الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ٤٠ من سورة يونس
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 50 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٤٠ من سورة يونس: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به وربك أعلم بالمفسدين ) أي : ومن هؤلاء الذين بعثت إليهم يا محمد من يؤمن بهذا القرآن ، ويتبعك وينتفع بما أرسلت به ، ( ومنهم من لا يؤمن به ) بل يموت على ذلك ويبعث عليه ، ( وربك أعلم بالمفسدين ) أي : وهو أعلم بمن يستحق الهداية فيهديه ، ومن يستحق الضلالة فيضله ، وهو العادل الذي لا يجور ، بل يعطي كلا ما يستحقه ، تبارك وتعالى وتقدس وتنزه ، لا إله إلا هو .
القول في تأويل قوله تعالى : وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ (40) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ومن قومك ، يا محمد ، من قريش ، من سوف يؤمن به يقول: من سوف يصدِّق بالقرآن ويقرُّ أنه من عند الله ، (ومنهم من لا يؤمن به) أبدًا ، يقول: ومنهم من لا يصدق به ولا يقرُّ أبدًا ، (وربك أعلم بالمفسدين ) يقول : والله أعلم بالمكذّبين به منهم، الذين لا يصدقون به أبدًا، من كل أحدٍ ، لا يخفى عليه، وهو من وراء عقابه.
فأما من كتبتُ له أن يؤمن به منهم ، فإني سأتوب عليه.
(19) ---------------------- الهوامش : (19) انظر تفسير " الفساد " فيما سلف 14 : 86 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
قوله تعالى ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به وربك أعلم بالمفسدينقوله تعالى ومنهم من يؤمن به قيل : المراد أهل مكة ، أي ومنهم من يؤمن به في المستقبل وإن طال تكذيبه ; لعلمه تعالى السابق فيهم أنهم من السعداء .
و من رفع بالابتداء والخبر في المجرور .
وكذا ومنهم من لا يؤمن به والمعنى ومنهم من يصر على كفره حتى يموت ; كأبي طالب وأبي لهب ونحوهما .
وقيل : المراد أهل الكتاب .
وقيل : هو عام في جميع الكفار ; وهو الصحيح .
وقيل .
إن الضمير في به يرجع إلى محمد صلى الله عليه وسلم ; فأعلم الله سبحانه أنه إنما أخر العقوبة لأن منهم من سيؤمن .وربك أعلم بالمفسدين أي من يصر على كفره ; وهذا تهديد لهم .
{وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ} أي: بالقرآن وما جاء به، {وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ} وهم الذين لا يؤمنون به على وجه العناد والظلم والفساد، فسيجازيهم على فسادهم بأشد العذاب.
( ومنهم من يؤمن به ) أي : من قومك من يؤمن بالقرآن ، ( ومنهم من لا يؤمن به ) لعلم الله السابق فيهم ، ( وربك أعلم بالمفسدين ) الذين لا يؤمنون .
«ومنهم» أي أهل مكة «من يؤمن به» لعلم الله ذلك منهم «ومنهم من لا يؤمن به» أبدا «وربك أعلم بالمفسدين» تهديد لهم.
ومِن قومك -أيها الرسول- مَن يصدِّق بالقرآن، ومنهم من لا يصدِّق به حتى يموت على ذلك ويبعث عليه، وربك أعلم بالمفسدين الذين لا يؤمنون به على وجه الظلم والعناد والفساد، فيجازيهم على فسادهم بأشد العذاب.
ثم فصل - سبحانه - أحوالهم ومواقفهم من القرآن الكريم فقال : ( وَمِنهُمْ مَّن يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَّن لاَّ يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بالمفسدين ) .أى : ومن هؤلاء الذين بعثت إليهم يا محمد من يؤمن بهذا القرآن ، ويتبعك وينتفع بها أرسلت به ، ومنهم من لا يؤمن به أبدا لاستحبابه العمى على الهدى .وعليه يكون المراد بمن يؤمن به ، أولئك الذين وفقهم الله لاتباع الحق عن يقين وإذعان .وقيل إن المعنى : ومن قومك يا ممد أناس مؤمنون فى قرارة نفوسهم بأن هذا القرآن من عند الله ، ولكنهم يكذبونك جحودا وعنادا ومنهم من لا يؤمن به أصلا لا نطماس بصيرته ، وإيثاره الغي على الرشد .وعلى هذا التفسير يكون المراد بمن يؤمن به : أولئك الذين يعرفون الحق كما يعرفون أبناءهم ، ولكن الغرور والجهل والحسد حال بينهم وبين اتباعه .وقوله : ( وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بالمفسدين ) أى : وربك أعلم بالمفسدين فى الأرض بالشرك والظلم والفجور ، وسيحاسبهم على ذلك يوم الدين حسابا عسيرا ، ويذيقهم العذاب الذى يستحقونه ، فالمراد بالعلم هنا لازمه وهو الحساب والعقاب .
اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية المتقدمة قوله: ﴿ فانظر كَيْفَ كَانَ عاقبة الظالمين ﴾ وكان المراد منه تسليط العذاب عليهم في الدنيا، أتبعه بقوله: ﴿ وَمِنهُمْ مَّن يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَّن لاَّ يُؤْمِنُ بِهِ ﴾ منبهاً على أن الصلاح عنده تعالى كان في هذه الطائفة التبقية دون الاستئصال، من حيث كان المعلوم أن منهم من يؤمن به، والأقرب أن يكون الضمير في قوله: ﴿ بِهِ ﴾ راجعاً إلى القرآن، لأنه هو المذكور من قبل، ثم يعلم أنه متى حصل الإيمان بالقرآن، فقد حصل معه الإيمان بالرسول عليه الصلاة والسلام أيضاً.
واختلفوا في قوله: ﴿ وَمِنهُمْ مَّن يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَّن لاَّ يُؤْمِنُ بِهِ ﴾ لأن كلمة يؤمن فعل مستقبل وهو يصلح للحال والاستقبال، فمنهم من حمله على الحال، وقال: المراد أن منهم من يؤمن بالقرآن باطناً، لكنه يتعمد الجحد وإظهار التكذيب، ومنهم من باطنه كظاهره في التكذيب، ويدخل فيه أصحاب الشبهات، وأصحاب التقليد، ومنهم من قال: المراد هو المستقبل، يعني أن منهم من يؤمن به في المستقبل بأن يتوب عن الفكر ويبدله بالإيمان ومنهم من بصر ويستمر على الكفر.
ثم قال: ﴿ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بالمفسدين ﴾ أي هو العالم بأحوالهم في أنه هل يبقى مصراً على الكفر أو يرجع عنه.
ثم قال: ﴿ وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لّى عَمَلِى وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ ﴾ قيل فقل لي عملي الطاعة والإيمان، ولكم عملكم الشرك، وقيل: لي جزاء عملي ولكم جزاء عملكم.
ثم قال: ﴿ أَنتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِئ مّمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ قيل معنى الآية الزجر والردع، وقيل بل معناه استمالة قلوبهم.
قال مقاتل والكلبي: هذه الآية منسوخة بآية السيف وهذا بعيد، لأن شرط الناسخ أن يكون رافعاً لحكم المنسوخ، ومدلول هذه الآية اختصاص كل واحد بأفعاله وبثمرات أفعاله من الثواب والعقاب، وذلك لا يقتضي حرمة القتال، فآية القتال ما رفعت شيئاً من مدلولات هذه الآية فكان القول بالنسخ باطلاً.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمَا كَانَ هذا القرءان ﴾ افتراء ﴿ مِن دُونِ الله ولكن ﴾ كان ﴿ تَصْدِيقَ الذى بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ وهو ما تقدمه من الكتب المنزلة، لأنه معجز دونها فهو عيار عليها وشاهد لصحتها، كقوله تعالى: ﴿ هُوَ الحق مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ [فاطر: 31] .
وقرئ: ﴿ ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب ﴾ على: ولكن هو تصديق وتفصيل.
ومعنى وَمَا كَانَ أن يَفْتَرِى.
وما صحّ وما استقام، وكان محالاً أن يكون مثله في علو أمره وإعجازه مفتري ﴿ وَتَفْصِيلَ الكتاب ﴾ وتبيين ما كتب وفرض من الأحكام والشرائع، من قوله: ﴿ كتاب الله عَلَيْكُمْ ﴾ [النساء: 24] .
فإن قلت: بم اتصل قوله: ﴿ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبّ العالمين ﴾ قلت: هو داخل في حيز الاستدراك.
كأنه قال: ولكن كان تصديقاً وتفصيلاً منتفياً عنه الريب كائناً من رب العالمين.
ويجوز أن يراد: ولكن كان تصديقاً من رب العالمين وتفصيلاً منه لا ريب في ذلك، فيكون ﴿ مِن رَّبِّ العالمين ﴾ متعلقاً بتصديق وتفصيل، أو يكون ﴿ لاَ رَيْبَ فِيهِ ﴾ اعتراضاً، كما تقول: زيد لا شكّ فيه كريم ﴿ أَمْ يَقُولُونَ افتراه ﴾ بل أيقولون: اختلقه، على أن الهمزة تقرير لإلزام الحجة عليهم.
أو إنكار لقولهم واستبعاد.
والمعنيان متقاربان ﴿ قُلْ ﴾ إن كان الأمر كما تزعمون ﴿ فَأْتُواْ ﴾ أنتم على وجه الافتراء ﴿ بِسُورَةٍ مّثْلِهِ ﴾ فأنتم مثلي في العربية والفصاحة.
ومعنى ﴿ بِسُورَةٍ مّثْلِهِ ﴾ أي شبيهة به في البلاغة وحسن النظم.
وقرئ: ﴿ بسورة مثله ﴾ على الإضافة، أي: بسورة كتاب مثله ﴿ وادعوا ﴾ من دون الله ﴿ مَنِ استطعتم ﴾ من خلقه للاستعانة به على الإتيان بمثله: يعني: أنّ الله وحده هو القادر على أن يأتي بمثله لا يقدر على ذلك أحد غيره، فلا تستعينوه وحده، ثم استعينوا بكل من دونه ﴿ إِن كُنتُمْ صادقين ﴾ أنه افتراء ﴿ بَلْ كَذَّبُواْ ﴾ بل سارعوا إلى التكذيب بالقرآن، وفاجؤه في بديهة السماع قبل أن يفقهوه ويعلموا كنه أمره، وقبل أن يتدبروه ويقفوا على تأويله ومعانيه وذلك لفرط نفورهم عما يخالف دينهم وشرادهم عن مفارقة دين آبائهم، كالناشيء على التقليد من الحشوية، إذا أحسّ بكلمة لا توافق ما نشأ عليه وألفه- وإن كانت أضوأ من الشمس في ظهور الصحة وبيان الاستقامة- أنكرها في أوّل وهلة، واشمأز منها قبل أن يحسّ إدراكها بحاسّة سمعه من غير فكر في صحة أو فساد، لأنه لم يشعر قلبه إلاّ صحة مذهبه وفساد ما عداه من المذاهب.
فإن قلت: ما معنى التوقع في قوله: ﴿ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ﴾ ؟
قلت: معناه أنهم كذبوا به على البديهة قبل التدبر ومعرفة التأويل، تقليداً للآباء.
وكذبوه بعد التدبر، تمرداً وعناداً، فذمهم بالتسرع إلى التكذيب قبل العلم به، وجاء بكلمة التوقع ليؤذن أنهم علموا بعد علو شأنه وإعجازه لما كرّر عليهم التحدّي، ورازوا قواهم في المعارضة واستيقنوا عجزهم عن مثله، فكذبوا به بغياً وحسداً ﴿ كَذَلِكَ ﴾ أي مثل ذلك التكذيب ﴿ كَذَّبَ الذين مِن قَبْلِهِمْ ﴾ يعني قبل النظر في معجزات الأنبياء وقبل تدبرها من غير إنصاف من أنفسهم، ولكن قلدوا الآباء وعاندوا.
وقيل: هو في الذين كذبوا وهم شاكون.
ويجوز أن يكون معنى ﴿ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ﴾ ولم يأتهم بعد تأويل ما فيه من الإخبار بالغيوب أي عاقبته، حتى يتبين لهم أهو كذب أم صدق، يعني أنه كتاب معجز من جهتين: من جهة إعجاز نظمه، ومن جهة ما فيه من الإخبار بالغيوب، فتسرعوا إلى التكذيب به قبل أن ينظروا في نظمه وبلوغه حدّ الإعجاز، وقبل أن يخبروا أخباره بالمغيبات وصدقه وكذبه ﴿ وَمِنهُمْ مَّن يُؤْمِنُ بِهِ ﴾ يصدق به في نفسه، ويعلم أنه حق، ولكنه يعاند بالتكذيب.
ومنهم من يشكّ فيه لا يصدق به، أو يكون للاستقبال، أي: ومنهم من سيؤمن به ومنهم من سيصرّ ﴿ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بالمفسدين ﴾ بالمعاندين، أو المصرين.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمِنهُمْ ﴾ ومِنَ المُكَذِّبِينَ.
﴿ مَن يُؤْمِنُ بِهِ ﴾ مَن يُصَدِّقُ بِهِ في نَفْسِهِ ويَعْلَمُ أنَّهُ حَقٌّ ولَكِنْ يُعانِدُ، أوْ مَن سَيُؤْمِنُ بِهِ ويَتُوبُ عَنِ الكُفْرِ.
﴿ وَمِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ ﴾ في نَفْسِهِ لِفَرْطِ غَباوَتِهِ وقِلَّةِ تَدَبُّرِهِ، أوْ فِيما يَسْتَقْبِلُ بَلْ يَمُوتُ عَلى الكُفْرِ، ﴿ وَرَبُّكَ أعْلَمُ بِالمُفْسِدِينَ ﴾ بِالمُعانِدِينَ أوِ المُصِرِّينَ.
﴿ وَإنْ كَذَّبُوكَ ﴾ وإنْ أصَرُّوا عَلى تَكْذِيبِكَ بَعْدَ إلْزامِ الحُجَّةِ.
﴿ فَقُلْ لِي عَمَلِي ولَكم عَمَلُكُمْ ﴾ فَتَبَرَّأْ مِنهم فَقَدْ أعْذَرْتَ، والمَعْنى لِي جَزاءُ عَمَلِي ولَكم جَزاءُ عَمَلِكم حَقًّا كانَ أوْ باطِلًا.
﴿ أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ وأنا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ ﴾ لا تُؤاخَذُونَ بِعَمَلِي ولا أُؤاخِذُ بِعَمَلِكم، ولِما فِيهِ مِن إيهامِ الإعْراضِ عَنْهم وتَخْلِيَةِ سَبِيلِهِمْ قِيلَ إنَّهُ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.
<div class="verse-tafsir"
{وَمِنْهُمْ مَّن يُؤْمِنُ بِهِ} بالنبي أو بالقرآن اي بصدق به فى نفسه ويعلم أنه حق ولكن يعاند بالتكذيب {وَمِنْهُمْ مَّن لاَّ يُؤْمِنُ بِهِ} لا يصدق به ويشك فيه أو يكون للاستقبال أي ومنهم من سيؤمن به ومنهم من سيصر {وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بالمفسدين} بالمعاندين أو المصرين
﴿ ومِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ ﴾ وصْفٌ لِحالِهِمْ بَعْدَ إتْيانِ التَّأْوِيلِ المُتَوَقَّعِ كَما قِيلَ إذْ حِينَئِذٍ يُمْكِنُ تَنْوِيعُهم إلى المُؤْمِنِ بِهِ وغَيْرِ المُؤْمِنِ بِهِ ضَرُورَةَ امْتِناعِ الإيمانِ بِشَيْءٍ مِن غَيْرِ عِلْمٍ بِهِ واشْتِراكِ الكُلِّ في التَّكْذِيبِ قَبْلَ ذَلِكَ فالضَّمِيرُ لِلْمُكَذِّبِينَ ومَعْنى الإيمانِ بِهِ إمّا الِاعْتِقادُ بِحَقِّيَّتِهِ فَقَطْ أيْ مِنهم مَن يُصَدِّقُ بِهِ في نَفْسِهِ أنَّهُ حَقٌّ عِنْدَ الإحاطَةِ بِعِلْمِهِ وإتْيانِ تَأْوِيلِهِ لَكِنَّهُ يُعانِدُ ويُكابِرُ وأمّا الإيمانُ الحَقِيقِيُّ أيْ مِنهم مَن سَيُؤْمِنُ بِهِ ويَتُوبُ عَنِ الكُفْرِ ﴿ ومِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ ﴾ أيْ لا يُصَدِّقُ بِهِ في نَفْسِهِ كَما لا يُصَدِّقُ بِهِ ظاهِرًا لِفَرْطِ غَباوَتِهِ المانِعَةِ عَنِ الإحاطَةِ بِعِلْمِهِ كَما يَنْبَغِي أوْ لِسَخافَةِ عَقْلِهِ واخْتِلالِ تَمْيِيزِهِ وعَجْزِهِ عَنْ تَخْلِيصِ عُلُومِهِ عَنْ مُعارَضَةِ الظُّنُونِ والأوْهامِ الَّتِي ألَّفَها فَيَبْقى عَلى ما كانَ عَلَيْهِ مِنَ الشَّكِّ أوْ لا يُؤْمِنُ بِهِ فِيما سَيَأْتِي بَلْ يَمُوتُ عَلى كُفْرِهِ مُعانِدًا كانَ أوْ شاكًّا ﴿ورَبُّكَ أعْلَمُ بِالمُفْسِدِينَ 40﴾ أيْ بِكِلا الفَرِيقَيْنِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ مِنَ التَّفْسِيرِ لا بِالمُعانِدِينَ فَقَطْ لِاشْتِراكِهِما في أصْلِ الإفْسادِ المُسْتَدْعِي لِاشْتِراكِهِما في الوَعِيدِ المُرادِ مِنَ الكَلامِ أوْ بِالمُصِرِّينَ الباقِينَ عَلى الكُفْرِ عَلى الوَجْهِ الثّانِي مِنهُ <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، يعني: بالقرآن.
وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ ، يعني: بعقوبة من لم يؤمن به.
قال مقاتل: وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ من أهل الكتاب وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ من أهل مكة.
وقال الكلبي: وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ من اليهود، يعني: يؤمن به من قبل موته ولا يموت حقّ يقرّ به وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ يعني: بعلم الله تعالى السابق فيه.
وقال الزجاج: معناه وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ أي: يعلم أنه حق، فيصدق بقلبه ويعاند فيظهر الكفر، وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ أي يشك ولا يصدق.
قوله تعالى: وَإِنْ كَذَّبُوكَ، يعني: المشركين بما أتيتهم به.
فَقُلْ لِي عَمَلِي يعني: ديني.
وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ، يعني: دينكم.
أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وأدين وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ وتدينون به غير الله وهذا قبل أن يؤمر بالقتال، ولما نزلت آية القتال نسخت هذه الآية.
ثم قال تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ، قال الكلبي: نزلت في شأن اليهود، قدموا مكة وكانوا يسمعون قراءة القرآن فيعجبون به ويشتهونه، وتغلب عليهم الشقاوة ولا يسلمون، قال الله تعالى: أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ، يعني: تفقه الكافر الذي لا يعقل الموعظة؟
وقال الضحاك: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وذلك أن كفار قريش دخلوا المسجد الحرام والنبي قائم عند المقام يصلي، وهو يقرأ سورة طه، قال الوليد بن المغيرة: يا معشر قريش، إنما يتلو محمد ليأخذ بقلوبكم.
فقال أبو جهل وأصحابه: لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه، فنزل أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وذلك أنهم صموا عن الحق، ويقال: أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ يعني: من يتصامم ولا يستمع إليك.
وَلَوْ كانُوا لاَ يَعْقِلُونَ، يقول: فإن كانوا مع ذلك لا يرغبون في الحق.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ، يعني: بغير رغبة.
أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ، يقول: أفأنت ترشد من يتعامى؟
وَلَوْ كانُوا لاَ يُبْصِرُونَ الحق ولا يرغبون فيه.
قال القتبي: هذا من جوامع الكلم، حيث بَينَّ فضل السمع والبصر، حيث جعل مع الصم فقدان العقل، ولم يجعل مع العمى إلا فقدان البصر.
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ: أي: يبيِّن طرق الصواب، ثم وصف الأصنام بأنها لا تَهْدِي إِلا أنْ تُهْدَى.
وقوله: إِلَّا أَنْ يُهْدى: فيه تَجوُّز، لأنا نجدها لا تُهْدَى وإِنْ هُدِيَتْ، وقال بعضهم: هي عبارة عن أنها لا تنتقلُ إِلا أنْ تُنْقَلَ، ويحتمل أنْ يكون ما ذَكَرَ اللَّه مِنْ تسبيح الجمادَاتِ هو اهتداؤها، وقرأ نافع وأبو عمرو: «يَهْدِّي» «١» - بسكون الهاء، وتشديد الدَّال-، وقرأ ابن كثير وابنُ عامر: يَهَدِّي- بفتح الياء/ والهاء، وتشديد الدَّال «٢» - وهذه رواية وَرْشٍ عن نافعٍ، وقرأ حمزة والكسائي: «يَهْدِي» - بفتح الياءِ، وسكون الهاء «٣» - ومعنى هذه القراءة: أَمَّنْ لا يَهْدِي أَحداً إِلا أَن يُهْدى ذلك الأَحْدُ، ووقف القُرَّاء: فَما لَكُمْ، ثم يبدأ: كَيْفَ تَحْكُمُونَ.
وقوله سبحانه: وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا ...
الآية: أخبر اللَّه سبحانه عن فساد طريقتهم، وضَعْفِ نَظَرِهم، وأنه ظَنٌّ، ثم بيَّن منزلة الظنِّ من المعارف، وبعده عن الحقّ.
وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٣٧) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣٨) بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٣٩) وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ (٤٠)
وقوله سبحانه: وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ: هذا ردٌّ لقول من يقول: إنّ محمدا يفتري القرآن، والَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ: التوراةُ والإِنجيل، وهم يقطعون أنَّه لم يطالِعْ تلك الكُتُب، ولا هي في بلده، ولا في قومه، وتَفْصِيلَ الْكِتابِ هو تبيينه.
وقوله: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ ...
الاية: «أم» هذه ليست بالمعادلة لهمزة الاستفهام،
في قوله: أزيْدٌ قام أمْ عمرو؟
ومذهَبُ سِيبَوَيْهِ: أنها بمنزلة «بَلْ» ثم عجَّزهم سبحانه بقوله:
قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ ...
الآية: والتحدِّي في هذه الآية عند الجُمْهُور وقَعَ بجهتَي الإِعجاز اللَّتَيْنِ في القرآنِ:
إِحْداهما: النَّظْم والرَّصْف والإِيجازُ وَالجَزَالَة، كلُّ ذلك في التعريف.
والأُخرَى: المعاني مِنَ الغَيْبِ لِمَا مَضَى، ولما يُسْتَقْبَلُ.
وحين تحدَّاهم ب «عَشْرٍ مفترياتٍ» إِنما تحدَّاهم بالنَّظْم وحْده، ثم قال ع «١» :
هذا قول جماعة المتكلِّمين، ثم اختار أنَّ الإِعجاز في الآيتين إِنما وقع في النَّظْمِ لا في الإِخبارِ بالغُيُوبِ.
ت: والصوابُ ما تَقَدَّم للجمهور، وإليه رَجَعَ في «سورة هود» وأوجُهُ إِعجاز القرآن أَكْثَرُ من هذا وانظر «الشِّفَا» .
وقوله: مَنِ اسْتَطَعْتُمْ: إِحالةٌ على شركائهم.
وقوله سبحانه: بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ...
الآية: المعنى: ليس الأمر كما قالوا مِنْ أنه مفترًى، بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ، أي:
تفسيره، وبيانُهُ، ويحتمل أنْ يريد بما لم يأتهم تأويله، أي: ما يؤول إليه أمره كما هو في قوله: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ [الأعراف: ٥٣] وعَلَى هذا، فالآيةُ تتضمَّن وعيداً، والَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ: مَنْ سلف من أمم الأنبياء.
وقوله سبحانه: وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ ...
الآية: أيْ: ومِنْ قريشٍ مَنْ يؤمن بهذا الرسُولِ، ولهذا الكلام معنيان:
قالتْ فرقة: معناه: مِنْ هؤلاء القومِ مَنْ سيؤمن في المستقبل، ومِنْهُم من حَتَمَ اللَّه عَلَيْهِ أنَّه لا يؤمن به أبداً.
وقالتْ فرقة: معناه: ومنهم مَنْ يؤمن بهذا الرسُولِ إِلاَّ أنَّه يَكْتُم إِيمانه حفظا لرياسته، أو خوفاً مِنْ قومه، كالفِتْية الذين قُتِلُوا مع الكُفَّار بِبَدْرٍ.
قال ع «٢» : وفائدة الآية على هذا التأويل: التفريقُ لكلمة الكُفَّار، وإِضعافُ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ ﴾ في المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ اليَهُودُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: قُرَيْشٌ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ.
وَفِي هاءِ " بِهِ " قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى مُحَمَّدٍ ودِينِهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: إلى القُرْآنِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
وَهَذِهِ الآيَةُ تَضَمَّنَتِ الإخْبارَ عَمّا سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ، فالمَعْنى: ومِنهم مَن سَيُؤْمِنُ بِهِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: مِنهم مَن يَعْلَمُ أنَّهُ حَقٌّ فَيُصَدِّقُ بِهِ ويُعانِدُ فَيَظْهَرُ الكُفْرُ، ﴿ وَمِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ ﴾ أيْ: يَشُكُّ ولا يُصَدِّقُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَرَبُّكَ أعْلَمُ بِالمُفْسِدِينَ ﴾ قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ المُكَذِّبِينَ، وهَذا تَهْدِيدٌ لَهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ولَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظالِمِينَ ﴾ ﴿ وَمِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ ومِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ ورَبُّكَ أعْلَمُ بِالمُفْسِدِينَ ﴾ ﴿ وَإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي ولَكم عَمَلُكم أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ وأنا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُمَّ ولَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ ﴾ ﴿ وَمِنهم مَن يَنْظُرُ إلَيْكَ أفَأنْتَ تَهْدِي العُمْيَ ولَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ ﴾ المَعْنى: لَيْسَ الأمْرُ كَما قالُوا في أنَّهُ مُفْتَرًى، ﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ﴾ ، وهَذا اللَفْظُ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ؛ أحَدُهُما: أنْ يُرِيدَ بِها الوَعِيدَ الَّذِي تَوَعَّدَهُمُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى الكُفْرِ، و"تَأْوِيلُهُ" -عَلى هَذا- يُرادُ بِهِ ما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إلا تَأْوِيلَهُ ﴾ ، والآيَةُ بِجُمْلَتِها -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- تَتَضَمَّنُ وعِيدًا، والمَعْنى الثانِي: أنَّهُ أرادَ: بَلْ كَذَّبُوا بِهَذا القُرْآنِ العَظِيمِ المُنَبِّئِ بِالغُيُوبِ الَّذِي لَمْ تَتَقَدَّمْ لَهم بِهِ مَعْرِفَةٌ، ولا أحاطُوا بِعِلْمِ غُيُوبِهِ وحُسْنِ نَظْمِهِ، ولا جاءَهم تَفْسِيرُ ذَلِكَ وبَيانُهُ.
و ﴿ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ يُرِيدُ مَن سَلَفَ مِن أُمَمِ الأنْبِياءِ، قالَ الزَجّاجُ: "كَيْفَ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى خَبَرِ "كانَ"، ولا يَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ فِيها "فانْظُرْ" لِأنَّ ما قَبْلَ الِاسْتِفْهامِ لا يَعْمَلُ فِيهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: هَذا قانُونُ النَحْوِيِّينَ لِأنَّهم عامَلُوا "كَيْفَ" في كُلِّ مَكانٍ مُعامَلَةَ الِاسْتِفْهامِ المَحْضِ في قَوْلِكَ: "كَيْفَ زَيْدٌ؟"، ولِـ "كَيْفَ" تَصَرُّفاتٌ غَيْرُ هَذا، تَحُلُّ مَحَلَّ المَصْدَرِ الَّذِي هو "كَيْفِيَّةُ" وتُخْلَعُ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ، ويُحْتَمَلُ هَذا أنْ يَكُونَ مِنها، ومِن تَصَرُّفاتِها قَوْلُهُمْ: "كُنْ كَيْفَ شِئْتَ"، وانْظُرْ قَوْلَ البُخارِيِّ: "كَيْفَ كانَ بَدْءُ الوَحْيِ"، فَإنَّهُ لَمْ يَسْتَفْهِمْ.
وَذُكِّرَ الفِعْلُ المُسْنَدُ إلى "العاقِبَةِ" لَمّا كانَتْ بِمَعْنى المَآلِ ونَحْوِهِ، ولَيْسَ تَأْنِيثُها بِحَقِيقِيٍّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ ﴾ الآيَةُ، الضَمِيرُ في "وَمِنهُمْ" عائِدٌ عَلى قُرَيْشٍ، ولِهَذا الكَلامِ مَعْنَيانِ: قالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: مِن هَؤُلاءِ القَوْمِ مَن سَيُؤْمِنُ في المُسْتَقْبَلِ، ومِنهم مَن حَتَّمَ اللهُ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ بِهِ أبَدًا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: مِن هَؤُلاءِ القَوْمِ مَن هو مُؤْمِنٌ بِهَذا الرَسُولِ إلّا أنَّهُ يَكْتُمُ إيمانَهُ وعِلْمَهُ بِأنَّ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ وإعْجازَ القُرْآنِ حَقٌّ، حِفْظًا لِرِياسَتِهِ أو خَوْفًا مِن قَوْمِهِ، كالفِتْيَةِ الَّذِينَ خَرَجُوا إلى بَدْرٍ مَعَ الكُفّارِ فَقُتِلُوا فَنَزَلَ فِيهِمْ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ ﴾ ، وكالعَبّاسِ ونَحْوِ هَذا، ومِنهم مَن لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفائِدَةُ الآيَةِ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- التَفَرُّقُ لِكَلِمَةِ الكُفّارِ، وإضْعافُ نُفُوسِهِمْ، وأنْ يَكُونَ بَعْضُهم عَلى وجَلٍ مِن بَعْضٍ.
وفي قَوْلِهِ: ﴿ وَرَبُّكَ أعْلَمُ بِالمُفْسِدِينَ ﴾ تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ كَذَّبُوكَ ﴾ آيَةُ مُناجَزَةٍ لَهم ومُتارَكَةٍ، وفي ضِمْنِها وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ، وهَذِهِ الآيَةُ نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿ قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ ﴾ إلى آخِرِ السُورَةِ، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ مِنهُمُ ابْنُ زَيْدٍ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِالقِتالِ لِأنَّ هَذِهِ مَكِّيَّةٌ، وهَذا صَحِيحٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ ﴾ ، جَمَعَ "يَسْتَمِعُونَ" عَلى مَعْنى "مَن" لا عَلى لَفْظِها، ومَعْنى الآيَةِ: ومِن هَؤُلاءِ الكُفّارِ مَن يَسْتَمِعُ إلى ما يَأْتِي بِهِ مِنَ القُرْآنِ بِإذْنِهِ، ولَكِنَّهُ حِينَ لا يُؤْمِنُ ولا يُحَصِّلُ فَكَأنَّهُ لا يَسْمَعُ، ثُمَّ قالَ عَلى وجْهِ التَسْلِيَةِ لِلنَّبِيِّ : أفَأنْتَ يا مُحَمَّدُ تُرِيدُ أنْ تُسْمِعَ الصُمَّ؟
أيْ: لا تَكْتَرِثْ بِذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ ﴾ مَعْناهُ: ولَوْ كانُوا مِن أشَدِّ حالاتِ الأصَمِّ، لِأنَّ الأصَمَّ الَّذِي لا يَسْمَعُ شَيْئًا بِحالٍ، فَذَلِكَ لا يَكُونُ في الأغْلَبِ إلّا مَعَ فَسادِ العَقْلِ والدِماغِ، فَلا سَبِيلَ أنْ يَعْقِلَ حُجَّةً ولا دَلِيلًا أبَدًا، و"وَلَوْ" هَذِهِ بِمَعْنى "إنْ"، وهَذا تَوْقِيفٌ لِلنَّبِيِّ أيِ: الزَمْ نَفْسَكَ هَذا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنهم مَن يَنْظُرُ إلَيْكَ ﴾ الآيَةُ، هي نَحْوُ الأُولى في المَعْنى، وجاءَ "يَنْظُرُ" عَلى لَفْظِ "مَن"، وإذا جاءَ الفِعْلُ عَلى لَفْظِها فَجائِزٌ أنْ يُعْطَفَ عَلَيْهِ آخَرُ عَلى المَعْنى، وإذا جاءَ أوَّلًا عَلى مَعْناها فَلا يَجُوزُ أنْ يُعْطَفَ آخَرُ عَلى اللَفْظِ، لِأنَّ الكَلامَ يُلْبِسُ حِينَئِذٍ، وهَذِهِ الآيَةُ نَحْوُ الأُولى في المَعْنى كَأنَّهُ قالَ: ومِنهم مَن يَنْظُرُ إلَيْكَ بِبَصَرِهِ، لَكِنَّهُ لا يَعْتَبِرُ ولا يَنْظُرُ بِبَصِيرَتِهِ، فَهو لِذَلِكَ كالأعْمى، فَهَوِّنْ ذَلِكَ عَلَيْكَ، أفَتُرِيدُ أنْ تَهْدِيَ العُمْيَ والهِدايَةُ أجْمَعُ بِيَدِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ.
<div class="verse-tafsir"
عطف على جملة: ﴿ بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ﴾ [يونس: 39] لأن الإخبار عن تكذيبهم بأنه دون الإحاطة بعلم ما كذبوا به يقتضي أن تكذيبهم به ليس عن بصيرة وتأمل.
وما كان بهاته المثابة كان حال المكذبين فيه متفاوتاً حتى يبلغ إلى أن يكون تكذيباً مع اعتقاد نفي الكذب عنه، ولذلك جاء موقع هذه الآية عقب الأخرى موقع التخصيص للعام في الظاهر أو البيان للمجمللِ من عدم الإحاطة بعلمه، كما تقدم بيانه في قوله: ﴿ بما لم يحيطوا بعلمه ﴾ [يونس: 39].
فكان حالهم في الإيمان بالقرآن كحالهم في اتباع الأصنام إذ قال فيهم: ﴿ وما يتبع أكثرهم إلا ظناً ﴾ [يونس: 36]، فأشعر لفظ ﴿ أكثرهم ﴾ بأن منهم من يعلم بطلان عبادة الأصنام ولكنهم يتبعونها مشايعة لقومهم ومكابرة للحق، وكذلك حالهم في التكذيب بنسبة القرآن إلى الله، فمنهم من يؤمن به ويكتم إيمانه مكابرة وعَداء، ومنهم من لا يؤمنون به ويكذبون عن تقليد لكبرائهم.
والفريقان مشتركان في التكذيب في الظاهر كما أنبأت عنه (من) التبعيضية، وضمير الجمع عائد إلى ما عادت إليه ضمائر ﴿ أم يقولون افتراه ﴾ [يونس: 38] فمعنى يؤمن به يصدق بحقيته في نفسه ولكنه يظهر تكذيبه جمعاً بين إسناد الإيمان إليهم وبين جعلهم بعضاً من الذين يقولون ﴿ افتراه ﴾ .
واختيار المضارع للدلالة على استمرار الإيمان به من بعضهم مع المعاندة، واستمرار عدم الإيمان به من بعضهم أيضاً.
وجملة: ﴿ وربك أعلم بالمفسدين ﴾ معترضة في آخر الكلام على رأي المحققين من علماء المعاني، وهي تعريض بالوعيد والإنذار، وبأنهم من المفسدين، للعلم بأنه ما ذكر ﴿ المفسدين ﴾ هنا إلاّ لأن هؤلاء منهم وإلا لم يكن لذكر ﴿ المفسدين ﴾ مناسبة، فالمعنى: وربك أعلم بهم لأنه أعلم بالمفسدين الذين هم من زمرتهم.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَما كانَ هَذا القُرْآنُ أنْ يُفْتَرى مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي أنَّهُ يُخْتَلَقُ ويُكْذَبُ.
﴿ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: شاهِدٌ بِصِدْقِ ما تَقَدَّمَ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والزَّبُورِ.
الثّانِي: لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ البَعْثِ والنُّشُورِ والجَزاءِ والحِسابِ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنْ يَكُونَ مَعْناهُ ولَكِنْ يُصَدِّقُهُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكُتُبِ السّالِفَةِ بِما فِيها مِن ذِكْرِهِ فَيَزُولُ عَنْهُ الِافْتِراءُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَمْ يَعْلَمُوا ما عَلَيْهِمْ بِتَكْذِيبِهِمْ لِشَكِّهِمْ فِيهِ.
الثّانِي: لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِ ما فِيهِ مِن وعْدٍ ووَعِيدٍ لِإعْراضِهِمْ عَنْهُ.
﴿ وَلَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عِلْمُ ما فِيهِ مِنَ البُرْهانِ.
الثّانِي: ما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهم مِنَ العِقابِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ أم من لا يهدي إلا أن يهدى ﴾ قال: الأوثان؛ الله يهدي منها ومن غيرها ما شاء.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ ﴾ الآية، قال المفسرون: أخبر الله تعالى عن إيمان قوم علم (١) (٢) (٣) (٤) وقوله تعالى: ﴿ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ ﴾ ، قال عطاء: يريد المكذبين (٥) (١) ساقط من (ى).
(٢) ساقط من (ى).
(٣) انظر معناه في "تفسير ابن جرير" 11/ 118، والثعلبي 7/ 15 ب، والبغوي 4/ 134.
(٤) ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 548، وهو أحد قولين ذكرهما الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 213 عنه، عن ابن عباس، والقول الثاني لفظه: من اليهود، وهو ما ذكره السمرقندي 2/ 99، وابن الجوزي 4/ 34.
(٥) "زاد المسير" 4/ 34، "الوسيط" 2/ 548.
<div class="verse-tafsir"
﴿ بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ ﴾ أي سارعوا إلى التكذيب بما لم يفهموه ولم يعلموا تفسيره ﴿ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ﴾ أي علم تأويله ويعني بتأويله الوعيد الذي لهم فيه ﴿ وَمِنهُمْ مَّن يُؤْمِنُ بِهِ ﴾ الآية فيها.
قولان: أحدهما إخبار بما يكون منهم في المستقبل، وأن بعضهم يؤمن وبعضهم يتمادى على الكفر، والآخر أنها إخبار عن حالهم أن منهم من هو مؤمن به ويكتم إيمانه، ومنهم من هو مكذب.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ كلمات ربك ﴾ وكذلك في آخر السورة على الجمع: أبو جعفر ونافع وابن عامر ﴿ لا يهدي ﴾ مثل ﴿ يرمي ﴾ : حمزة وعلي وخلف ﴿ يهدي ﴾ بسكون الهاء وتشديد الدال: أبو جعفر ونافع غير ورش وعباس وأبو عمرو غير عباس بإشمام الفتحة قليلاً ﴿ يهدي ﴾ بكسر الهاء وتشديد الدال: عاصم غير يحيى وجبلة ورويس ﴿ يهدي ﴾ بكسرتين والتشديد: يحيى ﴿ يهدي ﴾ بفتحتين والتشديد: ابن كثير وابن عامر وورش وسهل ويعقوب غير رويس.
الوقوف: ﴿ يدبر الأمر ﴾ ط ﴿ الله ﴾ ج ﴿ تتقون ﴾ ه ج ط ﴿ ربكم الحق ﴾ ج ط للاستفهام مع الفاء ﴿ إلا الضلال ﴾ ج ط ﴿ تصرفون ﴾ ه ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ ثم يعيده ﴾ الأول ط ﴿ تؤفكون ﴾ ه ﴿ إلى الحق ﴾ ط ﴿ للحق ﴾ ط ﴿ أن يهدي ﴾ ج ط لما مر ﴿ فما لكم ﴾ ص لحق الاستفهام الثاني ﴿ تحكمون ﴾ ه ط ﴿ إلا ظناً ﴾ ط ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ يفعلون ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ افتراء ﴾ ط ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ تأويله ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ لا يؤمن به ﴾ ط ﴿ بالمفسدين ﴾ ه ﴿ عملكم ﴾ ج لأن ﴿ أنتم ﴾ مبتدأ والعامل واحد ﴿ تعملون ﴾ ه.
التفسير: لما بين فضائح عبدة الأوثان أكدها بالحجج اللامعة والبراهين القاطعة من أحوال الرزق والموت والحياة والإبداء والإعادة والإرشاد والهداية، وقد بنى الحجج على الاستفهام وتفويض الجواب إلى المسؤول ليكون أبلغ في إلزام الحجة وأوقع في النفوس.
فالحجة الأولى قوله: ﴿ قل من يرزقكم من السماء والأرض ﴾ بإنزال الأمطار النافعة الموجبة لتولد الأغذية النباتية والحيوانية في الأرض بعد رعاية شرائط تربيتها وإنمائها وحفظها من العاهات.
﴿ أمن يملك السمع والأبصار ﴾ خص الحاستين بالذكر لما في خلقهما وتسويتهما من الفطرة العجيبة، وكان يقول: "سبحان من بَصَّرَ بشحم وأسمع بعظم وأنطق بلحم" ولما في تحصينهما في الآفات في المدد الطوال وهما لطيفان يؤذيهما أدنى شيء مزيد قدرة ورأفة.
﴿ ومن يخرج الحي من الميت ﴾ الحيوان الماشي والطائر من النطفة والبيضة وقد مر سائر الأقوال في سورة الأنعام.
﴿ ومن يدبر الأمر ﴾ عمم بعدما خصص لأن أقسام تدبيره في العالم العلوي والعالم السفلي وعالمي الغيب والشهادة أمور لا نهاية لها.
وذكر كلها كالمتعذر.
﴿ فسيقولون الله ﴾ وفيه دليل على أنهم كانوا يعبدون الأصنام بناء على أنها شفعاؤهم وأنها تقربهم إلى الله زلفى، ولكنهم كانوا مخطئين في هذا الاعتقاد فلهذا ختم الآية بقوله ﴿ فقل أفلا تتقون ﴾ الله الذي اعترفتم بأنه سبب فيضان جميع الخيرات فكيف أشركتم بعبادته الجمادات التي لا تقدر على نفع أو ضر.
﴿ فذلكم ﴾ الموصوف بالقدرة الكاملة والرحمة الشاملة ﴿ الله ربكم الحق ﴾ الثابت ربوبيته بالوجدان والبرهان.
﴿ فماذا بعد الحق ﴾ "ذا" مزيدة و "ما" نافية أو استفهامية أو مجموع "ماذا" كلمة واحدة معناها أي شيء بعد الحق ﴿ إلا الضلال ﴾ والمراد أنه لما ثبت وجود الواجب الحق كان ما سواه ممكناً لذاته باطلاً دعوى الإلهية فيه، لأن واجب الوجود يجب أن يكون واحداً في ذاته وفي صفاته وفي جميع اعتباراته وإلا لزم افتقاره إلى ما انقسم إليه فلا يكون واجباً هف محال ولهذا ختم الآية بقوله: ﴿ فأنى تصرفون ﴾ كيف تستجيزون العدول عن هذا الحق الظاهر وتقعون في الضلال، إذ لا واسطة بين الأمرين، فمن يخطىء أحدهما وقع في الآخر.
﴿ كذلك ﴾ أي كما حق وثبت أن الحق بعده الضلال، أو كما حق أنهم مصروفون عن الحق فكذلك ﴿ حقت كلمة ربك ﴾ .
وتفسير الكلمة ﴿ أنهم لا يؤمنون ﴾ على أنه بدل أي حق عليهم انتفاء الإيمان وقد علم الله منهم ذلك في الأزل، وأراد بالكلمة العدة بالعذاب وأنهم لا يؤمنون تعليل على حذف اللام.
احتجت المعتزلة بمثل قوله تعالى: ﴿ فأنى تصرفون ﴾ أن الصارف لو كان هو الله لم يصح منه هذا التعجيب والإنكار.
وقالت الأشاعرة: قد تعلق علمه بأنهم لا يؤمنون كما قال: ﴿ حقت كلمة ربك ﴾ وتعلق خبره بأنهم لا يؤمنون وقدرته لم تتعلق بخلق الإيمان فيه بل بخلق الكفر فيه، وأثبت ذلك في اللوح المحفوظ وأشهد عليه ملائكته وأنزله على أنبيائه وأشهدهم عليه، فلو حصل الإيمان لبطلت هذه الأشياء فينقلب علمه جهلاً وخبره الصدق كذباً وقدرته عجزاً وإرادته عبثاً وإشهاده باطلاً.
الحجة الثانية ﴿ قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده ﴾ وإنما قال: ﴿ ثم يعيده ﴾ مع أن الخصم لا يعترف به لأنه قدم في هذه السورة دلال الإعادة بحيث لا يتمكن العاقل من دفعها إذا تأمل وأنصف فبنى الأمر على ذلك.
وإنما أمر نبيه أن ينوب عنهم في الجواب بقوله ﴿ قل الله ﴾ الآية.
تنبيهاً على أن هذا المعنى بلغ في الوضوح إلى حيث لا حاجة فيه الى إقرار الخصم المكابر، فكأنه قيل: تكلم عنهم إذ لا يدعهم لحاجهم أن ينطقوا بكلمة الحق.
وقوله: ﴿ فأنى تؤفكون ﴾ كقوله: ﴿ فأنى تصرفون ﴾ وقد مر في "المائدة".
الحجة الثالثة ﴿ قل هل من شركائكم من يهدي ﴾ الآية.
الاستدلال على وجود الصانع بالخلق أوّلاً ثم بالهداية عادة مطردة في القرآن، فحكى عن الخليل ﴿ الذي خلقني فهو يهدين ﴾ وعن موسى ﴿ ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ﴾ وأمر محمداً ﴿ سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى ﴾ والسر فيه أن المقصود من خلق الجسد حصول الهداية للروح وارتسام العلوم والمعارف فيه بإرشاد الحق من الطرق المنحرفة كثيرة والظنون والأغاليط غير محصورة، فتحصيل الوسط الحقيقي لا يمكن إلا بتوفيقه وهدايته، ولا مدخل في ذلك بالاستقلال لملك أو إنسي أو جني فضلاً عن الأصنام التي هي في أدنى مراتب الوجود لأنها جمادات لا شعور لها هذا تقرير الحجة الثالثة.
وقال الزجاج: يقال: هديت للحق وإلى الحق بمعنى، فجمع بين العبارتين.
ويقال: هدى بنفسه بمعنى اهتدى كما يقال شرى بمعنى اشترى ومنه قوله: ﴿ أمن لا يهدي ﴾ وسائر القراآت أصلها "يهتدي" فأدغم وفتحت الهاء بحركة التاء أو كسرت لالتقاء الساكنين، وقد كسرت الياء لاتباع ما بعدها.
قيل: هذه الشركاء جمادات فكيف قال في حقها ﴿ إلا أن يهدى ﴾ وأجيب بوجوه منها: أن المراد في الآية رؤساؤهم وأشرافهم كقوله: ﴿ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً ﴾ والمراد أن الله هو الذي يهدي الخلق إلى الدين الحق بالدلائل النقلية وبما يمكنهم منه من الدلائل العقلية، وأما هؤلاء الدعاة والرؤساء فإنهم لا يقدرون على أن يهدوا غيرهم إلا إذا هداهم الله.
ومنها أنهم لما اتخذوها آلهة وصفهم الله بصفة من يعقل كقوله: ﴿ إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ﴾ ومنها أن ذلك بالفرض والتقدير يعني أنها لو كانت بحيث يمكنها أن تهتدي فإنها لا تهدي غيرها إلا أن تهدى.
ومنها أن البنية عندنا ليست بشرط في صحة الحياة والعقل فيصح من الله أن يجعلها حية عاقلة، ثم إنها تشتغل بهداية الغير، ومنها أن المراد من الهدي النقل والحركة يقال: هديت المرأة زوجها أي نقلت إليه، فالمعنى لا ينتقل إلى مكان إلا إذا نقل إليه.
ثم عجب من مذهبهم الفاسد باستفهامين متواليين فقال: ﴿ فما لكم كيف تحكمون ﴾ .
ثم بين ما بنوا عليه أمر دينهم فقال: ﴿ وما يتبع أكثرهم إلا ظناً ﴾ أي في إقرارهم بالله لأنه قول غير مستند إلى برهان عندهم بل سمعوه من أسلافهم أو في قولهم للأصنام أنها آلهة أو شفعاء، وعلى هذا فالمراد بالأكثر الجميع.
﴿ إن الظن ﴾ في معرفة الله وفيما يجب تحقيقه ﴿ لا يغني من الحق ﴾ وهو العلم والتحقيق ﴿ شيئاً ﴾ من الغناء.
والمعنى أن الظن لا يقوم مقام العلم في شيء من الأحوال.
ثم أوعدهم على اتباعهم الظن وتقليد الآباء بقوله: ﴿ إن الله عليم بما يفعلون ﴾ .
وتمسك نفاة القياس بالآية ظاهر من قبل أن القياس لا يفيد إلا الظن.
وأجيب بأن التمسك بالعمومات لا يفيد إلا الظن وهذه الآية من العمومات فلم يجب اتباعها بزعمكم، وما أفضى ثبوته إلى نفيه كان متروكاً.
ولما فرغ من دلائل التوحيد شرع في إثبات النبوة فقال: ﴿ ما كان هذا القرآن أن يفترى ﴾ أي افتراء من دون الله أو كلمة "أن" بمعنى اللام أي ما ينبغي له وما استقام أن يكون مفترى.
والحاصل أن وصفه ليس وصف شيء يمكن أن يفترى به على الله لأنه معجز لا يقدر البشر على إتيان مثله وإنما القادر عليه هو الله .
﴿ ولكن ﴾ كان ﴿ تصديق الذي بين يديه ﴾ من الكتب المنزلة لإعجازه دونها فهو عيار عليها شاهد بصحتها، ونفس هذا التصديق أيضاً معجز لأن أقاصيصه موافقه لما في كتب الأولين مع أنه لم يتعلم قط ولم يتلمذ، ولأن بشارته جاءت في تلك الكتب على وفق دعواه، ولأنه يخبر عن الغيوب المستقبلة فيقع مطابقاً فظهر أن القرآن معجز من قبل اشتماله على الغيوب الماضية والمستقبلة.
أما أنه معجز من جهة اشتماله على العلوم الجمة فذلك قوله: ﴿ وتفصيل الكتاب ﴾ أي يبين ما كتب وفرض من الأحكام والشرائع كقوله: ﴿ كتاب الله عليكم ﴾ قال في الكشاف قوله: ﴿ لا ريب فيه من رب العالمين ﴾ داخل في حيز الاستدراك كأنه قال: ولكن كان تصديقاً وتفصيلاً منتفياً عنه الريب كائناً من رب العالمين، وجوز أن يكون ﴿ من رب العالمين ﴾ متعلقاً بتصديق وتفصيل و ﴿ لا ريب فيه ﴾ اعتراض كقولك: زيد لا شك فيه كريم.
والمعنى ولكن كان تصديقاً من رب العالمين وتفصيلاً منه لا ريب فيه.
ثم أعاد بيان إعجازه مرة أخرى فقال مستفهماً على سبيل الإنكار ﴿ أم يقولون افتراه قل ﴾ إن كان الأمر كما تزعمون ﴿ فأتوا ﴾ أنتم على وجه الافتراء ﴿ بسورة مثله ﴾ في البلاغة وحسن النظم فأنتم مثلي في العربية والفصاحة ﴿ وادعوا من استطعتم من دون الله ﴾ أي لا تستعينوا بالله وحده ثم استعينوا بكل من سواه ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ أنه افتراه.
قال بعض العلماء: هذه الآية في سورة يونس وهي مكية، فلعل المراد بالسورة المتحدّي بها هذه السورة.
والأصح أن التحدي واقع على أقصر سورة.
قالت المعتزلة: لو لم يكن الإتيان بمثل القرآن صحيح الوجود في الجملة لم يتحدّ العرب به لكنهم تحدّوا بذلك فدل على أن القرآن محدث إذ لو كان قديماً والإتيان بالقديم محال لم يصح هذا التحدي.
وأجيب بأن القرآن يقال بالاشتراك على الصفة القديمة القائمة بذات الله وعلى هذه الحروف والأصوات المحدثة، والتحدي إنما وقع بهذه لا بتلك ﴿ بل كذبوا ﴾ سارعوا إلى التكذيب ﴿ بما لم يحيطوا بعلمه ﴾ وهو القرآن ﴿ ولما يأتهم تأويله ﴾ ومعنى التوقع فيه أنهم كذبوا به على البديهة قبل التدبر ومعرفة التأويل تقليداً للآباء، وكذبوا به بعد التدبر وتكرير التحدي عليهم واستيقان عجزهم عن هذا بغياً وحسداً وعناداً.
وذلك إنما حملهم على التكذيب أوّلا وآخراً وجوه منها: أنهم وجدوا في القرآن أقاصيص الأولين ولم يعرفوا المقصود منها فقالوا أساطير الأوّلين، وخفي عليهم أن الغرض منها بيان قدرة الله على التصرف في هذا العالم ونقل الأمم من العز إلى الذل وبالعكس، ليعرف المكلف أن الدنيا ليست مما يبقى، فنهاية كل حركة سكون وغاية كل سكون أن لا يكون كقوله: عز من قائل ﴿ لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ﴾ .
ومنها أنهم كلما سمعوا حروف التهجي في أوائل السور ولم يفهموا منها شيئاً ساء ظنهم بالقرآن فأجاب الله عنه بقوله: ﴿ هو الذي أنزل عليك الكتاب ﴾ إلى قوله: ﴿ وأخر متشابهات ﴾ الآية.
ومنها أنهمرأوا القرآن يظهر شيئاً فشيئاً فاتهموا النبي وقالوا: ﴿ لولا أنزل عليه القرآن جملة واحدة ﴾ ومنها أنهم وجدوا القرآن مملوءاً من حديث الحشر والنشر، وكانوا قد ألفوا المحسوسات فاستبعدوا ذلك.
وأنهم وجدوا فيه تكاليف كثيرة من الصلاة والصيام والزكاة والحج والجهاد وكانوا يقولون.
إن إله العالم غني عنا وعن طاعاتنا ﴿ كذلك كذب الذين من قبلهم ﴾ يعني قبل النظر في معجزات أنبيائهم.
قال أهل التحقيق: في الآية دلالة على أن من كان غير عارف بوجوه التأويل قد يقع في الكفر والبدعة، لأن ظواهر النصوص قد تتعارض فيفتقر هنالك إلى تطبيق التنزيل على التأويل.
وقيل: معنى الآية أن القرآن كتاب معجز من جهتين: من جهة إعجاز نظمه ومن جهة ما فيه من الأخبار بالغيوب ومن جملتها أحوال الآخرة.
فقوله: ﴿ بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ﴾ إشارة إلى التكذيب به قبل أن ينظروا في نظمه وبلوغه حد الإعجاز، وقوله: ﴿ ولما يأتهم تأويله ﴾ إشارة إلى تكذيبهم قبل أن يمتحنوا غيوبه هل تطابق الواقع أم لا.
ثم ختم الآية بقوله: ﴿ فانظر كيف كان عاقبة الظالمين ﴾ والمراد أنهم طلبوا الدنيا وأعرضوا عن الآخرة فلم تبق عليهم الدنيا وفاتتهم الآخرة فبقوا في خسران الدارين.
وقيل: المقصود عذاب الاستئصال الذي نزل بالمكذبين قبلهم.
ثم قسم طوائف الأمم المكذبين فقال: ﴿ ومنهم من يؤمن به ﴾ أي بالقرآن أو بالرسول أي يصدق به في نفسه ويعلم أنه حق ولكنه يعاند ﴿ ومنهم ﴾ من يشك فيه لا يصدق به لا ظاهراً ولا باطناً، ويمكن أن يقال: المراد به قسمتهم في الاستقبال أي ومنهم من سيؤمن به ومنهم من يبقى على الكفر فتكون الآية كالعذر في تبقيتهم وعدم استئصالهم ﴿ وربك أعلم بالمفسدين ﴾ فيجازيهم على حسب مراتبهم في التكذيب ويعلم طوياتهم هل يتوبون أو يصرفون.
ثم بين اختصاص كل مكلف بأفعاله وبنتائج أعماله من الثواب والعقاب فقال: ﴿ وإن كذبوك فقل لي عملي ﴾ أي جزاء عملي على الطاعة والإيمان وتبليغ الرسالة ﴿ ولكم عملكم ﴾ قال مقاتل والكلبي: هي منسوخة بآية القتال.
والتحقيق أن آية القتال لا تدفع شيئاً من مدلولات هذه فلا نسخ والله أعلم.
التأويل: ﴿ قل من يرزقكم ﴾ أي من ينزل من سماء النفس مطر الهواجس ويخرج من أرض النفس نبات الأفعال والأعمال، وينزل من سماء القلب مطر أثار فيض الروح ويخرج من أرض النفس نبات الصفات البشرية والحيوانية.
أو ينزل من سماء الروح مطر فيض الروح ويخرج من أرض القلب نبات الأوصاف الحميدة، أو ينزل من سماء القدرة مطر تجلي الصفات والفيض الرباني ويخرج من أرض الروح المحبة والأخلاق الإلهية، أو ينزل من سماء الذات مطر تجلي الصفات ويخرج من أرض الوجود نبات الفناء في الله وثمرات البقاء بالله ﴿ أمن يملك السمع والأبصار ﴾ فيكون سمعه الذي به يسمع، وبصره الذي به يبصر.
﴿ يخرج الحي من الميت ﴾ النفس من القالب والقلب من الروح والروح من القلب وبالعكوس ﴿ ومن يدبر ﴾ أمر الإنسان بالتربية من التراب إلى أن يصل إلى رب الأرباب.
فسيقولون هذه الأحوال كلها من الله فقل لمن بلغ نظره إلى هذه المراتب العلية وإنها عتبة باب التوحيد والمعرفة ﴿ أفلا تتقون ﴾ بالله من غيره لتدخلوا بيت الوحدة ﴿ كذلك حقت كلمة ربك ﴾ هكذا جرى القلم في الأزل على الذين خرجوا عن قبول فيض النور حين رش على الخلق من نوره.
﴿ وتفصيل الكتاب ﴾ وتفصيل الجملة التي هي مكتوبة عنده في أم الكتاب وهو علمه القائم بذاته.
﴿ وربك أعلم بالمفسدين ﴾ الذين أفسدوا استعدادهم الفطري والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا كَانَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ قال بعضهم: هو صلة قوله: ﴿ قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا ٱئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ ﴾ فيقول: ﴿ وَمَا كَانَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ ؛ كقوله: ﴿ قُلْ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نَفْسِيۤ إِنْ أَتَّبِعُ ﴾ أي ما أتبع إلا ما يوحى إلي.
وقال بعضهم: إن كفار قريش قالوا: إن محمداً افترى هذا القرآن من عند نفسه ويقوله من نفسه، فقال: ﴿ وَمَا كَانَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ أن يضاف إلى غيره أو يختلق.
﴿ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ أي: يصدق هذا القرآن الكتب التي كانت من قبل، ولو كان محمد هو الذي افتراه واختلقه من عند نفسه لكان خرج هو وسائر الكتب المتقدمة مختلفا، إذ لم يعرف محمد سائر الكتب المتقدمة إذ كانت بغير لسانه، ولم يكن له اختلاف إلى من يعرفها ليتعلم، ثم خرج هو أعني القرآن مصدقا وموافقا لتلك الكتب؛ دل أنه من عند الله جاء؛ كقوله: ﴿ وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ...
﴾ الآية [العنكبوت: 48].
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا كَانَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ يخرج على وجهين؛ أحدهما: ما كان هذا القرآن بالذي يحتمل الافتراء من دون الله؛ لخروجه عن طوق البشر ووسعهم، فذلك بالذي يحيله كونه مفترى بجوهره.
والثاني: لما أودع فيه من الحكمة والصدق يدل على كونه من عند الله؛ إذ كلام غيره يحتمل السفه والكذب ويحتمل الاختلاف.
﴿ وَتَفْصِيلَ ٱلْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ ﴾ قيل فيه بيان الكتب التي نزلت قبله، وتمامه أن هذا وإن كان في اللفظ مختلفا فهو في الحكمة والصدق مبين موافق للأول.
وقيل: ﴿ وَتَفْصِيلَ ٱلْكِتَابِ ﴾ \[أي: تفصيل\] ما كتب لهم وما عليهم.
أو أن يقال؟
إلى الله تفصيل الكتب ليس إلى غير ﴿ لاَ رَيْبَ فِيهِ ﴾ أنه من عند رب العالمين.
أو يقول: مفصل من اللوح المحفوظ.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ ﴾ يقول: إن كان محمد افتراه من عند نفسه، فأتوا أنتم بمثله؛ إذ لسانه ولسانكم واحد، فأنتم قد عرفتم بالفرية والكذب، ومحمد لم يعرف به قط، ولا أخذ عليه بكذب قط، فأنتم أولى أن تأتوا بسورة مثله.
﴿ وَٱدْعُواْ مَنِ ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: ادعوا بآلهتكم التي تعبدونها؛ ليعينوكم على إتيان مثله.
وقال بعضهم: ﴿ وَٱدْعُواْ مَنِ ٱسْتَطَعْتُمْ ﴾ أي: بمن لسانه مثل لسانكم؛ ليعينوكم على ذلك.
أو يقول: استعينوا بدراسة الكتب؛ ليعينوكم على مثله إن كنتم صادقين أن محمداً افتراه من نفسه؛ فدل ترك اشتغالهم بذلك على أنهم قد عرفوا أنه ليس بمفترى، وأنه سماوي.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ ﴾ .
قال بعضهم: ما لم يحفظوا نظمه، ولا لفظه، ولا نظروا فيه، ولا تدبروا؛ ليعلموا معناه، بل كذبوه بالبديهة، والشيء إنما يعرف كذبه وصدقه بالنظر فيه والتفكر والتدبر، لا بالبديهة، فذلك - والله أعلم - تأويل قوله: ﴿ بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ ﴾ .
الثاني: ﴿ بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ ﴾ كذبوا على علم منهم أنهم كذبة فيما يقولون، ويتقولون: إنه مفترى ليس بمنزل ﴿ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ﴾ ، أي: ولما يأتهم العلم بتأويله، أي: بتأويل القرآن.
ومعناه - والله أعلم -: أنهم كذبوه من غير أن حفظوا نظمه، ووعوا لفظه، ولا أتاهم العلم بعاقبته وآخره.
وقيل: التأويل: هو رد كل شيء إلى أولية الأمر.
وقالت الحكماء: التأويل: آخر كل فعل هو قصد في أوله وقصد كل شيء في أوله هو آخر في فعله، أو نحوه.
وقال بعضهم: ﴿ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ﴾ قال: ما وعد الله أن يكون قبل أن يكون.
وقال ابن عباس - -: تأويل القرآن بما يكون منه في الدنيا، وبما يكون منه يوم القيامة، وهو العذاب الذي وعد.
وقال بعضهم: ﴿ تَأْوِيلُهُ ﴾ : ثوابه.
وقيل: عاقبته.
وقال الواقدي: لم يأتهم عاقبة بيان ما وعد الله في القرآن في الآخرة من الوعيد.
وأصل التأويل: هو النظر إلى ما تئول عاقبة الأمر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذَلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ ، أي: كذلك كذب الأمم السالفة رسلهم، كما كذب كفار مكة رسولهم، أي: لست أنت بأول مكذب، بل كذب من كان قبلك من إخوانك؛ ليكون له التسلي عما هو فيه من تكذيبهم إياه، وردهم عليه أنه ينزل بهم ما نزل بأولئك إن هم أقاموا على ما هم عليه.
والثاني: أن يكون الخطاب وإن كان خارجاً لرسول الله ، فهو راجع إلى قومه يأمرهم بالنظر فيما نزل بالأمم السالفة، وأن يتأملوا أحوالهم؛ ليكون ذلك سببا لزجرهم عما هم فيه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ بالتكذيب، أي: كيف يعاقبون ويعذبون، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنهُمْ مَّن يُؤْمِنُ بِهِ ﴾ قيل: من أهل مكة من يؤمن بهذا القرآن، ومنهم من لا يؤمن به، وهم كذلك كانوا، منهم من قد آمن به، ومنهم من لا يؤمن به، أي: من لم يؤمن به.
ويحتمل على الوعيد فيما يستقبل، أي: منهم: من أهل مكة من يؤمن بهذا القرآن، ومنهم من لا يؤمن به، وهم كذلك كانوا: منهم من قد آمن، ومنهم من لم يؤمن به.
قال بعضهم: هي في اليهود، ليست في أهل مكة، وظاهره أن يكون في كفار مكة، وعلى ذلك قول عامة أهل التأويل، كأن هذا يخرج على البشارة: أن منهم من يؤمن به؛ لئلا يقطع ويمنع دعاءهم، وأخبر أن منهم من لا يؤمن به، يؤيسه حتى لا يشتد حزنه على كفرهم.
وجائز أن يكون هذا [: أي: منهم من] قد يولد من بعد، ويؤمن به، ومنهم من يولد فلا يؤمن.
وقوله: ﴿ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِٱلْمُفْسِدِينَ ﴾ يشبه أن يكون معناه: أي: على علم بما يكون منهم من الفساد خلقهم وأنشأهم، وليس عن غفلة وجهل بالفساد، ولكن عن علم بذلك؛ لما لا يضره فساد مفسد، ولا ينفعه صلاح [من يصلح]، إنما عليهم ضرر فسادهم، ولهم منفعة صلاحهم.
ويحتمل أن يكون على الوعيد، أي: عالم بفسادهم، فيجزيهم جزاء فسادهم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ ﴾ ، تأويله - والله أعلم - أي: إن كذبت فيما أخبرتكم: أنه جاء من عند الله، فـ ﴿ لِّي عَمَلِي ﴾ ، أي: جزاء عملي فيما أبلغكم، أي: فعلي وزر عملي، ﴿ وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ ﴾ ، أي: فعليكم جرم ما رددتم علي فيما بلغتكم عن الله، وهو كقوله: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَاْ بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُجْرِمُونَ ﴾ ، أي: علي جرم ما افتريت إن افتريت، وعليكم جرم ما رددتم علي فيما بلغتكم عن الله.
ويحتمل: ما قاله أهل التأويل: ﴿ لِّي عَمَلِي ﴾ أي: لي ديني ﴿ وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ ﴾ أي: لكم دينكم.
﴿ أَنتُمْ بَرِيۤئُونَ مِمَّآ أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِيۤءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ .
تأويله - والله أعلم - أي: أنا لا أؤاخذ بما دنتم أنتم، ولا أنتم تؤاخذون بما دنت أنا وعملت، وهو كقوله: ﴿ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ...
﴾ الآية [الأنعام: 52]، وقوله: ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ...
﴾ الآية [النور: 54]، وقوله: ﴿ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ...
﴾ الآية [النور: 54]، وكقوله: ﴿ لاَّ تُسْأَلُونَ عَمَّآ أَجْرَمْنَا...
﴾ الآية [سبأ: 25].
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ ﴾ أخبر أن منهم من يستمع إليه، يعني: إلى رسول الله، وإلى ما يتلو من القرآن، [لكنه لا يؤمن، أخبر أنه] لا كل مستمع إلى شيء ينتفع بما يستمع أو يعقل ما يستمع ويفهم، إنما ينتفع بالاستماع ويعقل على قدر المقصود والحاجة إليه.
[ومنهم من كانوا ينهون من يستمعون لقبول القول منهم].
ومنهم من كان يستمع إليه؛ ليسمع غيره، كقوله: ﴿ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ ﴾ .
ومنهم من كان يسمعه، ويطيعه في ذلك، فإذا خرج من عنده غيره وبدله كقوله: ﴿ وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ ٱلَّذِي تَقُولُ ﴾ .
ومنهم من كان يستمع إليه؛ استهزاء منه، وطلب الطعن فيه والعيب، كانوا مختلفين في الاستماع، ثم نفى عنهم السمع والعقل والبصر؛ لوجهين: أحدهما: ما ذكرنا أنهم لما لم ينتفعوا بأسماعهم وعقولهم وأبصارهم وهذه الحواس انتفاع من ليست له هذه الحواس، [نفى عنهم ذلك؛ إذ هذه الحواس] إنما جعلت، لينتفع بها لا لتترك سدى لا ينتفع بها.
والثاني: كان العقل والسمع والبصر، وهذه يكون منها مكتسب بالاكتساب، ومنها ما يكون غريزة، فهم تركوا اكتساب الفعل الذي جعل مكتسباً فنفى عنهم؛ لما تركوا اكتساب ذلك.
ويحتمل نفي هذه الحواس لهذين الوجهين اللذين ذكرتهما، والله أعلم.
ثم نفى عمن لا يستمع العقل، حيث قال: ﴿ لاَ يَعْقِلُونَ ﴾ ، ونفى عنهم الاهتداء والإبصار بترك النظر، فقال: ﴿ أَفَأَنْتَ تَهْدِي ٱلْعُمْيَ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يُبْصِرُونَ ﴾ ؛ لأن بالبصر يوصل إلى اهتداء الطرق والسلوك فيها، ألا ترى أن البهائم قد تبصر الطرق، وتسلك بها، وتتقي بها المهالك، ولا تعقل، لما ليس لها العقل، فلا تعقل لما يسمع القلب بعقل، وبظاهر البصر تبصر الأشياء.
<div class="verse-tafsir"
ومن المشركين من سيؤمن بالقرآن قبل موته، ومنهم من لا يؤمن به عنادًا ومكابرة حتَّى يموت، وربك -أيها الرسول- أعلم بالمُصِرِّين على كفرهم، وسيجازيهم على كفرهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.0yMNa"