الآية ٤١ من سورة يونس

الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ٤١ من سورة يونس

وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّى عَمَلِى وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ ۖ أَنتُم بَرِيٓـُٔونَ مِمَّآ أَعْمَلُ وَأَنَا۠ بَرِىٓءٌۭ مِّمَّا تَعْمَلُونَ ٤١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 55 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤١ من سورة يونس: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤١ من سورة يونس عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : وإن كذبك هؤلاء المشركون ، فتبرأ منهم ومن عملهم ، ( فقل لي عملي ولكم عملكم ) كقوله تعالى : ( قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد ولا أنا عابد ما عبدتم ولا أنتم عابدون ما أعبد لكم دينكم ولي دين ) [ سورة الكافرون ] .

وقال إبراهيم الخليل وأتباعه لقومهم المشركين : ( إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده ) [ الممتحنة : 4 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (41) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وإن كذبك ، يا محمد ، هؤلاء المشركون، وردُّوا عليك ما جئتهم به من عند ربك، فقل لهم: أيها القوم ، لي ديني وعملي ، ولكم دينكم وعملكم، لا يضرني عملكم ، ولا يضركم عملي، وإنما يُجازَى كل عامل بعمله ، (أنتم بريئون مما أعمل) ، لا تُؤْاخذون بجريرته ، (وأنا بريء مما تعملون)، لا أوخذ بجريرة عملكم.

(20) وهذا كما قال جل ثناؤه: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ [سورة الكافرون: 1-3] .

* * * وقيل: إن هذه الآية منسوخة، نسخها الجهاد والأمر بالقتال.

*ذكر من قال ذلك: 17662- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم) الآية، قال: أمرَه بهذا ، ثم نَسَخه وأمرَه بجهادهم.

------------------------ الهوامش: (20) انظر تفسير " بريء " فيما سلف 14 : 12، تعليق : 1، والمراجع هناك .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملونقوله تعالى وإن كذبوك فقل لي عملي رفع بالابتداء ، والمعنى : لي ثواب عملي في التبليغ والإنذار والطاعة لله تعالى .ولكم عملكم أي جزاؤه من الشرك .أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون مثله ; أي لا يؤاخذ أحد بذنب الآخر .

وهذه الآية منسوخة بآية السيف ; في قول مجاهد والكلبي ومقاتل وابن زيد .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

‏وَإِنْ كَذَّبُوكَ‏}‏ فاستمر على دعوتك، وليس عليك من حسابهم من شيء، وما من حسابك عليهم من شيء، لكل عمله‏.‏ ‏{‏فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ‏}‏ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا‏}‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وإن كذبوك ) يا محمد ، ( فقل لي عملي ) وجزاؤه ، ( ولكم عملكم ) وجزاؤه ، ( أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون ) هذا كقوله تعالى : " لنا أعمالنا ولكم أعمالكم " ( القصص - 55 ) ، " لكم دينكم ولي دين " ( الكافرون - 6 ) .

قال الكلبي ومقاتل : هذه الآية منسوخة بآية الجهاد .

ثم أخبر أن التوفيق للإيمان به لا بغيره :

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وإن كذبوك فقل» لهم «لي عملي ولكم عملكم» أي لكلٍّ جزاء عمله «أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعلمون» وهذا منسوخ بآية السيف.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وإن كذَّبك -أيها الرسول- هؤلاء المشركون فقل لهم: لي ديني وعملي، ولكم دينكم وعملكم، فأنتم لا تؤاخَذون بعملي، وأنا لا أؤاخَذ بعملكم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله : ( وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُمْ بريائون مِمَّآ أَعْمَلُ وَأَنَاْ برياء مِّمَّا تَعْمَلُونَ ) إرشاد من الله - تعالى - لنبيه - صلى الله عليه وسلم - إذا ما لج أعداؤه فى طغيانهم .أى : وإن تمادى هؤلاء الأشرار فى طغيانهم وفى تكذيبهم لك يا محمد ، فقل لهم : أنا مسئول عن عملي أمام الله ، وأنتم مسئولون عن أعمالكم أمامه - سبحانه - وأنتم بريئون مما أعمله فلا تؤاخذوني عليه ، وأنا برئ كذلك من أعمالكم فلا يؤاخذني الله عليها .فالآية الكريمة تسلية للرسول - صلى الله عليه وسلم - عما أصابه من قومه .

وإعلام له بأن وظيفته البلاغ ، أما حسابهم على أعمالهم فعلى الله - تعالى - .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية المتقدمة قوله: ﴿ فانظر كَيْفَ كَانَ عاقبة الظالمين ﴾ وكان المراد منه تسليط العذاب عليهم في الدنيا، أتبعه بقوله: ﴿ وَمِنهُمْ مَّن يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَّن لاَّ يُؤْمِنُ بِهِ ﴾ منبهاً على أن الصلاح عنده تعالى كان في هذه الطائفة التبقية دون الاستئصال، من حيث كان المعلوم أن منهم من يؤمن به، والأقرب أن يكون الضمير في قوله: ﴿ بِهِ ﴾ راجعاً إلى القرآن، لأنه هو المذكور من قبل، ثم يعلم أنه متى حصل الإيمان بالقرآن، فقد حصل معه الإيمان بالرسول عليه الصلاة والسلام أيضاً.

واختلفوا في قوله: ﴿ وَمِنهُمْ مَّن يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَّن لاَّ يُؤْمِنُ بِهِ ﴾ لأن كلمة يؤمن فعل مستقبل وهو يصلح للحال والاستقبال، فمنهم من حمله على الحال، وقال: المراد أن منهم من يؤمن بالقرآن باطناً، لكنه يتعمد الجحد وإظهار التكذيب، ومنهم من باطنه كظاهره في التكذيب، ويدخل فيه أصحاب الشبهات، وأصحاب التقليد، ومنهم من قال: المراد هو المستقبل، يعني أن منهم من يؤمن به في المستقبل بأن يتوب عن الفكر ويبدله بالإيمان ومنهم من بصر ويستمر على الكفر.

ثم قال: ﴿ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بالمفسدين ﴾ أي هو العالم بأحوالهم في أنه هل يبقى مصراً على الكفر أو يرجع عنه.

ثم قال: ﴿ وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لّى عَمَلِى وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ ﴾ قيل فقل لي عملي الطاعة والإيمان، ولكم عملكم الشرك، وقيل: لي جزاء عملي ولكم جزاء عملكم.

ثم قال: ﴿ أَنتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِئ مّمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ قيل معنى الآية الزجر والردع، وقيل بل معناه استمالة قلوبهم.

قال مقاتل والكلبي: هذه الآية منسوخة بآية السيف وهذا بعيد، لأن شرط الناسخ أن يكون رافعاً لحكم المنسوخ، ومدلول هذه الآية اختصاص كل واحد بأفعاله وبثمرات أفعاله من الثواب والعقاب، وذلك لا يقتضي حرمة القتال، فآية القتال ما رفعت شيئاً من مدلولات هذه الآية فكان القول بالنسخ باطلاً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَإِن كَذَّبُوكَ ﴾ وإن تموا على تكذيبك ويئست من إجابتهم، فتبرأ منهم وخلهم فقد أعذرت، كقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنّى بَرِئء ﴾ [الشعراء: 216] وقيل: هي منسوخة بآية السيف.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَمِنهُمْ ﴾ ومِنَ المُكَذِّبِينَ.

﴿ مَن يُؤْمِنُ بِهِ ﴾ مَن يُصَدِّقُ بِهِ في نَفْسِهِ ويَعْلَمُ أنَّهُ حَقٌّ ولَكِنْ يُعانِدُ، أوْ مَن سَيُؤْمِنُ بِهِ ويَتُوبُ عَنِ الكُفْرِ.

﴿ وَمِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ ﴾ في نَفْسِهِ لِفَرْطِ غَباوَتِهِ وقِلَّةِ تَدَبُّرِهِ، أوْ فِيما يَسْتَقْبِلُ بَلْ يَمُوتُ عَلى الكُفْرِ، ﴿ وَرَبُّكَ أعْلَمُ بِالمُفْسِدِينَ ﴾ بِالمُعانِدِينَ أوِ المُصِرِّينَ.

﴿ وَإنْ كَذَّبُوكَ ﴾ وإنْ أصَرُّوا عَلى تَكْذِيبِكَ بَعْدَ إلْزامِ الحُجَّةِ.

﴿ فَقُلْ لِي عَمَلِي ولَكم عَمَلُكُمْ ﴾ فَتَبَرَّأْ مِنهم فَقَدْ أعْذَرْتَ، والمَعْنى لِي جَزاءُ عَمَلِي ولَكم جَزاءُ عَمَلِكم حَقًّا كانَ أوْ باطِلًا.

﴿ أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ وأنا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ ﴾ لا تُؤاخَذُونَ بِعَمَلِي ولا أُؤاخِذُ بِعَمَلِكم، ولِما فِيهِ مِن إيهامِ الإعْراضِ عَنْهم وتَخْلِيَةِ سَبِيلِهِمْ قِيلَ إنَّهُ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَإِن كَذَّبُوكَ} وإن تمّوا على تكذيبك ويئست من إجابتهم {فَقُل لّي

عَمَلِي} جزاء عملي {وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ} جزاء أعمالكم {أَنتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أعمل وأنا بريء مما تعملون} فكل مؤاخذ بعمله

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإنْ كَذَّبُوكَ ﴾ أيْ أصَرُّوا عَلى تَكْذِيبِكَ بَعْدَ إلْزامِ الحُجَّةِ وأُوِّلَ بِذَلِكَ لِأنَّ أصْلَ التَّكْذِيبِ حاصِلٌ فَلا يَصِحُّ فِيهِ الِاسْتِقْبالُ المُفادُ بِالشَّرْطِ وأيْضًا جَوابُهُ وهو قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فَقُلْ لِي عَمَلِي ولَكم عَمَلُكُمْ ﴾ المُرادُ مِنهُ التَّبَرُّؤُ والتَّخْلِيَةُ إنَّما يُناسِبُ الإصْرارَ عَلى التَّكْذِيبِ واليَأْسَ مِنَ الإجابَةِ والمَعْنى لِي جَزاءُ عَمَلِي ولَكم جَزاءُ عَمَلِكم كَيْفَما كانا وتَوْحِيدُ العَمَلِ المُضافِ إلَيْهِمْ بِاعْتِبارِ الِاتِّحادِ النَّوْعِيِّ ولِمُراعاةِ كَمالِ المُقابَلَةِ كَما قِيلَ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ وأنا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ 41﴾ تَأْكِيدٌ لِما أفادَهُ لامُ الِاخْتِصاصِ مِن عَدَمِ تَعَدِّي جَزاءِ العَمَلِ إلى غَيْرِ عامِلِهِ أيْ لا تُؤاخَذُونَ بِعَمَلِي ولا أُؤاخَذُ بِعَمَلِكم وعَلى هَذا فالآيَةُ مَحْكَمَةٌ غَيْرُ مَنسُوخَةٍ بِآيَةِ السَّيْفِ لِما أنَّ مَدْلُولَها اخْتِصاصُ كُلٍّ بِأفْعالِهِ وثَمَراتِها مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ وآيَةُ السَّيْفِ لَمْ تَرْفَعْ ذَلِكَ وعَنْ مُقاتِلٍ والكَلْبِيِّ وابْنِ زَيْدٍ أنَّها مَنسُوخَةٌ بِها وكَأنَّ ذَلِكَ لَمّا فَهِمُوا مِنها الإعْراضَ وتَرْكَ التَّعَرُّضِ بِشَيْءٍ ولَعَلَّ وجْهَ تَقْدِيمِ حُكْمِ المُتَكَلِّمِ أوَّلًا وتَأْخِيرِهِ ثانِيًا والعَكْسُ في حُكْمِ المُخاطَبِينَ ظاهِرٌ مِمّا ذَكَرْناهُ في مَعْنى الآيَةِ فافْهَمْ * * * هَذا ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ﴿ وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهم إذا لَهم مَكْرٌ في آياتِنا ﴾ وهو احْتِجابُهم عَنْ قَبُولِ صِفاتِ الحَقِّ وذَلِكَ لِأنَّهُ بِتَوَفُّرِ النِّعَمِ الظّاهِرَةِ والمُراداتِ الجُسْمانِيَّةِ يَقْوى مَيْلُ النَّفْسِ إلى الجِهَةِ السُّفْلِيَّةِ فَتَحْتَجِبُ عَنْ قَبُولِ ذَلِكَ كَما أنَّهُ بِأنْواعِ البَلاءِ تَنْكَسِرُ سَوْرَةُ النَّفْسِ ويَتَلَطَّفُ القَلْبُ ويَحْصُلُ المَيْلُ إلى الجِهَةِ العُلْوِيَّةِ والتَّهَيُّؤُ لِقَبُولِ ذَلِكَ ﴿ قُلِ اللَّهُ أسْرَعُ مَكْرًا ﴾ بِإخْفاءِ القَهْرِ الحَقِيقِيِّ في هَذا اللُّطْفِ الصُّورِيِّ ﴿ إنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ ﴾ في ألْواحِ المَلَكُوتِ ﴿ هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكم في البَرِّ والبَحْرِ ﴾ أيْ يُسَيِّرُ نُفُوسَكم في بَرِّ المُجاهَداتِ وقُلُوبَكم في بَحْرِ المُشاهَداتِ وقِيلَ: يُسَيِّرُ عُقُولُكم في بَرِّ الأفْعالِ وأرْواحِكم في بَحْرِ الصِّفاتِ والذّاتِ ﴿ حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ ﴾ أيْ فُلْكِ العِنايَةِ الأزَلِيَّةِ ﴿ وجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ ﴾ وهي رِيحُ صَبا وِصالِهِ سُبْحانَهُ ﴿ وفَرِحُوا بِها ﴾ لِإيذانِها بِذَلِكَ وتَعَطُّرِها بِشَذا دِيارِ الأُنْسِ ومَرابِعِ القُدْسِ: ألا يا نَسِيمَ الرِّيحِ ما لَكَ كُلَّما تَقَرَّبْتَ مِنّا زادَ نَشْرُكَ طِيبًا أظُنُّ سُلَيْمى خَبُرَتْ بِسِقامِنا ∗∗∗ فَأعْطَتْكَ رَيّاها فَجِئْتَ طَبِيبًا ﴿ جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وجاءَهُمُ المَوْجُ مِن كُلِّ مَكانٍ ﴾ وذَلِكَ عاصِفُ القَهْرِ وأمْواجُ صِفاتِ الجَلالِ وهَذِهِ سُنَّةٌ جارِيَةٌ في العاشِقِينَ لا يَسْتَمِرُّ لَهم حالٌ ولا يَدُومُ لَهم وِصالٌ ولِلَّهِ دَرُّ مَن قالَ: فَبِتْنا عَلى رَغْمِ الحَسُودِ وبَيْنَنا ∗∗∗ شَرابٌ كَرِيحِ المِسْكِ شِيبَ بِهِ الخَمْرُ فَوَسَّدْتُها كَفِّي وبِتُّ ضَجِيعَها ∗∗∗ وقُلْتُ لِلَيْلِي طُلْ فَقَدْ رَقَدَ البَدْرُ فَلَمّا أضاءَ الصُّبْحُ فَرَّقَ بَيْنَنا ∗∗∗ وأيُّ نَعِيمٍ لا يُكَدِّرُهُ الدَّهْرُ ﴿ وظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ ﴾ أيْ أنَّهم مِنَ الهالِكِينَ في تِلْكَ الأمْواجِ ﴿ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾ بِالتَّبَرِّي مِن غَيْرِ اللَّهِ تَعالى قائِلِينَ ﴿ لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِن الشّاكِرِينَ ﴾ لَكَ بِكَ ﴿ فَلَمّا أنْجاهم إذا هم يَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ ﴾ وهو تَجاوُزُهم عَنْ حَدِّ العُبُودِيَّةِ بِسُكْرِهِمْ في جَمالِ الرُّبُوبِيَّةِ وذَلِكَ مِثْلُ ما عَرَّ الحَلّاجَ وأضْرابِهِ ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ نَبَّهَهم بَعْدَ رُجُوعِهِمْ مِنَ السُّكْرِ إلى الصَّحْوِ عَلى أنَّ الأمْرَ وراءَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿ يا أيُّها النّاسُ إنَّما بَغْيُكم عَلى أنْفُسِكُمْ ﴾ أيْ أنَّهُ يَرْجِعُ إلَيْكم ما ادَّعَيْتُمْ لا إلَيْهِ تَعالى فَإنَّهُ سُبْحانَهُ المَوْجُودُ المُطْلَقُ حَتّى عَنْ قَيْدِ الإطْلاقِ كَذا قالُوا، وقالَ ابْنُ عَطاءٍ في الآيَةِ (حَتّى إذا رَكِبُوا) مَراكِبَ المَعْرِفَةِ وجَرَتْ بِهِمْ رِياحُ العِنايَةِ وطابَتْ نُفُوسُهم وقُلُوبُهم بِذَلِكَ وفَرِحُوا بِتَوَجُّهِهِمْ إلى مَقْصُودِهِمْ ﴿ جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ ﴾ أفْنَتْهم عَنْ أحْوالِهِمْ وإرادَتِهمْ ﴿ وجاءَهُمُ المَوْجُ مِن كُلِّ مَكانٍ وظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ ﴾ أيْ تَيَقَّنُوا أنَّهم مَأْخُوذُونَ عَنْهم ولَمْ يَبْقَ لَهم ولا عَلَيْهِمْ صِفَةٌ يَرْجِعُونَ إلَيْها وأنَّ الحَقَّ خَصَّهم مِن بَيْنِ عِبادِهِ بِأنْ سَلَبَهم عَنْهم ﴿ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾ حَيْثُ صَفّى سُبْحانَهُ أسْرارَهم وطَهَّرَها مِمّا سِواهُ ﴿ فَلَمّا أنْجاهُمْ ﴾ أيْ رَدَّهم إلى أوْصافِهِمْ وأشْباحِهِمْ رَجَعُوا إلى ما عَلَيْهِ عَوّامُ الخَلْقِ مِن طَلَبِ المَعاشِ لِلنُّفُوسِ انْتَهى.

وكَأنَّهُ حَمَلَ البَغْيَ عَلى الطَّلَبِ وضَمَّنَهُ مَعْنى الِاشْتِغالِ أيْ يَطْلُبُونَ في الأرْضِ مُشْتَغِلِينَ بِغَيْرِ الحَقِّ سُبْحانَهُ وهو المَعاشُ الَّذِي بِهِ قِوامُ أبْدانِهِمْ ويُشَكِّلُ أمْرَ الوَعِيدِ المُنْبِئِ بِهِ ﴿ فَنُنَبِّئُكُمْ ﴾ إلَخْ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ وما قَبْلَهُ لِأنَّ ما يَقَعُ في السُّكْرِ لا وعِيدَ عَلَيْهِ وكَذا طَلَبُ المَعاشِ وانْظُرْ هَلْ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: إنَّ الأمْرَ مِن بابِ حَسَناتِ الأبْرارِ سَيِّئاتِ المُقَرَّبِينَ؟

ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ مَثَّلَ الحَياةَ في سُرْعَةِ زَوالِها وانْصِرامِ نَعِيمِها غَبَّ إقْبالِها واغْتِرارَ صاحِبِها بِها بِما أشارَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿ كَماءٍ أنْزَلْناهُ ﴾ إلَخْ وفِيهِ إشارَةٌ إلى ما يَعْرِضُ والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى لِمَن سَبَقَتْ شَقاوَتَهُ في الأزَلِ مِنَ الحَوَرِ بَعْدَ الكَوَرِ فَبَيْنَما تَراهُ وأحْوالُهُ حالِيَّةٌ وأعْوامُهُ عَنْ شَوائِبِ الكَدَرِ خالِيَةٌ وغُصُونُ أُنْسِهِ مُتَدَلِّيَةٌ ورِياضُ قُرْبِهِ مُونِقَةٌ قَلَبَ الدَّهْرُ لَهُ ظَهَرَ المِجَنِّ وغَزاهُ بِجُيُوشِ المِحَنِ وهَبَّتْ عَلى هاتِيكَ الرِّياضِ عاصِفاتُ القَضاءِ وضاقَتْ عَلَيْهِ فَسِيحاتُ الفَضاءِ وذَهَبَ السُّرُورُ والأُنْسُ وجُعِلَ حَصِيدًا كَأنْ لَمْ يَغْنَ بِالأمْسِ وأنْشَدَ لِسانُ حالِهِ: قِفْ بِالدِّيارِ فَهَذِهِ آثارُهم ∗∗∗ نَبْكِي الأحِبَّةَ حَسْرَةً وتَشَوُّقًا كَمْ قَدْ وقَفْتُ بِهُنا أُسائِلُ مُخْبِرًا ∗∗∗ عَنْ أهْلِها أوْ صادِقًا أوْ مُشْفِقًا فَأجابَنِي داعِي الهَوى في رَسْمِها ∗∗∗ فارَقَتْ مَن تَهْوى فَعَزَّ المُلْتَقى ﴿ واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ ﴾ وهو العالَمُ الرُّوحانِيُّ السَّلِيمُ مِنَ الآفاتِ ﴿ ويَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ لا شُعُوبَ فِيهِ وهو طَرِيقُ الوَحْدَةِ وقَدْ يُقالُ: يَدْعُو الجَمِيعُ إلى دارِهِ ويَهْدِي خَواصَّ العارِفِينَ إلى وِصالِهِ أوْ يَدْعُو السّالِكِينَ إلى الجَنَّةِ ويَهْدِي المَجْذُوبِينَ إلى المُشاهَدَةِ ﴿ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا ﴾ وهم خَواصُّ الخَواصِّ ﴿ الحُسْنى ﴾ وهي رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعالى ﴿ وزِيادَةٌ ﴾ وهي دَوامُ الرُّؤْيَةِ أوْ لِلَّذِينِ جاءُوا بِما يَحْسُنُ بِهِ حالُهم مِن خَيْرٍ قَلْبِيٍّ أوْ قالَبِيٍّ، المَثُوبَةُ الحُسْنى مِنَ الكَمالِ الَّذِي يُفاضُ عَلَيْهِمْ وزِيادَةٌ في اسْتِعْدادِ قَبُولِ الخَيْرِ إلى ما كانُوا عَلَيْهِ قَبْلُ وقَدْ يُقالُ: الحُسْنى ما يَقْتَضِيهِ قُرْبُ النَّوافِلِ والزِّيادَةُ ما يَقْتَضِيهِ قُرْبُ الفَرائِضِ ﴿ ولا يَرْهَقُ وُجُوهَهم قَتَرٌ ولا ذِلَّةٌ ﴾ أيْ لا يُصِيبُهم غُبارُ الخَجالَةِ ولا ذُلُّ الفُرْقَةِ ﴿ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ ﴾ الَّتِي تَقْتَضِيها أفْعالُهم ﴿ هم فِيها خالِدُونَ ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ حالَ الَّذِينَ أساءُوا بِقَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿ والَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ ﴾ إلَخْ وأشارَ إلى أنَّهُ عَكْسُ حالِ أُولَئِكَ الكِرامِ ﴿ ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ﴾ في المَجْمَعِ الأكْبَرِ (ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينِ أشْرَكُوا مِنهُمْ) وهُمُ المَحْجُوبُونَ الواقِفُونَ مَعَ الغَيْرِ بِالمَحَبَّةِ والطّاعَةِ ﴿ مَكانَكم أنْتُمْ وشُرَكاؤُكُمْ ﴾ قِفُوا جَمِيعًا وانْتَظَرُوا الحُكْمَ ﴿ فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ ﴾ أيْ قَطَعْنا الأسْبابَ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهم ﴿ وقالَ شُرَكاؤُهم ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ ﴾ بَلْ كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أشْياءَ اخْتَرَعْتُمُوها في أوْهامِكُمُ الفاسِدَةِ ﴿ فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وبَيْنَكم إنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكم لَغافِلِينَ ﴾ لَمْ نَطْلُبْها مِنكم لا بِلِسانِ حالٍ ولا بِلِسانٍ قالَ ﴿ هُنالِكَ ﴾ أيْ في ذَلِكَ المَوْقِفِ ﴿ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ ﴾ أيْ تَذُوقُ وتَخْتَبِرُ ﴿ ما أسْلَفَتْ ﴾ في الدُّنْيا ﴿ ورُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ ﴾ المُتَوَلِّي لِجَزائِهِمْ بِالعَدْلِ والقِسْطِ ﴿ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ مِنِ اخْتِراعاتِهِمْ وتَوَهُّماتِهِمُ الكاذِبَةِ وأمانِيِّهِمُ الباطِلَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ مِمّا يَدُلُّ عَلى التَّوْحِيدِ ما ذَكَرَ والرِّزْقُ مِنَ السَّماءِ عِنْدَ العارِفِينَ هو رِزْقُ الأرْواحِ ومِنَ الأرْضِ رِزْقُ الأشْباحِ والحَيُّ عِنْدَهُمُ العارِفُ والمَيِّتُ الجاهِلُ ﴿ وما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم إلا ظَنًّا ﴾ ذَمٌّ لَهم بِعَدَمِ العِلْمِ بِما يَجِبُ لِمَوْلاهم وما يَمْتَنِعُ وما يَجُوزُ ولا يَكادُ يَنْجُو مِن هَذا الذَّمِّ إلّا قَلِيلٌ ومِنهُمُ الَّذِينَ عَرَفُوهُ جَلَّ شَأْنُهُ بِهِ لا بِالفِكْرِ بَلْ قَدْ يَكادُ يَقْصُرُ العِلْمُ عَلَيْهِمْ فَإنَّ أدِلَّةَ أهْلِ الرُّسُومِ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ وغَيْرِهِمْ مُتَعارِضَةٌ وكَلِماتُهم مُتَجاذِبَةٌ فَلا تَكادُ تَرى دَلِيلًا سالِمًا مِن قِيلَ وقالَ ونِزاعٍ وجِدالٍ والوُقُوفُ عَلى عِلْمٍ مِن ذَلِكَ مَعَ ذَلِكَ أمْرٌ أبْعَدُ مِنَ العَيُوقِ وأعَزُّ مِن بَيْضِ الأنُوقِ لَقَدْ طُفْتُ في تِلْكَ المَعاهِدِ كُلِّها ∗∗∗ وسَرَحْتُ طَرَفِي بَيْنَ تِلْكَ المَعالِمِ فَلَمْ أرَ إلّا واضِعًا كَفَّ حائِرٍ ∗∗∗ عَلى ذَقَنٍ أوْ قارِعًا سِنَّ نادِمِ فَمَن أرادَ النَّجاةَ فَلْيَفْعَلْ ما فَعَلَ القَوْمُ لِيَحْصُلَ لَهم أوَّلًا فَلْيَتَّبِعِ السَّلَفَ الصّالِحَ فِيما كانُوا عَلَيْهِ في أمْرِ دِينِهِمْ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِمَقالاتِ الفَلاسِفَةِ ومَن حَذا حَذْوَهم مِنَ المُتَكَلِّمِينَ الَّتِي لا تَزِيدُ طالِبَ الحَقِّ إلّا شَكًّا ﴿ وما كانَ هَذا القُرْآنُ أنْ يُفْتَرى مِن دُونِ اللَّهِ ولَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ ﴿ وتَفْصِيلَ الكِتابِ ﴾ الَّذِي هو الأُمُّ أيْ كَيْفَ يَكُونُ مُخْتَلَقًا وقَدْ أُثْبِتَ قَبْلَهُ في كِتابَيْنِ مُفَصَّلًا ومُجْمَلًا ﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ولَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ﴾ ذَمٌّ لَهم بِالمُسارَعَةِ إلى تَكْذِيبِ الحَقِّ قَبْلَ التَّأمُّلِ والتَّدَبُّرِ والِاطِّلاعِ عَلى الحَقِيقَةِ وهَذِهِ عادَةُ المُنْكِرِينَ أهْلَ الحِجابِ مَعَ كَلِماتِ القَوْمِ حَيْثُ إنَّهم يُسارِعُونَ إلى إنْكارِها قَبْلَ التَّأمُّلِ فِيها وتَدَبُّرِ مَضامِينِها والوُقُوفِ عَلى الِاصْطِلاحاتِ الَّتِي بُنِيَتْ عَلَيْها وكانَ الحَرِيُّ بِهِمُ التَّثَبُّتَ والتَّدَبُّرَ واللَّهُ تَعالى ولِيُّ التَّوْفِيقِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، يعني: بالقرآن.

وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ ، يعني: بعقوبة من لم يؤمن به.

قال مقاتل: وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ من أهل الكتاب وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ من أهل مكة.

وقال الكلبي: وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ من اليهود، يعني: يؤمن به من قبل موته ولا يموت حقّ يقرّ به وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ يعني: بعلم الله تعالى السابق فيه.

وقال الزجاج: معناه وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ أي: يعلم أنه حق، فيصدق بقلبه ويعاند فيظهر الكفر، وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ أي يشك ولا يصدق.

قوله تعالى: وَإِنْ كَذَّبُوكَ، يعني: المشركين بما أتيتهم به.

فَقُلْ لِي عَمَلِي يعني: ديني.

وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ، يعني: دينكم.

أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وأدين وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ وتدينون به غير الله وهذا قبل أن يؤمر بالقتال، ولما نزلت آية القتال نسخت هذه الآية.

ثم قال تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ، قال الكلبي: نزلت في شأن اليهود، قدموا مكة وكانوا يسمعون قراءة القرآن فيعجبون به ويشتهونه، وتغلب عليهم الشقاوة ولا يسلمون، قال الله تعالى: أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ، يعني: تفقه الكافر الذي لا يعقل الموعظة؟

وقال الضحاك: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وذلك أن كفار قريش دخلوا المسجد الحرام والنبي  قائم عند المقام يصلي، وهو يقرأ سورة طه، قال الوليد بن المغيرة: يا معشر قريش، إنما يتلو محمد ليأخذ بقلوبكم.

فقال أبو جهل وأصحابه: لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه، فنزل أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وذلك أنهم صموا عن الحق، ويقال: أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ يعني: من يتصامم ولا يستمع إليك.

وَلَوْ كانُوا لاَ يَعْقِلُونَ، يقول: فإن كانوا مع ذلك لا يرغبون في الحق.

وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ، يعني: بغير رغبة.

أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ، يقول: أفأنت ترشد من يتعامى؟

وَلَوْ كانُوا لاَ يُبْصِرُونَ الحق ولا يرغبون فيه.

قال القتبي: هذا من جوامع الكلم، حيث بَينَّ فضل السمع والبصر، حيث جعل مع الصم فقدان العقل، ولم يجعل مع العمى إلا فقدان البصر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

نفوسهم، وفي قوله: وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ تهديدٌ ووعيد.

وقوله سبحانه: وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ الآية فيها منابذةٌ ومتارَكَةٌ، قال كثير من المفسِّرين، منهم ابن زيد: هذه الآية منسوخةٌ بالقتال، وباقي الآية بيِّن.

وقوله سبحانه: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ ...

الآية: وعيدٌ بالحشر وخِزْيِهِم فيه، وتعارُفُهُمْ على جهة التلاؤمِ والخزْيِ من بَعْضِهِم لبعضٍ، حيث لا ينفع ذلك.

وقوله سبحانه: قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ ...

إلى آخرها: حُكْمٌ من اللَّه عزَّ وجلَّ على المكذِّبين بالخُسْران، وفي اللفظ إِغلاظٌ، وقيل: إِن هذا الكلام من كلام المحشُورِينَ، عَلى جهة التوبيخ لأنفسهم.

ت: والأول أبين.

وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ (٤٦) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٤٧)

وقوله: وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ ...

الآية: «إما» شرطٌ، وجوابه: فَإِلَيْنا، والرؤية في نُرِيَنَّكَ بصريةٌ، ومعنى هذه الآية: الوعيدُ بالرجوعِ إلى اللَّه تعالى، أي: إِنْ أَرَيْنَاكَ عقوبتهم، أو لم نُرِكَهَا، فهم عَلى كلِّ حال راجعُونَ إِلينا إلى الحسَابِ والعذابِ، ثم مع ذلك، فاللَّهُ شَهيدٌ من أوَّل تكليفهم عَلى جميعِ أَعمالهم، وَ «ثُمَّ» لترتيب الأَخبار/ لا لترتيب القصص في أنفسها، و «إِما» هي «إِنْ» ، زيدَتْ عليها «ما» ، ولأجلها جازَ دخُولُ النون الثقيلة، ولو كانت «إِنْ» وحدها، لم يجز.

ص: واعترض بأنَّ مذهب سيبَوَيْهِ «١» جوازُ دخولها، وإِن لم تَكُنْ «ما» انتهى.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي.

.

.

" ﴾ الآيَةُ.

قالَ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: نَسَخَتْها آيَةُ السَّيْفِ؛ ولَيْسَ هَذا بِصَحِيحٍ، لِأنَّهُ لا تَنافِيَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ولَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظالِمِينَ ﴾ ﴿ وَمِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ ومِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ ورَبُّكَ أعْلَمُ بِالمُفْسِدِينَ ﴾ ﴿ وَإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي ولَكم عَمَلُكم أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ وأنا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُمَّ ولَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ ﴾ ﴿ وَمِنهم مَن يَنْظُرُ إلَيْكَ أفَأنْتَ تَهْدِي العُمْيَ ولَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ ﴾ المَعْنى: لَيْسَ الأمْرُ كَما قالُوا في أنَّهُ مُفْتَرًى، ﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ﴾ ، وهَذا اللَفْظُ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ؛ أحَدُهُما: أنْ يُرِيدَ بِها الوَعِيدَ الَّذِي تَوَعَّدَهُمُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى الكُفْرِ، و"تَأْوِيلُهُ" -عَلى هَذا- يُرادُ بِهِ ما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إلا تَأْوِيلَهُ  ﴾ ، والآيَةُ بِجُمْلَتِها -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- تَتَضَمَّنُ وعِيدًا، والمَعْنى الثانِي: أنَّهُ أرادَ: بَلْ كَذَّبُوا بِهَذا القُرْآنِ العَظِيمِ المُنَبِّئِ بِالغُيُوبِ الَّذِي لَمْ تَتَقَدَّمْ لَهم بِهِ مَعْرِفَةٌ، ولا أحاطُوا بِعِلْمِ غُيُوبِهِ وحُسْنِ نَظْمِهِ، ولا جاءَهم تَفْسِيرُ ذَلِكَ وبَيانُهُ.

و ﴿ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ يُرِيدُ مَن سَلَفَ مِن أُمَمِ الأنْبِياءِ، قالَ الزَجّاجُ: "كَيْفَ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى خَبَرِ "كانَ"، ولا يَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ فِيها "فانْظُرْ" لِأنَّ ما قَبْلَ الِاسْتِفْهامِ لا يَعْمَلُ فِيهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: هَذا قانُونُ النَحْوِيِّينَ لِأنَّهم عامَلُوا "كَيْفَ" في كُلِّ مَكانٍ مُعامَلَةَ الِاسْتِفْهامِ المَحْضِ في قَوْلِكَ: "كَيْفَ زَيْدٌ؟"، ولِـ "كَيْفَ" تَصَرُّفاتٌ غَيْرُ هَذا، تَحُلُّ مَحَلَّ المَصْدَرِ الَّذِي هو "كَيْفِيَّةُ" وتُخْلَعُ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ، ويُحْتَمَلُ هَذا أنْ يَكُونَ مِنها، ومِن تَصَرُّفاتِها قَوْلُهُمْ: "كُنْ كَيْفَ شِئْتَ"، وانْظُرْ قَوْلَ البُخارِيِّ: "كَيْفَ كانَ بَدْءُ الوَحْيِ"، فَإنَّهُ لَمْ يَسْتَفْهِمْ.

وَذُكِّرَ الفِعْلُ المُسْنَدُ إلى "العاقِبَةِ" لَمّا كانَتْ بِمَعْنى المَآلِ ونَحْوِهِ، ولَيْسَ تَأْنِيثُها بِحَقِيقِيٍّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ ﴾ الآيَةُ، الضَمِيرُ في "وَمِنهُمْ" عائِدٌ عَلى قُرَيْشٍ، ولِهَذا الكَلامِ مَعْنَيانِ: قالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: مِن هَؤُلاءِ القَوْمِ مَن سَيُؤْمِنُ في المُسْتَقْبَلِ، ومِنهم مَن حَتَّمَ اللهُ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ بِهِ أبَدًا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: مِن هَؤُلاءِ القَوْمِ مَن هو مُؤْمِنٌ بِهَذا الرَسُولِ إلّا أنَّهُ يَكْتُمُ إيمانَهُ وعِلْمَهُ بِأنَّ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ  وإعْجازَ القُرْآنِ حَقٌّ، حِفْظًا لِرِياسَتِهِ أو خَوْفًا مِن قَوْمِهِ، كالفِتْيَةِ الَّذِينَ خَرَجُوا إلى بَدْرٍ مَعَ الكُفّارِ فَقُتِلُوا فَنَزَلَ فِيهِمْ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ  ﴾ ، وكالعَبّاسِ ونَحْوِ هَذا، ومِنهم مَن لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفائِدَةُ الآيَةِ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- التَفَرُّقُ لِكَلِمَةِ الكُفّارِ، وإضْعافُ نُفُوسِهِمْ، وأنْ يَكُونَ بَعْضُهم عَلى وجَلٍ مِن بَعْضٍ.

وفي قَوْلِهِ: ﴿ وَرَبُّكَ أعْلَمُ بِالمُفْسِدِينَ ﴾ تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ كَذَّبُوكَ ﴾ آيَةُ مُناجَزَةٍ لَهم ومُتارَكَةٍ، وفي ضِمْنِها وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ، وهَذِهِ الآيَةُ نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿ قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ  ﴾ إلى آخِرِ السُورَةِ، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ مِنهُمُ ابْنُ زَيْدٍ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِالقِتالِ لِأنَّ هَذِهِ مَكِّيَّةٌ، وهَذا صَحِيحٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ ﴾ ، جَمَعَ "يَسْتَمِعُونَ" عَلى مَعْنى "مَن" لا عَلى لَفْظِها، ومَعْنى الآيَةِ: ومِن هَؤُلاءِ الكُفّارِ مَن يَسْتَمِعُ إلى ما يَأْتِي بِهِ مِنَ القُرْآنِ بِإذْنِهِ، ولَكِنَّهُ حِينَ لا يُؤْمِنُ ولا يُحَصِّلُ فَكَأنَّهُ لا يَسْمَعُ، ثُمَّ قالَ عَلى وجْهِ التَسْلِيَةِ لِلنَّبِيِّ  : أفَأنْتَ يا مُحَمَّدُ تُرِيدُ أنْ تُسْمِعَ الصُمَّ؟

أيْ: لا تَكْتَرِثْ بِذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ ﴾ مَعْناهُ: ولَوْ كانُوا مِن أشَدِّ حالاتِ الأصَمِّ، لِأنَّ الأصَمَّ الَّذِي لا يَسْمَعُ شَيْئًا بِحالٍ، فَذَلِكَ لا يَكُونُ في الأغْلَبِ إلّا مَعَ فَسادِ العَقْلِ والدِماغِ، فَلا سَبِيلَ أنْ يَعْقِلَ حُجَّةً ولا دَلِيلًا أبَدًا، و"وَلَوْ" هَذِهِ بِمَعْنى "إنْ"، وهَذا تَوْقِيفٌ لِلنَّبِيِّ  أيِ: الزَمْ نَفْسَكَ هَذا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنهم مَن يَنْظُرُ إلَيْكَ ﴾ الآيَةُ، هي نَحْوُ الأُولى في المَعْنى، وجاءَ "يَنْظُرُ" عَلى لَفْظِ "مَن"، وإذا جاءَ الفِعْلُ عَلى لَفْظِها فَجائِزٌ أنْ يُعْطَفَ عَلَيْهِ آخَرُ عَلى المَعْنى، وإذا جاءَ أوَّلًا عَلى مَعْناها فَلا يَجُوزُ أنْ يُعْطَفَ آخَرُ عَلى اللَفْظِ، لِأنَّ الكَلامَ يُلْبِسُ حِينَئِذٍ، وهَذِهِ الآيَةُ نَحْوُ الأُولى في المَعْنى كَأنَّهُ قالَ: ومِنهم مَن يَنْظُرُ إلَيْكَ بِبَصَرِهِ، لَكِنَّهُ لا يَعْتَبِرُ ولا يَنْظُرُ بِبَصِيرَتِهِ، فَهو لِذَلِكَ كالأعْمى، فَهَوِّنْ ذَلِكَ عَلَيْكَ، أفَتُرِيدُ أنْ تَهْدِيَ العُمْيَ والهِدايَةُ أجْمَعُ بِيَدِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لما كان العلم بتكذيبهم حاصلاً مما تقدم من الآيات تعين أن التكذيب المفروض هنا بواسطة أداة الشرط هو التكذيب في المستقبل، أي الاستمرار على التكذيب.

وذلك أن كل ما تبين به صدق القرآن هو مثبِت لصدق الرسول صلى الله عليه وسلم الذي أتى به، أي إن أصروا على التكذيب بعدما قارعتْهم به من الحجة فاعلم أنهم لا تنجع فيهم الحجج وأعلن لهم بالبراءة منهم كما تَبرؤوا منك.

ومعنى: ﴿ لي عملي ولكم عملكم ﴾ المتاركة.

وهو مما أجري مُجرى المثل، ولذلك بني على الاختصار ووفرة المعنى، فأفيد فيه معنى الحصر بتقديم المعمول وبالتعبير بالإضافة ب ﴿ عَملي ﴾ و ﴿ عَمَلكم ﴾ ، ولم يعبر بنحو لي ما أعمل ولكم ما تعملون، كما عُبر به بعد.

والبريء: الخلي عن التلبس بشيءٍ وعن مخالطته.

وهو فَعيل من بَرّأ المضاعف على غير قياس.

وفعل بَرَّأ مشتق من برئ بكسر الراء من كذا، إذا خلت عنه تبعته والمؤاخذة به.

وهذا التركيب لا يراد به صريحُه وإنما يراد به الكناية عن المباعدة.

وقد جاء هذا المكنى به مصرحاً به في قوله تعالى: ﴿ فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون ﴾ [الشعراء: 216]، ولذلك فجملة: ﴿ أنتم بريئون مما أعمل ﴾ إلى آخرها بيان لجملة: ﴿ لي عملي ولكم عملكم ﴾ ولذلك فصلت.

وإنما عدل عن الإتيان بالعمل مصدراً كما أتي به في قوله: ﴿ لي عملي ولكم عملكم ﴾ إلى الإتيان به فعلاً صلة ل ﴿ ما ﴾ الموصولة للدلالة على البراءة من كل عمل يحدث في الحال والاستقبال، وأما العمل الماضي فلكونه قد انقضى لا يتعلق الغرض بذكر البراءة منه.

ولو عبر بالعمل لربما توهم أن المراد عمل خاص لأن المصدر المضاف لا يعم، ولتجنب إعادة اللفظ بعينه في الكلام الواحد؛ لأن جملة البيان من تمام المبيَّن، ولأن هذا اللفظ أنسب بسلاسة النظم، لأن في (ما) في قوله: ﴿ مما أعمل ﴾ من المد ما يجعله أسعد بمد النَفَس في آخر الآية والتهيئة للوقف على قوله: ﴿ مما تعملون ﴾ ، ولما في ﴿ تعملون ﴾ من المد أيضاً، ولأنه يراعي الفاصلة.

وهذا من دقائق فصاحة القرآن الخارجة عن الفصاحة المتعارفة بين الفصحاء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَسْتَمِعُونَ الكَذِبَ عَلَيْكَ فَلا يُنْكِرُونَهُ.

الثّانِي: يَسْتَمِعُونَ الحَقَّ مِنكَ فَلا يَعُونَهُ.

﴿ أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ ولَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ مَن لا يَعِي ما يَسْمَعُ فَهو كَمَن لا يَعْقِلُ.

الثّانِي: مَعْناهُ أنَّهُ كَما لا يَعِي مَن لا يَسْمَعُ كَذَلِكَ لا يَفْهَمُ مَن لا يَعْقِلُ.

والألِفُ الَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أفَأنْتَ ﴾ لَفْظُها الِاسْتِفْهامُ ومَعْناها مَعْنى النَّفْيِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإن كذبوك فقل لي عملي...

﴾ الآية.

قال: أمره بهذا، ثم نسخه فأمره بجهادهم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ كَذَّبُوكَ ﴾ الآية، قال مقاتل (١) (٢) (٣) (١) رواه الثعلبي 7/ 16 أ، والبغوي 4/ 135، وذكره أيضاً بغير سند المؤلف في "الوسيط" 2/ 548، والقرطبي في "تفسيره" 8/ 346، ولعل القول لمقاتل بن حيان، إذ لم أجده في "تفسير مقاتل بن سليمان".

(٢) المصادر السابقة، نفس المواضع، "زاد المسير" 4/ 34.

(٣) ليس بين هذه الآية وآيات الجهاد منافاة حتى يحكم بالنسخ، بل هذه الآية بمعنى == قولى تعالى: ﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ  ﴾ فهي إخبار بالبراءة منهم، والمفاصلة معهم، وأما ما قد يفهم منها من المتاركة وعدم التعرض لهم بسوء فإنه -إن كان الأمر كذلك- من أحكام حالة ضعف المسلمين، وعدم قدرتهم على الجهاد وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فالحكم موقوف بتلك الحالة، ويزول بزوالها، والسلف يطلقون على هذا الحكم لفظ النسخ، وليس هو كذلك في اصطلاح المتأخرين، قال الزركشي في "البرهان" 2/ 423 بعد أن ذكر للنسخ أقسامًا: (الثالث: ما أمر به لسبب ثم يزول السبب، كالأمر حين الضعف والقلة بالصبر وبالمغفرة للذين لا يرجون لقاء الله، ونحوه من عدم إيجاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد ونحوها، ثم نسخه إيجاب ذلك، وهذا ليس بنسخ في الحقيقة، وإنما هو نسء ...

، وبهذا التحقيق تبين ضعف ما لهج به كثير من المفسرين في الآيات الآمرة بالتخفيف أنها منسوخة بآية السيف، وليس كذلك، بل هي من المنسأ، بمعنى أن كل أمر ورد يجب امتثاله في وقت ما لعلة توجب ذلك الحكم، ثم ينتقل بانتقال تلك العلة إلى حكم آخر وليس بنسخ، إنما النسخ الإزالة حتى لا يجوز امتثاله أبدًا).

وقال الأصفهاني في "تفسيره" 4/ 75 أ، بعد أن ذكر قول الكلبي ومقاتل في نسخ الآية: وهذا بعيد؛ لأن شرط الناسخ أن يكون رافعًا لحكم المنسوخ، ومدلول هذه الآية اختصاص كل واحد بأفعاله، وبثمرات أفعاله من الثواب والعقاب، وذلك لا ينافي وجوب الجهاد، فلا تكون آية الجهاد رافعة لشيء من مدلولات هذه الآية.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَقُل لِّي عَمَلِي ﴾ الآية: موادعة، منسوخة بالقتال ﴿ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ ﴾ أي يستمعون القرآن، وجمع الضمير بالحمل على معنى من ﴿ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصم ﴾ المعنى أتريد أن تسمع الصم وذلك لا يكون.

لاسيما إذا انضاف إلى الصمم عدم العقل ﴿ أَفَأَنْتَ تَهْدِي العمي ﴾ المعنى أتريد أن تهدي العمي، وذلك لا يكون ولاسيما إذا انضاف إلى عدم البصر عمى البصيرة، والصمم والعمى عبارة عن قلة فهمهم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ كلمات ربك ﴾ وكذلك في آخر السورة على الجمع: أبو جعفر ونافع وابن عامر ﴿ لا يهدي ﴾ مثل ﴿ يرمي ﴾ : حمزة وعلي وخلف ﴿ يهدي ﴾ بسكون الهاء وتشديد الدال: أبو جعفر ونافع غير ورش وعباس وأبو عمرو غير عباس بإشمام الفتحة قليلاً ﴿ يهدي ﴾ بكسر الهاء وتشديد الدال: عاصم غير يحيى وجبلة ورويس ﴿ يهدي ﴾ بكسرتين والتشديد: يحيى ﴿ يهدي ﴾ بفتحتين والتشديد: ابن كثير وابن عامر وورش وسهل ويعقوب غير رويس.

الوقوف: ﴿ يدبر الأمر ﴾ ط ﴿ الله ﴾ ج ﴿ تتقون ﴾ ه ج ط ﴿ ربكم الحق ﴾ ج ط للاستفهام مع الفاء ﴿ إلا الضلال ﴾ ج ط ﴿ تصرفون ﴾ ه ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ ثم يعيده ﴾ الأول ط ﴿ تؤفكون ﴾ ه ﴿ إلى الحق ﴾ ط ﴿ للحق ﴾ ط ﴿ أن يهدي ﴾ ج ط لما مر ﴿ فما لكم ﴾ ص لحق الاستفهام الثاني ﴿ تحكمون ﴾ ه ط ﴿ إلا ظناً ﴾ ط ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ يفعلون ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ افتراء ﴾ ط ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ تأويله ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ لا يؤمن به ﴾ ط ﴿ بالمفسدين ﴾ ه ﴿ عملكم ﴾ ج لأن ﴿ أنتم ﴾ مبتدأ والعامل واحد ﴿ تعملون ﴾ ه.

التفسير: لما بين فضائح عبدة الأوثان أكدها بالحجج اللامعة والبراهين القاطعة من أحوال الرزق والموت والحياة والإبداء والإعادة والإرشاد والهداية، وقد بنى الحجج على الاستفهام وتفويض الجواب إلى المسؤول ليكون أبلغ في إلزام الحجة وأوقع في النفوس.

فالحجة الأولى قوله: ﴿ قل من يرزقكم من السماء والأرض ﴾ بإنزال الأمطار النافعة الموجبة لتولد الأغذية النباتية والحيوانية في الأرض بعد رعاية شرائط تربيتها وإنمائها وحفظها من العاهات.

﴿ أمن يملك السمع والأبصار ﴾ خص الحاستين بالذكر لما في خلقهما وتسويتهما من الفطرة العجيبة، وكان  يقول: "سبحان من بَصَّرَ بشحم وأسمع بعظم وأنطق بلحم" ولما في تحصينهما في الآفات في المدد الطوال وهما لطيفان يؤذيهما أدنى شيء مزيد قدرة ورأفة.

﴿ ومن يخرج الحي من الميت ﴾ الحيوان الماشي والطائر من النطفة والبيضة وقد مر سائر الأقوال في سورة الأنعام.

﴿ ومن يدبر الأمر ﴾ عمم بعدما خصص لأن أقسام تدبيره  في العالم العلوي والعالم السفلي وعالمي الغيب والشهادة أمور لا نهاية لها.

وذكر كلها كالمتعذر.

﴿ فسيقولون الله ﴾ وفيه دليل على أنهم كانوا يعبدون الأصنام بناء على أنها شفعاؤهم وأنها تقربهم إلى الله زلفى، ولكنهم كانوا مخطئين في هذا الاعتقاد فلهذا ختم الآية بقوله ﴿ فقل أفلا تتقون ﴾ الله الذي اعترفتم بأنه سبب فيضان جميع الخيرات فكيف أشركتم بعبادته الجمادات التي لا تقدر على نفع أو ضر.

﴿ فذلكم ﴾ الموصوف بالقدرة الكاملة والرحمة الشاملة ﴿ الله ربكم الحق ﴾ الثابت ربوبيته بالوجدان والبرهان.

﴿ فماذا بعد الحق ﴾ "ذا" مزيدة و "ما" نافية أو استفهامية أو مجموع "ماذا" كلمة واحدة معناها أي شيء بعد الحق ﴿ إلا الضلال ﴾ والمراد أنه لما ثبت وجود الواجب الحق كان ما سواه ممكناً لذاته باطلاً دعوى الإلهية فيه، لأن واجب الوجود يجب أن يكون واحداً في ذاته وفي صفاته وفي جميع اعتباراته وإلا لزم افتقاره إلى ما انقسم إليه فلا يكون واجباً هف محال ولهذا ختم الآية بقوله: ﴿ فأنى تصرفون ﴾ كيف تستجيزون العدول عن هذا الحق الظاهر وتقعون في الضلال، إذ لا واسطة بين الأمرين، فمن يخطىء أحدهما وقع في الآخر.

﴿ كذلك ﴾ أي كما حق وثبت أن الحق بعده الضلال، أو كما حق أنهم مصروفون عن الحق فكذلك ﴿ حقت كلمة ربك ﴾ .

وتفسير الكلمة ﴿ أنهم لا يؤمنون ﴾ على أنه بدل أي حق عليهم انتفاء الإيمان وقد علم الله منهم ذلك في الأزل، وأراد بالكلمة العدة بالعذاب وأنهم لا يؤمنون تعليل على حذف اللام.

احتجت المعتزلة بمثل قوله تعالى: ﴿ فأنى تصرفون ﴾ أن الصارف لو كان هو الله  لم يصح منه هذا التعجيب والإنكار.

وقالت الأشاعرة: قد تعلق علمه  بأنهم لا يؤمنون كما قال: ﴿ حقت كلمة ربك ﴾ وتعلق خبره بأنهم لا يؤمنون وقدرته لم تتعلق بخلق الإيمان فيه بل بخلق الكفر فيه، وأثبت ذلك في اللوح المحفوظ وأشهد عليه ملائكته وأنزله على أنبيائه وأشهدهم عليه، فلو حصل الإيمان لبطلت هذه الأشياء فينقلب علمه جهلاً وخبره الصدق كذباً وقدرته عجزاً وإرادته عبثاً وإشهاده باطلاً.

الحجة الثانية ﴿ قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده ﴾ وإنما قال: ﴿ ثم يعيده ﴾ مع أن الخصم لا يعترف به لأنه قدم في هذه السورة دلال الإعادة بحيث لا يتمكن العاقل من دفعها إذا تأمل وأنصف فبنى الأمر على ذلك.

وإنما أمر نبيه أن ينوب عنهم في الجواب بقوله ﴿ قل الله ﴾ الآية.

تنبيهاً على أن هذا المعنى بلغ في الوضوح إلى حيث لا حاجة فيه الى إقرار الخصم المكابر، فكأنه قيل: تكلم عنهم إذ لا يدعهم لحاجهم أن ينطقوا بكلمة الحق.

وقوله: ﴿ فأنى تؤفكون ﴾ كقوله: ﴿ فأنى تصرفون ﴾ وقد مر في "المائدة".

الحجة الثالثة ﴿ قل هل من شركائكم من يهدي ﴾ الآية.

الاستدلال على وجود الصانع بالخلق أوّلاً ثم بالهداية عادة مطردة في القرآن، فحكى عن الخليل  ﴿ الذي خلقني فهو يهدين  ﴾ وعن موسى ﴿ ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى  ﴾ وأمر محمداً  ﴿ سبح اسم ربك الأعلى  الذي خلق فسوى  والذي قدر فهدى  ﴾ والسر فيه أن المقصود من خلق الجسد حصول الهداية للروح وارتسام العلوم والمعارف فيه بإرشاد الحق  من الطرق المنحرفة كثيرة والظنون والأغاليط غير محصورة، فتحصيل الوسط الحقيقي لا يمكن إلا بتوفيقه وهدايته، ولا مدخل في ذلك بالاستقلال لملك أو إنسي أو جني فضلاً عن الأصنام التي هي في أدنى مراتب الوجود لأنها جمادات لا شعور لها هذا تقرير الحجة الثالثة.

وقال الزجاج: يقال: هديت للحق وإلى الحق بمعنى، فجمع بين العبارتين.

ويقال: هدى بنفسه بمعنى اهتدى كما يقال شرى بمعنى اشترى ومنه قوله: ﴿ أمن لا يهدي ﴾ وسائر القراآت أصلها "يهتدي" فأدغم وفتحت الهاء بحركة التاء أو كسرت لالتقاء الساكنين، وقد كسرت الياء لاتباع ما بعدها.

قيل: هذه الشركاء جمادات فكيف قال في حقها ﴿ إلا أن يهدى ﴾ وأجيب بوجوه منها: أن المراد في الآية رؤساؤهم وأشرافهم كقوله: ﴿ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً  ﴾ والمراد أن الله  هو الذي يهدي الخلق إلى الدين الحق بالدلائل النقلية وبما يمكنهم منه من الدلائل العقلية، وأما هؤلاء الدعاة والرؤساء فإنهم لا يقدرون على أن يهدوا غيرهم إلا إذا هداهم الله.

ومنها أنهم لما اتخذوها آلهة وصفهم الله  بصفة من يعقل كقوله: ﴿ إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم  ﴾ ومنها أن ذلك بالفرض والتقدير يعني أنها لو كانت بحيث يمكنها أن تهتدي فإنها لا تهدي غيرها إلا أن تهدى.

ومنها أن البنية عندنا ليست بشرط في صحة الحياة والعقل فيصح من الله  أن يجعلها حية عاقلة، ثم إنها تشتغل بهداية الغير، ومنها أن المراد من الهدي النقل والحركة يقال: هديت المرأة زوجها أي نقلت إليه، فالمعنى لا ينتقل إلى مكان إلا إذا نقل إليه.

ثم عجب من مذهبهم الفاسد باستفهامين متواليين فقال: ﴿ فما لكم كيف تحكمون ﴾ .

ثم بين ما بنوا عليه أمر دينهم فقال: ﴿ وما يتبع أكثرهم إلا ظناً ﴾ أي في إقرارهم بالله لأنه قول غير مستند إلى برهان عندهم بل سمعوه من أسلافهم أو في قولهم للأصنام أنها آلهة أو شفعاء، وعلى هذا فالمراد بالأكثر الجميع.

﴿ إن الظن ﴾ في معرفة الله وفيما يجب تحقيقه ﴿ لا يغني من الحق ﴾ وهو العلم والتحقيق ﴿ شيئاً ﴾ من الغناء.

والمعنى أن الظن لا يقوم مقام العلم في شيء من الأحوال.

ثم أوعدهم على اتباعهم الظن وتقليد الآباء بقوله: ﴿ إن الله عليم بما يفعلون ﴾ .

وتمسك نفاة القياس بالآية ظاهر من قبل أن القياس لا يفيد إلا الظن.

وأجيب بأن التمسك بالعمومات لا يفيد إلا الظن وهذه الآية من العمومات فلم يجب اتباعها بزعمكم، وما أفضى ثبوته إلى نفيه كان متروكاً.

ولما فرغ من دلائل التوحيد شرع في إثبات النبوة فقال: ﴿ ما كان هذا القرآن أن يفترى ﴾ أي افتراء من دون الله أو كلمة "أن" بمعنى اللام أي ما ينبغي له وما استقام أن يكون مفترى.

والحاصل أن وصفه ليس وصف شيء يمكن أن يفترى به على الله لأنه معجز لا يقدر البشر على إتيان مثله وإنما القادر عليه هو الله  .

﴿ ولكن ﴾ كان ﴿ تصديق الذي بين يديه ﴾ من الكتب المنزلة لإعجازه دونها فهو عيار عليها شاهد بصحتها، ونفس هذا التصديق أيضاً معجز لأن أقاصيصه موافقه لما في كتب الأولين مع أنه لم يتعلم قط ولم يتلمذ، ولأن بشارته جاءت في تلك الكتب على وفق دعواه، ولأنه يخبر عن الغيوب المستقبلة فيقع مطابقاً فظهر أن القرآن معجز من قبل اشتماله على الغيوب الماضية والمستقبلة.

أما أنه معجز من جهة اشتماله على العلوم الجمة فذلك قوله: ﴿ وتفصيل الكتاب ﴾ أي يبين ما كتب وفرض من الأحكام والشرائع كقوله: ﴿ كتاب الله عليكم  ﴾ قال في الكشاف قوله: ﴿ لا ريب فيه من رب العالمين ﴾ داخل في حيز الاستدراك كأنه قال: ولكن كان تصديقاً وتفصيلاً منتفياً عنه الريب كائناً من رب العالمين، وجوز أن يكون ﴿ من رب العالمين ﴾ متعلقاً بتصديق وتفصيل و ﴿ لا ريب فيه ﴾ اعتراض كقولك: زيد لا شك فيه كريم.

والمعنى ولكن كان تصديقاً من رب العالمين وتفصيلاً منه لا ريب فيه.

ثم أعاد بيان إعجازه مرة أخرى فقال مستفهماً على سبيل الإنكار ﴿ أم يقولون افتراه قل ﴾ إن كان الأمر كما تزعمون ﴿ فأتوا ﴾ أنتم على وجه الافتراء ﴿ بسورة مثله ﴾ في البلاغة وحسن النظم فأنتم مثلي في العربية والفصاحة ﴿ وادعوا من استطعتم من دون الله ﴾ أي لا تستعينوا بالله وحده ثم استعينوا بكل من سواه ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ أنه افتراه.

قال بعض العلماء: هذه الآية في سورة يونس وهي مكية، فلعل المراد بالسورة المتحدّي بها هذه السورة.

والأصح أن التحدي واقع على أقصر سورة.

قالت المعتزلة: لو لم يكن الإتيان بمثل القرآن صحيح الوجود في الجملة لم يتحدّ العرب به لكنهم تحدّوا بذلك فدل على أن القرآن محدث إذ لو كان قديماً والإتيان بالقديم محال لم يصح هذا التحدي.

وأجيب بأن القرآن يقال بالاشتراك على الصفة القديمة القائمة بذات الله وعلى هذه الحروف والأصوات المحدثة، والتحدي إنما وقع بهذه لا بتلك ﴿ بل كذبوا ﴾ سارعوا إلى التكذيب ﴿ بما لم يحيطوا بعلمه ﴾ وهو القرآن ﴿ ولما يأتهم تأويله ﴾ ومعنى التوقع فيه أنهم كذبوا به على البديهة قبل التدبر ومعرفة التأويل تقليداً للآباء، وكذبوا به بعد التدبر وتكرير التحدي عليهم واستيقان عجزهم عن هذا بغياً وحسداً وعناداً.

وذلك إنما حملهم على التكذيب أوّلا وآخراً وجوه منها: أنهم وجدوا في القرآن أقاصيص الأولين ولم يعرفوا المقصود منها فقالوا أساطير الأوّلين، وخفي عليهم أن الغرض منها بيان قدرة الله  على التصرف في هذا العالم ونقل الأمم من العز إلى الذل وبالعكس، ليعرف المكلف أن الدنيا ليست مما يبقى، فنهاية كل حركة سكون وغاية كل سكون أن لا يكون كقوله: عز من قائل ﴿ لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب  ﴾ .

ومنها أنهم كلما سمعوا حروف التهجي في أوائل السور ولم يفهموا منها شيئاً ساء ظنهم بالقرآن فأجاب الله  عنه بقوله: ﴿ هو الذي أنزل عليك الكتاب  ﴾ إلى قوله: ﴿ وأخر متشابهات  ﴾ الآية.

ومنها أنهمرأوا القرآن يظهر شيئاً فشيئاً فاتهموا النبي وقالوا: ﴿ لولا أنزل عليه القرآن جملة واحدة  ﴾ ومنها أنهم وجدوا القرآن مملوءاً من حديث الحشر والنشر، وكانوا قد ألفوا المحسوسات فاستبعدوا ذلك.

وأنهم وجدوا فيه تكاليف كثيرة من الصلاة والصيام والزكاة والحج والجهاد وكانوا يقولون.

إن إله العالم غني عنا وعن طاعاتنا ﴿ كذلك كذب الذين من قبلهم ﴾ يعني قبل النظر في معجزات أنبيائهم.

قال أهل التحقيق: في الآية دلالة على أن من كان غير عارف بوجوه التأويل قد يقع في الكفر والبدعة، لأن ظواهر النصوص قد تتعارض فيفتقر هنالك إلى تطبيق التنزيل على التأويل.

وقيل: معنى الآية أن القرآن كتاب معجز من جهتين: من جهة إعجاز نظمه ومن جهة ما فيه من الأخبار بالغيوب ومن جملتها أحوال الآخرة.

فقوله: ﴿ بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ﴾ إشارة إلى التكذيب به قبل أن ينظروا في نظمه وبلوغه حد الإعجاز، وقوله: ﴿ ولما يأتهم تأويله ﴾ إشارة إلى تكذيبهم قبل أن يمتحنوا غيوبه هل تطابق الواقع أم لا.

ثم ختم الآية بقوله: ﴿ فانظر كيف كان عاقبة الظالمين ﴾ والمراد أنهم طلبوا الدنيا وأعرضوا عن الآخرة فلم تبق عليهم الدنيا وفاتتهم الآخرة فبقوا في خسران الدارين.

وقيل: المقصود عذاب الاستئصال الذي نزل بالمكذبين قبلهم.

ثم قسم طوائف الأمم المكذبين فقال: ﴿ ومنهم من يؤمن به ﴾ أي بالقرآن أو بالرسول أي يصدق به في نفسه ويعلم أنه حق ولكنه يعاند ﴿ ومنهم ﴾ من يشك فيه لا يصدق به لا ظاهراً ولا باطناً، ويمكن أن يقال: المراد به قسمتهم في الاستقبال أي ومنهم من سيؤمن به ومنهم من يبقى على الكفر فتكون الآية كالعذر في تبقيتهم وعدم استئصالهم ﴿ وربك أعلم بالمفسدين ﴾ فيجازيهم على حسب مراتبهم في التكذيب ويعلم طوياتهم هل يتوبون أو يصرفون.

ثم بين اختصاص كل مكلف بأفعاله وبنتائج أعماله من الثواب والعقاب فقال: ﴿ وإن كذبوك فقل لي عملي ﴾ أي جزاء عملي على الطاعة والإيمان وتبليغ الرسالة ﴿ ولكم عملكم ﴾ قال مقاتل والكلبي: هي منسوخة بآية القتال.

والتحقيق أن آية القتال لا تدفع شيئاً من مدلولات هذه فلا نسخ والله أعلم.

التأويل: ﴿ قل من يرزقكم ﴾ أي من ينزل من سماء النفس مطر الهواجس ويخرج من أرض النفس نبات الأفعال والأعمال، وينزل من سماء القلب مطر أثار فيض الروح ويخرج من أرض النفس نبات الصفات البشرية والحيوانية.

أو ينزل من سماء الروح مطر فيض الروح ويخرج من أرض القلب نبات الأوصاف الحميدة، أو ينزل من سماء القدرة مطر تجلي الصفات والفيض الرباني ويخرج من أرض الروح المحبة والأخلاق الإلهية، أو ينزل من سماء الذات مطر تجلي الصفات ويخرج من أرض الوجود نبات الفناء في الله وثمرات البقاء بالله ﴿ أمن يملك السمع والأبصار ﴾ فيكون سمعه الذي به يسمع، وبصره الذي به يبصر.

﴿ يخرج الحي من الميت ﴾ النفس من القالب والقلب من الروح والروح من القلب وبالعكوس ﴿ ومن يدبر ﴾ أمر الإنسان بالتربية من التراب إلى أن يصل إلى رب الأرباب.

فسيقولون هذه الأحوال كلها من الله فقل لمن بلغ نظره إلى هذه المراتب العلية وإنها عتبة باب التوحيد والمعرفة ﴿ أفلا تتقون ﴾ بالله من غيره لتدخلوا بيت الوحدة ﴿ كذلك حقت كلمة ربك ﴾ هكذا جرى القلم في الأزل على الذين خرجوا عن قبول فيض النور حين رش على الخلق من نوره.

﴿ وتفصيل الكتاب ﴾ وتفصيل الجملة التي هي مكتوبة عنده في أم الكتاب وهو علمه القائم بذاته.

﴿ وربك أعلم بالمفسدين ﴾ الذين أفسدوا استعدادهم الفطري والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا كَانَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ قال بعضهم: هو صلة قوله: ﴿ قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا ٱئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ  ﴾ فيقول: ﴿ وَمَا كَانَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ ؛ كقوله: ﴿ قُلْ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نَفْسِيۤ إِنْ أَتَّبِعُ  ﴾ أي ما أتبع إلا ما يوحى إلي.

وقال بعضهم: إن كفار قريش قالوا: إن محمداً افترى هذا القرآن من عند نفسه ويقوله من نفسه، فقال: ﴿ وَمَا كَانَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ أن يضاف إلى غيره أو يختلق.

﴿ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ أي: يصدق هذا القرآن الكتب التي كانت من قبل، ولو كان محمد هو الذي افتراه واختلقه من عند نفسه لكان خرج هو وسائر الكتب المتقدمة مختلفا، إذ لم يعرف محمد سائر الكتب المتقدمة إذ كانت بغير لسانه، ولم يكن له اختلاف إلى من يعرفها ليتعلم، ثم خرج هو أعني القرآن مصدقا وموافقا لتلك الكتب؛ دل أنه من عند الله جاء؛ كقوله: ﴿ وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ...

﴾ الآية [العنكبوت: 48].

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا كَانَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ يخرج على وجهين؛ أحدهما: ما كان هذا القرآن بالذي يحتمل الافتراء من دون الله؛ لخروجه عن طوق البشر ووسعهم، فذلك بالذي يحيله كونه مفترى بجوهره.

والثاني: لما أودع فيه من الحكمة والصدق يدل على كونه من عند الله؛ إذ كلام غيره يحتمل السفه والكذب ويحتمل الاختلاف.

﴿ وَتَفْصِيلَ ٱلْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ ﴾ قيل فيه بيان الكتب التي نزلت قبله، وتمامه أن هذا وإن كان في اللفظ مختلفا فهو في الحكمة والصدق مبين موافق للأول.

وقيل: ﴿ وَتَفْصِيلَ ٱلْكِتَابِ ﴾ \[أي: تفصيل\] ما كتب لهم وما عليهم.

أو أن يقال؟

إلى الله تفصيل الكتب ليس إلى غير ﴿ لاَ رَيْبَ فِيهِ ﴾ أنه من عند رب العالمين.

أو يقول: مفصل من اللوح المحفوظ.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ ﴾ يقول: إن كان محمد افتراه من عند نفسه، فأتوا أنتم بمثله؛ إذ لسانه ولسانكم واحد، فأنتم قد عرفتم بالفرية والكذب، ومحمد لم يعرف به قط، ولا أخذ عليه بكذب قط، فأنتم أولى أن تأتوا بسورة مثله.

﴿ وَٱدْعُواْ مَنِ ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: ادعوا بآلهتكم التي تعبدونها؛ ليعينوكم على إتيان مثله.

وقال بعضهم: ﴿ وَٱدْعُواْ مَنِ ٱسْتَطَعْتُمْ ﴾ أي: بمن لسانه مثل لسانكم؛ ليعينوكم على ذلك.

أو يقول: استعينوا بدراسة الكتب؛ ليعينوكم على مثله إن كنتم صادقين أن محمداً افتراه من نفسه؛ فدل ترك اشتغالهم بذلك على أنهم قد عرفوا أنه ليس بمفترى، وأنه سماوي.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ ﴾ .

قال بعضهم: ما لم يحفظوا نظمه، ولا لفظه، ولا نظروا فيه، ولا تدبروا؛ ليعلموا معناه، بل كذبوه بالبديهة، والشيء إنما يعرف كذبه وصدقه بالنظر فيه والتفكر والتدبر، لا بالبديهة، فذلك - والله أعلم - تأويل قوله: ﴿ بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ ﴾ .

الثاني: ﴿ بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ ﴾ كذبوا على علم منهم أنهم كذبة فيما يقولون، ويتقولون: إنه مفترى ليس بمنزل ﴿ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ﴾ ، أي: ولما يأتهم العلم بتأويله، أي: بتأويل القرآن.

ومعناه - والله أعلم -: أنهم كذبوه من غير أن حفظوا نظمه، ووعوا لفظه، ولا أتاهم العلم بعاقبته وآخره.

وقيل: التأويل: هو رد كل شيء إلى أولية الأمر.

وقالت الحكماء: التأويل: آخر كل فعل هو قصد في أوله وقصد كل شيء في أوله هو آخر في فعله، أو نحوه.

وقال بعضهم: ﴿ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ﴾ قال: ما وعد الله أن يكون قبل أن يكون.

وقال ابن عباس -  -: تأويل القرآن بما يكون منه في الدنيا، وبما يكون منه يوم القيامة، وهو العذاب الذي وعد.

وقال بعضهم: ﴿ تَأْوِيلُهُ ﴾ : ثوابه.

وقيل: عاقبته.

وقال الواقدي: لم يأتهم عاقبة بيان ما وعد الله في القرآن في الآخرة من الوعيد.

وأصل التأويل: هو النظر إلى ما تئول عاقبة الأمر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذَلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ ، أي: كذلك كذب الأمم السالفة رسلهم، كما كذب كفار مكة رسولهم، أي: لست أنت بأول مكذب، بل كذب من كان قبلك من إخوانك؛ ليكون له التسلي عما هو فيه من تكذيبهم إياه، وردهم عليه أنه ينزل بهم ما نزل بأولئك إن هم أقاموا على ما هم عليه.

والثاني: أن يكون الخطاب وإن كان خارجاً لرسول الله  ، فهو راجع إلى قومه يأمرهم بالنظر فيما نزل بالأمم السالفة، وأن يتأملوا أحوالهم؛ ليكون ذلك سببا لزجرهم عما هم فيه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ بالتكذيب، أي: كيف يعاقبون ويعذبون، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنهُمْ مَّن يُؤْمِنُ بِهِ ﴾ قيل: من أهل مكة من يؤمن بهذا القرآن، ومنهم من لا يؤمن به، وهم كذلك كانوا، منهم من قد آمن به، ومنهم من لا يؤمن به، أي: من لم يؤمن به.

ويحتمل على الوعيد فيما يستقبل، أي: منهم: من أهل مكة من يؤمن بهذا القرآن، ومنهم من لا يؤمن به، وهم كذلك كانوا: منهم من قد آمن، ومنهم من لم يؤمن به.

قال بعضهم: هي في اليهود، ليست في أهل مكة، وظاهره أن يكون في كفار مكة، وعلى ذلك قول عامة أهل التأويل، كأن هذا يخرج على البشارة: أن منهم من يؤمن به؛ لئلا يقطع ويمنع دعاءهم، وأخبر أن منهم من لا يؤمن به، يؤيسه حتى لا يشتد حزنه على كفرهم.

وجائز أن يكون هذا [: أي: منهم من] قد يولد من بعد، ويؤمن به، ومنهم من يولد فلا يؤمن.

وقوله: ﴿ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِٱلْمُفْسِدِينَ ﴾ يشبه أن يكون معناه: أي: على علم بما يكون منهم من الفساد خلقهم وأنشأهم، وليس عن غفلة وجهل بالفساد، ولكن عن علم بذلك؛ لما لا يضره فساد مفسد، ولا ينفعه صلاح [من يصلح]، إنما عليهم ضرر فسادهم، ولهم منفعة صلاحهم.

ويحتمل أن يكون على الوعيد، أي: عالم بفسادهم، فيجزيهم جزاء فسادهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ ﴾ ، تأويله - والله أعلم - أي: إن كذبت فيما أخبرتكم: أنه جاء من عند الله، فـ ﴿ لِّي عَمَلِي ﴾ ، أي: جزاء عملي فيما أبلغكم، أي: فعلي وزر عملي، ﴿ وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ ﴾ ، أي: فعليكم جرم ما رددتم علي فيما بلغتكم عن الله، وهو كقوله: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَاْ بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُجْرِمُونَ  ﴾ ، أي: علي جرم ما افتريت إن افتريت، وعليكم جرم ما رددتم علي فيما بلغتكم عن الله.

ويحتمل: ما قاله أهل التأويل: ﴿ لِّي عَمَلِي ﴾ أي: لي ديني ﴿ وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ ﴾ أي: لكم دينكم.

﴿ أَنتُمْ بَرِيۤئُونَ مِمَّآ أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِيۤءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ .

تأويله - والله أعلم - أي: أنا لا أؤاخذ بما دنتم أنتم، ولا أنتم تؤاخذون بما دنت أنا وعملت، وهو كقوله: ﴿ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ...

﴾ الآية [الأنعام: 52]، وقوله: ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ...

﴾ الآية [النور: 54]، وقوله: ﴿ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ...

﴾ الآية [النور: 54]، وكقوله: ﴿ لاَّ تُسْأَلُونَ عَمَّآ أَجْرَمْنَا...

﴾ الآية [سبأ: 25].

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ ﴾ أخبر أن منهم من يستمع إليه، يعني: إلى رسول الله، وإلى ما يتلو من القرآن، [لكنه لا يؤمن، أخبر أنه] لا كل مستمع إلى شيء ينتفع بما يستمع أو يعقل ما يستمع ويفهم، إنما ينتفع بالاستماع ويعقل على قدر المقصود والحاجة إليه.

[ومنهم من كانوا ينهون من يستمعون لقبول القول منهم].

ومنهم من كان يستمع إليه؛ ليسمع غيره، كقوله: ﴿ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ  ﴾ .

ومنهم من كان يسمعه، ويطيعه في ذلك، فإذا خرج من عنده غيره وبدله كقوله: ﴿ وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ ٱلَّذِي تَقُولُ  ﴾ .

ومنهم من كان يستمع إليه؛ استهزاء منه، وطلب الطعن فيه والعيب، كانوا مختلفين في الاستماع، ثم نفى عنهم السمع والعقل والبصر؛ لوجهين: أحدهما: ما ذكرنا أنهم لما لم ينتفعوا بأسماعهم وعقولهم وأبصارهم وهذه الحواس انتفاع من ليست له هذه الحواس، [نفى عنهم ذلك؛ إذ هذه الحواس] إنما جعلت، لينتفع بها لا لتترك سدى لا ينتفع بها.

والثاني: كان العقل والسمع والبصر، وهذه يكون منها مكتسب بالاكتساب، ومنها ما يكون غريزة، فهم تركوا اكتساب الفعل الذي جعل مكتسباً فنفى عنهم؛ لما تركوا اكتساب ذلك.

ويحتمل نفي هذه الحواس لهذين الوجهين اللذين ذكرتهما، والله أعلم.

ثم نفى عمن لا يستمع العقل، حيث قال: ﴿ لاَ يَعْقِلُونَ ﴾ ، ونفى عنهم الاهتداء والإبصار بترك النظر، فقال: ﴿ أَفَأَنْتَ تَهْدِي ٱلْعُمْيَ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يُبْصِرُونَ ﴾ ؛ لأن بالبصر يوصل إلى اهتداء الطرق والسلوك فيها، ألا ترى أن البهائم قد تبصر الطرق، وتسلك بها، وتتقي بها المهالك، ولا تعقل، لما ليس لها العقل، فلا تعقل لما يسمع القلب بعقل، وبظاهر البصر تبصر الأشياء.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فإن كذبك -أيها الرسول- قومك فقل لهم: لي ثواب عملي وأنا أتحمل تبعة عملي، ولكم ثواب عملكم وعليكم عقابه، أنتم بريئون من عقاب ما أعمل، وأنا بريء من عقاب ما تعملون.

<div class="verse-tafsir" id="91.eE1gJ"

مزيد من التفاسير لسورة يونس

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14 / 29.5
الإضاءة 99%
البدر بعد 1 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله