الآية ٤٥ من سورة يونس

الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ٤٥ من سورة يونس

وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوٓا۟ إِلَّا سَاعَةًۭ مِّنَ ٱلنَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ ۚ قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ وَمَا كَانُوا۟ مُهْتَدِينَ ٤٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 69 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٥ من سورة يونس: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٥ من سورة يونس عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى مذكرا للناس قيام الساعة وحشرهم من أجداثهم إلى عرصات القيامة : كأنهم يوم يوافونها لم يلبثوا في الدنيا ( إلا ساعة من النهار ) كما قال تعالى : ( كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها ) [ النازعات : 46 ] ، وقال تعالى : ( يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما ) [ طه : 102 - 104 ] ، وقال تعالى : ( ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون ) [ الروم : 55 ، 56 ] .

وهذا كله دليل على استقصار الحياة الدنيا في الدار الآخرة كما قال : ( قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فاسأل العادين قال إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون ) [ المؤمنون : 112 ، 114 ] .

وقوله : ( يتعارفون بينهم ) أي : يعرف الأبناء الآباء والقرابات بعضهم لبعض ، كما كانوا في الدنيا ، ولكن كل مشغول بنفسه ( فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون ) [ المؤمنون : 101 ] ، وقال تعالى : ( ولا يسأل حميم حميما يبصرونهم يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه وصاحبته وأخيه وفصيلته التي تؤويه ومن في الأرض جميعا ثم ينجيه كلا ) [ المعارج : 10 ، 15 ] .

وقوله : ( قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله وما كانوا مهتدين ) كقوله تعالى : ( ويل يومئذ للمكذبين ) [ المرسلات : 15 ] .

لأنهم خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ، ألا ذلك هو الخسران المبين .

فهذه هي الخسارة العظيمة ، ولا خسارة أعظم من خسارة من فرق بينه وبين أحبته يوم الحسرة والندامة .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (45) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ويوم نحشر هؤلاء المشركين فنجمعهم في موقف الحساب، (1) كأنهم كانوا قبل ذلك لم يلبثوا إلا ساعة من نهار يتعارفون فيما بينهم، (2) ثم انقطعت المعرفة ، وانقضت تلك الساعة ، يقول الله: (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ) ، قد غُبن الذين جحدوا ثوابَ الله وعقابه وحظوظَهم من الخير وهلكوا (3) ، (وما كانوا مهتدين) يقول: وما كانوا موفّقين لإصابة الرشد مما فعلوا من تكذيبهم بلقاء الله ، لأنه أكسبهم ذلك ما لا قِبَل لهم به من عذاب الله.

----------------------- الهوامش : (1) انظر تفسير " الحشر" فيما سلف ص : 77 ، تعليق : 5 ، والمراجع هناك .

(2) انظر تفسير " اللبث " فيما سلف ص : 41 .

(3) انظر تفسير " الخسران " فيما سلف 14 : 344 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله وما كانوا مهتدينقوله تعالى ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا بمعنى " كأنهم " خففت ، أي كأنهم لم يلبثوا في قبورهم .

إلا ساعة من النهار أي قدر ساعة : يعني أنهم استقصروا طول مقامهم في القبور لهول ما يرون من البعث ; دليله قولهم : لبثنا يوما أو بعض يوم .

وقيل : إنما قصرت مدة لبثهم في الدنيا من هول ما استقبلوا لا مدة كونهم في القبر .

ابن عباس : رأوا أن طول أعمارهم في مقابلة الخلود كساعة .يتعارفون بينهم في موضع نصب على الحال من الهاء والميم في يحشرهم .

ويجوز أن يكون منقطعا ، فكأنه قال فهم يتعارفون .

قال الكلبي : يعرف بعضهم بعضا كمعرفتهم في الدنيا إذا خرجوا من قبورهم ; وهذا التعارف تعارف توبيخ وافتضاح ; يقول بعضهم لبعض : أنت أضللتني وأغويتني وحملتني على الكفر ; وليس تعارف شفقة ورأفة وعطف .

ثم تنقطع المعرفة إذا عاينوا أهوال يوم القيامة كما قال : ولا يسأل حميم حميما .

وقيل : يبقى تعارف التوبيخ ; وهو الصحيح لقوله تعالى : ولو ترى إذ الظالمون موقوفون إلى قوله وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا وقوله : كلما دخلت أمة لعنت أختها الآية ، وقوله : ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا الآية .

فأما قوله : ولا يسأل حميم حميما وقوله : فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم فمعناه لا يسأله سؤال رحمة وشفقة ، والله أعلم .

وقيل : القيامة مواطن .

وقيل : معنى يتعارفون يتساءلون ، أي يتساءلون كم لبثتم ; كما قال : وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون وهذا حسن .

وقال الضحاك : ذلك تعارف تعاطف المؤمنين ; والكافرون لا تعاطف عليهم ; كما قال : فلا أنساب بينهم .

والأول أظهر ، والله أعلم .[ ص: 259 ] قوله تعالى قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله وما كانوا مهتدين أي بالعرض على الله .

ثم قيل : يجوز أن يكون هذا إخبارا من الله عز وجل بعد أن دل على البعث والنشور ، أي خسروا ثواب الجنة .

وقيل : خسروا في حال لقاء الله ; لأن الخسران إنما هو في تلك الحالة التي لا يرجى فيها إقالة ولا تنفع توبة .

قال النحاس : ويجوز أن يكون المعنى يتعارفون بينهم ، يقولون هذا .

وما كانوا مهتدين يريد في علم الله .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى، عن سرعة انقضاء الدنيا، وأن الله تعالى إذا حشر الناس وجمعهم ليوم لا ريب فيه، كأنهم ما لبثوا إلا ساعة من نهار، وكأنه ما مر عليهم نعيم ولا بؤس، وهم يتعارفون بينهم، كحالهم في الدنيا، ففي هذا اليوم يربح المتقون، ويخسر الذين كذبوا بلقاء الله وما كانوا مهتدين إلى الصراط المستقيم والدين القويم، حيث فاتهم النعيم، واستحقوا دخول النار‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( ويوم يحشرهم ) قرأ حفص بالياء ، والآخرون بالنون ، ( كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار ) قال الضحاك : كأن لم يلبثوا في الدنيا إلا ساعة من النهار .

وقال ابن عباس : كأن لم يلبثوا في قبورهم إلا قدر ساعة من النهار ، ( يتعارفون بينهم ) يعرف بعضهم بعضا حين بعثوا من القبور كمعرفتهم في الدنيا ، ثم تنقطع المعرفة إذا عاينوا أهوال القيامة .

وفي بعض الآثار : أن الإنسان يعرف يوم القيامة من بجنبه ولا يكلمه هيبة وخشية .

( قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله وما كانوا مهتدين ) والمراد من الخسران : خسران النفس ، ولا شيء أعظم منه .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ويوم يحشرهم كأن» أي كأنهم «لم يلبثوا» في الدنيا أو القبور «إلا ساعة من النهار» لهول ما رأوا، وجملة التشبيه حال من الضمير «يتعارفون بينهم» يعرف بعضهم بعضا إذا بعثوا ثم ينقطع التعارف لشدة الأهوال، والجملة حال مقدرة أو متعلق الظرف «قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله» بالبعث «وما كانوا مهتدين».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ويوم يَحشر الله هؤلاء المشركين يوم البعث والحساب، كأنهم قبل ذلك لم يمكثوا في الحياة الدنيا إلا قدر ساعة من النهار، يعرف بعضهم بعضًا كحالهم في الدنيا، ثم انقطعت تلك المعرفة وانقضت تلك الساعة.

قد خسر الذين كفروا وكذَّبوا بلقاء الله وثوابه وعقابه، وما كانوا موفَّقين لإصابة الرشد فيما فعلوا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

قوله - سبحانه - : ( وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يلبثوا إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ النهار يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ ) بيان لأحوالهم السيئة عند جمعهم لحساب يوم القيامة .إذ الحشر - كما يقول الراغب - إخراج الجماعة عن مقرهم وإزعاجهم عنه إلى الحرب ونحوها .والمراد به هنا : إخراج الناس من قبورهم وجمعهم فى الموقف لحسابهم على أعمالهم الدنيوية .المقصود بالساعة هنا : المدة القليلة من الزمان ، فقد جرت العادة أن يضرب بها المثل فى الوقت القصير .والمعنى : واذكر يا أيها الرسول الكريم ، وذكرهؤلاء المشركين الذين عموا وصموا عن الحق ، يوم يجمعهم الله - فى الآخرة للحساب والعقاب ، فيشتد كريهم ، وينسون تلك الملذات والشهوات .

.

التي استمتعوا بها فى الدنيا ، حتى لكأنهم لم يلبثوا فيها وفى قبورهم ، إلا ساعة من النهار أى : إلا مدة قصيرة من النهار ، يتعارفون بينهم ، أى : لا تتسع تلك المدة إلا للتعارف فيما بينهم .وقوله : ( كَأَن لَّمْ يلبثوا ) جملة حالية من ضمير الجمع فى يحشرهم .وخصت الساعة بكونها من النهار ، لأنها أعرف لهم من ساعات الليل .والمقصود بالتشبيه : بيان أن هذه السنوات الطويلة التي قضاها هؤلاء المشركون فى الدنيا يتمتعون بلهوها ولعبها ، ويستبعدون معها أن هناك بعثا وحسابا .

.

قد زالت عن ذاكرتهم فى يوم القيامة ، حتى لكأنهم لم يمكثوا فيها سوا وقت قصير لا يتسع لأكثر من التعارف القليل مع الأقارب والجيران والأصدقاء ، حتى لكأن ذلك النعيم الذى تقلبوا فيه دهراً طويلا لم يروه من قبل .

.

.وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - فى سورة الأحقاف : ( كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يلبثوا إِلاَّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ ) وقوله - سبحانه ، فى سورة الروم ( وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة يُقْسِمُ المجرمون مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ ) فإن قيل : إن هناك بعض الآيات ذكرت أنهم عندما يسألون يحسبون بأنهم لبثوا فى الدنيا يوما أو بعض يوم ، أو عشية أو ضحاها كما فى قوله - تعالى - : ( قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فى الأرض عَدَدَ سِنِينَ .

قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ) وكما فى قوله - تعالى - ( كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يلبثوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا ) فكيف نجمع بين هذه الآيات التي اختلفت إجابتهم فيها؟فالجواب : أن أهل الموقف يختلفون فى تقدير الزمن الذى لبثوه فى الدنيا على حسب اختلاف أحوالهم ، وعلى حسب أهوال كل موقف ، فإن فى يوم القيامة مواقف متعددة بعضها أشد من بعض .وقوله ( يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ ) جملة حالية أيضا من ضمير الجمع فى يحشرهم .قال القرطبي : " وهذا التعارف توبيخ وافتضاح ، يقول بعضهم لبعض : أنت أضللتني وأغويتني وحملتني على الكفر ، وليس تعارف شفقة ورحمة وعطف .

.

.

والصحيح أنه لا ينقطع هذا التعارف التوبيخي عند مشاهدة أهوال القيامة ، لقوله - تعالى -( وَلَوْ ترى إِذِ الظالمون مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ القول ) فأما قوله : ( وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً ) وأشباهه فمعناه : لا يسأله سؤال رحمة وشفقة .

.وقوله : ( قَدْ خَسِرَ الذين كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ الله وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ ) جملة مستأنفة مسوقة لبيان حكم الله عليهم فى آخرتهم بعد أن ضيعوا دنياهم .والمراد بلقاء الله : مطلق الحساب والجزاء الكائن فى يوم القيامة .أى : أن هؤلاء الأشقياء الذين أعرضوا عن الحق وأنكروا الحشر ، قد خسروا سعادتهم الأبدية ، وحق عليهم العذاب المهين ، بسبب كفرهم وطغيانهم ، وعدم اهتدائهم إلى طريق النجاة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما وصف هؤلاء الكفار بقلة الإصغاء وترك التدبر أتبعه بالوعيد فقال: ﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مّنَ النهار ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حفص عن عاصم ﴿ يَحْشُرُهُمْ ﴾ بالياء والباقون بالنون.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ ﴾ في موضع الحال، أي مشابهين من لم يلبث إلا ساعة من النهار.

وقوله: ﴿ يَتَعَارَفُونَ ﴾ يجوز أن يكون متعلقاً بيوم نحشرهم، ويجوز أن يكون حالاً بعد حال.

المسألة الثالثة: ﴿ كأنَ ﴾ هذه هي المخففة من الثقيلة.

التقدير: كأنهم لم يلبثوا، فخففت كقوله: وكأن قد.

المسألة الرابعة: قيل: كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار وقيل في قبورهم، والقرآن وارد بهذين الوجهين قال تعالى: ﴿ قَٰلَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِى ٱلْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ  قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْـَٔلِ ٱلْعَآدِّينَ  ﴾ قال القاضي: والوجه الأول أولى لوجهين: أحدهما: أن حال المؤمنين كحال الكافرين في أنهم لا يعرفون مقدار لبثهم بعد الموت إلى وقت الحشر، فيجب أن يحمل ذلك على أمر يختص بالكفار، وهو أنهم لما لم ينتفعوا بعمرهم استقلوه، والمؤمن لما انتفع بعمره فإنه لا يستقله.

الثاني: أنه قال: ﴿ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ ﴾ لأن التعارف إنما يضاف إلى حال الحياة لا إلى حال الممات.

المسألة الخامسة: ذكروا في سبب هذا الاستقلال وجوهاً: الأول: قال أبو مسلم: لما ضيعوا أعمارهم في طلب الدنيا والحرص على لذاتها لم ينتفعوا بعمرهم ألبتة، فكان وجود ذلك العمر كالعدم، فلهذا السبب استقلوه ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العذاب أَن يُعَمَّرَ  ﴾ الثاني: قال الأصم: قل ذلك عندهم لما شاهدوا من أهوال الآخرة، والأنسان إذا عظم خوفه نسي الأمور الظاهرة.

الثالث: أنه قل عندهم مقامهم في الدنيا في جنب مقامهم في الآخرة وفي العذاب المؤبد.

الرابع: أنه قل عندهم مقامهم في الدنيا لطول وقوفهم في الحشر.

الخامس: المراد أنهم عند خروجهم من القبور يتعارفون كما كانوا يتعارفون في الدنيا، وكأنهم لم يتعارفوا بسبب الموت إلا مدة قليلة لا تؤثر في ذلك التعارف.

وأقول: تحقيق الكلام في هذا الباب، أن عذاب الكافر مضرة خالصة دائمة مقرونة بالإهانة والإذلال، والإحساس بالمضرة أقوى من الإحساس باللذة بدليل أن أقوى اللذات هي لذات الوقاع، والشعور بأم القولنج وغيره والعياذ بالله تعالى أقوى من الشعور بلذة الوقاع.

وأيضاً لذات الدنيا مع خساستها ما كانت خالصة، بل كانت مخلوطة بالهمومات الكثيرة، وكانت تلك اللذات مغلوبة بالمؤلمات والآفات، وأيضاً إن لذات الدنيا ما حصلت إلا بعض أوقات الحياة الدنيوية، وآلام الآخرة أبدية سرمدية لا تنقطع ألبتة ونسبة عمر جميع الدنيا إلى الآخرة الأبدية أقل من الجزء الذي لا يتجزأ بالنسبة إلى ألف ألف عالم مثل العالم الموجود.

إذا عرفت هذا فنقول: أنه متى قوبلت الخيرات الحاصلة بسبب الحياة العاجلة بالآفات الحاصلة للكافر وجدت أقل من اللذة بالنسبة إلى جميع العالم فقوله: ﴿ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مّنَ النهار ﴾ إشارة إلى ما ذكرناه من قلتها وحقارتها في جنب ما حصل من العذاب الشديد.

أما قوله: ﴿ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ ﴾ ففيه وجوه: الأول: يعرف بعضهم بعضاً كما كانوا يعرفون في الدنيا.

الثاني: يعرف بعضهم بعضاً بما كانوا عليه من الخطأ والكفر، ثم تنقطع المعرفة إذا عاينوا العذاب وتبرأ بعضهم من بعض.

فإن قيل: كيف توافق هذه الآية قوله: ﴿ وَلاَ يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً  ﴾ والجواب عنه من وجهين: الوجه الأول: أن المراد من هذه الآية أنهم يتعارفون بينهم يوبخ بعضهم بعضاً، فيقول: كل فريق للآخر أنت أضللتني يوم كذا وزينت لي الفعل الفلاني من القبائح، فهذا تعارف تقبيح وتعنيف وتباعد وتقاطع لا تعارف عطف وشفقة.

وأما قوله تعالى: ﴿ وَلاَ يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً ﴾ فالمراد سؤال الرحمة والعطف.

والوجه الثاني: في الجواب حمل هاتين الآيتين على حالتين، وهو أنهم يتعارفون إذا بعثوا ثم تنقطع المعرفة فلذلك لا يسأل حميم حميماً.

أما قوله تعالى: ﴿ قَدْ خَسِرَ الذين كَذَّبُواْ بِلِقَاء الله ﴾ ففيه وجهان: الأول: أن يكون التقدير: ويوم يحشرهم حال كونهم متعارفين، وحال كونهم قائلين ﴿ قَدْ خَسِرَ الذين كَذَّبُواْ بِلِقَاء الله ﴾ الثاني: أن يكون ﴿ قَدْ خَسِرَ الذين كَذَّبُواْ ﴾ كلام الله، فيكون هذا شهادة من الله عليهم بالخسران، والمعنى: أن من باع آخرته بالدنيا فقد خسر، لأنه أعطى الكثير الشريف الباقي وأخذ القليل الخسيس الفاني.

وأما قوله: ﴿ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ ﴾ فالمراد أنهم ما اهتدوا إلى رعاية مصالح هذه التجارة، وذلك لأنهم اغتروا بالظاهر وغفلوا عن الحقيقة، فصاروا كمن رأى زجاجة حسنة فظنها جوهرة شريفة فاشتراها بكل ما ملكه، فإذا عرضها على الناقدين خاب سعيه وفات أمله ووقع في حرقة الروع وعذاب القلب.

وأما قوله: ﴿ وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الذي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ﴾ فاعلم أن قوله: ﴿ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ﴾ جواب ﴿ نَتَوَفَّيَنَّكَ ﴾ وجواب ﴿ نُرِيَنَّكَ ﴾ محذوف، والتقدير: وإما نرينك بعض الذي نعدهم في الدنيا فذاك أو نتوفينك قبل أن نرينك ذلك الموعد فإنك ستراه في الآخرة.

واعلم أن هذا يدل على أنه تعالى يُري رسوله أنواعاً من ذل الكافرين وخزيهم في الدنيا، وسيزيد عليه بعد وفاته، ولا شك أنه حصل الكثير منه في زمان حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحصل الكثير أيضاً بعد وفاته، والذي سيحصل يوم القيامة أكثر، وهو تنبيه على أن عاقبة المحقين محمودة وعاقبة المذنبين مذمومة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ إِلاَّ سَاعَةً مّنَ النهار ﴾ يستقربون وقت لبثهم في الدنيا.

وقيل: في القبور، لهول ما يرون ﴿ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ ﴾ يعرف بعضهم بعضاً، كأنهم لم يتفارقوا إلاّ قليلاً، وذلك عند خروجهم من القبور ثم ينقطع التعارف بينهم لشدّة الأمر عليهم.

فإن قلت: ﴿ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ ﴾ و ﴿ يَتَعَارَفُونَ ﴾ كيف موقعهما؟

قلت: أما الأولى فحال من (هم) أي يحشرهم مشبهين بمن لم يلبث إلاّ ساعة.

وأما الثانية فإما أن تتعلق بالظرف.

وإما أن تكون مبينة، لقوله: ﴿ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً ﴾ لأنّ التعارف لا يبقى مع طول العهد وينقلب تناكراً ﴿ قَدْ خَسِرَ ﴾ على إرادة القول، أي يتعارفون بينهم قائلين ذلك، أو هي شهادة من الله تعالى على خسرانهم.

والمعنى أنهم وضعوا في تجارتهم وبيعهم الإيمان بالكفر ﴿ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ ﴾ للتجارة عارفين بها، وهو استئناف فيه معنى التعجب، كأنه قيل: ما أخسرهم!

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئًا ﴾ بِسَلْبِ حَواسِّهِمْ وعُقُولِهِمْ.

﴿ وَلَكِنَّ النّاسَ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ ﴾ بِإفْسادِها وتَفْوِيتِ مَنافِعِها عَلَيْهِمْ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ لِلْعَبْدِ كَسْبًا وأنَّهُ لَيْسَ بِمَسْلُوبِ الِاخْتِيارِ بِالكُلِّيَّةِ كَما زَعَمَتِ المُجْبِرَةُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ وعِيدًا لَهم بِمَعْنى أنَّ ما يَحِيقُ بِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ العَذابِ عَدْلٌ مِنَ اللَّهِ لا يَظْلِمُهم بِهِ ولَكِنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِاقْتِرافِ أسْبابِهِ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ بِالتَّخْفِيفِ ورَفْعِ (النّاسُ) .

﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهم كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلا ساعَةً مِنَ النَّهارِ ﴾ يَسْتَقْصِرُونَ مُدَّةَ لُبْثِهِمْ في الدُّنْيا أوْ في القُبُورِ لِهَوْلِ ما يَرَوْنَ، والجُمْلَةُ التَّشْبِيهِيَّةُ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ يَحْشُرُهم مُشَبَّهِينَ بِمَن لَمْ يَلْبَثْ إلّا ساعَةً، أوْ صِفَةٌ لِيَوْمٍ والعائِدُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا قَبْلَهُ أوْ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: حَشْرًا كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا قَبْلَهُ.

﴿ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ ﴾ يَعْرِفُ بَعْضُهم بَعْضًا كَأنَّهم لَمْ يَتَفارَقُوا إلّا قَلِيلًا، وهَذا أوَّلُ ما نُشِرُوا ثُمَّ يَنْقَطِعُ التَّعارُفُ لِشِدَّةِ الأمْرِ عَلَيْهِمْ وهي حالٌ أُخْرى مُقَدَّرَةٌ، أوْ بَيانٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا ﴾ أوْ مُتَعَلِّقُ الظَّرْفِ والتَّقْدِيرُ يَتَعارَفُونَ يَوْمَ يَحْشُرُهم.

﴿ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ ﴾ اسْتِئْنافٌ لِلشَّهادَةِ عَلى خُسْرانِهِمْ والتَّعَجُّبِ مِنهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في يَتَعارَفُونَ عَلى إرادَةِ القَوْلِ.

﴿ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ ﴾ لِطُرُقِ اسْتِعْمالِ ما مُنِحُوا مِنَ المَعاوِنِ في تَحْصِيلِ المَعارِفِ فاسْتَكْسَبُوا بِها جَهالاتٍ أدَّتْ بِهِمْ إلى الرَّدى والعَذابِ الدّائِمِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ويوم نحشرهم} وبالياء حفص {كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مّنَ النهار}

استقصروا مدة لبثهم في الدنيا أو فى قبورهم لهو ما يرون {يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ} يعرف بعضهم بعضاً كأنهم لم يتفارقوا إلا قليلاً وذلك عند خروجهم من القبور ثم ينقطع التعارف بينهم لشدة الأمر عليهم كأن لم يلبثوا حول من هم أى نحشرهم مشبيهين بمن لم يلبثوا إلا ساعة وكأن

يونس (٤٥ _ ٥٠)

مخففة من الثقيلة واسمها محذوف أي كأنهم ويتعارفون بينهم حال بعد حال أو مستأنف على تقديرهم يتعارفون بينهم {قَدْ خَسِرَ الذين كَذَّبُواْ بِلِقَاء الله} على إرادة القول أي يتعارفون بينهم قائلين ذلك أو هي شهادة من الله على خسرانهم والمعنى أنهم وضعوا في تجارتهم وبيعهم الإيمان بالكفر {وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} للتجارة عارفين بها وهو استئناف فيه معنى التعجب كأنه قيل ما أخسرهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ويَوْمَ يَحْشُرُهُمْ ﴾ بِالياءِ وهي قِراءَةُ حَمْزَةَ عَلى عاصِمٍ وقَرَأ الباقُونَ بِالنُّونِ عَلى الِالتِفاتِ و(يَوْمَ) عِنْدَ الأكْثَرِينَ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ أيِ اذْكُرْ لَهم أوْ أنْذِرْهم يَوْمَ نَجْمَعُهم لِمَوْقِفِ الحِسابِ ﴿ كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا ﴾ أيْ كَأنَّهم أُناسٌ لَمْ يَلْبَسُوا إلّا ﴿ ساعَةً مِنَ النَّهارِ ﴾ أيْ شَيْئًا قَلِيلًا مِنهُ فَإنَّها مَثَلٌ في غايَةِ القِلَّةِ وتَخْصِيصُها بِالنَّهارِ لِأنَّ ساعاتِهِ أعْرَفُ حالًا مِن ساعاتِ اللَّيْلِ والجُمْلَةُ في مَوْقِعِ الحالِ مِن مَفْعُولِ (نَحْشُرُهُمْ) أيْ نَحْشُرُهم مُشَبَّهِينَ بِمَن لَمْ يَلْبَثْ في الدُّنْيا أوْ في البَرْزَخِ إلّا ذَلِكَ القَدْرَ اليَسِيرَ ولَيْسَ المُرادُ مِنَ التَّشْبِيهِ ظاهِرَهُ عَلى ما قِيلَ وقَدْ صَرَّحَ في شَرْحِ المِفْتاحِ أنَّ التَّشْبِيهَ كَثِيرًا ما يُذْكَرُ ويُرادُ بِهِ مَعانٍ أُخَرُ تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ فالمُرادُ إما التَّأسُّفُ عَلى عَدَمِ انْتِفاعِهِمْ بِأعْمارِهِمْ أوْ تَمَنِّي أنْ يَطُولَ مُكْثُهم قَبْلَ ذَلِكَ حَتّى لا يُشاهِدُوا ما شاهَدُوهُ مِنَ الأهْوالِ فَمَآلُ الجُمْلَةِ في الآخِرَةِ نَحْشُرُهم مُتَأسِّفِينَ أوْ مُتَمَنِّينَ طُولَ مُكْثِهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ (نَحْشُرُهُمْ) مُشَبَّهِينَ في أحْوالِهِمُ الظّاهِرَةِ لِلنّاسِ بِمَن لَمْ يَلْبَثْ في الدُّنْيا ولَمْ يَتَقَلَّبْ في نَعِيمِها إلّا يَسِيرًا فَإنَّ مَن أقامَ بِها دَهْرًا وتَمَتَّعَ بِمَتاعِها لا يَخْلُو عَنْ بَعْضِ آثارِ نِعْمَةٍ وأحْكامِ بَهْجَةٍ مُنافِيَةٍ لِما بِهِمْ مِن رَثاثَةٍ الهَيْئَةِ وسُوءِ الحالِ وإلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُهم والظّاهِرُ أنَّهُ تَكَلُّفٌ لِإبْقاءِ التَّشْبِيهِ عَلى ظاهِرِهِ والأوَّلُ أوْلى كَما لا يَخْفى وأيًّا ما كانَ فَفائِدَةُ التَّشْبِيهِ كَنارٍ عَلى عَلَمٍ والعَجَبُ مِمَّنْ لَمْ يَرَها فَقالَ الظّاهِرُ أنَّ (كَأنَّ) لِلظَّنِّ وادَّعى البَعْضُ أنَّ فائِدَةَ التَّقْيِيدِ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ اللُّبْثُ في البَرْزَخِ بَيانُ كَمالِ يُسْرِ الحَشْرِ بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَتِهِ تَعالى ولَوْ بَعْدَ دَهْرٍ طَوِيلٍ وإظْهارِ بُطْلانِ اسْتِبْعادِهِمْ وإنْكارِهِمْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ ﴾ ونَحْوِ ذَلِكَ أوْ بَيانِ تَمامِ المُوافَقَةِ بَيْنَ النَّشْأتَيْنِ في الأشْكالِ والصُّوَرِ فَإنَّ قِلَّةَ اللُّبْثِ في البَرْزَخِ مِن مُوجِباتِ عَدَمِ التَّبَدُّلِ والتَّغَيُّرِ ولَعَلَّ مَآلَ الحالِ عَلى هَذا ويَوْمَ نَحْشُرُهم عَلى صُوَرِهِمْ وأشْكالِهِمْ غَيْرَ مُتَغَيِّرِينَ وجَوَّزَ أبُو عَلِيٍّ كَوْنَ الجُمْلَةِ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِيَوْمٍ والعائِدُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا قَبْلَهُ أوْ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ والعائِدُ كَذَلِكَ أيْ حَشْرًا كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا قَبْلَهُ ورُدَّ بِأنَّ مِثْلَ هَذا الرّابِطِ لا يَجُوزُ حَذْفُهُ والأوَّلَ بِأنَّ المُرادَ بِالظَّرْفِ المُضافِ وهو المَوْصُوفُ يَوْمُ القِيامَةِ وهو يَوْمٌ مُعَيَّنٌ وتَقْدِيرُ الكَلامِ يَوْمَ حَشْرِهِ أوْ يَوْمَ حَشْرِنا فَيَكُونُ المَوْصُوفُ مَعْرِفَةً والجُمَلُ نَكِراتٍ ولا تُنْعَتُ المَعْرِفَةُ بِالنَّكِرَةِ وأُجِيبُ بِأنَّ المَنعَ مِن جَوازِ حَذْفِ مِثْلَ ذَلِكَ الرّابِطِ في حَيِّزِ المَنعِ وبِأنَّ الجُمَلَ الَّتِي تُضافُ إلَيْها أسْماءُ الزَّمانِ قَدْ يُقَدَّرُ حَلُّها إلى مَعْرِفَةٍ فَيَكُونُ ما أُضِيفَ إلَيْها مَعْرِفَةً وقَدْ يُقَدَّرُ حَلُّها إلى نَكِرَةٍ فَيَكُونُ ذَلِكَ نَكِرَةً ولَعَلَّ أبا عَلِيٍّ يَتَكَلَّفُ لِاعْتِبارِ حَلِّها إلى نَكِرَةٍ ويَكُونُ المَوْصُوفُ هُنا نَكِرَةً عِنْدَهُ فَيَرْتَفِعُ مَحْذُورُ نَعْتِ المَعْرِفَةِ بِالنَّكِرَةِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الجَوابَ إنَّما يَدْفَعُ البَطَلانَ لا غَيْرُ فالحَقُّ تَرْجِيحُ الحالِيَّةِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ ﴾ أيْ يَعْرِفُ بَعْضُهم بَعْضًا كَأنَّهم لَمْ يَتَفارَقُوا إلّا قَلِيلًا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا وأنْ يَكُونَ بَيانًا لِلْجُمْلَةِ التَّشْبِيهِيَّةِ واسْتِدْلالًا عَلَيْها كَما قِيلَ وذَلِكَ أنَّهُ لَوْ طالَ العَهْدُ لَمْ يَبْقَ التَّعارُفُ لَأنَّ طُولَ العَهْدِ مُنْسٍ مُفْضٍ إلى التَّناكُرِ لَكِنَّ التَّعارُفَ باقٍ فَطُولَ العَهْدِ مُنْتَفٍ وهو مَعْنى ﴿ لَمْ يَلْبَثُوا إلا ساعَةً ﴾ وفِيهِ دَغْدَغَةٌ وزَعَمَ أبُو البَقاءِ كَوْنَهُ حالًا مُقَدَّرَةً ولا داعِيَ لِاعْتِبارِ كَوْنِها مُقَدَّرَةً لِأنَّ الظّاهِرَ عَدَمُ تَأخُّرِ التَّعارُفِ عَنِ الحَشْرِ بِزَمانٍ طَوِيلٍ لِيُحْتاجَ إلَيْهِ وقَدْ صَرَّحُوا بِأنَّ التَّعارُفَ بَيْنَهم يَكُونُ أوَّلَ خُرُوجِهِمْ مِنَ القُبُورِ ثُمَّ يَنْقَطِعُ لِشِدَّةِ الأهْوالِ المُذْهِلَةِ واعْتِراءِ الأحْوالِ المُعْضِلَةِ المُغَيِّرَةِ لِلصُّوَرِ والأشْكالِ المُبَدِّلَةِ لَها مِن حالٍ إلى حالٍ وعِنْدِي أنْ لا قَطْعَ بِالِانْقِطاعِ فالمَواقِفُ مُخْتَلِفَةٌ والأحْوالُ مُتَفاوِتَةٌ فَقَدْ يَتَعارَفُونَ بَعْدَ التَّناكُرِ في مَوْقِفٍ دُونَ مَوْقِفٍ وحالٍ دُونَ حالٍ وفي بَعْضِ الآثارِ ما يُؤَيِّدُ ذَلِكَ وزَعَمَ بَعْضُهُمُ المُنافاةَ بَيْنَ ما تَدُلُّ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ وما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا ﴾ مِن عَدَمِ التَّعارُفِ لَوْلا اعْتِبارُ الزَّمانَيْنِ وقِيلَ: لا مُنافاةَ بِناءً عَلى أنَّ المُثْبَتَ تَعارُفُ تَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ والمَنفِيَّ تَعارُفُ تَواصُلٍ وشَفَقَةٍ ولِمانِعٍ أنْ يَمْنَعَ دَلالَةَ ما ذُكِرَ مِنَ الآياتِ عَلى نَفْيِ التَّعارُفِ وقُصارى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ نَفْيُ نَفْعِ الأنْسابِ وسُؤالُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا والتَّعارُفُ الَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ لا يُنافِي ذَلِكَ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ فِيها: يَعْرِفُ الرَّجُلُ صاحِبَهُ إلى جَنْبِهِ فَلا يَسْتَطِيعُ أنْ يُكَلِّمَهُ ثُمَّ إنَّ حَمْلَ التَّعارُفِ عَلى مَعْرِفَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا هو المَعْرُوفُ عِنْدَ المُفَسِّرِينَ وقِيلَ: المُرادُ بِهِ التَّعْرِيفُ أيْ يُعَرِّفُ بَعْضُهم بَعْضًا ما كانُوا مِنَ الخَطَأِ والكُفْرِ وفِيهِ ما فِيهِ وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ الظَّرْفُ السّابِقُ مُتَعَلِّقًا بِيَتَعارَفُونَ قِيلَ فَيُعْطَفُ عَلى ما سَبَقَ ولا يَظْهَرُ لَهُ وجْهٌ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ سِيقَتْ لِلشَّهادَةِ مِنهُ تَعالى عَلى خُسْرانِهِمْ والتَّعْجِيبِ مِنهُ وهي خَبَرِيَّةٌ لَفْظًا إنْشائِيَّةٌ مَعْنًى وقِيلَ: مَقُولٌ لِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ وقَعَ حالًا مِن ضَمِيرِ ﴿ يَتَعارَفُونَ ﴾ أوْ مِن ضَمِيرِ ﴿ يَحْشُرُهُمْ ﴾ إنْ كانَتْ جُمْلَةُ ﴿ يَتَعارَفُونَ ﴾ حالًا أيْضًا لِئَلّا يَفْصِلَ بَيْنَ الحالِ وذِيها أجْنَبِيٌّ والِاسْتِئْنافُ أظْهَرُ والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِالمَوْصُولِ مَعَ أنَّ المَقامَ مَقامُ إضْمارٍ لِذَمِّهِمْ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ ولِلْإشْعارِ بِعُلِّيَّتِهِ لِما أصابَهم والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِلِقاءِ اللَّهِ تَعالى مُطْلَقُ الحِسابِ والجَزاءِ وبِالخُسْرانِ الوَضِيعَةُ أيْ قَدْ وُضِعُوا في تِجارَتِهِمْ ومُعامَلَتِهِمْ واشْتِرائِهِمُ الكُفْرَ بِالإيمانِ وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالأوَّلِ سُوءُ اللِّقاءِ وبِالثّانِي الهَلاكُ والضَّلالُ أيْ قَدْ ضَلُّوا وهَلَكُوا بِتَكْذِيبِهِمْ بِذَلِكَ ﴿وما كانُوا مُهْتَدِينَ 45﴾ أيْ لِطُرُقِ التِّجارَةِ عارِفِينَ بِأحْوالِها وما كانُوا مُهْتَدِينَ إلى طَرِيقِ النَّجاةِ والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ قَدْ خَسِرَ ﴾ إلَخْ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى صِلَةِ المَوْصُولِ عَلى أنَّها كالتَّأْكِيدِ لَها <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً، يقول: لا ينقص من أجور الناس شيئاً ولا يحمل عليهم من أوزار غيرهم، وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ، يعني: يضرون أنفسهم بتركهم الحق.

قرأ حمزة والكسائي وَلكِنَّ النَّاسَ بكسر النون مع التخفيف وضمّ السين، وقرأ الباقون وَلكِنَّ النَّاسَ بالنصب.

قوله تعالى: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ، يقول: يجمعهم في الآخرة.

كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ قال الكلبي: كأن لم يلبثوا في قبورهم إلاّ ساعة من النهار.

وقال الضحاك: كأن لم يَلْبَثُوا فِي الْقُبُورِ إلا ما بين العصر إلى غروب الشمس، أو ما بين صلاة الغداة إلى طلوع الشمس، ويقال: يعني بين النفختين، لأنه يرفع عنهم العذاب فيما بين ذلك.

وقال مقاتل: كأن لم يلبثوا في الدنيا إلا ساعة من النهار.

يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ قال الكلبي: يعني: يتعارفون بينهم حين خرجوا من قبورهم، ثم تنقطع عنهم المعرفة فلا يعرف أحد أحداً، وقال الضحاك: يتعارفون بينهم حين خرجوا، وذلك أن أهل الإيمان يبعثون يوم القيامة على ما كانوا عليه في الدنيا من التواصل والتراحم، يعرف بعضهم بعضاً، محسنهم لمسيئهم، وأما أهل الشرك فلا أنساب بينهم يومئذ، ولا يتساءلون.

قَالَ الله تعالى: قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ، يعني: بالبعث بعد الموت وَما كانُوا مُهْتَدِينَ، يقول: لم يكونوا مؤمنين في الدنيا.

وقال تعالى: وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ من العذاب، أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ قبل أن نريك فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ يعني: مصيرهم في الآخرة.

وروي عن عبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله أنهما قالا: «أخبر الله تعالى نبيه  أن يستخلف أمته من بعده» ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ في الآخرة عَلى مَا يَفْعَلُونَ في الدنيا من الكفر والتكذيب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

نفوسهم، وفي قوله: وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ تهديدٌ ووعيد.

وقوله سبحانه: وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ الآية فيها منابذةٌ ومتارَكَةٌ، قال كثير من المفسِّرين، منهم ابن زيد: هذه الآية منسوخةٌ بالقتال، وباقي الآية بيِّن.

وقوله سبحانه: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ ...

الآية: وعيدٌ بالحشر وخِزْيِهِم فيه، وتعارُفُهُمْ على جهة التلاؤمِ والخزْيِ من بَعْضِهِم لبعضٍ، حيث لا ينفع ذلك.

وقوله سبحانه: قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ ...

إلى آخرها: حُكْمٌ من اللَّه عزَّ وجلَّ على المكذِّبين بالخُسْران، وفي اللفظ إِغلاظٌ، وقيل: إِن هذا الكلام من كلام المحشُورِينَ، عَلى جهة التوبيخ لأنفسهم.

ت: والأول أبين.

وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ (٤٦) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٤٧)

وقوله: وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ ...

الآية: «إما» شرطٌ، وجوابه: فَإِلَيْنا، والرؤية في نُرِيَنَّكَ بصريةٌ، ومعنى هذه الآية: الوعيدُ بالرجوعِ إلى اللَّه تعالى، أي: إِنْ أَرَيْنَاكَ عقوبتهم، أو لم نُرِكَهَا، فهم عَلى كلِّ حال راجعُونَ إِلينا إلى الحسَابِ والعذابِ، ثم مع ذلك، فاللَّهُ شَهيدٌ من أوَّل تكليفهم عَلى جميعِ أَعمالهم، وَ «ثُمَّ» لترتيب الأَخبار/ لا لترتيب القصص في أنفسها، و «إِما» هي «إِنْ» ، زيدَتْ عليها «ما» ، ولأجلها جازَ دخُولُ النون الثقيلة، ولو كانت «إِنْ» وحدها، لم يجز.

ص: واعترض بأنَّ مذهب سيبَوَيْهِ «١» جوازُ دخولها، وإِن لم تَكُنْ «ما» انتهى.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: " ويَوْمَ نَحْشُرُهم " وقَرَأ حَمْزَةُ: " يَحْشُرُهم " بِالياءِ.

قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: هُمُ المُشْرِكُونَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلا ساعَةً مِنَ النَّهارِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا في قُبُورِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: في الدُّنْيا، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قالَ الضَّحّاكُ: قَصَرَ عِنْدَهم مِقْدارَ الوَقْتِ الَّذِي بَيْنَ مَوْتِهِمْ وبَعْثِهِمْ، فَصارَ كالسّاعَةِ مِنَ النَّهارِ، لِهَوْلِ ما اسْتَقْبَلُوا مِنَ القِيامَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا بُعِثُوا مِنَ القُبُورِ تَعارَفُوا، ثُمَّ تَنْقَطِعُ المَعْرِفَةُ.

قالَ الزَّجّاجُ: وفي مَعْرِفَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وعِلْمُ بَعْضِهِمْ بِإضْلالِ بَعْضٍ، التَّوْبِيخُ لَهم، وإثْباتُ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ.

وقِيلَ: إذا تَعارَفُوا وبَّخَ بَعْضُهم بَعْضًا، فَيَقُولُ هَذا لِهَذا: أنْتَ أضْلَلْتِنِي، وكَسَّبْتَنِي دُخُولَ النّارِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا ﴾ هو مِن قَوْلِ اللَّهِ تَعالى، لا مِن قَوْلِهِمْ، والمَعْنى: خَسِرُوا ثَوابَ الجَنَّةِ إذْ كَذَّبُوا بِالبَعْثِ ﴿ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ ﴾ مِنَ الضَّلالَةِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ الناسَ شَيْئًا ولَكِنَّ الناسَ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ ﴾ ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهم كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلا ساعَةً مِنَ النَهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهم قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللهِ وما كانُوا مُهْتَدِينَ ﴾ ﴿ وَإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم أو نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإلَيْنا مَرْجِعُهم ثُمَّ اللهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ ﴾ قَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَلَكِنِ الناسُ" بِتَخْفِيفِ "لَكِنْ" ورَفْعِ "الناسُ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ "وَلَكِنَّ" بِالتَشْدِيدِ ونَصْبِ "الناسَ"، وظُلْمُ الناسِ لِأنْفُسِهِمْ إنَّما هو بِالتَكَسُّبِ مِنهُمُ الَّذِي يُقارِنُ اخْتِراعَ اللهِ تَعالى لِأفْعالِهِمْ، وعُرْفُ "لَكِنَّ" إذا كانَ قَبْلَها واوٌ أنْ تُثَقَّلَ، وإذا عَرِيَتْ مِنَ الواوِ أنْ تُخَفِّفَ، وقَدْ يَنْخَرِمُ هَذا، وقالَ الكُوفِيُّونَ: قَدْ تَدْخُلُ اللامُ في خَبَرِ "لَكِنَّ" المُشَدِّدَةِ عَلى حَدِّ دُخُولِها في "إنَّ"، ومَنَعَ ذَلِكَ البَصْرِيُّونَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ ﴾ الآيَةُ، وعِيدٌ بِالحَشْرِ وخِزْيِهِمْ فِيهِ وتَعاوُنِهِمْ في التَلاوُمِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، و"يَوْمَ" ظَرْفٌ، ونَصْبُهُ يَصِحُّ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ يَوْمَ، ويَصِحُّ أنْ يَنْتَصِبَ بِالفِعْلِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ: ﴿ كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلا ساعَةً مِنَ النَهارِ ﴾ ، ويَصِحُّ نُصْبُهُ بِـ "يَتَعارَفُونَ"، والكافُ مِن قَوْلِهِ: "كَأنْ" يَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَعْنى الصِفَةِ لِلْيَوْمِ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَعْتٍ لِلْمَصْدَرِ كَأنَّهُ قالَ: ويَوْمَ نَحْشُرُهم حَشْرًا كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَمِيرِ في "يَحْشُرُهُمْ".

وخُصِّصَ النَهارُ بِالذِكْرِ لِأنَّ ساعاتِهِ وقِسْمَتَهُ مَعْرُوفَةٌ بَيِّنَةٌ لِلْجَمِيعِ، فَكَأنَّ هَؤُلاءِ مُتَحَقِّقُونَ قِلَّةَ ما لَبِثُوا، إذْ كَلُّ أمَدٍ طَوِيلٍ إذا انْقَضى فَهو واليَسِيرُ سَواءٌ.

وأمّا قَوْلُهُ: "يَتَعارَفُونَ" فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُعادَلَةً لِقَوْلِهِ: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ ﴾ كَأنَّهُ أخْبَرَ أنَّهم يَوْمَ الحَشْرِ يَتَعارَفُونَ، وهَذا التَعارُفُ عَلى جِهَةِ التَلاوُمِ والخِزْيِ مِن بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَمِيرِ في "نَحْشُرُهُمْ" ويَكُونُ مَعْنى التَعارُفِ كالَّذِي قَبْلَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَمِيرِ في "يَلْبَثُوا" ويَكُونُ التَعارُفُ في الدُنْيا، ويَجِيءُ مَعْنى الآيَةِ: ويَوْمَ نَحْشُرُهم لِلْقِيامَةِ فَتَنْقَطِعُ المَعْرِفَةُ بَيْنَهم والأسْبابُ، ويَصِيرُ تَعارُفُهم في الدُنْيا كَساعَةٍ مِنَ النَهارِ لا قَدَرَ لَها، وبِنَحْوِ هَذا المَعْنى فَسَّرَ الطَبَرِيُّ، وقَرَأ السَبْعَةُ وجُمْهُورُ الناسِ: "نَحْشُرُهُمْ" بِالنُونِ، وقَرَأ الأعْمَشُ فِيما رُوِيَ عنهُ: "يَحْشُرُهُمْ" بِالياءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ ﴾ إلى آخِرِها.

حُكْمٌ عَلى المُكَذِّبِينَ بِالخَسارَةِ، وفي اللَفْظِ إغْلاظٌ عَلى المَحْشُورِينَ مِن إظْهارٍ لِما هم عَلَيْهِ مِنَ الغَرَرِ مَعَ اللهِ تَعالى، وهَذا عَلى أنَّ الكَلامَ إخْبارٌ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، وقِيلَ: إنَّهُ مِن كَلامِ المَحْشُورِينَ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لِأنْفُسِهِمْ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإمّا نُرِيَنَّكَ ﴾ الآيَةُ، "وَإمّا" شَرْطٌ، وجَوابُهُ "فَإلَيْنا"، والرُؤْيَةُ في قَوْلِهِ: "نُرِيَنَّكَ" رُؤْيَةُ بَصَرٌ، وقَدْ عُدِّيَ الفِعْلُ بِالهَمْزَةِ فَلِذَلِكَ تَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ: أحَدُهُما "الكافُ"، والآخَرُ "بَعْضَ"، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ بَعْضَ الَّذِي ﴾ إلى عُقُوبَةِ اللهِ لَهم نَحْوُ بَدْرٍ وغَيْرِها، ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ الوَعِيدُ بِالرُجُوعِ إلى اللهِ تَعالى، أيْ: إنْ أرَيْناكَ عُقُوبَتَهم أو لَمْ نُرِكْها فَهم عَلى كُلِّ حالٍ راجِعُونَ إلَيْنا إلى الحِسابِ والعَذابِ، ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ فاللهُ شَهِيدٌ مِن أوَّلِ تَكْلِيفِهِمْ عَلى جَمِيعِ أعْمالِهِمْ، فَـ "ثُمَّ" هاهُنا لِتَرْتِيبِ الإخْبارِ لا لِتَرْتِيبِ القَصَصِ في أنْفُسِها، و"إمّا" هي "إنْ" زِيدَتْ عَلَيْها "ما"، ولِأجْلِها جازَ دُخُولُ النُونِ الثَقِيلَةِ، ولَوْ كانَتْ "إنْ" وحْدَها لَمْ يَجُزْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

على: ﴿ ويوم نحشرهم جميعاً ثم نقول للذين أشركوا مكانكم ﴾ [يونس: 28] عطف القصة على القصة عَوْداً إلى غرض من الكلام بعد تفصيله وتفريعه وذم المسوق إليهم وتقريعهم فإنه لما جاء فيما مضى ذكر يوم الحشر إذ هو حين افتضاح ضلال المشركين ببراءة شركائهم منهم أتبع ذلك بالتقريع على عبادتهم الأصنام مع وضوح براهين الوحدانية لله تعالى.

وإذ كان القرآن قد أبلغهم ما كان يعصمهم من ذلك الموقف الذليل لو اهتدوا به أتبع ذلك بالتنويه بالقرآن وإثبات أنه خارج عن طوق البشر وتسفيه الذين كذبوه وتفننوا في الإعراض عنه واستُوفي الغرض حقَّه عاد الكلام إلى ذكر يوم الحشر مرة أخرى إذ هو حين خيبة أولئك الذين كذبوا بالبعث وهم الذين أشركوا وظهر افتضاح شركهم في يوم الحشر فكان مثلَ رد العجز على الصدر.

وانتصب ﴿ يوم ﴾ على الظرفية لفعل ﴿ خسر ﴾ .

والتقدير: وقد خسر الذين كذبوا بلقاء الله يوم نحشرهم، فارتباط الكلام هكذا: وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون وقد خسر الذين كذبوا بلقاء الله يوم نحشرهم.

وتقديم الظرف على عامله للاهتمام لأن المقصود الأهم تذكيرهم بذلك اليوم وإثبات وقوعه مع تحذيرهم ووعيدهم بما يحصل لهم فيه.

ولذلك عدل عن الإضمار إلى الموصولية في قوله: ﴿ قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله ﴾ دون قد خسروا، للإيماء إلى أن سبب خسرانهم هو تكذيبهم بلقاء الله وذلك التكذيب من آثار الشرك فارتبط بالجملة الأولى، وهي جملة: ﴿ ويوم نحشرهم جميعاً ثم نقول للذين أشركوا مكانكم إلى قوله: وضل عنهم ما كانوا يفترون ﴾ [يونس: 28 30].

وقرأ الجمهور ﴿ نحشرهم ﴾ بنون العظمة، وقرأه حفص عن عاصم بياء الغيبة، فالضمير يعود إلى اسم الجلالة في قوله قبله: ﴿ إن الله لا يظلم الناس شيئاً ﴾ [يونس: 44] وجملة: ﴿ كأنْ لم يلبثوا إلا ساعة من النهار ﴾ إما معترضة بين جملة: ﴿ نحشرهم ﴾ وجملة ﴿ يتعارفون بينهم ﴾ ، وإما حال من الضمير المنصوب في ﴿ نحشرهم ﴾ .

و ﴿ كأن ﴾ مخففةُ (كأنَّ) المشددةِ النون التي هي إحدَى أخوات (إنَّ)، وهي حرف تشبيه، وإذا خففت يكون اسمها محذوفاً غالباً، والتقدير هنا: كأنهم لم يلبثوا إلا ساعة من النهار.

وقد دل على الاسم المحذوف ما تقدم من ضمائرهم.

والمعنى تشبيه المحشورين بعد أزمان مضت عليهم في القبور بأنفسهم لو لم يلبثوا في القبور إلا ساعةً من النهار.

و ﴿ من النهار ﴾ (من) فيه تبعيضية صفة ل ﴿ ساعة ﴾ وهو وصف غير مراد منه التقييد إذ لا فرق في الزمن القليل بين كونه من النهار أو من الليل وإنما هذا وصف خرج مخرج الغالب لأن النهار هو الزمن الذي تستحضره الأذهان في المتعارف، مثل ذكر لفظ الرجل في الإخبار عن أحوال الإنسان كقوله تعالى: ﴿ وعلى الأعراف رجال ﴾ [الأعراف: 46].

ومن هذا ما وقع في الحديث «وإنما أحِلَّت لي ساعة من نهار»، والمقصود ساعة من الزمان وهي الساعة التي يقع فيها قتال أهل مكة من غير التفات إلى تقييد بكونه في النهار وإن كان صادف أنه في النهار.

والساعة: المقدار من الزمان، والأكثر أن تطلق على الزمن القصير إلا بقرينة، وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ لا يستأخرون ساعةً ولا يستقدمون ﴾ في سورة [الأعراف: 34].

ووجه الشبه بين حال زمن لبثهم في القبور وبين لبثثِ ساعة من النهار وجوهٌ: هي التحقق والحصول، بحيث لم يمنعهم طول الزمن من الحشر، وأنهم حشروا بصفاتهم التي عاشوا عليها في الدنيا فكأنهم لم يفنوا.

وهذا اعتبار بعظيم قدرة الله على إرجاعهم.

والمقصود من التشبيه التعريض بإبطال دعوى المشركين إحالتهم البعث بشبهة أن طول اللبث وتغير الأجساد ينافي إحياءها ﴿ يقولون أئنا لمردودون في الحافرة أإذا كنا عظاماً نخرة ﴾ [النازعات: 10، 11].

وجملة: ﴿ يتعارفون بينهم ﴾ حال من الضمير المنصوب في ﴿ نحشرهم ﴾ .

والتعارف: تفاعل من عَرف، أي يعرف كل واحد منهم يومئذٍ من كان يعرفه في الدنيا ويعرفه الآخَر كذلك.

والمقصود من ذكر هذه الحال كالمقصود من ذكر حالة ﴿ كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار ﴾ لتصوير أنهم حشروا على الحالة التي كانوا عليها في الدنيا في أجسامهم وإدراكهم زيادة في بيان إبطال إحالتهم البعث بشبهة أنه ينافي تمزق الأجسام في القبور وانطفاء العقول بالموت.

فظهر خسرانهم يومئذٍ بأنهم نفوا البعث فلم يستعدوا ليومه بقبول ما دعاهم إليه الرسول صلى الله عليه وسلم <div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهم كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلا ساعَةً مِنَ النَّهارِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا في الدُّنْيا إلّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ.

الثّانِي: كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا في قُبُورِهِمْ إلّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ لِقُرْبِهِ.

﴿ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْرِفُ بَعْضُهم بَعْضًا.

قالَ الكَلْبِيُّ: يَتَعارَفُونَ إذا خَرَجُوا مِن قُبُورِهِمْ ثُمَّ تَنْقَطِعُ المَعْرِفَةُ.

الثّانِي: يَعْرِفُونَ أنَّ ما كانُوا عَلَيْهِ باطِلٌ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ يتعارفون بينهم ﴾ قال: يعرف الرجل صاحبه إلى جنبه فلا يستطيع أن يكلمه.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا ﴾ الآية (كأن) هذه هي المخففة من الثقيلة، التقدير: كأنهم لم يلبثوا، كقول النابغة: وكأن قد (١) وقول آخر: كأن ظبية تعطو إلى ناضر (٢) (٣) وقوله تعالى: ﴿ إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ ﴾ ، قال ابن عباس: كأن لم يلبثوا في قبورهم إلا قدر ساعة من النهار (٤) وقال الزجاج: أي قرب عندهم ما بين موتهم وبعثهم كما قال: ﴿ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ (٥) وقال الضحاك وابن الأنباري: قصر عندهم مقدار الوقت الذي بين موتهم (٦) (٧) وقال آخرون: إنما قصرت عندهم مدة لبثهم في الدنيا لا مدة كونهم في البرزخ، فقوله: ﴿ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا ﴾ أي: في الدنيا إلا ساعة من النهار (٨) وقوله تعالى: ﴿ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ ﴾ ، قال ابن عباس (٩) (١٠) (١١) (١٢) ﴿ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ ﴾ بتوبيخ (١٣) ﴿ وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا  ﴾ ، يريد لا يسأله سؤال رحمة وعطف.

هذا كلامه (١٤) (١٥) ﴿ يَتَعَارَفُونَ ﴾ يحتمل أمرين؛ أحدهما: أن يكون المعنى يتعارفون مدة إماتتهم التي وقع حشرهم بعدها، وحذف المفعول للدلالة عليها (١٦) (١٧) (١٨) تخاطأت (١٩) (٢٠) ﴿ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ  ﴾ الآية، والآخر في التعارف: بما جاء في قوله: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ] (٢١) ﴿ قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا ﴾ (٢٢) (٢٣) (٢٤) ﴿ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا ﴾ ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون صفة لليوم، ويكون التقدير: كأن لم يلبثوا قبله إلا ساعة، فحذفت الكلمة لدلالة المعنى علمها، ومثله قوله: ﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ  ﴾ أي أمسكوهن قبله، وكذلك قوله: ﴿ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ  ﴾ أي قبل انقضاء الأربعة الأشهر، ويجوز أن يكون على هذا التقدير حذف (قبل) الذي هو مضاف إلى الهاء، وأقيم المضاف إليه مقامه ثم حذفت الهاء من الصفة، كقولك: الناس رجلان رجل أكرمت ورجل أهنت، ومثل هذا قوله: ﴿ تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ  ﴾ والتقدير: وجزاؤه واقع بهم، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.

الوجه الثاني: أن تجعله صفة للمصدر على تقدير: ويوم نحشرهم حشرًا (٢٥) الوجه الثالث: أن تجعله حالاً من الضمير المنصوب في ﴿ نَحْشُرُهُمْ ﴾ والمعنى: نحشرهم مشابهةً أحوالُهم أحوال من لم يلبث إلا ساعة، وأما (يوم) فإنه يصلح أن يكون معمولًا لأحد شيئين؛ أحدهما: أن يكون معمول ﴿ يَتَعَارَفُونَ ﴾ ، وينتصب على وجهين؛ أحدهما: أن يكون ظرفًا معناه: يتعارفون في هذا اليوم، والآخر: أن يكون مفعولًا على السعة على: يا سارقَ الليلةَ أهلِ الدار (٢٦) وأهل الدار ما سرقوا وإنما سرق منهم، ولكن جعلوا مفعولًا على السعة، كذلك هاهنا تعارفوا في اليوم فجعل اليوم مفعولًا على السعة، والآخر (٢٧) ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ ﴾ معمول ما دلّ عليه قوله: ﴿ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا ﴾ ألا ترى أن المعنى: تشابه أحوالهم أحوال من لم يلبث، فيعمل في الظرف هذا المعنى، ولا يمنع المعنى من أن يعمل في الظرف وإن تقدم الظرف عليه، كقولهم: أكلَّ يوم لك ثوب؟

غير أن هذا الوجه ضعيف؛ لأن قوله: ﴿ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا ﴾ لا يخلو من أن يكون على أحد (٢٨) (٢٩) (٣٠) (٣١) (٣٢) وقوله تعالى: ﴿ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ ﴾ ، قال المفسرون: خسر ثواب الجنة الذين كذبوا بالبعث (٣٣) قال ابن الأنباري: ووجه اتصال خسرانهم بتعارفهم هو أن الله -عز وجل- لما ذكر البعث وذكر ما يصير إليه أحوال المبعوثين، وصله بتخسير المكذبين بالبعث (٣٤) (٣٥) قال أبو بكر: وفيه قول (٣٦) (٣٧) (١) بعض بيت للنابغة الذبياني في "ديوانه" ص 105 وتمامه: أزف الترحل غير أن ركابنا ...

لمّا تَزُلْ برحالنا وكأن قد وانظر: "خزانة الأدب" 7/ 197، "شرح شواهد المغني" ص 490.

(٢) في (ى): (ناظر)، وهو خطأ، وفي المصادر التالية: وارق.

(٣) عجز بيت، وصدره: ويومًا توافينا بوجه مقسَّم وقد اختلف في نسبة البيت، فهو لباغت بن صريح اليشكري في "تخليص الشواهد" ص390، "شرح المفصل" 8/ 83، "كتاب سيبويه" 2/ 134، ولأرقم بن علباء في "شرح شواهد سيبويه" 1/ 525، ولعلباء بن أرقم في "الأصمعيات" ص 157، ولأحد الثلاثة أو لراشد بن شهاب اليشكري في "خزانة الأدب" 10/ 413، وصحح البغدادي نسبته لعلباء بن أرقم.

والشاعر يصف امرأته حالة رضاها، ويشبهها بظبية مخصبة.

والمقسَّم: المحسن، وتعطو: تتطاول إلى الشجر لتتناول منه.

انظر: "شرح الأعلم على كتاب سيبويه" 1/ 281، "لسان العرب" (قسم) و (عطو).

(٤) "تفسير الثعلبي" 7/ 16 ب، والسمرقندي 2/ 100، والبغوي 4/ 135، وابن الجوزي 4/ 36، و"تنوير المقباس" ص 214.

(٥) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 22.

(٦) ساقط من (ح).

(٧) انظر قول الضحاك في "الوسيط" 2/ 549، "زاد المسير" 4/ 36، وبمعناه في "بحر العلوم" 2/ 100.

(٨) هذا قول آخر للضحاك رواه الثعلبي 7/ 16 أ، والبغوي 4/ 135، وهو قول مقاتل ابن سليمان في "تفسيره" 140 ب، والزمخشري في "كشافه" 2/ 239.

(٩) "تفسير الثعلبي" 7/ 16 ب، والبغوي 4/ 135، والسمرقندي 2/ 100، وابن الجوزي 4/ 36، وقد تبين من "تفسير السمرقندي" أن الأثر من رواية الكلبي ولا يخفى تهافتها.

(١٠) "تفسير السمرقندي" 2/ 100.

(١١) "تفسير مقاتل" 140 ب بمعناه.

(١٢) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 22.

(١٣) في (ج) و (ز): (توبيخ).

(١٤) ذكره بنحوه الرازي في "تفسيره" 17/ 104 - 105، وابن الجوزي في "زاد المسير" 4/ 36 دون نسبة.

(١٥) انظر: "تفسير ابن جرير" 11/ 120، والسمرقندي 2/ 100، والماوردي 2/ 437، والثعلبي 7/ 16 ب، والبغوي 4/ 135، والرازي 17/ 105.

(١٦) هكذا في جميع النسخ، والضمير يعود إلى (مدة) إذ هي المفعول، وفي "الحجة" عليه، ومعنى (يتعارفون مدة إماتتهم) أي: يسأل بعضهم بعضًا كم لبثتم في القبور.

(١٧) يعني وزن: تعارف.

(١٨) "مجاز القرآن" 2/ 5، ونسبه إلى أوفى بن مطر المازني، وهو صدر بيت عجزه: وأُخِّر يومي فلم يُعجل وانظر: "سمط اللآلي" 1/ 465، "شرح أبيات المغني" 7/ 41، "اللسان" (خطأ) 2/ 1193.

(١٩) في (ح) و (ز) و (ص): (تخطأت)، وهو موافق لرواية "لسان العرب"، وما أثبته من (ى) و (م) موافق لرواية أبي عبيدة في "مجاز القرآن" وبقية المصادر، ومعنى تخاطأت: أخطأت، كما في "شرح أبيات المغني"، الموضع السابق.

(٢٠) في (ز): (يعرفونها).

(٢١) ما بين المعقوفين ساقط من (ز).

(٢٢) وقد ذكر أبو علي الآية بتمامها والآية التي قبلها.

(٢٣) "الحجة للقراء السبعة" 4/ 302.

(٢٤) يعني أبا علي الفارسي.

(٢٥) في (ي): (نحشرهم جميعًا حشرًا) والجملة ليست من كلام أبي علي في هذا الموضع.

(٢٦) رجز مجهول القائل وهو من شواهد سيبويه في "الكتاب" 1/ 175، وانظره بلا نسبة في: "خزانة الأدب" 3/ 108، "شرح ديوان الحماسة" للمرزوقي ص 655، "المحتسب" 2/ 295.

(٢٧) يعني الوجه الثاني في العامل في (يوم).

(٢٨) في (ح) و (ز): (احدى).

(٢٩) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).

(٣٠) ما بين المعقوفين ساقط من (ح) و (ز).

(٣١) في (ح): (فلذلك).

(٣٢) "الحجة للقراء السبعة" 4/ 300 - 304 بتصرف واختصار، وإضافة بعض الجمل.

(٣٣) انظر: "زاد المسير" 4/ 36، "الوسيط" 2/ 549، وبنحوه في "تفسير ابن جرير" 11/ 120.

(٣٤) لم أجده.

(٣٥) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 22.

(٣٦) فى (ى): (وجه).

(٣٧) ذكره القرطبي في "تفسيره" 8/ 348 بنحوه، دون تعيين القائل.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لَّمْ يلبثوا إِلاَّ سَاعَةً ﴾ تقليل لمدة بقائهم في الدنيا أو في القبور ﴿ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ ﴾ يعني يوم الحشر فهوعلى هذا حال من الضمير في يلبثوا ﴿ وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ ﴾ شرط جوابه وإلينا مرجعهم.

والمعنى إن أريناك بعض عذابهم في الدنيا فذلك وإن توفيناك قبل ذلك فإلينا مرجعهم ﴿ ثُمَّ الله شَهِيدٌ ﴾ ذكرت ثم لترتيب الأخبار، لا لترتيب الأمر، قاله ابن عطية، وقال الزمخشري: ذكرت الشهادة والمراد مقتضاها وهو العقاب، فالترتيب على هذا صحيح ﴿ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ ﴾ قيل: مجيئه في الآخرة للفصل، وقيل: مجيئه في الدنيا وهو بعثه.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أفأنت ﴾ بتليين الهمزة ونحوه: الأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف.

﴿ ولكن الناس ﴾ بالتخفيف والرفع: حمزة وعلي وخلف ﴿ يحشرهم ﴾ بالياء: حفص الباقون بالنون ﴿ نرينك أو نتوفينك ﴾ بالنون الخفيفة: رويس ﴿ آلان ﴾ بوزن "عالان" بحذف الهمزة التي بعد اللام وإلقاء حركتها على اللام حيث كان: أبو جعفر ونافع وزمعة وحمزة في الوقف ﴿ ربي إنه ﴾ بفتح الياء: أبو عمرو وأبو جعفر ونافع.

﴿ فليفرحوا ﴾ بياء الغيبة ﴿ تجمعون ﴾ بتاء الخطاب: ابن عامر ويزيد.

وقرأ زيد على ضده، وقرأ رويس كليهما على الخطاب.

والباقون على الغيبة فيهما.

الوقوف: ﴿ إليك ﴾ ط ﴿ لا يعقلون ﴾ ه ﴿ إليك ﴾ ط ﴿ لا يبصرون ﴾ ه ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ مهتدين ﴾ ه ﴿ يفعلون ﴾ ه ﴿ رسول ﴾ ج ط ﴿ لا يظلمون ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ ما شاء الله ﴾ ط ﴿ أجل ﴾ ط ﴿ ولا يستقدمون ﴾ ه ﴿ المجرمون ﴾ ه ﴿ آمنتم به ﴾ ط، ﴿ تستعجلون ﴾ ه ﴿ الخلد ﴾ ج ط للاستفهام مع أن القائل واحد ﴿ تكسبون ﴾ ه ﴿ أحق هو ﴾ ط ﴿ بمعجزين ﴾ ه ﴿ لافتدت به ﴾ ط ﴿ العذاب ﴾ ج ط للعطف على ﴿ أسروا ﴾ دون ﴿ رأوا ﴾ ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ للمؤمنين ﴾ ه ﴿ فليفرحوا ﴾ ط ﴿ يجمعون ﴾ ه ﴿ وحلالاً ﴾ ط ﴿ تفترون ﴾ ه ﴿ القيامة ﴾ ط ﴿ لا يشكرون ﴾ ه.

التفسير: إن الإنسان إذا قوي بغضه لإنسان آخر وعظمت نفرته عنه صارت نفسه متوجهة إلى طلب مقابحه في كلامه معرضة عن جهات محاسنه فيه، وكما أن الصمم في الأذن معنى ينافي حصول إدراك الصوت، والعمى في العين أمر ينافي حصول إدراك الصورة، فكذلك حصول هذا البغض الشديد يضاد وقوف الإنسان على محاسن من يعاديه، فبين الله  في أولئك الكفار من بلغت حاله في النفرة والعداوة إلى هذا الحد ﴿ يستمعون إليك ﴾ إذا قرأت القرآن وعلمت الشرائع ولكنهم لا يسمعون ولا يقبلون وينظرون إليك يعاينون أدلة الصدق وأعلام النبوة ولكنهم لا يتبصرون ولا يصدقون.

قال أهل المعاني: المستمع إلى القرآن كالمستمع إلى النبي  بخلاف النظر.

فكان في المستمعين كثرة فجمع ليطابق اللفظ المعنى ووحد النظر حملاً على اللفظ إذ لم يكثروا كثرتهم.

ثم قال: أتطمع أن تقدر على إسماع الصم ولو انضم إلى صممهم عدم عقولهم، أو تقدر على هداية العمي ولا سيما إذا قرن بفقد البصر فقد البصيرة، إنما يقدر على ردهم إلى حالة الكمال خالق القدر والقوى وحده.

وهذا الحصر إنما يفهم من قوله: ﴿ أفأنت ﴾ .

والمقصود من هذا الكلام تسلية الرسول  فإن الطبيب إذا رأى مريضاً لا يقبل العلاج أصلاً أعرض عنه ولم يستوحش من ذلك لأن التقصير من المزاج لا من الصنعة والحذق.

ثم أكد عدم قابليتهم في الفطرة مع إشارة إلى ما يلحقهم من الوعيد يوم القيامة بقوله: ﴿ إن الله لا يظلم ﴾ الآية.

فسرها المعتزلة بأن المراد من نفي الظلم أنه ما ألجأ أحد إلى هذه القبائح والمنكرات ولكنهم باختيار أنفسهم أقدموا عليها.

وأجاب الواحدي عنه بأنه إنما نفى الظلم عن نفسه لأنه يتصرف في ملك نفسه فلا اعتراض عليه.

وإنما قال: ﴿ ولكن الناس أنفسهم يظلمون ﴾ لأن الفعل منسوب إليهم بسبب الكسب.

والتحقيق أنه نفى الظلم عنه لأنه وقوع فريق القهر ضروري، ونسب الظلم إليهم لخصوص وقوعهم في الطريق وفيه دقة.

ثم ذكر وعيد الكفار فقال: ﴿ ويوم يحشرهم ﴾ أي واذكر يوم يحشرهم ﴿ كأن لم يلبثوا ﴾ في محل النصب على الحال أي مشبهين بمن لم يلبث ﴿ إلا ساعة ﴾ وقوله ﴿ يتعارفون ﴾ إما حال أخرى أو بيان لقوله: ﴿ كأن لم يلبثوا ﴾ لأن التعارف لا يبقى مع طول العهد.

ويجوز أن يكون قوله: ﴿ ويوم يحشرهم ﴾ متعلقاً بـ ﴿ يتعارفون ﴾ والمراد باللبث.

قيل: لبثهم في الدنيا وقيل في القبور استقلوا المدد الطوال إما لأنهم ضيعوا أعمارهم في الدنيا فجعلوا وجودها كالعدم واستقصروها للدهش والحيرة، أو لطول وقوفهم في الحشر، أو لشدة ما هم فيه من العذاب نسوا لذات الدنيا واستحقروها.

وأما التعارف فقد قيل: يعرّف بعضهم بعضاً ما كانوا عليه من الخطإ والكفر وقيل: يعرف كل واحد أهل معرفته.

والجمع بين ذلك وبين قوله: ﴿ ولا يسأل حميم حميماً  ﴾ أن هذا تعارف توبيخ وتضليل يقول كل فريق لصاحبه أنت أضللتني يوم كذا، أو أنهم يتعارفون إذا بعثوا ثم تنقطع المعرفة.

وإنما حذف "جميعاً" في هذه الآية اكتفاء بما في الآية السابقة ﴿ ويوم نحشرهم جميعاً ثم نقول للذين أشركوا  ﴾ ولأن الآية سيقت هناك لبيان حشر العابدين والمعبودين فأكد بقوله: ﴿ جميعاً ﴾ ليشمل الفريقين صريحاً والله أعلم.

قوله: ﴿ قد خسر ﴾ استئناف فيه معنى التعجب كأنه قيل: ما أخسرهم!

وفيه شهادة من الله على خسرانهم.

وجوز في الكشاف أن يكون على إرادة القول أي يتعارفون بينهم قائلين ذلك.

ثم أكد خسرانهم بقوله: ﴿ وما كانوا مهتدين ﴾ أي في رعاية مصالح هذه التجارة لأنهم أعطوا الكثير الشريف الباقي وقنعوا بالقليل الخسيس الفاني كمن رأى زجاجة خسيسة فظنها جوهرة نفيسة فاشتراها بكل ماله، فإذا عرضها على الناقدين خاب سعيه وفات أمله.

ثم سلى رسوله  فقال: ﴿ وإما نرينك ﴾ وجوابه محذوف.

وقوله: ﴿ فإلينا مرجعهم ﴾ جواب ﴿ أو نتوفينك ﴾ والمعنى وإما نرينك في أعدائك بعض الذي نعدهم في الدنيا فذاك، أو نتوفينك قبل أن تدركه فنحن نريكهم في الآخرة لأن مرجع الكل إلينا.

ولقد صدق الله وعده فقد أراه في هذه الدار خزيهم وقهرهم بالقتل والأسر والاستعلاء عليهم والاستيلاء على ديارهم وأموالهم، والذي سيريه في الآخرة أكثر وأدوم يدل عليه لفظ "ثم" لتبعيد الرتبة في قوله: ﴿ ثم الله شهيد على ما يفعلون ﴾ ولا يخفى نتيجة هذه الشهادة من السخط والعقاب، ويحتمل أن يراد إنطاق جوارحهم يوم القيامة جعل ذلك بمنزلة شهادة الله.

ثم بيّن أنه ما أهمل أمة من الأمم من رسول في وقت من الأوقات فقال: ﴿ ولكل أمة رسول ﴾ وزمان الفترة محمول على ضعف دعوة النبي  المتقدم ووقوع موجبات التخليط في شرعه.

﴿ فإذا جاء رسولهم ﴾ فبلغ فكذبه قوم وصدقه آخرون ﴿ قضى بينهم بالقسط ﴾ أي حكم وفصل بالعدل فأنجى الرسول والمصدقون وعذب المكذبون فهذه الآية نظيرة قوله: ﴿ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً  ﴾ ويحتمل أن يقال: المراد ولكل أمة من الأمم يوم القيامة رسول ينسبون إليه ويدعون به فكأنه  يقول: أنا شهيد على أعمالهم ومع ذلك فإني أحضر في موقف القيامة، مع كل قوم رسولهم حتى يشهد عليهم بالكفر والإيمان.

﴿ فإذا جاء رسولهم ﴾ وشهد لهم أو عليهم ﴿ قضي بينهم ﴾ والمراد منه المبالغة في إظهار العدل والنصفة فتكون الآية كقوله: ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد  ﴾ ثم ذكر شبهة أخرى من شبهات الكفرة، وذلك أنه  كلما هددهم بنزول العذاب ومر زمان ولم يظهر ذلك العذاب كانوا ﴿ يقولون متى هذا الوعد ﴾ استبعاداً لنزوله وقدحاً في نبوته وهذا مما يؤكد القول الأوّل في الآية المتقدمة، لأنه لا يجوز أن يقولوا متى هذا الوعد عند حضورهم في دار الآخرة لحصول اليقين والمعرفة حينئذٍ.

وأيضاً قوله: ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ لفظ الجمع موافق لقوله: ﴿ ولكل أمة رسول ﴾ ثم أمره أن يجيب بما يحسم مادة الشبهة وهو قوله: ﴿ قل لا أملك لنفسي ضراً ﴾ من مرض أو فقر ﴿ ولا نفعاً ﴾ من صحة أو غنى ﴿ إلا ما شاء الله ﴾ قال العلماء: إنه استثناء منقطع أي ولكن ما شاء الله من ذلك كائن فكيف أملك لكم الضر وجلب العذاب.

ثم بين أن أحداً لا يموت إلا بالقضاء، وأن لعذاب كل طائفة أمداً محدوداً لا يتجاوزه فلا وجه للاستعجال.

فقال و ﴿ لكل أمة أجل ﴾ الآية.

وقد مر تفسير الآية في أوائل الأعراف إلا أنه أدخل الفاء ههنا في الجزاء، فإنه بنى الشرط على الاستئناف أو البيان بخلاف ما هنالك فإنه جعل الشرط مرتباً على قوله: ﴿ ولكل أمة أجل  ﴾ فلم يحسن الجمع بين الفاءين.

ثم زيف رأيهم في استعجال العذاب مرة أخرى فقال: ﴿ قل أرأيتم ﴾ أي أخبروني ﴿ إن أتاكم عذابه بياتاً ﴾ أي في حين الغفلة والراحة.

﴿ أو نهاراً ﴾ حين الاشتغال بطلب المعاش كما مر في أول الأعراف ﴿ ماذا يستعجل ﴾ أي شيء يستعجل ﴿ منه ﴾ أي من العذاب ﴿ المجرمون ﴾ وإنما لم يقل" ماذا يستعجلون منه" دلالة على موجب ترك الاستعجال وهو الإجرام، لأن حق المجرم أن يخاف التعذيب على إجرامه وإن أبطأ مجيئه فضلاً عن أن يستعجله.

و "من" للبيان أو للابتداء والمعنى أن العذاب كله مر المذاق موجب للنفار فأيّ شيء يستعجلون منه وليس شيء منه يوجب الاستعجال؟

أو المراد التعجب كأنه قيل: أيّ شيء هائل شديد يستعجلون؟

وقيل: الضمير في "منه" لله  وجواب الشرط محذوف وهو تندموا على الاستعجال أو تعرفوا الخطأ فيه.

و "ماذا" الجملة مفعول ﴿ أرأيتم ﴾ ويجوز أن يكون جواباً للشرط كقولك إن أتيتك ماذا تطعمني، ثم تتعلق الجملة بـ ﴿ أرأيتم ﴾ ويجوز أن يكون اعتراضاً وجواب الشرط ﴿ ثم إذا وقع آمنتم به ﴾ والمعنى إن أتاكم عذابه آمنتم به بعد وقوعه حين لا ينفعكم الإيمان، ودخول حرف الاستفهام على "ثم" كدخوله على الواو والفاء إلا أنه على إرادة القول أي قيل لهم إذا آمنوا بعد وقوع العذاب ﴿ آلآن ﴾ آمنتم به ﴿ وقد كنتم به تستعجلون ﴾ على جهة التكذيب والإنكار وقوله ﴿ ثم قيل ﴾ عطف على قيل المضمر قبل ﴿ آلآن ﴾ والحاصل أن الذي تطلبونه ضرر محض عارٍ عن المنفعة، والعاقل لا يطلب مثل ذلك.

وإنما قلنا إنه ضرر محض لأنه إذا وقع العذاب فإما أن تؤمنوا وإيمان اليأس غير مقبول، وإما أن لا تؤمنوا فيحصل عقيب ذلك عذاب آخر أشد وأدوم ويقال على سبيل الإهانة.

﴿ ذوقوا عذاب الخلد ﴾ فإن قلتم إلهنا أنت الغني عن الكل فكيف يليق برحمتك هذا الوعيد والتهديد؟

أجبتم ﴿ هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون ﴾ فالجزاء مرتب على العمل ترتب المعلول على العلة كما يقوله الحكيم، أو ترتب الأجر الواجب عند المعتزلة، أو بحكم الوعد المحض عند أهل السنة.

وتفسير الكسب مذكور في البقرة في قوله: ﴿ لها ما كسبت ولكم ما كسبتم  ﴾ .

ثم حكى عنهم أنهم بعد هذه البيانات استفهموا تارة أخرى عن تحقيق العذاب فقال: ﴿ ويستنبئونك أحق هو ﴾ وهو استخبار على جهة الاستهزاء والإنكار أي أحق ما تعدنا به من نزول العذاب في العاجل؟

وهذا السؤال جهل محض لأنه تقدم ذكره مع الجواب مرة واحدة فلا وجه للإعادة، ولأنه قد تبين بالبراهين القاطعة صحة نبوة محمد  فيلزم القطع بصحة كل ما يخبر عن وقوعه.

وقيل: المراد أحق ما جئت به من القرآن والشرائع؟

وقيل: أي ما تعدنا من البعث والقيامة؟

فأمره الله  أن يجيبهم بقوله: ﴿ قل إي وربي ﴾ ومعناه نعم ولكنه مستعمل مع القسم ألبتة.

وفائدة هذا القسم في جوابهم أن يكون قد أبرز الكلام معهم على الوجه المعتاد بينهم استمالة لقلوبهم.

ومن الظاهر أن من أخبر عن شيء وأكده بالقسم فقد أخرجه عن حد الهزل وأدخله في باب الجد.

فقد يكون هذا القدر مقنعاً إذا لم يكن الخصم ألد.

ثم أكد مضمون المقسم عليه بقوله ﴿ وما أنتم بمعجزين ﴾ فائتين العذاب.

والغرض التنبيه على أن أحداً لا يدافع نفسه عما أراد الله وقضى.

ثم زاد في التأكيد بقوله: ﴿ ولو أن لكل نفس ﴾ الآية.

وقد مر مثله في "آل عمران" و "المائدة".

وقوله: ﴿ ظلمت ﴾ صفة لنفس.

أما قوله: ﴿ وأسروا الندامة ﴾ فقد قيل: الإسرار بمعنى الإظهار والهمزة للسلب أي أظهروا الندامة حينئذٍ لضعفهم وليس هناك تجلد.

والمشهور أنه الإخفاء وسببه أنهم بهتوا حين عاينوا ما سلبهم قواهم فلم يطيقوا صراخاً ولا بكاء، أو أخفوا الندامة من سفلتهم وأتباعهم حياء منهم وخوفاً من توبيخهم.

وهذا التزوير في أول ما يرون العذاب، أما عند إحاطة النار بهم فلا يبقى هذا التماسك، أو أراد بالإخفاء الإخلاص لأن من أخلص في الدعاء أسره، وفيه تهكم بهم وبإخلاصهم لأنهم أتوا بذلك في غير وقته ﴿ وقضى بينهم بالقسط ﴾ قيل: أي بين المؤمنين والكافرين.

وقيل: بين الرؤساء والأتباع، وقيل: بين الكفار بإنزال العقوبة عليهم.

وقيل: بين الظالمين من الكفار والمظلومين منهم فيكون في ذلك القضاء تخفيف من عذاب بعضهم وتثقيل لعذاب بعضهم وإن اشترك كلهم في العذاب.

ثم ذكر آيتين أن له جميع ما قرر بحكم المالكية والقدرة على الإحياء والإماتة والإبداء والإعادة.

وقيل: في وجه النظم أنه لما ذكر حديث الافتداء بيّن أنه ليس للظالم شيء يفتدي به فإن كل الأشياء ملكه وملكه.

وقيل: إنه لما أقسم على حقية ما جاء به النبي وكان دليلاً إقناعياً أراد أن يصححها بالبرهان النير فذكر أن كل ما في هذا العالم من نبات وحيوان وجسد وروح وظلمة ونور وعلوي وسفلي بسيط ومركب فهو ملكه، فلكونه قادراً على جميع الممكنات يقدر على إيصال الرحمة إلى أوليائه والعذاب إلى أعدائه، ولكنه منزهاً عن النقائص والآفات يكون بريئاً عن الخلف في الوعد والإيعاد.

وفي تصدير الكلام بكلمة "ألا" تنبيه للغافلين وإيقاظ للنائمين وتقريع للناظرين في الأسباب الظاهرة القائلين: البستان للأمير، والدار للوزير، والغلام لزيد والجارية لعمرو، ولا يعلمون أن كلها عوارٍ وودائع.

ولا بد يوماً أن ترد الودائع *** واعلم أن الطريق إلى إثبات نبوة الأنبياء بأمور أحدها: إظهار المعجزة على يده مطابقاً لدعواه، وقد قرره الله  في هذه السورة على أحسن الوجوه حيث قال: ﴿ وما كان هذا القرآن أن يفترى ﴾ إلى تمام الآيتين.

والثاني أن نعلم بعقولنا أن الاعتقاد الحق والعمل الصالح ما هو فكل من جاء ودعا الخلق إلى ذلك وادعى الرسالة وكان لنفسه قوّة تكميل الناقصين غلب على ظننا أنه النبي الحق، فأشار  إلى هذا الطريق بقوله: قل ﴿ يا أيها الناس ﴾ الآية.

فوصف القرآن بصفات أربع: الأولى كونه موعظة والمراد بها الزجر عما لا ينبغي كالطبيب ينهى المريض أوّلاً عما يضره.

الثانية كونه شفاء لما في الصدور لحصول العقائد الحقة والأخلاق الحميدة فيها بدل أضدادها كالطبيب يعيد الصحة بدل المرض والأخلاط المحمودة بدل الأخلاط الفاسدة بالمعالجات الصائبة والأدوية النافعة.

الثالثة حصول الهدي بسببه وذلك أنه إذا زالت الملكات الرديئة التي طبيعتها الظلمة وصارت مرآة النفس مصقولة محاذية لعالم القدس انطبع فيها نقش الملكوت وتجلى لها قدس اللاهوت.

الرابعة كونه رحمة للمؤمنين وذلك بأن تصير النفس البالغة إلى هذه الدرجات الروحانية والمعارج الربانية بحيث تفيض أنوارها على أرواح الناقصين فيض النور من جوهر الشمس على أجرام هذا العالم.

وإنما خص المؤمنين بهذه الرحمة لأن كل روح لم يتوجه إلى خدمة أرواح الأنبياء المطهرين لم ينتفع بأنوارهم كما أن كل جرم لم يقع في مواجهة قرص الشمس لا يستضيء بنورها.

والحاصل أن الموعظة إشارة إلى تطهير ظواهر الخلق عما لا ينبغي وهو الشريعة، والشفاء إشارة إلى تطهير الأرواح عن العقائد الفاسدة والأخلاق الرديئة بتحصيل أضدادها وهي الطريقة، والهدى عبارة عن ظهور نور الحق في قلوب الصدّيقين وهي الحقيقة، والرحمة إشارة إلى كونها بالغة في الكمال والإشراق إلى حيث تصير مكملة للباقين وهي النبوة.

ولما أرشد  إلى الطريق الموصل إلى السعادات الباقية الروحانية ذكر أنها هي التي يجب أن يكمل الفرح بحصولها دون السعادات الفانية الجسمانية فقال: ﴿ قل بفضل الله وبرحمته ﴾ قال في الكشاف: أصل الكلام بفضل الله وبرحمته فليفرحوا ﴿ فبذلك فليفرحوا ﴾ والتكرير للتقرير والتأكيد، وإيجاب اختصاص الفضل والرحمة بالفرح دون ما عداهما من فوائد الدنيا فحذف أحد الفعلين لدلالة الآخر عليه.

والفاء داخلة لمعنى الشرط كأنه قيل: إن فرحوا بشيء فليخصوهما بالفرح، وجوز أن يراد بفضل الله وبرحمته فليعتنوا فبذلك فليفرحوا، وأن يراد قد جاءتكم موعظة بفضل الله وبرحمته فبذلك أي بمجيئها فليفرحوا.

وعلى هذا يكون ﴿ قل ﴾ اعتراضاً.

ومن قرأ بتاء الخطاب فمعناه على ما نقل عن زيد بن ثابت فبذلك فلتفرحوا يا أصحاب محمد هو خير مما يجمع الكفار، ونسبت هذه القراءة إلى النبي  وهو الأصل والقياس لأنه أدل على الأمر بالفرح وأشد تحريضاً به، وإنما قلنا إنه الأصل لأن حكم الأمر في المخاطب والغائب واحد إلا أنه خفف أمر المخاطب بحذف اللام وبحذف حرف المضارعة لكثرة الاستعمال فاضطروا إلى همزة الوصل.

ومن قرأ تجمعون بتاء الخطاب فإنه عنى المخاطبين والغائبين جميعاً إلا أنه غلب الخطاب كما يغلب التذكير، أو كأنه أراد المؤمنين وفيه حث لهم على ترجيح الجواذبالعقلية الروحانية على النوازع النفسانية الجسدانية لأنه لا معنى لهذه اللذات الجسمانية إلا دفع الآلام، والمعنى العدمي لا يستحق الفرح به، وبتقدير أن تكون صفات ثبوتية إلا أن التضرر بآلامها أقوى من الانتفاع بلذاتها فلا نسبة للذة الوقاع - وهي أقوى اللذات - إلى ألم القولنج وسائر الآلام القوية.

وأيضاً إن مداخل اللذات الجسمانية معظمها البطن والفرج، ومداخل الآلام كل جزء من أجزاء البدن.

وأيضاً اللذات الجسمانية لا بقاء لها مثلاً إذا زال ألم الجوع زال الالتذاذ بالأكل، وكل ما لا بقاء له لا يشتد فرح العاقل بحصوله، ولو لم يحصل في لذة الأكل والوقاع إلا إتعاب الحواس والجوارح في مقدماتها ولواحقها لكفى.

ومن المعلوم أن الفرح الحاصل بحدوث الولد لا يعادل الحزن الواقع عند موته وفيه قال المعري: إن حزناً في ساعة الموت ضعا *** ف سرور في ساعة الميلاد فتبين بهذه الوجوه أن الفرح إنما يجب أن يكون بالروحانيات الباقيات لا بالجسمانيات الزائلات، أما المفسرون فقد قالوا: فضل الله الإسلام، ورحمته ما وعد عليه.

وعن أبيّ بن كعب أن رسول الله  تلا ﴿ قل بفضل الله وبرحمته ﴾ فقال: بكتاب الله والإسلام.

ومثله ما روي عن أبي سعيد الخدري: فضل الله القرآن ورحمته أن جعلكم من أهله.

ثم أشار إلى طريق ثالث في إثبات النبوة فقال: ﴿ قل أرأيتم ﴾ الآية.

وتقريره أنكم تحكمون بحل بعض الأشياء وبحرمة بعضها فإن كان هذا لمجرد التشهي فذلك طريق باطل مهجور بالاتفاق لأدائه إلى التنازع والتشاجر واختلاف الآراء وافتراق الأهواء، وإن كان لأنه حكم الله فيكم فبم عرفتم ذلك فإن كان بقول رسول أرسله إليكم فقد اعترفتم بصحة النبوة وإلا كان افتراء على الله.

وفي الآية أيضاً إشارة إلى فساد طريقتهم في شرائعهم وأحكامهم من تحريم السوائب والبحائر وقولهم: ﴿ هذه أنعام وحرث حجر  ﴾ وغير ذلك.

﴿ وما أنزل ﴾ الجملة في محل الرفع بالابتداء وخبره ﴿ آلله أذن لكم ﴾ و ﴿ قل ﴾ مكرر للتأكيد والرابط محذوف، ومجموع المبتدأ والخبر متعلق بـ ﴿ أرأيتم ﴾ والمعنى أخبروني الذى أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراماً وحلالاً آلله أذن لكم في تحريمه وتحليله ﴿ أم على الله تفترون ﴾ وعن الزجاج أن "ما" في ﴿ ما أنزل ﴾ بمعنى الاستفهام منصوباً بـ ﴿ أنزل ﴾ وأنه مع معموله مفعول ﴿ أرأيتم ﴾ معناه أخبرونيه.

وعلى هذا يكون ﴿ قل آلله ﴾ كلاماً مستأنفاً.

ومعنى أنزل خلق وأنشأ كقوله: ﴿ وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج  ﴾ وذلك أن كل ما في الأرض من زرع أو ضرع فإنه بسبب الماء النازل من السماء.

قال في الكشاف: ويجوز أن تكون الهمزة في ﴿ آلله ﴾ للإنكار و "أم" منقطعة بمعنى "بل" أتفترون على الله تقريراً للافتراء.

ثم قال: ﴿ وما ظن الذين ﴾ يعني أي شيء ظنهم في ذلك اليوم وما يصنع بهم فيه؟

وهو في صورة الاستعلام ولكن المراد تعظيم وعيد من يفتري على الله حيث أبهم أمره وكفى به زاجراً للمفتي في الأحكام بغير علم فليتق الله وليصمت ﴿ لذو فضل على الناس ﴾ إذ أنعم عليهم بالعقل ورحمهم بإرسال النبي وتعليم الشرائع ﴿ ولكن أكثرهم لا يشكرون ﴾ هذه النعمة بجحد نبيه أو مخالفته.

التأويل: ﴿ أفأنت تسمع الصم ﴾ صم آذان القلوب ﴿ أفأنت تهدي العمى ﴾ عمي أبصار البصائر.

﴿ ويوم نحشرهم ﴾ حشر العوام خروج أجسادهم من القبور إلى المحشر، وحشر الخواص خروج أرواحهم الأخروية من قبور أجسادهم الدنيوية بالسير والسلوك، وحشر الأخص خروجهم من قبور الأنانية الروحانية إلى هوية الربانية كما قال: ﴿ يوم نحشر المتقين إلى الرحمن  ﴾ كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار لأنه لا نسبة لمدة الدنيا إلى ما بين الأزل والأبد.

﴿ يتعارفون بينهم ﴾ يعرفون تفاوت مقامات كل صنف من هؤلاء ﴿ وإما نرينك بعض الذي نعدهم ﴾ بشرط الإيمان من نعيم الجنان ولقاء الرحمن ﴿ أو نتوفينك ﴾ فنبلغك أقصى المراتب ومقامك المحمود ﴿ فإلينا مرجعهم ﴾ رجوعاً اضطرارياً لا اختيارياً ﴿ ثم الله شهيد على ما يفعلون ﴾ من خسارة الدارين ﴿ ولكل أمة رسول ﴾ في الظاهر من الأنبياء وفي الباطن من إلهام الحق.

﴿ لكل أمة أجل ﴾ في استكمال السعادة والشقاوة ﴿ بياتاً ﴾ أي في الأزل ﴿ أو نهاراً ﴾ أي يظهر الآن ما قدّر لكم في الأزل.

﴿ قل أي وربي إنه لحق ﴾ أي أقسم بربك الذي يريك أن وقوع الأمور الأخروية حق لأنك عبرت على الجنة والنار ليلة المعراج ظلمت بإفساد الاستعدادات.

﴿ ألا إن لله ما في السموات ﴾ الأرواح وأرض القلوب والنفوس ﴿ ألا إن وعد الله ﴾ لأهل السعادة ولأهل الشقاوة في الأزل ﴿ حق هو يحيي ﴾ قلوب بعضهم بالمعرفة ﴿ ويميت ﴾ قلوب آخرين بالجهل، أو يحيي بالنور ويميت بالظلمة، أو يحيي بصفة الجمال ويميت بصفة الجلال ﴿ يا أيها الناس ﴾ يأ أهل النسيان ﴿ قد جاءتكم موعظة ﴾ هي خطاب ﴿ ألست بربكم  ﴾ وهو داء العشق وشفاء من ذلك الداء وهو توفيق إجابة ﴿ بلى ﴾ ﴿ لما في الصدور ﴾ وهو القلب فإنها درة صدف الصدر وهدى عناية خاصة إذ الدعوة عامة والهداية خاصة.

ورحمة اتصال إمداد الفيض إلى أن يبلغ غاية الكمال ويفوز بالوصول والوصال ﴿ قل بفضل الله ﴾ وهو إسماع الخطاب ورحمته وهو الإبقاء على مدلول الخطاب ﴿ فليفرحوا هو خير مما ﴾ يجمعه أهل الدنيا في دنياهم ﴿ ما أنزل الله لكم من رزق ﴾ القلوب والأرواح فضلاً عن النفوس والأشباح من الواردات والشواهد ﴿ فجعلتم منه حراماً ﴾ على أنفسكم ﴿ وحلالاً ﴾ على غيركم أي حدثت أنفسكم بأن تحصيل هذه السعادات ونيل تلك الكرامات ليس من شأننا وإنما هو من شأن الأنبياء وخواص الأولياء ﴿ قل آلله أذن لكم ﴾ أن تعرضوا عن هذه المقامات وتحيلوها إلى غيركم وتركنوا إلى الدنيا وزخارفها ﴿ أم على الله تفترون ﴾ بأن الدعوة اختصت بهم دوننا ﴿ إن الله لذو فضل على الناس ﴾ بتسوية الاستعداد الفطري.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ ٱلنَّاسَ شَيْئاً وَلَـٰكِنَّ ٱلنَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ يخبر أن ما حل بأولئك من عذاب استئصال، إنما حل بظلمهم، [لا بظلم] من الله  وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ ٱلنَّهَارِ ﴾ .

لم يلبسوا إلا ساعة من النهار، قال: في قبورهم يتعارفون بينهم إذا خرجوا من قبورهم.

وقال بعضهم من أهل التأويل: ﴿ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ ٱلنَّهَارِ ﴾ : في الدنيا، وأصله كأنهم استقلوا طول مقامهم في الدنيا وما أنعموا فيها؛ لما عاينوا من أهوال ذلك اليوم وشدائده، أو استقلوا لبثهم [في الدنيا] ومقامهم؛ لطول مقامهم في الآخرة في العذاب.

وفيه وجه ثان: وهو أنه يذكر من شدة سفههم وغاية جهلهم أن ما يعدهم من الحشر والعذاب الأبد كأنهم لا يلبثون فيها إلا ساعة من النهار، حتى لا يبالوا ما يلحقهم من ذلك وما يستوجبون عليه من العذاب باكتسابهم [من] تلك الأسباب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ ﴾ أي: يعرف بعضهم بعضا على قدر ما يلعن بعضهم بعضاً؛ كقوله: ﴿ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً  ﴾ .

وعلى قدر ما يتبرأ بعضهم من بعض ثم يفرق بينهم كقوله: ﴿ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ  ﴾ ، أي: فرقنا بينهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ ﴾ أي: خسروا بما وعدوا في الآخرة من النعم الدائمة بترك اكتسابهم إياها؛ إذ قد أعطوا ما يكتسبون به نعم الآخرة، فاكتسبوا ما به خسروا ذلك؛ فهو كقوله: ﴿ فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى ٱلنَّارِ  ﴾ أي: ما أصبرهم على اكتساب ما به يستوجبون النار.

والثاني: [قد] خسروا [...].

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ويوم يحشر الله الناس يوم القيامة لحسابهم كان لم يمكثوا في حياتهم الدنيا وفي برزخهم إلا ساعة من نهار لا أَزْيدَ، يعرف بعضهم بعضًا فيها، ثم تنقطع معرفتهم لشدة ما شاهدوا من أهوال القيامة، قد خسر الذين يكذبون بلقاء ربهم يوم القيامة، وما كانوا مؤمنين في الدنيا بيوم البعث حتَّى يسلموا من الخسران.

<div class="verse-tafsir" id="91.53ZlW"

مزيد من التفاسير لسورة يونس

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله