الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ٤٤ من سورة يونس
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 52 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٤٤ من سورة يونس: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ولهذا قال تعالى : ( إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون ) وفي الحديث عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فيما يرويه عن ربه عز وجل : " يا عبادي ، إني حرمت الظلم على نفسي ، وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا - إلى أن قال في آخره : يا عبادي ، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ، ثم أوفيكم إياها ، فمن وجد خيرا فليحمد الله ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه " .
رواه مسلم بطوله .
القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (44) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إن الله لا يفعل بخلقه ما لا يستحقون منه، لا يعاقبهم إلا بمعصيتهم إيّاه، ولا يعذبهم إلا بكفرهم به ، (ولكن الناس) ، يقول: ولكن الناس هم الذين يظلمون أنفسهم ، باجترامهم ما يورثها غضبَ الله وسخطه.
وإنما هذا إعلام من الله تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به، أنه لم يسلُبْ هؤلاء الذين أخبر جلّ ثناؤه عنهم أنهم لا يؤمنون الإيمانَ ابتداءً منه بغير جرم سلف منهم ، وإخبارٌ أنه إنما سلبهم ذلك باستحقاقٍ منهم سَلْبَه، لذنوبٍ اكتسبوها، فحق عليهم قول ربهم، وطبع على قلوبهم.
* * *
قوله تعالى إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون لما ذكر أهل الشقاء ذكر أنه لم يظلمهم ، وأن تقدير الشقاء عليهم وسلب سمع القلب وبصره ليس ظلما منه ; لأنه تصرف في ملكه بما شاء ، وهو في جميع أفعاله عادل .
ولكن الناس أنفسهم يظلمون بالكفر والمعصية ومخالفة أمر خالقهم .
وقرأ حمزة والكسائي " ولكن " مخففا " الناس " رفعا .
قال النحاس : زعم جماعة من النحويين منهم الفراء أن العرب إذا قالت " ولكن " بالواو آثرت التشديد ، وإذا حذفوا الواو آثرت التخفيف ، واعتل في ذلك فقال : لأنها إذا كانت بغير واو أشبهت بل فخففوها ليكون ما بعدها كما بعد بل ، وإذا [ ص: 258 ] جاءوا بالواو خالفت بل فشددوها ونصبوا بها ؛ لأنها " إن " زيدت عليها لام وكاف وصيرت حرفا واحدا ; وأنشد :ولكنني من حبها لعميدفجاء باللام لأنها " إن " .
وقوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا} فلا يزيد في سيئاتهم، ولا ينقص من حسناتهم. {وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} يجيئهم الحق فلا يقبلونه، فيعاقبهم الله بعد ذلك بالطبع على قلوبهم، والختم على أسماعهم وأبصارهم.
( إن الله لا يظلم الناس شيئا ) لأنه في جميع أفعاله متفضل عادل ، ( ولكن الناس أنفسهم يظلمون ) بالكفر والمعصية .
«إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون».
إن الله لا يظلم الناس شيئًا بزيادة في سيئاتهم أو نقص من حسناتهم، ولكن الناس هم الذين يظلمون أنفسهم بالكفر والمعصية ومخالفة أمر الله ونهيه.
ثم بين - سبحانه - سنة من سننه التي لا تتخلف فقال : ( إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ الناس شَيْئاً ولكن الناس أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) .أى : إن الله - تعالى - قد اقتضت سننه فى خلقه ، أن لا يظلمهم شيئاً ، كأن يعذبهم - مثلا - مع إيمانهم وطاعتهم له ، أو كأن ينقصهم شيئا من الأسباب التي يهتدون باستعمالها إلى ما فيه خيرهم .
.
ولكن الناس هم الذين يظلمون أنفسهم ، بإيرادها موارد المهالك عن طريق اجتراح السيئات ، واقتراف الموبقات ، الموجبة للعقوبات فى الدنيا والآخرة .وبذلك نرى أن هذه الآية الكريمة ، قد نفت تصور أن يكون هذا القرآن من عند غير الله ، وتحدث المشركين أن يأتوا بسورة مثله ، ووصمتهم بالتسرع فى الحكم على شيء لم يحيطوا بعلمه ، وأمرت النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يثبت على دعوة الحق ، سواء استجاب له الناس أم لم يتسجيبوا ، وأن الله - تعالى - قد اقتضت حكمته ألا يعذب الناس إلا إذا فعلوا ما يوجب العقوبة ، وصدق الله إذ يقول : ( مَّا يَفْعَلُ الله بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ الله شَاكِراً عَلِيماً ) وبعد أن بينت السورة الكريمة أحوال أولئك المشركين فى الدنيا ، ومواقفهم من الدعوة الإِسلامية ، أتبعت ذلك بالحديث عن أحوالهم يوم الحشر ، ومن استعجالهم للعذاب ، وعن رد الرسول - صلى الله عليه وسلم - عليهم ، فقال - تعالى - :( وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يلبثوا إِلاَّ سَاعَةً .
.
.
) .
في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى في الآية الأولى، قسم الكفار إلى قسمين منهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به، وفي هذه الآية قسم من لا يؤمن به قسمين: منهم من يكون في غاية البغض له والعداوة له ونهاية النفرة عن قبول دينه، ومنهم من لا يكون كذلك، فوصف القسم الأول في هذه الآية فقال: ومنهم من يستمع كلامك مع أنه يكون كالأصم من حيث إنه لا ينتفع ألبتة بذلك الكلام فإن الإنسان إذا قوي بغضه لإنسان آخر، وعظمت نفرته عنه، صارت نفسه متوجهة إلى طلب مقابح كلامه معرضة عن جميع جهات محاسن كلامه، فالصمم في الأذن، معنى ينافي حصول إدراك الصوت فكذلك حصول هذا البغض الشديد كالمنافي للوقوف على محاسن ذلك الكلام والعمى في العين معنى ينافي حصول إدراك الصورة، فكذلك البغض ينافي وقوف الإنسان على محاسن من يعاديه والوقوف على ما آتاه الله تعالى من الفضائل، فبين تعالى أن في أولئك الكفار من بلغت حالته في البغض والعداوة إلى هذا الحد، ثم كما أنه لا يمكن جعل الأصم سميعاً ولا جعل الأعمى بصيراً، فكذلك لا يمكن جعل العدو البالغ في العداوة إلى هذا الحد صديقاً تابعاً للرسول صلى الله عليه وسلم والمقصود من هذا الكلام تسلية الرسول عليه الصلاة والسلام بأن هذه الطائفة، قد بلغوا في مرض العقل إلى حيث لا يقبلون العلاج والطبيب إذا رأى مريضاً لا يقبل العلاج أعرض عنه، ولم يستوحش من عدم قبوله للعلاج، فكذلك وجب عليك أن لا تستوحش من حال هؤلاء الكفار.
المسألة الثانية: احتج ابن قتيبة بهذه الآية، على أن السمع أفضل من البصر فقال: إن الله تعالى قرن بذهاب السمع ذهاب العقل، ولم يقرن بذهاب النظر إلا ذهاب البصر، فوجب أن يكون السمع أفضل من البصر.
وزيف ابن الأنباري هذا الدليل فقال: إن الذي نفاه الله مع السمع بمنزلة الذي نفاه الله مع البصر لأنه تعالى أراد إبصار القلوب، ولم يرد إبصار العيون والذي يبصره القلب هو الذي يعقله.
واحتج ابن قتيبة على هذا المطلوب بحجة أخرى من القرآن، فقال: كلما ذكر الله السمع والبصر، فإنه في الأغلب يقدم السمع على البصر، وذلك يدل على أن السمع أفضل من البصر ومن الناس من ذكر في هذا الباب دلائل أخرى: فأحدها: أن العمى قد وقع في حق الأنبياء عليهم السلام أما الصمم فغير جائز عليهم لأنه يخل بأداء الرسالة، من حيث إنه إذا لم يسمع كلام السائلين تعذر عليه الجواب فيعجز عن تبليغ شرائع الله تعالى.
الحجة الثانية: أن القوة السامعة تدرك المسموع من جميع الجوانب، والقوة الباصرة لا تدرك المرئي إلا من جهة واحدة وهي المقابل.
الحجة الثالثة: أن الإنسان إنما يستفيد العلم بالتعلم من الأستاذ، وذلك لا يمكن إلا بقوة السمع، فاستكمال النفس بالكمالات العلمية لا يحصل إلا بقوة السمع، ولا يتوقف على قوة البصر، فكان السمع أفضل من البصر.
الحجة الرابعة: أنه تعالى قال: ﴿ إِنَّ فِي ذلك لذكرى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السمع وَهُوَ شَهِيدٌ ﴾ والمراد من القلب هاهنا العقل، فجعل السمع قريناً للعقل ويتأكد هذا بقوله تعالى: ﴿ وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أصحاب السعير ﴾ فجعلوا السمع سبباً للخلاص من عذاب السعير.
الحجة الخامسة: أن المعنى الذي يمتاز به الإنسان من سائر الحيوانات هو النطق والكلام وإنما ينتفع بذلك القوة السامعة، فمتعلق السمع النطق الذي به حصل شرف الإنسان، ومتعلق البصر إدراك الألوان والأشكال، وذلك أمر مشترك فيه بين الناس وبين سائر الحيوانات، فوجب أن يكون السمع أفضل من البصر.
الحجة السادسة: أن الأنبياء عليهم السلام يراهم الناس ويسمعون كلامهم، فنبوتهم ما حصلت بسبب ما معهم من الصفات المرئية، وإنما حصلت بسبب ما معهم من الأصوات المسموعة وهو الكلام وتبليغ الشرائع وبيان الأحكام، فوجب أن يكون المسموع أفضل من المرئي، فلزم أن يكون السمع أفضل من البصر، فهذا جملة ما تمسك به القائلون بأن السمع أفضل من البصر، ومن الناس من قال: البصر أفضل من السمع، ويدل عليه وجوه: الحجة الأولى: أنهم قالوا في المثل المشهور ليس وراء العيان بيان، وذلك يدل على أن أكمل وجوه الإدراكات هو الأبصار.
الحجة الثانية: أن آلة القوة الباصرة هو النور وآلة القوة السامعة هي الهواء والنور أشرف من الهواء فالقوة الباصرة أشرف من القوة السامعة.
الحجة الثالثة: أن عجائب حكمة الله تعالى في تخليق العين التي هي محل الأبصار أكثر من عجائب خلقته في الأذن التي هي محل السماع، فإنه تعالى جعل تمام روح واحد من الأرواح السبعة الدماغية من العصب آلة للأبصار، وركب العين من سبع طبقات وثلاث رطوبات وخلق لتحريكات العين عضلات كثيرة على صور مختلفة والأذن ليس كذلك وكثرة العناية في تخليق الشيء تدل على كونه أفضل من غيره.
الحجة الرابعة: أن البصر يرى ماحصل فوق سبع سموات والسمع لا يدرك ما بعد منه على فرسخ، فكان البصر أقوى وأفضل وبهذا البيان يدفع قولهم إن السمع يدرك من كل الجوانب والبصر لا يدرك إلا من الجانب الواحد.
الحجة الخامسة: أن كثيراً من الأنبياء سمع كلام الله في الدنيا، واختلفوا في أنه هل رآه أحد في الدنيا أم لا؟
وأيضاً فإن موسى عليه السلام سمع كلامه من غير سبق سؤال والتماس ولما سأل الرؤية قال: ﴿ لَن تَرَانِى ﴾ وذلك يدل على أن حال الرؤية أعلى من حال السماع.
الحجة السادسة: قال ابن الأنباري: كيف يكون السمع أفضل من البصر وبالبصر يحصل جمال الوجه، وبذهابه عيبه، وذهاب السمع لا يورث الإنسان عيباً، العرب تسمي العينين الكريمتين ولا تصف السمع بمثل هذا؟
ومنه الحديث يقول الله تعالى: من أذهبت كريمته فصبر واحتسب لم أرض له ثواباً دون الجنة المسألة الثالثة: احتج أصحابنا بهذه الآية، على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى، قالوا: الآية دالة على أن قلوب أولئك الكفار بالنسبة إلى الإيمان كالأصم بالنسبة إلى استماع الكلام، وكالأعمى بالنسبة إلى إبصار الأشياء، وكما أن هذا ممتنع فكذلك ما نحن فيه.
قالوا: والذي يقوي ذلك أن حصول العداوة القوية الشديدة، وكذلك حصول المحبة الشديدة في القلب ليس باختيار الإنسان، لأن عند حصول هذه العداوة الشديدة يجد وجداناً ضرورياً أن القلب يصير كالأصم والأعمى في استماع كلام العدو وفي مطالعة أفعاله الحسنة، وإذا كان الأمر كذلك فقد حصل المطلوب، وأيضاً لما حكم الله تعالى عليها حكماً جازماً بعدم الإيمان، فحينئذ يلزم من حصول الإيمان انقلاب علمه جهلاً وخبره الصدق كذباً وذلك محال.
وأما المعتزلة: فقد احتجوا على صحة قولهم بقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ الناس شَيْئًا ولكن الناس أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ وجه الاستدلال به، أنه يدل على أنه تعالى ما ألجأ أحداً إلى هذه القبائح والمنكرات، ولكنهم باختيار أنفسهم يقدمون عليها ويباشرونها.
أجاب الواحدي عنه فقال: إنه تعالى إنما نفى الظلم عن نفسه، لأنه يتصرف في ملك نفسه، ومن كان كذلك لم يكن ظالماً، وإنما قال: ﴿ ولكن الناس أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ لأن الفعل منسوب إليهم بسبب الكسب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ الناس شَيْئًا ﴾ أي لا ينقصهم شيئاً مما يتصل بمصالحهم من بعثة الرسل وإنزال الكتب، ولكنهم يظلمون أنفسهم بالكفر والتكذيب، ويجوز أن يكون وعيداً للمكذبين، يعني: أن ما يلحقهم يوم القيامة من العذاب لاحق بهم على سبيل العدل والاستيجاب.
ولا يظلمهم الله به، ولكنهم ظلموا أنفسهم باقتراف ما كان سبباً فيه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئًا ﴾ بِسَلْبِ حَواسِّهِمْ وعُقُولِهِمْ.
﴿ وَلَكِنَّ النّاسَ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ ﴾ بِإفْسادِها وتَفْوِيتِ مَنافِعِها عَلَيْهِمْ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ لِلْعَبْدِ كَسْبًا وأنَّهُ لَيْسَ بِمَسْلُوبِ الِاخْتِيارِ بِالكُلِّيَّةِ كَما زَعَمَتِ المُجْبِرَةُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ وعِيدًا لَهم بِمَعْنى أنَّ ما يَحِيقُ بِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ العَذابِ عَدْلٌ مِنَ اللَّهِ لا يَظْلِمُهم بِهِ ولَكِنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِاقْتِرافِ أسْبابِهِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ بِالتَّخْفِيفِ ورَفْعِ (النّاسُ) .
﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهم كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلا ساعَةً مِنَ النَّهارِ ﴾ يَسْتَقْصِرُونَ مُدَّةَ لُبْثِهِمْ في الدُّنْيا أوْ في القُبُورِ لِهَوْلِ ما يَرَوْنَ، والجُمْلَةُ التَّشْبِيهِيَّةُ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ يَحْشُرُهم مُشَبَّهِينَ بِمَن لَمْ يَلْبَثْ إلّا ساعَةً، أوْ صِفَةٌ لِيَوْمٍ والعائِدُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا قَبْلَهُ أوْ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: حَشْرًا كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا قَبْلَهُ.
﴿ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ ﴾ يَعْرِفُ بَعْضُهم بَعْضًا كَأنَّهم لَمْ يَتَفارَقُوا إلّا قَلِيلًا، وهَذا أوَّلُ ما نُشِرُوا ثُمَّ يَنْقَطِعُ التَّعارُفُ لِشِدَّةِ الأمْرِ عَلَيْهِمْ وهي حالٌ أُخْرى مُقَدَّرَةٌ، أوْ بَيانٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا ﴾ أوْ مُتَعَلِّقُ الظَّرْفِ والتَّقْدِيرُ يَتَعارَفُونَ يَوْمَ يَحْشُرُهم.
﴿ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ ﴾ اسْتِئْنافٌ لِلشَّهادَةِ عَلى خُسْرانِهِمْ والتَّعَجُّبِ مِنهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في يَتَعارَفُونَ عَلى إرادَةِ القَوْلِ.
﴿ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ ﴾ لِطُرُقِ اسْتِعْمالِ ما مُنِحُوا مِنَ المَعاوِنِ في تَحْصِيلِ المَعارِفِ فاسْتَكْسَبُوا بِها جَهالاتٍ أدَّتْ بِهِمْ إلى الرَّدى والعَذابِ الدّائِمِ.
<div class="verse-tafsir"
{إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ الناس شَيْئًا ولكن الناس أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} ولكنِ الناس حمزة وعلي أي لم يظلمهم بسلب آلة الاستدلال ولكنهم ظلموا أنفسهم بترك الاستدلال حيث عبدوا جماداً وهم أحياء
﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ ﴾ أيْ لا يَنْقُصُهم ﴿ شَيْئًا ﴾ مِمّا نِيطَتْ بِهِ مَصالِحُهم وكَمالاتُهم مِن مَبادِئِ الإدْراكاتِ وأسْبابِ العُلُومِ والإرْشادِ إلى الحَقِّ بِإرْسالِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ونَصْبِ الأدِلَّةِ بَلْ يُوَفِّيهِمْ ذَلِكَ فَضْلًا مِنهُ جَلَّ شَأْنُهُ وكَرَمًا ﴿ولَكِنَّ النّاسَ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ 44﴾ أيْ يَنْقُصُونَ ما يَنْقُصُونَ مِن ذَلِكَ لِعَدَمِ اسْتِعْمالِ مَشاعِرِهِمْ فِيما خُلِقَتْ لَهُ وإعْراضِهِمْ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ وتَكْذِيبِهِمْ لِلرُّسُلِ وتَرْكِ النَّظَرِ في الأدِلَّةِ فَشَيْئًا مَفْعُولٌ ثانٍ لِيَظْلِمَ بِناءً عَلى أنَّهُ مُضَمَّنٌ مَعْنى يَنْقُصُ كَما قِيلَ أوْ أنَّهُ بِمَعْناهُ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى القَوْلِ بِالتَّضْمِينِ كَما نَقُولُ وإنَّ النَّقْصَ يَتَعَدّى لِاثْنَيْنِ كَما يَكُونُ لازِمًا ومُتَعَدِّيًا لِواحِدٍ ولَمْ يُذْكُرْ ثانِيَ مَفْعُولَيِ الثّانِي لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الغَرَضِ بِهِ وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ الأوَّلِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ مَعَ مُراعاةِ الفاصِلَةِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ إلى قَصْرِ المَظْلُومِيَّةِ عَلَيْهِمْ عَلى رَأْيِ مَن لا يَرى التَّقْدِيمَ مُوجِبًا لِلْقَصْرِكابْنِ الأثِيرِ ومَن تَبِعَهُ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِقَصْرِ المَظْلُومِيَّةِ عَلى رَأْيِ مَن يَرى التَّقْدِيمَ مُوجِبًا لِذَلِكَ كالجُمْهُورِ ومَن تَبِعَهم ولَعَلَّ إيثارَ قَصْرِها عَلى قَصْرِ الظّالِمِيَّةِ عَلَيْهِمْ لِلْمُبالَغَةِ في بُطْلانِ أفْعالِهِمْ وسَخافَةِ عُقُولِهِمْ عَلى أنَّ قَصْرَ الأُولى عَلَيْهِمْ مُسْتَلْزِمٌ كَما قِيلَ لِما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الحالِ مِن قَصْرِ الثّانِيَةِ عَلَيْهِمْ فاكْتُفِيَ بِالقَصْرِ الأوَّلِ عَنِ الثّانِي مَعَ رِعايَةِ ما ذُكِرَ مِنَ الفائِدَةِ وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَ ﴿ أنْفُسَهُمْ ﴾ تَأْكِيدًا لِلنّاسِ والمَفْعُولُ حِينَئِذٍ مَحْذُوفٌ فَيَكُونُ بِمَنزِلَةِ ضَمِيرِ الفَصْلِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ ﴾ في قَصْرِ الظّالِمِيَّةِ عَلَيْهِمْ، والتَّعْبِيرُ عَنْ فِعْلِهِمْ ذَلِكَ بِالنَّقْصِ مَعَ كَوْنِهِ تَفْوِيتًا بِالكُلِّيَّةِ لِمُراعاةِ جانِبِ قَرِينِهِ وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلِاسْتِمْرارِ نَفْيًا وإثْباتًا أما الثّانِي فَظاهِرٌ وأما الأوَّلُ فَلِأنَّ حَرْفَ النَّفْيِ إذا دَخَلَ عَلى المُضارِعِ يُفِيدُ بِحَسَبِ المَقامِ اسْتِمْرارَ النَّفْيِ لا نَفْيَ الِاسْتِمْرارَ كَما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ وقِيلَ: المَعْنى إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ بِتَعْذِيبِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ شَيْئًا مِنَ الظُّلْمِ ولَكِنَّ النّاسَ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ ظُلْما مُسْتَمِرًّا فَإنَّ مُباشَرَتَهُمُ المُسْتَمِرَّةَ لِلسَّيِّئاتِ المُوجِبَةِ لِلتَّعْذِيبِ عَيْنُ ظُلْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ فالظُّلْمُ عَلى مَعْناهُ المَشْهُورِ و ﴿ شَيْئًا ﴾ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ والمُضارِعُ المَنفِيُّ لِلِاسْتِقْبالِ والمُثْبَتُ لِلِاسْتِمْرارِ ومَساقُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَلى الأوَّلِ لِإلْزامِ الحُجَّةِ وعَلى الثّانِي لِلْوَعِيدِ وعَلى الوَجْهَيْنِ هي تَذْيِيلٌ لِما سَبَقَ وجَعَلَها عَلى الأوَّلِ تَذْيِيلًا لِجَمِيعِ التَّكالِيفِ والأقاصِيصِ المَذْكُورَةِ مِن أوَّلِ السُّورَةِ وإنْ كانَ مُتَّجِهًا خِلافَ الظّاهِرِ لا سِيَّما وما بَعْدَ لَيْسَ ابْتِداءٌ مَشْرُوعٌ في قِصَّةِ آخَرِينَ وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئًا بِسَلْبِ حَواسِّهِمْ وعُقُولِهِمْ إنْ سَلَبَها لِأنَّهُ تَصَرُّفٌ في خالِصِ مِلْكِهِ ولَكِنَّ النّاسَ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ بِإفْسادِ ذَلِكَ وصَرْفِهِ لِما لا يَلِيقُ وهي جَوابٌ لِسُؤالٍ نَشَأ مِنَ الآيَةِ السّابِقَةِ والظُّلْمُ فِيها عَلى ظاهِرِهِ أيْضًا واسْتُدِلَّ بِها عَلى أنَّ لِلْعَبْدِ كَسْبًا ولَيْسَ مَسْلُوبَ الِاخْتِيارِ بِالكُلِّيَّةِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الجَبْرِيَّةُ والمُخْتارُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ المُحَقِّقِينَ أنَّ نَفْيَ ظُلْمِ النّاسِ عَنْهُ تَعالى شَأْنُهُ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ جَوادٌ حَكِيمٌ يُفِيضُ عَلى القَوابِلِ حَسَبَ اسْتِعْدادِها الأزَلِيِّ الثّابِتِ في العِلْمِ فَما مِن كَمالٍ أوْ نَقْصٍ في العَبْدِ إلّا هو كَمالُهُ أوْ نَقْصُهُ الَّذِي اقْتَضاهُ اسْتِعْدادُهُ كَما يُرْشِدُ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ جَلَّ وعَلا: ﴿ أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها ﴾ وأنَّ إثْباتَ ظُلْمِ النّاسِ لِأنْفُسِهِمْ بِاعْتِبارِ اقْتِضاءِ اسْتِعْدادِهِمُ الثّابِتِ في العِلْمِ الأزَلِيِّ ما أُفِيضَ عَلَيْهِمْ مِمّا اسْتَحَقُّوا بِهِ التَّعْذِيبَ وقَدْ ذَكَرُوا أنَّ هَذا الِاسْتِعْدادَ غَيْرُ مَجْعُولٍ ضَرُورَةُ أنَّ الجَعْلَ مَسْبُوقٌ بِتَعَلُّقِ القُدْرَةِ المَسْبُوقِ بِتَعَلُّقِ الإرادَةِ المَسْبُوقِ بِتَعَلُّقِ العِلْمِ والِاسْتِعْدادُ لَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّهُ لَمْ يَثْبُتِ العِلْمُ إلّا وهو مُتَعَلِّقٌ بِهِ بَلْ بِسائِرِ الأشْياءِ أيْضًا لِأنَّ التَّعَلُّقَ بِالمَعْلُومِ مِن ضَرُورِيّاتِ العِلْمِ والتَّعَلُّقُ بِما لا ثُبُوتَ لَهُ أصْلًا مِمّا لا يُعْقَلُ ضَرُورَةَ أنَّهُ نِسْبَةٌ وهي لا تَتَحَقَّقُ بِدُونِ ثُبُوتِ الطَّرَفَيْنِ ولا يَرُدُّ عَلى هَذا أنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ اسْتِغْناءُ المَوْجُوداتِ عَنِ المُؤَثِّرِ لِأنّا نَقُولُ: إنْ كانَ المُرادُ اسْتِغْناءَها عَنْ ذَلِكَ نَظَرًا إلى الوُجُودِ العِلْمِيِّ القَدِيمِ فالأمْرُ كَذَلِكَ ولا مَحْذُورَ فِيهِ وإنْ كانَ المُرادُ اسْتِغْناءَها عَنْ ذَلِكَ نَظَرًا إلى وُجُودِها الخارِجِيِّ الحادِثِ فَلا نُسَلِّمُ اللُّزُومَ وتَحْقِيقَ ذَلِكَ بِما لِهِ وما عَلَيْهِ في مَحَلِّهِ وفي الآيَةِ عَلى هَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ كَوْنَ أُولَئِكَ المُكَذِّبِينَ كَما وصَفُوا إنَّما نَشَأ عَنِ اقْتِضاءِ اسْتِعْدادِهِمْ لَهُ ولِذَلِكَ ذَمُّوا بِهِ لا عَنْ مَحْضِ تَقْدِيرِهِ عَلَيْهِمْ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ مِنهم طَلَبٌ لَهُ بِاسْتِعْدادِهِمْ ولَعَلَّ تَسْمِيَةَ التَّصَرُّفِ عَلى خِلافِ ما يَقْتَضِيهِ الِاسْتِعْدادُ لَوْ كانَ ظُلْمًا مِن بابِ المَجازِ وتَنْزِيلِ المُقْتَضى مَنزِلَةَ المِلْكِ وإلّا فَحَقِيقَةُ الظُّلْمِ مِمّا لا يَصِحُّ إطْلاقُهُ عَلى تَصَرُّفٍ مِن تَصَرُّفاتِهِ تَعالى كَيْفَ كانَ إذْ لا مِلْكَ حَقِيقَةً لِأحَدٍ سِواهُ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ ووُضِعَ الظّاهِرُ في الجُمْلَةِ الِاسْتِدْراكِيَّةِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِزِيادَةِ التَّعْيِينِ والتَّقْرِيرِ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِتَخْفِيفِ (لَكِنْ) ورَفْعِ النّاسِ <div class="verse-tafsir"
ثم قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً، يقول: لا ينقص من أجور الناس شيئاً ولا يحمل عليهم من أوزار غيرهم، وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ، يعني: يضرون أنفسهم بتركهم الحق.
قرأ حمزة والكسائي وَلكِنَّ النَّاسَ بكسر النون مع التخفيف وضمّ السين، وقرأ الباقون وَلكِنَّ النَّاسَ بالنصب.
قوله تعالى: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ، يقول: يجمعهم في الآخرة.
كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ قال الكلبي: كأن لم يلبثوا في قبورهم إلاّ ساعة من النهار.
وقال الضحاك: كأن لم يَلْبَثُوا فِي الْقُبُورِ إلا ما بين العصر إلى غروب الشمس، أو ما بين صلاة الغداة إلى طلوع الشمس، ويقال: يعني بين النفختين، لأنه يرفع عنهم العذاب فيما بين ذلك.
وقال مقاتل: كأن لم يلبثوا في الدنيا إلا ساعة من النهار.
يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ قال الكلبي: يعني: يتعارفون بينهم حين خرجوا من قبورهم، ثم تنقطع عنهم المعرفة فلا يعرف أحد أحداً، وقال الضحاك: يتعارفون بينهم حين خرجوا، وذلك أن أهل الإيمان يبعثون يوم القيامة على ما كانوا عليه في الدنيا من التواصل والتراحم، يعرف بعضهم بعضاً، محسنهم لمسيئهم، وأما أهل الشرك فلا أنساب بينهم يومئذ، ولا يتساءلون.
قَالَ الله تعالى: قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ، يعني: بالبعث بعد الموت وَما كانُوا مُهْتَدِينَ، يقول: لم يكونوا مؤمنين في الدنيا.
وقال تعالى: وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ من العذاب، أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ قبل أن نريك فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ يعني: مصيرهم في الآخرة.
وروي عن عبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله أنهما قالا: «أخبر الله تعالى نبيه أن يستخلف أمته من بعده» ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ في الآخرة عَلى مَا يَفْعَلُونَ في الدنيا من الكفر والتكذيب.
<div class="verse-tafsir"
نفوسهم، وفي قوله: وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ تهديدٌ ووعيد.
وقوله سبحانه: وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ الآية فيها منابذةٌ ومتارَكَةٌ، قال كثير من المفسِّرين، منهم ابن زيد: هذه الآية منسوخةٌ بالقتال، وباقي الآية بيِّن.
وقوله سبحانه: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ ...
الآية: وعيدٌ بالحشر وخِزْيِهِم فيه، وتعارُفُهُمْ على جهة التلاؤمِ والخزْيِ من بَعْضِهِم لبعضٍ، حيث لا ينفع ذلك.
وقوله سبحانه: قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ ...
إلى آخرها: حُكْمٌ من اللَّه عزَّ وجلَّ على المكذِّبين بالخُسْران، وفي اللفظ إِغلاظٌ، وقيل: إِن هذا الكلام من كلام المحشُورِينَ، عَلى جهة التوبيخ لأنفسهم.
ت: والأول أبين.
وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ (٤٦) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٤٧)
وقوله: وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ ...
الآية: «إما» شرطٌ، وجوابه: فَإِلَيْنا، والرؤية في نُرِيَنَّكَ بصريةٌ، ومعنى هذه الآية: الوعيدُ بالرجوعِ إلى اللَّه تعالى، أي: إِنْ أَرَيْنَاكَ عقوبتهم، أو لم نُرِكَهَا، فهم عَلى كلِّ حال راجعُونَ إِلينا إلى الحسَابِ والعذابِ، ثم مع ذلك، فاللَّهُ شَهيدٌ من أوَّل تكليفهم عَلى جميعِ أَعمالهم، وَ «ثُمَّ» لترتيب الأَخبار/ لا لترتيب القصص في أنفسها، و «إِما» هي «إِنْ» ، زيدَتْ عليها «ما» ، ولأجلها جازَ دخُولُ النون الثقيلة، ولو كانت «إِنْ» وحدها، لم يجز.
ص: واعترض بأنَّ مذهب سيبَوَيْهِ «١» جوازُ دخولها، وإِن لم تَكُنْ «ما» انتهى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئًا ﴾ لَمّا ذَكَرَ الَّذِينَ سَبَقَ القَضاءُ عَلَيْهِمْ بِالشَّقاوَةِ، أخْبَرَ أنَّ تَقْدِيرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ لَيْسَ بِظُلْمٍ، لِأنَّهُ يَتَصَرَّفُ في مِلْكِهِ كَيْفَ شاءَ، وهم إذا كَسَبُوا المَعاصِيَ فَقَدْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِذَلِكَ، لِأنَّ الفِعْلَ مَنسُوبٌ إلَيْهِمْ، وإنْ كانَ بِقَضاءِ اللَّهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكِنَّ النّاسَ ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: ﴿ وَلَكِنَّ النّاسَ ﴾ بِتَخْفِيفِ النُّونِ وكَسْرِها، ورَفْعِ الِاسْمِ بَعْدَها.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ الناسَ شَيْئًا ولَكِنَّ الناسَ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ ﴾ ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهم كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلا ساعَةً مِنَ النَهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهم قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللهِ وما كانُوا مُهْتَدِينَ ﴾ ﴿ وَإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم أو نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإلَيْنا مَرْجِعُهم ثُمَّ اللهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ ﴾ قَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَلَكِنِ الناسُ" بِتَخْفِيفِ "لَكِنْ" ورَفْعِ "الناسُ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ "وَلَكِنَّ" بِالتَشْدِيدِ ونَصْبِ "الناسَ"، وظُلْمُ الناسِ لِأنْفُسِهِمْ إنَّما هو بِالتَكَسُّبِ مِنهُمُ الَّذِي يُقارِنُ اخْتِراعَ اللهِ تَعالى لِأفْعالِهِمْ، وعُرْفُ "لَكِنَّ" إذا كانَ قَبْلَها واوٌ أنْ تُثَقَّلَ، وإذا عَرِيَتْ مِنَ الواوِ أنْ تُخَفِّفَ، وقَدْ يَنْخَرِمُ هَذا، وقالَ الكُوفِيُّونَ: قَدْ تَدْخُلُ اللامُ في خَبَرِ "لَكِنَّ" المُشَدِّدَةِ عَلى حَدِّ دُخُولِها في "إنَّ"، ومَنَعَ ذَلِكَ البَصْرِيُّونَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ ﴾ الآيَةُ، وعِيدٌ بِالحَشْرِ وخِزْيِهِمْ فِيهِ وتَعاوُنِهِمْ في التَلاوُمِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، و"يَوْمَ" ظَرْفٌ، ونَصْبُهُ يَصِحُّ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ يَوْمَ، ويَصِحُّ أنْ يَنْتَصِبَ بِالفِعْلِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ: ﴿ كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلا ساعَةً مِنَ النَهارِ ﴾ ، ويَصِحُّ نُصْبُهُ بِـ "يَتَعارَفُونَ"، والكافُ مِن قَوْلِهِ: "كَأنْ" يَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَعْنى الصِفَةِ لِلْيَوْمِ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَعْتٍ لِلْمَصْدَرِ كَأنَّهُ قالَ: ويَوْمَ نَحْشُرُهم حَشْرًا كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَمِيرِ في "يَحْشُرُهُمْ".
وخُصِّصَ النَهارُ بِالذِكْرِ لِأنَّ ساعاتِهِ وقِسْمَتَهُ مَعْرُوفَةٌ بَيِّنَةٌ لِلْجَمِيعِ، فَكَأنَّ هَؤُلاءِ مُتَحَقِّقُونَ قِلَّةَ ما لَبِثُوا، إذْ كَلُّ أمَدٍ طَوِيلٍ إذا انْقَضى فَهو واليَسِيرُ سَواءٌ.
وأمّا قَوْلُهُ: "يَتَعارَفُونَ" فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُعادَلَةً لِقَوْلِهِ: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ ﴾ كَأنَّهُ أخْبَرَ أنَّهم يَوْمَ الحَشْرِ يَتَعارَفُونَ، وهَذا التَعارُفُ عَلى جِهَةِ التَلاوُمِ والخِزْيِ مِن بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَمِيرِ في "نَحْشُرُهُمْ" ويَكُونُ مَعْنى التَعارُفِ كالَّذِي قَبْلَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَمِيرِ في "يَلْبَثُوا" ويَكُونُ التَعارُفُ في الدُنْيا، ويَجِيءُ مَعْنى الآيَةِ: ويَوْمَ نَحْشُرُهم لِلْقِيامَةِ فَتَنْقَطِعُ المَعْرِفَةُ بَيْنَهم والأسْبابُ، ويَصِيرُ تَعارُفُهم في الدُنْيا كَساعَةٍ مِنَ النَهارِ لا قَدَرَ لَها، وبِنَحْوِ هَذا المَعْنى فَسَّرَ الطَبَرِيُّ، وقَرَأ السَبْعَةُ وجُمْهُورُ الناسِ: "نَحْشُرُهُمْ" بِالنُونِ، وقَرَأ الأعْمَشُ فِيما رُوِيَ عنهُ: "يَحْشُرُهُمْ" بِالياءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ ﴾ إلى آخِرِها.
حُكْمٌ عَلى المُكَذِّبِينَ بِالخَسارَةِ، وفي اللَفْظِ إغْلاظٌ عَلى المَحْشُورِينَ مِن إظْهارٍ لِما هم عَلَيْهِ مِنَ الغَرَرِ مَعَ اللهِ تَعالى، وهَذا عَلى أنَّ الكَلامَ إخْبارٌ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، وقِيلَ: إنَّهُ مِن كَلامِ المَحْشُورِينَ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لِأنْفُسِهِمْ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإمّا نُرِيَنَّكَ ﴾ الآيَةُ، "وَإمّا" شَرْطٌ، وجَوابُهُ "فَإلَيْنا"، والرُؤْيَةُ في قَوْلِهِ: "نُرِيَنَّكَ" رُؤْيَةُ بَصَرٌ، وقَدْ عُدِّيَ الفِعْلُ بِالهَمْزَةِ فَلِذَلِكَ تَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ: أحَدُهُما "الكافُ"، والآخَرُ "بَعْضَ"، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ بَعْضَ الَّذِي ﴾ إلى عُقُوبَةِ اللهِ لَهم نَحْوُ بَدْرٍ وغَيْرِها، ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ الوَعِيدُ بِالرُجُوعِ إلى اللهِ تَعالى، أيْ: إنْ أرَيْناكَ عُقُوبَتَهم أو لَمْ نُرِكْها فَهم عَلى كُلِّ حالٍ راجِعُونَ إلَيْنا إلى الحِسابِ والعَذابِ، ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ فاللهُ شَهِيدٌ مِن أوَّلِ تَكْلِيفِهِمْ عَلى جَمِيعِ أعْمالِهِمْ، فَـ "ثُمَّ" هاهُنا لِتَرْتِيبِ الإخْبارِ لا لِتَرْتِيبِ القَصَصِ في أنْفُسِها، و"إمّا" هي "إنْ" زِيدَتْ عَلَيْها "ما"، ولِأجْلِها جازَ دُخُولُ النُونِ الثَقِيلَةِ، ولَوْ كانَتْ "إنْ" وحْدَها لَمْ يَجُزْ.
<div class="verse-tafsir"
يل، وشمل عموم الناس المشركين الذين يستمعون ولا يهتدون وينظرون ولا يعتبرون.
والمقصود من هذا التذييل التعريض بالوعيد بأنْ سينالهم ما نال جميع الذين ظلموا أنفسهم بتكذيب رسل الله.
وعموم ﴿ الناس ﴾ الأوللِ على بابه وعموم ﴿ الناس ﴾ الثاني مراد به خصوص الناس الذين ظلَموا أنفسهم بقرينة الخبر.
وإنما حسن الإتيان في جانب هؤلاء بصيغة العموم تنزيلاً للكثرة منزلة الإحاطة لأن ذلك غالب حال الناس في ذلك الوقت.
وهذا الاستدراك أشعر بكلام مطوي بعد نفي الظلم عن الله، وهو أن الله لا يظلم الناس بعقابه من لم يستوجب العقاب ولكن الناس يظلمون فيستحقون العقاب، فصار المعنى أن الله لا يظلم الناس بالعقاب ولكنهم يظلمون أنفسهم بالاعتداء على ما أراد منهم فيعاقبهم عدلاً لأنهم ظلَموا فاستوجبوا العقاب.
وتقديم المفعول على عامله لإفادة تغليطهم بأنهم ما جنوا بكفرهم إلا على أنفسهم وما ظلموا الله ولا رسله فما أضروا بعملهم إلا أنفسهم.
وقرأ الجمهور بتشديد نون ﴿ لكنّ ﴾ ونصب ﴿ الناس ﴾ .
وقرأ حمزة والكسائي وخلف بتخفيف النون ورفع ﴿ الناس ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَسْتَمِعُونَ الكَذِبَ عَلَيْكَ فَلا يُنْكِرُونَهُ.
الثّانِي: يَسْتَمِعُونَ الحَقَّ مِنكَ فَلا يَعُونَهُ.
﴿ أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ ولَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ مَن لا يَعِي ما يَسْمَعُ فَهو كَمَن لا يَعْقِلُ.
الثّانِي: مَعْناهُ أنَّهُ كَما لا يَعِي مَن لا يَسْمَعُ كَذَلِكَ لا يَفْهَمُ مَن لا يَعْقِلُ.
والألِفُ الَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أفَأنْتَ ﴾ لَفْظُها الِاسْتِفْهامُ ومَعْناها مَعْنى النَّفْيِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج أبو الشيخ عن مكحول رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن الله لا يظلم الناس شيئاً ولكن الناس أنفسهم يظلمون ﴾ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله: يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا» .
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا ﴾ الآية، قال أرباب الأصول (١) (٢) (٣) (٤) (١) يعني علماء أصول الدين والعقيدة، وانظر: المسألة في "الإبانة عن أصول الديانة" ص 158، و"عقيدة السلف وأصحاب الحديث" ص 280، وكتاب "الإرشاد إلى قواطع الأدلة" ص 189، و"الغنية في أصول الدين" ص 129.
(٢) في (ح) و (ز): (لا ينصرف)، وهو خطأ.
(٣) سبق بيان مذهب الأشاعرة في استحالة نسبة الظلم إلى الله والرد عليه.
(٤) لم أجده في كتب المعاني، وانظر نحوه في: "زاد المسير" 4/ 35، "الجامع لأحكام القرآن" 8/ 347.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَقُل لِّي عَمَلِي ﴾ الآية: موادعة، منسوخة بالقتال ﴿ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ ﴾ أي يستمعون القرآن، وجمع الضمير بالحمل على معنى من ﴿ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصم ﴾ المعنى أتريد أن تسمع الصم وذلك لا يكون.
لاسيما إذا انضاف إلى الصمم عدم العقل ﴿ أَفَأَنْتَ تَهْدِي العمي ﴾ المعنى أتريد أن تهدي العمي، وذلك لا يكون ولاسيما إذا انضاف إلى عدم البصر عمى البصيرة، والصمم والعمى عبارة عن قلة فهمهم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ أفأنت ﴾ بتليين الهمزة ونحوه: الأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف.
﴿ ولكن الناس ﴾ بالتخفيف والرفع: حمزة وعلي وخلف ﴿ يحشرهم ﴾ بالياء: حفص الباقون بالنون ﴿ نرينك أو نتوفينك ﴾ بالنون الخفيفة: رويس ﴿ آلان ﴾ بوزن "عالان" بحذف الهمزة التي بعد اللام وإلقاء حركتها على اللام حيث كان: أبو جعفر ونافع وزمعة وحمزة في الوقف ﴿ ربي إنه ﴾ بفتح الياء: أبو عمرو وأبو جعفر ونافع.
﴿ فليفرحوا ﴾ بياء الغيبة ﴿ تجمعون ﴾ بتاء الخطاب: ابن عامر ويزيد.
وقرأ زيد على ضده، وقرأ رويس كليهما على الخطاب.
والباقون على الغيبة فيهما.
الوقوف: ﴿ إليك ﴾ ط ﴿ لا يعقلون ﴾ ه ﴿ إليك ﴾ ط ﴿ لا يبصرون ﴾ ه ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ مهتدين ﴾ ه ﴿ يفعلون ﴾ ه ﴿ رسول ﴾ ج ط ﴿ لا يظلمون ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ ما شاء الله ﴾ ط ﴿ أجل ﴾ ط ﴿ ولا يستقدمون ﴾ ه ﴿ المجرمون ﴾ ه ﴿ آمنتم به ﴾ ط، ﴿ تستعجلون ﴾ ه ﴿ الخلد ﴾ ج ط للاستفهام مع أن القائل واحد ﴿ تكسبون ﴾ ه ﴿ أحق هو ﴾ ط ﴿ بمعجزين ﴾ ه ﴿ لافتدت به ﴾ ط ﴿ العذاب ﴾ ج ط للعطف على ﴿ أسروا ﴾ دون ﴿ رأوا ﴾ ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ للمؤمنين ﴾ ه ﴿ فليفرحوا ﴾ ط ﴿ يجمعون ﴾ ه ﴿ وحلالاً ﴾ ط ﴿ تفترون ﴾ ه ﴿ القيامة ﴾ ط ﴿ لا يشكرون ﴾ ه.
التفسير: إن الإنسان إذا قوي بغضه لإنسان آخر وعظمت نفرته عنه صارت نفسه متوجهة إلى طلب مقابحه في كلامه معرضة عن جهات محاسنه فيه، وكما أن الصمم في الأذن معنى ينافي حصول إدراك الصوت، والعمى في العين أمر ينافي حصول إدراك الصورة، فكذلك حصول هذا البغض الشديد يضاد وقوف الإنسان على محاسن من يعاديه، فبين الله في أولئك الكفار من بلغت حاله في النفرة والعداوة إلى هذا الحد ﴿ يستمعون إليك ﴾ إذا قرأت القرآن وعلمت الشرائع ولكنهم لا يسمعون ولا يقبلون وينظرون إليك يعاينون أدلة الصدق وأعلام النبوة ولكنهم لا يتبصرون ولا يصدقون.
قال أهل المعاني: المستمع إلى القرآن كالمستمع إلى النبي بخلاف النظر.
فكان في المستمعين كثرة فجمع ليطابق اللفظ المعنى ووحد النظر حملاً على اللفظ إذ لم يكثروا كثرتهم.
ثم قال: أتطمع أن تقدر على إسماع الصم ولو انضم إلى صممهم عدم عقولهم، أو تقدر على هداية العمي ولا سيما إذا قرن بفقد البصر فقد البصيرة، إنما يقدر على ردهم إلى حالة الكمال خالق القدر والقوى وحده.
وهذا الحصر إنما يفهم من قوله: ﴿ أفأنت ﴾ .
والمقصود من هذا الكلام تسلية الرسول فإن الطبيب إذا رأى مريضاً لا يقبل العلاج أصلاً أعرض عنه ولم يستوحش من ذلك لأن التقصير من المزاج لا من الصنعة والحذق.
ثم أكد عدم قابليتهم في الفطرة مع إشارة إلى ما يلحقهم من الوعيد يوم القيامة بقوله: ﴿ إن الله لا يظلم ﴾ الآية.
فسرها المعتزلة بأن المراد من نفي الظلم أنه ما ألجأ أحد إلى هذه القبائح والمنكرات ولكنهم باختيار أنفسهم أقدموا عليها.
وأجاب الواحدي عنه بأنه إنما نفى الظلم عن نفسه لأنه يتصرف في ملك نفسه فلا اعتراض عليه.
وإنما قال: ﴿ ولكن الناس أنفسهم يظلمون ﴾ لأن الفعل منسوب إليهم بسبب الكسب.
والتحقيق أنه نفى الظلم عنه لأنه وقوع فريق القهر ضروري، ونسب الظلم إليهم لخصوص وقوعهم في الطريق وفيه دقة.
ثم ذكر وعيد الكفار فقال: ﴿ ويوم يحشرهم ﴾ أي واذكر يوم يحشرهم ﴿ كأن لم يلبثوا ﴾ في محل النصب على الحال أي مشبهين بمن لم يلبث ﴿ إلا ساعة ﴾ وقوله ﴿ يتعارفون ﴾ إما حال أخرى أو بيان لقوله: ﴿ كأن لم يلبثوا ﴾ لأن التعارف لا يبقى مع طول العهد.
ويجوز أن يكون قوله: ﴿ ويوم يحشرهم ﴾ متعلقاً بـ ﴿ يتعارفون ﴾ والمراد باللبث.
قيل: لبثهم في الدنيا وقيل في القبور استقلوا المدد الطوال إما لأنهم ضيعوا أعمارهم في الدنيا فجعلوا وجودها كالعدم واستقصروها للدهش والحيرة، أو لطول وقوفهم في الحشر، أو لشدة ما هم فيه من العذاب نسوا لذات الدنيا واستحقروها.
وأما التعارف فقد قيل: يعرّف بعضهم بعضاً ما كانوا عليه من الخطإ والكفر وقيل: يعرف كل واحد أهل معرفته.
والجمع بين ذلك وبين قوله: ﴿ ولا يسأل حميم حميماً ﴾ أن هذا تعارف توبيخ وتضليل يقول كل فريق لصاحبه أنت أضللتني يوم كذا، أو أنهم يتعارفون إذا بعثوا ثم تنقطع المعرفة.
وإنما حذف "جميعاً" في هذه الآية اكتفاء بما في الآية السابقة ﴿ ويوم نحشرهم جميعاً ثم نقول للذين أشركوا ﴾ ولأن الآية سيقت هناك لبيان حشر العابدين والمعبودين فأكد بقوله: ﴿ جميعاً ﴾ ليشمل الفريقين صريحاً والله أعلم.
قوله: ﴿ قد خسر ﴾ استئناف فيه معنى التعجب كأنه قيل: ما أخسرهم!
وفيه شهادة من الله على خسرانهم.
وجوز في الكشاف أن يكون على إرادة القول أي يتعارفون بينهم قائلين ذلك.
ثم أكد خسرانهم بقوله: ﴿ وما كانوا مهتدين ﴾ أي في رعاية مصالح هذه التجارة لأنهم أعطوا الكثير الشريف الباقي وقنعوا بالقليل الخسيس الفاني كمن رأى زجاجة خسيسة فظنها جوهرة نفيسة فاشتراها بكل ماله، فإذا عرضها على الناقدين خاب سعيه وفات أمله.
ثم سلى رسوله فقال: ﴿ وإما نرينك ﴾ وجوابه محذوف.
وقوله: ﴿ فإلينا مرجعهم ﴾ جواب ﴿ أو نتوفينك ﴾ والمعنى وإما نرينك في أعدائك بعض الذي نعدهم في الدنيا فذاك، أو نتوفينك قبل أن تدركه فنحن نريكهم في الآخرة لأن مرجع الكل إلينا.
ولقد صدق الله وعده فقد أراه في هذه الدار خزيهم وقهرهم بالقتل والأسر والاستعلاء عليهم والاستيلاء على ديارهم وأموالهم، والذي سيريه في الآخرة أكثر وأدوم يدل عليه لفظ "ثم" لتبعيد الرتبة في قوله: ﴿ ثم الله شهيد على ما يفعلون ﴾ ولا يخفى نتيجة هذه الشهادة من السخط والعقاب، ويحتمل أن يراد إنطاق جوارحهم يوم القيامة جعل ذلك بمنزلة شهادة الله.
ثم بيّن أنه ما أهمل أمة من الأمم من رسول في وقت من الأوقات فقال: ﴿ ولكل أمة رسول ﴾ وزمان الفترة محمول على ضعف دعوة النبي المتقدم ووقوع موجبات التخليط في شرعه.
﴿ فإذا جاء رسولهم ﴾ فبلغ فكذبه قوم وصدقه آخرون ﴿ قضى بينهم بالقسط ﴾ أي حكم وفصل بالعدل فأنجى الرسول والمصدقون وعذب المكذبون فهذه الآية نظيرة قوله: ﴿ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً ﴾ ويحتمل أن يقال: المراد ولكل أمة من الأمم يوم القيامة رسول ينسبون إليه ويدعون به فكأنه يقول: أنا شهيد على أعمالهم ومع ذلك فإني أحضر في موقف القيامة، مع كل قوم رسولهم حتى يشهد عليهم بالكفر والإيمان.
﴿ فإذا جاء رسولهم ﴾ وشهد لهم أو عليهم ﴿ قضي بينهم ﴾ والمراد منه المبالغة في إظهار العدل والنصفة فتكون الآية كقوله: ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد ﴾ ثم ذكر شبهة أخرى من شبهات الكفرة، وذلك أنه كلما هددهم بنزول العذاب ومر زمان ولم يظهر ذلك العذاب كانوا ﴿ يقولون متى هذا الوعد ﴾ استبعاداً لنزوله وقدحاً في نبوته وهذا مما يؤكد القول الأوّل في الآية المتقدمة، لأنه لا يجوز أن يقولوا متى هذا الوعد عند حضورهم في دار الآخرة لحصول اليقين والمعرفة حينئذٍ.
وأيضاً قوله: ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ لفظ الجمع موافق لقوله: ﴿ ولكل أمة رسول ﴾ ثم أمره أن يجيب بما يحسم مادة الشبهة وهو قوله: ﴿ قل لا أملك لنفسي ضراً ﴾ من مرض أو فقر ﴿ ولا نفعاً ﴾ من صحة أو غنى ﴿ إلا ما شاء الله ﴾ قال العلماء: إنه استثناء منقطع أي ولكن ما شاء الله من ذلك كائن فكيف أملك لكم الضر وجلب العذاب.
ثم بين أن أحداً لا يموت إلا بالقضاء، وأن لعذاب كل طائفة أمداً محدوداً لا يتجاوزه فلا وجه للاستعجال.
فقال و ﴿ لكل أمة أجل ﴾ الآية.
وقد مر تفسير الآية في أوائل الأعراف إلا أنه أدخل الفاء ههنا في الجزاء، فإنه بنى الشرط على الاستئناف أو البيان بخلاف ما هنالك فإنه جعل الشرط مرتباً على قوله: ﴿ ولكل أمة أجل ﴾ فلم يحسن الجمع بين الفاءين.
ثم زيف رأيهم في استعجال العذاب مرة أخرى فقال: ﴿ قل أرأيتم ﴾ أي أخبروني ﴿ إن أتاكم عذابه بياتاً ﴾ أي في حين الغفلة والراحة.
﴿ أو نهاراً ﴾ حين الاشتغال بطلب المعاش كما مر في أول الأعراف ﴿ ماذا يستعجل ﴾ أي شيء يستعجل ﴿ منه ﴾ أي من العذاب ﴿ المجرمون ﴾ وإنما لم يقل" ماذا يستعجلون منه" دلالة على موجب ترك الاستعجال وهو الإجرام، لأن حق المجرم أن يخاف التعذيب على إجرامه وإن أبطأ مجيئه فضلاً عن أن يستعجله.
و "من" للبيان أو للابتداء والمعنى أن العذاب كله مر المذاق موجب للنفار فأيّ شيء يستعجلون منه وليس شيء منه يوجب الاستعجال؟
أو المراد التعجب كأنه قيل: أيّ شيء هائل شديد يستعجلون؟
وقيل: الضمير في "منه" لله وجواب الشرط محذوف وهو تندموا على الاستعجال أو تعرفوا الخطأ فيه.
و "ماذا" الجملة مفعول ﴿ أرأيتم ﴾ ويجوز أن يكون جواباً للشرط كقولك إن أتيتك ماذا تطعمني، ثم تتعلق الجملة بـ ﴿ أرأيتم ﴾ ويجوز أن يكون اعتراضاً وجواب الشرط ﴿ ثم إذا وقع آمنتم به ﴾ والمعنى إن أتاكم عذابه آمنتم به بعد وقوعه حين لا ينفعكم الإيمان، ودخول حرف الاستفهام على "ثم" كدخوله على الواو والفاء إلا أنه على إرادة القول أي قيل لهم إذا آمنوا بعد وقوع العذاب ﴿ آلآن ﴾ آمنتم به ﴿ وقد كنتم به تستعجلون ﴾ على جهة التكذيب والإنكار وقوله ﴿ ثم قيل ﴾ عطف على قيل المضمر قبل ﴿ آلآن ﴾ والحاصل أن الذي تطلبونه ضرر محض عارٍ عن المنفعة، والعاقل لا يطلب مثل ذلك.
وإنما قلنا إنه ضرر محض لأنه إذا وقع العذاب فإما أن تؤمنوا وإيمان اليأس غير مقبول، وإما أن لا تؤمنوا فيحصل عقيب ذلك عذاب آخر أشد وأدوم ويقال على سبيل الإهانة.
﴿ ذوقوا عذاب الخلد ﴾ فإن قلتم إلهنا أنت الغني عن الكل فكيف يليق برحمتك هذا الوعيد والتهديد؟
أجبتم ﴿ هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون ﴾ فالجزاء مرتب على العمل ترتب المعلول على العلة كما يقوله الحكيم، أو ترتب الأجر الواجب عند المعتزلة، أو بحكم الوعد المحض عند أهل السنة.
وتفسير الكسب مذكور في البقرة في قوله: ﴿ لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ﴾ .
ثم حكى عنهم أنهم بعد هذه البيانات استفهموا تارة أخرى عن تحقيق العذاب فقال: ﴿ ويستنبئونك أحق هو ﴾ وهو استخبار على جهة الاستهزاء والإنكار أي أحق ما تعدنا به من نزول العذاب في العاجل؟
وهذا السؤال جهل محض لأنه تقدم ذكره مع الجواب مرة واحدة فلا وجه للإعادة، ولأنه قد تبين بالبراهين القاطعة صحة نبوة محمد فيلزم القطع بصحة كل ما يخبر عن وقوعه.
وقيل: المراد أحق ما جئت به من القرآن والشرائع؟
وقيل: أي ما تعدنا من البعث والقيامة؟
فأمره الله أن يجيبهم بقوله: ﴿ قل إي وربي ﴾ ومعناه نعم ولكنه مستعمل مع القسم ألبتة.
وفائدة هذا القسم في جوابهم أن يكون قد أبرز الكلام معهم على الوجه المعتاد بينهم استمالة لقلوبهم.
ومن الظاهر أن من أخبر عن شيء وأكده بالقسم فقد أخرجه عن حد الهزل وأدخله في باب الجد.
فقد يكون هذا القدر مقنعاً إذا لم يكن الخصم ألد.
ثم أكد مضمون المقسم عليه بقوله ﴿ وما أنتم بمعجزين ﴾ فائتين العذاب.
والغرض التنبيه على أن أحداً لا يدافع نفسه عما أراد الله وقضى.
ثم زاد في التأكيد بقوله: ﴿ ولو أن لكل نفس ﴾ الآية.
وقد مر مثله في "آل عمران" و "المائدة".
وقوله: ﴿ ظلمت ﴾ صفة لنفس.
أما قوله: ﴿ وأسروا الندامة ﴾ فقد قيل: الإسرار بمعنى الإظهار والهمزة للسلب أي أظهروا الندامة حينئذٍ لضعفهم وليس هناك تجلد.
والمشهور أنه الإخفاء وسببه أنهم بهتوا حين عاينوا ما سلبهم قواهم فلم يطيقوا صراخاً ولا بكاء، أو أخفوا الندامة من سفلتهم وأتباعهم حياء منهم وخوفاً من توبيخهم.
وهذا التزوير في أول ما يرون العذاب، أما عند إحاطة النار بهم فلا يبقى هذا التماسك، أو أراد بالإخفاء الإخلاص لأن من أخلص في الدعاء أسره، وفيه تهكم بهم وبإخلاصهم لأنهم أتوا بذلك في غير وقته ﴿ وقضى بينهم بالقسط ﴾ قيل: أي بين المؤمنين والكافرين.
وقيل: بين الرؤساء والأتباع، وقيل: بين الكفار بإنزال العقوبة عليهم.
وقيل: بين الظالمين من الكفار والمظلومين منهم فيكون في ذلك القضاء تخفيف من عذاب بعضهم وتثقيل لعذاب بعضهم وإن اشترك كلهم في العذاب.
ثم ذكر آيتين أن له جميع ما قرر بحكم المالكية والقدرة على الإحياء والإماتة والإبداء والإعادة.
وقيل: في وجه النظم أنه لما ذكر حديث الافتداء بيّن أنه ليس للظالم شيء يفتدي به فإن كل الأشياء ملكه وملكه.
وقيل: إنه لما أقسم على حقية ما جاء به النبي وكان دليلاً إقناعياً أراد أن يصححها بالبرهان النير فذكر أن كل ما في هذا العالم من نبات وحيوان وجسد وروح وظلمة ونور وعلوي وسفلي بسيط ومركب فهو ملكه، فلكونه قادراً على جميع الممكنات يقدر على إيصال الرحمة إلى أوليائه والعذاب إلى أعدائه، ولكنه منزهاً عن النقائص والآفات يكون بريئاً عن الخلف في الوعد والإيعاد.
وفي تصدير الكلام بكلمة "ألا" تنبيه للغافلين وإيقاظ للنائمين وتقريع للناظرين في الأسباب الظاهرة القائلين: البستان للأمير، والدار للوزير، والغلام لزيد والجارية لعمرو، ولا يعلمون أن كلها عوارٍ وودائع.
ولا بد يوماً أن ترد الودائع *** واعلم أن الطريق إلى إثبات نبوة الأنبياء بأمور أحدها: إظهار المعجزة على يده مطابقاً لدعواه، وقد قرره الله في هذه السورة على أحسن الوجوه حيث قال: ﴿ وما كان هذا القرآن أن يفترى ﴾ إلى تمام الآيتين.
والثاني أن نعلم بعقولنا أن الاعتقاد الحق والعمل الصالح ما هو فكل من جاء ودعا الخلق إلى ذلك وادعى الرسالة وكان لنفسه قوّة تكميل الناقصين غلب على ظننا أنه النبي الحق، فأشار إلى هذا الطريق بقوله: قل ﴿ يا أيها الناس ﴾ الآية.
فوصف القرآن بصفات أربع: الأولى كونه موعظة والمراد بها الزجر عما لا ينبغي كالطبيب ينهى المريض أوّلاً عما يضره.
الثانية كونه شفاء لما في الصدور لحصول العقائد الحقة والأخلاق الحميدة فيها بدل أضدادها كالطبيب يعيد الصحة بدل المرض والأخلاط المحمودة بدل الأخلاط الفاسدة بالمعالجات الصائبة والأدوية النافعة.
الثالثة حصول الهدي بسببه وذلك أنه إذا زالت الملكات الرديئة التي طبيعتها الظلمة وصارت مرآة النفس مصقولة محاذية لعالم القدس انطبع فيها نقش الملكوت وتجلى لها قدس اللاهوت.
الرابعة كونه رحمة للمؤمنين وذلك بأن تصير النفس البالغة إلى هذه الدرجات الروحانية والمعارج الربانية بحيث تفيض أنوارها على أرواح الناقصين فيض النور من جوهر الشمس على أجرام هذا العالم.
وإنما خص المؤمنين بهذه الرحمة لأن كل روح لم يتوجه إلى خدمة أرواح الأنبياء المطهرين لم ينتفع بأنوارهم كما أن كل جرم لم يقع في مواجهة قرص الشمس لا يستضيء بنورها.
والحاصل أن الموعظة إشارة إلى تطهير ظواهر الخلق عما لا ينبغي وهو الشريعة، والشفاء إشارة إلى تطهير الأرواح عن العقائد الفاسدة والأخلاق الرديئة بتحصيل أضدادها وهي الطريقة، والهدى عبارة عن ظهور نور الحق في قلوب الصدّيقين وهي الحقيقة، والرحمة إشارة إلى كونها بالغة في الكمال والإشراق إلى حيث تصير مكملة للباقين وهي النبوة.
ولما أرشد إلى الطريق الموصل إلى السعادات الباقية الروحانية ذكر أنها هي التي يجب أن يكمل الفرح بحصولها دون السعادات الفانية الجسمانية فقال: ﴿ قل بفضل الله وبرحمته ﴾ قال في الكشاف: أصل الكلام بفضل الله وبرحمته فليفرحوا ﴿ فبذلك فليفرحوا ﴾ والتكرير للتقرير والتأكيد، وإيجاب اختصاص الفضل والرحمة بالفرح دون ما عداهما من فوائد الدنيا فحذف أحد الفعلين لدلالة الآخر عليه.
والفاء داخلة لمعنى الشرط كأنه قيل: إن فرحوا بشيء فليخصوهما بالفرح، وجوز أن يراد بفضل الله وبرحمته فليعتنوا فبذلك فليفرحوا، وأن يراد قد جاءتكم موعظة بفضل الله وبرحمته فبذلك أي بمجيئها فليفرحوا.
وعلى هذا يكون ﴿ قل ﴾ اعتراضاً.
ومن قرأ بتاء الخطاب فمعناه على ما نقل عن زيد بن ثابت فبذلك فلتفرحوا يا أصحاب محمد هو خير مما يجمع الكفار، ونسبت هذه القراءة إلى النبي وهو الأصل والقياس لأنه أدل على الأمر بالفرح وأشد تحريضاً به، وإنما قلنا إنه الأصل لأن حكم الأمر في المخاطب والغائب واحد إلا أنه خفف أمر المخاطب بحذف اللام وبحذف حرف المضارعة لكثرة الاستعمال فاضطروا إلى همزة الوصل.
ومن قرأ تجمعون بتاء الخطاب فإنه عنى المخاطبين والغائبين جميعاً إلا أنه غلب الخطاب كما يغلب التذكير، أو كأنه أراد المؤمنين وفيه حث لهم على ترجيح الجواذبالعقلية الروحانية على النوازع النفسانية الجسدانية لأنه لا معنى لهذه اللذات الجسمانية إلا دفع الآلام، والمعنى العدمي لا يستحق الفرح به، وبتقدير أن تكون صفات ثبوتية إلا أن التضرر بآلامها أقوى من الانتفاع بلذاتها فلا نسبة للذة الوقاع - وهي أقوى اللذات - إلى ألم القولنج وسائر الآلام القوية.
وأيضاً إن مداخل اللذات الجسمانية معظمها البطن والفرج، ومداخل الآلام كل جزء من أجزاء البدن.
وأيضاً اللذات الجسمانية لا بقاء لها مثلاً إذا زال ألم الجوع زال الالتذاذ بالأكل، وكل ما لا بقاء له لا يشتد فرح العاقل بحصوله، ولو لم يحصل في لذة الأكل والوقاع إلا إتعاب الحواس والجوارح في مقدماتها ولواحقها لكفى.
ومن المعلوم أن الفرح الحاصل بحدوث الولد لا يعادل الحزن الواقع عند موته وفيه قال المعري: إن حزناً في ساعة الموت ضعا *** ف سرور في ساعة الميلاد فتبين بهذه الوجوه أن الفرح إنما يجب أن يكون بالروحانيات الباقيات لا بالجسمانيات الزائلات، أما المفسرون فقد قالوا: فضل الله الإسلام، ورحمته ما وعد عليه.
وعن أبيّ بن كعب أن رسول الله تلا ﴿ قل بفضل الله وبرحمته ﴾ فقال: بكتاب الله والإسلام.
ومثله ما روي عن أبي سعيد الخدري: فضل الله القرآن ورحمته أن جعلكم من أهله.
ثم أشار إلى طريق ثالث في إثبات النبوة فقال: ﴿ قل أرأيتم ﴾ الآية.
وتقريره أنكم تحكمون بحل بعض الأشياء وبحرمة بعضها فإن كان هذا لمجرد التشهي فذلك طريق باطل مهجور بالاتفاق لأدائه إلى التنازع والتشاجر واختلاف الآراء وافتراق الأهواء، وإن كان لأنه حكم الله فيكم فبم عرفتم ذلك فإن كان بقول رسول أرسله إليكم فقد اعترفتم بصحة النبوة وإلا كان افتراء على الله.
وفي الآية أيضاً إشارة إلى فساد طريقتهم في شرائعهم وأحكامهم من تحريم السوائب والبحائر وقولهم: ﴿ هذه أنعام وحرث حجر ﴾ وغير ذلك.
﴿ وما أنزل ﴾ الجملة في محل الرفع بالابتداء وخبره ﴿ آلله أذن لكم ﴾ و ﴿ قل ﴾ مكرر للتأكيد والرابط محذوف، ومجموع المبتدأ والخبر متعلق بـ ﴿ أرأيتم ﴾ والمعنى أخبروني الذى أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراماً وحلالاً آلله أذن لكم في تحريمه وتحليله ﴿ أم على الله تفترون ﴾ وعن الزجاج أن "ما" في ﴿ ما أنزل ﴾ بمعنى الاستفهام منصوباً بـ ﴿ أنزل ﴾ وأنه مع معموله مفعول ﴿ أرأيتم ﴾ معناه أخبرونيه.
وعلى هذا يكون ﴿ قل آلله ﴾ كلاماً مستأنفاً.
ومعنى أنزل خلق وأنشأ كقوله: ﴿ وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج ﴾ وذلك أن كل ما في الأرض من زرع أو ضرع فإنه بسبب الماء النازل من السماء.
قال في الكشاف: ويجوز أن تكون الهمزة في ﴿ آلله ﴾ للإنكار و "أم" منقطعة بمعنى "بل" أتفترون على الله تقريراً للافتراء.
ثم قال: ﴿ وما ظن الذين ﴾ يعني أي شيء ظنهم في ذلك اليوم وما يصنع بهم فيه؟
وهو في صورة الاستعلام ولكن المراد تعظيم وعيد من يفتري على الله حيث أبهم أمره وكفى به زاجراً للمفتي في الأحكام بغير علم فليتق الله وليصمت ﴿ لذو فضل على الناس ﴾ إذ أنعم عليهم بالعقل ورحمهم بإرسال النبي وتعليم الشرائع ﴿ ولكن أكثرهم لا يشكرون ﴾ هذه النعمة بجحد نبيه أو مخالفته.
التأويل: ﴿ أفأنت تسمع الصم ﴾ صم آذان القلوب ﴿ أفأنت تهدي العمى ﴾ عمي أبصار البصائر.
﴿ ويوم نحشرهم ﴾ حشر العوام خروج أجسادهم من القبور إلى المحشر، وحشر الخواص خروج أرواحهم الأخروية من قبور أجسادهم الدنيوية بالسير والسلوك، وحشر الأخص خروجهم من قبور الأنانية الروحانية إلى هوية الربانية كما قال: ﴿ يوم نحشر المتقين إلى الرحمن ﴾ كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار لأنه لا نسبة لمدة الدنيا إلى ما بين الأزل والأبد.
﴿ يتعارفون بينهم ﴾ يعرفون تفاوت مقامات كل صنف من هؤلاء ﴿ وإما نرينك بعض الذي نعدهم ﴾ بشرط الإيمان من نعيم الجنان ولقاء الرحمن ﴿ أو نتوفينك ﴾ فنبلغك أقصى المراتب ومقامك المحمود ﴿ فإلينا مرجعهم ﴾ رجوعاً اضطرارياً لا اختيارياً ﴿ ثم الله شهيد على ما يفعلون ﴾ من خسارة الدارين ﴿ ولكل أمة رسول ﴾ في الظاهر من الأنبياء وفي الباطن من إلهام الحق.
﴿ لكل أمة أجل ﴾ في استكمال السعادة والشقاوة ﴿ بياتاً ﴾ أي في الأزل ﴿ أو نهاراً ﴾ أي يظهر الآن ما قدّر لكم في الأزل.
﴿ قل أي وربي إنه لحق ﴾ أي أقسم بربك الذي يريك أن وقوع الأمور الأخروية حق لأنك عبرت على الجنة والنار ليلة المعراج ظلمت بإفساد الاستعدادات.
﴿ ألا إن لله ما في السموات ﴾ الأرواح وأرض القلوب والنفوس ﴿ ألا إن وعد الله ﴾ لأهل السعادة ولأهل الشقاوة في الأزل ﴿ حق هو يحيي ﴾ قلوب بعضهم بالمعرفة ﴿ ويميت ﴾ قلوب آخرين بالجهل، أو يحيي بالنور ويميت بالظلمة، أو يحيي بصفة الجمال ويميت بصفة الجلال ﴿ يا أيها الناس ﴾ يأ أهل النسيان ﴿ قد جاءتكم موعظة ﴾ هي خطاب ﴿ ألست بربكم ﴾ وهو داء العشق وشفاء من ذلك الداء وهو توفيق إجابة ﴿ بلى ﴾ ﴿ لما في الصدور ﴾ وهو القلب فإنها درة صدف الصدر وهدى عناية خاصة إذ الدعوة عامة والهداية خاصة.
ورحمة اتصال إمداد الفيض إلى أن يبلغ غاية الكمال ويفوز بالوصول والوصال ﴿ قل بفضل الله ﴾ وهو إسماع الخطاب ورحمته وهو الإبقاء على مدلول الخطاب ﴿ فليفرحوا هو خير مما ﴾ يجمعه أهل الدنيا في دنياهم ﴿ ما أنزل الله لكم من رزق ﴾ القلوب والأرواح فضلاً عن النفوس والأشباح من الواردات والشواهد ﴿ فجعلتم منه حراماً ﴾ على أنفسكم ﴿ وحلالاً ﴾ على غيركم أي حدثت أنفسكم بأن تحصيل هذه السعادات ونيل تلك الكرامات ليس من شأننا وإنما هو من شأن الأنبياء وخواص الأولياء ﴿ قل آلله أذن لكم ﴾ أن تعرضوا عن هذه المقامات وتحيلوها إلى غيركم وتركنوا إلى الدنيا وزخارفها ﴿ أم على الله تفترون ﴾ بأن الدعوة اختصت بهم دوننا ﴿ إن الله لذو فضل على الناس ﴾ بتسوية الاستعداد الفطري.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ ٱلنَّاسَ شَيْئاً وَلَـٰكِنَّ ٱلنَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ يخبر أن ما حل بأولئك من عذاب استئصال، إنما حل بظلمهم، [لا بظلم] من الله وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ ٱلنَّهَارِ ﴾ .
لم يلبسوا إلا ساعة من النهار، قال: في قبورهم يتعارفون بينهم إذا خرجوا من قبورهم.
وقال بعضهم من أهل التأويل: ﴿ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ ٱلنَّهَارِ ﴾ : في الدنيا، وأصله كأنهم استقلوا طول مقامهم في الدنيا وما أنعموا فيها؛ لما عاينوا من أهوال ذلك اليوم وشدائده، أو استقلوا لبثهم [في الدنيا] ومقامهم؛ لطول مقامهم في الآخرة في العذاب.
وفيه وجه ثان: وهو أنه يذكر من شدة سفههم وغاية جهلهم أن ما يعدهم من الحشر والعذاب الأبد كأنهم لا يلبثون فيها إلا ساعة من النهار، حتى لا يبالوا ما يلحقهم من ذلك وما يستوجبون عليه من العذاب باكتسابهم [من] تلك الأسباب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ ﴾ أي: يعرف بعضهم بعضا على قدر ما يلعن بعضهم بعضاً؛ كقوله: ﴿ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً ﴾ .
وعلى قدر ما يتبرأ بعضهم من بعض ثم يفرق بينهم كقوله: ﴿ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ ﴾ ، أي: فرقنا بينهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ ﴾ أي: خسروا بما وعدوا في الآخرة من النعم الدائمة بترك اكتسابهم إياها؛ إذ قد أعطوا ما يكتسبون به نعم الآخرة، فاكتسبوا ما به خسروا ذلك؛ فهو كقوله: ﴿ فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى ٱلنَّارِ ﴾ أي: ما أصبرهم على اكتساب ما به يستوجبون النار.
والثاني: [قد] خسروا [...].
<div class="verse-tafsir"
إن الله تنزه عن ظلم عباده، فهو لا يظلمهم مثقال ذرة، ولكنهم هم الذين يظلمون أنفسهم بإيرادها موارد الهلاك؛ بسبب التعصب للباطل والمكابرة والعناد.
<div class="verse-tafsir" id="91.r5XQ0"