الآية ٣٧ من سورة يونس

الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ٣٧ من سورة يونس

وَمَا كَانَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ ٱلْكِتَـٰبِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٣٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 85 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٧ من سورة يونس: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٧ من سورة يونس عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

هذا بيان لإعجاز القرآن ، وأنه لا يستطيع البشر أن يأتوا بمثله ، ولا بعشر سور ، ولا بسورة من مثله ، لأنه بفصاحته وبلاغته ووجازته وحلاوته ، واشتماله على المعاني العزيزة [ للعزيزة ] النافعة في الدنيا والآخرة ، لا يكون إلا من عند الله الذي لا يشبهه شيء في ذاته ولا صفاته ، ولا في أفعاله وأقواله ، فكلامه لا يشبه كلام المخلوقين ؛ ولهذا قال تعالى : ( وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ) أي : مثل هذا القرآن لا يكون إلا من عند الله ، ولا يشبه هذا كلام البشر ، ( ولكن تصديق الذي بين يديه ) أي : من الكتب المتقدمة ، ومهيمنا عليها ، ومبينا لما وقع فيها من التحريف والتأويل والتبديل .

وقوله : ( وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين ) أي : وبيان الأحكام والحلال والحرام ، بيانا شافيا كافيا حقا لا مرية فيه من الله رب العالمين ، كما تقدم في حديث الحارث الأعور ، عن علي بن أبي طالب : " فيه خبر ما قبلكم ، ونبأ ما بعدكم ، وفصل ما بينكم " ، أي : خبر عما سلف وعما سيأتي ، وحكم فيما بين الناس بالشرع الذي يحبه الله ويرضاه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (37) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ما ينبغي لهذا القرآن أن يفترى من دون الله، يقول: ما ينبغي له أن يتخرَّصه أحد من عند غير الله.

(11) وذلك نظير قوله: وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ [سورة آل عمران: 161] ، (12) بمعنى: ما ينبغي لنبي أن يغلَّه أصحابُه.

وإنما هذا خبرٌ من الله جل ثناؤه أن هذا القرآن من عنده، أنـزله إلى محمد عبده، وتكذيبٌ منه للمشركين الذين قالوا: " هو شعر وكهانة "، والذين قالوا: " إنما يتعلمه محمد من يحنّس الروميّ".

(13) يقول لهم جل ثناؤه: ما كان هذا القرآن ليختلقه أحدٌ من عند غير الله، لأن ذلك لا يقدر عليه أحدٌ من الخلق ، (ولكن تصديق الذي بين يديه)، أي : يقول تعالى ذكره: ولكنه من عند الله أنـزله مصدِّقًا لما بين يديه، أي لما قبله من الكتب التي أنـزلت على أنبياء الله ، كالتوراة والإنجيل وغيرهما من كتب الله التي أنـزلها على أنبيائه ، (وتفصيل الكتاب) ، يقول: وتبيان الكتاب الذي كتبه الله على أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وفرائضه التي فرضها عليهم في السابق من علمه ، يقول: (لا ريب فيه) لا شك فيه أنه تصديق الذي بين يديه من الكتاب وتفصيل الكتاب من عند رب العالمين، لا افتراءٌ من عند غيره ولا اختلاقٌ.

(14) ---------------------- الهوامش : (11) انظر تفسير " الافتراء " فيما سلف من فهارس اللغة ( فرى ) .

، وتفسير " ما كان " فيما سلف 7 : 353 / 14 : 509 - 514 ، 561 ، 565 .

(12) هذه قراءة أهل المدينة والكوفة ، بضم الباء وفتح العين ، بالبناء للمجهول ، وهي غير قراءتنا في مصحفنا .

وقد سلف بيانها وتفسيرها واختلاف المختلفين فيها فيما سلف 7 : 353 ، 354 .

وانظر معاني القرآن للفراء 1 : 464 .

(13) في المطبوعة : " يعيش الرومي " ، وأثبت ما في المخطوطة ، وذاك تصرف لا خير فيه .

(14) انظر تفسير " التفصيل " فيما سلف ص : 57 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

، وتفسير " الريب " فيما سلف 14 : 459 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

، وتفسير " العالمين " فيما سلف 13 : 84 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمينقوله تعالى وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله أن مع يفترى مصدر ، والمعنى : وما كان هذا القرآن افتراء ; كما تقول : فلان يحب أن يركب ، أي يحب الركوب ، قاله الكسائي .

وقال الفراء : المعنى وما ينبغي لهذا القرآن أن يفترى ; كقوله : وما كان لنبي أن يغل وما كان المؤمنون لينفروا كافة .

وقيل : أن بمعنى اللام ، تقديره : وما كان هذا القرآن ليفترى .

وقيل : بمعنى لا ، أي لا يفترى .

وقيل : المعنى ما كان يتهيأ لأحد أن يأتي بمثل هذا القرآن من عند غير الله ثم ينسبه إلى الله تعالى لإعجازه ; لوصفه ومعانيه وتأليفه .ولكن تصديق الذي بين يديه قال الكسائي والفراء ومحمد بن سعدان : التقدير ولكن كان [ ص: 255 ] تصديق ; ويجوز عندهم الرفع بمعنى : ولكن هو تصديق .

الذي بين يديه أي من التوراة والإنجيل وغيرهما من الكتب ، فإنها قد بشرت به فجاء مصدقا لها في تلك البشارة ، وفي الدعاء إلى التوحيد والإيمان بالقيامة .

وقيل : المعنى ولكن تصديق النبي بين يدي القرآن وهو محمد صلى الله عليه وسلم ; لأنهم شاهدوه قبل أن سمعوا منه القرآن .وتفصيل بالنصب والرفع على الوجهين المذكورين في تصديق .

والتفصيل التبيين ، أي يبين ما في كتب الله المتقدمة .

والكتاب اسم الجنس .

وقيل : أراد بتفصيل الكتاب ما بين في القرآن من الأحكام .لا ريب فيه من رب العالمين الهاء عائدة للقرآن ، أي لا شك فيه أي في نزوله من قبل الله تعالى .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ‏}‏ أي‏:‏ غير ممكن ولا متصور، أن يفترى هذا القرآن على الله تعالى، لأنه الكتاب العظيم الذي ‏{‏لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ‏}‏ وهو الكتاب الذي لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا، وهو كتاب الله الذي تكلم به ‏[‏رب العالمين‏]‏، فكيف يقدر أحد من الخلق، أن يتكلم بمثله، أو بما يقاربه، والكلام تابع لعظمة المتكلم ووصفه‏؟‏‏"‏‏.‏ فإن كان أحد يماثل الله في عظمته، وأوصاف كماله، أمكن أن يأتي بمثل هذا القرآن، ولو تنزلنا على الفرض والتقدير، فتقوله أحد على رب العالمين، لعاجله بالعقوبة، وبادره بالنكال‏.‏ ‏{‏وَلَكِنْ‏}‏ الله أنزل هذا الكتاب، رحمة للعالمين، وحجة على العباد أجمعين‏.‏ أنزله ‏{‏تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ‏}‏ من كتب الله السماوية، بأن وافقها، وصدقها بما شهدت به، وبشرت بنزوله، فوقع كما أخبرت‏.‏ ‏{‏وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ‏}‏ للحلال والحرام، والأحكام الدينية والقدرية، والإخبارات الصادقة‏.‏ ‏{‏لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ‏}‏ أي‏:‏ لا شك ولا مرية فيه بوجه من الوجوه، بل هو الحق اليقين‏:‏ تنزيل من رب العالمين الذي ربى جميع الخلق بنعمه‏.‏ ومن أعظم أنواع تربيته أن أنزل عليهم هذا الكتاب الذي فيه مصالحهم الدينية والدنيوية، المشتمل على مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ) قال الفراء : معناه : وما ينبغي لمثل هذا القرآن أن يفترى من دون الله ، كقوله تعالى : " وما كان لنبي أن يغل " ( آل عمران - 161 ) .

وقيل : " أن " بمعنى اللام ، أي : وما كان هذا القرآن ليفترى من دون الله .

قوله : ( ولكن تصديق الذي بين يديه ) أي : بين يدي القرآن من التوراة والإنجيل .

وقيل : تصديق الذي بين يدي القرآن من القيامة والبعث ، ( وتفصيل الكتاب ) تبيين ما في الكتاب من الحلال والحرام والفرائض والأحكام ، ( لا ريب فيه من رب العالمين ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وما كان هذا القرآن أن يُفترى» أي افتراءً «من دون الله» أي غيره «ولكن» أنزل «تصديق الذي بين يديه» من الكتب «وتفصيل الكتاب» تبيين ما كتبه الله من الأحكام وغيرها «لا ريب» شك «فيه من رب العالمين» متعلق بتصديق أو بأنزل المحذوف، وقرئ برفع تصديق وتفصيل بتقدير هو.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وما كان يتهيَّأ لأحد أن يأتي بهذا القرآن مِن عند غير الله، لأنه لا يقدر على ذلك أحد من الخلق، ولكن الله أنزله مصدِّقا للكتب التي أنزلها على أنبيائه؛ لأن دين الله واحد، وفي هذا القرآن بيان وتفصيل لما شرعه الله لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، لا شك في أن هذا القرآن موحىً من رب العالمين.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

استمع إلى السورة الكريمة وهى تتحدث عن كل ذلك فتقول :( وَمَا كَانَ هذا القرآن أَن .

.

.

)قال الإِمام ابن كثير " هذا بيان لإِعجاز القرآن ، وأنه لا يستطيع البشر أن يأتوا بمثله ، ولا بعشر سور ولا بسورة من مثله؛ لأنه بفصاحته وبلاغته ووجازته وحلاوته واشتماله على المعاني الغزيرة النافعة فى الدنيا والآخرة ، لا يكون إلا من عند الله - تعالى - الذى لا يشبهه شيء فى ذاته ولا فى صفاته ، ولا فى أفعاله ولا فى أقواله ، فكلامه لا يشبه كلام المخلوقين ، ولهذا قال - تعالى - : ( وَمَا كَانَ هذا القرآن أَن يفترى مِن دُونِ الله ) .والنفي هنا للشأن الذى هو أبلغ فى النفى ، وأعمق فى الدلالة على أن هذا القرآن من عند الله ، من نفى الشيء فى ذاته مباشرة .أى : وليس من شأن هذا القرآن المعجز ، أن يخترعه أو يختلفه أحد من الإِنس أو الجن أو غيرهما؛ لأن ما اشتمل عليه من إعجاز وبلاغه وتشريعات حكيمة ، وآداب قويمة ، وهدايات جامعة .

.

.

يشهد بأنه من كلام خالق القوى والقدر .وقوله : ( ولكن تَصْدِيقَ الذي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الكتاب ) بيان لكمال هداية القرآن الكريم ، وهيمنته على الكتب السماوية السابقة .والمراد بالذي بين يديه : الكتب السابقة على القرآن كالتوراة والإِنجيل والزبور .وقوله ( بَيْنَ يَدَيْهِ ) فيه نوع مجاز؛ لأن ما بين يدى الشيء يكون أمامه ، فوصف - سبحانه - ما مضى من الكتب بأنها بين يدى القرآن لشدة ظهورها واشتهارها ، ومعنى تصديق القرآن للكتب السابقة : تأييده لما اشتملت عليه من دعوة إلى وحدانية الله - تعالى - ، ومن أمر باتباع الرسول - صلى الله عليه وسلم - عند ظهوره .وأل فى ( الكتاب ) للجنس ، فالمراد به جنس الكتب السماوية التي أنزلها - سبحانه - على بعض أنبيائه .والمعنى : ليس من شأن هذا الكتاب فى إعجازه وهدايته أن يكون من عند غير الله ، لأن غيره - سبحانه - لا يقدر على ذلك ، ولكن من شأنه أن يكون مؤيداً للكتب السماوية السابقة فيما دعت إليه من إخلاص العبودية لله - تعالى - ومن اتباع لرسله ، وأن يكون مفصلا وموضحا لما اشتملت عليه هذه الكتب من تشريعات وآداب وأحكام .وقوله ( تصديق ) منصوب على أنه معطوف على خبير كان ، أو على أنه خبر لكان المقدرة أى : ولكن كان تصديق .وقوله ( لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ العالمين ) بيان لمصدره .أى : هذا الكتاب لا ريب ولا شك فى كونه منزلا على رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - من الله - تعالى - رب العالمين .وفصلت جملة ( لاَ رَيْبَ فِيهِ ) عما قبلها لأنها مؤكدة له ، ومقررة لمضمونه .ونفى - سبحانه - عن القرآن الريب على سبيل الاستغراق : مع وقوع الريب فيه من المشركين ، حيث وصفوه بأنه أساطير الأولين ، لأنه لروعة بيانه ، وسطوع حجته ، ووضوح دلائله ، لا يرتاب ذو عقل متدبر فى كونه وحيا سماوياً ، ومصدر هداية وإصلاح فجملة ( لاَ رَيْبَ فِيهِ ) تنفي الريب فى القرآن عمن شأنهم أن يتدبروه ، ويقبلوا على النظر فيه بروية ومن ارتاب فيه فلأنه لم يقبل عليه بأذن واعية ، أو بصيرة نافذة أو قلب سليم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

فيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنا حين شرعنا في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءايَةٌ مّن رَّبّهِ  ﴾ ذكرنا أن القوم إنما ذكروا ذلك لاعتقادهم أن القرآن ليس بمعجز، وأن محمداً إنما يأتي به من عند نفسه على سبيل الافتعال والاختلاق، ثم إنه تعالى ذكر الجوابات الكثيرة عن هذا الكلام، وامتدت تلك البيانات على الترتيب الذي شرحناه وفصلناه إلى هذا الموضع، ثم إنه تعالى بين في هذا المقام أن إتيان محمد عليه السلام بهذا القرآن ليس على سبيل الافتراء على الله تعالى، ولكنه وحي نازل عليه من عند الله، ثم إنه تعالى احتج على صحة هذا الكلام بقوله: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ افتراه قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّثْلِهِ ﴾ وذلك يدل على أنه معجز نازل عليه من عند الله تعالى، وأنه مبرأ عن الافتراء والافتعال فهذا هو الترتيب الصحيح في نظم هذه الآيات.

المسألة الثانية: قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ هذا القرءان أَن يفترى ﴾ فيه وجهان: الأول: أن قوله: ﴿ أَن يفترى ﴾ في تقدير المصدر، والمعنى: وما كان هذا القرآن افتراء من دون الله، كما تقول: ما كان هذا الكلام إلا كذباً.

والثاني: أن يقال إن كلمة ﴿ أن ﴾ جاءت هاهنا بمعنى اللام، والتقدير: ما كان هذا القرآن ليفترى من دون الله، كقوله: ﴿ وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنفِرُواْ كَافَّةً  ﴾ ﴿ مَّا كَانَ الله لِيَذَرَ المؤمنين...

وَمَا كَانَ الله لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الغيب  ﴾ أي لم يكن ينبغي لهم أن يفعلوا ذلك، فكذلك ما ينبغي لهذا القرآن أن يفترى، أي ليس وصفه وصف شيء يمكن أن يفترى به على الله، لأن المفترى هو الذي يأتي به البشر، والقرآن معجز لا يقدر عليه البشر، والافتراء افتعال من فريت الأديم إذا قدرته للقطع، ثم استعمل في الكذب كما استعمل قولهم: اختلف فلان هذا الحديث في الكذب، فصار حاصل هذا الكلام أن هذا القرآن لا يقدر عليه أحد إلا الله عز وجل، ثم إنه تعالى احتج على هذه الدعوى بأمور: الحجة الأولى: قوله: ﴿ ولكن تَصْدِيقَ الذي بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ وتقرير هذه الحجة من وجوه: أحدها: أن محمداً عليه السلام كان رجلاً أمياً ما سافر إلى بلدة لأجل التعلم، وما كانت مكة بلدة العلماء، وما كان فيها شيء من كتب العلم، ثم إنه عليه السلام أتى بهذا القرآن، فكان هذا القرآن مشتملاً على أقاصيص الأولين، والقوم كانوا في غاية العداوة له، فلو لم تكن هذه الأقاصيص موافقة لما في التوراة والإنجيل لقدحوا فيه ولبالغوا في الطعن فيه، ولقالوا له إنك جئت بهذه الأقاصيص لا كما ينبغي، فلما لم يقل أحد ذلك مع شدة حرصهم على الطعن فيه، وعلى تقبيح صورته، علمنا أنه أتى بتلك الأقاصيص مطابقة لما في التوراة والإنجيل، مع أنه ما طالعهما ولا تلمذ لأحد فيهما، وذلك يدل على أنه عليه السلام إنما أخبر عن هذه الأشياء بوحي من قبل الله تعالى.

الحجة الثانية: أن كتب الله المنزلة دلت على مقدم محمد عليه السلام، على ما استقصينا في تقريره في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ  ﴾ وإذا كان الأمر كذلك كان مجيء محمد عليه السلام تصديقاً لما في تلك الكتب، من البشارة بمجيئه صلى الله عليه وسلم، فكان هذا عبارة عن تصديق الذي بين يديه.

الحجة الثالثة: أنه عليه السلام أخبر في القرآن عن الغيوب الكثيرة في المستقبل، ووقعت مطابقة لذلك الخبر، كقوله تعالى: ﴿ الٓمٓ  غُلِبَتِ ٱلرُّومُ  ﴾ الآية، وكقوله تعالى: ﴿ لَّقَدْ صَدَقَ الله رَسُولَهُ الرؤيا بالحق  ﴾ وكقوله: ﴿ وَعَدَ الله الذين ءامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الارض  ﴾ وذلك يدل على أن الإخبار عن هذه الغيوب المستقبلة، إنما حصل بالوحي من الله تعالى، فكان ذلك عبارة عن تصديق الذي بين يديه، فالوجهان الأولان: إخبار عن الغيوب الماضية والوجه الثالث: إخبار عن الغيوب المستقبلة، ومجموعها عبارة عن تصديق الذي بين يديه.

النوع الثاني: من الدلائل المذكورة في هذه الآية قوله تعالى: ﴿ وَتَفْصِيلَ كُلّ شَيء ﴾ .

واعلم أن الناس اختلفوا في أن القرآن معجز من أي الوجوه؟

فقال بعضهم: إنه معجز لاشتماله على الإخبار عن الغيوب الماضية والمستقبلة، وهذا هو المراد من قوله: ﴿ تَصْدِيقَ الذي بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ ومنهم من قال: إنه معجز لاشتماله على العلوم الكثيرة، وإليه الإشارة بقوله: ﴿ وَتَفْصِيلَ كُلّ شَيء ﴾ وتحقيق الكلام في هذا الباب أن العلوم إما أن تكون دينية أو ليست دينية، ولا شك أن القسم الأول أرفع حالاً وأعظم شأناً وأكمل درجة من القسم الثاني.

وأما العلوم الدينية، فإما أن تكون علم العقائد والأديان، وإما أن تكون علم الأعمال.

أما علم العقائد والأديان فهو عبارة عن معرفة الله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر.

أما معرفة الله تعالى، فهي عبارة عن معرفة ذاته ومعرفة صفات جلاله، ومعرفة صفات إكرامه، ومعرفة أفعاله، ومعرفة أحكامه، ومعرفة أسمائه والقرآن مشتمل على دلائل هذه المسائل وتفاريعها وتفاصيلها على وجه لا يساويه شيء من الكتب، بل لا يقرب منه شيء من المصنفات.

وأما علم الأعمال فهو إما أن يكون عبارة عن علم التكاليف المتعلقة بالظواهر وهو علم الفقه.

ومعلوم أن جميع الفقهاء إنما استنبطوا مباحثهم من القرآن، وإما أن يكون علماً بتصفية الباطن أو رياضة القلوب.

وقد حصل في القرآن من مباحث هذا العلم ما لا يكاد يوجد في غيره، كقوله: ﴿ خُذِ العفو وَأْمُرْ بالعرف وَأَعْرِض عَنِ الجاهلين  ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان وَإِيتَآء ذِى القربى وينهى عَنِ الفحشاء والمنكر والبغى  ﴾ فثبت أن القرآن مشتمل على تفاصيل جميع العلوم الشريفة، عقليها ونقليها، اشتمالاً يمتنع حصوله في سائر الكتب فكان ذلك معجزاً، وإليه الإشارة بقوله: ﴿ وَتَفْصِيلَ الكتاب ﴾ .

أما قوله: ﴿ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبّ العالمين ﴾ فتقريره: أن الكتاب الطويل المشتمل على هذه العلوم الكثيرة لابد وأن يشتمل على نوع من أنواع التناقض، وحيث خلي هذا الكتاب عنه، علمنا أنه من عند الله وبوحيه وتنزيله، ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله لَوَجَدُواْ فِيهِ اختلافا كَثِيراً  ﴾ .

واعلم أنه تعالى لما ذكر في أول هذه الآية أن هذا القرآن لا يليق بحاله وصفته أن يكون كلاماً مفترى على الله تعالى، وأقام عليه هذين النوعين من الدلائل المذكورة، عاد مرة أخرى بلفظ الاستفهام على سبيل الإنكار، فقال: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ افتراه ﴾ ثم إنه تعالى ذكر حجة أخرى على إبطال هذا القول، فقال: ﴿ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّثْلِهِ وادعوا مَنِ استطعتم مّن دُونِ الله إِن كُنتُمْ صادقين ﴾ وهذه الحجة بالغنا في تقريرها في تفسير قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿ وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مّمَّا نَزَّلْنَا على عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّن مِّثْلِهِ وادعوا شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ الله إِن كُنتُمْ صادقين  ﴾ وهاهنا سؤالات: السؤال الأول: لم قال في سورة البقرة: ﴿ مّن مّثْلِهِ ﴾ وقال هاهنا: ﴿ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّثْلِهِ ﴾ .

والجواب: أن محمداً عليه السلام كان رجلاً أمياً، لم يتلمذ لأحد ولم يطالع كتاباً فقال في سورة البقرة: ﴿ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّن مِّثْلِهِ ﴾ يعني فليأت إنسان يساوي محمداً عليه السلام في عدم التلمذ وعدم مطالعة الكتب وعدم الاشتغال بالعلوم بسورة تساوي هذه السورة، وحيث ظهر العجز ظهر المعجز.

فهذا لا يدل على أن السورة في نفسها معجزة، ولكنه يدل على أن ظهور مثل هذه السورة من إنسان مثل محمد عليه السلام في عدم التلمذ والتعلم معجز، ثم إنه تعالى بين في هذه السورة أن تلك السورة في نفسها معجزة، فإن الخلق وإن تلمذوا وتعلموا وطالعوا وتفكروا، فإنه لا يمكنهم الإتيان بمعارضة سورة واحدة من هذه السور، فلا جرم قال تعالى في هذه الآية: ﴿ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّثْلِهِ ﴾ ولا شك أن هذا ترتيب عجيب في باب التحدي وإظهار المعجز.

السؤال الثاني: قوله: ﴿ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّثْلِهِ ﴾ هل يتناول جميع السور الصغار والكبار، أو يختص بالسور الكبار.

الجواب: هذه الآية في سورة يونس وهي مكية، فالمراد مثل هذه السورة، لأنها أقرب ما يمكن أن يشار إليه.

السؤال الثالث: أن المعتزلة تمسكوا بهذه الآية على أن القرآن مخلوق، قالوا: إنه عليه السلام تحدى العرب بالقرآن، والمراد من التحدي: أنه طلب منهم الإتيان بمثله، فإذا عجزوا عنه ظهر كونه حجة من عند الله على صدقه، وهذا إنما يمكن لو كان الإتيان بمثله صحيح الوجود في الجملة ولو كان قديماً لكان الإتيان بمثل القديم محالاً في نفس الأمر، فوجب أن لا يصح التحدي.

والجواب: أن القرآن اسم يقال بالاشتراك على الصفة القديمة القائمة بذات الله تعالى، وعلى هذه الحروف والأصوات، ولا نزاع في أن الكلمات المركبة من هذه الحروف والأصوات محدثة مخلوقة، والتحدي إنما وقع بها لا بالصفة القديمة.

أما قوله: ﴿ وادعوا مَنِ استطعتم مّن دُونِ الله إِن كُنتُمْ صادقين ﴾ فالمراد منه: تعليم أنه كيف يمكن الإتيان بهذه المعارضة لو كانوا قادرين عليها، وتقريره أن الجماعة إذا تعاونت وتعاضدت صارت تلك العقول الكثيرة كالعقل الواحد، فإذا توجهوا نحو شيء واحد، قدر مجموعهم على ما يعجز كل واحد منهم، فكأنه تعالى يقول: هب أن عقل الواحد والاثنين منكم لا يفي باستخراج معارضة القرآن فاجتمعوا وليعن بعضكم بعضاً في هذه المعارضة، فإذا عرفتم عجزكم حالة الاجتماع وحالة الانفراد عن هذه المعارضة، فحينئذ يظهر أن تعذر هذه المعارضة إنما كان لأن قدرة البشر غير وافية بها، فحينئذ يظهر أن ذلك فعل الله لا فعل البشر.

واعلم أنه قد ظهر بهذا الذي قررناه أن مراتب تحدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقرآن ستة، فأولها: أنه تحداهم بكل القرآن كما قال: ﴿ قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن على أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هذا القرءان لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا  ﴾ .

وثانيها: أنه عليه السلام تحداهم بعشر سور قال تعالى: ﴿ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ  ﴾ .

وثالثها: أنه تحداهم بسورة واحدة كما قال: ﴿ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّن مِّثْلِهِ  ﴾ .

ورابعها: أنه تحداهم بحديث مثله فقال: ﴿ فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مّثْلِهِ  ﴾ .

وخامسها: أن في تلك المراتب الأربعة، كان يطلب منهم أن يأتي بالمعارضة رجل يساوي رسول الله صلى الله عليه وسلم في عدم التلمذ والتعلم، ثم في سورة يونس طلب منهم معارضة سورة واحدة من أي إنسان سواء تعلم العلوم أو لم يتعلمها.

وسادسها: أن في المراتب المتقدمة تحدى كل واحد من الخلق، وفي هذه المرتبة تحدى جميعهم، وجوز أن يستعين البعض بالبعض في الإتيان بهذه المعارضة، كما قال: ﴿ وادعوا مَنِ استطعتم مّن دُونِ الله إِن كُنتُمْ صادقين ﴾ وهاهنا آخر المراتب، فهذا مجموع الدلائل التي ذكرها الله تعالى في إثبات أن القرآن معجز، ثم إنه تعالى ذكر السبب الذي لأجله كذبوا القرآن فقال: ﴿ بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِيهِمُ تَأْوِيلِهِ ﴾ واعلم أن هذا الكلام يحتمل وجوهاً: الوجه الأول: أنهم كلما سمعوا شيئاً من القصص قالوا: ليس في هذا الكتاب إلا أساطير الأولين ولم يعرفوا أن المقصود منها ليس هو نفس الحكاية بل أمور أخرى مغايرة لها: فأولها: بيان قدرة الله تعالى على التصرف في هذا العالم، ونقل أهله من العز إلى الذل ومن الذل إلى العز وذلك يدل على قدرة كاملة.

وثانيها: أنها تدل على العبرة من حيث إن الإنسان يعرف بها أن الدنيا لا تبقى، فنهاية كل متحرك سكون، وغاية كل متكون أن لا يكون، فيرفع قلبه عن حب الدنيا وتقوى رغبته في طلب الآخرة، كما قال: ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لاّوْلِى الالباب  ﴾ .

وثالثها: أنه صلى الله عليه وسلم لما ذكر قصص الأولين من غير تحريف ولا تغيير مع أنه لم يتعلم ولم يتلمذ، دل ذلك على أنه بوحي من الله تعالى، كما قال في سورة الشعراء بعد أن ذكر القصص ﴿ وَإِنَّهُۥ لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ  نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلْأَمِينُ  عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنذِرِينَ  ﴾ .

والوجه الثاني: أنهم كلما سمعوا حروف التهجي في أوائل السور ولم يفهموا منها شيئاً ساء ظنهم بالقرآن.

وقد أجاب الله تعالى عنه بقوله: ﴿ هُوَ الذي أَنزَلَ عَلَيْكَ الكتاب مِنْهُ آيات محكمات  ﴾ .

والوجه الثالث: أنهم رأوا أن القرآن يظهر شيئاً فشيئاً، فصار ذلك سبباً للطعن الرديء فقالوا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة فأجاب الله تعالى عنه بقوله: ﴿ كَذَلِكَ لِنُثَبّتَ بِهِ فُؤَادَكَ  ﴾ وقد شرحنا هذا الجواب في سورة الفرقان.

والوجه الرابع: أن القرآن مملوء من إثبات الحشر والنشر، والقوم كانوا قد ألفوا المحسوسات فاستبعدوا حصول الحياة بعد الموت، ولم يتقرر ذلك في قلوبهم، فظنوا أن محمداً عليه السلام إنما يذكر ذلك على سبيل الكذب، والله تعالى بين صحة القول بالمعاد بالدلائل القاهرة الكثيرة.

الوجه الخامس: أن القرآن مملوء من الأمر بالصلاة والزكاة وسائر العبادات، والقوم كانوا يقولون إله العالمين غني عنا وعن طاعتنا، وإنه تعالى أجل من أن يأمر بشيء لا فائدة فيه، فأجاب الله تعالى عنه بقوله: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خلقناكم عَبَثاً  ﴾ وبقوله: ﴿ إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لاِنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا  ﴾ وبالجملة فشبهات الكفار كثيرة، فهم لما رأوا القرآن مشتملاً على أمور ما عرفوا حقيقتها ولم يطلعوا على وجه الحكمة فيها لا جرم كذبوا بالقرآن، والحاصل أن القوم ما كانوا يعرفون أسرار الإلهيات، وكانوا يجرون الأمور على الأحوال المألوفة في عالم المحسوسات وما كانوا يطلبون حكمها ولا وجوه تأويلاتها، فلا جرم وقعوا في التكذيب والجهل، فقوله: ﴿ بَلْ كَذَّبُواْ لَّمّاً لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ ﴾ إشارة إلى عدم علمهم بهذه الأشياء، وقوله: ﴿ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ﴾ إشارة إلى عدم جدهم واجتهادهم في طلب تلك الأسرار.

ثم قال: ﴿ فانظر كَيْفَ كَانَ عاقبة الظالمين ﴾ والمراد أنهم طلبوا الدنيا وتركوا الآخرة، فلما ماتوا فاتتهم الدنيا والآخرة فبقوا في الخسار العظيم، ومن الناس من قال المراد منه عذاب الاستئصال وهو الذي نزل بالأمم الذين كذبوا الرسل من ضروب العذاب في الدنيا، قال أهل التحقيق قوله: ﴿ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ﴾ يدل على أن من كان غير عارف بالتأويلات وقع في الكفر والبدعة، لأن ظواهر النصوص قد يوجد فيها ما تكون متعارضة، فإذا لم يعرف الإنسان وجه التأويل فيها وقع في قلبه أن هذا الكتاب ليس بحق، أما إذا عرف وجه التأويل طبق التنزيل على التأويل فيصير ذلك نوراً على نور يهدي الله لنوره من يشاء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَمَا كَانَ هذا القرءان ﴾ افتراء ﴿ مِن دُونِ الله ولكن ﴾ كان ﴿ تَصْدِيقَ الذى بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ وهو ما تقدمه من الكتب المنزلة، لأنه معجز دونها فهو عيار عليها وشاهد لصحتها، كقوله تعالى: ﴿ هُوَ الحق مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ [فاطر: 31] .

وقرئ: ﴿ ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب ﴾ على: ولكن هو تصديق وتفصيل.

ومعنى وَمَا كَانَ أن يَفْتَرِى.

وما صحّ وما استقام، وكان محالاً أن يكون مثله في علو أمره وإعجازه مفتري ﴿ وَتَفْصِيلَ الكتاب ﴾ وتبيين ما كتب وفرض من الأحكام والشرائع، من قوله: ﴿ كتاب الله عَلَيْكُمْ ﴾ [النساء: 24] .

فإن قلت: بم اتصل قوله: ﴿ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبّ العالمين ﴾ قلت: هو داخل في حيز الاستدراك.

كأنه قال: ولكن كان تصديقاً وتفصيلاً منتفياً عنه الريب كائناً من رب العالمين.

ويجوز أن يراد: ولكن كان تصديقاً من رب العالمين وتفصيلاً منه لا ريب في ذلك، فيكون ﴿ مِن رَّبِّ العالمين ﴾ متعلقاً بتصديق وتفصيل، أو يكون ﴿ لاَ رَيْبَ فِيهِ ﴾ اعتراضاً، كما تقول: زيد لا شكّ فيه كريم ﴿ أَمْ يَقُولُونَ افتراه ﴾ بل أيقولون: اختلقه، على أن الهمزة تقرير لإلزام الحجة عليهم.

أو إنكار لقولهم واستبعاد.

والمعنيان متقاربان ﴿ قُلْ ﴾ إن كان الأمر كما تزعمون ﴿ فَأْتُواْ ﴾ أنتم على وجه الافتراء ﴿ بِسُورَةٍ مّثْلِهِ ﴾ فأنتم مثلي في العربية والفصاحة.

ومعنى ﴿ بِسُورَةٍ مّثْلِهِ ﴾ أي شبيهة به في البلاغة وحسن النظم.

وقرئ: ﴿ بسورة مثله ﴾ على الإضافة، أي: بسورة كتاب مثله ﴿ وادعوا ﴾ من دون الله ﴿ مَنِ استطعتم ﴾ من خلقه للاستعانة به على الإتيان بمثله: يعني: أنّ الله وحده هو القادر على أن يأتي بمثله لا يقدر على ذلك أحد غيره، فلا تستعينوه وحده، ثم استعينوا بكل من دونه ﴿ إِن كُنتُمْ صادقين ﴾ أنه افتراء ﴿ بَلْ كَذَّبُواْ ﴾ بل سارعوا إلى التكذيب بالقرآن، وفاجؤه في بديهة السماع قبل أن يفقهوه ويعلموا كنه أمره، وقبل أن يتدبروه ويقفوا على تأويله ومعانيه وذلك لفرط نفورهم عما يخالف دينهم وشرادهم عن مفارقة دين آبائهم، كالناشيء على التقليد من الحشوية، إذا أحسّ بكلمة لا توافق ما نشأ عليه وألفه- وإن كانت أضوأ من الشمس في ظهور الصحة وبيان الاستقامة- أنكرها في أوّل وهلة، واشمأز منها قبل أن يحسّ إدراكها بحاسّة سمعه من غير فكر في صحة أو فساد، لأنه لم يشعر قلبه إلاّ صحة مذهبه وفساد ما عداه من المذاهب.

فإن قلت: ما معنى التوقع في قوله: ﴿ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ﴾ ؟

قلت: معناه أنهم كذبوا به على البديهة قبل التدبر ومعرفة التأويل، تقليداً للآباء.

وكذبوه بعد التدبر، تمرداً وعناداً، فذمهم بالتسرع إلى التكذيب قبل العلم به، وجاء بكلمة التوقع ليؤذن أنهم علموا بعد علو شأنه وإعجازه لما كرّر عليهم التحدّي، ورازوا قواهم في المعارضة واستيقنوا عجزهم عن مثله، فكذبوا به بغياً وحسداً ﴿ كَذَلِكَ ﴾ أي مثل ذلك التكذيب ﴿ كَذَّبَ الذين مِن قَبْلِهِمْ ﴾ يعني قبل النظر في معجزات الأنبياء وقبل تدبرها من غير إنصاف من أنفسهم، ولكن قلدوا الآباء وعاندوا.

وقيل: هو في الذين كذبوا وهم شاكون.

ويجوز أن يكون معنى ﴿ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ﴾ ولم يأتهم بعد تأويل ما فيه من الإخبار بالغيوب أي عاقبته، حتى يتبين لهم أهو كذب أم صدق، يعني أنه كتاب معجز من جهتين: من جهة إعجاز نظمه، ومن جهة ما فيه من الإخبار بالغيوب، فتسرعوا إلى التكذيب به قبل أن ينظروا في نظمه وبلوغه حدّ الإعجاز، وقبل أن يخبروا أخباره بالمغيبات وصدقه وكذبه ﴿ وَمِنهُمْ مَّن يُؤْمِنُ بِهِ ﴾ يصدق به في نفسه، ويعلم أنه حق، ولكنه يعاند بالتكذيب.

ومنهم من يشكّ فيه لا يصدق به، أو يكون للاستقبال، أي: ومنهم من سيؤمن به ومنهم من سيصرّ ﴿ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بالمفسدين ﴾ بالمعاندين، أو المصرين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَما كانَ هَذا القُرْآنُ أنْ يُفْتَرى مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ افْتِراءٌ مِنَ الخَلْقِ.

﴿ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ مُطاِبِقًا لِما تَقَدَّمَهُ مِنَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ المَشْهُودِ عَلى صِدْقِها ولا يَكُونُ كَذِبًا كَيْفَ وهو لِكَوْنِهِ مُعْجِزًا دُونَها عَيّارٌ عَلَيْها شاهِدٌ عَلى صِحَّتِها، ونَصْبُهُ بِأنَّهُ خَبَرٌ لَكانَ مُقَدَّرًا أوْ عِلَّةٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: ولَكِنْ أنْزَلَهُ اللَّهُ تَصْدِيقَ الَّذِي.

وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى تَقْدِيرِ ولَكِنْ هو تَصْدِيقٌ.

﴿ وَتَفْصِيلَ الكِتابِ ﴾ وتَفْصِيلَ ما حُقِّقَ وأُثْبِتَ مِنَ العَقائِدِ والشَّرائِعِ.

﴿ لا رَيْبَ فِيهِ ﴾ مُنْتَفِيًا عَنْهُ الرَّيْبُ وهو خَبَرٌ ثالِثٌ داخِلٌ في حُكْمِ الِاسْتِدْراكِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الكِتابِ فَإنَّهُ مَفْعُولٌ في المَعْنى وأنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا.

﴿ مِن رَبِّ العالَمِينَ ﴾ خَبَرٌ آخَرُ تَقْدِيرُهُ كائِنًا مِن رَبِّ العالَمِينَ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِتَصْدِيقٍ أوْ تَفْصِيلٍ، و ﴿ لا رَيْبَ فِيهِ ﴾ اعْتِراضٌ أوْ بِالفِعْلِ المُعَلَّلِ بِهِما ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الكِتابِ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿ فِيهِ ﴾ ، ومَساقُ الآيَةِ بَعْدُ المَنعُ عَنِ اتِّباعِ الظَّنِّ لِبَيانِ ما يَجِبُ اتِّباعُهُ والبُرْهانُ عَلَيْهِ.

﴿ أمْ يَقُولُونَ ﴾ بَلْ أيَقُولُونَ.

﴿ افْتَراهُ ﴾ مُحَمَّدٌ  ومَعْنى الهَمْزَةِ فِيهِ لِلْإنْكارِ.

﴿ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ ﴾ في البَلاغَةِ وحُسْنِ النَّظْمِ وقُوَّةِ المَعْنى عَلى وجْهِ الِافْتِراءِ فَإنَّكم مِثْلِي في العَرَبِيَّةِ والفَصاحَةِ وأشَدُّ تَمَرُّنًا في النَّظْمِ والعِبارَةِ.

﴿ وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ ﴾ ومَعَ ذَلِكَ فاسْتَعِينُوا بِمَن أمْكَنَكم أنْ تَسْتَعِينُوا بِهِ.

﴿ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ سِوى اللَّهِ تَعالى فَإنَّهُ وحْدَهُ قادِرٌ عَلى ذَلِكَ.

﴿ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ أنَّهُ اخْتَلَقَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وما كان هذا القرآن أَن يفترى مِن دُونِ الله} أي افتراء من دون الله والمعنى وما صح وما استقام أن يكون مثله في علو أمره وإعجازه مفترى {ولكن} كان {تَصْدِيقَ الذى بَيْنَ يَدَيْهِ} وهو ما تقدمه من الكتب المنزلة {وَتَفْصِيلَ الكتاب} وتبيين ما كتب وفرض من الأحكام والشرائع من قوله كتاب الله عليكم {لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبّ العالمين} داخل في حيز الاستدراك كأنه قال ولكن كان تصديقاً وتفصيلاً منتفياً عنه الريب كائناً من رب العالمين ويجوز أن يراد ولكن كان تصديقاً من رب العالمين وتفصيلاً منه لا ريب في ذلك فيكون من رب العالمين متعلقا بتصديق وتفصيل ويكون لا ريب فيه اعتراضًاً كما تقول زيد لا شك فيه كريم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وما كانَ هَذا القُرْآنُ أنْ يُفْتَرى مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ حالِهِمْ مِنَ القُرْآنِ إثْرَ بَيانِ حالِهِمْ مَعَ الأدِلَّةِ المُنْدَرِجَةِ في تَضاعِيفِهِ أوِ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ ما يَجِبُ اتِّباعُهُ والبُرْهانُ عَلَيْهِ غَبَّ المَنعِ مَعَ اتِّباعِ الظَّنِّ وقِيلَ: إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِما قَصَّهُ اللَّهِ تَعالى مِن قَوْلِهِمْ: ﴿ ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا ﴾ وقِيلَ: بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ويَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ ﴾ إلَخْ ولا يَخْفى ما في ذَلِكَ مِنَ البُعْدِ (وكانَ) هُنا ناقِصَةٌ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الكامِلِينَ (وهَذا) اسْمُها (والقُرْآن) نَعْتٌ لَهُ أوْ عَطْفُ بَيانٍ (وأنْ يُفْتَرى) بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ أيِ افْتِراءً خَبَرُ (كانَ) وهو في تَأْوِيلِ المَفْعُولِ أيْ مُفْتَرًى كَما ذَكَرَهُ ابْنُ هِشامٍ في قاعِدَةِ أنَّ اللَّفْظَ قَدْ يَكُونُ عَلى تَقْدِيرٍ وذَلِكَ المُقَدَّرُ عَلى تَقْدِيرٍ آخَرَ ومِنهُ قَوْلُهُ لَعَمْرُكَ ما الفِتْيانُ أنْ تَنْبُتَ اللِّحى وذَهَبَ بَعْضُ المُعْرِبِينَ أنَّ (ما كانَ) بِمَعْنى ما صَحَّ وإنَّ في الكَلامِ لامًا مُقَدَّرَةً لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ والأصْلُ ما كانَ هَذا القُرْآنُ لِأنْ يُفْتَرى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً ﴾ (وأنْ يُفْتَرى) خَبَرُ كانَ (ومِن دُونِ اللَّهِ) خَبَرٌ ثانٍ وهو بَيانٌ لِلْأوَّلِ أيْ ما صَحَّ ولا اسْتَقامَ أنْ يَكُونَ هَذا القُرْآنُ المَشْحُونُ بِفُنُونِ الهِداياتِ المُسْتَوْجِبَةِ لِلِاتِّباعِ الَّتِي مِن جُمْلَتُها هاتِيكَ الحُجَجُ البَيِّنَةُ النّاطِقَةُ بِحَقِّيَّةِ التَّوْحِيدِ وبُطْلانِ الشِّرْكِ صادِرًا مِن غَيْرِ اللَّهِ تَعالى كَيْفَ كانَ وقِيلَ عَلَيْهِ ما قِيلَ لَكِنَّهُ لا يَنْبَغِي العُدُولُ عَما قالَهُ في مَحَلِّ ﴿ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ وما ذُكِرَ في حاصِلِ المَعْنى أمْرٌ مَقْبُولٌ كَما لا يَخْفى وجَوَّزَ البَدْرُ الدَّمامِينِيُّ أنْ تَكُونَ (كانَ) تامَّةً (وأنْ يُفْتَرى) بَدَلَ اشْتِمالٍ مِن (هَذا القُرْآنِ) وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يَحْسُنُ قَطْعًا لِأنَّ ما وجَدَ القُرْآنَ يُوهِمُ مِن أوَّلِ الأمْرَ نَفْيَ وُجُودِهِ وأيْضًا لا بُدَّ مِنَ المُلابَسَةِ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ في بَدَلِ الِاشْتِمالِ فَيَلْزَمُ أنْ يُبْتَنى الكَلامُ عَلى المُلابَسَةِ بَيْنَ القُرْآنِ العَظِيمِ والِافْتِراءِ وفي التِزامِ كُلِّ ما تَرى وأُجِيبُ عَنْ ذَلِكَ بِما لا أراهُ مُثْبِتًا لِلْحُسْنِ أصْلًا واقْتَصَرَ بَعْضُهم عَلى اعْتِبارِ المَصْدَرِ مِن غَيْرِ تَأْوِيلِهِ بِاسْمِ المَفْعُولِ اعْتِبارًا لِلْمُبالَغَةِ عَلى حَدِّ ما قِيلَ في زَيْدٌ عَدْلٌ والظّاهِرُ عِنْدِي أنَّ المُبالَغَةَ حِينَئِذٍ راجِعَةٌ إلى النَّفْيِ نَظِيرَ ما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ لا أنَّ النَّفْيَ راجِعٌ إلى المُبالَغَةِ كَما لا يَخْفى ومِن هُنا يُعْلَمُ ما في قَوْلِ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ: إنَّ قَوْلَ الزَّمَخْشَرِيِّ في بَيانِ مَعْنى الآيَةِ: وما يَصِحُّ وما اسْتَقامَ وكانَ مُحالًا أنْ يَكُونَ مِثْلُهُ في عُلُوِّ أمْرِهِ وإعْجازِهِ مُفْتَرًى رُبَّما يُشْعِرُ بِأنَّهُ عَلى حَذْفِ اللّامِ إذْ مُجَرَّدُ تَوْسِيطِ - كانَ - لا يُفِيدُ ذَلِكَ والتَّعْبِيرُ بِالمَصْدَرِ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِتَأْكِيدِ مَعْنى النَّفْيِ مِنَ النَّظَرِ ثُمَّ إنَّهم فِيما رَأيْنا لَمْ يَعْتَبِرُوا المَصْدَرَ هُنا إلّا نَكِرَةً والمَشْهُورُ اتِّفاقُ النُّحاةِ عَلى أنَّ أنَّ والفِعْلَ المُؤَوَّلَ بِالمَصْدَرِ مَعْرِفَةٌ ولِذَلِكَ لا يُخْبَرُ بِهِ عَنِ النَّكِرَةِ وكَأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى ما قالَهُ ابْنُ جِنِّيٍّ في الخاطِرِيّاتِ مِن أنَّهُ يَكُونُ نَكِرَةً وذُكِرَ أنَّهُ عَرَضَهُ عَلى أبِي عَلِيٍّ فارْتَضاهُ واسْتَشْكَلَ بَعْضُهم هَذِهِ الآيَةَ بِأنَّ أنْ تُخَلِّصَ المُضارِعَ لِلِاسْتِقْبالِ كَما نَصَّ عَلى ذَلِكَ النَّحْوِيُّونَ والمُشْرِكُونَ إنَّما زَعَمُوا كَوْنَ القُرْآنِ مُفْتَرًى في الزَّمانِ الماضِي كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما يَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى فَكَيْفَ يَنْبَغِي كَوْنُهُ مُفْتَرًى في الزَّمانِ المُسْتَقْبَلِ وأُجِيبُ عَنْهُ بِأنَّ الفِعْلَ فِيها مُسْتَعْمَلٌ في مُطْلَقِ الزَّمانِ وقَدْ نَصَّ عَلى جَوازِ ذَلِكَ في الفِعْلِ ابْنُ الحاحِبِ وغَيْرُهُ ونَقَلَهُ البَدْرُ الدَّمامِينِيُّ في شَرْحِهِ لِمُغْنِي اللَّبِيبِ ولَعَلَّ ذَلِكَ مِن بابِ المَجازِ وحِينَئِذٍ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ نُكْتَةَ العُدُولِ عَنِ المَصْدَرِ الصَّرِيحِ مَعَ أنَّهُ المُسْتَعْمَلُ في كَلامِهِمْ عِنْدَ عَدَمِ مُلاحَظَةِ أحَدِ الأزْمِنَةِ نَحْوَ أعْجَبَنِي قِيامُكَ أنَّ المَجازَ أبْلَغُ مِنَ الحَقِيقَةِ وقِيلَ: لَعَلَّ النُّكْتَةَ في ذَلِكَ اسْتِقامَةُ الحَمْلِ بِدُونِ تَأْوِيلٍ لِلْفَرْقِ بَيْنَ المَصْدَرِ الصَّرِيحِ والمُؤَوَّلِ عَلى ما أشارَ إلَيْهِ شارِحُ اللُّبابِ وغَيْرُهُ ولا يَخْفى أنَّ فِيهِ مُخالَفَةً لِما مَرَّتِ الإشارَةُ إلَيْهِ مِن أنَّ أنْ والفِعْلَ في تَأْوِيلِ المَصْدَرِ وهو في تَأْوِيلِ المَفْعُولِ قِيلَ: وقَدْ يُجابُ أيْضًا عَنْ أصْلِ الإشْكالِ بِأنَّهُ إنَّما نَفى في الماضِي إمْكانَ تَعَلُّقِ الِافْتِراءِ بِهِ في المُسْتَقْبَلِ وكَوْنَهُ مَحَلًّا لِذَلِكَ فَيَنْتَفِي تَعَلُّقُ الِافْتِراءِ بِهِ بِالفِعْلِ مِن بابٍ أوْلى وفي ذَلِكَ سُلُوكُ طَرِيقِ البُرْهانِ فَيَكُونُ في الكَلامِ مَجازٌ أصْلِيٌّ أوْ تَبَعِيٌّ وقَدْ نَصَّ أبُو البَقاءِ عَلى جَوازِ كَوْنِ الخَبَرِ مَحْذُوفًا وأنَّ التَّقْدِيرَ وما كانَ هَذا القُرْآنُ مُمْكِنًا أنْ يُفْتَرى وقالَ العَلّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ: إنَّ الآيَةَ جَوابٌ عَنْ قَوْلِهِمُ: ﴿ ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ ﴾ وهو طَلَبٌ لِلِافْتِراءِ في المُسْتَقْبَلِ وأمّا الجَوابُ عَنْ زَعْمِهِمْ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ افْتَراهُ وحاشاهُ فَسَيَأْتِي عِنْدَ حِكايَةِ زَعْمِهِمْ ذَلِكَ فَلا إشْكالَ عَلى أنَّ عُمُومَ تَخْلِيصِ أنِ المُضارِعَ لِلِاسْتِقْبالِ في حَيِّزِ المَنعِ لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِيما عَدا خَبَرَ كانَ المَنفِيَّةِ كَما يُرْشِدُ إلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ﴾ فَإنَّهُ نَزَلَ عَنِ اسْتِغْفارٍ سَبَقَ مِنهم لِلْمُشْرِكِينَ كَما قالَهُ أئِمَّةُ التَّفْسِيرِ وقَدْ أطالَ الكَلامَ عَلى ذَلِكَ في ذَيْلِ فَتاوِيهِ فَتَبَصَّرْ ﴿ ولَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ أيْ مِنَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ كالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ فالمُرادُ مِنَ المَوْصُولِ الجِنْسُ وعَنى بِالتَّصْدِيقِ بَيانَ الصِّدْقِ وهو مُطابَقَةُ الواقِعِ وإظْهارُهُ وإضافَتُهُ إمّا لِفاعِلِهِ أوْ مَفْعُولِهِ وتَصْدِيقُ الكُتُبِ لَهُ بِأنَّ ما فِيهِ مِنَ العَقائِدِ الحَقَّةِ مُطابِقٌ لِما فِيها وهي مُسَلَّمَةٌ عِنْدَ أهْلِ الكِتابِ وما عَداهم إنِ اعْتَرَفَ بِها وإلّا فَلا عِبْرَةَ بِهِ.

وفِي جَعْلِ الإضافَةِ لِلْمَفْعُولِ مُبالَغَةٌ في نَفْيِ الِافْتِراءِ عَنْهُ لِأنَّ ما يَثْبُتُ ويَظْهَرُ بِهِ صِدْقُ غَيْرِهِ فَهو أوْلى بِالصِّدْقِ ووَجْهُ كَوْنِهِ مُصَدِّقًا لَها أنَّهُ دالٌّ عَلى نُزُولِها مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى ومُشْتَمِلٌ عَلى قَصَصِ الأوَّلِينَ حَسْبَما ذُكِرَ فِيها وهو مُعْجِزٌ دُونَها فَهو الصّالِحُ لِأنْ يَكُونَ حُجَّةً وبُرْهانًا لِغَيْرِهِ لا بِالعَكْسِ وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ المُرادَ مِنَ ﴿ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ أخْبارُ الغُيُوبِ والإضافَةُ لِلْفاعِلِ وتَصْدِيقُها لَهُ مَجِيئُها عَلى وفْقِ ما أخْبَرَ بِهِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ ونَصْبُ التَّصْدِيقِ عَلى العَطْفِ عَلى خَبَرِ - كانَ - أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِكانَ مُقَدَّرَةٍ وقِيلَ: عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أيْ أُنْزِلَ لِتَصْدِيقِ ذَلِكَ وجَعْلُ العِلَّةِ هُنا ما ذُكِرَ مَعَ أنَّهُ أنْزَلَ الأُمُورَ لِأنَّهُ المُناسِبُ لِمَقامِ رَدِّ دَعْوى افْتِرائِهِ وقِيلَ: نُصِبَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أيْ يُصَدِّقُ تَصْدِيقَ إلَخْ وقَرَأ عِيسى بْنُ عَمْرٍو الثَّقَفِيُّ بِرَفْعِهِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ ولَكِنْ هو تَصْدِيقٌ إلَخْ وكَذا قَرَأ بِالرَّفْعِ في قَوْلِهِ تَعالى: (وتَفْصِيلُ الكِتابِ) أيْ ما كُتِبَ وأُثْبِتَ مِنَ الحَقائِقِ والشَّرائِعِ والعَطْفُ نَصْبًا أوْ رَفْعًا عَلى (تَصْدِيقُ) وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لا رَيْبَ فِيهِ ﴾ خَبَرٌ آخَرُ لِلَكِنْ أوْ لِلْمُبْتَدَأِ المُقَدَّرِ وفُصِّلَ لِأنَّهُ جُمْلَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِما قَبْلَها وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الكِتابِ وإنْ كانَ مُضافًا إلَيْهِ فَإنَّهُ مَفْعُولٌ في المَعْنى وأنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا نَحْوِيًّا لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ أوْ بَيانِيًّا جَوابًا بِالسُّؤالِ عَنْ حالِ الكِتابِ والأوَّلُ أظْهَرُ والمَعْنى لا يَنْبَغِي لِعاقِلٍ أنْ يَرْتابَ فِيهِ لِوُضُوحِ بُرْهانِهِ وعُلُوِّ شَأْنِهِ ﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ 37﴾ خَبَرٌ آخَرُ لِكانَ أوِ المُبْتَدَأِ المُقَدَّرِ كَما مَرَّ في سابِقِهِ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِتَصْدِيقَ أوْ بِتَفْصِيلُ أوْ بِالفِعْلِ المُعَلَّلِ بهما أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الكِتابِ و(لا رَيْبَ فِيهِ) اعْتِراضٌ لِئَلّا يَلْزَمَ الفَصْلُ بِالأجْنَبِيِّ بَيْنَ المُتَعَلِّقِ والمُتَعَلَّقِ أوِ الحالِ وذْيها وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في (فِيهِ) <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال: وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا، يعني: لا يستيقنون أن اللات والعزى آلهة إلا بالظن، ومعناه: أنهم يتركون عبادة الله وهو الحق، لأنهم يقرون بأن الله خالقهم، فيتركون الحق ويتبعون الظن.

إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً، يعني: علمهم لا يغني من عذاب الله شيئا، ويقال: وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ يعني: ما قذف الشيطان في أوهامهم لا يستطيعون أن يدفعوا الباطل بالحق.

ويقال: وَما يَتَّبِعُ يعني: وما يعمل أكثرهم إِلَّا ظَنًّا يظنون في غير يقين وهم الرؤساء، وأما السفلة فيطيعون رؤساءهم إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً.

إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ من عبادتهم الأصنام وما يقولون من القول المختلق والكذب.

ثم قال: وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى، يعني: لهذا القرآن أن يختلق مِنْ دُونِ اللَّهِ تعالى.

وقال القتبي: أي وما كان هذا القرآن أن يضاف إلى غير الله أو يختلق، وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ يعني: نزل بتصديق الذي بَيْنَ يَدَيْهِ من التوراة والإنجيل.

ويقال: معناه، ولكن بتصديق النبي الذي أنزل القرآن الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ يعني: الذي هو قبل سماعكم، لأن القرآن تصديق لما جاء من أنباء الأمم السابقة وأقاصيص أنبيائهم، وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ يعني: بيان كل شيء، ويقال: بيان الحلال والحرام.

لاَ رَيْبَ فِيهِ، يعني: لا شك فيه عند المؤمنين إنه نزل مِن عند رَبِّ الْعالَمِينَ.

قوله تعالى: أَمْ يَقُولُونَ يعني: أيقولون افتراه؟

وهم كفار مكة.

افْتَراهُ يقول: تقوّله من تلقاء ذات نفسه.

قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ، يعني: مثل القرآن وَادْعُوا، يعني: استعينوا على ذلك مَنِ اسْتَطَعْتُمْ ممن تعبدون.

مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ بأنه تقوَّله من تلقاء نفسه.

فلما قال لهم ذلك، سكتوا ولم يجيبوا، فنزل قوله: بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ، يعني: بما لم يعلموا بِعِلْمِهِ، يعني: القرآن لم يعلموا بما فيه.

ويقال: لم يعلموا ما عليهم بتكذيبهم.

وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ، يعني: ولما يأتهم عاقبة ما وعدوا في هذا القرآن، يعني: سيأتيهم ما وعد لهم، وهو كائن في الدنيا بالعذاب، وفي الآخرة بالنار.

ثم قال: كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، يعني: هكذا كذب الأمم الخالية رسلهم.

فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ، يعني: كيف صار جزاء المكذبين لرسلهم.

فيه تعزية لرسول الله  ، وحثّ له على الصبر، وتخويف لهم بالعقوبة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ: أي: يبيِّن طرق الصواب، ثم وصف الأصنام بأنها لا تَهْدِي إِلا أنْ تُهْدَى.

وقوله: إِلَّا أَنْ يُهْدى: فيه تَجوُّز، لأنا نجدها لا تُهْدَى وإِنْ هُدِيَتْ، وقال بعضهم: هي عبارة عن أنها لا تنتقلُ إِلا أنْ تُنْقَلَ، ويحتمل أنْ يكون ما ذَكَرَ اللَّه مِنْ تسبيح الجمادَاتِ هو اهتداؤها، وقرأ نافع وأبو عمرو: «يَهْدِّي» «١» - بسكون الهاء، وتشديد الدَّال-، وقرأ ابن كثير وابنُ عامر: يَهَدِّي- بفتح الياء/ والهاء، وتشديد الدَّال «٢» - وهذه رواية وَرْشٍ عن نافعٍ، وقرأ حمزة والكسائي: «يَهْدِي» - بفتح الياءِ، وسكون الهاء «٣» - ومعنى هذه القراءة: أَمَّنْ لا يَهْدِي أَحداً إِلا أَن يُهْدى ذلك الأَحْدُ، ووقف القُرَّاء: فَما لَكُمْ، ثم يبدأ: كَيْفَ تَحْكُمُونَ.

وقوله سبحانه: وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا ...

الآية: أخبر اللَّه سبحانه عن فساد طريقتهم، وضَعْفِ نَظَرِهم، وأنه ظَنٌّ، ثم بيَّن منزلة الظنِّ من المعارف، وبعده عن الحقّ.

وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٣٧) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣٨) بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٣٩) وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ (٤٠)

وقوله سبحانه: وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ: هذا ردٌّ لقول من يقول: إنّ محمدا يفتري القرآن، والَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ: التوراةُ والإِنجيل، وهم يقطعون أنَّه لم يطالِعْ تلك الكُتُب، ولا هي في بلده، ولا في قومه، وتَفْصِيلَ الْكِتابِ هو تبيينه.

وقوله: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ ...

الاية: «أم» هذه ليست بالمعادلة لهمزة الاستفهام،

في قوله: أزيْدٌ قام أمْ عمرو؟

ومذهَبُ سِيبَوَيْهِ: أنها بمنزلة «بَلْ» ثم عجَّزهم سبحانه بقوله:

قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ ...

الآية: والتحدِّي في هذه الآية عند الجُمْهُور وقَعَ بجهتَي الإِعجاز اللَّتَيْنِ في القرآنِ:

إِحْداهما: النَّظْم والرَّصْف والإِيجازُ وَالجَزَالَة، كلُّ ذلك في التعريف.

والأُخرَى: المعاني مِنَ الغَيْبِ لِمَا مَضَى، ولما يُسْتَقْبَلُ.

وحين تحدَّاهم ب «عَشْرٍ مفترياتٍ» إِنما تحدَّاهم بالنَّظْم وحْده، ثم قال ع «١» :

هذا قول جماعة المتكلِّمين، ثم اختار أنَّ الإِعجاز في الآيتين إِنما وقع في النَّظْمِ لا في الإِخبارِ بالغُيُوبِ.

ت: والصوابُ ما تَقَدَّم للجمهور، وإليه رَجَعَ في «سورة هود» وأوجُهُ إِعجاز القرآن أَكْثَرُ من هذا وانظر «الشِّفَا» .

وقوله: مَنِ اسْتَطَعْتُمْ: إِحالةٌ على شركائهم.

وقوله سبحانه: بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ...

الآية: المعنى: ليس الأمر كما قالوا مِنْ أنه مفترًى، بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ، أي:

تفسيره، وبيانُهُ، ويحتمل أنْ يريد بما لم يأتهم تأويله، أي: ما يؤول إليه أمره كما هو في قوله: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ [الأعراف: ٥٣] وعَلَى هذا، فالآيةُ تتضمَّن وعيداً، والَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ: مَنْ سلف من أمم الأنبياء.

وقوله سبحانه: وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ ...

الآية: أيْ: ومِنْ قريشٍ مَنْ يؤمن بهذا الرسُولِ، ولهذا الكلام معنيان:

قالتْ فرقة: معناه: مِنْ هؤلاء القومِ مَنْ سيؤمن في المستقبل، ومِنْهُم من حَتَمَ اللَّه عَلَيْهِ أنَّه لا يؤمن به أبداً.

وقالتْ فرقة: معناه: ومنهم مَنْ يؤمن بهذا الرسُولِ إِلاَّ أنَّه يَكْتُم إِيمانه حفظا لرياسته، أو خوفاً مِنْ قومه، كالفِتْية الذين قُتِلُوا مع الكُفَّار بِبَدْرٍ.

قال ع «٢» : وفائدة الآية على هذا التأويل: التفريقُ لكلمة الكُفَّار، وإِضعافُ

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كانَ هَذا القُرْآنُ أنْ يُفْتَرى مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هَذا جَوابُ قَوْلِهِمْ: ﴿ ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ  ﴾ وجَوابُ قَوْلِهِمْ: ﴿ افْتَراهُ  ﴾ .

قالَ الفَرّاءُ: ومَعْنى الآيَةِ: ما يَنْبَغِي لِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ أنْ يُفْتَرى مِن دُونِ اللَّهِ، فَجاءَتْ " أنْ " عَلى مَعْنى يَنْبَغِي.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ " أنْ " مَعَ " يُفْتَرى " مَصْدَرًا، وتَقْدِيرُهُ: وما كانَ هَذا القُرْآنُ افْتِراءً.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ " كانَ " تامَّةً فَيَكُونُ المَعْنى: ما نَزَلَ هَذا القُرْآنُ، وما ظَهَرَ هَذا القُرْآنُ لِأنْ يُفْتَرى، وبِأنْ يُفْتَرى، فَتُنْصَبُ " أنْ " بِفَقْدِ الخافِضِ في قَوْلِ الفَرّاءِ، وتُخَفَضُ بِإضْمارِ الخافِضِ في قَوْلِ الكِسائِيِّ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنى " أنْ يُفْتَرى " أيْ: يُضافُ إلى غَيْرِ اللَّهِ، أوْ يُخْتَلَقُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ تَصْدِيقُ الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

فَعَلى هَذا، إنَّما قالَ: " الَّذِي " لِأنَّهُ يُرِيدُ الوَحْيَ.

والثّانِي: ما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ البَعْثِ والنُّشُورِ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.

والثّالِثُ: تَصْدِيقُ النَّبِيِّ  الَّذِي بَيْنَ يَدَيِ القُرْآنِ، لِأنَّهم شاهَدُوا النَّبِيَّ  وعَرَفُوهُ قَبْلَ سَماعِهِمُ القُرْآنَ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَفْصِيلَ الكِتابِ ﴾ أيْ: وبَيانُ الكِتابِ الَّذِي كَتَبَهُ اللَّهُ عَلى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ  الفَرائِضَ الَّتِي فَرَضَها عَلَيْهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما كانَ هَذا القُرْآنُ أنْ يُفْتَرى مِن دُونِ اللهِ ولَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وتَفْصِيلَ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ ﴾ ﴿ أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مَنِ دُونِ اللهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ هَذا نَفْيُ قَوْلِ مَن قالَ مِن قُرَيْشٍ: "إنَّ مُحَمَّدًا  يَفْتَرِي القُرْآنَ ويَنْسِبُهُ إلى اللهِ تَعالى"، وعَبَّرَ عن ذَلِكَ بِهَذِهِ الألْفاظِ الَّتِي تَتَضَمَّنُ تَشْنِيعَ قَوْلِهِمْ وإعْظامَ الأمْرِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ وَما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ  ﴾ ، وكَما قالَ حِكايَةً عن عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿ ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ  ﴾ وغَيْرَ هَذا مِمّا يُعْطِي المَعْنى والقَرائِنَ والبَراهِينَ اسْتِحالَتَهُ.

و"يُفْتَرى" مَعْناهُ: يُخْتَلَقُ ويُنْشَأُ، وكَأنَّ المَرْءَ يَفْرِيهِ مِن حَدِيثِهِ أيْ يَقْطَعُهُ ويَسِمُهُ سِمَةً، فَهو مُشْتَقٌّ مِن "فَرَيْتُ" إذا قَطَعْتَ لِإصْلاحٍ، و"تَصْدِيقَ" نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ، والعامِلُ فِيهِ فِعْلٌ مُضْمَرٌ، وقالَ الزَجّاجُ: هو خَبَرُ كانَ مُضْمَرَةً، والتَقْدِيرُ: ولَكِنْ كانَ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ يُرِيدُ: التَوْراةَ والإنْجِيلَ، والَّذِي بَيْنَ اليَدِ هو المُتَقَدِّمُ لِلشَّيْءِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ في هَذِهِ الآيَةِ: إنَّ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ هي أشْراطُ الساعَةِ وما يَأْتِي مِنَ الأُمُورِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا خَطَأٌ، والأمْرُ بِالعَكْسِ، كِتابُ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى بَيْنَ يَدِي تِلْكَ، أمّا أنَّ الزَجّاجَ تَحَفَّظَ فَقالَ: "الضَمِيرُ يَعُودُ عَلى الأشْراطِ، والتَقْدِيرُ: ولَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيِ القُرْآنِ".

فَهَذا أيْضًا قَلِقٌ، وقِيامُ البُرْهانِ عَلى قُرَيْشٍ حِينَئِذٍ إنَّما كانَ في أنْ يُصَدِّقَ القُرْآنُ ما في التَوْراةِ والإنْجِيلِ مَعَ أنَّ الآتِيَ بِالقُرْآنِ مِمَّنْ يَقْطَعُونَ أنَّهُ لَمْ يُطالِعْ تِلْكَ الكُتُبَ ولا هي في بَلَدِهِ ولا في قَوْمِهِ، وتَفْصِيلُ الكِتابِ هو تَبْيِينُهُ، و ﴿ لا رَيْبَ فِيهِ ﴾ يُرِيدُ: هو في نَفْسِهِ عَلى هَذِهِ الحالَةِ، وإنِ ارْتابَ مُبْطِلٌ فَذَلِكَ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ ﴾ الآيَةُ، "أمْ" هَذِهِ لَيْسَتْ بِالمُعادِلَةِ لِألِفِ الِاسْتِفْهامِ الَّتِي في قَوْلِكَ: أزَيْدٌ قامَ أمْ عَمْرٌو ؟، وإنَّما هي الَّتِي تَتَوَسَّطُ الكَلامَ، ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّها بِمَنزِلَةِ "الألِفِ" و"بَلْ" لِأنَّها تَتَضَمَّنُ اسْتِفْهامًا وإضْرابًا عَمّا تَقَدَّمَ، وهي كَقَوْلِهِمْ: "إنَّها لَإبِلٌ أمْ شاءٌ؟"، وقالَتْ فِرْقَةٌ في "أمْ" هَذِهِ: هي بِمَنزِلَةِ ألِفِ الِاسْتِفْهامِ، ثُمَّ عَجَّزَهم في قَوْلِهِ: ﴿ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ ﴾ ، والسُورَةُ مَأْخُوذَةٌ مِن "سُورَةِ البِناءِ"، وهي مِنَ القُرْآنِ هَذِهِ القِطْعَةُ الَّتِي لَها مَبْدَأٌ وخَتْمٌ، والتَحَدِّي في هَذِهِ الآيَةِ وقَعَ بِجِهَتَيِ الإعْجازِ اللَتَيْنِ في القُرْآنِ: إحْداهُما: النَظْمُ والرَصْفُ والإيجازُ والجَزالَةُ، كُلُّ ذَلِكَ في التَعْرِيفِ بِالحَقائِقِ، والأُخْرى: المَعانِي مِنَ الغَيْبِ لِما مَضى ولِما يُسْتَقْبَلُ، وحِينَ تَحَدّاهم بِعَشْرٍ مُفْتَرَياتِ إنَّما تَحَدّاهم بِالنَظْمِ وحْدَهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: هَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ، وفِيهِ عِنْدِي نَظَرٌ، وكَيْفَ يَجِيءُ التَحَدِّي بِمُماثِلَةٍ في الغُيُوبِ رَدًّا عَلى قَوْلِهِمُ: "افْتَراهُ"؟، وما وقَعَ التَحَدِّي في الآيَتَيْنِ: -هَذِهِ وآيَةُ العَشْرِ السُورِ- إلّا بِالنَظْمِ والرَصْفِ والإيجازِ في التَعْرِيفِ بِالحَقائِقِ، وما أُلْزِمُوا قَطُّ إتْيانًا بِغَيْبٍ، لِأنَّ التَحَدِّيَ بِالإعْلامِ بِالغُيُوبِ كَقَوْلِهِ: ﴿ وَهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ  ﴾ ، وكَقَوْلِهِ: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ  ﴾ ، ونَحْوِ ذَلِكَ مِن غُيُوبِ القُرْآنِ فَبَيِّنٌ أنَّ البَشَرَ مُقَصِّرٌ عن ذَلِكَ، وأمّا التَحَدِّي بِالنَظْمِ فَبَيِّنٌ أيْضًا أنَّ البَشَرَ مُقَصِّرٌ عن نَظْمِ القُرْآنِ إذِ اللهُ تَعالى قَدْ أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، فَإذا قَدَّرَ اللهُ اللَفْظَةَ في القُرْآنِ عَلِمَ بِالإحاطَةِ اللَفْظَةَ الَّتِي هي ألْيَقُ بِها في جَمِيعِ كَلامِ العَرَبِ في المَعْنى المَقْصُودِ حَتّى كَمُلَ القُرْآنُ عَلى هَذا النِظامِ، الأولى فالأولى، والبَشَرُ -مَعَ أنْ يُفْرَضَ أفْصَحُ العالَمِ- مَحْقُوقٌ بِنِسْيانٍ وجَهْلٍ بِالألْفاظِ والحَقِّ، وبِغَلَطٍ وآفاتٍ بَشَرِيَّةٍ.

فَمُحالٌ أنْ يَمْشِيَ في اخْتِيارِهِ عَلى الأولى فالأولى، ونَحْنُ نَجِدُ العَرَبِيَّ يُنَقِّحُ قَصِيدَتَهُ -وَهِيَ الحَوْلِيّاتُ- يُبَدِّلُ فِيها ويُقَدِّمُ ويُؤَخِّرُ، ثُمَّ يَدْفَعُ تِلْكَ القَصِيدَةَ إلى أفْصَحَ مِنهُ فَيَزِيدُ في التَنْقِيحِ.

ومَذْهَبُ أهْلٍ الصِرْفَةِ مَكْسُورٌ بِهَذا الدَلِيلِ، فَما كانَ قَطُّ في العالَمِ إلّا مَن فِيهِ تَقْصِيرٌ سِوى مَن يُوحِي إلَيْهِ اللهُ تَعالى، وَمَيَّزَتْ فُصَحاءُ العَرَبِ هَذا القَدْرَ مِنَ القُرْآنِ وأذْعَنَتْ لَهُ لِصِحَّةِ فِطْرَتِها وخُلُوصِ سَلِيقَتِها، وأنَّهم يَعْرِفُ بَعْضُهم كَلامَ بَعْضٍ ويُمَيِّزُهُ مِن غَيْرِهِ، كَفِعْلِ الفَرَزْدَقِ في أبْياتِ جَرِيرٍ، والجارِيَةِ في شِعْرِ الأعْشى، وقَوْلِ الأعْرابِيِّ في عَرْفَجِكُمْ، فَقُطِعَ، ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا إذا تُتُبِّعَ بانَ.

والقَدْرُ المُعْجِزُ مِنَ القُرْآنِ ما جُمِعَ الجِهَتَيْنِ: اطِّرادُ النَظْمِ والسَرْدِ، وتَحْصِيلُ المَعانِي وتَرْكِيبُ الكَثِيرِ مِنها في اللَفْظِ القَلِيلِ، فَأمّا مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مُدْهامَّتانِ  ﴾ ، وقَوْلُهُ: ﴿ ثُمَّ نَظَرَ  ﴾ فَلا يَصِحُّ التَحَدِّي بِالإتْيانِ بِمِثْلِهِ، لَكِنْ بِانْتِظامِهِ واتِّصالِهِ يَقَعُ العَجْزُ عنهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ مِثْلِهِ ﴾ صِفَةٌ لِلسُّورَةِ، والضَمِيرُ عائِدٌ عَلى القُرْآنِ المُتَقَدِّمِ الذِكْرِ، كَأنَّهُ قالَ: فَأتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِ القُرْآنِ، أيْ: في مَعانِيهِ وألْفاظِهِ، وخَلَطَتْ فِرَقٌ في قَوْلِهِ: ﴿ مِثْلِهِ ﴾ مِن جِهَةِ اللِسانِ، كَقَوْلِ الطَبَرِيِّ: ذَلِكَ عَلى المَعْنى، ولَوْ كانَ عَلى اللَفْظِ لَقالَ: "مِثْلِها"، وهَذا وهْمٌ بَيِّنٌ لا يُحْتاجُ إلَيْهِ، وقَرَأ عَمْرُو بْنُ فائِدٍ: "بِسُورَةِ مِثْلِهِ" عَلى الإضافَةِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: التَقْدِيرُ: بِسُورَةِ كَلامٍ مِثْلِهِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: أمَرَ عَبْدُ اللهِ الأسْوَدَ أنْ يَسْألَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ عن إضافَةِ "سُورَةٍ" أو تَنْوِينِها، فَقالَ لَهُ عُمَرُ: كَيْفَ شِئْتَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ ﴾ إحالَةٌ عَلى شُرَكائِهِمْ وجِنِّهِمْ وغَيْرِ ذَلِكَ، وهو كَقَوْلِهِ في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ولَوْ كانَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ظَهِيرًا  ﴾ ، أيْ مُعِينًا، وهَذا أشَدُّ إقامَةً لِنُفُوسِهِمْ وأوضَحُ تَعْجِيزًا لَهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لما كان الغرض الأول في هذه السورة إبطال تعجب المشركين من الإيحاء بالقرآن إلى النبي صلى الله عليه وسلم وتبيين عدم اهتدائهم إلى آياته البينات الدالة على أنه من عند الله، وكيف لم ينظروا في أحوال الرسول الدالة على أن ما جاء به وحي من الله، وكيف سألوه مع ذلك أن يأتي بقرآن غيره أو يبدل آياته بما يوافق أهواءهم.

ثم انتقل بعد ذلك إلى سُؤَالهم أن تنزل عليه آية أخرى من عند الله غير القرآن، وتخلل ذلك كلَّه وصفُ افترائهم الكذب في دعوى الشركاء لله وإقامة الأدلة على انفراد الله بالإلهية وعلى إثبات البعث، وإنذارهم بما نال الأمم من قبلهم، وتذكيرهم بنعم الله عليهم وإمهالهم، وبيان خطئهم في اعتقاد الشرك اعتقاداً مبنياً على سوء النظر والقياس الفاسد، لا جرم عاد الكلام إلى قولهم في القرآن بإبطال رأيهم الذي هو من الظن الباطل أيضاً بقياسهم أحوالَ النبوءة والوحي بمقياس عاداتهم كما قاسُوا حقيقة الإلهية بمثل ذلك، فقارعتهم هذه الآيةُ بذكر صفات القرآن في ذاته الدالة على أنه حق من الله وتحدتهم بالإعجاز عن الإتيان بمثله.

فجملة: ﴿ وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ﴾ يجوز أن تكون معطوفة على جملة: ﴿ وما يتبع أكثرهم إلا ظناً ﴾ [يونس: 36] بمناسبة اتباعهم الظن في الأمرين: شؤون الإلهية وفي شؤون النبوءة، ويجوز أن تكون معطوفة على مجموع ما تقدم عطف الغرض على الغرض والقصة على القصة، وهو مفيد تفصيل ما أجمله ذكر الحروف المقطعة في أول السورة والجمل الثلاث التي بعد تلك الحروف.

ويجوز أن تكون الجملة معطوفة على جملة: ﴿ قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي ﴾ [يونس: 15] تكملة للجواب عن قولهم ﴿ ائت بقرآن غير هذا أو بدله ﴾ [يونس: 15] وهذا الكلام مسوق للتحدي بإعجاز القرآن، وهي مفيدة للمبالغة في نفي أن يكون مفترى من غير الله، أي منسوباً إلى الله كذباً وهو آتتٍ من غيره، فإن قوله: ﴿ ما كان هذا القرآن أن يفترى ﴾ أبلغ من أن يقال: ما هو بمفترى، لما يدل عليه فعل الكون من الوجود، أي ما وجد أن يفترى، أي وجوده مناف لافترائه، فدلالة ذاته كافية في أنه غير مفترى، أي لو تأمل المتأمل الفطن تأملاً صادقاً في سور القرآن لعلم أنه من عند الله وأنه لا يجوز أن يكون من وضع البشر، فتركيب ما كان أن يفترى بمنزلة أن يقال: ما كان ليفترى، بلام الجحود، فحُذف لام الجحود على طريقة حَذْف الجار اطراداً مع (أنْ)، ولما ظهرت (أنْ) هنا حذف لام الجحود وإن كان الغالب أن يذكر لام الجحود وتقدر (أنْ) ولا تذكر، فلما ذكر فعل (كان) الذي شأنه أن يذكر مع لام الجحود استغني بذكره عن ذكر لام الجحود قصداً للإيجاز.

وإنما عدل عن الإتيان بلام الجحود بأن يقال: ما كان هذا القرآن ليفترى، لأن الغالب أن لام الجحود تقع في نفي كون عن فاعل لا عن مفعول بما تدل عليه اللام من معنى الملك.

واعلم أن الإخبار ب ﴿ أن ﴾ والفعل يساوي الإخبار بالمصدر، وهو مصدر بمعنى المفعول لأن صلة ﴿ أن ﴾ هنا فعل مبني للنائب.

والتقدير ما كان هذا القرآن افتراءَ مُفتر، فآل إلى أن المصدر المنسبك من (أن) مصدر بمعنى المفعول كالخَلْق بمعنى المخلوق، وهو أيضاً أقوى مبالغة من أن يقال: ما كان مفترًى، فحصلت المبالغة في جهتين: جهة فعل (كَان) وجهة (أن) المصدرية.

و (من) في قوله: ﴿ من دون الله ﴾ للابتداء المجازي متعلقة ب ﴿ يفترى ﴾ أي أن يفتريه على الله مفتر.

فقوله: ﴿ من دون الله ﴾ حال من ضمير ﴿ يفترى ﴾ وهي في قوة الوصف الكاشف.

والافتراء: الكذب، وتقدم في قوله: ﴿ ولكنَّ الذين كفروا يفترون على الله الكذب ﴾ في سورة [العقود: 103].

ولما نفي عن القرآن الافتراء أخبر عنه بأنه تصديق وتفصيلٌ، فجرت أخباره كلها بالمصدر تنويهاً ببلوغه الغاية في هذه المعاني حتى اتحد بأجناسها.

وتصديق الذي بين يديه } كونُه مصدقاً للكتب السالفة، أي مبيّناً للصادق منها ومييزاً له عما زيد فيها وأسيء من تأويلها كما قال تعالى: ﴿ مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه ﴾ كما تقدم في سورة [العقود: 48].

وأيضاً هو مصدَّق (بفتح الدال) بشهادة الكتب السالفة فيما أخذت من العهد على أصحابها أن يؤمنوا بالرسول الذي يجيء مصدقاً وخاتماً.

فالوصف بالمصدر صالح للأمرين لأن المصدر يقتضي فاعلاً ومفعولاً.

والتفصيل: التبيين بأنواعه.

والظاهر أن تعريف الكتاب } تعريف الجنس فيستغرق الكتب كلها.

ومعنى كون القرآن تفصيلاً لها أنه مبين لما جاء مجملاً في الكتب السالفة، وناسخ لما لا مصلحة للناس في دوام حكمه، ودافع للمتشابهات التي ضل بها أهل الكتاب، فكل ذلك داخل في معنى التفصيل، وهو معنى قوله تعالى: ﴿ ومهيمناً عليه ﴾ في سورة [العقود: 48].

وهذا غير معنى قوله: ﴿ وتفصيلَ كل شيء ﴾ [يوسف: 111] في الآية الأخرى.

وجملة: {لا ريب فيه مستأنفة ردت مزاعم الذين زعموا أنه مفترى باقتلاع دعوى افترائه، وأنها مما لا يروج على أهل الفِطن والعقوللِ العادلة، فالريب المنفي عنه هو أن يكون من أحواله في ذاته ومقارناته ما يثير الريب، ولذلك كان ريب المرتابين فيه ريباً مزعوماً مدعًى وهو لو راجعوا أنفسهم لوجدوها غير مرتابة.

وقد تقدم القول في نظير هذا في طالعة سورة [البقرة: 2].

وموقع قوله: ﴿ من رب العالمين ﴾ محتمل وجوهاً أظهرها أنه ظرف مستقر في موضع الخبر عن مبتدإ محذوف هو ضمير القرآن، والجملة استئناف ثان، و(مِن) ابتدائية تؤذن بالمجيء، أي هو وارد من رب العالمين، أي من وحيه وكلامِه، وهذا مقابل قوله: ﴿ من دون الله ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَما كانَ هَذا القُرْآنُ أنْ يُفْتَرى مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي أنَّهُ يُخْتَلَقُ ويُكْذَبُ.

﴿ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: شاهِدٌ بِصِدْقِ ما تَقَدَّمَ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والزَّبُورِ.

الثّانِي: لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ البَعْثِ والنُّشُورِ والجَزاءِ والحِسابِ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنْ يَكُونَ مَعْناهُ ولَكِنْ يُصَدِّقُهُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكُتُبِ السّالِفَةِ بِما فِيها مِن ذِكْرِهِ فَيَزُولُ عَنْهُ الِافْتِراءُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَمْ يَعْلَمُوا ما عَلَيْهِمْ بِتَكْذِيبِهِمْ لِشَكِّهِمْ فِيهِ.

الثّانِي: لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِ ما فِيهِ مِن وعْدٍ ووَعِيدٍ لِإعْراضِهِمْ عَنْهُ.

﴿ وَلَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عِلْمُ ما فِيهِ مِنَ البُرْهانِ.

الثّانِي: ما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهم مِنَ العِقابِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ أم من لا يهدي إلا أن يهدى ﴾ قال: الأوثان؛ الله يهدي منها ومن غيرها ما شاء.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾ ، قال الزجاج (١) (٢) ﴿ ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا  ﴾ و (أن) مع (يُفْتَرَى) مصدر مقضيًا عليه بالنصب تقديره: وما كان هذا القرآن افتراءً من دون الله، كما تقول: ما كان هذا الكلام كذبًا.

﴿ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ \[أي: ولكن كان تصديق الذي بين يديه\] (٣) (٤) (٥) (٦) ﴿ يَدَيْهِ ﴾ تعود إلى القرآن، وعلى القول الثاني تعود إلى الذي قال ابن الأنباري (٧) تحقيق القول الأول: ولكن تصديق الوحي الذي بين يدي القرآن من الكتب، فالقرآن شاهد لما تقدمه من الكتب أنها حق، وموافق لها في الأخبار وشاهد لها، إذ جاء على ما تقدمت به البشارة فيها.

وتحقيق القول الثاني: ولكن تصديق البعث الذي القرآن بين يديه؛ لأن القرآن يخبر بالبعث، ويدعو إلى الاستعداد له، قال أبو بكر: ويحتمل أن يكون المعنى ولكن تصديق النبي (٨) (٩)  وعرفوه قبل أن يسمعوا منه القرآن (١٠) (١١) وقوله تعالى: ﴿ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ ﴾ أراد وتفصيل ما في الكتاب من الحلال والحرام والفرائض والسنن والأحكام، وما في الكتاب هو الكتاب لذلك قال: ﴿ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ ﴾ كأن المعنى وتفصيل المكتوب من هذه الأشياء، والتفصيل: التبيين، وقد مر، وهذا معنى قول ابن عباس (١٢) وقال الحسن: ﴿ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ ﴾ الوعد لمن آمن بالنعيم، والوعيد لمن عصي بالعذاب الأليم (١٣) ﴿ لَا رَيْبَ فِيهِ ﴾ أي في كونه ونزوله من رب العالمين، قال ابن عباس: يريد أنه من عند رب العالمين (١٤) (١) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 20 بنحوه.

(٢) "زاد المسير" 4/ 32 مختصرًا.

(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).

(٤) انظر: "تفسير ابن جرير" 11/ 117، والماوردي 2/ 435، والبغوي 4/ 134.

(٥) في "معاني القرآن وإعرابه" المطبوع: يدي، والصواب ما ذكره الواحدي؛ لأن القرآن قبل البعث، ولو قيل: البعث بين يدي القرآن لكان المعنى: البعث قبيل القرآن، وهذا لا يصح، وفي "لسان العرب" (يدي) 8/ 4954: يقال: بين يديك كذا لكل شيء أمامك، قال الله -عز وجل-: ﴿ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ  ﴾ ويقال: إن بين يدي الساعة أهوالاً، أي: قدامها.

(٦) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 20.

(٧) لم يرد لابن الأنباري قول في هذه الجملة من الآية، ولا يمكن أن يكون مراده قول ابن الأنباري الآتي، لعدم اتفاقه مع معنى القول الثاني، ولعل المؤلف يريد قول أبي إسحاق الزجاج.

(٨) في (ح): (الشيء)، وهو خطأ.

(٩) يعني محمدًا  ، وانظر تفسير القول في "الجامع لأحكام القرآن" 8/ 344.

(١٠) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 4/ 32.

(١١) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).

(١٢) "تنوير المقباس" ص 213.

(١٣) لم أجده.

(١٤) "تنوير المقباس" ص 213 بمعناه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّاً ﴾ أي غير تحقيق، لأنه لا يستند إلى برهان ﴿ إِنَّ الظن لاَ يُغْنِي مِنَ الحق شَيْئاً ﴾ ذلك في الاعتقادات إذ المطلوب فيها اليقين بخلاف الفروع ﴿ تَصْدِيقَ الذي بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ مذكور في البقرة ﴿ أَمْ يَقُولُونَ ﴾ أم هنا بمعنى بل والهمزة ﴿ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ ﴾ تعجيز لهم وإقامة حجة عليهم ﴿ مَنِ استطعتم ﴾ يعني من شركائكم وغيرهم من الجن والإنس ﴿ مِّن دُونِ الله ﴾ أي غير الله.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ كلمات ربك ﴾ وكذلك في آخر السورة على الجمع: أبو جعفر ونافع وابن عامر ﴿ لا يهدي ﴾ مثل ﴿ يرمي ﴾ : حمزة وعلي وخلف ﴿ يهدي ﴾ بسكون الهاء وتشديد الدال: أبو جعفر ونافع غير ورش وعباس وأبو عمرو غير عباس بإشمام الفتحة قليلاً ﴿ يهدي ﴾ بكسر الهاء وتشديد الدال: عاصم غير يحيى وجبلة ورويس ﴿ يهدي ﴾ بكسرتين والتشديد: يحيى ﴿ يهدي ﴾ بفتحتين والتشديد: ابن كثير وابن عامر وورش وسهل ويعقوب غير رويس.

الوقوف: ﴿ يدبر الأمر ﴾ ط ﴿ الله ﴾ ج ﴿ تتقون ﴾ ه ج ط ﴿ ربكم الحق ﴾ ج ط للاستفهام مع الفاء ﴿ إلا الضلال ﴾ ج ط ﴿ تصرفون ﴾ ه ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ ثم يعيده ﴾ الأول ط ﴿ تؤفكون ﴾ ه ﴿ إلى الحق ﴾ ط ﴿ للحق ﴾ ط ﴿ أن يهدي ﴾ ج ط لما مر ﴿ فما لكم ﴾ ص لحق الاستفهام الثاني ﴿ تحكمون ﴾ ه ط ﴿ إلا ظناً ﴾ ط ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ يفعلون ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ افتراء ﴾ ط ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ تأويله ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ لا يؤمن به ﴾ ط ﴿ بالمفسدين ﴾ ه ﴿ عملكم ﴾ ج لأن ﴿ أنتم ﴾ مبتدأ والعامل واحد ﴿ تعملون ﴾ ه.

التفسير: لما بين فضائح عبدة الأوثان أكدها بالحجج اللامعة والبراهين القاطعة من أحوال الرزق والموت والحياة والإبداء والإعادة والإرشاد والهداية، وقد بنى الحجج على الاستفهام وتفويض الجواب إلى المسؤول ليكون أبلغ في إلزام الحجة وأوقع في النفوس.

فالحجة الأولى قوله: ﴿ قل من يرزقكم من السماء والأرض ﴾ بإنزال الأمطار النافعة الموجبة لتولد الأغذية النباتية والحيوانية في الأرض بعد رعاية شرائط تربيتها وإنمائها وحفظها من العاهات.

﴿ أمن يملك السمع والأبصار ﴾ خص الحاستين بالذكر لما في خلقهما وتسويتهما من الفطرة العجيبة، وكان  يقول: "سبحان من بَصَّرَ بشحم وأسمع بعظم وأنطق بلحم" ولما في تحصينهما في الآفات في المدد الطوال وهما لطيفان يؤذيهما أدنى شيء مزيد قدرة ورأفة.

﴿ ومن يخرج الحي من الميت ﴾ الحيوان الماشي والطائر من النطفة والبيضة وقد مر سائر الأقوال في سورة الأنعام.

﴿ ومن يدبر الأمر ﴾ عمم بعدما خصص لأن أقسام تدبيره  في العالم العلوي والعالم السفلي وعالمي الغيب والشهادة أمور لا نهاية لها.

وذكر كلها كالمتعذر.

﴿ فسيقولون الله ﴾ وفيه دليل على أنهم كانوا يعبدون الأصنام بناء على أنها شفعاؤهم وأنها تقربهم إلى الله زلفى، ولكنهم كانوا مخطئين في هذا الاعتقاد فلهذا ختم الآية بقوله ﴿ فقل أفلا تتقون ﴾ الله الذي اعترفتم بأنه سبب فيضان جميع الخيرات فكيف أشركتم بعبادته الجمادات التي لا تقدر على نفع أو ضر.

﴿ فذلكم ﴾ الموصوف بالقدرة الكاملة والرحمة الشاملة ﴿ الله ربكم الحق ﴾ الثابت ربوبيته بالوجدان والبرهان.

﴿ فماذا بعد الحق ﴾ "ذا" مزيدة و "ما" نافية أو استفهامية أو مجموع "ماذا" كلمة واحدة معناها أي شيء بعد الحق ﴿ إلا الضلال ﴾ والمراد أنه لما ثبت وجود الواجب الحق كان ما سواه ممكناً لذاته باطلاً دعوى الإلهية فيه، لأن واجب الوجود يجب أن يكون واحداً في ذاته وفي صفاته وفي جميع اعتباراته وإلا لزم افتقاره إلى ما انقسم إليه فلا يكون واجباً هف محال ولهذا ختم الآية بقوله: ﴿ فأنى تصرفون ﴾ كيف تستجيزون العدول عن هذا الحق الظاهر وتقعون في الضلال، إذ لا واسطة بين الأمرين، فمن يخطىء أحدهما وقع في الآخر.

﴿ كذلك ﴾ أي كما حق وثبت أن الحق بعده الضلال، أو كما حق أنهم مصروفون عن الحق فكذلك ﴿ حقت كلمة ربك ﴾ .

وتفسير الكلمة ﴿ أنهم لا يؤمنون ﴾ على أنه بدل أي حق عليهم انتفاء الإيمان وقد علم الله منهم ذلك في الأزل، وأراد بالكلمة العدة بالعذاب وأنهم لا يؤمنون تعليل على حذف اللام.

احتجت المعتزلة بمثل قوله تعالى: ﴿ فأنى تصرفون ﴾ أن الصارف لو كان هو الله  لم يصح منه هذا التعجيب والإنكار.

وقالت الأشاعرة: قد تعلق علمه  بأنهم لا يؤمنون كما قال: ﴿ حقت كلمة ربك ﴾ وتعلق خبره بأنهم لا يؤمنون وقدرته لم تتعلق بخلق الإيمان فيه بل بخلق الكفر فيه، وأثبت ذلك في اللوح المحفوظ وأشهد عليه ملائكته وأنزله على أنبيائه وأشهدهم عليه، فلو حصل الإيمان لبطلت هذه الأشياء فينقلب علمه جهلاً وخبره الصدق كذباً وقدرته عجزاً وإرادته عبثاً وإشهاده باطلاً.

الحجة الثانية ﴿ قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده ﴾ وإنما قال: ﴿ ثم يعيده ﴾ مع أن الخصم لا يعترف به لأنه قدم في هذه السورة دلال الإعادة بحيث لا يتمكن العاقل من دفعها إذا تأمل وأنصف فبنى الأمر على ذلك.

وإنما أمر نبيه أن ينوب عنهم في الجواب بقوله ﴿ قل الله ﴾ الآية.

تنبيهاً على أن هذا المعنى بلغ في الوضوح إلى حيث لا حاجة فيه الى إقرار الخصم المكابر، فكأنه قيل: تكلم عنهم إذ لا يدعهم لحاجهم أن ينطقوا بكلمة الحق.

وقوله: ﴿ فأنى تؤفكون ﴾ كقوله: ﴿ فأنى تصرفون ﴾ وقد مر في "المائدة".

الحجة الثالثة ﴿ قل هل من شركائكم من يهدي ﴾ الآية.

الاستدلال على وجود الصانع بالخلق أوّلاً ثم بالهداية عادة مطردة في القرآن، فحكى عن الخليل  ﴿ الذي خلقني فهو يهدين  ﴾ وعن موسى ﴿ ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى  ﴾ وأمر محمداً  ﴿ سبح اسم ربك الأعلى  الذي خلق فسوى  والذي قدر فهدى  ﴾ والسر فيه أن المقصود من خلق الجسد حصول الهداية للروح وارتسام العلوم والمعارف فيه بإرشاد الحق  من الطرق المنحرفة كثيرة والظنون والأغاليط غير محصورة، فتحصيل الوسط الحقيقي لا يمكن إلا بتوفيقه وهدايته، ولا مدخل في ذلك بالاستقلال لملك أو إنسي أو جني فضلاً عن الأصنام التي هي في أدنى مراتب الوجود لأنها جمادات لا شعور لها هذا تقرير الحجة الثالثة.

وقال الزجاج: يقال: هديت للحق وإلى الحق بمعنى، فجمع بين العبارتين.

ويقال: هدى بنفسه بمعنى اهتدى كما يقال شرى بمعنى اشترى ومنه قوله: ﴿ أمن لا يهدي ﴾ وسائر القراآت أصلها "يهتدي" فأدغم وفتحت الهاء بحركة التاء أو كسرت لالتقاء الساكنين، وقد كسرت الياء لاتباع ما بعدها.

قيل: هذه الشركاء جمادات فكيف قال في حقها ﴿ إلا أن يهدى ﴾ وأجيب بوجوه منها: أن المراد في الآية رؤساؤهم وأشرافهم كقوله: ﴿ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً  ﴾ والمراد أن الله  هو الذي يهدي الخلق إلى الدين الحق بالدلائل النقلية وبما يمكنهم منه من الدلائل العقلية، وأما هؤلاء الدعاة والرؤساء فإنهم لا يقدرون على أن يهدوا غيرهم إلا إذا هداهم الله.

ومنها أنهم لما اتخذوها آلهة وصفهم الله  بصفة من يعقل كقوله: ﴿ إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم  ﴾ ومنها أن ذلك بالفرض والتقدير يعني أنها لو كانت بحيث يمكنها أن تهتدي فإنها لا تهدي غيرها إلا أن تهدى.

ومنها أن البنية عندنا ليست بشرط في صحة الحياة والعقل فيصح من الله  أن يجعلها حية عاقلة، ثم إنها تشتغل بهداية الغير، ومنها أن المراد من الهدي النقل والحركة يقال: هديت المرأة زوجها أي نقلت إليه، فالمعنى لا ينتقل إلى مكان إلا إذا نقل إليه.

ثم عجب من مذهبهم الفاسد باستفهامين متواليين فقال: ﴿ فما لكم كيف تحكمون ﴾ .

ثم بين ما بنوا عليه أمر دينهم فقال: ﴿ وما يتبع أكثرهم إلا ظناً ﴾ أي في إقرارهم بالله لأنه قول غير مستند إلى برهان عندهم بل سمعوه من أسلافهم أو في قولهم للأصنام أنها آلهة أو شفعاء، وعلى هذا فالمراد بالأكثر الجميع.

﴿ إن الظن ﴾ في معرفة الله وفيما يجب تحقيقه ﴿ لا يغني من الحق ﴾ وهو العلم والتحقيق ﴿ شيئاً ﴾ من الغناء.

والمعنى أن الظن لا يقوم مقام العلم في شيء من الأحوال.

ثم أوعدهم على اتباعهم الظن وتقليد الآباء بقوله: ﴿ إن الله عليم بما يفعلون ﴾ .

وتمسك نفاة القياس بالآية ظاهر من قبل أن القياس لا يفيد إلا الظن.

وأجيب بأن التمسك بالعمومات لا يفيد إلا الظن وهذه الآية من العمومات فلم يجب اتباعها بزعمكم، وما أفضى ثبوته إلى نفيه كان متروكاً.

ولما فرغ من دلائل التوحيد شرع في إثبات النبوة فقال: ﴿ ما كان هذا القرآن أن يفترى ﴾ أي افتراء من دون الله أو كلمة "أن" بمعنى اللام أي ما ينبغي له وما استقام أن يكون مفترى.

والحاصل أن وصفه ليس وصف شيء يمكن أن يفترى به على الله لأنه معجز لا يقدر البشر على إتيان مثله وإنما القادر عليه هو الله  .

﴿ ولكن ﴾ كان ﴿ تصديق الذي بين يديه ﴾ من الكتب المنزلة لإعجازه دونها فهو عيار عليها شاهد بصحتها، ونفس هذا التصديق أيضاً معجز لأن أقاصيصه موافقه لما في كتب الأولين مع أنه لم يتعلم قط ولم يتلمذ، ولأن بشارته جاءت في تلك الكتب على وفق دعواه، ولأنه يخبر عن الغيوب المستقبلة فيقع مطابقاً فظهر أن القرآن معجز من قبل اشتماله على الغيوب الماضية والمستقبلة.

أما أنه معجز من جهة اشتماله على العلوم الجمة فذلك قوله: ﴿ وتفصيل الكتاب ﴾ أي يبين ما كتب وفرض من الأحكام والشرائع كقوله: ﴿ كتاب الله عليكم  ﴾ قال في الكشاف قوله: ﴿ لا ريب فيه من رب العالمين ﴾ داخل في حيز الاستدراك كأنه قال: ولكن كان تصديقاً وتفصيلاً منتفياً عنه الريب كائناً من رب العالمين، وجوز أن يكون ﴿ من رب العالمين ﴾ متعلقاً بتصديق وتفصيل و ﴿ لا ريب فيه ﴾ اعتراض كقولك: زيد لا شك فيه كريم.

والمعنى ولكن كان تصديقاً من رب العالمين وتفصيلاً منه لا ريب فيه.

ثم أعاد بيان إعجازه مرة أخرى فقال مستفهماً على سبيل الإنكار ﴿ أم يقولون افتراه قل ﴾ إن كان الأمر كما تزعمون ﴿ فأتوا ﴾ أنتم على وجه الافتراء ﴿ بسورة مثله ﴾ في البلاغة وحسن النظم فأنتم مثلي في العربية والفصاحة ﴿ وادعوا من استطعتم من دون الله ﴾ أي لا تستعينوا بالله وحده ثم استعينوا بكل من سواه ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ أنه افتراه.

قال بعض العلماء: هذه الآية في سورة يونس وهي مكية، فلعل المراد بالسورة المتحدّي بها هذه السورة.

والأصح أن التحدي واقع على أقصر سورة.

قالت المعتزلة: لو لم يكن الإتيان بمثل القرآن صحيح الوجود في الجملة لم يتحدّ العرب به لكنهم تحدّوا بذلك فدل على أن القرآن محدث إذ لو كان قديماً والإتيان بالقديم محال لم يصح هذا التحدي.

وأجيب بأن القرآن يقال بالاشتراك على الصفة القديمة القائمة بذات الله وعلى هذه الحروف والأصوات المحدثة، والتحدي إنما وقع بهذه لا بتلك ﴿ بل كذبوا ﴾ سارعوا إلى التكذيب ﴿ بما لم يحيطوا بعلمه ﴾ وهو القرآن ﴿ ولما يأتهم تأويله ﴾ ومعنى التوقع فيه أنهم كذبوا به على البديهة قبل التدبر ومعرفة التأويل تقليداً للآباء، وكذبوا به بعد التدبر وتكرير التحدي عليهم واستيقان عجزهم عن هذا بغياً وحسداً وعناداً.

وذلك إنما حملهم على التكذيب أوّلا وآخراً وجوه منها: أنهم وجدوا في القرآن أقاصيص الأولين ولم يعرفوا المقصود منها فقالوا أساطير الأوّلين، وخفي عليهم أن الغرض منها بيان قدرة الله  على التصرف في هذا العالم ونقل الأمم من العز إلى الذل وبالعكس، ليعرف المكلف أن الدنيا ليست مما يبقى، فنهاية كل حركة سكون وغاية كل سكون أن لا يكون كقوله: عز من قائل ﴿ لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب  ﴾ .

ومنها أنهم كلما سمعوا حروف التهجي في أوائل السور ولم يفهموا منها شيئاً ساء ظنهم بالقرآن فأجاب الله  عنه بقوله: ﴿ هو الذي أنزل عليك الكتاب  ﴾ إلى قوله: ﴿ وأخر متشابهات  ﴾ الآية.

ومنها أنهمرأوا القرآن يظهر شيئاً فشيئاً فاتهموا النبي وقالوا: ﴿ لولا أنزل عليه القرآن جملة واحدة  ﴾ ومنها أنهم وجدوا القرآن مملوءاً من حديث الحشر والنشر، وكانوا قد ألفوا المحسوسات فاستبعدوا ذلك.

وأنهم وجدوا فيه تكاليف كثيرة من الصلاة والصيام والزكاة والحج والجهاد وكانوا يقولون.

إن إله العالم غني عنا وعن طاعاتنا ﴿ كذلك كذب الذين من قبلهم ﴾ يعني قبل النظر في معجزات أنبيائهم.

قال أهل التحقيق: في الآية دلالة على أن من كان غير عارف بوجوه التأويل قد يقع في الكفر والبدعة، لأن ظواهر النصوص قد تتعارض فيفتقر هنالك إلى تطبيق التنزيل على التأويل.

وقيل: معنى الآية أن القرآن كتاب معجز من جهتين: من جهة إعجاز نظمه ومن جهة ما فيه من الأخبار بالغيوب ومن جملتها أحوال الآخرة.

فقوله: ﴿ بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ﴾ إشارة إلى التكذيب به قبل أن ينظروا في نظمه وبلوغه حد الإعجاز، وقوله: ﴿ ولما يأتهم تأويله ﴾ إشارة إلى تكذيبهم قبل أن يمتحنوا غيوبه هل تطابق الواقع أم لا.

ثم ختم الآية بقوله: ﴿ فانظر كيف كان عاقبة الظالمين ﴾ والمراد أنهم طلبوا الدنيا وأعرضوا عن الآخرة فلم تبق عليهم الدنيا وفاتتهم الآخرة فبقوا في خسران الدارين.

وقيل: المقصود عذاب الاستئصال الذي نزل بالمكذبين قبلهم.

ثم قسم طوائف الأمم المكذبين فقال: ﴿ ومنهم من يؤمن به ﴾ أي بالقرآن أو بالرسول أي يصدق به في نفسه ويعلم أنه حق ولكنه يعاند ﴿ ومنهم ﴾ من يشك فيه لا يصدق به لا ظاهراً ولا باطناً، ويمكن أن يقال: المراد به قسمتهم في الاستقبال أي ومنهم من سيؤمن به ومنهم من يبقى على الكفر فتكون الآية كالعذر في تبقيتهم وعدم استئصالهم ﴿ وربك أعلم بالمفسدين ﴾ فيجازيهم على حسب مراتبهم في التكذيب ويعلم طوياتهم هل يتوبون أو يصرفون.

ثم بين اختصاص كل مكلف بأفعاله وبنتائج أعماله من الثواب والعقاب فقال: ﴿ وإن كذبوك فقل لي عملي ﴾ أي جزاء عملي على الطاعة والإيمان وتبليغ الرسالة ﴿ ولكم عملكم ﴾ قال مقاتل والكلبي: هي منسوخة بآية القتال.

والتحقيق أن آية القتال لا تدفع شيئاً من مدلولات هذه فلا نسخ والله أعلم.

التأويل: ﴿ قل من يرزقكم ﴾ أي من ينزل من سماء النفس مطر الهواجس ويخرج من أرض النفس نبات الأفعال والأعمال، وينزل من سماء القلب مطر أثار فيض الروح ويخرج من أرض النفس نبات الصفات البشرية والحيوانية.

أو ينزل من سماء الروح مطر فيض الروح ويخرج من أرض القلب نبات الأوصاف الحميدة، أو ينزل من سماء القدرة مطر تجلي الصفات والفيض الرباني ويخرج من أرض الروح المحبة والأخلاق الإلهية، أو ينزل من سماء الذات مطر تجلي الصفات ويخرج من أرض الوجود نبات الفناء في الله وثمرات البقاء بالله ﴿ أمن يملك السمع والأبصار ﴾ فيكون سمعه الذي به يسمع، وبصره الذي به يبصر.

﴿ يخرج الحي من الميت ﴾ النفس من القالب والقلب من الروح والروح من القلب وبالعكوس ﴿ ومن يدبر ﴾ أمر الإنسان بالتربية من التراب إلى أن يصل إلى رب الأرباب.

فسيقولون هذه الأحوال كلها من الله فقل لمن بلغ نظره إلى هذه المراتب العلية وإنها عتبة باب التوحيد والمعرفة ﴿ أفلا تتقون ﴾ بالله من غيره لتدخلوا بيت الوحدة ﴿ كذلك حقت كلمة ربك ﴾ هكذا جرى القلم في الأزل على الذين خرجوا عن قبول فيض النور حين رش على الخلق من نوره.

﴿ وتفصيل الكتاب ﴾ وتفصيل الجملة التي هي مكتوبة عنده في أم الكتاب وهو علمه القائم بذاته.

﴿ وربك أعلم بالمفسدين ﴾ الذين أفسدوا استعدادهم الفطري والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا كَانَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ قال بعضهم: هو صلة قوله: ﴿ قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا ٱئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ  ﴾ فيقول: ﴿ وَمَا كَانَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ ؛ كقوله: ﴿ قُلْ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نَفْسِيۤ إِنْ أَتَّبِعُ  ﴾ أي ما أتبع إلا ما يوحى إلي.

وقال بعضهم: إن كفار قريش قالوا: إن محمداً افترى هذا القرآن من عند نفسه ويقوله من نفسه، فقال: ﴿ وَمَا كَانَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ أن يضاف إلى غيره أو يختلق.

﴿ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ أي: يصدق هذا القرآن الكتب التي كانت من قبل، ولو كان محمد هو الذي افتراه واختلقه من عند نفسه لكان خرج هو وسائر الكتب المتقدمة مختلفا، إذ لم يعرف محمد سائر الكتب المتقدمة إذ كانت بغير لسانه، ولم يكن له اختلاف إلى من يعرفها ليتعلم، ثم خرج هو أعني القرآن مصدقا وموافقا لتلك الكتب؛ دل أنه من عند الله جاء؛ كقوله: ﴿ وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ...

﴾ الآية [العنكبوت: 48].

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا كَانَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ يخرج على وجهين؛ أحدهما: ما كان هذا القرآن بالذي يحتمل الافتراء من دون الله؛ لخروجه عن طوق البشر ووسعهم، فذلك بالذي يحيله كونه مفترى بجوهره.

والثاني: لما أودع فيه من الحكمة والصدق يدل على كونه من عند الله؛ إذ كلام غيره يحتمل السفه والكذب ويحتمل الاختلاف.

﴿ وَتَفْصِيلَ ٱلْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ ﴾ قيل فيه بيان الكتب التي نزلت قبله، وتمامه أن هذا وإن كان في اللفظ مختلفا فهو في الحكمة والصدق مبين موافق للأول.

وقيل: ﴿ وَتَفْصِيلَ ٱلْكِتَابِ ﴾ \[أي: تفصيل\] ما كتب لهم وما عليهم.

أو أن يقال؟

إلى الله تفصيل الكتب ليس إلى غير ﴿ لاَ رَيْبَ فِيهِ ﴾ أنه من عند رب العالمين.

أو يقول: مفصل من اللوح المحفوظ.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ ﴾ يقول: إن كان محمد افتراه من عند نفسه، فأتوا أنتم بمثله؛ إذ لسانه ولسانكم واحد، فأنتم قد عرفتم بالفرية والكذب، ومحمد لم يعرف به قط، ولا أخذ عليه بكذب قط، فأنتم أولى أن تأتوا بسورة مثله.

﴿ وَٱدْعُواْ مَنِ ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: ادعوا بآلهتكم التي تعبدونها؛ ليعينوكم على إتيان مثله.

وقال بعضهم: ﴿ وَٱدْعُواْ مَنِ ٱسْتَطَعْتُمْ ﴾ أي: بمن لسانه مثل لسانكم؛ ليعينوكم على ذلك.

أو يقول: استعينوا بدراسة الكتب؛ ليعينوكم على مثله إن كنتم صادقين أن محمداً افتراه من نفسه؛ فدل ترك اشتغالهم بذلك على أنهم قد عرفوا أنه ليس بمفترى، وأنه سماوي.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ ﴾ .

قال بعضهم: ما لم يحفظوا نظمه، ولا لفظه، ولا نظروا فيه، ولا تدبروا؛ ليعلموا معناه، بل كذبوه بالبديهة، والشيء إنما يعرف كذبه وصدقه بالنظر فيه والتفكر والتدبر، لا بالبديهة، فذلك - والله أعلم - تأويل قوله: ﴿ بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ ﴾ .

الثاني: ﴿ بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ ﴾ كذبوا على علم منهم أنهم كذبة فيما يقولون، ويتقولون: إنه مفترى ليس بمنزل ﴿ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ﴾ ، أي: ولما يأتهم العلم بتأويله، أي: بتأويل القرآن.

ومعناه - والله أعلم -: أنهم كذبوه من غير أن حفظوا نظمه، ووعوا لفظه، ولا أتاهم العلم بعاقبته وآخره.

وقيل: التأويل: هو رد كل شيء إلى أولية الأمر.

وقالت الحكماء: التأويل: آخر كل فعل هو قصد في أوله وقصد كل شيء في أوله هو آخر في فعله، أو نحوه.

وقال بعضهم: ﴿ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ﴾ قال: ما وعد الله أن يكون قبل أن يكون.

وقال ابن عباس -  -: تأويل القرآن بما يكون منه في الدنيا، وبما يكون منه يوم القيامة، وهو العذاب الذي وعد.

وقال بعضهم: ﴿ تَأْوِيلُهُ ﴾ : ثوابه.

وقيل: عاقبته.

وقال الواقدي: لم يأتهم عاقبة بيان ما وعد الله في القرآن في الآخرة من الوعيد.

وأصل التأويل: هو النظر إلى ما تئول عاقبة الأمر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذَلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ ، أي: كذلك كذب الأمم السالفة رسلهم، كما كذب كفار مكة رسولهم، أي: لست أنت بأول مكذب، بل كذب من كان قبلك من إخوانك؛ ليكون له التسلي عما هو فيه من تكذيبهم إياه، وردهم عليه أنه ينزل بهم ما نزل بأولئك إن هم أقاموا على ما هم عليه.

والثاني: أن يكون الخطاب وإن كان خارجاً لرسول الله  ، فهو راجع إلى قومه يأمرهم بالنظر فيما نزل بالأمم السالفة، وأن يتأملوا أحوالهم؛ ليكون ذلك سببا لزجرهم عما هم فيه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ بالتكذيب، أي: كيف يعاقبون ويعذبون، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنهُمْ مَّن يُؤْمِنُ بِهِ ﴾ قيل: من أهل مكة من يؤمن بهذا القرآن، ومنهم من لا يؤمن به، وهم كذلك كانوا، منهم من قد آمن به، ومنهم من لا يؤمن به، أي: من لم يؤمن به.

ويحتمل على الوعيد فيما يستقبل، أي: منهم: من أهل مكة من يؤمن بهذا القرآن، ومنهم من لا يؤمن به، وهم كذلك كانوا: منهم من قد آمن، ومنهم من لم يؤمن به.

قال بعضهم: هي في اليهود، ليست في أهل مكة، وظاهره أن يكون في كفار مكة، وعلى ذلك قول عامة أهل التأويل، كأن هذا يخرج على البشارة: أن منهم من يؤمن به؛ لئلا يقطع ويمنع دعاءهم، وأخبر أن منهم من لا يؤمن به، يؤيسه حتى لا يشتد حزنه على كفرهم.

وجائز أن يكون هذا [: أي: منهم من] قد يولد من بعد، ويؤمن به، ومنهم من يولد فلا يؤمن.

وقوله: ﴿ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِٱلْمُفْسِدِينَ ﴾ يشبه أن يكون معناه: أي: على علم بما يكون منهم من الفساد خلقهم وأنشأهم، وليس عن غفلة وجهل بالفساد، ولكن عن علم بذلك؛ لما لا يضره فساد مفسد، ولا ينفعه صلاح [من يصلح]، إنما عليهم ضرر فسادهم، ولهم منفعة صلاحهم.

ويحتمل أن يكون على الوعيد، أي: عالم بفسادهم، فيجزيهم جزاء فسادهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ ﴾ ، تأويله - والله أعلم - أي: إن كذبت فيما أخبرتكم: أنه جاء من عند الله، فـ ﴿ لِّي عَمَلِي ﴾ ، أي: جزاء عملي فيما أبلغكم، أي: فعلي وزر عملي، ﴿ وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ ﴾ ، أي: فعليكم جرم ما رددتم علي فيما بلغتكم عن الله، وهو كقوله: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَاْ بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُجْرِمُونَ  ﴾ ، أي: علي جرم ما افتريت إن افتريت، وعليكم جرم ما رددتم علي فيما بلغتكم عن الله.

ويحتمل: ما قاله أهل التأويل: ﴿ لِّي عَمَلِي ﴾ أي: لي ديني ﴿ وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ ﴾ أي: لكم دينكم.

﴿ أَنتُمْ بَرِيۤئُونَ مِمَّآ أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِيۤءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ .

تأويله - والله أعلم - أي: أنا لا أؤاخذ بما دنتم أنتم، ولا أنتم تؤاخذون بما دنت أنا وعملت، وهو كقوله: ﴿ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ...

﴾ الآية [الأنعام: 52]، وقوله: ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ...

﴾ الآية [النور: 54]، وقوله: ﴿ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ...

﴾ الآية [النور: 54]، وكقوله: ﴿ لاَّ تُسْأَلُونَ عَمَّآ أَجْرَمْنَا...

﴾ الآية [سبأ: 25].

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ ﴾ أخبر أن منهم من يستمع إليه، يعني: إلى رسول الله، وإلى ما يتلو من القرآن، [لكنه لا يؤمن، أخبر أنه] لا كل مستمع إلى شيء ينتفع بما يستمع أو يعقل ما يستمع ويفهم، إنما ينتفع بالاستماع ويعقل على قدر المقصود والحاجة إليه.

[ومنهم من كانوا ينهون من يستمعون لقبول القول منهم].

ومنهم من كان يستمع إليه؛ ليسمع غيره، كقوله: ﴿ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ  ﴾ .

ومنهم من كان يسمعه، ويطيعه في ذلك، فإذا خرج من عنده غيره وبدله كقوله: ﴿ وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ ٱلَّذِي تَقُولُ  ﴾ .

ومنهم من كان يستمع إليه؛ استهزاء منه، وطلب الطعن فيه والعيب، كانوا مختلفين في الاستماع، ثم نفى عنهم السمع والعقل والبصر؛ لوجهين: أحدهما: ما ذكرنا أنهم لما لم ينتفعوا بأسماعهم وعقولهم وأبصارهم وهذه الحواس انتفاع من ليست له هذه الحواس، [نفى عنهم ذلك؛ إذ هذه الحواس] إنما جعلت، لينتفع بها لا لتترك سدى لا ينتفع بها.

والثاني: كان العقل والسمع والبصر، وهذه يكون منها مكتسب بالاكتساب، ومنها ما يكون غريزة، فهم تركوا اكتساب الفعل الذي جعل مكتسباً فنفى عنهم؛ لما تركوا اكتساب ذلك.

ويحتمل نفي هذه الحواس لهذين الوجهين اللذين ذكرتهما، والله أعلم.

ثم نفى عمن لا يستمع العقل، حيث قال: ﴿ لاَ يَعْقِلُونَ ﴾ ، ونفى عنهم الاهتداء والإبصار بترك النظر، فقال: ﴿ أَفَأَنْتَ تَهْدِي ٱلْعُمْيَ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يُبْصِرُونَ ﴾ ؛ لأن بالبصر يوصل إلى اهتداء الطرق والسلوك فيها، ألا ترى أن البهائم قد تبصر الطرق، وتسلك بها، وتتقي بها المهالك، ولا تعقل، لما ليس لها العقل، فلا تعقل لما يسمع القلب بعقل، وبظاهر البصر تبصر الأشياء.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وما يصح لهذا القرآن أن يُخْتَلق، وينسب إلى غير الله لعجز الناس ضرورة عن الإتيان بمثله، ولكنَّه مصدق لما نزل من الكتب قبله، ومبيّن لما أجمل فيها من الأحكام، فهو لا شك فيه أنَّه منزل من رب المخلوقات سبحانه وتعالى.

<div class="verse-tafsir" id="91.d5WJ4"

مزيد من التفاسير لسورة يونس

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر