الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ٣٥ من سورة يونس
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 75 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٣٥ من سورة يونس: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
( قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق ) أي : أنتم تعلمون أن شركاءكم لا تقدر على هداية ضال ، وإنما يهدي الحيارى والضلال ، ويقلب القلوب من الغي إلى الرشد الله ، الذي لا إله إلا هو .
( أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى ) أي : أفيتبع [ العبد الذي يهدي إلى الحق ويبصر بعد العمى ، أم الذي لا يهدي إلى شيء إلا ] أن يهدى ، لعماه وبكمه ؟
كما قال تعالى إخبارا عن إبراهيم أنه قال : ( يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا ) [ مريم : 42 ] ، وقال لقومه : ( أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون ) [ الصافات : 95 ، 96 ] إلى غير ذلك من الآيات .
وقوله : ( فما لكم كيف تحكمون ) أي : فما بالكم يذهب بعقولكم ، كيف سويتم بين الله وبين خلقه ، وعدلتم هذا بهذا ، وعبدتم هذا وهذا ؟
وهلا أفردتم الرب جل جلاله المالك الحاكم الهادي من الضلالة بالعبادة وحده ، وأخلصتم إليه الدعوة والإنابة .
القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (35) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: (قل) ، يا محمد لهؤلاء المشركين ، (هل من شركائكم) ، الذين تدعون من دون الله، وذلك آلهتهم وأوثانُهم، (من يهدي إلى الحق) يقول: من يرشد ضالا من ضلالته إلى قصد السبيل، ويسدِّد جائرًا عن الهدى إلى واضح الطريق المستقيم؟
فإنهم لا يقدرون أن يدَّعوا أن آلهتهم وأوثانهم تُرشد ضالا أو تهدي جائرًا.
وذلك أنهم إن ادَّعوا ذلك لها أكذبتهم المشاهدة ، وأبان عجزَها عن ذلك الاختبارُ بالمعاينة.
فإذا قالوا " لا " وأقرُّوا بذلك، فقل لهم.
فالله يهدي الضالَّ عن الهدى إلى الحق ، (أفمن يهدي) أيها القوم ضالا إلى الحقّ، وجائرًا عن الرشد إلى الرشد ، (أحق أن يتبع) ، إلى ما يدعو إليه ( أَمَّنْ لا يهدِّي إِلا أن يُهدى)؟
* * * واختلفت القراء في قراءة ذلك.
فقرأته عامة قراء أهل المدينة: ( أَمَّنْ لا يَهْدِّي ) بتسكين الهاء ، وتشديد الدال، فجمعوا بين ساكنين (3) ، وكأنّ الذي دعاهم إلى ذلك أنهم وجَّهوا أصل الكلمة إلى أنه: أم من لا يهتدي، ووجدوه في خطّ المصحف بغير ما قرءوا ، (4) وأن التاء حذفت لما أدغمت في الدال، فأقرُّوا الهاء ساكنة على أصلها الذي كانت عليه، وشدَّدوا الدال طلبًا لإدغام التاء فيها، فاجتمع بذلك سكون الهاء والدال.
وكذلك فعلوا في قوله: وَقُلْنَا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ ، [سورة النساء: 154] ، (5) وفي قوله: يَخِصِّمُونَ ، [سورة يس: 49].
(6) * * * وقرأ ذلك بعض قراء أهل مكة والشام والبصرة ، "(يَهَدِّي) بفتح الهاء وتشديد الدال.
وأمُّوا ما أمَّه المدنيون من الكلمة، غير أنهم نقلوا حركة التاء من " يهتدي": إلى الهاء الساكنة، ، فحرَّكوا بحركتها ، وأدغموا التاء في الدال فشدّدوها.
* * * وقرأ ذلك بعض قراء الكوفة: (يَهِدِّي)، بفتح الياء، وكسر الهاء ، وتشديد الدال، بنحو ما قصدَه قراء أهل المدينة، غير أنه كسر الهاء لكسرة الدال من " يهتدي"، استثقالا للفتحة بعدها كسرةٌ في حرف واحدٍ.
* * * وقرأ ذلك بعدُ ، عامة قراء الكوفيين (7) ( أَمَّنْ لا يَهْدِي)، بتسكين الهاء وتخفيف الدال.
وقالوا: إن العرب تقول: " هديت " بمعنى " اهتديت "، قالوا: فمعنى قوله: ( أَمَّنْ لا يهدي) : أم من لا يَهْتَدي إلا أن يهدى .
* * * قال أبو جعفر: وأولى القراءة في ذلك بالصواب ، قراءةُ من قرأ: ( أَمَّنْ لا يَهَدِّي) بفتح الهاء وتشديد الدال، لما وصفنا من العلة لقارئ ذلك كذلك، وأن ذلك لا يدفع صحته ذو علم بكلام العرب ، وفيهم المنكر غيره.
وأحقُّ الكلام أن يقرأ بأفصح اللغات التي نـزل بها كلامُ الله.
* * * فتأويل الكلام إذًا: أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع، أم من لا يهتدي إلى شيء إلا أن يهدى ؟
* * * وكان بعض أهل التأويل يزعم أن معنى ذلك: أم من لا يقدر أن ينتقل عن مكانه إلا أن يُنْقل.
* * * وكان مجاهد يقول في تأويل ذلك ما:- 17660- حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أَمَّنْ لا يهدّي إلا أن يهدى )، قال: الأوثان، الله يهدي منها ومن غيرها من شاء لمن شاء.
17661- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله: (أمن لا يهدي إلا أن يهدى) ، قال: قال: الوثن.
* * * وقوله: (فما لكم كيف تحكمون) ، ألا تعلمون أن من يهدي إلى الحق أحقُّ أن يتبع من الذي لا يهتدي إلى شيء ، إلا أن يهديه إليه هادٍ غيره، فتتركوا اتّباع من لا يهتدي إلى شيء وعبادته ، وتتبعوا من يهديكم في ظلمات البر والبحر ، وتخلصوا له العبادة فتفردوه بها وحده ، دون ما تشركونه فيها من آلهتكم وأوثانكم؟
------------------------ الهوامش : (3) انظر ما قاله في شبه هذه القراءة فيما سلف 9 : 362 .
(4) في المطبوعة : " بغير ما قرروا " ، والصواب ما في المخطوطة .
(5) انظر ما سلف في هذه القراءة 9 : 362 .
(6) انظر ما سيأتي في هذه القراءة 23 : 11 ( بولاق ) .
(7) في المطبوعة : " وقرأ ذلك بعض عامة قرأة ، الكوفيين " جعل " بعد " ، " بعض " ، فأفسد الكلام وأسقطه .
قوله تعالى قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمونقوله تعالى قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق يقال : هداه للطريق وإلى الطريق بمعنى واحد ; وقد تقدم .
أي هل من شركائكم من يرشد إلى دين الإسلام ; فإذا قالوا لا ولا بد منه ف قل لهم الله يهدي للحق ثم قل لهم موبخا ومقررا .
أفمن يهدي أي يرشد إلى الحق وهو الله سبحانه وتعالى أحق أن يتبع أم من لا يهدي إلا أن يهدى يريد الأصنام التي لا تهدي أحدا ، ولا تمشي إلا أن تحمل ، ولا تنتقل عن مكانها إلا أن تنقل .
قال الشاعر :[ ص: 253 ]للفتى عقل يعيش به حيث تهدي ساقه قدمهوقيل : المراد الرؤساء والمضلون الذين لا يرشدون أنفسهم إلى هدى إلا أن يرشدوا .
وفي يهدي قراءات ست : الأولى : قرأ أهل المدينة إلا ورشا " يهدي " بفتح الياء وإسكان الهاء وتشديد الدال ; فجمعوا في قراءتهم بين ساكنين كما فعلوا في قوله : " لا تعدوا " وفي قوله : " يخصمون " .
قال النحاس : والجمع بين الساكنين لا يقدر أحد أن ينطق به .
قال محمد بن يزيد : لا بد لمن رام مثل هذا أن يحرك حركة خفيفة إلى الكسر ، وسيبويه يسمي هذا اختلاس الحركة .الثانية : قرأ أبو عمرو وقالون في رواية بين الفتح والإسكان ، على مذهبه في الإخفاء والاختلاس .الثالثة : قرأ ابن عامر وابن كثير وورش وابن محيصن " يهدي " بفتح الياء والهاء وتشديد الدال ، قال النحاس : هذه القراءة بينة في العربية ، والأصل فيها يهتدي أدغمت التاء في الدال وقلبت حركتها على الهاء .الرابعة : قرأ حفص ويعقوب والأعمش عن أبي بكر مثل قراءة ابن كثير ، إلا أنهم كسروا الهاء ، قالوا : لأن الجزم إذا اضطر إلى حركته حرك إلى الكسر .
قال أبو حاتم : هي لغة سفلي مضر .الخامسة : قرأ أبو بكر عن عاصم يهدي بكسر الياء والهاء وتشديد الدال ، كل ذلك لإتباع الكسر الكسر كما تقدم في البقرة في يخطف وقيل : هي لغة من قرأ " نستعين " ، و " لن تمسنا النار " ونحوه .
وسيبويه لا يجيز يهدي ويجيز " تهدي " و " نهدي " و " إهدي " قال : لأن الكسرة في الياء تثقل .السادسة : قرأ حمزة والكسائي وخلف ويحيى بن وثاب والأعمش " يهدي " بفتح الياء وإسكان الهاء وتخفيف الدال ; من هدى يهدي .
قال النحاس : وهذه القراءة لها وجهان في العربية وإن كانت بعيدة ، وأحد الوجهين أن الكسائي والفراء قالا : " يهدي " بمعنى يهتدي .
قال أبو العباس : لا يعرف هذا ، ولكن التقدير أمن لا يهدي غيره ، تم الكلام ، ثم قال : " إلا أن يهدى " [ ص: 254 ] استأنف من الأول ، أي لكنه يحتاج أن يهدى ; فهو استثناء منقطع ، كما تقول : فلان لا يسمع غيره إلا أن يسمع ، أي لكنه يحتاج أن يسمع .
وقال أبو إسحاق : فما لكم كلام تام ، والمعنى : فأي شيء لكم في عبادة الأوثان .
ثم قيل لهم : كيف تحكمون أي لأنفسكم وتقضون بهذا الباطل الصراح ، تعبدون آلهة لا تغني عن أنفسها شيئا إلا أن يفعل بها ، والله يفعل ما يشاء فتتركون عبادته ; فموضع كيف نصب ب تحكمون .
{قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ} ببيانه وإرشاده، أو بإلهامه وتوفيقه. {قُلِ اللَّهُ} وحده {يَهْدِي لِلْحَقِّ} بالأدلة والبراهين، وبالإلهام والتوفيق، والإعانة إلى سلوك أقوم طريق. {أَمَّنْ لَا يَهِدِّي} أي: لا يهتدي {إِلَّا أَنْ يُهْدَى} لعدم علمه، ولضلاله، وهي شركاؤهم، التي لا تهدي ولا تهتدي إلا أن تهدى {فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} أي: أيّ شيء جعلكم تحكمون هذا الحكم الباطل، بصحة عبادة أحد مع الله، بعد ظهور الحجة والبرهان، أنه لا يستحق العبادة إلا الله وحده.
فإذا تبين أنه ليس في آلهتهم التي يعبدون مع الله أوصافا معنوية، ولا أوصافا فعلية، تقتضي أن تعبد مع الله، بل هي متصفة بالنقائص الموجبة لبطلان إلهيتها، فلأي شيء جعلت مع الله آلهة؟
( قل هل من شركائكم من يهدي ) يرشد ، ( إلى الحق ) فإذا قالوا : لا - ولا بد لهم من ذلك - ( قل الله يهدي للحق ) أي إلى الحق .
( أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي ) قرأ حمزة والكسائي : ساكنة الهاء ، خفيفة الدال ، وقرأ الآخرون : بتشديد الدال ، ثم قرأ أبو جعفر ، وقالون : بسكون الهاء ، وأبو عمرو بروم الهاء بين الفتح والسكون ، وقرأ حفص : بفتح الياء وكسر الهاء ، وأبو بكر بكسرهما ، والباقون بفتحهما ، ومعناه : يهتدي - في جميعها - فمن خفف الدال ، قال : يقال : هديته فهدي ، أي : اهتدى ، ومن شدد الدال أدغم التاء في الدال ، ثم أبو عمرو يروم على مذهبه في إيثار التخفيف ، ومن سكن الهاء تركها على حالتها كما فعل في " تعدوا " و " يخصمون " ومن فتح الهاء نقل فتحة التاء المدغمة إلى الهاء ، ومن كسر الهاء فلالتقاء الساكنين ، وقال الجزم يحرك إلى الكسر ، ومن كسر الياء مع الهاء أتبع الكسرة الكسرة .
قوله تعالى : ( إلا أن يهدى ) معنى الآية : الله الذي يهدي إلى الحق أحق بالاتباع أم الصنم الذي لا يهتدي إلا أن يهدى؟
فإن قيل : كيف قال : " إلا أن يهدى " ، والصنم لا يتصور أن يهتدي ولا أن يهدى ؟
قيل : معنى الهداية في حق الأصنام الانتقال ، أي : أنها لا تنتقل من مكان إلى مكان إلا أن تحمل وتنقل ، يتبين به عجز الأصنام .
وجواب آخر وهو : أن ذكر الهداية على وجه المجاز ، وذلك أن المشركين لما اتخذوا الأصنام آلهة وأنزلوها منزلة من يسمع ويعقل عبر عنها بما يعبر عمن يعلم ويعقل ، ووصفت بصفة من يعقل .
( فما لكم كيف تحكمون ) كيف تقضون حين زعمتم أن لله شريكا؟
«قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق» بنصب الحجج وخلق الاهتداء «قل الله يهدي للحق أفمن يهدي إلى الحق» وهو الله «أحق أنْ يُتبع أمَّن لا يهدي» يهتدي «إلا أن يهدى» أحق أن يتبع استفهام تقرير وتوبيخ، أي الأول أحق «فما لكم كيف تحكمون» هذا الحكم الفاسد من اتَّباع ما لا يحق اتباعه.
قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: هل مِن شركائكم مَن يرشد إلى الطريق المستقيم؟
فإنهم لا يقدرون على ذلك، قل لهم: الله وحده يهدي الضال عن الهدى إلى الحق.
أيهما أحق بالاتباع: مَن يهدي وحده للحق أم من لا يهتدي لعدم علمه ولضلاله، وهي شركاؤكم التي لا تَهدي ولا تَهتدي إلا أن تُهدَى؟
فما بالكم كيف سوَّيتم بين الله وخلقه؟
وهذا حكم باطل.
وقوله : ( قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يهدي إِلَى الحق قُلِ الله يَهْدِي لِلْحَقّ ) .
حجة أخرى تدمغ جهلهم ، جيء بها لتكون دليلا على قدرة الله على الهداية والإِضلال ، عقب إقامة الأدلة على قدرته - سبحانه - على بدء الخلق وإعادتهم .أى : قل لهم يا محمد - أيضا - على سبيل التهم من أفكارهم : هل من شركائكم من يستطيع أن يهدي غيره إلى الدين الحق ، فينزل كتاباً ، أو يرسل رسولا ، أو يشرع شريعة ، أو يضع نظاما دقيقا لهذا الكون .أو يحث العقول على التدبر والتفكر فى ملكوت السموات والأرض .
.
.
؟قل لهم يا محمد : الله وحده هو الذى يعفل كل ذلك ، أما شركاؤكم فلا يستطيعون أن يفعلوا شيئا من ذلك أو من غيره .وقوله : ( أَفَمَن يهدي إِلَى الحق أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يهدي .
.
.
) توبيخ آخرلهم على جهالاتهم وغفلتهم عن إدراك الأمور الواضحة .أى : قل لهم يا محمد : أفمن يهدي غيره إلى الحق وهو الله - تعالى - .
أحق أن يتبع فيما يأمر به وينهى عنه ، أم من لا يستطيع أت يهتدي بنفسه إلا أن يهديه غيره أحق بالاتباع؟
لا شك أن الذى يهدي غيره إلى الحق أحق بالاتباع من الذى هو فى حاجة إلى أن يهديه غيره .وقوله : ( فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) استفهام قصد به التعجيب من أحوالهم التي تدعو إلى الدهشة والغرابة .أى : ما الذى وقع لكم ، وما الذى أصابكم فى عقولكم حتى صرتم تشركون فى العبادة مع الله الخالق الهادي ، مخلوقات لا تهدي بنفسها وإنما هى فى حاجة إلى من يخلقها ويهديها .قال الإِمام الرازي : " واعلم أن الاستدلال على وجود الصانع بالخلق أولا ثم بالهداية ثانيا ، عادة مطردة فى القرآن ، فقد حكى - سبحانه - عن إبراهيم أنه ذكر ذلك فقال : ( الذي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ) وعن موسى أنه قال : ( رَبُّنَا الذي أعطى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هدى ) وأمر محمدا - صلى الله عليه وسلم - بذلك فقال : ( سَبِّحِ اسم رَبِّكَ الأعلى .
الذي خَلَقَ فسوى .
والذي قَدَّرَ فهدى ) وهو فى الحقيقة دليل شريف ، لأن الإِنسان له جسد وله روح ، فالاستدلال على وجود الصانع بأحوال الجسد هو الخلق ، والاستدلال بأحوال الروح هوالهداية ، فها هنا أيضا لما ذكر دليل الخلق فى الآية الأولى وهو قوله : ( مَّن يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ ) أتبعه بدليل الهداية فى هذه الآية .وقوله : ( أَمَّن لاَّ يهدي ) ورد فيه ست قراءات ، منها قراءة يعقوب وحفص بكسر الهاء وتشديد الدال ، ومنها قراءة حمزة والكسائيل بالتخفيف كيرمي ، ومنها قراءة ابن كثير وابن عامر وورش عن نافع " يهدي " فتح الياء والهاء وتشديد الدال .
.والاستثناء فى قوله : ( أَمَّن لاَّ يهدي إِلاَّ أَن يهدى ) مفرغ من أعم الأحوال .والتقدير : أفمن يهدي إلى الحق أحق بالاتباع ، أم من لا يستطعي الهداية إلا أن يهديه إليها غيره أحق بالاتباع؟وجاء قوله - سبحانه - ( فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) باستفهامين متواليين ، زيادة فى توبيخهم وتقريعهم ، ولفت أنظارهم إلى الحق الواضح الذى لا يخفى على كل ذي عقل سليم .
وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن هذا هو الحجة الثالثة، واعلم أن الاستدلال على وجود الصانع بالخلق أولاً، ثم بالهداية ثانياً، عادة مطردة في القرآن، فحكى تعالى عن الخليل عليه السلام أنه ذكر ذلك فقال: ﴿ الذى خَلَقَنِى فَهُوَ يَهْدِينِ ﴾ وعن موسى عليه السلام أنه ذكر ذلك فقال: ﴿ ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ﴾ وأمر محمداً صلى الله عليه وسلم فقال: ﴿ سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلْأَعْلَى ٱلَّذِى خَلَقَ فَسَوَّىٰ وَٱلَّذِى قَدَّرَ فَهَدَىٰ ﴾ وهو في الحقيقة دليل شريف، لأن الإنسان له جسد وله روح، فالاستدلال على وجود الصانع بأحوال الجسد هو الخلق، والاستدلال بأحوال الروح هو الهداية فهاهنا أيضاً لما ذكر دليل الخلق في الآية الأولى، وهو قوله: ﴿ أمَّنْ يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾ أتبعه بدليل الهداية في هذه الآية.
واعلم أن المقصود من خلق الجسد حصول الهداية للروح، كما قال تعالى: ﴿ والله أَخْرَجَكُم مّن بُطُونِ أمهاتكم لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والابصار والافئدة لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ وهذا كالتصريح بأنه تعالى إنما خلق الجسد، وإنما أعطى الحواس لتكون آلة في اكتساب المعارف والعلوم، وأيضاً فالأحوال الجسدية خسيسة يرجع حاصلها إلى الالتذاذ بذوق شيء من الطعوم أو لمس شيء من الكيفيات الملموسة، أما الأحوال الروحانية والمعارف الإلهية، فإنها كمالات باقية أبد الآباد مصونة عن الكون والفساد، فعلمنا أن الخلق تبع للهداية، والمقصود الأشرف الأعلى- حصول الهداية.
إذا ثبت هذا فنقول: العقول مضطربة والحق صعب، والأفكار مختلطة، ولم يسلم من الغلط إلا الأقلون، فوجب أن الهداية وإدراك الحق لا يكون إلا بإعانة الله سبحانه وتعالى وهدايته وإرشاده، ولصعوبة هذا الأمر قال الكليم عليه السلام بعد استماع الكلام القديم ﴿ رَبّ اشرح لِى صَدْرِى ﴾ وكل الخلق يطلبون الهداية ويحترزون عن الضلالة، مع أن الأكثرين وقعوا في الضلالة، وكل ذلك يدل على أن حصول الهداية والعلم والمعرفة ليس إلا من الله تعالى.
إذا عرفت هذا فنقول: الهداية إما أن تكون عبارة عن الدعوة إلى الحق، وإما أن تكون عبارة عن تحصيل تلك المعرفة وعلى التقديرين فقد دللنا على أنها أشرف المراتب البشرية وأعلى السعادات الحقيقية، ودللنا على أنها ليست إلا من الله تعالى.
وأما الأصنام فإنها جمادات لا تأثير لها في الدعوة إلى الحق ولا في الإرشاد إلى الصدق، فثبت أنه تعالى هو الموصل إلى جميع الخيرات في الدنيا والآخرة، والمرشد إلى كل الكمالات في النفس والجسد، وأن الأصنام لا تأثير لها في شيء من ذلك، وإذا كان كذلك كان الاشتغال بعبادتها جهلاً محضاً وسفهاً صرفاً، فهذا حاصل الكلام في هذا الاستدلال.
المسألة الثانية: قال الزجاج: يقال هديت إلى الحق، وهديت للحق بمعنى واحد، والله تعالى ذكر هاتين اللغتين في قوله: ﴿ قُلِ الله يَهْدِى لِلْحَقّ أَفَمَن يَهْدِى إِلَى الحق ﴾ .
المسألة الثالثة: في قوله: ﴿ أَم مَّنْ لاَّ يَهِدِّى ﴾ ست قراءات: الأول: قرأ ابن كثير وابن عامر وورش عن نافع ﴿ يَهْدِى ﴾ بفتح الياء والهاء وتشديد الدال، وهو اختيار أبي عبيدة وأبي حاتم، لأن أصله يهتدي أدغمت التاء في الدال ونقلت فتحة التاء المدغمة إلى الهاء.
الثانية: قرأ نافع ساكنة الهاء مشددة الدال أدغمت التاء في الدال وتركت الهاء على حالها، فجمع في قراءته بين ساكنين كما جمعوا في ﴿ يَخِصّمُونَ ﴾ قال علي بن عيسى وهو غلط على نافع.
الثالثة: قرأ أبو عمرو بالإشارة إلى فتحة الهاء من غير إشباع فهو بين الفتح والجزم مختلسة على أصل مذهبه اختياراً للتخفيف، وذكر علي بن عيسى أنه الصحيح من قراءة نافع.
الرابعة: قرأ عاصم بفتح الياء وكسر الهاء وتشديد الدال فراراً من التقاء الساكنين، والجزم يحرك بالكسر.
الخامسة: قرأ حماد ويحيى بن آدم عن أبي بكر عن عاصم بكسر الياء والهاء أتبع الكسرة للكسرة.
وقيل: هو لغة من قرأ ﴿ نستعين ونعبد ﴾ السادسة: قرأ حمزة والكسائي ﴿ مَّن يَهْدِى ﴾ ساكنة الهاء وبتخفيف الدال على معنى يهتدي والعرب تقول: يهدي، بمعنى يهتدي يقال: هديته فهدى أي اهتدى.
المسألة الرابعة: في لفظ الآية إشكال، وهو أن المراد من الشركاء في هذه الآية الأصنام وأنها جمادات لا تقبل الهداية، فقوله: ﴿ أَم مَّنْ لاَّ يَهِدِّي إِلاَّ أَن يَهْدِي ﴾ لا يليق بها.
والجواب من وجوه: الأول: لا يبعد أن يكون المراد من قوله: ﴿ قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ مَّن يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾ هو الأصنام.
والمراد من قوله: ﴿ قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ مَّن يَهْدِى إِلَى الحق ﴾ رؤساء الكفر والضلالة والدعاة إليها.
والدليل عليه قوله سبحانه: ﴿ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أَرْبَاباً مّن دُونِ الله ﴾ إلى قوله: ﴿ لاَّ إله إِلاَّ هُوَ سبحانه عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ والمراد أن الله سبحانه وتعالى هدى الخلق إلى الدين الحق بواسطة ما أظهر من الدلائل العقلية والنقلية.
وأما هؤلاء الدعاة والرؤساء فإنهم لا يقدرون على أن يهدوا غيرهم إلا إذا هداهم الله تعالى، فكان التمسك بدين الله تعالى أولى من قبول قول هؤلاء الجهال.
الوجه الثاني: في الجواب أن يقال: إن القوم لما اتخذوها آلهة، لا جرم عبر عنها كما يعبر عمن يعلم ويعقل، ألا ترى أنه تعالى قال: ﴿ إِنَّ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ ﴾ مع أنها جمادات وقال: ﴿ إِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُواْ دُعَاءكُمْ ﴾ فأجرى اللفظ على الأوثان على حسب ما يجري على من يعقل ويعلم فكذا هاهنا وصفهم الله تعالى بصفة من يعقل، وإن لم يكن الأمر كذلك.
الثالث: أنا نحمل ذلك على التقدير، يعني أنها لو كانت بحيث يمكنها أن تهدي، فإنها لا تهدي غيرها إلا بعد أن يهديها غيرها، وإذا حملنا الكلام على هذا التقدير فقد زال السؤال.
الرابع: أن البنية عندنا ليست شرطاً لصحة الحياة والعقل، فتلك الأصنام حال كونها خشباً وحجراً قابلة للحياة والعقل، وعلى هذا التقدير فيصح من الله تعالى أن يجعلها حية عاقلة ثم إنها تشتغل بهداية الغير.
الخامس: أن الهدى عبارة عن النقل والحركة يقال: هديت المرأة إلى زوجها هدى، إذا نقلت إليه والهدي ما يهدى إلى الحرم من النعم، وسميت الهدية هدية لانتقالها من رجل إلى غيره، وجاء فلان يهادى بين اثنين إذا كان يمشي بينهما معتمداً عليهما من ضعفه وتمايله.
إذا ثبت هذا فنقول: قوله: ﴿ أَم مَّنْ لاَّ يَهِدِّى إِلاَّ أَن يَهْدِى ﴾ يحتمل أن يكون معناه أنه لا ينتقل إلى مكان إلا إذا نقل إليه، وعلى هذا التقدير فالمراد الإشارة إلى كون هذه الأصنام جمادات خالية عن الحياة والقدرة.
واعلم أنه تعالى لما قرر على الكفار هذه الحجة الظاهرة قال: ﴿ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾ يعجب من مذهبهم الفاسد ومقالتهم الباطلة أرباب العقول.
ثم قال تعالى: ﴿ وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّا ﴾ وفيه وجهان: الأول: وما يتبع أكثرهم في إقرارهم بالله تعالى إلا ظناً، لأنه قول غير مستند إلى برهان عندهم، بل سمعوه من أسلافهم.
الثاني: وما يتبع أكثرهم في قولهم الأصنام آلهة وأنها شفعاء عند الله إلا الظن والقول الأول أقوى، لأنا في القول الثاني نحتاج إلى أن نفسر الأكثر بالكل.
ثم قال تعالى: ﴿ إَنَّ الظن لاَ يُغْنِي مِنَ الحق شَيْئًا ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: تمسك نفاة القياس بهذه الآية، فقالوا: العمل بالقياس عمل بالظن، فوجب أن لا يجوز، لقوله تعالى: ﴿ إَنَّ الظن لاَ يُغْنِي مِنَ الحق شَيْئًا ﴾ .
أجاب مثبتو القياس، فقالوا: الدليل الذي دل على وجوب العمل بالقياس دليل قاطع، فكان وجوب العمل بالقياس معلوماً، فلم يكن العمل بالقياس مظنوناً بل كان معلوماً.
أجاب المستدل عن هذا السؤال، فقال: لو كان الحكم المستفاد من القياس يعلم كونه حكماً لله تعالى لكان ترك العمل به كفراً لقوله تعالى: ﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ الله فَأُوْلَئِكَ هُمُ الكافرون ﴾ ولما لم يكن كذلك، بطل العمل به وقد يعدون عن هذه الحجة بأنهم قالوا: الحكم المستفاد من القياس إما أن يعلم كونه حكماً لله تعالى أو يظن أو لا يعلم ولا يظن والأول باطل وإلا لكان من لم يحكم به كافراً لقوله تعالى: ﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ الله فَأُوْلَئِكَ هُمُ الكافرون ﴾ وبالاتفاق ليس كذلك.
والثاني: باطل، لأن العمل بالظن لا يجوز لقوله تعالى: ﴿ إَنَّ الظن لاَ يُغْنِي مِنَ الحق شَيْئًا ﴾ والثالث: باطل، لأنه إذا لم يكن ذلك الحكم معلوماً ولا مظنوناً، كان مجرد التشهي، فكان باطلاً لقوله تعالى: ﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ الصلاة واتبعوا الشهوات ﴾ .
وأجاب مثبتو القياس: بأن حاصل هذا الدليل يرجع إلى التمسك بالعمومات، والتمسك بالعمومات لا يفيد إلا الظن.
فلما كانت هذه العمومات دالة على المنع من التمسك بالظن، لزم كونها دالة على المنع من التمسك بها، وما أفضى ثبوته إلى نفيه كان متروكاً.
المسألة الثانية: دلت هذه الآية على أن كل من كان ظاناً في مسائل الأصول، وما كان قاطعاً، فإنه لا يكون مؤمناً.
فإن قيل: فقول أهل السنة أنا مؤمن إن شاء الله يمنع من القطع فوجب أن يلزمهم الكفر.
قلنا: هذا ضعيف من وجوه: الأول: مذهب الشافعي رحمه الله: أن الإيمان عبارة عن مجموع الاعتقاد والإقرار والعمل، والشك حاصل في أن هذه الأعمال هل هي موافقة لأمر الله تعالى؟
والشك في أحد أجزاء الماهية لا يوجب الشك في تمام الماهية.
الثاني: أن الغرض من قوله إن شاء الله بقاء الإيمان عند الخاتمة.
الثالث: الغرض منه هضم النفس وكسرها والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
فإن قلت: كيف قيل لهم ﴿ هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ مَّن يبدأالخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾ وهم غير معترفين بالإعادة؟
قلت: قد وضعت إعادة الخلق لظهور برهانها موضع ما إن دفعه دافع كان مكابراً ردّاً للظاهر البين الذي لا مدخل للشبهة فيه، دلالة على أنهم في إنكارهم لها منكرون أمراً مسلماً معترفاً بصحته عند العقلاء، وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿ قُلِ الله يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾ فأمره بأن ينوب عنهم في الجواب، يعني أنه لا يدعهم لجاجهم ومكابرتهم أن ينطقوا بكلمة الحق فكلم عنهم.
يقال: هداه للحق وإلى الحق فجمع بين اللغتين: ويقال: هدى بنفسه بمعنى اهتدى، كما يقال: شرى بمعنى اشترى.
ومنه قوله: ﴿ أَمَّن لاَّ يَهِدِّى ﴾ .
وقرئ: ﴿ لا يهدّى ﴾ بفتح الهاء وكسرها مع تشديد الدال.
والأصل: يهتدي، فأدغم وفتحت الهاء بحركة التاء، أو كسرت لالتقاء الساكنين، وقد كسرت الياء لاتباع ما بعدها.
وقرئ: ﴿ إلاّ أن يهدى ﴾ من هداه وهدّاه للمبالغة.
ومنه قولهم: تهدى.
ومعناه أن الله وحده هو الذي يهدي للحق، بما ركب في المكلفين من العقول وأعطاهم من التمكين للنظر في الأدلة التي نصبها لهم، وبما لطف بهم ووفقهم وألهمهم وأخطر ببالهم ووقفهم على الشرائع، فهل من شركائكم الذين جعلتم أنداداً لله أحد من أشرفهم كالملائكة والمسيح وعزير، يهدي إلى الحق مثل هداية الله.
ثم قال: أفمن يهدي إلى الحق هذه الهداية أحقّ بالاتباع، أم الذي لا يهدي أي لا يهتدي بنفسه، أو لا يهدي غيره إلاّ أن يهديه الله وقيل: معناه أم من لا يهتدي من الأوثان إلى مكان فينتقل إليه ﴿ إِلاَّ أَن يهدى ﴾ إلاّ أن ينقل، أو لا يهتدي ولا يصحّ منه الاهتداء إلاّ أن ينقله الله من حاله إلى أن يجعله حيواناً مكلفاً فيهديه ﴿ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾ بالباطل، حيث تزعمون أنهم أنداداً لله.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَهْدِي إلى الحَقِّ ﴾ بِنَصْبِ الحُجَجِ وإرْسالِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ والتَّوْفِيقِ لِلنَّظَرِ والتَّدَبُّرِ، وهَدى كَما يُعَدّى بِإلى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الِانْتِهاءِ يُعَدّى بِاللّامِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ المُنْتَهى غايَةُ الهِدايَةِ وأنَّها لَمْ تَتَوَجَّهْ نَحْوَهُ عَلى سَبِيلِ الِاتِّفاقِ ولِذَلِكَ عَدّى بِها ما أُسْنِدَ إلى اللَّهِ تَعالى.
﴿ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أفَمَن يَهْدِي إلى الحَقِّ أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ أمَّنْ لا يَهِدِّي إلا أنْ يُهْدى ﴾ أمِ الَّذِي لا يَهْتَدِي إلّا أنْ يُهْدى مِن قَوْلِهِمْ: هُدِيَ بِنَفْسِهِ إذا اهْتَدى، أوْ لا يَهْدِي غَيْرَهُ إلّا أنْ يَهْدِيَهُ اللَّهُ وهَذا حالُ أشْرافِ شُرَكائِهِمْ كالمَلائِكَةِ والمَسِيحِ وعُزَيْرٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ووَرْشٌ عَنْ نافِعٍ وابْنُ عامِرٍ ﴿ يَهْدِي ﴾ بِفَتْحِ الهاءِ وتَشْدِيدِ الدّالِ.
ويَعْقُوبُ وحَفْصٌ بِالكَسْرِ والتَّشْدِيدِ والأصْلُ يَهْتَدِي فَأُدْغِمَ وفَتَحَتِ الهاءُ بِحَرَكَةِ التّاءِ أوْ كُسِرَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ.
ورَوى أبُو بَكْرٍ ﴿ يَهْدِي ﴾ بِإتْباعِ الياءِ الهاءَ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالإدْغامِ المُجَرَّدِ ولَمْ يُبالِ بِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ لِأنَّ المُدْغَمَ في حُكْمِ المُتَحَرِّكِ.
وعَنْ نافِعٍ بِرِوايَةِ قالُونَ مِثْلُهُ وقُرِئَ « إلّا أنْ يَهْدِيَ» لِلْمُبالَغَةِ ﴿ فَما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾ بِما يَقْتَضِي صَرِيحُ العَقْلِ بُطْلانَهُ.
﴿ وَما يَتَّبِعُ أكْثَرُهُمْ ﴾ فِيما يَعْتَقِدُونَهُ.
﴿ إلا ظَنًّا ﴾ مَسْتَنِدًا إلى خَيالاتٍ فارِغَةٍ وأقْيِسَةٍ فاسِدَةٍ كَقِياسِ الغائِبِ عَلى الشّاهِدِ والخالِقِ عَلى المَخْلُوقِ بِأدْنى مُشارَكَةٍ مَوْهُومَةٍ، والمُرادُ بِالأكْثَرِ الجَمِيعُ أوْ مَن يَنْتَمِي مِنهم إلى تَمْيِيزٍ ونَظَرٍ ولا يَرْضى بِالتَّقْلِيدِ الصِّرْفِ.
﴿ إنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ ﴾ مِنَ العِلْمِ والِاعْتِقادِ الحِقِّ.
﴿ شَيْئًا ﴾ مِنَ الإغْناءِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ و ﴿ مِنَ الحَقِّ ﴾ حالًا مِنهُ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ تَحْصِيلَ العِلْمِ في الأُصُولِ واجِبٌ والِاكْتِفاءَ بِالتَّقْلِيدِ والظَّنِّ غَيْرُ جائِزٍ.
﴿ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ ﴾ وعِيدٌ عَلى اتِّباعِهِمْ لِلظَّنِّ وإعْراضِهِمْ عَنِ البُرْهانِ.
<div class="verse-tafsir"
{قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ مَّن يَهْدِى إِلَى الحق} يرشد إليه {قُلِ الله يَهْدِى لِلْحَقّ أَفَمَن يَهْدِى إِلَى الحق أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أم من لاَّ يَهِدِّى إِلاَّ أَن يهدى} يقال هداه للحق وإلى الحق فجمع بين اللغتين ويقال هدى بنفسه بمعنى اهتدى كما يقال شرى بمعنى اشترى ومنه قراءة حمزة وعلي أمن لا يهدي بمعنى يهتدي لا يَهّدىِ بفتح الياء والهاء وتشديد الدال مكي وشامي وورش وبإشمام الهاء فتحة أبو عمرو وبكسر الهاء وفتح الياء عاصم غير يحيى والأصل يهتدي وهي قراءة عبد الله فأدغمت التاء في الدال وفتحت الهاء بحركة التاء وكسرت لالتقاء الساكنين وبكسر الياء والهاء وتشديد الذال يحيى لاتباع ما بعدها وبسكون الهاء وتشديد الدال مدني غير ورش والمعنى أن الله وحده هو الذي يهدي للحق بما ركب في المكلفين من العقول وأعطاهم من التمكين للنظر في الأدلة التي نصبها لهم وبما وفقهم وألهمهم ووقفهم على الشرائع بإرسال الرسل فهل من شركائكم الذين جعلتم أنداد الله أحد لا يهدي إلى الحق مثل هداية الله ثم قال أفمن يهدي إلى الحق أحق بالاتباع أم الذى لا يهدى أى لا يهدى بنفسه أو لا يهدي غيره إلا أن يهديه الله وقيل معناه أم من لا يهتدي من الأوثان إلى مكان فينتقل إليه إلا أن يهدي إلا
أن ينقل أو لا يهتدي ولا يصح منه الاهتداء إلا أن ينقله الله من حاله إلى أن يجعله حياً ناطقاً فيهديه {فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} بالباطل حيث تزعمون أنهم أنداد الله
﴿ قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مِن يَهْدِي إلى الحَقِّ ﴾ احْتِجاجٌ آخَرُ عَلى ما ذُكِرَ جِيءَ بِهِ إلْزامًا غَبَّ إلْزامٍ وإفْحامًا إثْرَ إفْحامٍ.
وفَصَّلَهُ إيذانًا بِفَضْلِهِ واسْتِقْلالِهِ في إثْباتِ المَطْلُوبِ كَما في سابِقِهِ والمُرادُ هَلْ مَن يَهْدِي إلى الحَقِّ بِإعْطاءِ العَقْلِ وبِعْثَةِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ والتَّوْفِيقِ إلى النَّظَرِ والتَّدَبُّرِ بِما نَصَبَ في الآفاقِ والأنْفُسِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ آلَّلَهُ سُبْحانَهُ أمِ الشُّرَكاءُ؟
ومِنهم مَن يُبْقِي الكَلامَ عَلى ما يَتَبادَرُ مِنهُ كَما سَمِعْتَ فِيما قَبْلُ ومِنَ النّاسِ مَن خَصَّصَ طَرِيقَ الهِدايَةِ، والتَّعْمِيمُ أوْفَقُ بِما يَقْتَضِيهِ المَقامُ مِن كَمالِ التَّبْكِيتِ والإلْزامِ كَما لا يَخْفى ﴿ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ ﴾ أيْ هو سُبْحانَهُ يَهْدِي لَهُ دُونَ غَيْرِهِ جَلَّ شَأْنُهُ والكَلامُ في الأمْرِ عَلى طَرْزِ ما سَبَقَ وفِعْلُ الهِدايَةِ يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ ثانِيهِما بِواسِطَةٍ وهي إلى أوِ اللّامُ وقَدْ يَتَعَدّى لَهُما بِنَفْسِهِ وهو لُغَةٌ عَلى ما قِيلَ كاسْتِعْمالِهِ قاصِرًا بِمَعْنى اهْتَدى، والمُبَرِّدُ أنْكَرَ هَذا حَيْثُ قالَ: إنَّ هُدًى بِمَعْنى اهْتَدى لا يُعْرَفُ لَكِنْ لَمْ يُتابِعْهُ عَلى ذَلِكَ الحُفّاظُ كالفَرّاءِ وغَيْرِهِ وقَدْ جُمِعَ هُنا بَيْنَ صِلَتَيْهِ إلى اللّامِ تَفَنُّنًا وإشارَةً بِإلى إلى مَعْنى الِانْتِهاءِ وبِاللّامِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ المُنْتَهى غايَةٌ لِلْهِدايَةِ وأنَّها لَمْ تَتَوَجَّهْ إلَيْهِ عَلى سَبِيلِ الِاتِّفاقِ بَلْ عَلى قَصْدٍ مِنَ الفِعْلِ وجَعْلِهِ ثَمَرَةً لَهُ ولِذَلِكَ عُدِّيَ بِها ما أُسْنِدَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ كَما تَرى وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَمَن يَهْدِي إلى الحَقِّ ﴾ فالمَقْصُودُ بِهِ التَّعْمِيمُ وإنْ كانَ الفاعِلُ في الواقِعِ هو اللَّهَ سُبْحانَهُ جَلَّ شَأْنُهُ وقِيلَ: اللّامُ هُنا لِلِاخْتِصاصِ والجُمْهُورُ عَلى الأوَّلِ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ وجَوازُ اللُّزُومِ في الأوَّلِ مِمّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ ويُقَدَّرُ فِيها عَلى طَرْزٍ واحِدٍ كالشَّخْصِ ونَحْوِهِ وقِيلَ: التَّقْدِيرُ قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَهْدِي غَيْرَهُ إلى الحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى الحَقِّ أفَمَن يَهْدِي غَيْرَهُ إلى الحَقِّ (أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ أمَّنْ لا يَهِدِّي) بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ وتَشْدِيدِ الدّالِ وهي قِراءَةُ يَعْقُوبَ وحَفْصٍ وأصْلُهُ يَهْتَدِي وكَسْرُ الهاءِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ وقَرَأ حَمّادٌ ويَحْيى عَنْ أبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِكَسْرِ الياءِ والهاءِ والتَّشْدِيدِ وكُسِرَتِ الياءُ اتِّباعًا لِلْهاءِ وكانَ سِيبَوَيْهِ يَرى جَوازَ كَسْرِ حَرْفِ المُضارَعَةِ لُغَةً إلّا الياءَ لِثِقَلِ الكَسْرَةِ عَلَيْها وهَذِهِ القِراءَةُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ووَرْشٌ عَنْ نافِعٍ وابْنُ عامِرٍ بِفَتْحِ الياءِ والهاءِ والتَّشْدِيدِ والأصْلُ يَهْتَدِي فَنُقِلَتْ فَتْحَةُ التّاءِ إلى الهاءِ قَبْلَها ثُمَّ قُلِبَتْ دالًّا لِقُرْبِ مَخْرَجِهِما وأُدْغِمَتْ فِيها وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وقالُونُ عَنْ نافِعٍ كَذَلِكَ لَكِنَّهُ اخْتَلَسَ فَتْحَةَ الهاءِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الحَرَكَةَ فِيها عارِضَةٌ وفي بَعْضِ الطُّرُقِ عَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأ بِالإدْغامِ المُجَرَّدِ عَنْ نَقْلِ الحَرَكَةِ إلى ما قَبْلَها أوِ التَّحْرِيكِ بِالكَسْرِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ واسْتَشْكَلَ ذَلِكَ بِأنَّ فِيهِ الجَمْعَ بَيْنَ السّاكِنَيْنِ ولِذا قالَ المُبَرِّدُ: مَن رامَ هَذا لا بُدَّ أنْ يُحَرِّكَ حَرَكَةً خَفِيفَةً قالَ ابْنُ النَّحّاسِ: إذْ بِدُونِهِ لا يُمْكِنُ النُّطْقُ وذَكَرَ القاضِي أنَّهُ لَمْ يُبالِ بِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ لِأنَّ المُدْغَمَ في حُكْمِ المُتَحَرِّكِ وأنْكَرَ بَعْضُهم هَذِهِ القِراءَةَ وادَّعى أنَّهُ إنَّما قَرَأ بِالِاخْتِلاسِ والحَقُّ أنَّهُ قَرَأ بِهِما ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ نافِعٍ أيْضًا وتَفْصِيلُهُ في لَطائِفِ الإشاراتِ والطَّيِّبَةِ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (يَهْدِي) كَيَرْمِي وهو إمّا لازِمٌ بِمَعْنى يَهْتَدِي كَما هو أحَدُ اسْتِعْمالاتِ فِعْلِ الهِدايَةِ عَلى المُعَوَّلِ عَلَيْهِ كَما عَلِمْتَ آنِفًا أوْ مُتَعَدٍّ أيْ لا يُهْدى غَيْرُهُ ورُجِّحَ هَذا بِأنَّهُ الأوْفَقُ بِما قَبْلُ فَإنَّ المَفْهُومَ مِنهُ نَفْيُ الهِدايَةِ لا الِاهْتِداءِ وقَدْ يُرَجَّحُ الأوَّلُ بِأنْ فِيهِ تَوافُقَ القِراءاتِ مَعْنًى وتَوافُقُها خَيْرٌ مِن تَخالُفِها وإنَّما نُفِيَ الِاهْتِداءُ مَعَ أنَّ المَفْهُومَ مِمّا سَبَقَ نَفْيُ الهِدايَةِ كَما ذُكِرَ لَمّا أنَّ نَفْيَها مُسْتَتْبِعٌ لِنَفْيِهِ غالِبًا فَإنَّ مَنِ اهْتَدى إلى الحَقِّ لا يَخْلُو عَنْ هِدايَةِ غَيْرِهِ في الجُمْلَةِ وأدْناها كَوْنُهُ قُدْوَةً لَهُ بِأنْ يَراهُ فَيَسْلُكَ مَسْلَكَهُ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ الِاسْتِفْهامِ عَلى ما سَبَقَ كَأنَّهُ قِيلَ: إذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَأنا أسْألُكم أمَّنْ يَهْدِي إلى الحَقِّ إلَخْ والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ الإلْزامُ والهَمْزَةُ عَلى هَذا مُتَأخِّرَةٌ في الِاعْتِبارِ وإنَّما قُدِّمَتْ في الذِّكْرِ لِإظْهارِ عَراقَتِها في اقْتِضاءِ الصَّدارَةِ كَما هو المَشْهُورُ عِنْدَ الجُمْهُورِ وصِيغَةُ التَّفْضِيلِ إمّا عَلى حَقِيقَتِها والمُفَضَّلُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ كَما اخْتارَهُ مَكِّيٌّ والتَّقْدِيرُ أفَمَن يَهْدِي إلى الحَقِّ أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ مِمَّنْ لا يَهْدِي أمْ مَن لا يَهْدِي أحَقُّ وإمّا بِمَعْنى حَقِيقٍ كَما اخْتارَهُ أبُو حَيّانَ وهو خَبَرٌ عَنِ المَوْصُولِ والفَصْلُ بِالخَبَرِ بَيْنَ أمْ وما عُطِفَتْ عَلَيْهِ هو الأفْصَحُ كَما قالَ السَّمِينِ، وقَدْ لا يُفْصَلُ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أقَرِيبٌ أمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ ﴾ والإظْهارُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ و ﴿ أنْ يُتَّبَعَ ﴾ في حَيِّزِ النَّصْبِ أوِ الجَرِّ بَعْدَ حَذْفِ الجارِّ عَلى الخِلافِ المَعْرُوفِ في مِثْلِهِ أوْ بِأنْ يُتَّبَعَ ﴿ إلا أنْ يُهْدى ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ أيْ لا يَهْتَدِي أوْ لا يَهْدِي غَيْرَهُ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا حالَ هِدايَتِهِ تَعالى لَهُ إلى الِاهْتِداءِ أوْ إلى هِدايَةِ الغَيْرِ وهَذا عَلى ما قالَهُ جَمْعُ حالِ أشْرافِ شُرَكائِهِمْ كالمَسِيحِ وعُزَيْرٍ والمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ دُونَ الأوْثانِ لِأنَّ الِاهْتِداءَ الَّذِي هو قَبُولُ الهِدايَةِ وهِدايَةُ الغَيْرِ مُخْتَصّانِ بِذَوِي العِلْمِ فَلا يُتَصَوَّرُ فِيها وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ وغَيْرُهُما أنَّ المُرادَ الأوْثانُ ووَجْهُ ذَلِكَ بِأنَّهُ جارٍ عَلى تَنْزِيلِهِمْ لَها مَنزِلَةَ ذَوِي العِلْمِ وقِيلَ: المَعْنى أمْ مَن لا يَهْتَدِي مِنَ الأوْثانِ إلى مَكانٍ فَيُنْقَلُ إلَيْهِ إلّا أنْ يُنْقَلَ إلَيْهِ أوْ إلّا أنْ يَنْقُلَهُ اللَّهُ تَعالى مِن حالِهِ إلى أنْ يَجْعَلَهُ حَيَوانًا مُكَلَّفًا فَيَهْدِيهِ وهو مِن قَوْلِكَ: هُدِيَتِ المَرْأةُ إلى زَوْجِها وقَدْ هُدِيَتْ إلَيْهِ وقِيلَ: الآيَةُ الأُولى ﴿ قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مِن يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾ في الأصْنامِ أوْ فِيما يَعُمُّهم ونَحْوِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وهَذِهِ في رُؤَساءَ الضَّلالَةِ كالأحْبارِ والرُّهْبانِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا أرْبابًا مَن دُونِ اللَّهِ ولَيْسَ بِالبَعِيدِ فِيما أرى ويُؤَيِّدُهُ التَّعْبِيرُ بِالِاتِّباعِ فَإنِّهِ يَقْتَضِي العَمَلَ بِأوامِرِهِمْ والِاجْتِنابَ عَنْ نَواهِيهِمْ وهَذا لا يُعْقَلُ في الأوْثانِ إلّا بِتَكَلُّفٍ وهو وإنْ عُقِلَ في أشْرافِ شُرَكائِكم لَكِنَّهم لا يَدْعُونَ إلّا إلى خَيْرٍ واتِّباعُهم في ذَلِكَ لا يَنْعى عَلى أحَدِهِمُ اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ المُشْرِكِينَ تَقَوَّلُوا عَلَيْهِمْ أوامِرَ ونَواهِيَ فَنَعى عَلَيْهِمُ اتِّباعَهم لَهم في ذَلِكَ وعَبَّرَ بِالِاتِّباعِ ولَمْ يُعَبِّرْ بِالعِبادَةِ بِأنْ يُقالَ: أفَمَن يَهْدِي إلى الحَقِّ أحَقُّ أنْ يُعْبَدَ أمْ مَن لا يَهْدِي إلّا أنْ يُهْدى مَعَ أنَّ الآيَةَ مُتَضَمِّنَةٌ إبْطالَ صِحَّةِ عِبادَتِهِمْ مِن حَيْثُ إنَّهم لا يَهْدُونَ وأدْنى مَراتِبِ العُبُودِيَّةِ هِدايَةُ المَعْبُودِ لِعَبَدَتِهِ إلى ما فِيهِ صَلاحُ أمْرِهِمْ مُبالَغَةً في تَفْظِيعِ حالِ عِبادَتِهِمْ لِأنَّهُ إذا لَمْ يَحْسُنِ الِاتِّباعُ لَمْ تَحْسُنِ العِبادَةُ بِالطَّرِيقِ الأوْلى وإذا قَبُحَ حالُ ذاكَ فَحالُ هَذِهِ أقْبَحُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ وقُرِئَ إلّا أنْ (يُهَدّى) مَجْهُولًا مُشَدَّدًا دَلالَةً عَلى المُبالَغَةِ في الهِدايَةِ ﴿ فَما لَكُمْ ﴾ أيْ أيُّ شَيْءٍ لَكم في اتِّخاذِ هَؤُلاءِ العاجِزِينَ شُرَكاءَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى والكَلامُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والتَّعَجُّبِ وعَنْ بَعْضِ النُّحاةِ أنَّ مِثْلَ هَذا التَّرْكِيبِ لا يَتِمُّ بِدُونِ حالٍ بَعْدَهُ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ ﴾ فَلَعَلَّ الحالَ هُنا مَحْذُوفٌ لِظُهُورِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما لَكم مُتَّخِذِينَ هَؤُلاءِ شُرَكاءَ ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ:﴿كَيْفَ تَحْكُمُونَ 35﴾ في مَوْضِعِ الحالِ لِأنَّ الجُمْلَةَ الِاسْتِفْهامِيَّةَ لا تَقَعُ حالًا بَلْ هو اسْتِفْهامٌ آخَرُ لِلْإنْكارِ والتَّعَجُّبِ أيْضًا أيْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ بِالباطِلِ الَّذِي يَأْباهُ صَرِيحُ العَقْلِ ويَحْكُمُ بِبُطْلانِهِ مِنِ اتِّخاذِ الشُّرَكاءِ لِلَّهِ جَلَّ وعَلا والفاءُ لِتَرْتِيبِ الإنْكارِ عَلى ما ظَهَرَ مِن وُجُوبِ اتِّباعِ <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ، يعني: أصنامكم التي تعبدونها، هل يقدرون أن يخلقوا خلقاً من غير شيء، ثم يبعثونهم في الآخرة كما يفعل الله تعالى؟
فإن أجابوك وإلا ف قُلِ اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ، يعني: إن معبودكم لا يستطيع ذلك.
فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ، يعني: من أين تكذبون؟
قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ، يقول: هل يقدر أحد من آلهتكم أن يهدي إلى الحق، يقول: يدعو الخلق إلى الإسلام؟
فإن قالوا: لا.
قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ، يعني: يدعو الخلق إلى الإسلام، ويوفق من كان أهلاً لذلك أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ، يقول: من يدعو إلى الحق أحق أن يعمل بأمره ويعبد؟
أَمَّنْ لاَّ يَهِدِّي طريقاً ولا يهتدي إِلَّا أَنْ يُهْدى، يعني: يمشي بنفسه إلا أن يحمل من مكان إلى مكان؟
قرأ نافع وأبو عمرو أَمَّنْ لاَّ يَهِدِّي بجزم الهاء وتشديد الدال، لأن أصله في اللغة: يهتدي، فأدغم التاء في الدال وأقيم التشديد مقامه.
وقرأ ابن كثير وابن عامر ونافع في رواية ورش يهدي بنصب الهاء وتشديد الدال، لأن حركة التاء وقعت على الهاء وقرأ عاصم في رواية حفص يَهْدِى بفتح الياء وكسر الهاء وتشديد الدال، لأنه لما اجتمع الساكنان حرك أحدهما بالكسر، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر يَهْدِى بكسر الياء والهاء وتشديد الدال، فأتبع الكسرة الكسرة.
وقرأ حمزة والكسائي يَهْدِى بجزم الهاء وتخفيف الدال، ويكون معناه: لا يهتدي.
قال الكسائي: قوم من العرب يقول: هديت الطريق بمعنى اهتديت، فهذه خمس من القراءات في هذه الآية.
ثم قال: فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ؟
يعني: كيف تقضون لأنفسكم؟
يعني: تقولون قولاً ثم ترجعون عنه.
ويقال: فَما لَكُمْ كلام تام، فكأنه قيل لهم: فأي شيء لكم في عبادة الأوثان، ثم قيل لهم كَيْفَ تَحْكُمُونَ أي على أي حال تحكمون؟
ويقال: معناه، كيف تعبدون آلهتكم بلا حجة، ولا تعبدون الله ولا توحّدونه بعد هذا البيان لكم؟.
<div class="verse-tafsir"
وقوله: فَذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ ...
الآية: يقول: فهذا الذي هذه صفاته ربُّكم الحَقُّ، أي: المستوجِبُ للعبادةِ والألوهيَّة، وإِذا كان كذلك، فتشريكُ غيره ضَلاَلٌ وغيرُ حقٍّ.
قال ع «١» : وعبارة القُرآن في سوق هذه المَعاني تفُوتُ كلَّ تفسيرٍ براعةً وإِيجازاً ووضوحاً، وحَكَمَتْ هذه الآيةُ بأنه ليس بَيْنَ الحَقِّ والضلال منزلةٌ ثالثةٌ في هذه المسألة التي هي توحيدُ اللَّه تعالَى، وكذلك هو الأمر في نظائرها مِنْ مسائل الأصول التي الحَقُّ فيها في طَرَفٍ واحدٍ لأن الكلام فيها إِنما في تقرير وجودِ ذاتٍ كَيْفَ هِيَ، وذلك بخلافِ مسائِلِ الفُرُوع التي قال اللَّه تعالَى فيها: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً [المائدة: ٤٨] .
وقوله: فَأَنَّى تُصْرَفُونَ: تقرير كما قال: فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ [التكوير: ٢٦] ثم قال: كَذلِكَ حَقَّتْ أي: كما كانَتْ صفاتُ اللَّه كما وَصَفَ، وعبادته واجبة كما تقرَّر، وانصراف هؤلاء كما قَدَّرَ عليهم، كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ ...
الآية، وقرأ أبو عَمْرٍو «٢» وغيره: «كَلِمَةُ» على الإِفراد الذي يُرَادُ به الجَمْع كما يقال للقصيدة «كَلِمَةٌ» فَعَبَّر عن وعيدِ اللَّه تعالى ب «كلمة» .
وقوله سبحانه: قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ...
الآية توقيفٌ على قصور الأصنامِ وعَجْزِها، وتنبيهٌ على قدرة اللَّه عزَّ وجلّ، وتُؤْفَكُونَ: معناه:
تُصْرَفُونَ وتُحْرَمُونَ، وأرضٌ مَأْفُوكَةٌ إِذا لم يصبها مطر، فهي بمعنى الخيبة.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " كَلِمَةُ رَبِّكَ "، وفي آخِرِ السُّورَةِ كَذَلِكَ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ الحَرْفَيْنِ " كَلِماتُ " عَلى الجَمْعِ.
قالَ الزَّجّاجُ: الكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ: مِثْلَ أفْعالِهِمْ جازاهم رَبُّكَ والمَعْنى: حَقَّ عَلَيْهِمْ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ ﴾ بَدَلٌ مِن " كَلِمَةِ رَبِّكَ " .
وجائِزٌ أنْ تَكُونَ الكَلِمَةُ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، وتَكُونُ الكَلِمَةُ ما وُعِدُوا بِهِ مِنَ العِقابِ.
وَذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في " كَذَلِكَ " قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها إشارَةٌ إلى مَصْدَرِ " تُصْرَفُونَ "، والمَعْنى: مِثْلَ ذَلِكَ الصَّرْفِ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ.
والثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى هَكَذا.
وَفِي مَعْنى " حَقَّتْ " قَوْلانِ: أحَدُهُما: وجَبَتْ.
والثّانِي: سَبَقَتْ.
وَفِي كَلِمَتِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى وعْدِهِ.
والثّانِي: بِمَعْنى قَضائِهِ.
ومَن قَرَأ " كَلِماتِ " جَعَلَ كُلَّ واحِدَةٍ مِنَ الكَلِمِ الَّتِي تُوُعِّدُوا بِها كَلِمَةً.
وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى الكَلِمَةِ في (الأعْرافِ:١٣٧ و١٥٨) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ ﴾ أيْ: إلى الحَقِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمَّنْ لا يَهِدِّي ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، ووَرْشٌ عَنْ نافِعٍ: " يَهَدِّي " بِفَتْحِ الياءِ والهاءِ وتَشْدِيدِ الدّالِ.
قالَ الزَّجّاجُ: الأصْلُ يَهْتَدِي، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ، فَطُرِحَتْ فَتْحَتُها عَلى الهاءِ.
وقَرَأ نافِعٌ إلّا ورْشًا، وأبُو عَمْرٍو: " يَهْدِّي " بِفَتْحِ الياءِ وإسْكانِ الهاءِ وتَشْدِيدِ الدّالِ، غَيْرَ أنَّ أبا عَمْرٍو كانَ يُشِمُّ الهاءَ شَيْئًا مِنَ الفَتْحِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " يَهْدِي " بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الهاءِ وتَخْفِيفِ الدّالِ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: والمَعْنى: لا يَهْدِي غَيْرَهُ إلّا أنْ يُهْدى هو، ولَوْ هُدِيَ الصُّمُّ لَمْ يَهْتَدِ، ولَكِنْ لَمّا جَعَلُوها كَمَن يَعْقِلُ، أُجْرِيَتْ مَجْراهُ.
ورَوى يَحْيى بْنُ آدَمَ عَنْ أبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " يِهِدِّي " بِكَسْرِ الياءِ والهاءِ وتَشْدِيدِ الدّالِ، وكَذَلِكَ رَوى أبانُ وجَبَلَةُ عَنِ المُفَضَّلِ وعَبْدِ الوارِثِ، قالَ الزَّجّاجُ: أتْبَعُوا الكَسْرَةَ الكَسْرَةَ، وهي رَدِيئَةٌ لِثِقَلِ الكَسْرَةِ في الياءِ.
ورَوى حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، والكِسائِيُّ عَنْ أبِي بَكْرٍ عَنْهُ: " يَهِدِّي " بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ وتَشْدِيدِ الدّالِ، قالَ الزَّجّاجُ: وهَذِهِ في الجَوْدَةِ كالمَفْتُوحَةِ الهاءِ، إلّا أنَّ الهاءَ كُسِرَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ.
وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ: " يَهْتَدِي " بِزِيادَةِ تاءٍ.
والمُرادُ بِقَوْلِهِ: " أمْ مَن لا يَهِدِّي " الصُّمُّ " إلّا أنْ يُهْدى " .
وظاهِرُ الكَلامِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الأصْنامَ إنْ هُدِيَتِ اهْتَدَتْ ولَيْسَتْ كَذَلِكَ، لِأنَّها حِجارَةٌ لا تَهْتَدِي، إلّا أنَّهم لَمّا اتَّخَذُوها آلِهَةً، عَبَّرَ عَنْها كَما يُعَبِّرُ عَمَّنْ يَعْقِلُ، ووُصِفَتْ صِفَةَ مَن يَعْقِلُ وإنْ لَمْ تَكُنْ في الحَقِيقَةِ كَذَلِكَ؛ ولِهَذا المَعْنى قالَ في صِفَتِها: " أمَّنْ " لِأنَّهم جَعَلُوها كَمَن يَعْقِلُ.
ولَمّا أعْطاها حَقَّها في أصْلِ وضْعِها، قالَ: ﴿ يا أبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ﴾ .
وقالَ الفَرّاءُ: " أمَّنْ لا يَهِدِّي " أيْ: أتَعْبُدُونَ ما لا يَقْدِرُ أنْ يَنْتَقِلَ مِن مَكانِهِ إلّا أنْ يُحَوَّلَ ؟
وقَدْ صَرَفَ بَعْضُهُمُ الكَلامَ إلى الرُّؤَساءِ والمُضِلِّينَ، والأوَّلُ أصَحُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَما لَكُمْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو كَلامٌ تامٌّ، كَأنَّهُ قِيلَ لَهم: أيُّ شَيْءٍ لَكم في عِبادَةِ الأوْثانِ ؟
ثُمَّ قِيلَ لَهم: ﴿ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾ أيْ: عَلى أيِّ حالٍ تَحْكُمُونَ ؟
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كَيْفَ تَقْضُونَ لِأنْفُسِكم ؟
وقالَ مُقاتِلٌ: كَيْفَ تَقْضُونَ بِالجَوْرِ ؟
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مِن يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلْ اللهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأنّى تُؤْفَكُونَ ﴾ ﴿ قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مِن يَهْدِي إلى الحَقِّ قُلْ اللهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أفَمَن يَهْدِي إلى الحَقِّ أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ أمَّنْ لا يَهْدِي إلا أنْ يُهْدى فَما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾ ﴿ وَما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم إلا ظَنًّا إنَّ الظَنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا إنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ ﴾ هَذا تَوْقِيفٌ أيْضًا عَلى قُصُورِ الأصْنامِ وعَجْزِها، وتَنْبِيهٌ عَلى قُدْرَةِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وبَدْءِ الخَلْقِ يُرِيدُ بِهِ إنْشاءَ الإنْسانِ في أوَّلِ أمْرِهِ، وإعادَتُهُ هي البَعْثُ مِنَ القُبُورِ.
و"تُؤْفَكُونَ" مَعْناهُ: تُصْرَفُونَ وتُحْرَمُونَ، تَقُولُ العَرَبُ: "أرْضٌ مَأْفُوكَةٌ" إذا لَمْ يَصِبْها مَطَرٌ فَهي بِمَعْنى الخَيْبَةِ والقَلْبِ، كَما قالَ: ﴿ والمُؤْتَفِكَةَ أهْوى ﴾ .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مِن يَهْدِي ﴾ الآيَةُ، ﴿ يَهْدِي إلى الحَقِّ ﴾ يُرِيدُ بِهِ: يُبَيِّنُ طُرُقَ الصَوابِ ويَدْعُو إلى العَدْلِ ويُفْصِحُ بِالآياتِ ونَحْوِ هَذا.
ووَصَفَ الأصْنامَ بِأنَّها لا تَهْدِي إلّا أنْ تُهْدى، ونَحْنُ نَجِدُها لا تَهْتَدِي وإنْ هُدِيَتْ، فَوَجْهُ ذَلِكَ أنَّهُ عامَلَ -فِي العِبارَةِ عنها- مُعامَلَتَهم في وصْفِها بِأوصافِ مَن يَعْقِلُ، وذَلِكَ مُجازٌ ومَوْجُودٌ في كَثِيرٍ مِنَ القُرْآنِ، وذَكَرَ ذَلِكَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ، والَّذِي أقُولُ: إنَّ قِراءَةَ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ تَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: "أمَّنْ لا يَهْدِي أحَدًا إلّا أنْ يُهْدى ذَلِكَ الأحَدُ بِهِدايَةٍ مِن عِنْدِ اللهِ"، وأمّا عَلى غَيْرِها مِنَ القِراءاتِ الَّتِي مُقْتَضاها: "أمَّنْ لا يَهْتَدِي إلّا أنْ يُهْدى" فَيَتَّجِهُ المَعْنى عَلى ما تَقَدَّمَ لِأبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ، وفِيهِ تَجَوُّزُ كَثِيرٌ.
وقالَ بَعْضُهُمْ: هي عِبارَةٌ عن أنَّها لا تَنْتَقِلُ إلّا أنْ تُنْقَلَ، ويُحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ ما ذَكَرَ اللهُ تَعالى مِن تَسْبِيحِ الجَماداتِ هو اهْتِداؤُها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ في اهْتِدائِها إلى مُناكَرَةِ الكُفّارِ يَوْمَ القِيامَةِ حَسَبَما مَضى في هَذِهِ السُورَةِ.
وقِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ هي "يَهْدِي" بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الهاءِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وَأبُو عَمْرٍو، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ: "يَهْدِّي" بِسُكُونِ الهاءِ وتَشْدِيدِ الدالِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ: "يَهَدِّي" بِفَتْحِ الياءِ والهاءِ، وهَذِهِ أفْصَحُ القِراءاتِ، نُقِلَتْ حَرَكَةُ تاءِ "يَهْتَدِي" إلى الهاءِ وأُدْغِمَتِ التاءُ في الدالِ، وهَذِهِ رِوايَةُ ورْشٍ عن نافِعٍ.
وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ: "يَهِدِّي" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ وشَدِّ الدالِ، أتْبَعَ الكَسْرَةَ الكَسْرَةَ، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: "يِهِدِّي" بِكَسْرِ الياءِ والهاءِ وشَدِّ الدالِ، وهَذا أيْضًا إتْباعٌ.
وقالَ مُجاهِدٌ: اللهُ يَهْدِي مِنَ الأوثانِ وغَيْرِها ما شاءَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ الحارِثِ الزَمارِيُّ: "إلّا أنْ يَهَدِّي" بِفَتْحِ الهاءِ وشَدِّ الدالِ، ووَقَفَ القُرّاءُ عَلى: "فَما لَكُمْ"، ثُمَّ يَبْدَأُ "كَيْفَ تَحْكُمُونَ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما يَتَّبِعُ أكْثَرُهُمْ ﴾ إخْبارٌ عن فَسادِ طَرائِقِهِمْ وضَعْفِ نَظَرِهِمْ وأنَّهُ ظَنٌّ، ثُمَّ بَيَّنَ مَنزِلَةَ الظَنِّ مِنَ المَعارِفِ وبُعْدِهِ عَنِ الحَقِّ.
والظَنُّ -فِي هَذِهِ الآيَةِ- عَلى بابِهِ في أنَّهُ مُعْتَقَدُ أحَدِ جائِزَيْنِ لَكِنْ ثَمَّ مَيْلٌ إلى أحَدِهِما دُونَ حُجَّةٍ تُبْطِلُ الآخَرَ، وجَوازُ ما اعْتَقَدَهُ هَؤُلاءِ إنَّما هو بِزَعْمِهِمْ لا في نَفْسِهِ.
بَلْ ظَنُّهم مُحالٌ في ذاتِهِ.
والحَقُّ أيْضًا عَلى بابِهِ في أنَّهُ مَعْرِفَةُ المَعْلُومِ عَلى ما هو بِهِ.
وبِهَذِهِ الشُرُوطِ لا يُغْنِي الظَنُّ مِنَ الحَقِّ شَيْئًا.
وأمّا في طَرِيقِ الأحْكامِ الَّتِي تَعَبَّدَ الناسُ بِظَواهِرِها فَيُغْنِي الظَنُّ في تِلْكَ الحَقائِقِ ويُصْرَفُ مِن طَرِيقٍ إلى طَرِيقٍ.
والشَهادَةُ إنَّما هي مَظْنُونَةٌ.
وكَذَلِكَ التُهَمُ في الشَهاداتِ تُغْنِي.
ولَيْسَ المُرادُ في هَذِهِ الآيَةِ هَذا النَمَطُ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يَفْعَلُونَ".
وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ "تَفْعَلُونَ" بِالتاءِ عَلى مُخاطَبَةِ الحاضِرِ.
<div class="verse-tafsir"
هذا تكرير آخر بعد قوله: ﴿ قل هل من شركائكم من يَبدأ الخلق ثم يعيده ﴾ [يونس: 34].
وهذا استدلال بنقصان آلهتهم عن الإرشاد إلى الكمال النفساني بنشر الحق، وبأن الله تعالى هو الهادي إلى الكمال والحق، ومجموع الجملتين مفيد قَصْر صفة الهداية إلى الحق على الله تعالى دون آلهتهم قصرَ إفراد، كما تقدم في نظيره آنفاً.
ومعلوم أن منة الهداية إلى الحق أعظم المنن لأن بها صلاح المجتمع وسلامة أفراده من اعتداء قويّهم على ضعيفهم، ولولا الهداية لكانت نعمة الإيجاد مختلة في مضمحلة.
والمراد بالحق الدين، وهو الأعمال الصالحة، وأصوله وهي الاعتقاد الصحيح.
وقد أتبع الاستدلال على كمال الخالق ببدء الخلق وإعادته بالاستدلال على كماله بالهداية كما في قول إبراهيم عليه السلام ﴿ الذي خلقني فهو يهدين ﴾ [الشعراء: 78] وقول موسى عليه السلام ﴿ ربّنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هَدى ﴾ [طه: 50] وقوله تعالى: ﴿ سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى والذي قدّر فهدى ﴾ [الأعلى: 1 3].
وذلك أن الإنسان الذي هو أكمل ما على الأرض مركب من جسد وروح، فالاستدلال على وجود الخالق وكماله بإيجاد الأجساد وما فيها هو الخلق، والاستدلال عليه بنظام أحوال الأرواح وصلاحها هو الهداية.
وقوله: ﴿ أفمن يهدي إلى الحق أحق من يتبع ﴾ إلى آخره تفريع استفهام تقريري على ما أفادته الجملتان السابقتان من قصر الهداية إلى الحق على الله تعالى دون آلهتهم.
وهذا مما لا ينبغي أن يختلف فيه أهل العقول بأن الذي يهدي إلى الحق يوصل إلى الكمال الروحاني وهو الكمال الباقي إلى الأبد وهو الكون المصون عن الفساد فإن خلق الأجساد مقصود لأجل الأرواح، والأرواح مراد منها الاهتداء، فالمقصود الأعلى هو الهداية.
وإذ قد كانت العقول عرضة للاضطراب والخطأ احتاجت النفوس إلى هدي يتلقى من الجانب المعصوم عن الخطإ وهو جانب الله تعالى، فلذلك كان الذي يهدي إلى الحق أحق أن يتبع لأنه مصلح النفوس ومصلح نظام العالم البشري، فاتباعه واجب عقلاً واتباع غيره لا مصحح له، إذ لا غاية ترجى من اتباعه.
وأفعال العقلاء تصان عن العبث.
وقوله: ﴿ أمّن لا يَهدّي إلا أن يُهدى ﴾ أي الذي لا يهتدي فضلاً عن أن يَهدي غيره، أي لا يقبل الهداية فكيف يهدي غيره فلا يحق له أن يتبع.
والمراد ب ﴿ من لا يهدي ﴾ الأصنام فإنها لا تهتدي إلى شيء، كما قال إبراهيم ﴿ يا أبتتِ لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً ﴾ [مريم: 42].
وقد اختلف القراء في قوله: ﴿ أمَّن لا يَهدي ﴾ فقرأ نافع، وابن كثير، وابن عامر، وأبو عمرو بفتح التحتية وفتح الهاء على أن أصله يهتدي، أبدلت التاء دالاً لتقارب مخرجيهما وأدغمت في الدال ونقلت حركة التاء إلى الهاء الساكنة (ولا أهمية إلى قراءة قالون عن نافع إلى قراءة أبي عمرو بجعل فتح الهاء مختلساً بين الفتح والسكون لأن ذلك من وجوه الأداء فلا يعد خلافاً في القراءة).
وقرأ حفص عن عاصم، ويعقوبُ بفتح الياء وكسر الهاء وتشديد الدال على اعتبار طرح حركة التاء المدغمة واختلاف كسرة على الهاء على أصل التخلص من التقاء الساكنين.
وقرأ أبو بكر عن عاصم بكسر الباء وكسر الهاء بإتباع كسرة الياء لكسرة الهاء.
وقرأ حمزة والكسائي وخلف بفتح الياء وسكون الهاء وتخفيف الدال على أنه مضارع هَدَى القاصر بمعنى اهتدى، كما يقال: شَرى بمعنى اشترى.
والاستثناء في قوله: ﴿ إلا أن يُهدى ﴾ تهكم من تأكيد الشيء بما يشبه ضده.
وأريد بالهَدْي النقل من موضع إلى موضع أي لا تهتدي إلى مكان إلا إذا نقلها الناس ووضعوها في المكان الذي يريدونه لها، فيكون النقل من مكان إلى آخر شبه بالسير فشبه المنقول بالسائر على طريقة المكنية، ورُمز إلى ذلك بما هو من لوازم السير وهو الهداية في ﴿ لا يهدي إلا أن يهدى ﴾ .
وجوز بعض المفسرين أن يكون فعل ﴿ إلا أن يهدى ﴾ بمعنى إهداء العروس، أي نقلها من بيت أهلها إلى بيت زوجها، فيقال: هديت إلى زوجها.
وجملة: ﴿ فمالكم كيف تحكمون ﴾ تفريع استفهام تعجيبي على اتباعهم من لا يهتدي بحال.
واتباعهم هو عبادتهم إياهم.
ف ﴿ ما ﴾ استفهامية مبتدأ، و ﴿ لكم ﴾ خبر، واللام للاختصاص.
والمعنى: أي شيء ثبت لكم فاتبعتم من لا يهتدي بنفسه نقلاً من مكان إلى مكان.
وقوله العرب: مالك؟
ونحوه استفهام يعامل معاملة الاستفهام في حقيقته ومجازه.
وفي الحديث أن رجلاً قال للنبيء صلى الله عليه وسلم دُلني على عمل يُدخلني الجنة، فقال الناس: «مَا لَه مَا لَه» فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أرَبٌ مَّا له ".
فإذا كان المستفهم عنه حالاً ظاهرة لم يحتج إلى ذكر شيء بعد (مَا له) كما وقع في الحديث.
وجعل الزجاج هذه الآية منه فقال: ﴿ ما لكم ﴾ : كلام تام، أي أي شيء لكم في عبادة الأوثان.
قال ابن عطية: ووقف القراء ﴿ فما لكم ﴾ ثم يبدأ ﴿ كيف تحكمون ﴾ .
وإذا كان بخلاف ذلك أتبعوا الاستفهام بحال وهو الغالب كقوله تعالى: ﴿ ما لكم لا تناصرون ﴾ [الصافات: 25] ﴿ فما لهم عن التذكرة معرضين ﴾ [المدثر: 49] ولذلك قال بعض النحاة: مثل هذا الكلام لا يتم بدون ذكر حال بعده، فالخلاف بين كلامهم وكلام الزجاج لفظي.
وجملة: ﴿ كيف تحكمون ﴾ استفهام يتنزل منزلة البيان لما في جملة: ﴿ ما لكم ﴾ من الإجمال ولذلك فصلت عنها فهو مثله استفهام تعجيبي من حكمهم الضال إذ حكموا بإلهية من لا يهتدي فهو تعجيب على تعجيب.
ولك أن تجعل هذه الجملة دليلاً على حال محذوفة.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم إلا ظَنًّا ﴾ هم رُؤَساؤُهم.
﴿ إنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا ﴾ في الظَّنِّ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَنزِلَةٌ بَيْنَ اليَقِينِ والشَّكِّ، ولَيْسَتْ يَقِينًا ولَيْسَتْ شَكًّا.
الثّانِي: إنَّ الظَّنَّ ما تَرَدَّدَ بَيْنَ الشَّكِّ واليَقِينِ وكانَ مَرَّةً يَقِينًا ومَرَّةً شَكًّا.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ أم من لا يهدي إلا أن يهدى ﴾ قال: الأوثان؛ الله يهدي منها ومن غيرها ما شاء.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾ الآية: احتجاج على الكفار، فإن قيل: كيف يحتج عليهم بإعادة الخلق، وهم لا يعترفون بها؟
فالجواب، أنهم معترفون أن شركاءهم لا يقدرون على الابتداء ولا على الإعادة، وفي ذلك إبطال لربوبيتهم، وأيضاً فوضعت الإعادة موضع المتفق عليه لظهور برهانها ﴿ أَمَّن لاَّ يهدي ﴾ بتشديد الدال معناه: لا يهتدي في نفسه، فكيف يهدي غيره، وقرئ بالتخفيف بمعنى يهدي غيره والقراءة الأولى أبلغ في الاحتجاج ﴿ فَمَا لَكُمْ ﴾ ما استفهامية معناها تقرير وتوبيخ ولكم خبرها ويوقف عليه ﴿ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾ أي تحكمون بالباطل في عبادتكم لغير الله.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ كلمات ربك ﴾ وكذلك في آخر السورة على الجمع: أبو جعفر ونافع وابن عامر ﴿ لا يهدي ﴾ مثل ﴿ يرمي ﴾ : حمزة وعلي وخلف ﴿ يهدي ﴾ بسكون الهاء وتشديد الدال: أبو جعفر ونافع غير ورش وعباس وأبو عمرو غير عباس بإشمام الفتحة قليلاً ﴿ يهدي ﴾ بكسر الهاء وتشديد الدال: عاصم غير يحيى وجبلة ورويس ﴿ يهدي ﴾ بكسرتين والتشديد: يحيى ﴿ يهدي ﴾ بفتحتين والتشديد: ابن كثير وابن عامر وورش وسهل ويعقوب غير رويس.
الوقوف: ﴿ يدبر الأمر ﴾ ط ﴿ الله ﴾ ج ﴿ تتقون ﴾ ه ج ط ﴿ ربكم الحق ﴾ ج ط للاستفهام مع الفاء ﴿ إلا الضلال ﴾ ج ط ﴿ تصرفون ﴾ ه ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ ثم يعيده ﴾ الأول ط ﴿ تؤفكون ﴾ ه ﴿ إلى الحق ﴾ ط ﴿ للحق ﴾ ط ﴿ أن يهدي ﴾ ج ط لما مر ﴿ فما لكم ﴾ ص لحق الاستفهام الثاني ﴿ تحكمون ﴾ ه ط ﴿ إلا ظناً ﴾ ط ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ يفعلون ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ افتراء ﴾ ط ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ تأويله ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ لا يؤمن به ﴾ ط ﴿ بالمفسدين ﴾ ه ﴿ عملكم ﴾ ج لأن ﴿ أنتم ﴾ مبتدأ والعامل واحد ﴿ تعملون ﴾ ه.
التفسير: لما بين فضائح عبدة الأوثان أكدها بالحجج اللامعة والبراهين القاطعة من أحوال الرزق والموت والحياة والإبداء والإعادة والإرشاد والهداية، وقد بنى الحجج على الاستفهام وتفويض الجواب إلى المسؤول ليكون أبلغ في إلزام الحجة وأوقع في النفوس.
فالحجة الأولى قوله: ﴿ قل من يرزقكم من السماء والأرض ﴾ بإنزال الأمطار النافعة الموجبة لتولد الأغذية النباتية والحيوانية في الأرض بعد رعاية شرائط تربيتها وإنمائها وحفظها من العاهات.
﴿ أمن يملك السمع والأبصار ﴾ خص الحاستين بالذكر لما في خلقهما وتسويتهما من الفطرة العجيبة، وكان يقول: "سبحان من بَصَّرَ بشحم وأسمع بعظم وأنطق بلحم" ولما في تحصينهما في الآفات في المدد الطوال وهما لطيفان يؤذيهما أدنى شيء مزيد قدرة ورأفة.
﴿ ومن يخرج الحي من الميت ﴾ الحيوان الماشي والطائر من النطفة والبيضة وقد مر سائر الأقوال في سورة الأنعام.
﴿ ومن يدبر الأمر ﴾ عمم بعدما خصص لأن أقسام تدبيره في العالم العلوي والعالم السفلي وعالمي الغيب والشهادة أمور لا نهاية لها.
وذكر كلها كالمتعذر.
﴿ فسيقولون الله ﴾ وفيه دليل على أنهم كانوا يعبدون الأصنام بناء على أنها شفعاؤهم وأنها تقربهم إلى الله زلفى، ولكنهم كانوا مخطئين في هذا الاعتقاد فلهذا ختم الآية بقوله ﴿ فقل أفلا تتقون ﴾ الله الذي اعترفتم بأنه سبب فيضان جميع الخيرات فكيف أشركتم بعبادته الجمادات التي لا تقدر على نفع أو ضر.
﴿ فذلكم ﴾ الموصوف بالقدرة الكاملة والرحمة الشاملة ﴿ الله ربكم الحق ﴾ الثابت ربوبيته بالوجدان والبرهان.
﴿ فماذا بعد الحق ﴾ "ذا" مزيدة و "ما" نافية أو استفهامية أو مجموع "ماذا" كلمة واحدة معناها أي شيء بعد الحق ﴿ إلا الضلال ﴾ والمراد أنه لما ثبت وجود الواجب الحق كان ما سواه ممكناً لذاته باطلاً دعوى الإلهية فيه، لأن واجب الوجود يجب أن يكون واحداً في ذاته وفي صفاته وفي جميع اعتباراته وإلا لزم افتقاره إلى ما انقسم إليه فلا يكون واجباً هف محال ولهذا ختم الآية بقوله: ﴿ فأنى تصرفون ﴾ كيف تستجيزون العدول عن هذا الحق الظاهر وتقعون في الضلال، إذ لا واسطة بين الأمرين، فمن يخطىء أحدهما وقع في الآخر.
﴿ كذلك ﴾ أي كما حق وثبت أن الحق بعده الضلال، أو كما حق أنهم مصروفون عن الحق فكذلك ﴿ حقت كلمة ربك ﴾ .
وتفسير الكلمة ﴿ أنهم لا يؤمنون ﴾ على أنه بدل أي حق عليهم انتفاء الإيمان وقد علم الله منهم ذلك في الأزل، وأراد بالكلمة العدة بالعذاب وأنهم لا يؤمنون تعليل على حذف اللام.
احتجت المعتزلة بمثل قوله تعالى: ﴿ فأنى تصرفون ﴾ أن الصارف لو كان هو الله لم يصح منه هذا التعجيب والإنكار.
وقالت الأشاعرة: قد تعلق علمه بأنهم لا يؤمنون كما قال: ﴿ حقت كلمة ربك ﴾ وتعلق خبره بأنهم لا يؤمنون وقدرته لم تتعلق بخلق الإيمان فيه بل بخلق الكفر فيه، وأثبت ذلك في اللوح المحفوظ وأشهد عليه ملائكته وأنزله على أنبيائه وأشهدهم عليه، فلو حصل الإيمان لبطلت هذه الأشياء فينقلب علمه جهلاً وخبره الصدق كذباً وقدرته عجزاً وإرادته عبثاً وإشهاده باطلاً.
الحجة الثانية ﴿ قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده ﴾ وإنما قال: ﴿ ثم يعيده ﴾ مع أن الخصم لا يعترف به لأنه قدم في هذه السورة دلال الإعادة بحيث لا يتمكن العاقل من دفعها إذا تأمل وأنصف فبنى الأمر على ذلك.
وإنما أمر نبيه أن ينوب عنهم في الجواب بقوله ﴿ قل الله ﴾ الآية.
تنبيهاً على أن هذا المعنى بلغ في الوضوح إلى حيث لا حاجة فيه الى إقرار الخصم المكابر، فكأنه قيل: تكلم عنهم إذ لا يدعهم لحاجهم أن ينطقوا بكلمة الحق.
وقوله: ﴿ فأنى تؤفكون ﴾ كقوله: ﴿ فأنى تصرفون ﴾ وقد مر في "المائدة".
الحجة الثالثة ﴿ قل هل من شركائكم من يهدي ﴾ الآية.
الاستدلال على وجود الصانع بالخلق أوّلاً ثم بالهداية عادة مطردة في القرآن، فحكى عن الخليل ﴿ الذي خلقني فهو يهدين ﴾ وعن موسى ﴿ ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ﴾ وأمر محمداً ﴿ سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى ﴾ والسر فيه أن المقصود من خلق الجسد حصول الهداية للروح وارتسام العلوم والمعارف فيه بإرشاد الحق من الطرق المنحرفة كثيرة والظنون والأغاليط غير محصورة، فتحصيل الوسط الحقيقي لا يمكن إلا بتوفيقه وهدايته، ولا مدخل في ذلك بالاستقلال لملك أو إنسي أو جني فضلاً عن الأصنام التي هي في أدنى مراتب الوجود لأنها جمادات لا شعور لها هذا تقرير الحجة الثالثة.
وقال الزجاج: يقال: هديت للحق وإلى الحق بمعنى، فجمع بين العبارتين.
ويقال: هدى بنفسه بمعنى اهتدى كما يقال شرى بمعنى اشترى ومنه قوله: ﴿ أمن لا يهدي ﴾ وسائر القراآت أصلها "يهتدي" فأدغم وفتحت الهاء بحركة التاء أو كسرت لالتقاء الساكنين، وقد كسرت الياء لاتباع ما بعدها.
قيل: هذه الشركاء جمادات فكيف قال في حقها ﴿ إلا أن يهدى ﴾ وأجيب بوجوه منها: أن المراد في الآية رؤساؤهم وأشرافهم كقوله: ﴿ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً ﴾ والمراد أن الله هو الذي يهدي الخلق إلى الدين الحق بالدلائل النقلية وبما يمكنهم منه من الدلائل العقلية، وأما هؤلاء الدعاة والرؤساء فإنهم لا يقدرون على أن يهدوا غيرهم إلا إذا هداهم الله.
ومنها أنهم لما اتخذوها آلهة وصفهم الله بصفة من يعقل كقوله: ﴿ إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ﴾ ومنها أن ذلك بالفرض والتقدير يعني أنها لو كانت بحيث يمكنها أن تهتدي فإنها لا تهدي غيرها إلا أن تهدى.
ومنها أن البنية عندنا ليست بشرط في صحة الحياة والعقل فيصح من الله أن يجعلها حية عاقلة، ثم إنها تشتغل بهداية الغير، ومنها أن المراد من الهدي النقل والحركة يقال: هديت المرأة زوجها أي نقلت إليه، فالمعنى لا ينتقل إلى مكان إلا إذا نقل إليه.
ثم عجب من مذهبهم الفاسد باستفهامين متواليين فقال: ﴿ فما لكم كيف تحكمون ﴾ .
ثم بين ما بنوا عليه أمر دينهم فقال: ﴿ وما يتبع أكثرهم إلا ظناً ﴾ أي في إقرارهم بالله لأنه قول غير مستند إلى برهان عندهم بل سمعوه من أسلافهم أو في قولهم للأصنام أنها آلهة أو شفعاء، وعلى هذا فالمراد بالأكثر الجميع.
﴿ إن الظن ﴾ في معرفة الله وفيما يجب تحقيقه ﴿ لا يغني من الحق ﴾ وهو العلم والتحقيق ﴿ شيئاً ﴾ من الغناء.
والمعنى أن الظن لا يقوم مقام العلم في شيء من الأحوال.
ثم أوعدهم على اتباعهم الظن وتقليد الآباء بقوله: ﴿ إن الله عليم بما يفعلون ﴾ .
وتمسك نفاة القياس بالآية ظاهر من قبل أن القياس لا يفيد إلا الظن.
وأجيب بأن التمسك بالعمومات لا يفيد إلا الظن وهذه الآية من العمومات فلم يجب اتباعها بزعمكم، وما أفضى ثبوته إلى نفيه كان متروكاً.
ولما فرغ من دلائل التوحيد شرع في إثبات النبوة فقال: ﴿ ما كان هذا القرآن أن يفترى ﴾ أي افتراء من دون الله أو كلمة "أن" بمعنى اللام أي ما ينبغي له وما استقام أن يكون مفترى.
والحاصل أن وصفه ليس وصف شيء يمكن أن يفترى به على الله لأنه معجز لا يقدر البشر على إتيان مثله وإنما القادر عليه هو الله .
﴿ ولكن ﴾ كان ﴿ تصديق الذي بين يديه ﴾ من الكتب المنزلة لإعجازه دونها فهو عيار عليها شاهد بصحتها، ونفس هذا التصديق أيضاً معجز لأن أقاصيصه موافقه لما في كتب الأولين مع أنه لم يتعلم قط ولم يتلمذ، ولأن بشارته جاءت في تلك الكتب على وفق دعواه، ولأنه يخبر عن الغيوب المستقبلة فيقع مطابقاً فظهر أن القرآن معجز من قبل اشتماله على الغيوب الماضية والمستقبلة.
أما أنه معجز من جهة اشتماله على العلوم الجمة فذلك قوله: ﴿ وتفصيل الكتاب ﴾ أي يبين ما كتب وفرض من الأحكام والشرائع كقوله: ﴿ كتاب الله عليكم ﴾ قال في الكشاف قوله: ﴿ لا ريب فيه من رب العالمين ﴾ داخل في حيز الاستدراك كأنه قال: ولكن كان تصديقاً وتفصيلاً منتفياً عنه الريب كائناً من رب العالمين، وجوز أن يكون ﴿ من رب العالمين ﴾ متعلقاً بتصديق وتفصيل و ﴿ لا ريب فيه ﴾ اعتراض كقولك: زيد لا شك فيه كريم.
والمعنى ولكن كان تصديقاً من رب العالمين وتفصيلاً منه لا ريب فيه.
ثم أعاد بيان إعجازه مرة أخرى فقال مستفهماً على سبيل الإنكار ﴿ أم يقولون افتراه قل ﴾ إن كان الأمر كما تزعمون ﴿ فأتوا ﴾ أنتم على وجه الافتراء ﴿ بسورة مثله ﴾ في البلاغة وحسن النظم فأنتم مثلي في العربية والفصاحة ﴿ وادعوا من استطعتم من دون الله ﴾ أي لا تستعينوا بالله وحده ثم استعينوا بكل من سواه ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ أنه افتراه.
قال بعض العلماء: هذه الآية في سورة يونس وهي مكية، فلعل المراد بالسورة المتحدّي بها هذه السورة.
والأصح أن التحدي واقع على أقصر سورة.
قالت المعتزلة: لو لم يكن الإتيان بمثل القرآن صحيح الوجود في الجملة لم يتحدّ العرب به لكنهم تحدّوا بذلك فدل على أن القرآن محدث إذ لو كان قديماً والإتيان بالقديم محال لم يصح هذا التحدي.
وأجيب بأن القرآن يقال بالاشتراك على الصفة القديمة القائمة بذات الله وعلى هذه الحروف والأصوات المحدثة، والتحدي إنما وقع بهذه لا بتلك ﴿ بل كذبوا ﴾ سارعوا إلى التكذيب ﴿ بما لم يحيطوا بعلمه ﴾ وهو القرآن ﴿ ولما يأتهم تأويله ﴾ ومعنى التوقع فيه أنهم كذبوا به على البديهة قبل التدبر ومعرفة التأويل تقليداً للآباء، وكذبوا به بعد التدبر وتكرير التحدي عليهم واستيقان عجزهم عن هذا بغياً وحسداً وعناداً.
وذلك إنما حملهم على التكذيب أوّلا وآخراً وجوه منها: أنهم وجدوا في القرآن أقاصيص الأولين ولم يعرفوا المقصود منها فقالوا أساطير الأوّلين، وخفي عليهم أن الغرض منها بيان قدرة الله على التصرف في هذا العالم ونقل الأمم من العز إلى الذل وبالعكس، ليعرف المكلف أن الدنيا ليست مما يبقى، فنهاية كل حركة سكون وغاية كل سكون أن لا يكون كقوله: عز من قائل ﴿ لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ﴾ .
ومنها أنهم كلما سمعوا حروف التهجي في أوائل السور ولم يفهموا منها شيئاً ساء ظنهم بالقرآن فأجاب الله عنه بقوله: ﴿ هو الذي أنزل عليك الكتاب ﴾ إلى قوله: ﴿ وأخر متشابهات ﴾ الآية.
ومنها أنهمرأوا القرآن يظهر شيئاً فشيئاً فاتهموا النبي وقالوا: ﴿ لولا أنزل عليه القرآن جملة واحدة ﴾ ومنها أنهم وجدوا القرآن مملوءاً من حديث الحشر والنشر، وكانوا قد ألفوا المحسوسات فاستبعدوا ذلك.
وأنهم وجدوا فيه تكاليف كثيرة من الصلاة والصيام والزكاة والحج والجهاد وكانوا يقولون.
إن إله العالم غني عنا وعن طاعاتنا ﴿ كذلك كذب الذين من قبلهم ﴾ يعني قبل النظر في معجزات أنبيائهم.
قال أهل التحقيق: في الآية دلالة على أن من كان غير عارف بوجوه التأويل قد يقع في الكفر والبدعة، لأن ظواهر النصوص قد تتعارض فيفتقر هنالك إلى تطبيق التنزيل على التأويل.
وقيل: معنى الآية أن القرآن كتاب معجز من جهتين: من جهة إعجاز نظمه ومن جهة ما فيه من الأخبار بالغيوب ومن جملتها أحوال الآخرة.
فقوله: ﴿ بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ﴾ إشارة إلى التكذيب به قبل أن ينظروا في نظمه وبلوغه حد الإعجاز، وقوله: ﴿ ولما يأتهم تأويله ﴾ إشارة إلى تكذيبهم قبل أن يمتحنوا غيوبه هل تطابق الواقع أم لا.
ثم ختم الآية بقوله: ﴿ فانظر كيف كان عاقبة الظالمين ﴾ والمراد أنهم طلبوا الدنيا وأعرضوا عن الآخرة فلم تبق عليهم الدنيا وفاتتهم الآخرة فبقوا في خسران الدارين.
وقيل: المقصود عذاب الاستئصال الذي نزل بالمكذبين قبلهم.
ثم قسم طوائف الأمم المكذبين فقال: ﴿ ومنهم من يؤمن به ﴾ أي بالقرآن أو بالرسول أي يصدق به في نفسه ويعلم أنه حق ولكنه يعاند ﴿ ومنهم ﴾ من يشك فيه لا يصدق به لا ظاهراً ولا باطناً، ويمكن أن يقال: المراد به قسمتهم في الاستقبال أي ومنهم من سيؤمن به ومنهم من يبقى على الكفر فتكون الآية كالعذر في تبقيتهم وعدم استئصالهم ﴿ وربك أعلم بالمفسدين ﴾ فيجازيهم على حسب مراتبهم في التكذيب ويعلم طوياتهم هل يتوبون أو يصرفون.
ثم بين اختصاص كل مكلف بأفعاله وبنتائج أعماله من الثواب والعقاب فقال: ﴿ وإن كذبوك فقل لي عملي ﴾ أي جزاء عملي على الطاعة والإيمان وتبليغ الرسالة ﴿ ولكم عملكم ﴾ قال مقاتل والكلبي: هي منسوخة بآية القتال.
والتحقيق أن آية القتال لا تدفع شيئاً من مدلولات هذه فلا نسخ والله أعلم.
التأويل: ﴿ قل من يرزقكم ﴾ أي من ينزل من سماء النفس مطر الهواجس ويخرج من أرض النفس نبات الأفعال والأعمال، وينزل من سماء القلب مطر أثار فيض الروح ويخرج من أرض النفس نبات الصفات البشرية والحيوانية.
أو ينزل من سماء الروح مطر فيض الروح ويخرج من أرض القلب نبات الأوصاف الحميدة، أو ينزل من سماء القدرة مطر تجلي الصفات والفيض الرباني ويخرج من أرض الروح المحبة والأخلاق الإلهية، أو ينزل من سماء الذات مطر تجلي الصفات ويخرج من أرض الوجود نبات الفناء في الله وثمرات البقاء بالله ﴿ أمن يملك السمع والأبصار ﴾ فيكون سمعه الذي به يسمع، وبصره الذي به يبصر.
﴿ يخرج الحي من الميت ﴾ النفس من القالب والقلب من الروح والروح من القلب وبالعكوس ﴿ ومن يدبر ﴾ أمر الإنسان بالتربية من التراب إلى أن يصل إلى رب الأرباب.
فسيقولون هذه الأحوال كلها من الله فقل لمن بلغ نظره إلى هذه المراتب العلية وإنها عتبة باب التوحيد والمعرفة ﴿ أفلا تتقون ﴾ بالله من غيره لتدخلوا بيت الوحدة ﴿ كذلك حقت كلمة ربك ﴾ هكذا جرى القلم في الأزل على الذين خرجوا عن قبول فيض النور حين رش على الخلق من نوره.
﴿ وتفصيل الكتاب ﴾ وتفصيل الجملة التي هي مكتوبة عنده في أم الكتاب وهو علمه القائم بذاته.
﴿ وربك أعلم بالمفسدين ﴾ الذين أفسدوا استعدادهم الفطري والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ ٱلسَّمْعَ وٱلأَبْصَارَ...
﴾ الآية: يحاجهم يعني: أهل مكة في التوحيد [والربوبية وكأن هذه السورة نزلت في محاجة أهل مكة في التوحيد] لأنها مكية.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ ﴾ يحتمل وجهين؛ أي: من ينزل لكم الرزق من السماء، ومن يستخرج لكم الرزق من الأرض.
والثاني: من يرزقكم من السماء والأرض أي ومن يدبر الرزق في السماء، ومن يدبر الرزق في الأرض، لا أحد يملك استنزال الرزق من السماء، واستخراج الرزق من الأرض؛ وكذلك لا أحد يملك تدبيره في السماء والأرض سواه، ولا أحد يملك إنشاء السمع والبصر، ولا أحد أيضاً يملك إخراج الحي من الميت ولا إخراج الميت من الحي ولا تدبير الأمر، لا يعرفون حقيقة ماهية السمع والبصر ولا كيفيتهما، فكيف يملكون إنشاء السمع والبصر ونصبهما، ولا [يملك أحد] سواه إصلاح ما ذكر إذا فسد ذلك، فأقروا له أنه لا يملك أحد سوى الله ذلك، وهو قولهم: ﴿ فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ ﴾ \[يقول: والله أعلم -: إذا عرفتم وأقررتم أنه لا يملك ما ذكر سواه وعرفتم أن له السلطان والقدرة على ذلك أفلا تتقون\] بوائقه ونقمته، [أو يقول: أفلا تتقون عبادة غيره دونه، وإشراك غيره في ألوهيته وربوبيته]، أو يقول: أفلا تتقون صرف شكره إلى غيره وقد أقررتم أنه هو المنعم عليكم بهذه النعم لا من تعبدون دونه.
أو يقول - والله أعلم -: إذا عرفتم ذلك أفلا تتقون مخالفته وعصيانه، فإذا أقروا أن الذي يملك تدبير ما بين السماء والأرض هو الذي له السماوات والأرض عرفوا الذي يستحق العبادة والقيام بشكره، فإذا ضيعوا ذلك جمعهم على اسم الضلال؛ فذلك قوله: ﴿ فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقِّ إِلاَّ ٱلضَّلاَلُ ﴾ .
وقوله : ﴿ فَذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمُ ٱلْحَقُّ ﴾ أي: ذلكم الذي ذكر ربكم بالحجج والبراهين، فماذا بعد الحق الذي هو حق بالحجج والبراهين إلا الضلال؟!
لأن ما لا حجج له ولا براهين فهو ضلال.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ ﴾ : عن عبادته إلى عبادة غيره، أو فأنى تصرفون عن شكر المنعم، إلى شكر غير المنعم.
أو يقول: فأنى تعدلون من لا يملك ما ذكر بمن يملك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ﴾ حقت: وجبت، وقيل: كذلك حقت كلمة ربك على الذين ختموا بالفسق أنهم لا يؤمنون، أي: لا ينتفعون بإيمانهم بعد ذلك.
وقوله: ﴿ كَلِمَتُ رَبِّكَ ﴾ تحتمل وجهين: تحتمل كلمة ربك [مواعيد ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون فإن كان على هذا فهو في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون.
ويحتمل كلمة ربك] حجج ربك وبراهينه على الذين فسقوا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾ : قال عامة أهل التأويل: ثم يعيده: البعث بعد الموت، أي: لا أحد من شركائكم الذين تعبدون يملك بدء الخلق ولا بعثه.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾ لا يحتمل البعث؛ لأنهم كانوا لا يقرون بالبعث، فلا يحتمل الاحتجاج عليهم بذلك، ولكن قوله: ﴿ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾ ما سوى البشر؛ لأنهم إنما ينكرون إعادة البشر، فأما إعادة غيره من الأشياء لا ينكرونه؛ نحو إعادة الليل والنهار، وإعادة الإنزال والنبات، ونحو الأشياء التي يشاهدونها، أي: ثم يعيد مثله: الليل ليلا مثله، والنهار نهارا مثله؛ وكذلك الخلائق تفنى ثم يعيد مثله، فإذا ثبت في غير البشر ثبت في البشر.
ويحتمل الأمرين جميعاً عندنا البعث وأشياء مثله؛ لأنه تعليم منه لهم، ألا ترى أنه قال: ﴿ قُلِ ٱللَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ ﴾ قيل: تكذبون بتوحيد الله، وقد عرفتم أنه هو بدأ الخلق ثم هو يعيده، لا أحد يملك ذلك، ألا ترى أنه احتج عليهم ما يلزمهم ذلك بقوله: ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ...
﴾ الآية [البقرة: 28].
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَهْدِيۤ إِلَى ٱلْحَقِّ ﴾ : يحتمل قوله: ﴿ يَهْدِيۤ إِلَى ٱلْحَقِّ ﴾ يدعو إلى الحق فإذا كان هؤلاء الأصنام التي تعبدونها لا يملكون الدعاء إلى شيء، فلا يملكون الضر والنفع، ومن الخلائق من لا يملك النفع والضر، ويملك الدعاء إلى خير أو [إلى] نفع، فهؤلاء دون الخلائق جميعاً؛ إذ لا يملكون الدعاء، فكيف يملكون [الضرّ والنفع]؟!
يبين عز وجل سفههم بعبادتهم هؤلاء الأصنام؛ لعلمهم أنهم لا يملكون نفعاً ولا ضرّاً.
ويحتمل قوله: ﴿ يَهْدِيۤ إِلَى ٱلْحَقِّ ﴾ أي: يبين ويقيم الدلائل والبراهين على [عدم] استحقاق العبادة لهم، فإذا لم يملكوا الدعاء إلى العبادة لهم، فكيف يملكون نصب الدلائل والحجج على استحقاق العبادة؟!
﴿ قُلِ ٱللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ ﴾ : أخبر أن الله هو الذي يهدي للحق.
ثم يحتمل الوجهين اللذين ذكرنا: هو يملك الدعاء إلى الحق ويقيموا الدلائل والحجج على ما دعا إليه، وهو يستحق العبادة له والربوبية.
﴿ أَفَمَن يَهْدِيۤ إِلَى ٱلْحَقِّ ﴾ : الذي يبين البراهين والحجج، ﴿ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيۤ ﴾ أي: لا يبين، ﴿ إِلاَّ أَن يُهْدَىٰ ﴾ ، فإن قيل: ما معنى الاستثناء وهو وإن هدي لا يهتدي؟
قيل: يشبه أن يكون هذا صلة ما تقدم من قوله: ﴿ مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ ﴾ ينطقهم الله - عز وجل - يوم القيامة، فيشهدون عليهم أنهم لم يأمروهم بالعبادة لهم ولا دعوهم لإشراكهم في العبادة، فيكون قوله: ﴿ إِلاَّ أَن يُهْدَىٰ ﴾ لما أن يجعلهم الله بحيث يهتدون إذا هدوا ويجيبون إذا دعوا.
﴿ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾ : بالجور وصرف العبادة والشكر إلى من لا يملك ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيۤ إِلاَّ أَن يُهْدَىٰ ﴾ قال بعضهم: ﴿ إِلاَّ أَن يُهْدَىٰ ﴾ لا يحتمل الصنم والوثن الاهتداء وإن هدي، ولكن المراد منه الإنسان.
وقال بعضهم: ﴿ إِلاَّ أَن يُهْدَىٰ ﴾ إلا أن يحمل الصنم ويوضع، فأما أن يهتدي هو بنفسه فلا، لكن يحتمل ما ذكرنا أنه إذا صيره بحيث يتكلم ومن جنس ما ينطق وأذن له في النطق احتمل الإجابة والاهتداء، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّاً ﴾ قال بعضهم: هذا في الأئمة والرؤساء منهم حيث عبدوا الأصنام والأوثان وقالوا: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ﴾ ، وقالوا: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ﴾ ونحو ذلك من القول؛ يقول: ما يتبع أكثرهم في عبادتهم الأصنام بأنهم يكونون لهم شفعاء عند الله إلا ظنا ظنوه.
وقال بعضهم: هذا في الأتباع والعوام ليس في الأئمة؛ ذلك أن الأئمة قد عرفوا البراهين والحجج التي قامت عليهم والآيات التي جاء بها رسول الله ، لكن ما قالوا: ﴿ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ ، ﴿ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ إِفْكٌ مُّفْتَرًى ﴾ ، ﴿ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ ﴾ ونحو ذلك من الكلام، أرادوا أن يلبسوا على العوام ويشبهوا عليهم، فاتبع العوام الأئمة فيما قالوا وأنه كذا وصدقوهم؛ يقول: وما يتبع أكثرهم الأئمة في ذلك إلا ظنّاً ظنوا.
ويشبه أن يكون قوله: ﴿ وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ ﴾ يعني: أهل مكة [أي ما يتبع أكثر أهل مكة] الأوائل والأسلاف في عبادة الأصنام والأوثان.
﴿ إِلاَّ ظَنّاً ﴾ لأنهم عبدوا الأصنام ويقولون: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ...
﴾ الآية [الزخرف: 23] وآباؤنا كذلك يفعلون، ثم أخبر أن الظن لا يغني من الحق شيئاً، أي: الظن لا يدرك به الحق إنما يدرك الحق باليقين، ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ ﴾ وهو حرف وعيد ليكونوا أبدا على حذر.
<div class="verse-tafsir"
قل لهم -أيها الرسول-: هل من بين شركائكم الذين تعبدونهم من دون الله من يرشد إلى الحق؟
قل لهم: الله وحده يرشد إلى الحق، فهل من يرشد الناس إلى الحق، ويدعوهم إليه أولى بأن يتبع أم معبوداتكم التي لا تهتدي بنفسها إلا أن يهديها غيرها؟!
فما لكم كيف تحكمون بالباطل حين تزعمون أنهم شركاء لله؟!
تعالى الله عن قولكم علوا كبيرًا.
<div class="verse-tafsir" id="91.OrXbO"