)، يقول: من ينشئ خَلْق شيء من غير أصل، فيحدث خلقَه ابتداءً ، (ثم يعيده)، يقول: ثم يفنيه بعد إنشائه، ثم يعيده كهيئته قبل أن يفنيَه، فإنهم لا يقدرون على دعوى ذلك لها.

وفي ذلك الحجة القاطعة والدِّلالة الواضحة على أنهم في دعواهم أنها أربابٌ ، وهي لله في العبادة شركاء ، كاذبون مفترون.

فقل لهم حينئذ ، يا محمد: الله يبدأ الخلق فينشئه من غير شيء ، ويحدثه من غير أصل ، ثم يفنيه إذا شاء، ثم يعيده إذا أراد كهيئته قبل الفناء ، (فأنى تؤفكون) ، يقول: فأيّ وجه عن قصد السبيل وطريق الرُّشد تُصْرَفون وتُقْلَبُون؟

(1) كما:- 17659- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الحسن: (فأنى تؤفكون) ، قال: أنى تصرفون؟

* * * وقد بينا اختلاف المختلفين في تأويل قوله: (أنى تؤفكون) ، والصواب من القول في ذلك عندنا ، بشواهده في " سورة الأنعام ".

(2) ------------------------ الهوامش : (1) انظر تفسير " الأفك " فيما سلف 10 : 486 / 11 : 554 / 14 : 208 .

(2) انظر ما سلف 11 : 554 ، وقوله أنه ذكر في سورة الأنعام ، وهم من أبي جعفر ، فإنه لم يفصل بيان معنى " الأفك " ، إلا في سورة المائدة ( 10 : 485 ، 468 ) .

ولم يذكر قط اختلاف المختلفين في تفسيره .

فأخشى أن يدل هذا النص ، على أن أبا جعفر كان قد باعد بين أطراف تفسيره ، فكان ينسى الموضع الذي فصل فيه أحيانًا ، بل لعل هذا يدل أيضًا على أنه كان قد شرع في التفسير مطولا ، كما ذكر في ترجمته ، ثم اختصره هذا الاختصار .

ويدل أيضًا ، إذا صح ما قلته ، على أنه كان قد أعد مادة كتابه إعدادًا تامًا ، ثم أدخل في كتابة تفسيره تعديلا كبيرًا ، فلم يثبت فيه كل ما كان أعده له .

والله تعالى أعلم .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده فأنى تؤفكونقوله تعالى قل هل من شركائكم أي آلهتكم ومعبوداتكم .من يبدأ الخلق ثم يعيده أي قل لهم يا محمد ذلك على جهة التوبيخ والتقرير ; فإن أجابوك وإلا ف قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده وليس غيره يفعل ذلك .فأنى تؤفكون أي فكيف تنقلبون وتنصرفون عن الحق إلى الباطل .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى ـ مبينًا عجز آلهة المشركين، وعدم اتصافها بما يوجب اتخاذها آلهة مع الله ـ ‏{‏قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ‏}‏ أي‏:‏ يبتديه ‏{‏ثُمَّ يُعِيدُهُ‏}‏ وهذا استفهام بمعنى النفي والتقرير، أي‏:‏ ما منهم أحد يبدأ الخلق ثم يعيده، وهي أضعف من ذلك وأعجز، ‏{‏قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ‏}‏ من غير مشارك ولا معاون له على ذلك‏.‏ ‏{‏فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ‏}‏ أي‏:‏ تصرفون، وتنحرفون عن عبادة المنفرد بالابتداء، والإعادة إلى عبادة من لا يخلق شيئًا وهم يخلقون‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله : ( قل هل من شركائكم ) أوثانكم ( من يبدأ الخلق ) ينشئ الخلق من غير أصل ولا مثال ، ( ثم يعيده ) ثم يحييه من بعد الموت كهيئته ، فإن أجابوك وإلا ف ( قل ) أنت : ( الله يبدأ الخلق ثم يعيده فأنى تؤفكون ) أي : تصرفون عن قصد السبيل .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده فأنى تؤفكون» تصرفون عن عبادته مع قيام الدليل.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قل لهم -أيها الرسول-: هل من آلهتكم ومعبوداتكم مَن يبدأ خَلْق أي شيء من غير أصل، ثم يفنيه بعد إنشائه، ثم يعيده كهيئته قبل أن يفنيه؟

فإنهم لا يقدرون على دعوى ذلك، قل -أيها الرسول-: الله تعالى وحده هو الذي ينشئ الخلق ثم يفنيه ثم يعيده، فكيف تنصرفون عن طريق الحق إلى الباطل، وهو عبادة غير الله؟

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ساق - سبحانه - أنواعا أخرى من الأدلة على وحدانية الله - تعالى وقدرته .

فقال :( قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَبْدَأُ .

.

.

)أى : قل يا محمد لهؤلاء الغافلين عن الحق : هل من شركائكم الذين عبدتموهم من دون الله ، أو أشركتموهم مع الله ، من له القدرة على أن يبدأ خلق الإِنسان من نطفة ، ثم من علقة ، ثم من مضغة .

.

.

ثم ينشئه خلقا آخر ، ثم يعيده إلى الحياة مرى أخرى بعد موته؟قل لهم يا محمد : الله وحده هو الذى يبدأ الخلق ثم يعيده ، أما شركاؤكم فهم أعجز من أن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له .

.

.وإذا كان الأمر كذلك من الوضوح والظهور ( فأنى تُؤْفَكُونَ ) والإِفك الصرف والقلب عن الشيء .

يقال : أفكه عن الشيء يأفكه أفكا ، إذا قلبه عنه وصرفه .أي فكيف ساغ لكم أن تصرفوا عقولكم عن عبادة الإِله الحق ، إلى عبادة أصنام لا تنفع ولا تضر؟!وجاءت جملة ( قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ .

.

.

) بدون حرف العطف على ما قبلها للإِيذان باستقلالها فى الحصول المطلوب ، وإثبات المقصود .وساق - سبحانه - الأدلة بأسلوب السؤال والاستفهام ، لأن الكلام إذا كان واضحا جليا ثم ذكر على سبيل الاستفهام ، وتفويض الجواب إلى المسئول كان ذلك أبلغ وأوقع فى القلب .وجعل - سبحانه - إعادة المخلوقات بعد موتها حجة عليهم فى التدليل على قدرته مع عدم اعترافهم بها ، للإِيذان بسطوع أدلتها ، لأن القادر على البدء يكون أقدر على الإِعادة كما قال - تعالى - ( وَهُوَ الذي يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ .

.

) فلما كان إنكارهم لهذه الحقيقة الواضحة من باب العناد أو المكابرة ، نزل إنكارهم لها منزلة العدم .وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : " فإن قلت : كيف قيل لهم هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده ، وهم غير معترفين بالإِعادة؟قلت : قد وضعت إعادة الخلق لظهور برهانها موضع ما إن دفعه دافع كان مكابرا رادا الظاهر البين الذى لا مدخل للشبهة فيه ، ودلالة على أهم فى إنكارهم لها منكرون أمرا مسلما معترفا بصحته عند العقلاء .

" وقال لنبيه - صلى الله عليه وسلم - ( قُلِ الله يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ ) فأمره بأن ينوب عنهم فى الجواب .

يعني أنه لا يدعهم لجاجهم ومكابرتهم أن ينطقوا بكلمة الحق فتكلم أنت عنهم .

.

"

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا هو الحجة الثانية، وتقريرها ما شرح الله تعالى في سائر الآيات من كيفية ابتداء تخليق الإنسان من النطفة والعلقة والمضغة وكيفية إعادته، ومن كيفية ابتداء تخليق السموات والأرض، فلما فصل هذه المقامات، لا جرم اكتفى تعالى بذكرها هاهنا على سبيل الإجمال، وهاهنا سؤالات: السؤال الأول: ما الفائدة في ذكر هذه الحجة على سبيل السؤال والاستفهام؟

والجواب: أن الكلام إذا كان ظاهراً جلياً ثم ذكر على سبيل الاستفهام وتفويض الجواب إلى المسؤول، كان ذلك أبلغ وأوقع في القلب.

السؤال الثاني: القوم كانوا منكرين الإعادة والحشر والنشر فكيف احتج عليهم بذلك؟

والجواب: أنه تعالى قدم في هذه السورة ذكر ما يدل عليه، وهو وجوب التمييز بين المحسن وبين المسيء وهذه الدلالة ظاهرة قوية لا يتمكن العاقل من دفعها، فلأجل كمال قوتها وظهورها تمسك به سواء ساعد الخصم عليه أو لم يساعد.

السؤال الثالث: لم أمر رسوله بأن يعترف بذلك، والإلزام إنما يحصل لو اعترف الخصم به؟

والجواب: أن الدليل لما كان ظاهراً جلياً، فإذا أورد على الخصم في معرض الاستفهام، ثم إنه بنفسه يقول الأمر كذلك، كان هذا تنبيهاً على أن هذا الكلام بلغ في الوضوح إلى حيث لا حاجة فيه إلى إقرار الخصم به، وأنه سواء أقر أو أنكر، فالأمر متقرر ظاهر.

أما قوله: ﴿ فأنى تُؤْفَكُونَ ﴾ فالمراد التعجب منهم في الذهاب عن هذا الأمر الواضح الذي دعاهم الهوى والتقليد أو الشبهة الضعيفة إلى مخالفته، لأن الإخبار عن كون الأوثان آلهة كذب وإفك، والاشتغال بعبادتها- مع أنها لا تستحق هذه العبادة- يشبه الإفك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

فإن قلت: كيف قيل لهم ﴿ هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ مَّن يبدأالخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾ وهم غير معترفين بالإعادة؟

قلت: قد وضعت إعادة الخلق لظهور برهانها موضع ما إن دفعه دافع كان مكابراً ردّاً للظاهر البين الذي لا مدخل للشبهة فيه، دلالة على أنهم في إنكارهم لها منكرون أمراً مسلماً معترفاً بصحته عند العقلاء، وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿ قُلِ الله يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾ فأمره بأن ينوب عنهم في الجواب، يعني أنه لا يدعهم لجاجهم ومكابرتهم أن ينطقوا بكلمة الحق فكلم عنهم.

يقال: هداه للحق وإلى الحق فجمع بين اللغتين: ويقال: هدى بنفسه بمعنى اهتدى، كما يقال: شرى بمعنى اشترى.

ومنه قوله: ﴿ أَمَّن لاَّ يَهِدِّى ﴾ .

وقرئ: ﴿ لا يهدّى ﴾ بفتح الهاء وكسرها مع تشديد الدال.

والأصل: يهتدي، فأدغم وفتحت الهاء بحركة التاء، أو كسرت لالتقاء الساكنين، وقد كسرت الياء لاتباع ما بعدها.

وقرئ: ﴿ إلاّ أن يهدى ﴾ من هداه وهدّاه للمبالغة.

ومنه قولهم: تهدى.

ومعناه أن الله وحده هو الذي يهدي للحق، بما ركب في المكلفين من العقول وأعطاهم من التمكين للنظر في الأدلة التي نصبها لهم، وبما لطف بهم ووفقهم وألهمهم وأخطر ببالهم ووقفهم على الشرائع، فهل من شركائكم الذين جعلتم أنداداً لله أحد من أشرفهم كالملائكة والمسيح وعزير، يهدي إلى الحق مثل هداية الله.

ثم قال: أفمن يهدي إلى الحق هذه الهداية أحقّ بالاتباع، أم الذي لا يهدي أي لا يهتدي بنفسه، أو لا يهدي غيره إلاّ أن يهديه الله وقيل: معناه أم من لا يهتدي من الأوثان إلى مكان فينتقل إليه ﴿ إِلاَّ أَن يهدى ﴾ إلاّ أن ينقل، أو لا يهتدي ولا يصحّ منه الاهتداء إلاّ أن ينقله الله من حاله إلى أن يجعله حيواناً مكلفاً فيهديه ﴿ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾ بالباطل، حيث تزعمون أنهم أنداداً لله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ﴾ أيْ كَما حَقَّتِ الرُّبُوبِيَّةُ لِلَّهِ أوْ إنَّ الحَقَّ بَعْدَهُ الضَّلالُ، أوْ أنَّهم مَصْرُوفُونُ عَنِ الحَقِّ كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ اللَّهِ وحُكْمُهُ.

وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ « كَلِماتُ» هُنا وفي آخِرِ السُّورَةِ وُفِّيَ « غافِرٍ» ﴿ عَلى الَّذِينَ فَسَقُوا ﴾ تَمَرَّدُوا في كُفْرِهِمْ وخَرَجُوا عَنْ حَدِّ الِاسْتِصْلاحِ.

﴿ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ ﴾ بَدَلٌ مِنَ الكَلِمَةِ، أوْ تَعْلِيلٌ لِحَقِّيَّتِها والمُرادُ بِها العُدَّةُ بِالعَذابِ.

﴿ قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾ جَعَلَ الإعادَةَ كالإبْداءِ في الإلْزامِ بِها لِظُهُورِ بُرْهانِها وإنْ لَمْ يُساعِدُوا عَلَيْها، ولِذَلِكَ أمَرَ الرَّسُولَ  أنْ يَنُوبَ عَنْهم في الجَوابِ فَقالَ ﴿ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾ لِأنَّ لُجاجَهم لا يَدَعُهم أنْ يَعْتَرِفُوا بِها.

﴿ فَأنّى تُؤْفَكُونَ ﴾ تُصْرَفُونَ عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ} إنما ذكر ثم يعيده وهم غير مقرين بالإعادة لأنه لظهور برهانها جعل أمراً مسلماً على أن فيهم من يقر بالإعادة أو يحتمل إعادة غير البشر كإعادة الليل والنهار وإعادة الإنزال والنبات {قُلِ الله يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ} أمر نبيه بأن ينوب عنهم في الجواب يعني أنهم لا تدعهم مكابرتهم أن ينطقوا بكلمة الحق فكلم عنهم {فأنى تُؤْفَكُونَ} فكيف تصرفون عن قصد السبيل

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مِن يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾ احْتِجاجٌ آخَرُ عَلى حَقِّيَّةِ التَّوْحِيدِ وبُطْلانِ الإشْراكِ ولَمْ يَعْطِفْ إيذانًا بِاسْتِقْلالِهِ في إثْباتِ المَطْلُوبِ، والسُّؤالُ لِلتَّبْكِيتِ والإلْزامِ وجَعَلَ سُبْحانَهُ الإعادَةَ لِسُطُوعِ البَراهِينِ القائِمَةِ عَلَيْها بِمَنزِلَةِ البَدْءِ في إلْزامِهِمْ ولَمْ يُبالِ بِإنْكارِهِمْ لَها لِأنَّهم مُكابِرُونَ فِيهِ والمُكابِرُ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ فَلا يُقالُ: إنَّ مِثْلَ هَذا الِاحْتِجاجَ إنَّما يَتَأتّى عَلى مَنِ اعْتَرَفَ بِأنَّ مِن خَواصِّ الإلَهِيَّةَ بَدْءَ الخَلْقِ ثُمَّ إعادَتَهُ لِيَلْزَمَ مِن نَفْيِهِ عَنِ الشُّرَكاءِ نَفْيُ الإلَهِيَّةِ وهم غَيْرُ مُقِرِّينَ بِذَلِكَ فَفي الآيَةِ الإشارَةُ إلى أنَّ الإعادَةَ أمْرٌ مَكْشُوفٌ ظاهِرٌ بَلَغَ في الظُّهُورِ والجَلاءِ بِحَيْثُ يَصِحُّ أنْ يَثْبُتَ فِيهِ دَعْوى أُخْرى وجَعَلَ ذَلِكَ الطِّيبِيُّ مِن صَنْعَةِ الإدْماجِ كَقَوْلِ ابْنِ نُباتَةَ: فَلا بُدَّ لِي مِن جَهَلَةٍ في وِصالِهِ فَمَن لِي بِخِلٍّ أُودِعُ الحِلْمَ عِنْدَهُ فَقَدْ ضَمَّنَ الغَزَلَ الفَخْرَ بِكَوْنِهِ حَلِيمًا والفَخْرُ شِكايَةُ الإخْوانِ ﴿ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾ قِيلَ هو أمْرٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأنْ يُبَيِّنَ لَهم مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ أيْ قُلْ لَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ هو يَفْعَلُهُما لا غَيْرُهُ كائِنًا ما كانَ لا بِأنْ يَنُوبَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْهم في الجَوابِ كَما قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ لِأنَّ القَوْلَ المَأْمُورَ بِهِ غَيْرُ ما أُرِيدَ مِنهم مِنَ الجَوابِ وإنْ كانَ مُسْتَلْزِمًا لَهُ إذْ لَيْسَ المَسْؤُولُ عَنْهُ مَن يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ قُلْ مَن رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ قُلْ اللَّهُ ﴾ حَتّى يَكُونَ القَوْلُ المَأْمُورُ بِهِ عَيْنَ الجَوابِ الَّذِي أُرِيدَ مِنهم ويَكُونُ  نائِبًا عَنْهم في ذَلِكَ بَلْ إنَّما هو وُجُودُ مَن يَفْعَلُ البَدْءَ والإعادَةَ مِن شُرَكائِهِمْ فالجَوابُ المَطْلُوبُ مِنهم لا غيرُ نَعَمْ أُمِرَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأنْ يُضَمِّنَهُ مَقالَتَهُ إيذانًا بِتَعَيُّنِهِ وتَحَتُّمِهِ وإشْعارًا بِأنَّهم لا يَجْتَرِئُونَ عَلى التَّصْرِيحِ بِهِ مَخافَةَ التَّبْكِيتِ وإلْقامِ الحَجَرِ لا مُكابَرَةً ولَجاجًا انْتَهى.

وقَدْ يُقالُ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ هَلْ مِن شُرَكائِكُمْ ﴾ إلَخْ هَلِ المُبْدِئُ المُعِيدُ اللَّهُ أمِ الشُّرَكاءُ؟

والمُرادُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿ اللَّهُ ﴾ إلَخْ اللَّهُ يَبْدَأُ ويُعِيدُ لا غَيْرُهُ مِنَ الشُّرَكاءِ وحِينَئِذٍ يَنْتَظِمُ السُّؤالُ والجَوابُ وانْفِهامُ الحَصْرِ بِدَلالَةِ الفَحْوى فَإنَّكَ إذا قُلْتَ: مَن يَهَبُ الأُلُوفَ زَيْدٌ أمْ عَمْرٌو؟

فَقِيلَ: زَيْدٌ يَهَبُ الأُلُوفَ أفادا الحَصْرَ بِلا شُبْهَةٍ وبِما ذُكِرَ يُعْلَمُ ما في الكَلامِ السّابِقِ في الرَّدِّ عَلى ما قالَهُ الجَمْعُ وكَذا رَدُّ ما قالَهُ القُطْبُ مِن أنَّ هَذا لا يَصْلُحُ جَوابًا عَنْ ذَلِكَ السُّؤالِ لِأنَّ السُّؤالَ عَنِ الشُّرَكاءِ وهَذا الكَلامُ في اللَّهِ تَعالى بَلْ هو اسْتِدْلالٌ عَلى إلَهِيَّتِهِ تَعالى وأنَّهُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ بِأنَّهُ المُبْدِئُ المُعِيدُ بَعْدَ الِاسْتِدْلالِ عَلى نَفْيِ إلَهِيَّةِ الشُّرَكاءِ فَتَأمَّلْ، وفي إعادَةِ الجُمْلَةِ في الجَوابِ بِتَمامِها غَيْرَ مَحْذُوفَةٍ الخَبَرُ كَما في الجَوابِ السّابِقِ لِمَزِيدِ التَّأْكِيدِ والتَّحْقِيقِ ﴿فَأنّى تُؤْفَكُونَ 34﴾ الإفْكُ الصَّرْفُ والقَلْبُ عَنِ الشَّيْءِ يُقالُ: أفَكَهُ عَنِ الشَّيْءِ يَأْفِكُهُ إفْكًا إذا قَلَبَهُ عَنْهُ وصَرَفَهُ ومِنهُ قَوْلُ عُرْوَةَ بْنِ أُذَيْنَةَ: إنْ تَكُ عَنْ أحْسَنِ الصَّنِيعَةِ مَأْ فُوكًا فَفي آخَرِينَ قَدْ أفَكُوا وقَدْ يُخَصُّ كَما في القامُوسِ بِالقَلْبِ عَنِ الرَّأْيِ ولَعَلَّهُ الأنْسَبُ بِالمَقامِ أيْ كَيْفَ تُقْلَبُونَ مِنَ الحَقِّ إلى الباطِلِ والكَلامُ فِيهِ كَما تَقَدَّمَ في ﴿ فَأنّى تُصْرَفُونَ ﴾ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ، يعني: أصنامكم التي تعبدونها، هل يقدرون أن يخلقوا خلقاً من غير شيء، ثم يبعثونهم في الآخرة كما يفعل الله تعالى؟

فإن أجابوك وإلا ف قُلِ اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ، يعني: إن معبودكم لا يستطيع ذلك.

فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ، يعني: من أين تكذبون؟

قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ، يقول: هل يقدر أحد من آلهتكم أن يهدي إلى الحق، يقول: يدعو الخلق إلى الإسلام؟

فإن قالوا: لا.

قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ، يعني: يدعو الخلق إلى الإسلام، ويوفق من كان أهلاً لذلك أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ، يقول: من يدعو إلى الحق أحق أن يعمل بأمره ويعبد؟

أَمَّنْ لاَّ يَهِدِّي طريقاً ولا يهتدي إِلَّا أَنْ يُهْدى، يعني: يمشي بنفسه إلا أن يحمل من مكان إلى مكان؟

قرأ نافع وأبو عمرو أَمَّنْ لاَّ يَهِدِّي بجزم الهاء وتشديد الدال، لأن أصله في اللغة: يهتدي، فأدغم التاء في الدال وأقيم التشديد مقامه.

وقرأ ابن كثير وابن عامر ونافع في رواية ورش يهدي بنصب الهاء وتشديد الدال، لأن حركة التاء وقعت على الهاء وقرأ عاصم في رواية حفص يَهْدِى بفتح الياء وكسر الهاء وتشديد الدال، لأنه لما اجتمع الساكنان حرك أحدهما بالكسر، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر يَهْدِى بكسر الياء والهاء وتشديد الدال، فأتبع الكسرة الكسرة.

وقرأ حمزة والكسائي يَهْدِى بجزم الهاء وتخفيف الدال، ويكون معناه: لا يهتدي.

قال الكسائي: قوم من العرب يقول: هديت الطريق بمعنى اهتديت، فهذه خمس من القراءات في هذه الآية.

ثم قال: فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ؟

يعني: كيف تقضون لأنفسكم؟

يعني: تقولون قولاً ثم ترجعون عنه.

ويقال: فَما لَكُمْ كلام تام، فكأنه قيل لهم: فأي شيء لكم في عبادة الأوثان، ثم قيل لهم كَيْفَ تَحْكُمُونَ أي على أي حال تحكمون؟

ويقال: معناه، كيف تعبدون آلهتكم بلا حجة، ولا تعبدون الله ولا توحّدونه بعد هذا البيان لكم؟.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله: فَذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ ...

الآية: يقول: فهذا الذي هذه صفاته ربُّكم الحَقُّ، أي: المستوجِبُ للعبادةِ والألوهيَّة، وإِذا كان كذلك، فتشريكُ غيره ضَلاَلٌ وغيرُ حقٍّ.

قال ع «١» : وعبارة القُرآن في سوق هذه المَعاني تفُوتُ كلَّ تفسيرٍ براعةً وإِيجازاً ووضوحاً، وحَكَمَتْ هذه الآيةُ بأنه ليس بَيْنَ الحَقِّ والضلال منزلةٌ ثالثةٌ في هذه المسألة التي هي توحيدُ اللَّه تعالَى، وكذلك هو الأمر في نظائرها مِنْ مسائل الأصول التي الحَقُّ فيها في طَرَفٍ واحدٍ لأن الكلام فيها إِنما في تقرير وجودِ ذاتٍ كَيْفَ هِيَ، وذلك بخلافِ مسائِلِ الفُرُوع التي قال اللَّه تعالَى فيها: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً [المائدة: ٤٨] .

وقوله: فَأَنَّى تُصْرَفُونَ: تقرير كما قال: فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ [التكوير: ٢٦] ثم قال: كَذلِكَ حَقَّتْ أي: كما كانَتْ صفاتُ اللَّه كما وَصَفَ، وعبادته واجبة كما تقرَّر، وانصراف هؤلاء كما قَدَّرَ عليهم، كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ ...

الآية، وقرأ أبو عَمْرٍو «٢» وغيره: «كَلِمَةُ» على الإِفراد الذي يُرَادُ به الجَمْع كما يقال للقصيدة «كَلِمَةٌ» فَعَبَّر عن وعيدِ اللَّه تعالى ب «كلمة» .

وقوله سبحانه: قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ...

الآية توقيفٌ على قصور الأصنامِ وعَجْزِها، وتنبيهٌ على قدرة اللَّه عزَّ وجلّ، وتُؤْفَكُونَ: معناه:

تُصْرَفُونَ وتُحْرَمُونَ، وأرضٌ مَأْفُوكَةٌ إِذا لم يصبها مطر، فهي بمعنى الخيبة.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " كَلِمَةُ رَبِّكَ "، وفي آخِرِ السُّورَةِ كَذَلِكَ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ الحَرْفَيْنِ " كَلِماتُ " عَلى الجَمْعِ.

قالَ الزَّجّاجُ: الكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ: مِثْلَ أفْعالِهِمْ جازاهم رَبُّكَ والمَعْنى: حَقَّ عَلَيْهِمْ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ ﴾ بَدَلٌ مِن " كَلِمَةِ رَبِّكَ " .

وجائِزٌ أنْ تَكُونَ الكَلِمَةُ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، وتَكُونُ الكَلِمَةُ ما وُعِدُوا بِهِ مِنَ العِقابِ.

وَذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في " كَذَلِكَ " قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها إشارَةٌ إلى مَصْدَرِ " تُصْرَفُونَ "، والمَعْنى: مِثْلَ ذَلِكَ الصَّرْفِ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ.

والثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى هَكَذا.

وَفِي مَعْنى " حَقَّتْ " قَوْلانِ: أحَدُهُما: وجَبَتْ.

والثّانِي: سَبَقَتْ.

وَفِي كَلِمَتِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى وعْدِهِ.

والثّانِي: بِمَعْنى قَضائِهِ.

ومَن قَرَأ " كَلِماتِ " جَعَلَ كُلَّ واحِدَةٍ مِنَ الكَلِمِ الَّتِي تُوُعِّدُوا بِها كَلِمَةً.

وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى الكَلِمَةِ في (الأعْرافِ:١٣٧ و١٥٨) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ ﴾ أيْ: إلى الحَقِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمَّنْ لا يَهِدِّي ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، ووَرْشٌ عَنْ نافِعٍ: " يَهَدِّي " بِفَتْحِ الياءِ والهاءِ وتَشْدِيدِ الدّالِ.

قالَ الزَّجّاجُ: الأصْلُ يَهْتَدِي، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ، فَطُرِحَتْ فَتْحَتُها عَلى الهاءِ.

وقَرَأ نافِعٌ إلّا ورْشًا، وأبُو عَمْرٍو: " يَهْدِّي " بِفَتْحِ الياءِ وإسْكانِ الهاءِ وتَشْدِيدِ الدّالِ، غَيْرَ أنَّ أبا عَمْرٍو كانَ يُشِمُّ الهاءَ شَيْئًا مِنَ الفَتْحِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " يَهْدِي " بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الهاءِ وتَخْفِيفِ الدّالِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: والمَعْنى: لا يَهْدِي غَيْرَهُ إلّا أنْ يُهْدى هو، ولَوْ هُدِيَ الصُّمُّ لَمْ يَهْتَدِ، ولَكِنْ لَمّا جَعَلُوها كَمَن يَعْقِلُ، أُجْرِيَتْ مَجْراهُ.

ورَوى يَحْيى بْنُ آدَمَ عَنْ أبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " يِهِدِّي " بِكَسْرِ الياءِ والهاءِ وتَشْدِيدِ الدّالِ، وكَذَلِكَ رَوى أبانُ وجَبَلَةُ عَنِ المُفَضَّلِ وعَبْدِ الوارِثِ، قالَ الزَّجّاجُ: أتْبَعُوا الكَسْرَةَ الكَسْرَةَ، وهي رَدِيئَةٌ لِثِقَلِ الكَسْرَةِ في الياءِ.

ورَوى حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، والكِسائِيُّ عَنْ أبِي بَكْرٍ عَنْهُ: " يَهِدِّي " بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ وتَشْدِيدِ الدّالِ، قالَ الزَّجّاجُ: وهَذِهِ في الجَوْدَةِ كالمَفْتُوحَةِ الهاءِ، إلّا أنَّ الهاءَ كُسِرَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ.

وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ: " يَهْتَدِي " بِزِيادَةِ تاءٍ.

والمُرادُ بِقَوْلِهِ: " أمْ مَن لا يَهِدِّي " الصُّمُّ " إلّا أنْ يُهْدى " .

وظاهِرُ الكَلامِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الأصْنامَ إنْ هُدِيَتِ اهْتَدَتْ ولَيْسَتْ كَذَلِكَ، لِأنَّها حِجارَةٌ لا تَهْتَدِي، إلّا أنَّهم لَمّا اتَّخَذُوها آلِهَةً، عَبَّرَ عَنْها كَما يُعَبِّرُ عَمَّنْ يَعْقِلُ، ووُصِفَتْ صِفَةَ مَن يَعْقِلُ وإنْ لَمْ تَكُنْ في الحَقِيقَةِ كَذَلِكَ؛ ولِهَذا المَعْنى قالَ في صِفَتِها: " أمَّنْ " لِأنَّهم جَعَلُوها كَمَن يَعْقِلُ.

ولَمّا أعْطاها حَقَّها في أصْلِ وضْعِها، قالَ: ﴿ يا أبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ  ﴾ .

وقالَ الفَرّاءُ: " أمَّنْ لا يَهِدِّي " أيْ: أتَعْبُدُونَ ما لا يَقْدِرُ أنْ يَنْتَقِلَ مِن مَكانِهِ إلّا أنْ يُحَوَّلَ ؟

وقَدْ صَرَفَ بَعْضُهُمُ الكَلامَ إلى الرُّؤَساءِ والمُضِلِّينَ، والأوَّلُ أصَحُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَما لَكُمْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو كَلامٌ تامٌّ، كَأنَّهُ قِيلَ لَهم: أيُّ شَيْءٍ لَكم في عِبادَةِ الأوْثانِ ؟

ثُمَّ قِيلَ لَهم: ﴿ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾ أيْ: عَلى أيِّ حالٍ تَحْكُمُونَ ؟

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كَيْفَ تَقْضُونَ لِأنْفُسِكم ؟

وقالَ مُقاتِلٌ: كَيْفَ تَقْضُونَ بِالجَوْرِ ؟

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مِن يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلْ اللهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأنّى تُؤْفَكُونَ ﴾ ﴿ قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مِن يَهْدِي إلى الحَقِّ قُلْ اللهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أفَمَن يَهْدِي إلى الحَقِّ أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ أمَّنْ لا يَهْدِي إلا أنْ يُهْدى فَما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾ ﴿ وَما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم إلا ظَنًّا إنَّ الظَنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا إنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ ﴾ هَذا تَوْقِيفٌ أيْضًا عَلى قُصُورِ الأصْنامِ وعَجْزِها، وتَنْبِيهٌ عَلى قُدْرَةِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وبَدْءِ الخَلْقِ يُرِيدُ بِهِ إنْشاءَ الإنْسانِ في أوَّلِ أمْرِهِ، وإعادَتُهُ هي البَعْثُ مِنَ القُبُورِ.

و"تُؤْفَكُونَ" مَعْناهُ: تُصْرَفُونَ وتُحْرَمُونَ، تَقُولُ العَرَبُ: "أرْضٌ مَأْفُوكَةٌ" إذا لَمْ يَصِبْها مَطَرٌ فَهي بِمَعْنى الخَيْبَةِ والقَلْبِ، كَما قالَ: ﴿ والمُؤْتَفِكَةَ أهْوى  ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مِن يَهْدِي ﴾ الآيَةُ، ﴿ يَهْدِي إلى الحَقِّ ﴾ يُرِيدُ بِهِ: يُبَيِّنُ طُرُقَ الصَوابِ ويَدْعُو إلى العَدْلِ ويُفْصِحُ بِالآياتِ ونَحْوِ هَذا.

ووَصَفَ الأصْنامَ بِأنَّها لا تَهْدِي إلّا أنْ تُهْدى، ونَحْنُ نَجِدُها لا تَهْتَدِي وإنْ هُدِيَتْ، فَوَجْهُ ذَلِكَ أنَّهُ عامَلَ -فِي العِبارَةِ عنها- مُعامَلَتَهم في وصْفِها بِأوصافِ مَن يَعْقِلُ، وذَلِكَ مُجازٌ ومَوْجُودٌ في كَثِيرٍ مِنَ القُرْآنِ، وذَكَرَ ذَلِكَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ، والَّذِي أقُولُ: إنَّ قِراءَةَ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ تَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: "أمَّنْ لا يَهْدِي أحَدًا إلّا أنْ يُهْدى ذَلِكَ الأحَدُ بِهِدايَةٍ مِن عِنْدِ اللهِ"، وأمّا عَلى غَيْرِها مِنَ القِراءاتِ الَّتِي مُقْتَضاها: "أمَّنْ لا يَهْتَدِي إلّا أنْ يُهْدى" فَيَتَّجِهُ المَعْنى عَلى ما تَقَدَّمَ لِأبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ، وفِيهِ تَجَوُّزُ كَثِيرٌ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: هي عِبارَةٌ عن أنَّها لا تَنْتَقِلُ إلّا أنْ تُنْقَلَ، ويُحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ ما ذَكَرَ اللهُ تَعالى مِن تَسْبِيحِ الجَماداتِ هو اهْتِداؤُها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ في اهْتِدائِها إلى مُناكَرَةِ الكُفّارِ يَوْمَ القِيامَةِ حَسَبَما مَضى في هَذِهِ السُورَةِ.

وقِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ هي "يَهْدِي" بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الهاءِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وَأبُو عَمْرٍو، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ: "يَهْدِّي" بِسُكُونِ الهاءِ وتَشْدِيدِ الدالِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ: "يَهَدِّي" بِفَتْحِ الياءِ والهاءِ، وهَذِهِ أفْصَحُ القِراءاتِ، نُقِلَتْ حَرَكَةُ تاءِ "يَهْتَدِي" إلى الهاءِ وأُدْغِمَتِ التاءُ في الدالِ، وهَذِهِ رِوايَةُ ورْشٍ عن نافِعٍ.

وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ: "يَهِدِّي" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ وشَدِّ الدالِ، أتْبَعَ الكَسْرَةَ الكَسْرَةَ، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: "يِهِدِّي" بِكَسْرِ الياءِ والهاءِ وشَدِّ الدالِ، وهَذا أيْضًا إتْباعٌ.

وقالَ مُجاهِدٌ: اللهُ يَهْدِي مِنَ الأوثانِ وغَيْرِها ما شاءَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ.

وقَرَأ يَحْيى بْنُ الحارِثِ الزَمارِيُّ: "إلّا أنْ يَهَدِّي" بِفَتْحِ الهاءِ وشَدِّ الدالِ، ووَقَفَ القُرّاءُ عَلى: "فَما لَكُمْ"، ثُمَّ يَبْدَأُ "كَيْفَ تَحْكُمُونَ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما يَتَّبِعُ أكْثَرُهُمْ ﴾ إخْبارٌ عن فَسادِ طَرائِقِهِمْ وضَعْفِ نَظَرِهِمْ وأنَّهُ ظَنٌّ، ثُمَّ بَيَّنَ مَنزِلَةَ الظَنِّ مِنَ المَعارِفِ وبُعْدِهِ عَنِ الحَقِّ.

والظَنُّ -فِي هَذِهِ الآيَةِ- عَلى بابِهِ في أنَّهُ مُعْتَقَدُ أحَدِ جائِزَيْنِ لَكِنْ ثَمَّ مَيْلٌ إلى أحَدِهِما دُونَ حُجَّةٍ تُبْطِلُ الآخَرَ، وجَوازُ ما اعْتَقَدَهُ هَؤُلاءِ إنَّما هو بِزَعْمِهِمْ لا في نَفْسِهِ.

بَلْ ظَنُّهم مُحالٌ في ذاتِهِ.

والحَقُّ أيْضًا عَلى بابِهِ في أنَّهُ مَعْرِفَةُ المَعْلُومِ عَلى ما هو بِهِ.

وبِهَذِهِ الشُرُوطِ لا يُغْنِي الظَنُّ مِنَ الحَقِّ شَيْئًا.

وأمّا في طَرِيقِ الأحْكامِ الَّتِي تَعَبَّدَ الناسُ بِظَواهِرِها فَيُغْنِي الظَنُّ في تِلْكَ الحَقائِقِ ويُصْرَفُ مِن طَرِيقٍ إلى طَرِيقٍ.

والشَهادَةُ إنَّما هي مَظْنُونَةٌ.

وكَذَلِكَ التُهَمُ في الشَهاداتِ تُغْنِي.

ولَيْسَ المُرادُ في هَذِهِ الآيَةِ هَذا النَمَطُ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يَفْعَلُونَ".

وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ "تَفْعَلُونَ" بِالتاءِ عَلى مُخاطَبَةِ الحاضِرِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف على طريقة التكرير لقوله قبله ﴿ قل من يرزقكم من السماء والأرض ﴾ [يونس: 31].

وهذا مقام تقرير وتعديد الاستدلال، وهو من دواعي التكرير وهو احتجاج عليهم بأن حال آلهتهم على الضد من صفات الله تعالى فبعد أن أقام عليهم الدليل على انفراد الله تعالى بالرزق وخلق الحواس وخلق الأجناس وتدبير جميع الأمور وأنه المستحق للإلهية بسبب ذلك الانفراد بين هنا أن آلهتهم مسلوبة من صفات الكمال وأن الله متصف بها.

وإنما لم يعطف لأنه غرض آخر مستقل، وموقع التكرير يزيده استقلالاً.

والاستفهام إنكار وتقرير بإنكار ذلك إذ ليس المتكلم بطالب للجواب ولا يسعهم إلا الاعتراف بذلك فهو في معنى نفي أن يكون من آلهتهم من يبدأ الخلق ثم يعيده، فلذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يرتقي معهم في الاستدلال بقوله: ﴿ اللّهُ يبدأ الخلق ثم يعيده ﴾ فصار مجموع الجملتين قصراً لصفة بَدْء الخلق وإعادته على الله تعالى قصرَ إفراد، أي دون شركائكم، أي فالأصنام لا تستحق الإلهية والله منفرد بها.

وذكر إعادة الخلق في الموضعين مع أنهم لا يعترفون بها ضَرب من الإدماج في الحجاج وهو فن بديع.

وإضافة الشركاء إلى ضمير المخاطبين تقدم وجهه آنفاً عند قوله: ﴿ مكانكم أنتم وشركاؤكم ﴾ [يونس: 28].

وقوله: ﴿ فأنى تؤفكون ﴾ كقوله: ﴿ فأنى تصرفون ﴾ [يونس: 32].

وأفكهُ: قلبه.

والمعنى: فإلى أي مكان تقلبون.

والقلب مجازي وهو إفساد الرأي.

و(أنى) هنا استفهام عن مكان مجازي شبهت به الحقائق التي يُحول فيها التفكير.

واستعارة المكان إليها مثل إطلاق الموضوع عليها والمجال أيضاً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم إلا ظَنًّا ﴾ هم رُؤَساؤُهم.

﴿ إنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا ﴾ في الظَّنِّ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَنزِلَةٌ بَيْنَ اليَقِينِ والشَّكِّ، ولَيْسَتْ يَقِينًا ولَيْسَتْ شَكًّا.

الثّانِي: إنَّ الظَّنَّ ما تَرَدَّدَ بَيْنَ الشَّكِّ واليَقِينِ وكانَ مَرَّةً يَقِينًا ومَرَّةً شَكًّا.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ أم من لا يهدي إلا أن يهدى ﴾ قال: الأوثان؛ الله يهدي منها ومن غيرها ما شاء.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ ﴾ ، قال ابن عباس (١) (٢) (٣) ﴿ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ ﴾ أي: يرشد إلى دين الإسلام، ﴿ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ ﴾ أي: إلى الحق.

قال أبو إسحاق: تقول هديت إلى الحق وهديت للحق بمعنى واحد (٤) قال ابن عباس: يريد (٥) (٦) قوله تعالى: ﴿ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي ﴾ أي: آلله الذي يهدي ويرشد إلى الحق أهل الحق أحق أن يتبع أمره، أو الأصنام التي لا تهدي أحدًا ولا تهدي إلى خير؟!

وهذا معنى قول ابن عباس (٧) (٨) (٩) وقوله تعالى: ﴿ إِلَّا أَنْ يُهْدَى ﴾ ، قال ابن عباس: يريد يرشد، وما ذلك إلا بيد الله، وما يفعله إلا بأوليائه (١٠) وقال مقاتل: ﴿ إِلَّا أَنْ يُهْدَى ﴾ يعني: هذا الذي يعبد الأوثان (١١) (١٢) ﴿ إِلَّا أَنْ يُهْدَى ﴾ على الاستثناء المنقطع بمعنى: لكن إن هدي ذلك العابد اهتدى، أي إن هداه الله اهتدى، فأما الصنم فلا هداية عنده، وهذا المعنى على قراءة من قرأ (أَمَّنْ لَا يَهْدي) ساكنة الهاء خفيفة الدال (١٣) وقرئ (يَهَدّي) (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) والجميع أدغموا التاء في الدال لمقاربتها لها؛ ألا ترى أن التاء والطاء والدال من حيز واحد.

واختلفوا في تحرك الهاء، فمن فتح الهاء ألقى حركة الحرف المدغم وهي الفتحة على الهاء كما ألقاها على ما قبل (١٨) (١٩) (٢٠) ومن قرأ (يِهِدّي) بكسر الياء والهاء فقال الزجاج: هي رديئة لثقل الكسر في الياء (٢١) قال أبو علي: أتبع الياء ما بعدها من الكسر، وليس الكسر في الياء على لغة من يكسر حروف المضارعة من التاء والنون في نحو تِعلم ونِعلم؛ لأن من يقول تِعلم (٢٢) (٢٣) (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) ﴿ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي ﴾ .

فأما معنى لا تهتدي إلا أن تهدى، وهي لا تهتدي وإن هديت؛ لأنها موات من حجارة وأوثان ولكن الكلام نزل على أنها إن هديت اهتدت، وإن لم تكن في الحقيقة كذلك؛ لأنهم لما اتخذوها آلهة عبر عنها كما يعبر عمن يعلم ويفعل (٢٨) ﴿ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ  ﴾ ، وكما قال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ  ﴾ ، وإنما هي موات؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ  ﴾ ، ﴿ أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا  ﴾ ، وكذلك قوله: ﴿ إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ  ﴾ الآية، وأجرى اللفظ على الأوثان على حسب ما يجري على من يعلم، كذلك هاهنا وصف بصفة من يعقل وإن لم يكن في الحقيقة كذلك، و (إِلَّا) على هذا بمنزلة (حتى) كأنه قال (٢٩) (٣٠) وهذا الذي ذكرنا وجه آخر في قراءة من قرأ: (أَمَّن لَا يَهْدِي إلا أن يُهدى) (٣١) (٣٢) (٣٣) (٣٤) (٣٥) وذكر المتأخرون من أهل التفسير وجهين في قوله: ﴿ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى ﴾ لا يساوي واحد منهما أن يحكى فتركته (٣٦) (٣٧) (٣٨)  .

وقوله تعالى: ﴿ فَمَا لَكُمْ ﴾ ، قال الزجاج: (ما لكم) كلام تام كأنهم قيل: لهم أي شيء لكم في عبادة الأوثان؟

ثم قيل لهم: ﴿ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾ علي أي حال تحكمون؟

وموضع (كيف) نصب بـ ﴿ تَحْكُمُونَ ﴾ (٣٩) وقال مقاتل: كيف تقضون حين زعمتم أن مع الله شريكًا (٤٠) وقال عطاء: بئسما حكمتم إذ جعلتم لله شريكًا ليس (٤١) (٤٢) (١) "تنوير المقباس" ص 213.

(٢) "تفسير مقاتل" 140 أ.

(٣) "تفسير ابن جرير" 11/ 115، والسمرقندي 2/ 98، "الدر المنثور" 3/ 552.

(٤) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 19.

(٥) ساقط من (ى)، وفي (ح): (يريد به).

(٦) ذكره بمعناه ابن زنجلة في "حجة القراءات" ص 332.

(٧) انظر: "تنوير المقباس" ص 213، "حجة القراءات" ص 332.

(٨) لم أعثر على قوله.

(٩) انظر: "تفسير ابن جرير" 11/ 116، والثعلبي 7/ 14 ب، والسمرقندي 2/ 98، والبغوي 4/ 133، وابن كثير 2/ 457.

(١٠) لم أقف عليه.

(١١) نص عبارة مقاتل: إلا أن يهدى، وبيات ذلك في: ﴿ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ  ﴾ انظر: "تفسير مقاتل" 140 ب.

(١٢) في (ح): (أم لا).

(١٣) وبهذا قرأ حمزة والكسائي وخلف.

انظر كتاب "السبعة" ص 326، "إرشاد المبتدي" ص 362، "تقريب النشر" ص 122، "إتحاف فضلاء البشر" ص 249.

(١٤) بفتح الياء والهاء وتشديد الدال، وهي قراءة ابن كثير وابن عامر وورش وأبي عمرو في أحد الوجهين.

انظر المصادر السابقة، نفس المواضع.

(١٥) بكسر الياء والهاء وتشديد الدال، وهي قراءة أبي بكر عن عاصم.

(١٦) بفتح الياء وكسر الهاء وتشديد الدال، وهي قراءة حفص عن عاصم، ويعقوب.

(١٧) بإسكان الهاء وتشديد الدال، وهي قراءة نافع وأبي عمرو، غير أن أبا عمرو كان يشم الهاء شيئًا من الفتح.

انظر المصادر السابقة، نفس المواضع.

(١٨) في (ى): (قبلها).

(١٩) في "الحجة للقراء السبعة" 4/ 277 الذي نقل منه النص: واسم موسى لا يُلقى على الساكن منه حركة المدغم.

(٢٠) في (ح): (على).

(٢١) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 19، ولا معنى لوصفها بالرداءة وهي قراءة متواترة، قال السمين الحلبي في "الدر المصون" 6/ 199 بعد أن نقل رأي سيبويه في منع كسر ياء المضارعة: وهذا فيه غض من قراءة أبي بكر، لكنه قد تواتر قراءة، فهو مقبول، وانظر رأي سيبويه في "كتابه" 4/ 110، وانظر توجيه القراءة لغة في "الحجة للقراء السبعة" 4/ 279، "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 332.

(٢٢) بكسر التاء.

(٢٣) بكسر الياء.

(٢٤) في (ى): (قرأ)، وهو خطأ.

(٢٥) بكسر التاء.

(٢٦) بكسر الياء.

(٢٧) رسمت الكلمة في النسخ بلا نقط، والكلمة في "الحجة للقراء السبعة" 4/ 279،= ==وقال سيبويه في "كتابه" 4/ 110: وأما يوجل ونحوه فإن أهل الحجاز يقولون: يوجل، فيجرونه مجرى علمت، وغيرهم من العرب سوى أهل الحجاز يقولون في توجل: هي تيجل، وأنا إيجل، ونحن نِيجل، وإذا قلت (يفعل) فبعض العرب يقولون: ييجل، كراهية الواو مع الياء.

(٢٨) ساقط من (ح).

(٢٩) ساقط من (م).

(٣٠) في (م): (يهتدي).

(٣١) يعني قراءة حمزة ومن معه، انظر: "الحجة للقراء السبعة" 4/ 276.

(٣٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).

(٣٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).

(٣٤) في العبارة غموض؛ إذ قوله: (ولكن يُهدى) يناقض قوله: (ولو هدي أيضًا لم يهتد)، والعبارة هكذا أيضاً في "الحجة" 4/ 376، وقال ابن عطية في "المحرر الوجيز" 7/ 147: والذي أقول: إن قراءة حمزة والكسائي تحتمل أن يكون المعنى: (أمن لا يهدي أحدًا إلا أن يُهدى ذلك الأحد بهداية من عند الله).

(٣٥) "الحجة للقراء السبعة" 4/ 275 - 280، مع التقديم والتأخير والاختصار.

(٣٦) الوجهان للثعلبي في "تفسيره" 7/ 15 أ، ونص عبارته: في معنى الآية وجهان: فصرفها قوم إلى الرؤساء والمضلين، أراد لا يرشدون إلا أن يُرشدوا، وحملها الآخرون على الأصنام وهو وجه الكلام، والمعنى: لا يمشي إلا أن يحمل، ولا ينتقل عن مكانه إلا أن ينقل.

(٣٧) بل روى ابن جرير في "تفسيره" 11/ 116، عن مجاهد: أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهدي إلا أن يهدى، قال: الأوثان، الله يهدي منها ومن غيرها من شاء لما شاء، ولم يتبين لي مراده.

(٣٨) في (ى): (عنهم).

(٣٩) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 20.

(٤٠) "تفسير مقاتل" 140 أبنحوه، والنص في "الوسيط" 2/ 547.

(٤١) في (ى) و (م): (من ليس).

(٤٢) لم أقف عليه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾ الآية: احتجاج على الكفار، فإن قيل: كيف يحتج عليهم بإعادة الخلق، وهم لا يعترفون بها؟

فالجواب، أنهم معترفون أن شركاءهم لا يقدرون على الابتداء ولا على الإعادة، وفي ذلك إبطال لربوبيتهم، وأيضاً فوضعت الإعادة موضع المتفق عليه لظهور برهانها ﴿ أَمَّن لاَّ يهدي ﴾ بتشديد الدال معناه: لا يهتدي في نفسه، فكيف يهدي غيره، وقرئ بالتخفيف بمعنى يهدي غيره والقراءة الأولى أبلغ في الاحتجاج ﴿ فَمَا لَكُمْ ﴾ ما استفهامية معناها تقرير وتوبيخ ولكم خبرها ويوقف عليه ﴿ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾ أي تحكمون بالباطل في عبادتكم لغير الله.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ كلمات ربك ﴾ وكذلك في آخر السورة على الجمع: أبو جعفر ونافع وابن عامر ﴿ لا يهدي ﴾ مثل ﴿ يرمي ﴾ : حمزة وعلي وخلف ﴿ يهدي ﴾ بسكون الهاء وتشديد الدال: أبو جعفر ونافع غير ورش وعباس وأبو عمرو غير عباس بإشمام الفتحة قليلاً ﴿ يهدي ﴾ بكسر الهاء وتشديد الدال: عاصم غير يحيى وجبلة ورويس ﴿ يهدي ﴾ بكسرتين والتشديد: يحيى ﴿ يهدي ﴾ بفتحتين والتشديد: ابن كثير وابن عامر وورش وسهل ويعقوب غير رويس.

الوقوف: ﴿ يدبر الأمر ﴾ ط ﴿ الله ﴾ ج ﴿ تتقون ﴾ ه ج ط ﴿ ربكم الحق ﴾ ج ط للاستفهام مع الفاء ﴿ إلا الضلال ﴾ ج ط ﴿ تصرفون ﴾ ه ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ ثم يعيده ﴾ الأول ط ﴿ تؤفكون ﴾ ه ﴿ إلى الحق ﴾ ط ﴿ للحق ﴾ ط ﴿ أن يهدي ﴾ ج ط لما مر ﴿ فما لكم ﴾ ص لحق الاستفهام الثاني ﴿ تحكمون ﴾ ه ط ﴿ إلا ظناً ﴾ ط ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ يفعلون ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ افتراء ﴾ ط ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ تأويله ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ لا يؤمن به ﴾ ط ﴿ بالمفسدين ﴾ ه ﴿ عملكم ﴾ ج لأن ﴿ أنتم ﴾ مبتدأ والعامل واحد ﴿ تعملون ﴾ ه.

التفسير: لما بين فضائح عبدة الأوثان أكدها بالحجج اللامعة والبراهين القاطعة من أحوال الرزق والموت والحياة والإبداء والإعادة والإرشاد والهداية، وقد بنى الحجج على الاستفهام وتفويض الجواب إلى المسؤول ليكون أبلغ في إلزام الحجة وأوقع في النفوس.

فالحجة الأولى قوله: ﴿ قل من يرزقكم من السماء والأرض ﴾ بإنزال الأمطار النافعة الموجبة لتولد الأغذية النباتية والحيوانية في الأرض بعد رعاية شرائط تربيتها وإنمائها وحفظها من العاهات.

﴿ أمن يملك السمع والأبصار ﴾ خص الحاستين بالذكر لما في خلقهما وتسويتهما من الفطرة العجيبة، وكان  يقول: "سبحان من بَصَّرَ بشحم وأسمع بعظم وأنطق بلحم" ولما في تحصينهما في الآفات في المدد الطوال وهما لطيفان يؤذيهما أدنى شيء مزيد قدرة ورأفة.

﴿ ومن يخرج الحي من الميت ﴾ الحيوان الماشي والطائر من النطفة والبيضة وقد مر سائر الأقوال في سورة الأنعام.

﴿ ومن يدبر الأمر ﴾ عمم بعدما خصص لأن أقسام تدبيره  في العالم العلوي والعالم السفلي وعالمي الغيب والشهادة أمور لا نهاية لها.

وذكر كلها كالمتعذر.

﴿ فسيقولون الله ﴾ وفيه دليل على أنهم كانوا يعبدون الأصنام بناء على أنها شفعاؤهم وأنها تقربهم إلى الله زلفى، ولكنهم كانوا مخطئين في هذا الاعتقاد فلهذا ختم الآية بقوله ﴿ فقل أفلا تتقون ﴾ الله الذي اعترفتم بأنه سبب فيضان جميع الخيرات فكيف أشركتم بعبادته الجمادات التي لا تقدر على نفع أو ضر.

﴿ فذلكم ﴾ الموصوف بالقدرة الكاملة والرحمة الشاملة ﴿ الله ربكم الحق ﴾ الثابت ربوبيته بالوجدان والبرهان.

﴿ فماذا بعد الحق ﴾ "ذا" مزيدة و "ما" نافية أو استفهامية أو مجموع "ماذا" كلمة واحدة معناها أي شيء بعد الحق ﴿ إلا الضلال ﴾ والمراد أنه لما ثبت وجود الواجب الحق كان ما سواه ممكناً لذاته باطلاً دعوى الإلهية فيه، لأن واجب الوجود يجب أن يكون واحداً في ذاته وفي صفاته وفي جميع اعتباراته وإلا لزم افتقاره إلى ما انقسم إليه فلا يكون واجباً هف محال ولهذا ختم الآية بقوله: ﴿ فأنى تصرفون ﴾ كيف تستجيزون العدول عن هذا الحق الظاهر وتقعون في الضلال، إذ لا واسطة بين الأمرين، فمن يخطىء أحدهما وقع في الآخر.

﴿ كذلك ﴾ أي كما حق وثبت أن الحق بعده الضلال، أو كما حق أنهم مصروفون عن الحق فكذلك ﴿ حقت كلمة ربك ﴾ .

وتفسير الكلمة ﴿ أنهم لا يؤمنون ﴾ على أنه بدل أي حق عليهم انتفاء الإيمان وقد علم الله منهم ذلك في الأزل، وأراد بالكلمة العدة بالعذاب وأنهم لا يؤمنون تعليل على حذف اللام.

احتجت المعتزلة بمثل قوله تعالى: ﴿ فأنى تصرفون ﴾ أن الصارف لو كان هو الله  لم يصح منه هذا التعجيب والإنكار.

وقالت الأشاعرة: قد تعلق علمه  بأنهم لا يؤمنون كما قال: ﴿ حقت كلمة ربك ﴾ وتعلق خبره بأنهم لا يؤمنون وقدرته لم تتعلق بخلق الإيمان فيه بل بخلق الكفر فيه، وأثبت ذلك في اللوح المحفوظ وأشهد عليه ملائكته وأنزله على أنبيائه وأشهدهم عليه، فلو حصل الإيمان لبطلت هذه الأشياء فينقلب علمه جهلاً وخبره الصدق كذباً وقدرته عجزاً وإرادته عبثاً وإشهاده باطلاً.

الحجة الثانية ﴿ قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده ﴾ وإنما قال: ﴿ ثم يعيده ﴾ مع أن الخصم لا يعترف به لأنه قدم في هذه السورة دلال الإعادة بحيث لا يتمكن العاقل من دفعها إذا تأمل وأنصف فبنى الأمر على ذلك.

وإنما أمر نبيه أن ينوب عنهم في الجواب بقوله ﴿ قل الله ﴾ الآية.

تنبيهاً على أن هذا المعنى بلغ في الوضوح إلى حيث لا حاجة فيه الى إقرار الخصم المكابر، فكأنه قيل: تكلم عنهم إذ لا يدعهم لحاجهم أن ينطقوا بكلمة الحق.

وقوله: ﴿ فأنى تؤفكون ﴾ كقوله: ﴿ فأنى تصرفون ﴾ وقد مر في "المائدة".

الحجة الثالثة ﴿ قل هل من شركائكم من يهدي ﴾ الآية.

الاستدلال على وجود الصانع بالخلق أوّلاً ثم بالهداية عادة مطردة في القرآن، فحكى عن الخليل  ﴿ الذي خلقني فهو يهدين  ﴾ وعن موسى ﴿ ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى  ﴾ وأمر محمداً  ﴿ سبح اسم ربك الأعلى  الذي خلق فسوى  والذي قدر فهدى  ﴾ والسر فيه أن المقصود من خلق الجسد حصول الهداية للروح وارتسام العلوم والمعارف فيه بإرشاد الحق  من الطرق المنحرفة كثيرة والظنون والأغاليط غير محصورة، فتحصيل الوسط الحقيقي لا يمكن إلا بتوفيقه وهدايته، ولا مدخل في ذلك بالاستقلال لملك أو إنسي أو جني فضلاً عن الأصنام التي هي في أدنى مراتب الوجود لأنها جمادات لا شعور لها هذا تقرير الحجة الثالثة.

وقال الزجاج: يقال: هديت للحق وإلى الحق بمعنى، فجمع بين العبارتين.

ويقال: هدى بنفسه بمعنى اهتدى كما يقال شرى بمعنى اشترى ومنه قوله: ﴿ أمن لا يهدي ﴾ وسائر القراآت أصلها "يهتدي" فأدغم وفتحت الهاء بحركة التاء أو كسرت لالتقاء الساكنين، وقد كسرت الياء لاتباع ما بعدها.

قيل: هذه الشركاء جمادات فكيف قال في حقها ﴿ إلا أن يهدى ﴾ وأجيب بوجوه منها: أن المراد في الآية رؤساؤهم وأشرافهم كقوله: ﴿ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً  ﴾ والمراد أن الله  هو الذي يهدي الخلق إلى الدين الحق بالدلائل النقلية وبما يمكنهم منه من الدلائل العقلية، وأما هؤلاء الدعاة والرؤساء فإنهم لا يقدرون على أن يهدوا غيرهم إلا إذا هداهم الله.

ومنها أنهم لما اتخذوها آلهة وصفهم الله  بصفة من يعقل كقوله: ﴿ إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم  ﴾ ومنها أن ذلك بالفرض والتقدير يعني أنها لو كانت بحيث يمكنها أن تهتدي فإنها لا تهدي غيرها إلا أن تهدى.

ومنها أن البنية عندنا ليست بشرط في صحة الحياة والعقل فيصح من الله  أن يجعلها حية عاقلة، ثم إنها تشتغل بهداية الغير، ومنها أن المراد من الهدي النقل والحركة يقال: هديت المرأة زوجها أي نقلت إليه، فالمعنى لا ينتقل إلى مكان إلا إذا نقل إليه.

ثم عجب من مذهبهم الفاسد باستفهامين متواليين فقال: ﴿ فما لكم كيف تحكمون ﴾ .

ثم بين ما بنوا عليه أمر دينهم فقال: ﴿ وما يتبع أكثرهم إلا ظناً ﴾ أي في إقرارهم بالله لأنه قول غير مستند إلى برهان عندهم بل سمعوه من أسلافهم أو في قولهم للأصنام أنها آلهة أو شفعاء، وعلى هذا فالمراد بالأكثر الجميع.

﴿ إن الظن ﴾ في معرفة الله وفيما يجب تحقيقه ﴿ لا يغني من الحق ﴾ وهو العلم والتحقيق ﴿ شيئاً ﴾ من الغناء.

والمعنى أن الظن لا يقوم مقام العلم في شيء من الأحوال.

ثم أوعدهم على اتباعهم الظن وتقليد الآباء بقوله: ﴿ إن الله عليم بما يفعلون ﴾ .

وتمسك نفاة القياس بالآية ظاهر من قبل أن القياس لا يفيد إلا الظن.

وأجيب بأن التمسك بالعمومات لا يفيد إلا الظن وهذه الآية من العمومات فلم يجب اتباعها بزعمكم، وما أفضى ثبوته إلى نفيه كان متروكاً.

ولما فرغ من دلائل التوحيد شرع في إثبات النبوة فقال: ﴿ ما كان هذا القرآن أن يفترى ﴾ أي افتراء من دون الله أو كلمة "أن" بمعنى اللام أي ما ينبغي له وما استقام أن يكون مفترى.

والحاصل أن وصفه ليس وصف شيء يمكن أن يفترى به على الله لأنه معجز لا يقدر البشر على إتيان مثله وإنما القادر عليه هو الله  .

﴿ ولكن ﴾ كان ﴿ تصديق الذي بين يديه ﴾ من الكتب المنزلة لإعجازه دونها فهو عيار عليها شاهد بصحتها، ونفس هذا التصديق أيضاً معجز لأن أقاصيصه موافقه لما في كتب الأولين مع أنه لم يتعلم قط ولم يتلمذ، ولأن بشارته جاءت في تلك الكتب على وفق دعواه، ولأنه يخبر عن الغيوب المستقبلة فيقع مطابقاً فظهر أن القرآن معجز من قبل اشتماله على الغيوب الماضية والمستقبلة.

أما أنه معجز من جهة اشتماله على العلوم الجمة فذلك قوله: ﴿ وتفصيل الكتاب ﴾ أي يبين ما كتب وفرض من الأحكام والشرائع كقوله: ﴿ كتاب الله عليكم  ﴾ قال في الكشاف قوله: ﴿ لا ريب فيه من رب العالمين ﴾ داخل في حيز الاستدراك كأنه قال: ولكن كان تصديقاً وتفصيلاً منتفياً عنه الريب كائناً من رب العالمين، وجوز أن يكون ﴿ من رب العالمين ﴾ متعلقاً بتصديق وتفصيل و ﴿ لا ريب فيه ﴾ اعتراض كقولك: زيد لا شك فيه كريم.

والمعنى ولكن كان تصديقاً من رب العالمين وتفصيلاً منه لا ريب فيه.

ثم أعاد بيان إعجازه مرة أخرى فقال مستفهماً على سبيل الإنكار ﴿ أم يقولون افتراه قل ﴾ إن كان الأمر كما تزعمون ﴿ فأتوا ﴾ أنتم على وجه الافتراء ﴿ بسورة مثله ﴾ في البلاغة وحسن النظم فأنتم مثلي في العربية والفصاحة ﴿ وادعوا من استطعتم من دون الله ﴾ أي لا تستعينوا بالله وحده ثم استعينوا بكل من سواه ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ أنه افتراه.

قال بعض العلماء: هذه الآية في سورة يونس وهي مكية، فلعل المراد بالسورة المتحدّي بها هذه السورة.

والأصح أن التحدي واقع على أقصر سورة.

قالت المعتزلة: لو لم يكن الإتيان بمثل القرآن صحيح الوجود في الجملة لم يتحدّ العرب به لكنهم تحدّوا بذلك فدل على أن القرآن محدث إذ لو كان قديماً والإتيان بالقديم محال لم يصح هذا التحدي.

وأجيب بأن القرآن يقال بالاشتراك على الصفة القديمة القائمة بذات الله وعلى هذه الحروف والأصوات المحدثة، والتحدي إنما وقع بهذه لا بتلك ﴿ بل كذبوا ﴾ سارعوا إلى التكذيب ﴿ بما لم يحيطوا بعلمه ﴾ وهو القرآن ﴿ ولما يأتهم تأويله ﴾ ومعنى التوقع فيه أنهم كذبوا به على البديهة قبل التدبر ومعرفة التأويل تقليداً للآباء، وكذبوا به بعد التدبر وتكرير التحدي عليهم واستيقان عجزهم عن هذا بغياً وحسداً وعناداً.

وذلك إنما حملهم على التكذيب أوّلا وآخراً وجوه منها: أنهم وجدوا في القرآن أقاصيص الأولين ولم يعرفوا المقصود منها فقالوا أساطير الأوّلين، وخفي عليهم أن الغرض منها بيان قدرة الله  على التصرف في هذا العالم ونقل الأمم من العز إلى الذل وبالعكس، ليعرف المكلف أن الدنيا ليست مما يبقى، فنهاية كل حركة سكون وغاية كل سكون أن لا يكون كقوله: عز من قائل ﴿ لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب  ﴾ .

ومنها أنهم كلما سمعوا حروف التهجي في أوائل السور ولم يفهموا منها شيئاً ساء ظنهم بالقرآن فأجاب الله  عنه بقوله: ﴿ هو الذي أنزل عليك الكتاب  ﴾ إلى قوله: ﴿ وأخر متشابهات  ﴾ الآية.

ومنها أنهمرأوا القرآن يظهر شيئاً فشيئاً فاتهموا النبي وقالوا: ﴿ لولا أنزل عليه القرآن جملة واحدة  ﴾ ومنها أنهم وجدوا القرآن مملوءاً من حديث الحشر والنشر، وكانوا قد ألفوا المحسوسات فاستبعدوا ذلك.

وأنهم وجدوا فيه تكاليف كثيرة من الصلاة والصيام والزكاة والحج والجهاد وكانوا يقولون.

إن إله العالم غني عنا وعن طاعاتنا ﴿ كذلك كذب الذين من قبلهم ﴾ يعني قبل النظر في معجزات أنبيائهم.

قال أهل التحقيق: في الآية دلالة على أن من كان غير عارف بوجوه التأويل قد يقع في الكفر والبدعة، لأن ظواهر النصوص قد تتعارض فيفتقر هنالك إلى تطبيق التنزيل على التأويل.

وقيل: معنى الآية أن القرآن كتاب معجز من جهتين: من جهة إعجاز نظمه ومن جهة ما فيه من الأخبار بالغيوب ومن جملتها أحوال الآخرة.

فقوله: ﴿ بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ﴾ إشارة إلى التكذيب به قبل أن ينظروا في نظمه وبلوغه حد الإعجاز، وقوله: ﴿ ولما يأتهم تأويله ﴾ إشارة إلى تكذيبهم قبل أن يمتحنوا غيوبه هل تطابق الواقع أم لا.

ثم ختم الآية بقوله: ﴿ فانظر كيف كان عاقبة الظالمين ﴾ والمراد أنهم طلبوا الدنيا وأعرضوا عن الآخرة فلم تبق عليهم الدنيا وفاتتهم الآخرة فبقوا في خسران الدارين.

وقيل: المقصود عذاب الاستئصال الذي نزل بالمكذبين قبلهم.

ثم قسم طوائف الأمم المكذبين فقال: ﴿ ومنهم من يؤمن به ﴾ أي بالقرآن أو بالرسول أي يصدق به في نفسه ويعلم أنه حق ولكنه يعاند ﴿ ومنهم ﴾ من يشك فيه لا يصدق به لا ظاهراً ولا باطناً، ويمكن أن يقال: المراد به قسمتهم في الاستقبال أي ومنهم من سيؤمن به ومنهم من يبقى على الكفر فتكون الآية كالعذر في تبقيتهم وعدم استئصالهم ﴿ وربك أعلم بالمفسدين ﴾ فيجازيهم على حسب مراتبهم في التكذيب ويعلم طوياتهم هل يتوبون أو يصرفون.

ثم بين اختصاص كل مكلف بأفعاله وبنتائج أعماله من الثواب والعقاب فقال: ﴿ وإن كذبوك فقل لي عملي ﴾ أي جزاء عملي على الطاعة والإيمان وتبليغ الرسالة ﴿ ولكم عملكم ﴾ قال مقاتل والكلبي: هي منسوخة بآية القتال.

والتحقيق أن آية القتال لا تدفع شيئاً من مدلولات هذه فلا نسخ والله أعلم.

التأويل: ﴿ قل من يرزقكم ﴾ أي من ينزل من سماء النفس مطر الهواجس ويخرج من أرض النفس نبات الأفعال والأعمال، وينزل من سماء القلب مطر أثار فيض الروح ويخرج من أرض النفس نبات الصفات البشرية والحيوانية.

أو ينزل من سماء الروح مطر فيض الروح ويخرج من أرض القلب نبات الأوصاف الحميدة، أو ينزل من سماء القدرة مطر تجلي الصفات والفيض الرباني ويخرج من أرض الروح المحبة والأخلاق الإلهية، أو ينزل من سماء الذات مطر تجلي الصفات ويخرج من أرض الوجود نبات الفناء في الله وثمرات البقاء بالله ﴿ أمن يملك السمع والأبصار ﴾ فيكون سمعه الذي به يسمع، وبصره الذي به يبصر.

﴿ يخرج الحي من الميت ﴾ النفس من القالب والقلب من الروح والروح من القلب وبالعكوس ﴿ ومن يدبر ﴾ أمر الإنسان بالتربية من التراب إلى أن يصل إلى رب الأرباب.

فسيقولون هذه الأحوال كلها من الله فقل لمن بلغ نظره إلى هذه المراتب العلية وإنها عتبة باب التوحيد والمعرفة ﴿ أفلا تتقون ﴾ بالله من غيره لتدخلوا بيت الوحدة ﴿ كذلك حقت كلمة ربك ﴾ هكذا جرى القلم في الأزل على الذين خرجوا عن قبول فيض النور حين رش على الخلق من نوره.

﴿ وتفصيل الكتاب ﴾ وتفصيل الجملة التي هي مكتوبة عنده في أم الكتاب وهو علمه القائم بذاته.

﴿ وربك أعلم بالمفسدين ﴾ الذين أفسدوا استعدادهم الفطري والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ ٱلسَّمْعَ وٱلأَبْصَارَ...

﴾ الآية: يحاجهم يعني: أهل مكة في التوحيد [والربوبية وكأن هذه السورة نزلت في محاجة أهل مكة في التوحيد] لأنها مكية.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ ﴾ يحتمل وجهين؛ أي: من ينزل لكم الرزق من السماء، ومن يستخرج لكم الرزق من الأرض.

والثاني: من يرزقكم من السماء والأرض أي ومن يدبر الرزق في السماء، ومن يدبر الرزق في الأرض، لا أحد يملك استنزال الرزق من السماء، واستخراج الرزق من الأرض؛ وكذلك لا أحد يملك تدبيره في السماء والأرض سواه، ولا أحد يملك إنشاء السمع والبصر، ولا أحد أيضاً يملك إخراج الحي من الميت ولا إخراج الميت من الحي ولا تدبير الأمر، لا يعرفون حقيقة ماهية السمع والبصر ولا كيفيتهما، فكيف يملكون إنشاء السمع والبصر ونصبهما، ولا [يملك أحد] سواه إصلاح ما ذكر إذا فسد ذلك، فأقروا له أنه لا يملك أحد سوى الله ذلك، وهو قولهم: ﴿ فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ ﴾ \[يقول: والله أعلم -: إذا عرفتم وأقررتم أنه لا يملك ما ذكر سواه وعرفتم أن له السلطان والقدرة على ذلك أفلا تتقون\] بوائقه ونقمته، [أو يقول: أفلا تتقون عبادة غيره دونه، وإشراك غيره في ألوهيته وربوبيته]، أو يقول: أفلا تتقون صرف شكره إلى غيره وقد أقررتم أنه هو المنعم عليكم بهذه النعم لا من تعبدون دونه.

أو يقول - والله أعلم -: إذا عرفتم ذلك أفلا تتقون مخالفته وعصيانه، فإذا أقروا أن الذي يملك تدبير ما بين السماء والأرض هو الذي له السماوات والأرض عرفوا الذي يستحق العبادة والقيام بشكره، فإذا ضيعوا ذلك جمعهم على اسم الضلال؛ فذلك قوله: ﴿ فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقِّ إِلاَّ ٱلضَّلاَلُ ﴾ .

وقوله  : ﴿ فَذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمُ ٱلْحَقُّ ﴾ أي: ذلكم الذي ذكر ربكم بالحجج والبراهين، فماذا بعد الحق الذي هو حق بالحجج والبراهين إلا الضلال؟!

لأن ما لا حجج له ولا براهين فهو ضلال.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ ﴾ : عن عبادته إلى عبادة غيره، أو فأنى تصرفون عن شكر المنعم، إلى شكر غير المنعم.

أو يقول: فأنى تعدلون من لا يملك ما ذكر بمن يملك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ﴾ حقت: وجبت، وقيل: كذلك حقت كلمة ربك على الذين ختموا بالفسق أنهم لا يؤمنون، أي: لا ينتفعون بإيمانهم بعد ذلك.

وقوله: ﴿ كَلِمَتُ رَبِّكَ ﴾ تحتمل وجهين: تحتمل كلمة ربك [مواعيد ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون فإن كان على هذا فهو في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون.

ويحتمل كلمة ربك] حجج ربك وبراهينه على الذين فسقوا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾ : قال عامة أهل التأويل: ثم يعيده: البعث بعد الموت، أي: لا أحد من شركائكم الذين تعبدون يملك بدء الخلق ولا بعثه.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾ لا يحتمل البعث؛ لأنهم كانوا لا يقرون بالبعث، فلا يحتمل الاحتجاج عليهم بذلك، ولكن قوله: ﴿ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾ ما سوى البشر؛ لأنهم إنما ينكرون إعادة البشر، فأما إعادة غيره من الأشياء لا ينكرونه؛ نحو إعادة الليل والنهار، وإعادة الإنزال والنبات، ونحو الأشياء التي يشاهدونها، أي: ثم يعيد مثله: الليل ليلا مثله، والنهار نهارا مثله؛ وكذلك الخلائق تفنى ثم يعيد مثله، فإذا ثبت في غير البشر ثبت في البشر.

ويحتمل الأمرين جميعاً عندنا البعث وأشياء مثله؛ لأنه تعليم منه لهم، ألا ترى أنه قال: ﴿ قُلِ ٱللَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ ﴾ قيل: تكذبون بتوحيد الله، وقد عرفتم أنه هو بدأ الخلق ثم هو يعيده، لا أحد يملك ذلك، ألا ترى أنه احتج عليهم ما يلزمهم ذلك بقوله: ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ...

﴾ الآية [البقرة: 28].

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَهْدِيۤ إِلَى ٱلْحَقِّ ﴾ : يحتمل قوله: ﴿ يَهْدِيۤ إِلَى ٱلْحَقِّ ﴾ يدعو إلى الحق فإذا كان هؤلاء الأصنام التي تعبدونها لا يملكون الدعاء إلى شيء، فلا يملكون الضر والنفع، ومن الخلائق من لا يملك النفع والضر، ويملك الدعاء إلى خير أو [إلى] نفع، فهؤلاء دون الخلائق جميعاً؛ إذ لا يملكون الدعاء، فكيف يملكون [الضرّ والنفع]؟!

يبين عز وجل سفههم بعبادتهم هؤلاء الأصنام؛ لعلمهم أنهم لا يملكون نفعاً ولا ضرّاً.

ويحتمل قوله: ﴿ يَهْدِيۤ إِلَى ٱلْحَقِّ ﴾ أي: يبين ويقيم الدلائل والبراهين على [عدم] استحقاق العبادة لهم، فإذا لم يملكوا الدعاء إلى العبادة لهم، فكيف يملكون نصب الدلائل والحجج على استحقاق العبادة؟!

﴿ قُلِ ٱللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ ﴾ : أخبر أن الله هو الذي يهدي للحق.

ثم يحتمل الوجهين اللذين ذكرنا: هو يملك الدعاء إلى الحق ويقيموا الدلائل والحجج على ما دعا إليه، وهو يستحق العبادة له والربوبية.

﴿ أَفَمَن يَهْدِيۤ إِلَى ٱلْحَقِّ ﴾ : الذي يبين البراهين والحجج، ﴿ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيۤ ﴾ أي: لا يبين، ﴿ إِلاَّ أَن يُهْدَىٰ ﴾ ، فإن قيل: ما معنى الاستثناء وهو وإن هدي لا يهتدي؟

قيل: يشبه أن يكون هذا صلة ما تقدم من قوله: ﴿ مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ  ﴾ ينطقهم الله - عز وجل - يوم القيامة، فيشهدون عليهم أنهم لم يأمروهم بالعبادة لهم ولا دعوهم لإشراكهم في العبادة، فيكون قوله: ﴿ إِلاَّ أَن يُهْدَىٰ ﴾ لما أن يجعلهم الله بحيث يهتدون إذا هدوا ويجيبون إذا دعوا.

﴿ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾ : بالجور وصرف العبادة والشكر إلى من لا يملك ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيۤ إِلاَّ أَن يُهْدَىٰ ﴾ قال بعضهم: ﴿ إِلاَّ أَن يُهْدَىٰ ﴾ لا يحتمل الصنم والوثن الاهتداء وإن هدي، ولكن المراد منه الإنسان.

وقال بعضهم: ﴿ إِلاَّ أَن يُهْدَىٰ ﴾ إلا أن يحمل الصنم ويوضع، فأما أن يهتدي هو بنفسه فلا، لكن يحتمل ما ذكرنا أنه إذا صيره بحيث يتكلم ومن جنس ما ينطق وأذن له في النطق احتمل الإجابة والاهتداء، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّاً ﴾ قال بعضهم: هذا في الأئمة والرؤساء منهم حيث عبدوا الأصنام والأوثان وقالوا: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ ، وقالوا: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ ونحو ذلك من القول؛ يقول: ما يتبع أكثرهم في عبادتهم الأصنام بأنهم يكونون لهم شفعاء عند الله إلا ظنا ظنوه.

وقال بعضهم: هذا في الأتباع والعوام ليس في الأئمة؛ ذلك أن الأئمة قد عرفوا البراهين والحجج التي قامت عليهم والآيات التي جاء بها رسول الله  ، لكن ما قالوا: ﴿ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ  ﴾ ، ﴿ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ إِفْكٌ مُّفْتَرًى  ﴾ ، ﴿ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ  ﴾ ونحو ذلك من الكلام، أرادوا أن يلبسوا على العوام ويشبهوا عليهم، فاتبع العوام الأئمة فيما قالوا وأنه كذا وصدقوهم؛ يقول: وما يتبع أكثرهم الأئمة في ذلك إلا ظنّاً ظنوا.

ويشبه أن يكون قوله: ﴿ وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ ﴾ يعني: أهل مكة [أي ما يتبع أكثر أهل مكة] الأوائل والأسلاف في عبادة الأصنام والأوثان.

﴿ إِلاَّ ظَنّاً ﴾ لأنهم عبدوا الأصنام ويقولون: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ...

﴾ الآية [الزخرف: 23] وآباؤنا كذلك يفعلون، ثم أخبر أن الظن لا يغني من الحق شيئاً، أي: الظن لا يدرك به الحق إنما يدرك الحق باليقين، ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ ﴾ وهو حرف وعيد ليكونوا أبدا على حذر.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: هل من بين شركائكم الذين تعبدونهم من دون الله من يُنْشِئ الخلق على غير مثال سابق، ثم يبعثه بعد موته؟

قل لهم: الله يُنْشئُ الخلق على غير مثال سابق، ثم يبعثه بعد موته، فكيف تصرفون -أيها المشركون- عن الحق إلى الباطل؟!

<div class="verse-tafsir" id="91.qa6Qn"

مزيد من التفاسير لسورة يونس

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل