الآية ٣٩ من سورة يونس

الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ٣٩ من سورة يونس

بَلْ كَذَّبُوا۟ بِمَا لَمْ يُحِيطُوا۟ بِعِلْمِهِۦ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُۥ ۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلظَّـٰلِمِينَ ٣٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 84 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٩ من سورة يونس: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٩ من سورة يونس عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله ) يقول : بل كذب هؤلاء بالقرآن ، ولم يفهموه ولا عرفوه ، ( ولما يأتهم تأويله ) أي : ولم يحصلوا ما فيه من الهدى ودين الحق إلى حين تكذيبهم به جهلا وسفها ( كذلك كذب الذين من قبلهم ) أي : من الأمم السالفة ( فانظر كيف كان عاقبة الظالمين ) أي : فانظر كيف أهلكناهم بتكذيبهم رسلنا ظلما وعلوا ، وكفرا وعنادا وجهلا فاحذروا أيها المكذبون أن يصيبكم ما أصابهم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (39) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ما بهؤلاء المشركين يا محمد ، تكذيبك ولكن بهم التكذيب بما لم يحيطوا بعلمه ممَّا أنـزل الله عليك في هذا القرآن، (16) من وعيدهم على كفرهم بربهم ، (ولما يأتهم تأويله)، يقول: ولما يأتهم بعدُ بَيان ما يؤول إليه ذلك الوعيد الذي توعّدهم الله في هذا القرآن (17) ، (كذلك كذب الذين من قبلهم)، يقول تعالى ذكره: كما كذب هؤلاء المشركون ، يا محمد ، بوعيد الله، كذلك كذّب الأمم التي خلت قبلهم بوعيد الله إياهم على تكذيبهم رسلهم وكفرهم بربهم ، ( فانظر كيف كان عاقبة الظالمين) ، يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فانظر ، يا محمد ، كيف كان عُقْبى كفر من كفر بالله، ألم نهلك بعضهم بالرجفة ، وبعضهم بالخسْف وبعضهم بالغرق؟

(18) يقول: فإن عاقبة هؤلاء الذي يكذبونك ويجحدون بآياتي من كفار قومك، كالتي كانت عاقبة من قبلهم من كفرة الأمم، إن لم ينيبوا من كفرهم ، ويسارعوا إلى التوبة.

----------------------------- الهوامش : (16) انظر تفسير " الإحاطة " فيما سلف ص : 51 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .

(17) انظر تفسير " التأويل " فيما سلف 12 : 478 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(18) انظر تفسير " العاقبة " فيما سلف 13 : 43 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمينقوله تعالى بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه أي كذبوا بالقرآن وهم جاهلون بمعانيه وتفسيره ، وعليهم أن يعلموا ذلك بالسؤال ; فهذا يدل على أنه يجب أن ينظر [ ص: 256 ] في التأويل .وقوله ولما يأتهم تأويله أي ولم يأتهم حقيقة عاقبة التكذيب من نزول العذاب بهم .

أو كذبوا بما في القرآن من ذكر البعث والجنة والنار ، ولم يأتهم تأويله أي حقيقة ما وعدوا في الكتاب ; قاله الضحاك .

وقيل للحسين بن الفضل : هل تجد في القرآن " من جهل شيئا عاداه " قال نعم ، في موضعين : بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه وقوله : وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم .كذلك كذب الذين من قبلهم يريد الأمم الخالية ، أي كذا كانت سبيلهم .

والكاف في موضع نصب .فانظر كيف كان عاقبة الظالمين أي أخذهم بالهلاك والعذاب .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ولكن لما بان عجزهم تبين أن ما قالوه باطل، لا حظ له من الحجة، والذي حملهم على التكذيب بالقرآن المشتمل على الحق الذي لا حق فوقه، أنهم لم يحيطوا به علمًا‏.‏ فلو أحاطوا به علمًا وفهموه حق فهمه، لأذعنوا بالتصديق به، وكذلك إلى الآن لم يأتهم تأويله الذي وعدهم أن ينزل بهم العذاب ويحل بهم النكال، وهذا التكذيب الصادر منهم، من جنس تكذيب من قبلهم، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ‏}‏ وهو الهلاك الذي لم يبق منهم أحدًا‏.‏ فليحذر هؤلاء، أن يستمروا على تكذيبهم، فيحل بهم ما أحل بالأمم المكذبين والقرون المهلكين‏.‏ وفي هذا دليل على التثبت في الأمور، وأنه لا ينبغي للإنسان أن يبادر بقبول شيء أو رده، قبل أن يحيط به علمًا‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ) يعني : القرآن ، كذبوا به ولم يحيطوا بعلمه ، ( ولما يأتهم تأويله ) أي : عاقبة ما وعد الله في القرآن ، أنه يئول إليه أمرهم من العقوبة ، يريد : أنهم لم يعلموا ما يئول إليه عاقبة أمرهم .

( كذلك كذب الذين من قبلهم ) أي : كما كذب هؤلاء الكفار بالقرآن كذلك كذب الذين من قبلهم من كفار الأمم الخالية ، ( فانظر كيف كان عاقبة الظالمين ) آخر أمر المشركين بالهلاك .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه» أي القرآن ولم يتدبروه «ولما» لم «يأتهم تأويله» عاقبة ما فيه من الوعيد «كذلك» التكذيب «كذَّب الذين من قبلهم» رسلهم «فانظر كيف كان عاقبة الظالمين» بتكذيب الرسل أي آخر أمرهم من الهلاك فكذلك نُهلك هؤلاء.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

بل سارَعوا إلى التكذيب بالقرآن أول ما سمعوه، قبل أن يتدبروا آياته، وكفروا بما لم يحيطوا بعلمه من ذكر البعث والجزاء والجنة والنار وغير ذلك، ولم يأتهم بعدُ حقيقة ما وُعِدوا به في الكتاب.

وكما كذَّب المشركون بوعيد الله كذَّبت الأمم التي خلت قبلهم، فانظر -أيها الرسول- كيف كانت عاقبة الظالمين؟

فقد أهلك الله بعضهم بالخسف، وبعضهم بالغرق، وبعضهم بغير ذلك.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم انتقلت السورة الكريمة من توبيخهم على كذبهم وجحودهم ، إلى توبيخهم على جهلهم وغباوتهم فقال - تعالى - : ( بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ .

.

.

) .أى : أن هؤلاء الأشقياء لم يكتفوا بما قالوه فى شأن القرآن الكريم من أقاويل فاسدة ، بل هرولوا إلى تكذيب ما فيه من هدايات سامية ، وآداب عالية ، وأخبار صادقة ، بدون فهم أن تدبر ، وبدون انتظار لتفسير معانيه وأخباره التي لم يهتدوا إلى معرفتها بعد .قال صاحب الكشاف قوله ( بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ) أى : بل سارعوا إلى التكذيب بالقرآن قبل أن يفقهوه ويعلموا كنه أمره ، وقبل أن يتدبروه ويقفوا على تأويله ومعانيه ، وذلك لفرط نفورهم عما يخالف دينهم ، وشرادهم عن مفارقة دين آبائهم كالناشئ على التقليد من الحشوية ، إذا أحسن بكلمة لا توافق ما نشأ عليه وألفه ، وإن كانت أضوأ من الشمس فى ظهور الصحة وبيان الاستقامة أنكرها فى أول وهلة ، واشمأز منها قبل أن يحسن إدراكها بحاسة سمعه من غير فكر فى صحة أو فساد ، لأنه لم يشعر قلبه إلا صحة مذهبه ، وفساد ما عداه من المذاهب .

.فإن قلت : فما معنى التوقع فى قوله : ( وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ) قلت : معناه أنهم كذبوه به على البديهة قبل التدبر ومعرفة التأويل ، تقليدا للآباء ، وكذبوه بعد التدبر تمردا ، وعنادا فذمهم بالتسرع إلى التكذيب قبل العلم .ويجوز أن يكون معنى ( وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ) ولم يأتهم بعد تأويلما فيه من الإِخبار بالغيوب ، يعني أنه كتاب معجز من جهتين : من جهة إعجاز نظمه ، ومن جهة ما فيه من الإِخبار بالغيوب ، فتسرعوا إلى التكذيب به قبل أن ينظروا فى نظمه وبلوغه حد الإِعجاز ، وقبل أن يخبروا إخباره بالمغيبات وصدقه وكذبه .وقال الآلوسى : وعبر - سبحانه - بقوله : ( بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ ) دون أن يقال .

بل كذبوا به من غير أن يحيطوا بعلمه أو نحوه للإِيذان بكمال جهلهم به ، وأنهم لم يعلموه إلا بعنون عدم العلم به ، وبأن تكذيبهم به إنما هو بسبب عدم إحاطتهم بعلمه ، لما أن تعليق الحكم بالموصول مشعر بعلية ما فى حيز الصلة له ، وأصل الكلام بما لم يحيطوا به علما ، إلا أنه عدل منه إلى ما فى النظم الكريم لأنه أبلغ .ونفى إتيان التأويل بكلمة ( لما ) الدالة على توقع منفيها بعد نفي الإِحاطة بعلمة بكلمة " لم " لتأكيد الذم ، وتشديد التشنيع ، فإن الشناعة فى تكذيب الشيء ، قبل علمه المتوقع إتيانه أفحش منها فى تكذيبه قبل عمله مطلقا .وقوله ( كَذَلِكَ كَذَّبَ الذين مِن قَبْلِهِمْ فانظر كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظالمين ) تهديد لهم ووعيد على التمادي فى العناد .أى : كما كذب المشركون نبيهم محمدا - صلى الله عليه وسلم - عن جهل وجحود : كذب الذين من قبلهم أنبياءهم ، كقوم نوح وعاد وثمود ، فكانت نتيجة هذا التكذيب أن أخذهم الله - تعالى - أخذ غزيز مقتدر .قال - تعالى - : ( فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ الصيحة وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأرض وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ الله لِيَظْلِمَهُمْ ولكن كانوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

فيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنا حين شرعنا في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءايَةٌ مّن رَّبّهِ  ﴾ ذكرنا أن القوم إنما ذكروا ذلك لاعتقادهم أن القرآن ليس بمعجز، وأن محمداً إنما يأتي به من عند نفسه على سبيل الافتعال والاختلاق، ثم إنه تعالى ذكر الجوابات الكثيرة عن هذا الكلام، وامتدت تلك البيانات على الترتيب الذي شرحناه وفصلناه إلى هذا الموضع، ثم إنه تعالى بين في هذا المقام أن إتيان محمد عليه السلام بهذا القرآن ليس على سبيل الافتراء على الله تعالى، ولكنه وحي نازل عليه من عند الله، ثم إنه تعالى احتج على صحة هذا الكلام بقوله: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ افتراه قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّثْلِهِ ﴾ وذلك يدل على أنه معجز نازل عليه من عند الله تعالى، وأنه مبرأ عن الافتراء والافتعال فهذا هو الترتيب الصحيح في نظم هذه الآيات.

المسألة الثانية: قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ هذا القرءان أَن يفترى ﴾ فيه وجهان: الأول: أن قوله: ﴿ أَن يفترى ﴾ في تقدير المصدر، والمعنى: وما كان هذا القرآن افتراء من دون الله، كما تقول: ما كان هذا الكلام إلا كذباً.

والثاني: أن يقال إن كلمة ﴿ أن ﴾ جاءت هاهنا بمعنى اللام، والتقدير: ما كان هذا القرآن ليفترى من دون الله، كقوله: ﴿ وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنفِرُواْ كَافَّةً  ﴾ ﴿ مَّا كَانَ الله لِيَذَرَ المؤمنين...

وَمَا كَانَ الله لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الغيب  ﴾ أي لم يكن ينبغي لهم أن يفعلوا ذلك، فكذلك ما ينبغي لهذا القرآن أن يفترى، أي ليس وصفه وصف شيء يمكن أن يفترى به على الله، لأن المفترى هو الذي يأتي به البشر، والقرآن معجز لا يقدر عليه البشر، والافتراء افتعال من فريت الأديم إذا قدرته للقطع، ثم استعمل في الكذب كما استعمل قولهم: اختلف فلان هذا الحديث في الكذب، فصار حاصل هذا الكلام أن هذا القرآن لا يقدر عليه أحد إلا الله عز وجل، ثم إنه تعالى احتج على هذه الدعوى بأمور: الحجة الأولى: قوله: ﴿ ولكن تَصْدِيقَ الذي بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ وتقرير هذه الحجة من وجوه: أحدها: أن محمداً عليه السلام كان رجلاً أمياً ما سافر إلى بلدة لأجل التعلم، وما كانت مكة بلدة العلماء، وما كان فيها شيء من كتب العلم، ثم إنه عليه السلام أتى بهذا القرآن، فكان هذا القرآن مشتملاً على أقاصيص الأولين، والقوم كانوا في غاية العداوة له، فلو لم تكن هذه الأقاصيص موافقة لما في التوراة والإنجيل لقدحوا فيه ولبالغوا في الطعن فيه، ولقالوا له إنك جئت بهذه الأقاصيص لا كما ينبغي، فلما لم يقل أحد ذلك مع شدة حرصهم على الطعن فيه، وعلى تقبيح صورته، علمنا أنه أتى بتلك الأقاصيص مطابقة لما في التوراة والإنجيل، مع أنه ما طالعهما ولا تلمذ لأحد فيهما، وذلك يدل على أنه عليه السلام إنما أخبر عن هذه الأشياء بوحي من قبل الله تعالى.

الحجة الثانية: أن كتب الله المنزلة دلت على مقدم محمد عليه السلام، على ما استقصينا في تقريره في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ  ﴾ وإذا كان الأمر كذلك كان مجيء محمد عليه السلام تصديقاً لما في تلك الكتب، من البشارة بمجيئه صلى الله عليه وسلم، فكان هذا عبارة عن تصديق الذي بين يديه.

الحجة الثالثة: أنه عليه السلام أخبر في القرآن عن الغيوب الكثيرة في المستقبل، ووقعت مطابقة لذلك الخبر، كقوله تعالى: ﴿ الٓمٓ  غُلِبَتِ ٱلرُّومُ  ﴾ الآية، وكقوله تعالى: ﴿ لَّقَدْ صَدَقَ الله رَسُولَهُ الرؤيا بالحق  ﴾ وكقوله: ﴿ وَعَدَ الله الذين ءامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الارض  ﴾ وذلك يدل على أن الإخبار عن هذه الغيوب المستقبلة، إنما حصل بالوحي من الله تعالى، فكان ذلك عبارة عن تصديق الذي بين يديه، فالوجهان الأولان: إخبار عن الغيوب الماضية والوجه الثالث: إخبار عن الغيوب المستقبلة، ومجموعها عبارة عن تصديق الذي بين يديه.

النوع الثاني: من الدلائل المذكورة في هذه الآية قوله تعالى: ﴿ وَتَفْصِيلَ كُلّ شَيء ﴾ .

واعلم أن الناس اختلفوا في أن القرآن معجز من أي الوجوه؟

فقال بعضهم: إنه معجز لاشتماله على الإخبار عن الغيوب الماضية والمستقبلة، وهذا هو المراد من قوله: ﴿ تَصْدِيقَ الذي بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ ومنهم من قال: إنه معجز لاشتماله على العلوم الكثيرة، وإليه الإشارة بقوله: ﴿ وَتَفْصِيلَ كُلّ شَيء ﴾ وتحقيق الكلام في هذا الباب أن العلوم إما أن تكون دينية أو ليست دينية، ولا شك أن القسم الأول أرفع حالاً وأعظم شأناً وأكمل درجة من القسم الثاني.

وأما العلوم الدينية، فإما أن تكون علم العقائد والأديان، وإما أن تكون علم الأعمال.

أما علم العقائد والأديان فهو عبارة عن معرفة الله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر.

أما معرفة الله تعالى، فهي عبارة عن معرفة ذاته ومعرفة صفات جلاله، ومعرفة صفات إكرامه، ومعرفة أفعاله، ومعرفة أحكامه، ومعرفة أسمائه والقرآن مشتمل على دلائل هذه المسائل وتفاريعها وتفاصيلها على وجه لا يساويه شيء من الكتب، بل لا يقرب منه شيء من المصنفات.

وأما علم الأعمال فهو إما أن يكون عبارة عن علم التكاليف المتعلقة بالظواهر وهو علم الفقه.

ومعلوم أن جميع الفقهاء إنما استنبطوا مباحثهم من القرآن، وإما أن يكون علماً بتصفية الباطن أو رياضة القلوب.

وقد حصل في القرآن من مباحث هذا العلم ما لا يكاد يوجد في غيره، كقوله: ﴿ خُذِ العفو وَأْمُرْ بالعرف وَأَعْرِض عَنِ الجاهلين  ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان وَإِيتَآء ذِى القربى وينهى عَنِ الفحشاء والمنكر والبغى  ﴾ فثبت أن القرآن مشتمل على تفاصيل جميع العلوم الشريفة، عقليها ونقليها، اشتمالاً يمتنع حصوله في سائر الكتب فكان ذلك معجزاً، وإليه الإشارة بقوله: ﴿ وَتَفْصِيلَ الكتاب ﴾ .

أما قوله: ﴿ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبّ العالمين ﴾ فتقريره: أن الكتاب الطويل المشتمل على هذه العلوم الكثيرة لابد وأن يشتمل على نوع من أنواع التناقض، وحيث خلي هذا الكتاب عنه، علمنا أنه من عند الله وبوحيه وتنزيله، ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله لَوَجَدُواْ فِيهِ اختلافا كَثِيراً  ﴾ .

واعلم أنه تعالى لما ذكر في أول هذه الآية أن هذا القرآن لا يليق بحاله وصفته أن يكون كلاماً مفترى على الله تعالى، وأقام عليه هذين النوعين من الدلائل المذكورة، عاد مرة أخرى بلفظ الاستفهام على سبيل الإنكار، فقال: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ افتراه ﴾ ثم إنه تعالى ذكر حجة أخرى على إبطال هذا القول، فقال: ﴿ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّثْلِهِ وادعوا مَنِ استطعتم مّن دُونِ الله إِن كُنتُمْ صادقين ﴾ وهذه الحجة بالغنا في تقريرها في تفسير قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿ وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مّمَّا نَزَّلْنَا على عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّن مِّثْلِهِ وادعوا شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ الله إِن كُنتُمْ صادقين  ﴾ وهاهنا سؤالات: السؤال الأول: لم قال في سورة البقرة: ﴿ مّن مّثْلِهِ ﴾ وقال هاهنا: ﴿ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّثْلِهِ ﴾ .

والجواب: أن محمداً عليه السلام كان رجلاً أمياً، لم يتلمذ لأحد ولم يطالع كتاباً فقال في سورة البقرة: ﴿ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّن مِّثْلِهِ ﴾ يعني فليأت إنسان يساوي محمداً عليه السلام في عدم التلمذ وعدم مطالعة الكتب وعدم الاشتغال بالعلوم بسورة تساوي هذه السورة، وحيث ظهر العجز ظهر المعجز.

فهذا لا يدل على أن السورة في نفسها معجزة، ولكنه يدل على أن ظهور مثل هذه السورة من إنسان مثل محمد عليه السلام في عدم التلمذ والتعلم معجز، ثم إنه تعالى بين في هذه السورة أن تلك السورة في نفسها معجزة، فإن الخلق وإن تلمذوا وتعلموا وطالعوا وتفكروا، فإنه لا يمكنهم الإتيان بمعارضة سورة واحدة من هذه السور، فلا جرم قال تعالى في هذه الآية: ﴿ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّثْلِهِ ﴾ ولا شك أن هذا ترتيب عجيب في باب التحدي وإظهار المعجز.

السؤال الثاني: قوله: ﴿ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّثْلِهِ ﴾ هل يتناول جميع السور الصغار والكبار، أو يختص بالسور الكبار.

الجواب: هذه الآية في سورة يونس وهي مكية، فالمراد مثل هذه السورة، لأنها أقرب ما يمكن أن يشار إليه.

السؤال الثالث: أن المعتزلة تمسكوا بهذه الآية على أن القرآن مخلوق، قالوا: إنه عليه السلام تحدى العرب بالقرآن، والمراد من التحدي: أنه طلب منهم الإتيان بمثله، فإذا عجزوا عنه ظهر كونه حجة من عند الله على صدقه، وهذا إنما يمكن لو كان الإتيان بمثله صحيح الوجود في الجملة ولو كان قديماً لكان الإتيان بمثل القديم محالاً في نفس الأمر، فوجب أن لا يصح التحدي.

والجواب: أن القرآن اسم يقال بالاشتراك على الصفة القديمة القائمة بذات الله تعالى، وعلى هذه الحروف والأصوات، ولا نزاع في أن الكلمات المركبة من هذه الحروف والأصوات محدثة مخلوقة، والتحدي إنما وقع بها لا بالصفة القديمة.

أما قوله: ﴿ وادعوا مَنِ استطعتم مّن دُونِ الله إِن كُنتُمْ صادقين ﴾ فالمراد منه: تعليم أنه كيف يمكن الإتيان بهذه المعارضة لو كانوا قادرين عليها، وتقريره أن الجماعة إذا تعاونت وتعاضدت صارت تلك العقول الكثيرة كالعقل الواحد، فإذا توجهوا نحو شيء واحد، قدر مجموعهم على ما يعجز كل واحد منهم، فكأنه تعالى يقول: هب أن عقل الواحد والاثنين منكم لا يفي باستخراج معارضة القرآن فاجتمعوا وليعن بعضكم بعضاً في هذه المعارضة، فإذا عرفتم عجزكم حالة الاجتماع وحالة الانفراد عن هذه المعارضة، فحينئذ يظهر أن تعذر هذه المعارضة إنما كان لأن قدرة البشر غير وافية بها، فحينئذ يظهر أن ذلك فعل الله لا فعل البشر.

واعلم أنه قد ظهر بهذا الذي قررناه أن مراتب تحدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقرآن ستة، فأولها: أنه تحداهم بكل القرآن كما قال: ﴿ قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن على أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هذا القرءان لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا  ﴾ .

وثانيها: أنه عليه السلام تحداهم بعشر سور قال تعالى: ﴿ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ  ﴾ .

وثالثها: أنه تحداهم بسورة واحدة كما قال: ﴿ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّن مِّثْلِهِ  ﴾ .

ورابعها: أنه تحداهم بحديث مثله فقال: ﴿ فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مّثْلِهِ  ﴾ .

وخامسها: أن في تلك المراتب الأربعة، كان يطلب منهم أن يأتي بالمعارضة رجل يساوي رسول الله صلى الله عليه وسلم في عدم التلمذ والتعلم، ثم في سورة يونس طلب منهم معارضة سورة واحدة من أي إنسان سواء تعلم العلوم أو لم يتعلمها.

وسادسها: أن في المراتب المتقدمة تحدى كل واحد من الخلق، وفي هذه المرتبة تحدى جميعهم، وجوز أن يستعين البعض بالبعض في الإتيان بهذه المعارضة، كما قال: ﴿ وادعوا مَنِ استطعتم مّن دُونِ الله إِن كُنتُمْ صادقين ﴾ وهاهنا آخر المراتب، فهذا مجموع الدلائل التي ذكرها الله تعالى في إثبات أن القرآن معجز، ثم إنه تعالى ذكر السبب الذي لأجله كذبوا القرآن فقال: ﴿ بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِيهِمُ تَأْوِيلِهِ ﴾ واعلم أن هذا الكلام يحتمل وجوهاً: الوجه الأول: أنهم كلما سمعوا شيئاً من القصص قالوا: ليس في هذا الكتاب إلا أساطير الأولين ولم يعرفوا أن المقصود منها ليس هو نفس الحكاية بل أمور أخرى مغايرة لها: فأولها: بيان قدرة الله تعالى على التصرف في هذا العالم، ونقل أهله من العز إلى الذل ومن الذل إلى العز وذلك يدل على قدرة كاملة.

وثانيها: أنها تدل على العبرة من حيث إن الإنسان يعرف بها أن الدنيا لا تبقى، فنهاية كل متحرك سكون، وغاية كل متكون أن لا يكون، فيرفع قلبه عن حب الدنيا وتقوى رغبته في طلب الآخرة، كما قال: ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لاّوْلِى الالباب  ﴾ .

وثالثها: أنه صلى الله عليه وسلم لما ذكر قصص الأولين من غير تحريف ولا تغيير مع أنه لم يتعلم ولم يتلمذ، دل ذلك على أنه بوحي من الله تعالى، كما قال في سورة الشعراء بعد أن ذكر القصص ﴿ وَإِنَّهُۥ لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ  نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلْأَمِينُ  عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنذِرِينَ  ﴾ .

والوجه الثاني: أنهم كلما سمعوا حروف التهجي في أوائل السور ولم يفهموا منها شيئاً ساء ظنهم بالقرآن.

وقد أجاب الله تعالى عنه بقوله: ﴿ هُوَ الذي أَنزَلَ عَلَيْكَ الكتاب مِنْهُ آيات محكمات  ﴾ .

والوجه الثالث: أنهم رأوا أن القرآن يظهر شيئاً فشيئاً، فصار ذلك سبباً للطعن الرديء فقالوا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة فأجاب الله تعالى عنه بقوله: ﴿ كَذَلِكَ لِنُثَبّتَ بِهِ فُؤَادَكَ  ﴾ وقد شرحنا هذا الجواب في سورة الفرقان.

والوجه الرابع: أن القرآن مملوء من إثبات الحشر والنشر، والقوم كانوا قد ألفوا المحسوسات فاستبعدوا حصول الحياة بعد الموت، ولم يتقرر ذلك في قلوبهم، فظنوا أن محمداً عليه السلام إنما يذكر ذلك على سبيل الكذب، والله تعالى بين صحة القول بالمعاد بالدلائل القاهرة الكثيرة.

الوجه الخامس: أن القرآن مملوء من الأمر بالصلاة والزكاة وسائر العبادات، والقوم كانوا يقولون إله العالمين غني عنا وعن طاعتنا، وإنه تعالى أجل من أن يأمر بشيء لا فائدة فيه، فأجاب الله تعالى عنه بقوله: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خلقناكم عَبَثاً  ﴾ وبقوله: ﴿ إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لاِنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا  ﴾ وبالجملة فشبهات الكفار كثيرة، فهم لما رأوا القرآن مشتملاً على أمور ما عرفوا حقيقتها ولم يطلعوا على وجه الحكمة فيها لا جرم كذبوا بالقرآن، والحاصل أن القوم ما كانوا يعرفون أسرار الإلهيات، وكانوا يجرون الأمور على الأحوال المألوفة في عالم المحسوسات وما كانوا يطلبون حكمها ولا وجوه تأويلاتها، فلا جرم وقعوا في التكذيب والجهل، فقوله: ﴿ بَلْ كَذَّبُواْ لَّمّاً لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ ﴾ إشارة إلى عدم علمهم بهذه الأشياء، وقوله: ﴿ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ﴾ إشارة إلى عدم جدهم واجتهادهم في طلب تلك الأسرار.

ثم قال: ﴿ فانظر كَيْفَ كَانَ عاقبة الظالمين ﴾ والمراد أنهم طلبوا الدنيا وتركوا الآخرة، فلما ماتوا فاتتهم الدنيا والآخرة فبقوا في الخسار العظيم، ومن الناس من قال المراد منه عذاب الاستئصال وهو الذي نزل بالأمم الذين كذبوا الرسل من ضروب العذاب في الدنيا، قال أهل التحقيق قوله: ﴿ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ﴾ يدل على أن من كان غير عارف بالتأويلات وقع في الكفر والبدعة، لأن ظواهر النصوص قد يوجد فيها ما تكون متعارضة، فإذا لم يعرف الإنسان وجه التأويل فيها وقع في قلبه أن هذا الكتاب ليس بحق، أما إذا عرف وجه التأويل طبق التنزيل على التأويل فيصير ذلك نوراً على نور يهدي الله لنوره من يشاء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَمَا كَانَ هذا القرءان ﴾ افتراء ﴿ مِن دُونِ الله ولكن ﴾ كان ﴿ تَصْدِيقَ الذى بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ وهو ما تقدمه من الكتب المنزلة، لأنه معجز دونها فهو عيار عليها وشاهد لصحتها، كقوله تعالى: ﴿ هُوَ الحق مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ [فاطر: 31] .

وقرئ: ﴿ ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب ﴾ على: ولكن هو تصديق وتفصيل.

ومعنى وَمَا كَانَ أن يَفْتَرِى.

وما صحّ وما استقام، وكان محالاً أن يكون مثله في علو أمره وإعجازه مفتري ﴿ وَتَفْصِيلَ الكتاب ﴾ وتبيين ما كتب وفرض من الأحكام والشرائع، من قوله: ﴿ كتاب الله عَلَيْكُمْ ﴾ [النساء: 24] .

فإن قلت: بم اتصل قوله: ﴿ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبّ العالمين ﴾ قلت: هو داخل في حيز الاستدراك.

كأنه قال: ولكن كان تصديقاً وتفصيلاً منتفياً عنه الريب كائناً من رب العالمين.

ويجوز أن يراد: ولكن كان تصديقاً من رب العالمين وتفصيلاً منه لا ريب في ذلك، فيكون ﴿ مِن رَّبِّ العالمين ﴾ متعلقاً بتصديق وتفصيل، أو يكون ﴿ لاَ رَيْبَ فِيهِ ﴾ اعتراضاً، كما تقول: زيد لا شكّ فيه كريم ﴿ أَمْ يَقُولُونَ افتراه ﴾ بل أيقولون: اختلقه، على أن الهمزة تقرير لإلزام الحجة عليهم.

أو إنكار لقولهم واستبعاد.

والمعنيان متقاربان ﴿ قُلْ ﴾ إن كان الأمر كما تزعمون ﴿ فَأْتُواْ ﴾ أنتم على وجه الافتراء ﴿ بِسُورَةٍ مّثْلِهِ ﴾ فأنتم مثلي في العربية والفصاحة.

ومعنى ﴿ بِسُورَةٍ مّثْلِهِ ﴾ أي شبيهة به في البلاغة وحسن النظم.

وقرئ: ﴿ بسورة مثله ﴾ على الإضافة، أي: بسورة كتاب مثله ﴿ وادعوا ﴾ من دون الله ﴿ مَنِ استطعتم ﴾ من خلقه للاستعانة به على الإتيان بمثله: يعني: أنّ الله وحده هو القادر على أن يأتي بمثله لا يقدر على ذلك أحد غيره، فلا تستعينوه وحده، ثم استعينوا بكل من دونه ﴿ إِن كُنتُمْ صادقين ﴾ أنه افتراء ﴿ بَلْ كَذَّبُواْ ﴾ بل سارعوا إلى التكذيب بالقرآن، وفاجؤه في بديهة السماع قبل أن يفقهوه ويعلموا كنه أمره، وقبل أن يتدبروه ويقفوا على تأويله ومعانيه وذلك لفرط نفورهم عما يخالف دينهم وشرادهم عن مفارقة دين آبائهم، كالناشيء على التقليد من الحشوية، إذا أحسّ بكلمة لا توافق ما نشأ عليه وألفه- وإن كانت أضوأ من الشمس في ظهور الصحة وبيان الاستقامة- أنكرها في أوّل وهلة، واشمأز منها قبل أن يحسّ إدراكها بحاسّة سمعه من غير فكر في صحة أو فساد، لأنه لم يشعر قلبه إلاّ صحة مذهبه وفساد ما عداه من المذاهب.

فإن قلت: ما معنى التوقع في قوله: ﴿ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ﴾ ؟

قلت: معناه أنهم كذبوا به على البديهة قبل التدبر ومعرفة التأويل، تقليداً للآباء.

وكذبوه بعد التدبر، تمرداً وعناداً، فذمهم بالتسرع إلى التكذيب قبل العلم به، وجاء بكلمة التوقع ليؤذن أنهم علموا بعد علو شأنه وإعجازه لما كرّر عليهم التحدّي، ورازوا قواهم في المعارضة واستيقنوا عجزهم عن مثله، فكذبوا به بغياً وحسداً ﴿ كَذَلِكَ ﴾ أي مثل ذلك التكذيب ﴿ كَذَّبَ الذين مِن قَبْلِهِمْ ﴾ يعني قبل النظر في معجزات الأنبياء وقبل تدبرها من غير إنصاف من أنفسهم، ولكن قلدوا الآباء وعاندوا.

وقيل: هو في الذين كذبوا وهم شاكون.

ويجوز أن يكون معنى ﴿ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ﴾ ولم يأتهم بعد تأويل ما فيه من الإخبار بالغيوب أي عاقبته، حتى يتبين لهم أهو كذب أم صدق، يعني أنه كتاب معجز من جهتين: من جهة إعجاز نظمه، ومن جهة ما فيه من الإخبار بالغيوب، فتسرعوا إلى التكذيب به قبل أن ينظروا في نظمه وبلوغه حدّ الإعجاز، وقبل أن يخبروا أخباره بالمغيبات وصدقه وكذبه ﴿ وَمِنهُمْ مَّن يُؤْمِنُ بِهِ ﴾ يصدق به في نفسه، ويعلم أنه حق، ولكنه يعاند بالتكذيب.

ومنهم من يشكّ فيه لا يصدق به، أو يكون للاستقبال، أي: ومنهم من سيؤمن به ومنهم من سيصرّ ﴿ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بالمفسدين ﴾ بالمعاندين، أو المصرين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ بَلْ كَذَّبُوا ﴾ بَلْ سارَعُوا إلى التَّكْذِيبِ.

﴿ بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ﴾ بِالقُرْآنِ أوَّلَ ما سَمِعُوهُ قَبْلَ أنْ يَتَدَبَّرُوا آياتِهِ ويُحِيطُوا بِالعِلْمِ بِشَأْنِهِ، أوْ بِما جَهِلُوهُ ولَمْ يُحِيطُوا بِهِ عِلْمًا مِن ذِكْرِ البَعْثِ والجَزاءِ وسائِرِ ما يُخالِفُ دِينَهم.

﴿ وَلَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ﴾ ولَمْ يَقِفُوا بَعْدُ عَلى تَأْوِيلِهِ ولَمْ تَبْلُغْ أذْهانُهم مَعانِيَهُ، أوْ ولَمْ يَأْتِهِمْ بَعْدُ تَأْوِيلُ ما فِيهِ مِنَ الإخْبارِ بِالغُيُوبِ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ صِدْقٌ أمْ كَذِبٌ، والمَعْنى أنَّ القُرْآنَ مُعْجِزٌ مِن جِهَةِ اللَّفْظِ والمَعْنى ثُمَّ إنَّهم فاجَؤُوا تَكْذِيبَهُ قَبْلَ أنْ يَتَدَبَّرُوا نَظْمَهُ ويَتَفَحَّصُوا مَعْناهُ ومَعْنى التَّوَقُّعِ في لَمّا أنَّهُ قَدْ ظَهَرَ لَهم بِالآخِرَةِ إعْجازُهُ لَمّا كَرَّرَ عَلَيْهِمُ التَّحَدِّيَ فَزادُوا قُواهم في مُعارَضَتِهِ فَتَضاءَلَتْ دُونَها، أوْ لَمّا شاهَدُوا وُقُوعَ ما أخْبَرَ بِهِ طِبْقًا لِإخْبارِهِ مِرارًا فَلَمْ يُقْلِعُوا عَنِ التَّكْذِيبِ تَمَرُّدًا وعِنادًا.

﴿ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ أنْبِياءَهم.

﴿ فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ ﴾ فِيهِ وعِيدٌ لَهم بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ مَن قَبْلَهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ} بل سارعوا إلى التكذيب بالقرآن فى بديهة السمع قبل أن يفقهوه ويعلموا كنه أمره وقبل أن يتدبروه ويقفوا على تأويله ومعانيه وذلك لفرط نفورهم عما يخالف دينهم وشرادهم عن مفارقة دين آبائهم ومعنى التوقع في ولما يأتهم تأويله أنهم كذبوا به على البديهة قبل التدبر ومعرفة التأويل تقليداً للآباء وكذبوه بعد التدبر تمرداً وعناداً فذمهم بالتسرع إلى التكذيب قبل العلم به وجاء بكلمة التوقع ليؤذن أنهم علموا بعد علو شأنه وإعجازه لما كرر عليهم التحدي وجربوا قواهم في المعارضة وعرفوا عجزهم عن مثله فكذبوا به بغياً وحسداً {كذلك} مثل ذلك التكذيب {كَذَّبَ الذين مِن قَبْلِهِمْ} يعني كفار الأمم الماضية كذبوا رسلهم قبل النظر في معجزاتهم وقبل تدبرها عناداً وتقليداً للآباء ويجوز أن يكون معنى ولما يأتهم تأويله ولم يأتهم بعد تأويل ما فيه من الإخبار بالغيوب أي عاقبته حتى يتبين لهم أهو كذب أم صدق يعني أنه كتاب معجز من جهتين من جهة إعجاز نظمه ومن جهة ما فيه من الإخبار بالغيوب فتسرعوا إلى التكذيب به قبل أن ينظروا في نظمه وبلوغه حد الإعجاز وقبل أن يجربوا إخباره بالمغيبات

يونس (٣٩ _ ٤٥)

وصدقه وكذبه {فانظر كَيْفَ كَانَ عاقبة الظالمين}

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ﴾ قِيلَ: هو إضْرابٌ وانْتِقالٌ عَنْ إظْهارِ بُطْلانِ ما قالُوا في حَقِّ القُرْآنِ العَظِيمِ بِالتَّحَدِّي إلى إظْهارِهِ بِبَيانِ أنَّهُ كَلامٌ ناشِئٌ عَنْ عَدَمِ عِلْمِهِمْ بِكُنْهِ أمْرِهِ والِاطِّلاعِ عَلى شَأْنِهِ الجَلِيلِ فَما عِبارَةٌ عَنِ القُرْآنِ وهو المَرْوِيُّ عَنِ الحَسَنِ وعَلَيْهِ مُحَقِّقُو المُفَسِّرِينَ وقِيلَ: هي عِبارَةٌ عَمّا ذُكِرَ فِيهِ مِمّا يُخالِفُ دِينَهم كالتَّوْحِيدِ والبَعْثِ والجَزاءِ ولَيْسَ بِذاكَ سَواءٌ كانَتِ الباءُ لِلتَّعْدِيَةِ كَما هو المُتَبادَرُ أمْ لِلسَّبَبِيَّةِ والمُرادُ أنَّهم سارَعُوا إلى تَكْذِيبِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَتَدَبَّرُوا ما فِيهِ ويَقِفُوا عَلى ما في تَضاعِيفِهِ مِنَ الشَّواهِدِ الدّالَّةِ عَلى كَوْنِهِ كَما وصَفَ آنِفًا ويَعْلَمُوا أنَّهُ لَيْسَ مِمّا يُمْكِنُ أنْ يُؤْتى بِسُورَةٍ مِثْلِهِ والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِهَذا العُنْوانِ دُونَ أنْ يُقالَ: بَلْ كَذَّبُوا بِهِ مِن غَيْرِ أنْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ أوْ نَحْوِهِ لِلْإيذانِ بِكَمالِ جَهْلِهِمْ بِهِ وأنَّهم لَمْ يَعْلَمُوهُ إلّا بِعُنْوانِ عَدَمِ العِلْمِ بِهِ وبِأنَّ تَكْذِيبَهم بِهِ إنَّما هو بِسَبَبِ عَدَمِ إحاطَتِهِمْ بِعِلْمِهِ لِما أنَّ تَعْلِيقَ الحُكْمِ بِالمَوْصُولِ مُشْعِرٌ بِعِلِّيَّةِ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ لَهُ وأصْلُ الكَلامِ بِما لَمْ يُحِيطُوا بِهِ عِلْمًا إلّا أنَّهُ عَدَلَ عَنْهُ إلى ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ لِأنَّهُ أبْلَغُ ﴿ ولَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ﴾ عَطْفٌ عَلى الصِّلَةِ أوْ حالٌ مِنَ المَوْصُولِ أيْ ولَمْ يَقِفُوا بَعْدُ عَلى مَعانِيهِ الوَضْعِيَّةِ والعَقْلِيَّةِ المُنْبِئَةِ عَنْ عُلُوِّ شَأْنِهِ وسُطُوعِ بُرْهانِهِ فالتَّأْوِيلُ نَوْعٌ مِنَ التَّفْسِيرِ والإتْيانُ مَجازٌ عَنِ المَعْرِفَةِ والوُقُوفِ ولَعَلَّ اخْتِيارَهُ لِلْإشْعارِ بِأنَّ تِلْكَ المَعانِيَ مُتَوَجِّهَةٌ إلى الأذْهانِ مُنْساقَةٌ إلَيْها بِنَفْسِها وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالتَّأْوِيلِ وُقُوعُ مَدْلُولِهِ وهو عاقِبَتُهُ وما يَؤُولُ إلَيْهِ وهو المَعْنى الحَقِيقِيُّ عِنْدَ بَعْضٍ فَإتْيانُهُ حِينَئِذٍ مَجازٌ عَنْ تَبَيُّنِهِ وانْكِشافِهِ أيْ ولَمْ يَتَبَيَّنْ لَهم إلى الآنَ تَأْوِيلُ ما فِيهِ مِنَ الأخْبارِ بِالغُيُوبِ حَتّى يَظْهَرَ أنَّهُ صِدْقٌ أمْ كَذِبٌ والمَعْنى أنَّ القُرْآنَ مُعْجِزٌ مِن جِهَةِ النَّظْمِ والمَعْنى ومِن جِهَةِ الإخْبارِ بِالغَيْبِ وهم فاجَئُوا تَكْذِيبَهُ قَبْلَ أنْ يَتَدَبَّرُوا نَظْمَهُ ويَتَفَكَّرُوا في مَعْناهُ أوْ يَنْتَظِرُوا وُقُوعَ ما أخْبَرَ بِهِ مِنَ الأُمُورِ المُسْتَقْبَلَةِ ونَفْيُ إتْيانِ التَّأْوِيلِ بِكَلِمَةِ (لَمّا) الدّالَّةِ عَلى تَوَقُّعِ مَنفِيِّها بَعْدَ نَفْيِ الإحاطَةِ بِعِلْمِهِ بِكَلِمَةِ (لَمْ) لِتَأْكِيدِ الذَّمِّ وتَشْدِيدِ التَّشْنِيعِ فَإنَّ الشَّناعَةَ في تَكْذِيبِ الشَّيْءِ قَبْلَ عِلْمِهِ المُتَوَقَّعِ إتْيانُهُ أفْحَشُ مِنها في تَكْذِيبِهِ قَبْلَ عِلْمِهِ مُطْلَقًا وادَّعى بَعْضُهم أنَّ الإضْرابَ عَنِ التَّكْذِيبِ عِنادًا المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ قُلْ فَأْتُوا ﴾ إلَخْ فَإنَّ الإلْزامَ إنَّما يَأْتِي بَعْدَ ظُهُورِ العَجْزِ ومَعْنى هَذا الإضْرابِ ذَمُّهم عَلى التَّقْلِيدِ وتَرْكُ النَّظَرِ مَعَ التَّمَكُّنِ مِنهُ وهو أدْخَلُ في الذَّمِّ مِنَ العِنادِ مِن وجْهٍ وذَلِكَ لِأنَّ التَّقْلِيدَ اعْتِرافٌ مِن صاحِبِهِ بِالقُصُورِ في الفِطْنَةِ ثُمَّ لا يُعْذَرُ فِيهِ فَلا يَرْتَضِي ذُو عَقْلٍ أنْ يُقَلِّدَ رَجُلًا مِثْلَهُ مِن غَيْرِ تَقَدُّمٍ عَلَيْهِ بِفِطْنَةٍ وتَجْرِبَةٍ وأمّا العِنادُ فَقَدْ يَحْمَدُهُ بَعْضُ النُّفُوسِ الأبِيَّةِ بَلْ في إشْعارِهِمْ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم مُفْتَخِرُونَ بِذَلِكَ كَقَوْلِهِمْ فَعانِدْ مَن تُطِيقُ لَهُ عِنادًا ولا يَرِدُ أنَّ العِنادَ لَمّا كانَ بَعْدَ العِلْمِ كانَ أدْخَلَ في الذَّمِّ فَلا نُسَلِّمُ أنَّهُ أدْخَلَ فِيهِ مِنَ التَّقْلِيدِ بَلْ مِنَ الجَهْلِ قَبْلَ التَّدَبُّرِ دُونَ اقْتِرانِ التَّقْلِيدِ بِهِ وإنْ سَلِمَ فَهَذا أيْضًا أدْخَلُ مِن وجْهٍ وقَدْ جُعِلَ مَصَبُّ الإنْكارِ عَلى جَمْعِهِمْ بَيْنَ الأمْرَيْنِ والجَمْعُ عَلى كُلِّ حالٍ أدْخَلُ مِنَ التَّفَرُّدِ بِواحِدٍ صَحَّ الإضْرابُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: دَعْ تَحَدِّيَهم وإلْزامَهم فَإنَّهم لا يَسْتَأْهِلُونَ الخِطابَ لِأنَّهم مُقَلِّدُونَ مُتَهافِتُونَ في الأمْرِ لا عَنْ خَبَرٍ وحِجًى وقَدْ ذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ في هَذا المَقامِ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ الوَجْهُ الأوَّلُ أنَّ التَّقْدِيرَ أمْ كَذَّبُوا وقالُوا وهو مُفْتَرًى بَعْدَ العِلْمِ بِإعْجازِهِ عِنادًا بَلْ كَذَّبُوا بِهِ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَهُمُ العِلْمُ بِوَجْهِ إعْجازِهِ أيْضًا فَهم مُسْتَمِرُّونَ عَلى التَّكْذِيبِ في الحالَيْنِ مَذْمُومُونَ بِهِ مَوْسُومُونَ بِرَذِيلَتَيِ التَّقْلِيدِ والعِنادِ جامِعُونَ بَيْنَهُما بِالنِّسْبَةِ إلى وقْتَيْنِ ووَجْهُ ذَلِكَ بِأنَّ ﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ﴾ صَرِيحٌ في تَكْذِيبِهِمْ قَبْلَ العِلْمِ بِوَجْهِ الإعْجازِ ﴿ ولَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ﴾ يَدُلُّ عَلى امْتِدادِ هَذا التَّكْذِيبِ إلى مَجِيءِ التَّأْوِيلِ المُنْتَظَرِ بِالنِّسْبَةِ إلى تَكْذِيبِهِمْ قَبْلَ لا بِالنِّسْبَةِ إلى زَمانِ الإخْبارِ فَإنَّ التَّأْوِيلَ أيْضًا واقِعٌ وحِينَئِذٍ إمّا أنْ يَكُونَ التَّكْذِيبُ قَدْ زالَ فَلا يُتَوَجَّهُ عَلَيْهِمُ الذَّمُّ بِالتَّكْذِيبِ الأوَّلِ وإمّا أنْ يَكُونَ مُسْتَمِرًّا وهو الواجِبُ لِيَصِحَّ كَوْنُهُ وارِدًا ذَمًّا لَهم بِالتَّسَرُّعِ إلى التَّكْذِيبِ الَّذِي هو مَنطُوقُ النَّصِّ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ العَطْفُ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ ﴾ ويَكُونُ ذَلِكَ لِبَيانِ أنَّهم كَذَّبُوا عَنْ عِلْمٍ وهَذا لِبَيانِ تَكْذِيبِهِمْ قَبْلَهُ أيْضًا ويَكُونُ الجِهَتانِ مَنظُورَتَيْنِ وأنَّهم مَذْمُومُونَ فِيهِما.

والحاصِلُ أنَّ ﴿ أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ ﴾ لا مِرْيَةَ فِيهِ أنَّهُ تَكْذِيبٌ بَعْدَ العِلْمِ لِمَكانِ الأمْرِ بَعْدَهُ.

لَكِنْ لَما جُعِلَ التَّوَقُّعُ المُفادُ بِلَمّا لِعِلْمِ الإعْجازِ لَزِمَ أنْ يَكُونَ بِالنِّسْبَةِ إلى حالِهِمُ الأُولى وهو التَّكْذِيبُ قَبْلَ العِلْمِ فَإنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ يَتَوَقَّعُ زَوالَهُ بِالعِلْمِ ويَكُونُ مَعْنى المُبالَغَةِ في (لَمّا) الإشْعارِ بِاسْتِغْراقِ الوَقْتِ لِلتَّكْذِيبِ إلى زَمانِ التَّأْوِيلِ المُنْتَظَرِ الواقِعِ الَّذِي كَذَّبُوا فِيهِ عِنادًا وبَغْيًا الوَجْهُ الثّانِي حَمْلُ التَّأْوِيلِ عَلى المَعْنى الثّانِي الَّذِي ذَكَرْناهُ والمَعْنى بَلْ سارَعُوا إلى التَّكْذِيبِ قَبْلَ الإحاطَةِ بِعِلْمِهِ لِيَعْرِفُوا إعْجازَ نَظْمِهِ وقِيلَ: إتْيانُ التَّأْوِيلِ المُنْتَظَرِ وهو ما يُؤَوَّلُ إلَيْهِ مِنَ الصِّدْقِ في الأخْبارِ بِالمُغَيَّباتِ والمَقْصُودُ مِن هَذا ذَمُّهم بِالتَّسارُعِ إلى التَّكْذِيبِ مِنَ الوَجْهَيْنِ لَكِنْ لَمّا كانَ مَعَ الوَجْهَيْنِ عِلْمُ ما يَتَضَمَّنُهُ لَوْ يَدَبِّرُوا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَيْءٌ مُنْتَظَرٌ والثّانِي لَمّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ كانَ فِيهِ أمْرٌ مُنْتَظَرٌ وأتى بِحَرْفِ التَّوَقُّعِ دَلِيلًا عَنْ أنَّ هَذا المُنْتَظَرَ كائِنٌ وسَيَظْهَرُ أنَّهم مُبْطِلُونَ فِيهِ أيْضًا كالأوَّلِ ولا نَظَرَ إلى أنَّهم مَذْمُومُونَ حالَتَيِ العِنادِ والتَّقْلِيدِ بَلِ المَقْصُودُ كَمالُ إظْهارِ الإلْزامِ بِأنَّهُ مَفْرُوغٌ عَنْهُ مَعَ أمْثالِهِمْ لِلتَّهافُتِ المَذْكُورِ الوَجْهُ الثّالِثُ أنَّ ﴿ أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ ﴾ ذَمٌّ لِطائِفَةٍ كَذَّبُوا عَنْ عِلْمٍ وهَذا ذَمٌّ لِأُخْرى كَذَّبَتْ عَنْ شَكٍّ ولَمّا وُجِدَ فِيما بَيْنَهُمُ القِسْمانِ أُسْنِدَ الكُلُّ إلى الكُلِّ ولَيْسَ بِدْعًا في القُرْآنِ، والغَرَضُ مِنَ الإضْرابِ تَعْمِيمُ التَّكْذِيبِ وإنَّهُ كانَ الواجِبُ عَلى الشّاكِّ التَّوَقُّفَ لا التَّسَرُّعَ إلى التَّكْذِيبِ ومَعْنى التَّوَقُّعِ أنَّهُ سَيَزُولُ شَكُّهم فَسَيَعْلَمُ بَعْضُهم ويَبْقى بَعْضٌ عَلى ما هو عَلَيْهِ والآيَةُ ساكِتَةٌ عَنِ التَّفْصِيلِ ناطِقَةٌ بِزَوالِ الشَّكِّ ولا خَفاءَ أنَّ الشّاكَّ يَنْتَظِرُ وكَذَلِكَ كانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَتَوَقَّعُ زَوالَ شَكِّهِمْ.

انْتَهى، ولا يَخْفى أنَّ ما نَقَلْنا أوَّلًا أوْلى بِالقَبُولِ عِنْدَ ذَوِي العُقُولِ وأوْرَدَ عَلى دَعْوى أنَّ ﴿ أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ ﴾ تَكْذِيبٌ بَعْدَ العِلْمِ أنَّها ناشِئَةٌ مِن عَدَمِ العِلْمِ وما سِيقَ لِإثْباتِها في حَيِّزِ المَنعِ فَإنَّ الِالتِزامَ بَعْدَ التَّحَدِّي وذَلِكَ القَوْلُ قَبْلَهُ وكَوْنُهُ مَسْبُوقًا بِالتَّحَدِّي الوارِدِ في سُورَةِ البَقَرَةِ يَرُدُّهُ أنَّها مَدَنِيَّةٌ وهَذِهِ مَكِّيَّةٌ نَعَمْ رُبَّما يُقالُ في الِاسْتِدْلالِ عَلى كَوْنِ ذَلِكَ القَوْلِ بَعْدَ العِلْمِ بِوُقُوعِ حِكايَتِهِ في النَّظْمِ الكَرِيمِ بَعْدَ حِكايَةِ الإشارَةِ إلى مَضْمُونِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ ﴾ ورَدَّهُ بِما سَمِعْتَهُ هُناكَ حَسْبَما قَرَّرَهُ الجُمْهُورُ وبَيانُ ذَلِكَ أنَّهم نُقِلَ عَنْهم أوَّلًا الإشارَةُ إلى نِسْبَةِ الِافْتِراءِ إلى سَيِّدِ الصّادِقِينَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ثُمَّ نُقِلَ عَنْهُمُ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ والظّاهِرُ أنَّ الأمْرَ حَسْبَما نُقِلَ لِكَثْرَةِ وُقُوعِ التَّصْرِيحِ بَعْدَ الإشارَةِ وقَدْ تَخَلَّلَ رَدُّ ما أشارُوا إلَيْهِ في البَيْنِ فَيُحْتَمَلُ أنَّهم عَقَلُوهُ وعَلِمُوا الحَقَّ لَكِنَّهم لَمْ يُقِرُّوا بِهِ عِنادًا وبَغْيًا فَصَرَّحُوا بِما صَرَّحُوا فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنهم بَعْدَ العِلْمِ ولِتَرَقِّيهِمْ مِنَ الإشارَةِ إلى التَّصْرِيحِ تَرَقّى في إلْزامِهِمْ فَإنَّ هَذا التَّحَدِّيَ أظْهَرُ في الإلْزامِ مِمّا تَقَدَّمَ كَما هو ظاهِرٌ لَكِنْ لِلْمُناقَشَةِ في هَذا مَجالٌ ويَخْطِرُ بِالبالِ أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الإضْرابُ عَنْ ذَمِّهِمْ بِالتَّكْذِيبِ بِالقُرْآنِ إلى ذَمِّهِمْ بِالمُسارَعَةِ إلى تَكْذِيبِ ما لَمْ يُحِيطُوا بِهِ عِلْمًا وأنَّ الوُقُوفَ عَلى العِلْمِ بِهِمْ مُتَوَقَّعٌ سَواءٌ كانَ قُرْآنًا أوْ غَيْرَهُ فَما عامَّةٌ لِلْأمْرَيْنِ ويَدْخُلُ القُرْآنُ في العُمُومِ دُخُولًا أوَّلِيًّا ولَعَلَّهُ أوْلى مِمّا قِيلَ: إنَّهُ إضْرابٌ عَنْ مُقَدَّرٍ ويَنْبَغِي أنَّ تُسَمّى بَلْ هَذِهِ فَصِيحَةً فَإنَّ المَعْنى فَما أجابُوا أوْ ما قَدَرُوا أنْ يَأْتُوا بَلْ كَذَّبُوا إلَخْ ﴿ كَذَلِكَ ﴾ أيْ مِثْلَ تَكْذِيبِهِمْ مِن غَيْرِ تَدَبُّرٍ وتَأمُّلٍ ﴿ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ أيْ فَعَلُوا التَّكْذِيبَ أوْ كَذَّبُوا أنْبِياءَهم فِيما أتَوْا بِهِ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ 39﴾ خِطابٌ لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عامًّا لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ، والمُرادُ بِالظّالِمِينَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ووَضْعُ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلْإيذانِ بِكَوْنِ التَّكْذِيبِ ظُلْمًا وبِعِلْيَتِهِ لِإصابَةِ ما أصابَهم مِن سُوءِ العاقِبَةِ وبِدُخُولِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ حَكى عَنْهم ما حَكى في زُمْرَتِهِمْ جُرْمًا ووَعِيدًا دُخُولًا أوَّلِيًّا والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى مَحْذُوفٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الكَلامُ أيْ فَأهْلَكْناهم فانْظُرْ إلَخْ وكَيْفَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ خَبَرُ كانَ وقَدْ يُتَصَرَّفُ فِيها فَتُوضَعُ مَوْضِعَ المَصْدَرِ وهو كَيْفِيَّةٌ ويُخْلَعُ عَنْها مَعْنى الِاسْتِفْهامِ بِالكُلِّيَّةِ وهي هُنا تَحْتَمِلُ ذَلِكَ وكَذا قَوْلُ البُخارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: كَيْفَ كانَ بَدْءُ الوَحْيِ كَما قالَ السَّمِينُ ونُقِلَ عَنْهُ أنَّ فِعْلَ النَّظَرِ مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ لِمَكانِ كَيْفَ لِأنَّهم عامَلُوها في كُلِّ مَوْضِعٍ مُعامَلَةَ الِاسْتِفْهامِ المَحْضِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال: وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا، يعني: لا يستيقنون أن اللات والعزى آلهة إلا بالظن، ومعناه: أنهم يتركون عبادة الله وهو الحق، لأنهم يقرون بأن الله خالقهم، فيتركون الحق ويتبعون الظن.

إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً، يعني: علمهم لا يغني من عذاب الله شيئا، ويقال: وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ يعني: ما قذف الشيطان في أوهامهم لا يستطيعون أن يدفعوا الباطل بالحق.

ويقال: وَما يَتَّبِعُ يعني: وما يعمل أكثرهم إِلَّا ظَنًّا يظنون في غير يقين وهم الرؤساء، وأما السفلة فيطيعون رؤساءهم إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً.

إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ من عبادتهم الأصنام وما يقولون من القول المختلق والكذب.

ثم قال: وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى، يعني: لهذا القرآن أن يختلق مِنْ دُونِ اللَّهِ تعالى.

وقال القتبي: أي وما كان هذا القرآن أن يضاف إلى غير الله أو يختلق، وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ يعني: نزل بتصديق الذي بَيْنَ يَدَيْهِ من التوراة والإنجيل.

ويقال: معناه، ولكن بتصديق النبي الذي أنزل القرآن الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ يعني: الذي هو قبل سماعكم، لأن القرآن تصديق لما جاء من أنباء الأمم السابقة وأقاصيص أنبيائهم، وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ يعني: بيان كل شيء، ويقال: بيان الحلال والحرام.

لاَ رَيْبَ فِيهِ، يعني: لا شك فيه عند المؤمنين إنه نزل مِن عند رَبِّ الْعالَمِينَ.

قوله تعالى: أَمْ يَقُولُونَ يعني: أيقولون افتراه؟

وهم كفار مكة.

افْتَراهُ يقول: تقوّله من تلقاء ذات نفسه.

قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ، يعني: مثل القرآن وَادْعُوا، يعني: استعينوا على ذلك مَنِ اسْتَطَعْتُمْ ممن تعبدون.

مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ بأنه تقوَّله من تلقاء نفسه.

فلما قال لهم ذلك، سكتوا ولم يجيبوا، فنزل قوله: بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ، يعني: بما لم يعلموا بِعِلْمِهِ، يعني: القرآن لم يعلموا بما فيه.

ويقال: لم يعلموا ما عليهم بتكذيبهم.

وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ، يعني: ولما يأتهم عاقبة ما وعدوا في هذا القرآن، يعني: سيأتيهم ما وعد لهم، وهو كائن في الدنيا بالعذاب، وفي الآخرة بالنار.

ثم قال: كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، يعني: هكذا كذب الأمم الخالية رسلهم.

فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ، يعني: كيف صار جزاء المكذبين لرسلهم.

فيه تعزية لرسول الله  ، وحثّ له على الصبر، وتخويف لهم بالعقوبة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ: أي: يبيِّن طرق الصواب، ثم وصف الأصنام بأنها لا تَهْدِي إِلا أنْ تُهْدَى.

وقوله: إِلَّا أَنْ يُهْدى: فيه تَجوُّز، لأنا نجدها لا تُهْدَى وإِنْ هُدِيَتْ، وقال بعضهم: هي عبارة عن أنها لا تنتقلُ إِلا أنْ تُنْقَلَ، ويحتمل أنْ يكون ما ذَكَرَ اللَّه مِنْ تسبيح الجمادَاتِ هو اهتداؤها، وقرأ نافع وأبو عمرو: «يَهْدِّي» «١» - بسكون الهاء، وتشديد الدَّال-، وقرأ ابن كثير وابنُ عامر: يَهَدِّي- بفتح الياء/ والهاء، وتشديد الدَّال «٢» - وهذه رواية وَرْشٍ عن نافعٍ، وقرأ حمزة والكسائي: «يَهْدِي» - بفتح الياءِ، وسكون الهاء «٣» - ومعنى هذه القراءة: أَمَّنْ لا يَهْدِي أَحداً إِلا أَن يُهْدى ذلك الأَحْدُ، ووقف القُرَّاء: فَما لَكُمْ، ثم يبدأ: كَيْفَ تَحْكُمُونَ.

وقوله سبحانه: وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا ...

الآية: أخبر اللَّه سبحانه عن فساد طريقتهم، وضَعْفِ نَظَرِهم، وأنه ظَنٌّ، ثم بيَّن منزلة الظنِّ من المعارف، وبعده عن الحقّ.

وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٣٧) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣٨) بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٣٩) وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ (٤٠)

وقوله سبحانه: وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ: هذا ردٌّ لقول من يقول: إنّ محمدا يفتري القرآن، والَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ: التوراةُ والإِنجيل، وهم يقطعون أنَّه لم يطالِعْ تلك الكُتُب، ولا هي في بلده، ولا في قومه، وتَفْصِيلَ الْكِتابِ هو تبيينه.

وقوله: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ ...

الاية: «أم» هذه ليست بالمعادلة لهمزة الاستفهام،

في قوله: أزيْدٌ قام أمْ عمرو؟

ومذهَبُ سِيبَوَيْهِ: أنها بمنزلة «بَلْ» ثم عجَّزهم سبحانه بقوله:

قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ ...

الآية: والتحدِّي في هذه الآية عند الجُمْهُور وقَعَ بجهتَي الإِعجاز اللَّتَيْنِ في القرآنِ:

إِحْداهما: النَّظْم والرَّصْف والإِيجازُ وَالجَزَالَة، كلُّ ذلك في التعريف.

والأُخرَى: المعاني مِنَ الغَيْبِ لِمَا مَضَى، ولما يُسْتَقْبَلُ.

وحين تحدَّاهم ب «عَشْرٍ مفترياتٍ» إِنما تحدَّاهم بالنَّظْم وحْده، ثم قال ع «١» :

هذا قول جماعة المتكلِّمين، ثم اختار أنَّ الإِعجاز في الآيتين إِنما وقع في النَّظْمِ لا في الإِخبارِ بالغُيُوبِ.

ت: والصوابُ ما تَقَدَّم للجمهور، وإليه رَجَعَ في «سورة هود» وأوجُهُ إِعجاز القرآن أَكْثَرُ من هذا وانظر «الشِّفَا» .

وقوله: مَنِ اسْتَطَعْتُمْ: إِحالةٌ على شركائهم.

وقوله سبحانه: بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ...

الآية: المعنى: ليس الأمر كما قالوا مِنْ أنه مفترًى، بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ، أي:

تفسيره، وبيانُهُ، ويحتمل أنْ يريد بما لم يأتهم تأويله، أي: ما يؤول إليه أمره كما هو في قوله: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ [الأعراف: ٥٣] وعَلَى هذا، فالآيةُ تتضمَّن وعيداً، والَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ: مَنْ سلف من أمم الأنبياء.

وقوله سبحانه: وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ ...

الآية: أيْ: ومِنْ قريشٍ مَنْ يؤمن بهذا الرسُولِ، ولهذا الكلام معنيان:

قالتْ فرقة: معناه: مِنْ هؤلاء القومِ مَنْ سيؤمن في المستقبل، ومِنْهُم من حَتَمَ اللَّه عَلَيْهِ أنَّه لا يؤمن به أبداً.

وقالتْ فرقة: معناه: ومنهم مَنْ يؤمن بهذا الرسُولِ إِلاَّ أنَّه يَكْتُم إِيمانه حفظا لرياسته، أو خوفاً مِنْ قومه، كالفِتْية الذين قُتِلُوا مع الكُفَّار بِبَدْرٍ.

قال ع «٢» : وفائدة الآية على هذا التأويل: التفريقُ لكلمة الكُفَّار، وإِضعافُ

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِ ما فِيهِ ذِكْرُ الجَنَّةِ والنّارِ والبَعْثِ والجَزاءِ.

والثّانِي: بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِ التَّكْذِيبِ بِهِ، لِأنَّهم شاكُّونَ فِيهِ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَلَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: تَصْدِيقُ ما وُعِدُوا بِهِ مِنَ الوَعِيدِ.

والتَّأْوِيلُ: ما يَؤُولُ إلَيْهِ الأمْرُ.

والثّانِي: ولَمْ يَكُنْ مَعَهم عِلْمُ تَأْوِيلِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قِيلَ لِسُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ: يَقُولُ النّاسُ: كُلُّ إنْسانٍ عَدُوٌّ ما جَهِلَ، فَقالَ: هَذا في كِتابِ اللَّهِ.

قِيلَ: أيْنَ ؟

فَقالَ: ﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ﴾ .

وَقِيلَ لِلْحُسَيْنِ بْنِ الفَضْلِ: هَلْ تَجِدُ في القُرْآنِ: مَن جَهِلَ شَيْئًا عاداهُ ؟

فَقالَ: نَعَمْ، في مَوْضِعَيْنِ.

قَوْلُهُ: ﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿ وَإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذا إفْكٌ قَدِيمٌ  ﴾ <div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ولَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظالِمِينَ ﴾ ﴿ وَمِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ ومِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ ورَبُّكَ أعْلَمُ بِالمُفْسِدِينَ ﴾ ﴿ وَإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي ولَكم عَمَلُكم أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ وأنا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُمَّ ولَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ ﴾ ﴿ وَمِنهم مَن يَنْظُرُ إلَيْكَ أفَأنْتَ تَهْدِي العُمْيَ ولَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ ﴾ المَعْنى: لَيْسَ الأمْرُ كَما قالُوا في أنَّهُ مُفْتَرًى، ﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ﴾ ، وهَذا اللَفْظُ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ؛ أحَدُهُما: أنْ يُرِيدَ بِها الوَعِيدَ الَّذِي تَوَعَّدَهُمُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى الكُفْرِ، و"تَأْوِيلُهُ" -عَلى هَذا- يُرادُ بِهِ ما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إلا تَأْوِيلَهُ  ﴾ ، والآيَةُ بِجُمْلَتِها -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- تَتَضَمَّنُ وعِيدًا، والمَعْنى الثانِي: أنَّهُ أرادَ: بَلْ كَذَّبُوا بِهَذا القُرْآنِ العَظِيمِ المُنَبِّئِ بِالغُيُوبِ الَّذِي لَمْ تَتَقَدَّمْ لَهم بِهِ مَعْرِفَةٌ، ولا أحاطُوا بِعِلْمِ غُيُوبِهِ وحُسْنِ نَظْمِهِ، ولا جاءَهم تَفْسِيرُ ذَلِكَ وبَيانُهُ.

و ﴿ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ يُرِيدُ مَن سَلَفَ مِن أُمَمِ الأنْبِياءِ، قالَ الزَجّاجُ: "كَيْفَ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى خَبَرِ "كانَ"، ولا يَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ فِيها "فانْظُرْ" لِأنَّ ما قَبْلَ الِاسْتِفْهامِ لا يَعْمَلُ فِيهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: هَذا قانُونُ النَحْوِيِّينَ لِأنَّهم عامَلُوا "كَيْفَ" في كُلِّ مَكانٍ مُعامَلَةَ الِاسْتِفْهامِ المَحْضِ في قَوْلِكَ: "كَيْفَ زَيْدٌ؟"، ولِـ "كَيْفَ" تَصَرُّفاتٌ غَيْرُ هَذا، تَحُلُّ مَحَلَّ المَصْدَرِ الَّذِي هو "كَيْفِيَّةُ" وتُخْلَعُ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ، ويُحْتَمَلُ هَذا أنْ يَكُونَ مِنها، ومِن تَصَرُّفاتِها قَوْلُهُمْ: "كُنْ كَيْفَ شِئْتَ"، وانْظُرْ قَوْلَ البُخارِيِّ: "كَيْفَ كانَ بَدْءُ الوَحْيِ"، فَإنَّهُ لَمْ يَسْتَفْهِمْ.

وَذُكِّرَ الفِعْلُ المُسْنَدُ إلى "العاقِبَةِ" لَمّا كانَتْ بِمَعْنى المَآلِ ونَحْوِهِ، ولَيْسَ تَأْنِيثُها بِحَقِيقِيٍّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ ﴾ الآيَةُ، الضَمِيرُ في "وَمِنهُمْ" عائِدٌ عَلى قُرَيْشٍ، ولِهَذا الكَلامِ مَعْنَيانِ: قالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: مِن هَؤُلاءِ القَوْمِ مَن سَيُؤْمِنُ في المُسْتَقْبَلِ، ومِنهم مَن حَتَّمَ اللهُ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ بِهِ أبَدًا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: مِن هَؤُلاءِ القَوْمِ مَن هو مُؤْمِنٌ بِهَذا الرَسُولِ إلّا أنَّهُ يَكْتُمُ إيمانَهُ وعِلْمَهُ بِأنَّ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ  وإعْجازَ القُرْآنِ حَقٌّ، حِفْظًا لِرِياسَتِهِ أو خَوْفًا مِن قَوْمِهِ، كالفِتْيَةِ الَّذِينَ خَرَجُوا إلى بَدْرٍ مَعَ الكُفّارِ فَقُتِلُوا فَنَزَلَ فِيهِمْ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ  ﴾ ، وكالعَبّاسِ ونَحْوِ هَذا، ومِنهم مَن لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفائِدَةُ الآيَةِ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- التَفَرُّقُ لِكَلِمَةِ الكُفّارِ، وإضْعافُ نُفُوسِهِمْ، وأنْ يَكُونَ بَعْضُهم عَلى وجَلٍ مِن بَعْضٍ.

وفي قَوْلِهِ: ﴿ وَرَبُّكَ أعْلَمُ بِالمُفْسِدِينَ ﴾ تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ كَذَّبُوكَ ﴾ آيَةُ مُناجَزَةٍ لَهم ومُتارَكَةٍ، وفي ضِمْنِها وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ، وهَذِهِ الآيَةُ نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿ قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ  ﴾ إلى آخِرِ السُورَةِ، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ مِنهُمُ ابْنُ زَيْدٍ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِالقِتالِ لِأنَّ هَذِهِ مَكِّيَّةٌ، وهَذا صَحِيحٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ ﴾ ، جَمَعَ "يَسْتَمِعُونَ" عَلى مَعْنى "مَن" لا عَلى لَفْظِها، ومَعْنى الآيَةِ: ومِن هَؤُلاءِ الكُفّارِ مَن يَسْتَمِعُ إلى ما يَأْتِي بِهِ مِنَ القُرْآنِ بِإذْنِهِ، ولَكِنَّهُ حِينَ لا يُؤْمِنُ ولا يُحَصِّلُ فَكَأنَّهُ لا يَسْمَعُ، ثُمَّ قالَ عَلى وجْهِ التَسْلِيَةِ لِلنَّبِيِّ  : أفَأنْتَ يا مُحَمَّدُ تُرِيدُ أنْ تُسْمِعَ الصُمَّ؟

أيْ: لا تَكْتَرِثْ بِذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ ﴾ مَعْناهُ: ولَوْ كانُوا مِن أشَدِّ حالاتِ الأصَمِّ، لِأنَّ الأصَمَّ الَّذِي لا يَسْمَعُ شَيْئًا بِحالٍ، فَذَلِكَ لا يَكُونُ في الأغْلَبِ إلّا مَعَ فَسادِ العَقْلِ والدِماغِ، فَلا سَبِيلَ أنْ يَعْقِلَ حُجَّةً ولا دَلِيلًا أبَدًا، و"وَلَوْ" هَذِهِ بِمَعْنى "إنْ"، وهَذا تَوْقِيفٌ لِلنَّبِيِّ  أيِ: الزَمْ نَفْسَكَ هَذا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنهم مَن يَنْظُرُ إلَيْكَ ﴾ الآيَةُ، هي نَحْوُ الأُولى في المَعْنى، وجاءَ "يَنْظُرُ" عَلى لَفْظِ "مَن"، وإذا جاءَ الفِعْلُ عَلى لَفْظِها فَجائِزٌ أنْ يُعْطَفَ عَلَيْهِ آخَرُ عَلى المَعْنى، وإذا جاءَ أوَّلًا عَلى مَعْناها فَلا يَجُوزُ أنْ يُعْطَفَ آخَرُ عَلى اللَفْظِ، لِأنَّ الكَلامَ يُلْبِسُ حِينَئِذٍ، وهَذِهِ الآيَةُ نَحْوُ الأُولى في المَعْنى كَأنَّهُ قالَ: ومِنهم مَن يَنْظُرُ إلَيْكَ بِبَصَرِهِ، لَكِنَّهُ لا يَعْتَبِرُ ولا يَنْظُرُ بِبَصِيرَتِهِ، فَهو لِذَلِكَ كالأعْمى، فَهَوِّنْ ذَلِكَ عَلَيْكَ، أفَتُرِيدُ أنْ تَهْدِيَ العُمْيَ والهِدايَةُ أجْمَعُ بِيَدِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ بل ﴾ إضرابٌ انتقالي لبيان كنه تكذيبهم، وأن حالهم في المبادرة بالتكذيب قبل التأمل أعجب من أصل التكذيب إذ إنهم بادروا إلى تكذيبِه دون نظر في أدلة صحته التي أشار إليها قوله: ﴿ وما كان هذَا القرآن أن يفترى من دون الله ﴾ [يونس: 37].

والتكذيب: النسبة إلى الكذب، أو الوصف بالكذب سواء كان من اعتقاد أم لم يكنه.

واختيار التعْبير عن القرآن بطريق الموصولية في قوله: ﴿ بما لم يحيطوا بعلمه ﴾ لِمَا تؤذن به صلة الموصول من عجيب تلك الحالة المنافية لتسليط التكذيب، فهم قد كذبوا قبل أن يختبروا، وهذا من شأن الحماقة والجهالة.

والإحاطة بالشيء: الكون حوله كالحَائط، وقد تقدم آنفاً في قوله: ﴿ وظنوا أنهم أحيط بهم ﴾ [يونس: 22].

ويكنى بها عن التمكن من الشيء بحيث لا يفوت منه.

ومنه قوله تعالى: ﴿ ولا يُحيطون به علماً ﴾ [طه: 110] وقوله: ﴿ وأحاط بما لديهم ﴾ [الجن: 28] أي علمِه، فمضى ﴿ بما لم يحيطوا بعلمه ﴾ بما لم يتقنوا علمه.

والباء للتعدية.

وشأنها مع فعل الإحاطة أن تدخل على المُحاط به وهو المعلوم، وهو هنا القرآن.

وعدل عن أن يقال بما لم يحيطوا به علماً أو بما لم يحط علمهم به إلى ﴿ بما لم يحيطوا بعلمه ﴾ للمبالغة إذ جُعل العِلم معلوماً.

فأصل العبارة قبل النفي أحاطوا بعلمه أي أتقنوا عِلْمه أشد إتقان فلما نُفي صار لم يحيطوا بعلمه، أي وكان الحق أن يحيطوا بعلمه لأن توفر أدلة صدقه يحتاج إلى زيادة تأمل وتدقيق نظر بحيث يتعين على الناظر عِلمُ أدلته ثم إعادةُ التأمل فيها وتسليط علم على علم ونظر على نظر بحيث تحصل الإحاطة بالعلم.

وفي هذا مبالغة في فرط احتياجه إلى صدق التأمل، ومبالغة في تجهيل الذين بادروا إلى التكذيب من دون تأمل في شيء حقيق بالتأمل بعد التأمل.

والمعنى أنهم سارعوا إلى التكذيب بالقرآن في بديهة السماع قبل أن يفقهوه ويعلموا كنه أمره وقبل أن يتدبروه.

وإنما يكون مثل هذا التكذيب عن مكابرة وعداوة لا عن اعتقاد كونِه مكذوباً.

ثم إن عدم الإحاطة بعلمه متفاوت: فمنه عدم بحت وهو حال الدهماء، ومنه عدم في الجملة وهو ما يكون بضرب من الشبهة والتردد أو يكون مع رجحان صدقه ولكن لا يحيط بما يؤدي إليه التكذيب من شديد العقاب.

ونظير هذه الآية في سورة [النمل: 84] ﴿ قال أكذَّبتم بآياتي ولم تُحيطوا بها علماً أم ماذا كنتم تعملون ﴾ وجملة: ولماَّ يأتهم تأويله} معطوفة على الصلة، أي كذبوا بما لمّا يأتهم تأويله.

وهذا ارتقاء في وصفهم بقلة الأنَاةِ والتثبت، أي لو انتظروا حتى يأتيهم تأويل القرآن، أي ما يحتاج منه إلى التأويل بل هم صمموا على التكذيب قبل ظهور التأويل.

والتأويل: مشتق من آل إذا رجع إلى الشيء.

وهو يطلق على تفسير اللفظ الذي خفي معناه تفسيراً يظهر المعنى، فيؤول واضحاً بعد أن كان خفياً، ومنه قوله تعالى: ﴿ وما يعلم تأويله إلا الله ﴾ [آل عمران: 7] الآية.

وهو بهذا الإطلاق قريب من معنى التفسير.

وقد مرَّ في سورة آل عمران وفي المقدمة الأولى من هذا التفسير.

ويطلق التأويل على اتضاح ما خفي من معنى لفظ أو إشارة، كما في قوله تعالى: ﴿ هذا تأويل رؤْياي من قبل ﴾ [يوسف: 100] وقوله: ﴿ هل ينظرون إلا تأويله ﴾ [الأعراف: 53] أي ظهور ما أنذرهم به من العذاب.

والتأويل الذي في هذه الآية يحتمل المعنيين ولعل كليهما مراد، أي لما يأتهم تأويل ما يدَّعون أنهم لم يفهموه من معاني القرآن لعدم اعتيادهم بمعرفة أمثالها، مثل حكمة التشريع، ووقوع البعث، وتفضيل ضعفاء المؤمنين على صناديد الكافرين، وتنزيل القرآن منجماً، ونحو ذلك.

فهم كانوا يعتبرون الأمور بما ألفوه في المحسوسات وكانوا يقيسون الغائب على الشاهد فكذبوا بذلك وأمثاله قبل أن يأتيهم تأويله.

ولو آمنوا ولازموا النبي صلى الله عليه وسلم لعلموها واحدةً بعد واحدة.

وأيضاً لما يأتهم تأويل ما حسبوا عدم التعجيل به دليلاً على الكذب كما قالوا: ﴿ إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ايتنا بعذاب أليم ﴾ [الأنفال: 32] ظناً أنهم إن استغضبوا الله عَجَّل لهم بالعذاب فظنوا تأخر حصول ذلك دليلاً على أن القرآن ليس حقاً من عنده.

وكذلك كانوا يسألون آيات من الخوارق، كقولهم: ﴿ لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً ﴾ [الإسراء: 90] الآية.

ولو أسلموا ولازموا النبي عليه الصلاة والسلام لعلموا أن الله لا يعبأ باقتراح الضُلال.

وعلى الوجهين فحرف ﴿ لمّا ﴾ موضوع لنفي الفعل في الماضي والدلالة على استمرار النفي إلى وقت التكلم، وذلك يقتضي أن المنفي بها متوقَّع الوقوع، ففي النفي بها هنا دلالة على أنه سيجيء بيان ما أجمل من المعاني فيما بعد، فهي بذلك وعد، وأنه سيحِل بهم ما توعدهم به، كقوله: ﴿ يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا ﴾ [الأعراف: 53] الآية.

فهي بهذا التفسير وعيد.

وجملة: ﴿ كذلك كذّب الذين من قبلهم ﴾ استئناف.

والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم أو لمن يتأتى منه السماع.

والإشارة ب ﴿ كذلك ﴾ إلى تكذيبهم المذكور، أي كان تكذيب الذين مِن قبلهم كتكذيبهم، والمراد بالذين من قبلهم الأممُ المكذبون رسلهم كما دل عليه المشبه به.

ومما يقصد من هذا التشبيه أمور: أحدها: أن هذه عادة المعاندين الكافرين ليعلم المشركون أنهم مماثلون للأمم التي كذبت الرسل فيعتبروا بذلك.

الثاني: التعريض بالنذارة لهم بحلول العذاب بهم كما حل بأولئك الأمم التي عرف السامعون مصيرها وشاهدوا ديارها.

الثالث: تسلية النبي صلى الله عليه وسلم بأنه ما لقي من قومه إلا مثل ما لقي الرسل السابقون من أقوامهم.

ولذلك فرع على جملة التشبيه خطابُ النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ﴿ فانظر كيف كان عاقبة الظالمين ﴾ أي عاقبة الأمم التي ظلمت بتكذيب الرسل كما كذب هؤلاء.

والأمر بالنظر في عاقبة الظالمين مقصود منه قياس أمثالهم في التكذيب عليهم في ترقب أن يحل بهم من المصائب مثل ما حل بأولئك لتعلم عظمة ما يلاقونك به من التكذيب فلا تحسبن أنهم مفلتون من العذاب.

والنظر هنا بصري.

و ﴿ كيف ﴾ يجوز أن تكون مجردة عن الاستفهام، فهي اسم مصدر للحالة والكيفية، كقولهم: كن كيف شئت.

ومنه قوله تعالى: ﴿ هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء ﴾ في سورة [آل عمران: 6].

فكيف } مفعول به لفعل ﴿ انظر ﴾ ، وجملة: ﴿ كان عاقبة الظالمين ﴾ صفة ﴿ كيف ﴾ .

والمعنى انظر بعينك حالة صفتها كان عاقبة الظالمين، وهي حالة خراب منازلهم خراباً نشأ من اضمحلال أهلها.

ويجوز أن تكون ﴿ كيف ﴾ اسم استفهام، والمعنى فانظر هذا السؤال، أي جوابَ السؤال، أي تدَبره وتفكَّر فيه.

و ﴿ كيفَ ﴾ خبر ﴿ كان ﴾ .

وفعل النظر معلق عن العمل في مفعوليه بما في ﴿ كيف ﴾ من معنى الاستفهام.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَما كانَ هَذا القُرْآنُ أنْ يُفْتَرى مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي أنَّهُ يُخْتَلَقُ ويُكْذَبُ.

﴿ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: شاهِدٌ بِصِدْقِ ما تَقَدَّمَ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والزَّبُورِ.

الثّانِي: لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ البَعْثِ والنُّشُورِ والجَزاءِ والحِسابِ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنْ يَكُونَ مَعْناهُ ولَكِنْ يُصَدِّقُهُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكُتُبِ السّالِفَةِ بِما فِيها مِن ذِكْرِهِ فَيَزُولُ عَنْهُ الِافْتِراءُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَمْ يَعْلَمُوا ما عَلَيْهِمْ بِتَكْذِيبِهِمْ لِشَكِّهِمْ فِيهِ.

الثّانِي: لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِ ما فِيهِ مِن وعْدٍ ووَعِيدٍ لِإعْراضِهِمْ عَنْهُ.

﴿ وَلَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عِلْمُ ما فِيهِ مِنَ البُرْهانِ.

الثّانِي: ما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهم مِنَ العِقابِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ أم من لا يهدي إلا أن يهدى ﴾ قال: الأوثان؛ الله يهدي منها ومن غيرها ما شاء.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ﴾ يعني: القرآن، أي كذبوا به لما لم يعلموه، قال عطاء: يريد أنه ليس خلقٌ يحيط بجميع علم القرآن (١) ﴿ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ﴾ ، قال أبو إسحاق: أي: لم يكن معهم علم تأويله، وهذا دليل أن علم التأويل ينبغي أن ينظر فيه (٣) (٤) (٥) ﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ﴾ أي بما في القرآن من الجنة والنار والبعث والقيامة والثواب والعقاب.

وقوله تعالى.

﴿ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ﴾ أي: لم يأتهم بعد حقيقة ما وعدوا في الكتاب بما يؤول إليه أمرهم من العقوبة (٦) ﴿ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾ أي: بالبعث [والقيامة، وتكذيب الكفار من الأمم الخالية كان بالبعث] (٧) (٨) (٩) وذُكر قول ثالث، هو أن معنى قوله: ﴿ بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ﴾ أي يقول: لم يعلموه يقينًا (١٠) ﴿ افْتَرَاهُ ﴾ مهو يقول: بل كذبوا القرآن بقولهم افتراه، وأنه مفترى وهم شاكون في قولهم هذا، ولم يتيقنوا أنه مفترى [وهذا معنى قول الزجاج: هذا والله أعلم، قيل في الذين كفروا (١١) (١٢) وقوله: ﴿ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ﴾ أي: لم يأتهم حقيقة ما يقولون أنه مفترى] (١٣) ﴿ الظَّالِمِينَ ﴾ ﴿ كَيْفَ ﴾ في موضع نصب على خبر (كان) ولا يجوز أن يعمل (١٤) (١) لم أجده.

(٢) ذكره بنحوه الثعلبي 7/ 15 ب، وابن الجوزي 4/ 33، والقرطبي 8/ 345.

(٣) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 21.

(٤) لم أجده.

(٥) في (ى): (فعادوا).

(٦) "زاد المسير" 4/ 33، ورواه الثعلبي 7/ 15 ب، عن الضحاك مختصرًا، وذكره الزجاج في "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 21 مختصرًا أيضاً.

(٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ح) و (ز).

(٨) في (ى): (ولا).

(٩) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 21.

(١٠) انظر: "معاني القرآن الكريم" للنحاس 3/ 294، "زاد المسير" 4/ 33.

(١١) في (م): (كذبوا).

(١٢) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 21.

(١٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).

(١٤) في (خ) و (ز): (يجوز).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ ﴾ أي سارعوا إلى التكذيب بما لم يفهموه ولم يعلموا تفسيره ﴿ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ﴾ أي علم تأويله ويعني بتأويله الوعيد الذي لهم فيه ﴿ وَمِنهُمْ مَّن يُؤْمِنُ بِهِ ﴾ الآية فيها.

قولان: أحدهما إخبار بما يكون منهم في المستقبل، وأن بعضهم يؤمن وبعضهم يتمادى على الكفر، والآخر أنها إخبار عن حالهم أن منهم من هو مؤمن به ويكتم إيمانه، ومنهم من هو مكذب.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ كلمات ربك ﴾ وكذلك في آخر السورة على الجمع: أبو جعفر ونافع وابن عامر ﴿ لا يهدي ﴾ مثل ﴿ يرمي ﴾ : حمزة وعلي وخلف ﴿ يهدي ﴾ بسكون الهاء وتشديد الدال: أبو جعفر ونافع غير ورش وعباس وأبو عمرو غير عباس بإشمام الفتحة قليلاً ﴿ يهدي ﴾ بكسر الهاء وتشديد الدال: عاصم غير يحيى وجبلة ورويس ﴿ يهدي ﴾ بكسرتين والتشديد: يحيى ﴿ يهدي ﴾ بفتحتين والتشديد: ابن كثير وابن عامر وورش وسهل ويعقوب غير رويس.

الوقوف: ﴿ يدبر الأمر ﴾ ط ﴿ الله ﴾ ج ﴿ تتقون ﴾ ه ج ط ﴿ ربكم الحق ﴾ ج ط للاستفهام مع الفاء ﴿ إلا الضلال ﴾ ج ط ﴿ تصرفون ﴾ ه ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ ثم يعيده ﴾ الأول ط ﴿ تؤفكون ﴾ ه ﴿ إلى الحق ﴾ ط ﴿ للحق ﴾ ط ﴿ أن يهدي ﴾ ج ط لما مر ﴿ فما لكم ﴾ ص لحق الاستفهام الثاني ﴿ تحكمون ﴾ ه ط ﴿ إلا ظناً ﴾ ط ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ يفعلون ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ افتراء ﴾ ط ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ تأويله ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ لا يؤمن به ﴾ ط ﴿ بالمفسدين ﴾ ه ﴿ عملكم ﴾ ج لأن ﴿ أنتم ﴾ مبتدأ والعامل واحد ﴿ تعملون ﴾ ه.

التفسير: لما بين فضائح عبدة الأوثان أكدها بالحجج اللامعة والبراهين القاطعة من أحوال الرزق والموت والحياة والإبداء والإعادة والإرشاد والهداية، وقد بنى الحجج على الاستفهام وتفويض الجواب إلى المسؤول ليكون أبلغ في إلزام الحجة وأوقع في النفوس.

فالحجة الأولى قوله: ﴿ قل من يرزقكم من السماء والأرض ﴾ بإنزال الأمطار النافعة الموجبة لتولد الأغذية النباتية والحيوانية في الأرض بعد رعاية شرائط تربيتها وإنمائها وحفظها من العاهات.

﴿ أمن يملك السمع والأبصار ﴾ خص الحاستين بالذكر لما في خلقهما وتسويتهما من الفطرة العجيبة، وكان  يقول: "سبحان من بَصَّرَ بشحم وأسمع بعظم وأنطق بلحم" ولما في تحصينهما في الآفات في المدد الطوال وهما لطيفان يؤذيهما أدنى شيء مزيد قدرة ورأفة.

﴿ ومن يخرج الحي من الميت ﴾ الحيوان الماشي والطائر من النطفة والبيضة وقد مر سائر الأقوال في سورة الأنعام.

﴿ ومن يدبر الأمر ﴾ عمم بعدما خصص لأن أقسام تدبيره  في العالم العلوي والعالم السفلي وعالمي الغيب والشهادة أمور لا نهاية لها.

وذكر كلها كالمتعذر.

﴿ فسيقولون الله ﴾ وفيه دليل على أنهم كانوا يعبدون الأصنام بناء على أنها شفعاؤهم وأنها تقربهم إلى الله زلفى، ولكنهم كانوا مخطئين في هذا الاعتقاد فلهذا ختم الآية بقوله ﴿ فقل أفلا تتقون ﴾ الله الذي اعترفتم بأنه سبب فيضان جميع الخيرات فكيف أشركتم بعبادته الجمادات التي لا تقدر على نفع أو ضر.

﴿ فذلكم ﴾ الموصوف بالقدرة الكاملة والرحمة الشاملة ﴿ الله ربكم الحق ﴾ الثابت ربوبيته بالوجدان والبرهان.

﴿ فماذا بعد الحق ﴾ "ذا" مزيدة و "ما" نافية أو استفهامية أو مجموع "ماذا" كلمة واحدة معناها أي شيء بعد الحق ﴿ إلا الضلال ﴾ والمراد أنه لما ثبت وجود الواجب الحق كان ما سواه ممكناً لذاته باطلاً دعوى الإلهية فيه، لأن واجب الوجود يجب أن يكون واحداً في ذاته وفي صفاته وفي جميع اعتباراته وإلا لزم افتقاره إلى ما انقسم إليه فلا يكون واجباً هف محال ولهذا ختم الآية بقوله: ﴿ فأنى تصرفون ﴾ كيف تستجيزون العدول عن هذا الحق الظاهر وتقعون في الضلال، إذ لا واسطة بين الأمرين، فمن يخطىء أحدهما وقع في الآخر.

﴿ كذلك ﴾ أي كما حق وثبت أن الحق بعده الضلال، أو كما حق أنهم مصروفون عن الحق فكذلك ﴿ حقت كلمة ربك ﴾ .

وتفسير الكلمة ﴿ أنهم لا يؤمنون ﴾ على أنه بدل أي حق عليهم انتفاء الإيمان وقد علم الله منهم ذلك في الأزل، وأراد بالكلمة العدة بالعذاب وأنهم لا يؤمنون تعليل على حذف اللام.

احتجت المعتزلة بمثل قوله تعالى: ﴿ فأنى تصرفون ﴾ أن الصارف لو كان هو الله  لم يصح منه هذا التعجيب والإنكار.

وقالت الأشاعرة: قد تعلق علمه  بأنهم لا يؤمنون كما قال: ﴿ حقت كلمة ربك ﴾ وتعلق خبره بأنهم لا يؤمنون وقدرته لم تتعلق بخلق الإيمان فيه بل بخلق الكفر فيه، وأثبت ذلك في اللوح المحفوظ وأشهد عليه ملائكته وأنزله على أنبيائه وأشهدهم عليه، فلو حصل الإيمان لبطلت هذه الأشياء فينقلب علمه جهلاً وخبره الصدق كذباً وقدرته عجزاً وإرادته عبثاً وإشهاده باطلاً.

الحجة الثانية ﴿ قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده ﴾ وإنما قال: ﴿ ثم يعيده ﴾ مع أن الخصم لا يعترف به لأنه قدم في هذه السورة دلال الإعادة بحيث لا يتمكن العاقل من دفعها إذا تأمل وأنصف فبنى الأمر على ذلك.

وإنما أمر نبيه أن ينوب عنهم في الجواب بقوله ﴿ قل الله ﴾ الآية.

تنبيهاً على أن هذا المعنى بلغ في الوضوح إلى حيث لا حاجة فيه الى إقرار الخصم المكابر، فكأنه قيل: تكلم عنهم إذ لا يدعهم لحاجهم أن ينطقوا بكلمة الحق.

وقوله: ﴿ فأنى تؤفكون ﴾ كقوله: ﴿ فأنى تصرفون ﴾ وقد مر في "المائدة".

الحجة الثالثة ﴿ قل هل من شركائكم من يهدي ﴾ الآية.

الاستدلال على وجود الصانع بالخلق أوّلاً ثم بالهداية عادة مطردة في القرآن، فحكى عن الخليل  ﴿ الذي خلقني فهو يهدين  ﴾ وعن موسى ﴿ ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى  ﴾ وأمر محمداً  ﴿ سبح اسم ربك الأعلى  الذي خلق فسوى  والذي قدر فهدى  ﴾ والسر فيه أن المقصود من خلق الجسد حصول الهداية للروح وارتسام العلوم والمعارف فيه بإرشاد الحق  من الطرق المنحرفة كثيرة والظنون والأغاليط غير محصورة، فتحصيل الوسط الحقيقي لا يمكن إلا بتوفيقه وهدايته، ولا مدخل في ذلك بالاستقلال لملك أو إنسي أو جني فضلاً عن الأصنام التي هي في أدنى مراتب الوجود لأنها جمادات لا شعور لها هذا تقرير الحجة الثالثة.

وقال الزجاج: يقال: هديت للحق وإلى الحق بمعنى، فجمع بين العبارتين.

ويقال: هدى بنفسه بمعنى اهتدى كما يقال شرى بمعنى اشترى ومنه قوله: ﴿ أمن لا يهدي ﴾ وسائر القراآت أصلها "يهتدي" فأدغم وفتحت الهاء بحركة التاء أو كسرت لالتقاء الساكنين، وقد كسرت الياء لاتباع ما بعدها.

قيل: هذه الشركاء جمادات فكيف قال في حقها ﴿ إلا أن يهدى ﴾ وأجيب بوجوه منها: أن المراد في الآية رؤساؤهم وأشرافهم كقوله: ﴿ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً  ﴾ والمراد أن الله  هو الذي يهدي الخلق إلى الدين الحق بالدلائل النقلية وبما يمكنهم منه من الدلائل العقلية، وأما هؤلاء الدعاة والرؤساء فإنهم لا يقدرون على أن يهدوا غيرهم إلا إذا هداهم الله.

ومنها أنهم لما اتخذوها آلهة وصفهم الله  بصفة من يعقل كقوله: ﴿ إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم  ﴾ ومنها أن ذلك بالفرض والتقدير يعني أنها لو كانت بحيث يمكنها أن تهتدي فإنها لا تهدي غيرها إلا أن تهدى.

ومنها أن البنية عندنا ليست بشرط في صحة الحياة والعقل فيصح من الله  أن يجعلها حية عاقلة، ثم إنها تشتغل بهداية الغير، ومنها أن المراد من الهدي النقل والحركة يقال: هديت المرأة زوجها أي نقلت إليه، فالمعنى لا ينتقل إلى مكان إلا إذا نقل إليه.

ثم عجب من مذهبهم الفاسد باستفهامين متواليين فقال: ﴿ فما لكم كيف تحكمون ﴾ .

ثم بين ما بنوا عليه أمر دينهم فقال: ﴿ وما يتبع أكثرهم إلا ظناً ﴾ أي في إقرارهم بالله لأنه قول غير مستند إلى برهان عندهم بل سمعوه من أسلافهم أو في قولهم للأصنام أنها آلهة أو شفعاء، وعلى هذا فالمراد بالأكثر الجميع.

﴿ إن الظن ﴾ في معرفة الله وفيما يجب تحقيقه ﴿ لا يغني من الحق ﴾ وهو العلم والتحقيق ﴿ شيئاً ﴾ من الغناء.

والمعنى أن الظن لا يقوم مقام العلم في شيء من الأحوال.

ثم أوعدهم على اتباعهم الظن وتقليد الآباء بقوله: ﴿ إن الله عليم بما يفعلون ﴾ .

وتمسك نفاة القياس بالآية ظاهر من قبل أن القياس لا يفيد إلا الظن.

وأجيب بأن التمسك بالعمومات لا يفيد إلا الظن وهذه الآية من العمومات فلم يجب اتباعها بزعمكم، وما أفضى ثبوته إلى نفيه كان متروكاً.

ولما فرغ من دلائل التوحيد شرع في إثبات النبوة فقال: ﴿ ما كان هذا القرآن أن يفترى ﴾ أي افتراء من دون الله أو كلمة "أن" بمعنى اللام أي ما ينبغي له وما استقام أن يكون مفترى.

والحاصل أن وصفه ليس وصف شيء يمكن أن يفترى به على الله لأنه معجز لا يقدر البشر على إتيان مثله وإنما القادر عليه هو الله  .

﴿ ولكن ﴾ كان ﴿ تصديق الذي بين يديه ﴾ من الكتب المنزلة لإعجازه دونها فهو عيار عليها شاهد بصحتها، ونفس هذا التصديق أيضاً معجز لأن أقاصيصه موافقه لما في كتب الأولين مع أنه لم يتعلم قط ولم يتلمذ، ولأن بشارته جاءت في تلك الكتب على وفق دعواه، ولأنه يخبر عن الغيوب المستقبلة فيقع مطابقاً فظهر أن القرآن معجز من قبل اشتماله على الغيوب الماضية والمستقبلة.

أما أنه معجز من جهة اشتماله على العلوم الجمة فذلك قوله: ﴿ وتفصيل الكتاب ﴾ أي يبين ما كتب وفرض من الأحكام والشرائع كقوله: ﴿ كتاب الله عليكم  ﴾ قال في الكشاف قوله: ﴿ لا ريب فيه من رب العالمين ﴾ داخل في حيز الاستدراك كأنه قال: ولكن كان تصديقاً وتفصيلاً منتفياً عنه الريب كائناً من رب العالمين، وجوز أن يكون ﴿ من رب العالمين ﴾ متعلقاً بتصديق وتفصيل و ﴿ لا ريب فيه ﴾ اعتراض كقولك: زيد لا شك فيه كريم.

والمعنى ولكن كان تصديقاً من رب العالمين وتفصيلاً منه لا ريب فيه.

ثم أعاد بيان إعجازه مرة أخرى فقال مستفهماً على سبيل الإنكار ﴿ أم يقولون افتراه قل ﴾ إن كان الأمر كما تزعمون ﴿ فأتوا ﴾ أنتم على وجه الافتراء ﴿ بسورة مثله ﴾ في البلاغة وحسن النظم فأنتم مثلي في العربية والفصاحة ﴿ وادعوا من استطعتم من دون الله ﴾ أي لا تستعينوا بالله وحده ثم استعينوا بكل من سواه ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ أنه افتراه.

قال بعض العلماء: هذه الآية في سورة يونس وهي مكية، فلعل المراد بالسورة المتحدّي بها هذه السورة.

والأصح أن التحدي واقع على أقصر سورة.

قالت المعتزلة: لو لم يكن الإتيان بمثل القرآن صحيح الوجود في الجملة لم يتحدّ العرب به لكنهم تحدّوا بذلك فدل على أن القرآن محدث إذ لو كان قديماً والإتيان بالقديم محال لم يصح هذا التحدي.

وأجيب بأن القرآن يقال بالاشتراك على الصفة القديمة القائمة بذات الله وعلى هذه الحروف والأصوات المحدثة، والتحدي إنما وقع بهذه لا بتلك ﴿ بل كذبوا ﴾ سارعوا إلى التكذيب ﴿ بما لم يحيطوا بعلمه ﴾ وهو القرآن ﴿ ولما يأتهم تأويله ﴾ ومعنى التوقع فيه أنهم كذبوا به على البديهة قبل التدبر ومعرفة التأويل تقليداً للآباء، وكذبوا به بعد التدبر وتكرير التحدي عليهم واستيقان عجزهم عن هذا بغياً وحسداً وعناداً.

وذلك إنما حملهم على التكذيب أوّلا وآخراً وجوه منها: أنهم وجدوا في القرآن أقاصيص الأولين ولم يعرفوا المقصود منها فقالوا أساطير الأوّلين، وخفي عليهم أن الغرض منها بيان قدرة الله  على التصرف في هذا العالم ونقل الأمم من العز إلى الذل وبالعكس، ليعرف المكلف أن الدنيا ليست مما يبقى، فنهاية كل حركة سكون وغاية كل سكون أن لا يكون كقوله: عز من قائل ﴿ لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب  ﴾ .

ومنها أنهم كلما سمعوا حروف التهجي في أوائل السور ولم يفهموا منها شيئاً ساء ظنهم بالقرآن فأجاب الله  عنه بقوله: ﴿ هو الذي أنزل عليك الكتاب  ﴾ إلى قوله: ﴿ وأخر متشابهات  ﴾ الآية.

ومنها أنهمرأوا القرآن يظهر شيئاً فشيئاً فاتهموا النبي وقالوا: ﴿ لولا أنزل عليه القرآن جملة واحدة  ﴾ ومنها أنهم وجدوا القرآن مملوءاً من حديث الحشر والنشر، وكانوا قد ألفوا المحسوسات فاستبعدوا ذلك.

وأنهم وجدوا فيه تكاليف كثيرة من الصلاة والصيام والزكاة والحج والجهاد وكانوا يقولون.

إن إله العالم غني عنا وعن طاعاتنا ﴿ كذلك كذب الذين من قبلهم ﴾ يعني قبل النظر في معجزات أنبيائهم.

قال أهل التحقيق: في الآية دلالة على أن من كان غير عارف بوجوه التأويل قد يقع في الكفر والبدعة، لأن ظواهر النصوص قد تتعارض فيفتقر هنالك إلى تطبيق التنزيل على التأويل.

وقيل: معنى الآية أن القرآن كتاب معجز من جهتين: من جهة إعجاز نظمه ومن جهة ما فيه من الأخبار بالغيوب ومن جملتها أحوال الآخرة.

فقوله: ﴿ بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ﴾ إشارة إلى التكذيب به قبل أن ينظروا في نظمه وبلوغه حد الإعجاز، وقوله: ﴿ ولما يأتهم تأويله ﴾ إشارة إلى تكذيبهم قبل أن يمتحنوا غيوبه هل تطابق الواقع أم لا.

ثم ختم الآية بقوله: ﴿ فانظر كيف كان عاقبة الظالمين ﴾ والمراد أنهم طلبوا الدنيا وأعرضوا عن الآخرة فلم تبق عليهم الدنيا وفاتتهم الآخرة فبقوا في خسران الدارين.

وقيل: المقصود عذاب الاستئصال الذي نزل بالمكذبين قبلهم.

ثم قسم طوائف الأمم المكذبين فقال: ﴿ ومنهم من يؤمن به ﴾ أي بالقرآن أو بالرسول أي يصدق به في نفسه ويعلم أنه حق ولكنه يعاند ﴿ ومنهم ﴾ من يشك فيه لا يصدق به لا ظاهراً ولا باطناً، ويمكن أن يقال: المراد به قسمتهم في الاستقبال أي ومنهم من سيؤمن به ومنهم من يبقى على الكفر فتكون الآية كالعذر في تبقيتهم وعدم استئصالهم ﴿ وربك أعلم بالمفسدين ﴾ فيجازيهم على حسب مراتبهم في التكذيب ويعلم طوياتهم هل يتوبون أو يصرفون.

ثم بين اختصاص كل مكلف بأفعاله وبنتائج أعماله من الثواب والعقاب فقال: ﴿ وإن كذبوك فقل لي عملي ﴾ أي جزاء عملي على الطاعة والإيمان وتبليغ الرسالة ﴿ ولكم عملكم ﴾ قال مقاتل والكلبي: هي منسوخة بآية القتال.

والتحقيق أن آية القتال لا تدفع شيئاً من مدلولات هذه فلا نسخ والله أعلم.

التأويل: ﴿ قل من يرزقكم ﴾ أي من ينزل من سماء النفس مطر الهواجس ويخرج من أرض النفس نبات الأفعال والأعمال، وينزل من سماء القلب مطر أثار فيض الروح ويخرج من أرض النفس نبات الصفات البشرية والحيوانية.

أو ينزل من سماء الروح مطر فيض الروح ويخرج من أرض القلب نبات الأوصاف الحميدة، أو ينزل من سماء القدرة مطر تجلي الصفات والفيض الرباني ويخرج من أرض الروح المحبة والأخلاق الإلهية، أو ينزل من سماء الذات مطر تجلي الصفات ويخرج من أرض الوجود نبات الفناء في الله وثمرات البقاء بالله ﴿ أمن يملك السمع والأبصار ﴾ فيكون سمعه الذي به يسمع، وبصره الذي به يبصر.

﴿ يخرج الحي من الميت ﴾ النفس من القالب والقلب من الروح والروح من القلب وبالعكوس ﴿ ومن يدبر ﴾ أمر الإنسان بالتربية من التراب إلى أن يصل إلى رب الأرباب.

فسيقولون هذه الأحوال كلها من الله فقل لمن بلغ نظره إلى هذه المراتب العلية وإنها عتبة باب التوحيد والمعرفة ﴿ أفلا تتقون ﴾ بالله من غيره لتدخلوا بيت الوحدة ﴿ كذلك حقت كلمة ربك ﴾ هكذا جرى القلم في الأزل على الذين خرجوا عن قبول فيض النور حين رش على الخلق من نوره.

﴿ وتفصيل الكتاب ﴾ وتفصيل الجملة التي هي مكتوبة عنده في أم الكتاب وهو علمه القائم بذاته.

﴿ وربك أعلم بالمفسدين ﴾ الذين أفسدوا استعدادهم الفطري والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا كَانَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ قال بعضهم: هو صلة قوله: ﴿ قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا ٱئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ  ﴾ فيقول: ﴿ وَمَا كَانَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ ؛ كقوله: ﴿ قُلْ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نَفْسِيۤ إِنْ أَتَّبِعُ  ﴾ أي ما أتبع إلا ما يوحى إلي.

وقال بعضهم: إن كفار قريش قالوا: إن محمداً افترى هذا القرآن من عند نفسه ويقوله من نفسه، فقال: ﴿ وَمَا كَانَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ أن يضاف إلى غيره أو يختلق.

﴿ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ أي: يصدق هذا القرآن الكتب التي كانت من قبل، ولو كان محمد هو الذي افتراه واختلقه من عند نفسه لكان خرج هو وسائر الكتب المتقدمة مختلفا، إذ لم يعرف محمد سائر الكتب المتقدمة إذ كانت بغير لسانه، ولم يكن له اختلاف إلى من يعرفها ليتعلم، ثم خرج هو أعني القرآن مصدقا وموافقا لتلك الكتب؛ دل أنه من عند الله جاء؛ كقوله: ﴿ وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ...

﴾ الآية [العنكبوت: 48].

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا كَانَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ يخرج على وجهين؛ أحدهما: ما كان هذا القرآن بالذي يحتمل الافتراء من دون الله؛ لخروجه عن طوق البشر ووسعهم، فذلك بالذي يحيله كونه مفترى بجوهره.

والثاني: لما أودع فيه من الحكمة والصدق يدل على كونه من عند الله؛ إذ كلام غيره يحتمل السفه والكذب ويحتمل الاختلاف.

﴿ وَتَفْصِيلَ ٱلْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ ﴾ قيل فيه بيان الكتب التي نزلت قبله، وتمامه أن هذا وإن كان في اللفظ مختلفا فهو في الحكمة والصدق مبين موافق للأول.

وقيل: ﴿ وَتَفْصِيلَ ٱلْكِتَابِ ﴾ \[أي: تفصيل\] ما كتب لهم وما عليهم.

أو أن يقال؟

إلى الله تفصيل الكتب ليس إلى غير ﴿ لاَ رَيْبَ فِيهِ ﴾ أنه من عند رب العالمين.

أو يقول: مفصل من اللوح المحفوظ.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ ﴾ يقول: إن كان محمد افتراه من عند نفسه، فأتوا أنتم بمثله؛ إذ لسانه ولسانكم واحد، فأنتم قد عرفتم بالفرية والكذب، ومحمد لم يعرف به قط، ولا أخذ عليه بكذب قط، فأنتم أولى أن تأتوا بسورة مثله.

﴿ وَٱدْعُواْ مَنِ ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: ادعوا بآلهتكم التي تعبدونها؛ ليعينوكم على إتيان مثله.

وقال بعضهم: ﴿ وَٱدْعُواْ مَنِ ٱسْتَطَعْتُمْ ﴾ أي: بمن لسانه مثل لسانكم؛ ليعينوكم على ذلك.

أو يقول: استعينوا بدراسة الكتب؛ ليعينوكم على مثله إن كنتم صادقين أن محمداً افتراه من نفسه؛ فدل ترك اشتغالهم بذلك على أنهم قد عرفوا أنه ليس بمفترى، وأنه سماوي.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ ﴾ .

قال بعضهم: ما لم يحفظوا نظمه، ولا لفظه، ولا نظروا فيه، ولا تدبروا؛ ليعلموا معناه، بل كذبوه بالبديهة، والشيء إنما يعرف كذبه وصدقه بالنظر فيه والتفكر والتدبر، لا بالبديهة، فذلك - والله أعلم - تأويل قوله: ﴿ بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ ﴾ .

الثاني: ﴿ بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ ﴾ كذبوا على علم منهم أنهم كذبة فيما يقولون، ويتقولون: إنه مفترى ليس بمنزل ﴿ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ﴾ ، أي: ولما يأتهم العلم بتأويله، أي: بتأويل القرآن.

ومعناه - والله أعلم -: أنهم كذبوه من غير أن حفظوا نظمه، ووعوا لفظه، ولا أتاهم العلم بعاقبته وآخره.

وقيل: التأويل: هو رد كل شيء إلى أولية الأمر.

وقالت الحكماء: التأويل: آخر كل فعل هو قصد في أوله وقصد كل شيء في أوله هو آخر في فعله، أو نحوه.

وقال بعضهم: ﴿ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ﴾ قال: ما وعد الله أن يكون قبل أن يكون.

وقال ابن عباس -  -: تأويل القرآن بما يكون منه في الدنيا، وبما يكون منه يوم القيامة، وهو العذاب الذي وعد.

وقال بعضهم: ﴿ تَأْوِيلُهُ ﴾ : ثوابه.

وقيل: عاقبته.

وقال الواقدي: لم يأتهم عاقبة بيان ما وعد الله في القرآن في الآخرة من الوعيد.

وأصل التأويل: هو النظر إلى ما تئول عاقبة الأمر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذَلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ ، أي: كذلك كذب الأمم السالفة رسلهم، كما كذب كفار مكة رسولهم، أي: لست أنت بأول مكذب، بل كذب من كان قبلك من إخوانك؛ ليكون له التسلي عما هو فيه من تكذيبهم إياه، وردهم عليه أنه ينزل بهم ما نزل بأولئك إن هم أقاموا على ما هم عليه.

والثاني: أن يكون الخطاب وإن كان خارجاً لرسول الله  ، فهو راجع إلى قومه يأمرهم بالنظر فيما نزل بالأمم السالفة، وأن يتأملوا أحوالهم؛ ليكون ذلك سببا لزجرهم عما هم فيه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ بالتكذيب، أي: كيف يعاقبون ويعذبون، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنهُمْ مَّن يُؤْمِنُ بِهِ ﴾ قيل: من أهل مكة من يؤمن بهذا القرآن، ومنهم من لا يؤمن به، وهم كذلك كانوا، منهم من قد آمن به، ومنهم من لا يؤمن به، أي: من لم يؤمن به.

ويحتمل على الوعيد فيما يستقبل، أي: منهم: من أهل مكة من يؤمن بهذا القرآن، ومنهم من لا يؤمن به، وهم كذلك كانوا: منهم من قد آمن، ومنهم من لم يؤمن به.

قال بعضهم: هي في اليهود، ليست في أهل مكة، وظاهره أن يكون في كفار مكة، وعلى ذلك قول عامة أهل التأويل، كأن هذا يخرج على البشارة: أن منهم من يؤمن به؛ لئلا يقطع ويمنع دعاءهم، وأخبر أن منهم من لا يؤمن به، يؤيسه حتى لا يشتد حزنه على كفرهم.

وجائز أن يكون هذا [: أي: منهم من] قد يولد من بعد، ويؤمن به، ومنهم من يولد فلا يؤمن.

وقوله: ﴿ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِٱلْمُفْسِدِينَ ﴾ يشبه أن يكون معناه: أي: على علم بما يكون منهم من الفساد خلقهم وأنشأهم، وليس عن غفلة وجهل بالفساد، ولكن عن علم بذلك؛ لما لا يضره فساد مفسد، ولا ينفعه صلاح [من يصلح]، إنما عليهم ضرر فسادهم، ولهم منفعة صلاحهم.

ويحتمل أن يكون على الوعيد، أي: عالم بفسادهم، فيجزيهم جزاء فسادهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ ﴾ ، تأويله - والله أعلم - أي: إن كذبت فيما أخبرتكم: أنه جاء من عند الله، فـ ﴿ لِّي عَمَلِي ﴾ ، أي: جزاء عملي فيما أبلغكم، أي: فعلي وزر عملي، ﴿ وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ ﴾ ، أي: فعليكم جرم ما رددتم علي فيما بلغتكم عن الله، وهو كقوله: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَاْ بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُجْرِمُونَ  ﴾ ، أي: علي جرم ما افتريت إن افتريت، وعليكم جرم ما رددتم علي فيما بلغتكم عن الله.

ويحتمل: ما قاله أهل التأويل: ﴿ لِّي عَمَلِي ﴾ أي: لي ديني ﴿ وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ ﴾ أي: لكم دينكم.

﴿ أَنتُمْ بَرِيۤئُونَ مِمَّآ أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِيۤءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ .

تأويله - والله أعلم - أي: أنا لا أؤاخذ بما دنتم أنتم، ولا أنتم تؤاخذون بما دنت أنا وعملت، وهو كقوله: ﴿ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ...

﴾ الآية [الأنعام: 52]، وقوله: ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ...

﴾ الآية [النور: 54]، وقوله: ﴿ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ...

﴾ الآية [النور: 54]، وكقوله: ﴿ لاَّ تُسْأَلُونَ عَمَّآ أَجْرَمْنَا...

﴾ الآية [سبأ: 25].

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ ﴾ أخبر أن منهم من يستمع إليه، يعني: إلى رسول الله، وإلى ما يتلو من القرآن، [لكنه لا يؤمن، أخبر أنه] لا كل مستمع إلى شيء ينتفع بما يستمع أو يعقل ما يستمع ويفهم، إنما ينتفع بالاستماع ويعقل على قدر المقصود والحاجة إليه.

[ومنهم من كانوا ينهون من يستمعون لقبول القول منهم].

ومنهم من كان يستمع إليه؛ ليسمع غيره، كقوله: ﴿ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ  ﴾ .

ومنهم من كان يسمعه، ويطيعه في ذلك، فإذا خرج من عنده غيره وبدله كقوله: ﴿ وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ ٱلَّذِي تَقُولُ  ﴾ .

ومنهم من كان يستمع إليه؛ استهزاء منه، وطلب الطعن فيه والعيب، كانوا مختلفين في الاستماع، ثم نفى عنهم السمع والعقل والبصر؛ لوجهين: أحدهما: ما ذكرنا أنهم لما لم ينتفعوا بأسماعهم وعقولهم وأبصارهم وهذه الحواس انتفاع من ليست له هذه الحواس، [نفى عنهم ذلك؛ إذ هذه الحواس] إنما جعلت، لينتفع بها لا لتترك سدى لا ينتفع بها.

والثاني: كان العقل والسمع والبصر، وهذه يكون منها مكتسب بالاكتساب، ومنها ما يكون غريزة، فهم تركوا اكتساب الفعل الذي جعل مكتسباً فنفى عنهم؛ لما تركوا اكتساب ذلك.

ويحتمل نفي هذه الحواس لهذين الوجهين اللذين ذكرتهما، والله أعلم.

ثم نفى عمن لا يستمع العقل، حيث قال: ﴿ لاَ يَعْقِلُونَ ﴾ ، ونفى عنهم الاهتداء والإبصار بترك النظر، فقال: ﴿ أَفَأَنْتَ تَهْدِي ٱلْعُمْيَ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يُبْصِرُونَ ﴾ ؛ لأن بالبصر يوصل إلى اهتداء الطرق والسلوك فيها، ألا ترى أن البهائم قد تبصر الطرق، وتسلك بها، وتتقي بها المهالك، ولا تعقل، لما ليس لها العقل، فلا تعقل لما يسمع القلب بعقل، وبظاهر البصر تبصر الأشياء.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فلم يجيبوا، بل سارعوا بتكذيب القرآن قبل أن يتفهموه ويتدبروه، وقبل أن يحصل ما أنذروا به من العذاب، وقد اقترب إتيان ذلك، مثل هذا التكذيب كذبت الأمم السابقة، فنزل بها ما نزل من العذاب، فتأمل -أيها الرسول- كيف كانت نهاية الأمم المكذبة، فقد أهلكهم الله.

<div class="verse-tafsir" id="91.9pBg1"

مزيد من التفاسير لسورة يونس

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل