الآية ٦٣ من سورة يونس

الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ٦٣ من سورة يونس

ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَكَانُوا۟ يَتَّقُونَ ٦٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 93 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦٣ من سورة يونس: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦٣ من سورة يونس عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: الذين صدقوا لله ورسوله، وما جاء به من عند الله، وكانوا يتَّقون الله بأداء فرائضه واجتناب معاصيه.

* * * وقوله: (الذين آمنوا) من نعت " الأولياء " ، ومعنى الكلام: ألا إن أولياء الله الذين آمنوا وكانوا يتقون، لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

* * * فإن قال قائل: فإذ كان معنى الكلام ما ذكرت عندك، أفي موضع رفع (الذين آمنوا) أم في موضع نصب؟

قيل: في موضع رفع.

وإنما كان كذلك ، وإن كان من نعت " الأولياء " ، لمجيئه بعد خبر " الأولياء "، والعرب كذلك تفعل خاصة في " إنّ"، إذا جاء نعت الاسم الذي عملت فيه بعد تمام خبره رفعوه فقالوا: " إن أخاك قائم الظريفُ"، كما قال الله: قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلامُ الْغُيُوبِ ، [سورة سبأ: 48] ، وكما قال: إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ ، [سورة ص: 64].

(11) * * * وقد اختلف أهل العربية في العلة التي من أجلها قيل ذلك كذلك، مع أن إجماع جميعهم على أن ما قلناه هو الصحيح من كلام العرب.

وليس هذا من مواضع الإبانة عن العلل التي من أجلها قيل ذلك كذلك.

------------------------------- الهوامش : (11) انظر معاني القرآن 1 : 470 ، 471 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى الذين آمنوا وكانوا يتقون هذه صفة أولياء الله تعالى ; فيكون : ( الذين ) في موضع نصب على البدل من اسم ( إن ) وهو ( أولياء ) .

وإن شئت على أعني .

وقيل : هو ابتداء ، وخبره .

لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة فيكون مقطوعا مما قبله .

أي يتقون الشرك والمعاصي .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم ذكر وصفهم فقال‏:‏ ‏{‏الَّذِينَ آمَنُوا‏}‏ بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، وصدقوا إيمانهم، باستعمال التقوى، بامتثال الأوامر، واجتناب النواهي‏.‏ فكل من كان مؤمنًا تقيًا كان لله تعالى وليًا

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( الذين آمنوا وكانوا يتقون ) وقال قوم : هم المتحابون في الله عز وجل .

أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي ، أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن بشران ، أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار ، حدثنا أحمد بن منصور الرمادي ، حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن ابن أبي حسين عن شهر بن حوشب ، عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال : كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " إن لله عبادا ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم النبيون والشهداء لقربهم ومقعدهم من الله يوم القيامة " ، قال : وفي ناحية القوم أعرابي فجثا على ركبتيه ورمى بيديه ثم قال : حدثنا يا رسول الله عنهم من هم؟

قال : فرأيت في وجه النبي صلى الله عليه وسلم البشر ، فقال : " هم عباد من عباد الله من بلدان شتى وقبائل لم يكن بينهم أرحام يتواصلون بها ، ولا دنيا يتباذلون بها ، يتحابون بروح الله ، يجعل الله وجوههم نورا ، ويجعل لهم منابر من لؤلؤ قدام الرحمن ، يفزع الناس ولا يفزعون ، ويخاف الناس ولا يخافون " .

ورواه عبد الله بن المبارك عن عبد الحميد بن بهرام قال : حدثنا شهر بن حوشب ، حدثني عبد الرحمن بن غنم عن أبي مالك الأشعري ، عن النبي صلى الله عليه وسلم سئل : من أولياء الله؟

فقال : الذين إذا رءوا ذكر الله " .

ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم : قال الله تعالى : " إن أوليائي من عبادي الذين يذكرون بذكري وأذكر بذكرهم " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

هم «الذين آمنوا وكانوا يتقون» الله بامتثال أمره ونهيه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وصفات هؤلاء الأولياء، أنهم الذين صدَّقوا الله واتبعوا رسوله وما جاء به من عند الله، وكانوا يتقون الله بامتثال أوامره، واجتناب معاصيه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله : ( الذين آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ) استئناف مسوق لتوضيح حقيقتهم فكأن سائلا قال : ومن هم أولياء الله؟

فكان الجواب هم الذين توفر فيهم الإِيمان الصادق ، والبعد التام عن كل ما نهى الله - تعالى - عنه .وعبر عن إيمانهم بالفعل الماضي ، للإِشارة إلى أنه إيمان ثابت راسخ .

لا تزلزله الشكوك ، ولا تؤثر فيه الشبهات .وعبر عن تقواهم بالفعل الدال على الحال والاستقبال للإِيذان بأن اتقاءهم وابتعادهم عن كل ما يغضب الله من الأقوال والأفعال ، يتجدد ويستمر دون أن يصرفهم عن تقواهم وخوفهم منه - سبحانه - ترغيب وترهيب .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنا بينا أن قوله تعالى: ﴿ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْءانٍ  ﴾ مما يقوي قلوب المطيعين، ومما يكسر قلوب الفاسقين فأتبعه الله تعالى بشرح أحوال المخلصين الصادقين الصديقين وهو المذكور في هذه الآية.

وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنا نحتاج في تفسير هذه الآية إلى أن نبين أن الولي من هو؟

ثم نبين تفسير نفي الخوف والحزن عنه.

فنقول: أما إن الوحي من هو؟

فيدل عليه القرآن والخبر والأثر والمعقول.

أما القرآن، فهو قوله في هذه الآية: ﴿ الذين ءامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ﴾ فقوله: ﴿ ءامَنُواْ ﴾ إشارة إلى كمال حال القوة النظرية وقوله: ﴿ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ﴾ إشارة إلى كمال حال القوة العملية.

وفيه قيام آخر، وهو أن يحمل الإيمان على مجموع الاعتقاد والعمل، ثم نصف الولي بأنه كان متقياً في الكل.

أما التقوى في موقف العلم فلأن جلال الله أعلى من أن يحيط به عقل البشر، فالصديق إذا وصف الله سبحانه بصفة من صفات الجلال، فهو يقدس الله عن أن يكون كماله وجلاله مقتصراً على ذلك المقدار الذي عرفه ووصفه به، وإذا عبد الله تعالى فهو يقدس الله تعالى عن أن تكون الخدمة اللائقة بكبريائه متقدرة بذلك المقدار فثبت أنه أبداً يكون في مقام الخوف والتقوى.

وأما الأخبار فكثيرة روى عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «هم قوم تحابوا في الله على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها، فوالله إن وجوههم لنور، وإنهم لعلى منابر من نور لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس» ثم قرأ هذه الآية، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «هم الذين يذكر الله تعالى برؤيتهم» قال أهل التحقيق: السبب فيه أن مشاهدتهم تذكر أمر الآخرة لما يشاهد فيهم من آيات الخشوع والخضوع، ولما ذكر الله تعالى سبحانه في قوله: ﴿ سيماهم فِي وُجُوهِهِمْ مّنْ أَثَرِ السجود  ﴾ وأما الأثر، فقال أبو بكر الأصم: أولياء الله هم الذين تولى الله تعالى هدايتهم بالبرهان وتولوا القيام بحق عبودية الله تعالى والدعوة إليه، وأما المعقول فنقول: ظهر في علم الاشتقاق أن تركيب الواو واللام والياء يدل على معنى القرب، فولى كل شيء هو الذي يكون قريباً منه، والقرب من الله تعالى بالمكان والجهة محال، فالقرب منه إنما يكون إذا كان القلب مستغرقاً في نور معرفة الله تعالى سبحانه، فإن رأى دلائل قدرة الله، وإن سمع سمع آيات الله وإن نطق نطق بالثناء على الله، وإن تحرك تحرك في خدمة الله، وإن اجتهد اجتهد في طاعة الله، فهنالك يكون في غاية القرب من الله، فهذا الشخص يكون ولياً لله تعالى، وإذا كان كذلك كان الله تعالى ولياً له أيضاً كما قال الله تعالى: ﴿ الله وَلِيُّ الذين ءامَنُواْ يُخْرِجُهُم مّنَ الظلمات إِلَى النور  ﴾ ويجب أن يكون الأمر كذلك، لأن القرب لا يحصل إلا من الجانبين.

وقال المتكلمون: ولي الله من يكون آتياً بالاعتقاد الصحيح المبني على الدليل ويكون آتياً بالأعمال الصالحة على وفق ما وردت به الشريعة، فهذا كلام مختصر في تفسير الولي.

وأما قوله تعالى في صفتهم: ﴿ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ ففيه بحثان: البحث الأول: أن الخوف إنما يكون في المستقبل بمعنى أنه يخاف حدوث شيء في المستقبل من المخوف، والحزن إنما يكون على الماضي إما لأجل أنه كان قد حصل في الماضي ما كرهه أو لأنه فات شيء أحبه.

البحث الثاني: قال بعض المحققين: إن نفي الحزن والخوف إما أن يحصل للأولياء حال كونهم في الدنيا أو حال انتقالهم إلى الآخرة والأول باطل لوجوه: أحدها: أن هذا لا يحصل في دار الدنيا لأنها دار خوف وحزن والمؤمن خصوصاً لا يخلو من ذلك على ما قاله الرسول عليه الصلاة والسلام: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر».

وعلى ما قال: «حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات».

وثانيها: أن المؤمن، وإن صفا عيشه في الدنيا، فإنه لا يخلو من هم بأمر الآخرة شديد، وحزن على ما يفوته من القيام بطاعة الله تعالى، وإذا بطل هذا القسم وجب حمل قوله تعالى: ﴿ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ على أمر الآخرة، فهذا كلام محقق، وقال بعض العارفين: إن الولاية عبارة عن القرب، فوليُّ الله تعالى هو الذي يكون في غاية القرب من الله تعالى، وهذا التقرير قد فسرناه باستغراقه في معرفة الله تعالى بحيث لا يخطر بباله في تلك اللحظة شيء مما سوى الله، ففي هذه الساعة تحصل الولاية التامة، ومتى كانت هذه الحالة حاصلة فإن صاحبها لا يخاف شيئاً، ولا يحزن بسبب شيء، وكيف يعقل ذلك والخوف من الشيء والحزن على الشيء لا يحصل إلا بعد الشعور به، والمستغرق في نور جلال الله غافل عن كل ما سوى الله تعالى، فيمتنع أن يكون له خوف أو حزن؟

وهذه درجة عالية، ومن لم يذقها لم يعرفها، ثم إن صاحب هذه الحالة قد تزول عنه الحالة، وحينئذ يحصل له الخوف والحزن والرجاء والرغبة والرهبة بسبب الأحوال الجسمانية، كما يحصل لغيره، وسمعت أن إبراهيم الخواص كان بالبادية ومعه واحد يصحبه، فاتفق في بعض الليالي ظهور حالة قوية وكشف تام له، فجلس في موضعه وجاءت السباع ووقفوا بالقرب منه، والمريد تسلق على رأس شجرة خوفاً منها والشيخ ما كان فازعاً من تلك السباع، فلما أصبح وزالت تلك الحالة ففي الليلة الثانية وقعت بعوضة على يده فأظهر الجزع من تلك البعوضة، فقال المريد: كيف تليق هذه الحالة بما قبلها؟

فقال الشيخ: إنا إنما تحملنا البارحة ما تحملناه بسبب قوة الوارد الغيبي، فلما غاب ذلك الوارد فأنا أضعف خلق الله تعالى.

المسألة الثانية: قال أكثر المحققين: إن أهل الثواب لا يحصل لهم خوف في محفل القيامة واحتجوا على صحة قولهم بقوله تعالى: ﴿ أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء الله لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ وبقوله تعالى: ﴿ لاَ يَحْزُنُهُمُ الفزع الأكبر وتتلقاهم الملئكة  ﴾ وأيضاً فالقيامة دار الجزاء فلا يليق به إيصال الخوف ومنهم من قال: بل يحصل فيه أنواع من الخوف، وذكروا فيه أخباراً تدل عليه إلا أن ظاهر القرآن أولى من خبر الواحد.

وأما قوله: ﴿ الذين ءامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ﴾ ففيه ثلاثة أوجه: الأول: النصب بكونه صفة للأولياء.

والثاني: النصب على المدح.

والثالث: الرفع على الابتداء وخبره لهم البشرى.

وأما قوله تعالى: ﴿ لَهُمُ البشرى فِي الحياة الدنيا وَفِى الأخرة ﴾ ففيه أقوال: الأول: المراد منه الرؤيا الصالحة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «البشرى هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له».

وعنه عليه الصلاة والسلام: «ذهبت النبوة وبقيت المبشرات».

وعنه عليه الصلاة والسلام: «الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من الشيطان، فإذا حلم أحدكم حلماً يخافه فليتعوذ منه وليبصق عن شماله ثلاث مرات فإنه لا يضره».

وعنه صلى الله عليه وسلم: «الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة».

وعن ابن مسعود، الرؤيا ثلاثة: الهم يهم به الرجل من النهار فيراه في الليل، وحضور الشيطان، والرؤيا التي هي الرؤيا الصادقة.

وعن إبراهيم الرؤيا ثلاثة، فالمبشرة من الله جزء من سبعين جزءاً من النبوة والشيء يهم به أحدكم بالنهار فلعله يراه بالليل والتخويف من الشيطان، فإذا رأى أحدكم ما يحزنه فليقل أعوذ بما عاذت به ملائكة الله من شر رؤياي التي رأيتها أن تضرني في دنياي أو في آخرتي.

واعلم أنا إذا حملنا قوله: ﴿ لَهُمُ البشرى ﴾ على الرؤيا الصادقة فظاهر هذا النص يقتضي أن لا تحصل هذه الحالة إلا لهم والعقل أيضاً يدل عليه، وذلك لأن ولي الله هو الذي يكون مستغرق القلب والروح بذكر الله، ومن كان كذلك فهو عند النوم لا يبقى في روحه إلا معرفة الله، ومن المعلوم أن معرفة الله ونور جلال الله لا يفيده إلا الحق والصدق، وأما من يكون متوزع الفكر على أحوال هذا العالم الكدر المظلم، فإنه إذا نام يبقى كذلك، فلا جرم لا اعتماد على رؤياه، فلهذا السبب قال: ﴿ لَهُمُ البشرى فِي الحياة الدنيا ﴾ على سبيل الحصر والتخصيص.

القول الثاني: في تفسير البشرى، أنها عبارة عن محبة الناس له وعن ذكرهم إياه بالثناء الحسن عن أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله إن الرجل يعمل العمل لله ويحبه الناس.

فقال: «تلك عاجل بشرى المؤمن».

واعلم أن المباحث العقلية تقوي هذا المعنى، وذلك أن الكمال محبوب لذاته لا لغيره، وكل من اتصف بصفة من صفات الكمال، صار محبوباً لكل أحد، ولا كمال للعبد أعلى وأشرف من كونه مستغرق القلب بمعرفة الله، مستغرق اللسان بذكر الله، مستغرق الجوارح والأعضاء بعبودية الله، فإذا ظهر عليه أمر من هذا الباب، صارت الألسنة جارية بمدحه، والقلوب مجبولة على حبه، وكلما كانت هذه الصفات الشريفة أكثر، كانت هذه المحبة أقوى، وأيضاً فنور معرفة الله مخدوم بالذات، ففي أي قلب حضر صار ذلك الإنسان مخدوماً بالطبع ألا ترى أن البهائم والسباع قد تكون أقوى من الإنسان، ثم إنها إذا شاهدت الإنسان هابته وفرت منه وما ذاك إلا لمهابة النفس الناطقة.

والقول الثالث: في تفسير البشرى أنها عبارة عن حصول البشرى لهم عند الموت قال تعالى: ﴿ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الملئكة ألاتَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بالجنة  ﴾ وأما البشرى في الآخرة فسلام الملائكة عليهم كما قال تعالى: ﴿ جَنَّٰتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَآئِهِمْ وَأَزْوَٰجِهِمْ وَذُرِّيَّٰتِهِمْ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ  سَلَٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى ٱلدَّارِ  ﴾ وسلام الله عليهم كما قال: ﴿ سَلاَمٌ قَوْلاً مّن رَّبّ رَّحِيمٍ  ﴾ ويندرج في هذا الباب ما ذكره الله في هذا الكتاب الكريم من بياض وجوههم وإعطاء الصحائف بأيمانهم وما يلقون فيها من الأحوال السارة فكل ذلك من المبشرات.

والقول الرابع: إن ذلك عبارة عما بشر الله عباده المتقين في كتابه وعلى ألسنة أنبيائه من جنته وكريم ثوابه.

ودليله قوله: ﴿ يُبَشّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مّنْهُ ورضوان  ﴾ .

واعلم أن لفظ البشارة مشتق من خبر سار يظهر أثره في بشرة الوجه، فكل ما كان كذلك دخل في هذه الآية، ومجموع الأمور المذكورة مشتركة في هذه الصفة، فيكون الكل داخلاً فيه فكل ما يتعلق من هذه الوجوه بالدنيا فهو داخل تحت قوله: ﴿ لَهُمُ البشرى فِي الحياة الدنيا ﴾ وكل ما يتعلق بالآخرة فهو داخل تحت قوله: ﴿ وَفِي الأخرة ﴾ ثم إنه تعالى لما ذكر صفة أولياء الله وشرح أحوالهم قال تعالى: ﴿ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ الله ﴾ والمراد أنه لا خلف فيها، والكلمة والقول سواء.

ونظيره قوله: ﴿ مَا يُبَدَّلُ القول لَدَىَّ  ﴾ وهذا أحد ما يقوي أن المراد بالبشرى وعد الله بالثواب والكرامة لمن أطاعه بقوله: ﴿ يُبَشّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مّنْهُ ورضوان ﴾ ثم بين تعالى أن: ﴿ ذلك هُوَ الفوز العظيم ﴾ وهو كقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً  ﴾ ثم قال القاضي: قوله: ﴿ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ الله ﴾ يدل على أنها قابلة للتبديل، وكل ما قبل العدم امتنع أن يكون قديماً.

ونظير هذا الاستدلال بحصول النسخ على أن حكم الله تعالى لا يكون قديماً وقد سبق الكلام على أمثال هذه الوجوه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ أَوْلِيَاء الله ﴾ الذين يتولونه بالطاعة ويتولاهم بالكرامة.

وقد فسر ذلك في قوله: ﴿ الذين ءامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ﴾ فهم توليهم إياه ﴿ لَهُمُ البشرى فِي الحياة الدنيا وَفِى الأخرة ﴾ فهو توليه إياهم.

وعن سعيد بن جبير: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئل: من أولياء الله؟

فقال: «هم الذين يذكر الله برؤيتهم» يعني السمت والهيئة.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: الإخبات والسكينة.

وقيل: هم المتحابون في الله.

وعن عمر رضي الله عنه: سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: «إنَّ من عباد الله عباداً ما هم بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة لمكانهم من الله» قالوا: يا رسول الله، خبرنا من هم وما أعمالهم؟

فلعلنا نحبهم، قال: «هم قوم تحابوا في الله على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها، فوالله إن وجوههم لنور، وإنهم لعلى منابر من نور، لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس» ثم قرأ الآية: ﴿ الذين كَفَرُواْ ﴾ نصب أو رفع على المدح أو على وصف الأولياء أو على الابتداء والخبر لهم البشرى، والبشرى في الدنيا ما بشر الله به المؤمنين المتقين في غير مكان من كتابه، وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له» وعنه عليه الصلاة والسلام: ذهبت النبوّة وبقيت المبشرات.

وقيل: هي محبة الناس له والذكر الحسن.

وعن أبي ذرّ: قلت: لرسول الله صلى الله عليه وسلم: الرجل يعمل العمل لله ويحبه الناس فقال: «تلك عاجل بشرى المؤمن» وعن عطاء: لهم البشرى عند الموت تأتيهم الملائكة بالرحمة.

قال الله تعالى: ﴿ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الملئكة أَن لا تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بالجنة ﴾ [فصلت: 30] وأمّا البشرى في الآخرة فتلقى الملائكة إياهم مسلمين مبشرين بالفوز والكرامة، وما يرون من بياض وجوههم وإعطاء الصحائف بأيمانهم وما يقرءون منها، وغير ذلك من البشارات ﴿ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ الله ﴾ لا تغيير لأقواله ولا إخلاف لمواعيده، كقوله تعالى: ﴿ مَا يُبَدَّلُ القول لَدَىَّ ﴾ [ق: 29] و ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى كونهم مبشرين في الدارين، وكلتا الجملتين اعتراض.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ ﴾ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ بِالطّاعَةِ ويَتَوَلّاهم بِالكَرامَةِ.

﴿ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ﴾ مِن لُحُوقِ مَكْرُوهٍ.

﴿ وَلا هم يَحْزَنُونَ ﴾ لِفَواتِ مَأْمُولٍ.

والآيَةُ كَمُجْمَلٍ فَسَّرَهُ قَوْلُهُ: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ ﴾ وقِيلَ الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ بَيانٌ لِتَوَلِّيهِمْ إيّاهُ.

﴿ لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ وهو ما بَشَّرَ بِهِ المُتَّقِينَ في كِتابِهِ وعَلى لِسانِ نَبِيِّهِ  وما يُرِيهِمْ مِنَ الرُّؤْيا الصّالِحَةِ وما يَسْنَحُ لَهم مِنَ المُكاشَفاتِ، وبُشْرى المَلائِكَةِ عِنْدَ النَّزْعِ.

﴿ وَفِي الآخِرَةِ ﴾ بِتَلَقِّي المَلائِكَةِ إيّاهم مُسَلِّمِينَ مُبَشِّرِينَ بِالفَوْزِ والكَرامَةِ بَيانٌ لِتَوَلِّيهِ لَهم، ومَحَلُّ ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ النَّصْبُ أوِ الرَّفْعُ عَلى المَدْحِ أوْ عَلى وصْفِ الأوْلِياءِ أوْ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ﴿ لَهُمُ البُشْرى ﴾ .

﴿ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ﴾ أيْ لا تَغْيِيرَ لِأقْوالِهِ ولا إخْلافَ لِمَواعِيدِهِ.

﴿ ذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى كَوْنِهِمْ مُبَشَّرِينَ في الدّارَيْنِ.

﴿ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ والَّتِي قَبْلَها اعْتِراضٌ لِتَحْقِيقِ المُبَشَّرِ بِهِ وتَعْظِيمُ شَأْنِهِ، ولَيْسَ مِن شَرْطِهِ أنْ يَقَعَ بَعْدَهُ كَلامٌ يَتَّصِلُ بِما قَبْلَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{الذين آمنوا} منصوب بإضمار أعني أو لأنه صفة لأولياء أو مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هم الذين آمنوا {وَكَانُواْ يَتَّقُونَ} الشرك والمعاصى

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ أيْ بِكُلِّ ما جاءَ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى ﴿وكانُوا يَتَّقُونَ 63﴾ عَما يَحِقُّ الِاتِّقاءُ مِنهُ مِنَ الأفْعالِ والتُّرُوكِ اتِّقاءً دائِما حَسْبَما يُفِيدُهُ الجَمْعُ بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ والمَوْصُولُ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ: مَن أُولَئِكَ؟

وما سَبَبُ فَوْزِهِمْ بِما أشارَ إلَيْهِ الكَلامُ السّابِقُ؟

فَقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ الإيمانِ والتَّقْوى المُفْضِيَيْنِ إلى كُلِّ خَيْرِ المُجَنَّبِينَ عَنْ كُلِّ شَرٍّ؟

ولَكَ أنْ تَقْصُرَ في السُّؤالِ عَلى مَن أُولَئِكَ فَيَكُونُ ذَلِكَ بَيانًا وتَفْسِيرًا لِلْمُرادِ مِنَ الأوْلِياءِ فَقَطْ وعَلى الأوَّلِ هَذا مَعَ الإشارَةِ إلى ما بِهِ نالُوا مالُوا، وقِيلَ: مَحَلُّهُ النَّصْبُ أوِ الرَّفْعُ عَلى المَدْحِ أوْ عَلى أنَّهُ وصْفٌ لِلْأوْلِياءِ ورُدَّ بِأنَّ في ذَلِكَ الفَصْلَ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ بِالخَبَرِ وقَدْ أباهُ النُّحاةُ.

نَعَمْ جَوَّزَهُ الحَفِيدُ وجَوَّزَ فِيهِ البَدَلِيَّةَ أيْضًا والمُرادُ مِنَ التَّقْوى عِنْدَ جَمْعِ المَرْتَبَةِ الثّالِثَةِ مِنها وهي التَّقْوى المَأْمُورُ بِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ ﴾ وفُسِّرَتْ بِتَنَزُّهِ الإنْسانِ عَنْ كُلِّ ما يَشْغَلُ سِرَّهُ عَنِ الحَقِّ والتَّبَتُّلِ إلَيْهِ بِالكُلِّيَّةِ وبِذَلِكَ يَحْصُلُ الشُّهُودُ والحُضُورُ والقُرْبُ الَّذِي يَدُورُ إطْلاقُ الِاسْمِ عَلَيْهِ وهَكَذا كانَ حالُ مَن دَخَلَ مَعَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَحْتَ الخِطابِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ ولا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ ﴾ إلَخْ خَلا أنَّ لَهم في شَأْنِ التَّبَتُّلِ والتَّنَزُّهِ دَرَجاتٍ مُتَفاوِتَةً حَسْبَما دَرَجاتِ تَفاوُتِ اسْتِعْداداتِهِمْ وأقْصى الدَّرَجاتِ ما انْتَهى إلَيْهِ هِمَمُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَتّى جَمَعُوا بِذَلِكَ بَيْنَ رِياسَةِ النُّبُوَّةِ والوِلايَةِ ولَمْ يَعُقْهُمُ التَّعَلُّقُ بِعالَمِ الأشْباحِ عَنِ الِاسْتِغْراقِ في عالَمِ الأرْواحِ ولَمْ تَصُدَّهُمُ المُلابَسَةُ بِمَصالِحِ الخَلْقِ عَنِ التَّبَتُّلِ إلى جَنابِ الحَقِّ سُبْحانَهُ عَزَّ وجَلَّ لِكَمالِ اسْتِعْدادِ نُفُوسِهِمُ الزَّكِيَّةِ المُؤَيَّدَةِ بِالقُوَّةِ القُدْسِيَّةِ كَذا قِيلَ وفي كَوْنِ حالِ كُلِّ مَن دَخَلَ مَعَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَحْتَ الخِطابِ مُرادًا بِهِ جَمِيعُ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم ما أشارَ إلَيْهِ مِنَ التَّقْوى الحَقِيقِيَّةِ المَأْمُورِ بِها في الآيَةِ الَّتِي بِها يَحْصُلُ الشُّهُودُ والحُضُورُ والقُرْبُ بَحْثٌ وقُصارى ما تَحَقَّقَ بَعْدَ نِزاعٍ طَوِيلٍ ذَكَرْناهُ في جَوابِنا لِسُؤالِ أهْلِ - لاهُورَ - أنَّ الصَّحابَةَ كُلَّهم عُدُولٌ مَن لابَسَ مِنهُمُ الفِتْنَةَ ومَن لَمْ يُلابِسْها ودَعْوى أنَّ العَدالَةَ تَسْتَلْزِمُ الوِلايَةَ بِالمَعْنى السّابِقِ إنْ تَمَّتْ تَمَّ المَقْصُودُ وإلّا فَلا والآيَةُ ظاهِرَةٌ في أنَّ الأوْلِياءَ هُمُ المُؤْمِنُونَ المُتَّقُونَ وأقَلُّ ما يَكْفِي في إطْلاقِ الوَلِيِّ التَّقَرُّبُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بِالفَرائِضِ مِنِ امْتِثالِ الأوامِرِ واجْتِنابِ الزَّواجِرِ والأكْمَلُ التَّقَرُّبُ إلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ بِكُلِّ ما يُمَكِّنُ مِنَ القُرْبِ وفي المُبِينِ المُعِينِ الوَلِيِّ هو مَن يَتَوَلّى اللَّهُ تَعالى بِذاتِهِ أمْرَهُ فَلا تَصَرُّفَ لَهُ أصْلًا إذْ لا وُجُودَ لَهُ ولا ذاتَ ولا فِعْلَ ولا وصْفَ والتَّرْكِيبُ يَدُلُّ عَلى القُرْبِ فَكَأنَّهُ قَرِيبٌ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ لِاسْتِدامَةِ عِباداتِهِ واسْتِقامَةِ طاعاتِها ولِاسْتِغْراقِهِ في بَحْرِ مَعْرِفَتِهِ ومُشاهَدَةِ طَلْعَةِ عَظَمَتِهِ انْتَهى وفِيهِ القَوْلُ بِأنَّ الوَلِيَّ فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى فاعِلٍ وفُسِّرَ بِأنَّهُ مَن يَتَوَلّى عِبادَةَ اللَّهِ تَعالى وطاعَتَهُ عَلى التَّوالِي مِن غَيْرِ تَخَلُّلِ مَعْصِيَةٍ وعَنِ القُشَيْرِيِّ أنَّ كِلا الوَصْفَيْنِ تَوَلّى اللَّهُ تَعالى أمْرَهُ وتَوْلِيَةُ عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وطاعَتُهُ شَرْطٌ في الوَلايَةِ غَيْرَ أنَّ الوَصْفَ الأوَّلَ غالِبٌ عَلى المَجْذُوبِ المُرادِ والثّانِي عَلى السّالِكِ المُرِيدِ ولا يَخْفى أنَّ هَذا الكَلامَ وكَذا ما قَبْلَهُ يَدُلُّ عَلى أنْ تَخَلُّلَ المَعْصِيَةِ مُنافٍ لِلْوَلايَةِ وهو الَّذِي يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ غَيْرِ واحِدٍ مِنَ الفُضَلاءِ ولَيْسَ في ذَلِكَ قَوْلٌ بِالعِصْمَةِ الَّتِي لَمْ يُثْبِتْها الجَماعَةُ إلّا لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَلْ قُصارى ما فِيهِ القَوْلُ بِالحِفْظِ وقَدْ قِيلَ: الأوْلِياءُ مَحْفُوظُونَ وفُسِّرَ بِعَدَمِ صُدُورِ الذَّنْبِ مَعَ إمْكانِهِ والقَيْدُ لِإخْراجِ العِصْمَةِ نَعَمْ جاءَتِ العِصْمَةُ بِمَعْنى الحِفْظِ المُفَسَّرِ بِما ذُكِرَ وعَلى ذَلِكَ خَرَجَ قَوْلُ صاحِبِ حِزْبِ البَحْرِ اللَّهُمَّ اعْصِمْنِي في الحَرَكاتِ والسَّكَناتِ لِأنَّ الدُّعاءَ بِما هو مِن خَواصِّ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لا يَجُوزُ كالدُّعاءِ بِسائِرِ المُسْتَحِيلاتِ كَمّا حُقِّقَ في مَحَلِّهِ وأطْلَقَ بَعْضُهُمُ القَوْلَ بِأنَّ تَخَلُّلَ ذَلِكَ غَيْرُ مُنافٍ احْتِجاجًا بِما حُكِيَ عَنِ الجُنَيْدِ قُدِّسَ سِرُّهُ أنَّهُ سُئِلَ هَلْ يَزْنِي العارِفُ؟

فَقالَ: نَعَمْ ﴿ وكانَ أمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا ﴾ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى الإمْكانِ سُؤالًا وجَوابًا ولا كَلامَ فِيهِ وإنَّما الكَلامُ في أنَّ الوُقُوعَ مُنافٍ أوْ غَيْرُ مُنافٍ وقالَ بَعْضُهُمْ: لا شُبْهَةَ في عَدَمِ بَقاءِ وصْفِ الوَلايَةِ حالَ التَّلَبُّسِ بِالمَعْصِيَةِ إذْ لا تَقْوى حِينَئِذٍ بِالإجْماعِ ومَدارُ هَذا الوَصْفِ عَلَيْها وكَذا عَلى الإيمانِ وهو غَيْرُ كامِلٍ إذْ ذاكَ عِنْدَ أهْلِ الحَقِّ وغَيْرُ مُتَحَقَّقٍ أصْلًا بَلِ المُتَحَقِّقُ الفِسْقُ المَعْنى بِالواسِطَةِ أوِ الكَفْرُ عِنْدَ آخَرِينَ وكَذا لا شُبْهَةَ في عَدَمِ مُنافاةِ وُقُوعِ المَعْصِيَةِ الِاتِّصافُ بِالوَلايَةِ بَعْدَهُ بِأنْ يَعُودَ مَنِ ابْتُلِيَ بِذَلِكَ إلى تَقْوى اللَّهِ تَعالى ويَتَّصِفُ بِما تَتَوَقَّفُ الوَلايَةُ عَلَيْهِ وهو نَظِيرُ مَن يَتَّصِفُ بِالإيمانِ أوْ بِالعَدالَةِ مَثَلًا بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ مُتَّصِفًا بِذَلِكَ بَقِيَ الكَلامُ في مُنافاةِ الوُقُوعِ الِاتِّصافُ قَبْلُ فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ مُنافٍ لَهُ بِمَعْنى أنَّهُ لِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُتَّصِفًا قَبْلُ بِما هو إيمانٌ وتَقْوى عِنْدَ النّاسِ فَلا شُبْهَةَ أيْضًا في عَدَمِ المُنافاةِ بِهَذا المَعْنى وهو ظاهِرٌ وإنْ قِيلَ: إنَّهُ مُنافٍ لَهُ بِمَعْنى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ مُتَّصِفًا بِما ذُكِرَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِالتَّقْوى الَّتِي هي شَرْطُ الوَلِيِّ التَّقْوى الكامِلَةُ الَّتِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْها حُبُّ اللَّهِ تَعالى المُتَرَتِّبُ عَلَيْهِ الحِفْظُ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ فِيما رَواهُ البُخارِيُّ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «إنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: مَن عادى لِي ولِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ وما تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أحَبَّ إلَيَّ مِمّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ ولا زالَ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوافِلِ حَتّى أُحِبَّهُ فاذًّا أحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ ويَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِها ورِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِها» الحَدِيثُ وقَدْ قالَ غَيْرُ واحِدٍ في مَعْنى الشَّرْطِيَّةِ فَإذا أحْبَبْتُهُ كُنْتُ حافِظًا حَواسَّهُ وجَوارِحَهُ فَلا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يَأْخُذُ ولا يَمْشِي إلّا فِيما أرْضى وأُحِبُّ ويَنْقَلِعُ عَنِ الشَّهَواتِ ويَسْتَغْرِقُ في الطّاعاتِ وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُ الخَطّابِيِّ: المُرادُ مِن ذَلِكَ تَوْفِيقُهُ في الأعْمالِ الَّتِي يُباشِرُها بِهَذِهِ الأعْضاءِ يَعْنِي يُيَسِّرُ عَلَيْهِ فِيها سَبِيلَ ما يُحِبُّهُ ويَعْصِمُهُ عَنْ مُوافَقَةِ ما يَكْرَهُهُ مِن إصْغاءٍ إلى لَهْوٍ يَسْمَعُهُ ونَظَرٍ إلى ما نَهى عَنْهُ بِبَصَرِهِ وبَطْشٍ بِما لا يَحِلُّ بِيَدِهِ وسَعْيٍ في باطِلٍ بِرِجْلِهِ وكَذا قَوْلُ بَعْضِهِمُ المَعْنى أجْعَلُ سُلْطانَ حُبِّي غالِبًا عَلَيْهِ حَتّى أسْلُبَ عَنْهُ الِاهْتِمامَ بِشَيْءٍ غَيْرِ ما يُقَرِّبُهُ إلَيَّ فَيَصِيرُ مُتَخَلِّيًا عَنِ اللَّذّاتِ مُتَجَنِّبًا عَنِ الشَّهَواتِ مَتى ما يَتَقَلَّبُ وأيْنَما يَتَوَجَّهُ لَقِيَ اللَّهَ تَعالى بِمَرْأًى فِيهِ ومَسْمَعٍ مِنهُ ويَأْخُذُ حُبُّ اللَّهِ تَعالى مَجامِعَ قَلْبِهِ فَلا يَسْمَعُ ولا يَرى ولا يَفْعَلُ إلّا ما يُحِبُّهُ ويَكُونُ لَهُ في ذَلِكَ عَوْنًا ومُؤَيِّدًا ووَكِيلًا يَحْمِي جَوارِحَهُ وحَواسَّهُ فَلَهُ وجْهٌ لِأنَّهُ إذا وقَعَتِ المَعْصِيَةُ يُعْلَمُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَحْفُوظًا وبِهِ يُعْلَمُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَحْبُوبًا وبِذَلِكَ يُعْلَمُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُتَقَرِّبًا إلَيْهِ تَعالى شَأْنُهُ ومُتَّقِيًا إيّاهُ حَقَّ تُقاتِهِ وإنْ ظَنَّهُ النّاسُ كَذَلِكَ فَهو لَيْسَ مِن أوْلِيائِهِ سُبْحانَهُ في نَفْسِ الأمْرِ نَعَمْ مَنِ اتَّصَفَ بِصِفاتِ الأوْلِياءِ ظاهِرًا يَجِبُ تَعْظِيمُهُ واحْتِرامُهُ والتَّأدُّبُ مَعَهُ والكَفُّ عَنْ إيذائِهِ بِشَيْءٍ مِن أنْواعِ الإيذاءِ الَّتِي لا مُسَوِّغَ لَها شَرْعًا كالإنْكارِ عَلَيْهِ عِنادًا أوْ حَسَدًا دُونَ المُنازَعَةِ في مُحاكَمَةٍ أوْ خُصُومَةٍ راجِعَةٍ لِاسْتِخْراجِ حَقٍّ أوْ كَشْفِ غامِضٍ ونَحْوِ ذَلِكَ لِما دَلَّ عَلَيْهِ الحَدِيثُ السّابِقُ المُشْتَمِلُ مِن تَهْدِيدِ المُؤْذِي عَلى الغايَةِ القُصْوى والحَكَمِ عَلى مَن ذَكَرَهُ لِوَلايَةٍ إذا لَمْ يَكُنْ هُناكَ نَصٌّ مِن مَعْصُومٍ عَلى ما يَدُلُّ عَلى تَحَقُّقِها في نَفْسِ الأمْرِ إنَّما هو بِالنَّظَرِ إلى الظّاهِرِ لا إلى ما عِنْدَ اللَّهِ تَعالى لِما أنَّ مِنَ الذُّنُوبِ ما لا يُمْكِنُ أنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ إلّا عَلّامُ الغُيُوبِ ومِنها الذُّنُوبُ القَلْبِيَّةُ الَّتِي هي أدْواءٌ قاتِلَةٌ وسُمُومٌ ناقِعَةٌ مَعَ أنَّ الأعْمالَ بِخَواتِيمِها وهي مَجْهُولَةٌ إلّا لِلْمُبْدِئِ المُعِيدِ جَلَّ جَلالُهُ هَذا وهو تَحْقِيقٌ يَلُوحُ عَلَيْهِ مَخايِلُ القَبُولِ ومِنَ النّاسِ مَن قَسَّمَ الوَلايَةَ إلى صُغْرى قَدْ يَقَعُ فِيها الذَّنْبُ عَلى النُّدْرَةِ لَكِنْ يُبادِرُ لِلتَّنَصُّلِ مِنهُ فَوْرًا وعَدَّ العَلّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ مَن وقَعَ مِنهُ الذَّنْبُ كَذَلِكَ فَبادَرَ لِلتَّنَصُّلِ مِنهُ مَحْفُوظًا فالوُقُوعُ عِنْدَهُ عَلى النُّدْرَةِ مَعَ المُبادَرَةِ لِلتَّنَصُّلِ لا يُنافِي الحِفْظَ وإنَّما يُنافِيهِ تَكَرُّرُ الوُقُوعِ وكَثْرَتُهُ وكَذا نُدْرَتُهُ مَعَ عَدَمِ المُبادَرَةِ لِلتَّنَصُّلِ، وكُبْرى لا يَقَعُ فِيها الذَّنْبُ أصْلًا مَعَ إمْكانِ الوُقُوعِ ولَوْ قِيلَ أوْ مَعَ اسْتِحالَتِهِ كَما في وِلايَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وادَّعى أنَّ ذَلِكَ مِن خُصُوصِيّاتِ ولايَتِهِمْ فَيَكُونُ الحِفْظُ أعَمَّ مِنَ العِصْمَةِ لَمْ يَبْعُدْ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ قَوْلَهُمُ: الأنْبِياءُ مَعْصُومُونَ ظاهِرٌ في كَوْنِ العِصْمَةِ مِن تَوابِعِ النُّبُوَّةِ ومُعَلَّلَةٌ بِها وهو مُخالِفٌ لِتِلْكَ الدَّعْوى كَما لا يَخْفى وما ذُكِرَ مِنَ التَّقْسِيمِ حَسَنٌ ويُعْلَمُ مِنهُ أنَّ الكَثِيرَ مِمَّنْ يَدَّعِي الوَلايَةَ في زَمانِنا أوْ تُدَّعى لَهُ لَيْسَ لَهُ مِنها سِوى الدَّعْوى لِإصْرارِهِ والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى عَلى كَبائِرَ تَقَعُ مِنهُ في اليَوْمِ مِرارًا عافانا اللَّهُ تَعالى والمُسْلِمِينَ مِن ذَلِكَ وقَدْ جاءَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في تَفْسِيرِ الأوْلِياءِ ما يَظُنُّ أنَّهُ مُخالِفٌ لِما دَلَّتْ عَلَيْهِ الآيَةُ في ذَلِكَ.

فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ: والتِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وآخَرُونَ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ مَن أوْلِياءُ اللَّهِ قالَ: الَّذِينَ إذا رُؤُا ذُكِرَ اللَّهُ تَعالى أيْ لِحُسْنِ سَمْتِهِمْ وإخْباتِهِمْ» .

وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ وجَماعَةٌ عَنْ أبِي مالِكٍ الأشْعَرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «إنَّ لِلَّهِ تَعالى عِبادًا لَيْسُوا بِأنْبِياءَ ولاشُهَداءَ يَغْبِطُهُمُ النَّبِيُّونَ والشُّهَداءُ عَلى مَجالِسِهِمْ وقُرْبِهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعالى قالَ أعْرابِيٌّ: يا رَسُولَ اللَّهِ انْعتْهم لَنا قالَ: هم أُناسٌ مِن أفْناءِ النّاسِ ونَوازِعِ القَبائِلِ لَمْ تَصِلْ بَيْنَهُمُ أرْحامٌ مُتَقارِبَةٌ تَحابُّوا في اللَّهِ وتَصافُّوا في اللَّهِ يَضَعُ اللَّهُ تَعالى لَهم يَوْمَ القِيامَةِ مَنابِرَ مِن نُورٍ فَيَجْلِسُونَ عَلَيْها يُفْزَعُ النّاسُ وهم لا يُفْزَعُونَ وهُمُ أوْلِياءُ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ» .

ولا مُخالَفَةَ في الحَقِيقَةِ فَإنَّ ما أُشِيرَ إلَيْهِ مِن حُسْنِ السَّمْتِ والإخْباتِ والتَّحابِّ في اللَّهِ تَعالى مِنَ الأحْكامِ اللّازِمَةِ لِلْإيمانِ والتَّقْوى والآثارُ الخاصَّةُ بِهِما الحَقِيقَةُ بِالتَّخْصِيصِ بِالذِّكْرِ لِظُهُورِها وقُرْبِها مِن أفْهامِ النّاسِ وقَدْ أوْرَدَ رَسُولُ اللَّهِ  كُلًّا مِن ذَلِكَ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ مَقامُ الإرْشادِ والتَّذْكِيرِ تَرْغِيبًا لِسائِلٍ أوْ حاضِرٍ فِيما خَصَّهُ بِالذِّكْرِ مِن أحْكامِهِما، وأُرِيدَ بِوَصْفِهِمْ بِأنَّهم يَغْبِطُهُمُ النَّبِيُّونَ عَلى مَجالِسِهِمْ وقُرْبِهِمُ الإشارَةُ إلى راحَتِهِمْ مِمّا يَعْتَرِي الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِن الِاشْتِغالِ بِأُمَمِهِمْ، والمُرادُ أنَّهم يَغْبِطُونَهم عَلى مَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ، وعَنِ الكَواشِي أنَّ ذَلِكَ خارِجٌ مَخْرَجَ المُبالِغَةِ، والمَعْنى أنَّهُ لَوْ فُرِضَ قَوْمٌ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لَكانُوا هَؤُلاءِ.

وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ ذَلِكَ تَصْوِيرٌ لِحُسْنِ حالِهِمْ عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ، وأيًّا ما كانَ فَلا دَلِيلَ فِيهِ عَلى أنَّ الوِلايَةَ أفْضَلُ مِنَ النُّبُوَّةِ وقَدْ كَفَرَ مُعْتَقِدُ ذَلِكَ، وقَدْ يُؤَوَّلُ لَهُ بِحَمْلِ ذَلِكَ عَلى أنَّ وِلايَةَ النَّبِيِّ أفْضَلُ مِن نُبُوَّتِهِ كَما حُمِلَ ما قالَهُ العِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ المُخالِفُ لِلْأصَحِّ مِن أنَّ النُّبُوَّةَ أفْضَلُ مِنَ الرِّسالَةِ عَلى نَحْوِ ذَلِكَ وكَذا لِنَظِيرِ ما ذَكَرْنا لا يُخالِفُ ما دَلَّتِ الآيَةُ عَلَيْهِ تَفْسِيرُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِذَلِكَ.

فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ وهْبٍ قالَ: قالَ الحَوارِيُّونَ: يا عِيسى مَن أوْلِياءُ اللَّهِ تَعالى الَّذِينَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ؟

فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: الَّذِينَ نَظَرُوا إلى باطِنِ الدُّنْيا حِينَ نَظَرَ النّاسُ إلى ظاهِرِها والَّذِينَ نَظَرُوا إلى آجِلِ الدُّنْيا حِينَ نَظَرَ النّاسُ إلى عاجِلِها وأماتُوا مِنها ما يَخْشَوْنَ أنْ يُمِيتَهم وتَرَكُوا ما عَلِمُوا أنْ سَيَتْرُكَهم فَصارَ اسْتِكْثارُهم مِنها اسْتِقْلالًا وذِكْرُهم إيّاها فَواتًا وفَرَحُهم بِما أصابُوا مِنها حُزْنًا وما عارَضَهم مِن نائِلِها رَفَضُوهُ وما عارَضَهم مِن رِفْعَتِها بِغَيْرِ الحَقِّ وضَعُوهُ.

خَلِقَتْ الدُّنْيا عِنْدَهم فَلَيْسُوا يُجَدِّدُونَها وخَرِبَتْ بَيْنَهم فَلَيْسُوا يُعَمِّرُونَها وماتَتْ في صُدُورِهِمْ فَلَيْسُوا يُحْيُونَها، يَهْدِمُونَها فَيَبْنُونَ بِها آخِرَتَهم ويَبِيعُونَها فَيَشْتَرُونَ بِها ما يَبْقى لَهُمْ، رَفَضُوها فَكانُوا بِرَفْضِها هُمُ الفَرِحِينَ، باعُوها فَكانُوا بِبَيْعِها هُمُ الرّابِحِينَ ونَظَرُوا إلى أهْلِها صَرْعى قَدْ خَلَتْ فِيهِمُ المَثُلاتُ فَأحْيَوْا ذِكْرَ المَوْتِ وأماتُوا ذِكْرَ الحَياةِ، يُحِبُّونَ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى، ويَسْتَضِيؤُونَ بِنُورِهِ ويُضِيئُونَ بِهِ، لَهم خَبَرٌ عَجِيبٌ وعِنْدَهُمُ الخَبَرُ العَجِيبُ، بِهِمْ قامَ الكِتابُ وبِهِ قامُوا وبِهِمْ نَطْقُ الكُتّابِ وبِهِ نَطَقُوا وبِهِمْ عِلْمُ الكِتابِ وبِهِ عَلِمُوا لَيْسَ، يَرَوْنَ نائِلًا مَعَ ما نالُوا ولا أمانِيَّ دُونَ ما يَرْجُونَ ولا فَرْقًا دُونَ ما يَحْذَرُونَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ، يعني: المؤمنين، ويقال: أحباء الله، وهم حملة القرآن والعلم.

ويقال: الَّذين يجتنبون الذُّنوب في الخلوات، ويعلمون أنّ الله تعالى مُطَلِّعٌ عليهم.

وروي عن النبيّ  أنّه سُئِل عن أولياء الله تعالى، فقال: «هُمُ الّذين أداموا ذُكِرَ الله تَعَالَى» .

وقال وهب بن منبه: قال الحواريُّون لعيسى ابنِ مريمَ: يا روحَ الله، مَنْ أولياء الله؟

قال: «الَّذين نظروا إلى باطن الدنيا حين نظر النَّاس إلى ظاهرها، ونظروا إلى أجل الدنيا حين نظر الناس إلى عاجلها، فأحبُّوا ذِكْرَ الموت، وأماتوا ذِكْرَ الحياة، ويحبُّون الله تعالى، ويحبُّون ذكره» .

وقال الضَّحَّاك: أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ يعني: المخلصين لله، لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ يعني: لا يخافون من أهوال يوم القيامة وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ حين زفرت جهنَّم.

ثمَّ نعتهم فقال تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ يعني: أقرُّوا وصدَّقوا بوحدانية الله تعالى، ويتّقون الشّرك والفواحش، هُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا يعني: البشارة، وهي الرُّؤيا الصَّالحة يراها العبد المسلم لنفسه، أو يرى له غيره.

وروي عن عبد الله بن عُمَر عن النبيّ  أنه قال: «الرُّؤيا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءاً مِنَ النّبوَّةِ» .

وفي خبر آخر: «مِنْ أرْبَعِينَ جُزْءا مِنَ النّبوَّةِ» (١) ، قال أبو الدَّرداء: ما سألني أحد منذ سألت عنها رسول الله  فقال: «مَا سَأَلَنِي عَنْهَا أحَدٌ قَبْلَكَ، هِيَ الرُّؤيا الصَّالِحَة يَرَاهَا المُسْلِمُ، أَوْ ترى له» (٢) ثمّ قال: فِي الْآخِرَةِ : الجنَّةُ.

وعن عبادة بن الصامت، أنه سأل النبيّ  ، فأجابه بمثل ذلك.

ويقال: هُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا يعني: عند الموت تبشّرهم الملائكة، كما قال في آية أخرى: تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ.

فِي الْآخِرَةِ تبشّرهم الملائكة حين يخرجون من قبورهم.

تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ : يقول: لا تغيير ولا تحويل لقول الله، لأنَّ قوله حقٌّ بأنّ هُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا.

ويقال: تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ، يعني: لا خلف لمواعيده التي وعد في القرآن.

لِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ يعني: الثَّواب الوافر.

ويقال: النجاة الوافرة.

(١) حديث أبي هريرة عند مسلم (2263) (8) وأحمد 2/ 233 وابن ماجة (3894) بلفظ جزء من ستة وأربعين.

ومن حديث أنس عند مالك: 2/ 956 والبخاري (6983) ومسلم (2264) وحديث ابن عمر عند مسلم (2265) وأحمد 2/ 18، 50 وابن ماجة (3897 وابن رزين عند الترمذي (2279) وابن ماجة (2279) وابن ماجة (3914) وأحمد: 4/ 10.

(٢) عزاه السيوطي 4/ 374 إلى سعيد بن منصور وأحمد والترمذي وحسّنه وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

جميعَ فَضْل اللَّه سبحانَهُ، وجميعَ تَقْصير الخَلْقِ.

وقوله سبحانه: وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ ...

الآية: مَقْصِدُ هذه الآية وصْفُ إِحاطة اللَّه عزَّ وجلَّ بكلِّ شيء، لا ربَّ غيره، ومعنى اللفْظِ: وما تكُونُ يا محمَّد، والمرادُ هو وَغَيْرُهُ في شأن من جميع الشؤون، وَما تَتْلُوا مِنْهُ: الضمير عائدٌ على شَأْن أي: فيه وبسببه «مِن قُرْآنٍ» ، ويحتمل أنْ يعود الضميرُ على جميع القرآن.

وقال ص: ضمير «منه» عائد على «شأن» ومِنْ قُرْآنٍ: تفسيرٌ للضمير.

انتهى.

وهو حَسَن، ثم عمَّ سبحانه بقوله: وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ، وفي قوله سبحانه:

إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً تحذيرٌ وتنبيهٌ.

ت وهذه الآية عظيمةُ المَوْقِعِ لأَهْل المراقبة تثيرُ من قلوبهم أسراراً، ويغترفون من بحر فيضها أنوارا، وتُفِيضُونَ معناه: تأخذون وتَنْهَضُون بِجِدٍّ، وَما يَعْزُبُ:

معناه: وما يَغِيبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ والكتابُ المُبينُ هو اللوحُ المحفوظُ، ويحتملُ ما كتبته الحفظة.

أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤)

وقوله سبحانه: أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ ...

الآيةُ: «ألا» استفتاح وتنبيه، وأَوْلِياءَ اللَّهِ: هم المؤمنون الذينَ وَالوهُ بالطاعةِ والعبادةِ، وهذه الآية يُعْطِي ظاهرُها أَنَّ مَنْ آمَنَ واتقَى اللَّه، فَهُوَ داخلٌ في أولياء اللَّه، وهذا هو الذي تقتضيه الشريعةُ في الوَلِيِّ، وروي عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أَنَّهُ سُئِلَ، مَنْ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ؟

فَقَالَ: «الَّذِينَ إذا رأيتهم ذكرت الله» «١» .

قال: ع «٢» : وهذا وصفٌ لازِمٌ للمتَّقِين لأنهم يَخْشَعُونَ ويُخْشِّعُونَ، وروي عنه صلّى الله عليه وسلّم أيضاً أَنَّهُ قَالَ: «أَوْلِيَاءُ اللَّه قَوْمٌ تَحَابُّوا فِي اللَّهِ، وَاجْتَمَعُوا في ذَاتِهِ، لَمْ تَجْمَعْهُمْ قَرَابَةٌ وَلاَ مَالٌ يَتَعَاطَوْنَهُ» .

وروى الدارقطنيُّ في «سننه» عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال: «خيار عباد

اللَّهِ الَّذِينَ إِذَا رؤُوا، ذُكِرَ اللَّهُ، وَشَرُّ عباد الله المشّاءون بِالنَّمِيمَةِ المُفَرِّقُونَ بَيْنَ الأَحِبَّةِ، البَاغُونَ للْبُرَآءِ العَيْبَ» «١» .

انتهى من «الكوكب الدُّرِّيِّ» .

وقوله: لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ يعني: في الآخرةِ، ويحتملُ في الدنيا لا يخافُونَ أَحداً من أَهل الدنيا، ولا من أعراضها، ولا يحزنون على ما فاتهم منها، والأولُ أظهر، والعمومُ في ذلك صحيحٌ: لاَ يَخَافُونَ في الآخرة جملةً، ولا في الدنيا الخَوْفَ الدُّنْيَوِيَّ.

وذكر الطبريُّ عن جماعة/ من العلماء مثْلَ ما في الحديثِ في الأولياء أنهم هُمُ الَّذِينَ إِذَا رَآهُمُ أَحَدٌ، ذَكَرَ اللَّهَ، وروي فيهم حديث «أَنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ هُمْ قَوْمٌ يَتَحَابُّونَ فِي اللَّهِ وَيُجْعَلُ لَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ مَنَابِرُ مِنْ نُورٍ، وَتُنِيرُ وُجُوهُهُمْ، فَهُمْ في عَرَصَاتِ القِيَامَةِ لاَ يَخَافُونَ وَلاَ يَحْزَنُون» «٢» وروى عمر بن الخطاب أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ عِبَاداً مَا هُمْ بِأَنْبِيَاءَ وَلاَ شُهَدَاءَ يَغبُطُهُمُ الأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ لَمَكَانَتِهِمْ مِنَ اللَّهِ، قَالُوا: وَمَنْ هُمُ، يَا رَسُولَ اللَّهِ؟

قَالَ: قَوْمٌ تَحَابُّوا بِرُوحِ اللَّهَ عَلَى غَيْرِ أَرْحَامٍ، وَلا أَمْوَالٍ ...

»

الحديثَ، ثم قرأَ: أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ «٣» .

ت وقد خرَّج هذا الحديثَ أبو داود والنسائيُّ، قال أبو داود في هذا الحديث:

فو الله، إِنَّ وجوههم لَنُورٌ، وإِنهم لَعَلَى نُورٍ، ذكره بإِسنادٍ آخر.

انتهى.

ورواه أيضاً ابن المبارك في «رقائقه» بسنده، عن أبي مالك الأشعريِّ أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أقبل على النّاس، فقال: «يا أيّها النَّاسُ اسمعوا واعقلوا، واعلموا أَنَّ لِلَّهِ عِبَاداً لَيْسُوا بَأَنْبِيَاءَ وَلاَ شُهَدَاءَ، يَغْبُطُهُمُ النَّبِيُّونَ وَالشُّهَدَاءُ عَلَى مَجَالِسِهِمْ وَقُرْبِهِمْ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» ، فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ: انْعَتْهُمْ لَنَا، يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَقَالَ: هُمْ نَاسٌ مِنْ أَبْنَاءِ النَّاسِ، لَمْ تَصِلْ بَيْنَهُمْ أَرْحَامٌ مُتَقَارِبَةٌ، تَحَابُّوا فِي اللَّهِ، وتَصَافَوْا فيهِ، يَضَعُ اللَّهُ لَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ فَيُجْلِسُهُمْ عَلَيْهَا فَيَجْعَلُ وُجُوهَهُمْ نُوراً وَثِيَابَهُمْ نُوراً، يَفْزَعُ النَّاسُ يَوْمَ القِيَامَةِ، وهم لا يفزعون، وهم

أولياء الله لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون» .

انتهى «١» .

وقوله تعالى: هُمُ الْبُشْرى ...

الآية: أَمَّا بشرَى الآخرة، فهي بالجنَّةِ بلا خلاف قولاً واحداً، وذلك هو الفَضْل الكبير، وأَمَّا بُشْرَى الدنيا، فَتَظاهَرَت الأَحاديث من طرق، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أَنَّهَا «الرُّؤْيا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الْمُؤْمِنُ أَوْ تُرَى لَهُ» «٢» ، وقال قتادة والضَّحَّاك: البُشْرَى في الدنيا: هِيَ ما يُبَشَّرُ به المؤمنُ عِنْد موته، وهو حَيٌّ عند المعاينة، ويصح أنْ تكون بُشْرَى الدنيا ما في القرآن من الآيات المبشّرات ويقوّى ذلك بقوله: تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ

، ويؤوّل قوله صلّى الله عليه وسلّم: «هِيَ الرُّؤْيَا» أنه أعطَى مثالاً يعمُّ جميع الناس.

وقوله سبحانه: تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ

: يريد: لا خُلْفَ لمواعيده، ولا رَدَّ في أمره، وقد أخذ ذلك ابنُ عُمَرَ علَى نحو غَيْرِ هذا، وجَعَلَ التبديلَ المنفيَّ في الألفاظ، وذلك أنَّه روي أَنَّ الحجاج خَطَبَ، فَقَالَ: أَلاَ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْر قَدْ بَدَّلَ كِتَابَ اللَّهِ، فقال له

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ ﴾ رَوى ابْنُ عَبّاسٍ «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَن أوْلِياءُ اللَّهِ ؟

قالَ " الَّذِينَ إذا رُؤُوا ذُكِرَ اللَّهُ "» .

ورَوى عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ " «إنَّ مِن عِبادِ اللَّهِ لَأُناسًا ما هم بِأنْبِياءَ ولا شُهَداءَ يَغْبِطُهُمُ الأنْبِياءُ والشُّهَداءُ يَوْمَ القِيامَةِ لِمَكانِهِمْ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ " قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَن هم، وما أعْمالُهم لَعَلَّنا نُحِبُّهم ؟

قالَ " هم قَوْمٌ تُحابُّوا بِرُوحِ اللَّهِ عَلى غَيْرِ أرْحامٍ بَيْنَهم وَلا أمْوالٍ يَتَعاطَوْنَها، فَواللَّهِ إنَّ وُجُوهَهم لَنُورٌ، وإنَّهم لَعَلى مَنابِرَ مِن نُورٍ، لا يَخافُونَ إذا خافَ النّاسُ "، ثُمَّ قَرَأ " ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ "» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها الرُّؤْيا الصّالِحَةُ يَراها الرَّجُلُ الصّالِحُ، أوْ تُرى لَهُ، رَواهُ عُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ، وأبُو الدَّرْداءِ، وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وأبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ  .

والثّانِي: أنَّها بِشارَةُ المَلائِكَةِ لَهم عِنْدَ المَوْتِ، قالَهُ الضَّحّاكُ، وقَتادَةُ، والزُّهْرِيُّ.

والثّالِثُ: أنَّها ما بَشَّرَ اللَّهُ بِهِ في كِتابِهِ مِن جَنَّتِهِ وثَوابِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا  ﴾ ، ﴿ وَأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ  ﴾ ، ﴿ يُبَشِّرُهم رَبُّهُمْ  ﴾ ، وهَذا قَوْل الحَسَنِ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ، واسْتَدَلّا بِقَوْلِهِ: ﴿ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ﴾ .

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا خُلْفَ لِمَواعِيدِهِ، وذَلِكَ أنَّ مَواعِيدَهُ بِكَلِماتِهِ، فَإذا لَمْ تُبَدَّلِ الكَلِماتِ، لَمْ تُبَدَّلِ المَواعِيدُ.

فَأمّا بُشْراهم في الآخِرَةِ، فَفِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها الجَنَّةُ، رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ  ، واخْتارَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّانِي: أنَّهُ عِنْدَ خُرُوجِ الرُّوحِ تُبَشَّرُ بِرِضْوانِ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّها عِنْدَ الخُرُوجِ مِن قُبُورِهِمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما تَكُونُ في شَأْنٍ وما تَتْلُو مِنهُ مِن قُرْآنٍ ولا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ إلا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وما يَعْزُبُ عن رَبِّكَ مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَماءِ ولا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ إلا في كِتابٍ مُبِينٍ ﴾ ﴿ ألا إنَّ أولِياءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ ﴾ قَصْدُ الآيَةِ وصْفُ إحاطَةِ اللهِ بِكُلِّ شَيْءٍ، ومَعْنى اللَفْظِ: وما تَكُونُ يا مُحَمَّدُ -والمُرادُ هو وغَيْرُهُ- في شَأْنٍ مِن جَمِيعِ الشُؤُونِ، ﴿ وَما تَتْلُو مِنهُ ﴾ الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى "شَأْنٍ" أيْ فِيهِ وبِسَبَبِهِ مِن قُرْآنٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ عَلى جَمِيعِ القُرْآنِ، ثُمَّ عَمَّ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَلا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ ﴾ ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ إلا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا ﴾ تَحْذِيرٌ وتَنْبِيهٌ، و ﴿ تُفِيضُونَ ﴾ : تَأْخُذُونَ وتَنْهَضُونَ بِجِدٍّ، يُقالُ: أفاضَ الرَجُلُ في سَيْرِهِ وفي حَدِيثِهِ، ومِنهُ الإفاضَةُ في الحَجِّ، ومُفِيضُ القِداحِ، ويُحْتَمَلُ أنَّ "فاضَ" عُدِّيَ بِالهَمْزَةِ.

و"يَعْزُبُ" مَعْناهُ: يَغِيبُ حَتّى يَخْفى، حَتّى قالُوا لِلْبَعِيدِ: عازِبٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: عَوازِبُ لَمْ تَسْمَعْ نُبُوحَ مُقامَةٍ ∗∗∗ ولَمْ تَرَ نارًا تِمَّ حَوْلٍ مُجَرَّمِ وقِيلَ لِلْغائِبِ عن أهْلِهِ: عازِبٌ، حَتّى قالُوهُ لِمَن لا زَوْجَةَ لَهُ، وفي السِيَرِ أنَّ بَيْتَ سَعْدِ بْنِ خَيْثَمَةَ كانَ يُقالُ لَهُ: بَيْتُ العُزّابِ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ، والناسُ: "يَعْزُبُ" بِضَمِّ الزايِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ مِنهُمْ: "يَعْزِبُ" بِكَسْرِها، وهي قِراءَةُ ابْنِ وثّابٍ، والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، قالَ أبُو حاتِمٍ: القِراءَةُ بِالضَمِّ والكَسْرِ لُغَةٌ.

والمِثْقالُ: الوَزْنُ، وهو اسْمٌ لا صِفَةٌ كَمِعْطارٍ ومِضْرابٍ، والذَرُّ: صِغارُ النَمْلِ، جَعَلَها اللهُ مِثالًا إذْ لا يُعْرَفُ في الحَيَوانِ المُتَغَذِّي المُتَناسِلِ المَشْهُورِ النَوْعِ والمَوْضِعِ أصْغَرُ مِنهُ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ، وأكْثَرُ السَبْعَةِ: "وَلا أصْغَرَ" "وَلا أكْبَرَ" بِفَتْحِ الراءِ عَطْفًا عَلى "ذَرَّةٍ" في مَوْضِعِ خَفْضٍ لَكِنْ مَنَعَ مِن ظُهُورِهِ امْتِناعُ الصَرْفِ، وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "وَلا أصْغَرُ" "وَلا أكْبَرُ" عَطْفًا عَلى مَوْضِعِ قَوْلِهِ: "مِثْقالِ"، لِأنَّ التَقْدِيرَ: وما يَعْزُبُ عن رَبِّكِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ، والكِتابُ المُبِينُ: اللَوْحُ المَحْفُوظُ، كَذا قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ تَحْصِيلَ الكَتَبَةِ، ويَكُونُ القَصْدُ ذِكْرَ الأعْمالِ المَذْكُورَةِ قَبْلُ، وتَقْدِيمُ الأصْغَرِ في التَرْتِيبِ جَرى عَلى قَوْلِهِمُ:القَمَرَيْنِ والعُمَرَيْنِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً  ﴾ ، والقَصْدُ بِذَلِكَ كُلِّهِ تَنْبِيهُ الأقَلِّ، وأنَّ الحُكْمَ المَقْصُودَ إذا وقَعَ عَلى الأقَلِّ فَأحْرى أنْ يَقَعَ عَلى الأعْظَمِ.

و"ألا" اسْتِفْتاحٌ وتَنْبِيهٌ، وأولِياءُ اللهِ هُمُ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ والَوْهُ بِالطاعَةِ والعِبادَةِ، وهَذِهِ الآيَةُ يُعْطِي ظاهِرُها أنَّ مَن آمَنَ واتَّقى فَهو داخِلٌ في أولِياءِ اللهِ، وهَذا هو الَّذِي تَقْتَضِيهِ الشَرِيعَةُ في الوَلِيِّ، وإنَّما نَبَّهْنا هَذا التَنْبِيهَ حَذَرًا مِن بَعْضِ الوَصْفِيَّةِ وبَعْضِ المُلْحِدِينَ في الوَلِيِّ، ورُوِيَ «عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ سُئِلَ: عن أولِياءِ اللهِ؟

فَقالَ: "الَّذِينَ إذا رَأيْتَهم ذَكَرْتَ اللهَ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا وصْفٌ لازِمٌ لِلْمُتَّقِينَ لِأنَّهم يَخْشَعُونَ ويُخْشِعُونَ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ  أيْضًا أنَّهُ قالَ:« "أولِياءُ اللهِ قَوْمٌ تَحابُّوا في اللهِ واجْتَمَعُوا في ذاتِهِ، لَمْ تَجْمَعْهم قَرابَةٌ ولا مالٌ يَتَعاطَوْنَهُ".» وقَوْلُهُ: ﴿ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في الآخِرَةِ، أيْ: لا يَهْتَمُّونَ بِهَمِّها، ولا يَخافُونَ عَذابًا ولا عِقابًا ولا يَحْزَنُونَ لِذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونُ ذَلِكَ في الدُنْيا، أيْ: لا يَخافُونَ أحَدًا مِن أهْلِ الدُنْيا ولا مِن أعْراضِها، ولا يَحْزَنُونَ عَلى ما فاتَهم مِنها، والأوَّلُ أظْهَرُ، والعُمُومُ في ذَلِكَ صَحِيحٌ، لا يَخافُونَ في الآخِرَةِ جُمْلَةً، ولا في الدُنْيا الخَوْفَ الدُنْيَوِيَّ الَّذِي هو في فَوْتِ آمالِها، وزَوالِ مَنازِلِها، وكَذَلِكَ في الحُزْنِ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن جَماعَةٍ مِنَ العُلَماءِ مِثْلَ ما في الحَدِيثِ مِنَ الأولِياءِ الَّذِينَ إذا رَآهم أحَدٌ ذَكَرَ اللهَ، ورُوِيَ فِيهِمْ حَدِيثٌ: « "إنَّ أولِياءَ اللهِ هم قَوْمٌ يَتَحابُّونَ في اللهِ، وتُجْعَلُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ مَنابِرُ مِن نُورٍ، وتُنِيرُ وُجُوهُهُمْ، فَهم في عَرْصَةِ القِيامَةِ لا يَخافُونَ ولا يَحْزَنُونَ"».

ورُوِيَ «عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ: "إنَّ مِن عِبادِ اللهِ عِبادًا ما هم بِأنْبِياءَ ولا شُهَداءَ، يَغْبِطُهُمُ الأنْبِياءُ والشُهَداءُ بِمَكانِهِمْ مِنَ اللهِ، قالُوا: ومَن هم يا رَسُولَ اللهِ؟

قالَ: "قَوْمٌ تَحابُّوا بِرُوحِ اللهِ عَلى غَيْرِ أرْحامٍ ولا أمْوالٍ" الحَدِيثُ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿ ألا إنَّ أولِياءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ ».

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى البَدَلِ مِنَ "الأولِياءِ".

ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ عَلى تَقْدِيرِ: "هُمُ الَّذِينَ"، وكَثِيرًا ما يُفْعَلُ ذَلِكَ بِنَعْتِ ما عَمِلَتْ فِيهِ "إنَّ" إذا جاءَ بَعْدَ خَبَرِها، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ "الَّذِينَ" ابْتِداءً وخَبَرُهُ في قَوْلِهِ: ( هُمُ البُشْرى )، وقَوْلُهُ: ﴿ وَكانُوا يَتَّقُونَ ﴾ لَفْظٌ عامٌّ في تَقْوى الشِرْكِ والمَعاصِي.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف للتصريح بوعد المؤمنين المعرَّض به في قوله: ﴿ إلاَّ كنا عليكم شهوداً إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك ﴾ [يونس: 61] الآية، وبتسلية النبي صلى الله عليه وسلم على ما يلاقيه من الكفار من أذى وتهديد، إذ أعلن الله للنبيء والمؤمنين بالأمن من مخافة أعدائهم، ومن الحزن من جراء ذلك، ولمح لهم بعاقبة النصر، ووعدهم البشرى في الآخرة وعداً لا يقبل التغيير ولا التخلف تطميناً لنفوسهم، كما أشعر به قوله عقبه ﴿ لا تَبديل لكلمات الله ﴾ .

وافتتاح الكلام بأداة التنبيه إيماء إلى أهمية شأنه، كما تقدم في قوله: ﴿ ألا إنهم هم المفسدون ﴾ في سورة [البقرة: 12]، ولذلك أكدت الجملة بإنَّ } بعد أداة التنبيه.

وفي التعبير ب ﴿ أولياء الله ﴾ دون أن يؤتى بضمير الخطاب كما هو مقتضى وقوعه عقب قوله: ﴿ وما تعملون من عمل ﴾ [يونس: 61] يؤذن بأن المخاطبين قد حق لهم أنهم من أولياء الله مع إفادة حكم عام شملهم ويشمل من يأتي على طريقتهم.

وجملة: ﴿ لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾ خبر ﴿ إن ﴾ .

والخوف: توقع حصول المكروه للمتوقِّع، فيتعدى بنفسه إلى الشيء المتوقَّع حصوله.

فيقال: خاف الشيْء، قال تعالى: ﴿ فلا تخافوهم وخَافون ﴾ [آل عمران: 175].

وإذا كان توقع حصول المكروه لغير المتوقع يقال للمتوقَّع: خاف عليه، كقوله تعالى: ﴿ إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم ﴾ [الشعراء: 135].

وقد اقتضى نظم الكلام نفي جنس الخوف لأن (لا) إذا دخلت على النكرة دلت على نفي الجنس، وأنها إذا بني الاسم بعدها على الفتح كان نفي الجنس نصاً وإذا لم يُبنَ الاسم على الفتح كان نفي الجنس ظاهراً مع احتمال أن يراد نفي واحد من ذلك الجنس إذا كان المقام صالحاً لهذا الاحتمال، وذلك في الأجناس التي لها أفراد من الذوات مثل رجل، فأما أجناس المعاني فلا يتطرق إليها ذلك الاحتمال فيستوي فيها رفع اسم (لا) وبناؤه على الفتح، كما في قول إحدى نساء حديثثِ أم زرع «زوجي كلَيْللِ تهامة لا حَرّ ولا قرّ ولا مخافة ولا سآمة» فقد رويت هذه الأسماء بالرفع وبالبناء على الفتح.

فمعنى ﴿ لا خوف عليهم ﴾ أنهم بحيث لا يخاف عليهم خائف، أي هم بمأمننٍ من أن يُصيبهم مكروه يُخاف من إصابة مِثلِه، فهم وإن كانوا قد يهجس في نفوسهم الخوف من الأعداء هجساً من جبلة تأثر النفوس عند مشاهدة بوادر المخافة، فغيرهم ممن يَعلم حالهم لا يَخَاف عليهم لأنه ينظر إلى الأحوال بنظر اليقين سَليماً من التأثر بالمظاهر، فحالهم حال من لا ينبغي أن يخاف، ولذلك لا يَخاف عليهم أولياؤهم لأنهم يأمنون عليهم من عاقبة ما يتوجَّسون منه خيفة، فالخوف الذي هو مصدر في الآية يقدر مضافاً إلى فاعله وهو غيرهم لا محالة، أي لا خوف يخافه خائف عليهم، وهم أنفسهم إذا اعتراهم الخوف لا يلبث أن ينقشع عنهم وتحل السكينة محله، كما قال تعالى: ﴿ وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين ﴾ [التوبة: 25، 26]، وقال لموسى: ﴿ لا تَخاف دَرَكا ولا تخشى ﴾ [طه: 77]، وقال: ﴿ إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون ﴾ .

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر يدعو الله بالنصر ويكثر من الدعاء ويقول: «اللهم إن تهلك هذه العصابة لم تعبد في الأرض» ثم خرج وهو يقول: ﴿ سيهزم الجمع ويولون الدبر ﴾ [القمر: 45].

ولهذا المعنى الذي أشارت إليه الآية تغير الأسلوب في قوله: ﴿ ولا هم يحزنون ﴾ فأسند فيه الحزن المنفي إلى ضمير ﴿ أولياء الله ﴾ مع الابتداء به، وإيراد الفعل بَعده مسنداً مفيداً تقوي الحكم، لأن الحزن هو انكسار النفس من أثر حصول المكروه عندها فهو لا توجد حقيقته إلا بعد حصوله، والخوف يكون قبل حصوله، ثم هم وإن كانوا يحزنون لما يصيبهم من أمور في الدنيا كقول النبي صلى الله عليه وسلم «وإنّا لفراقك يا إبراهيم لمحزنون» فذلك حزن وجداني لا يستقر بل يزول بالصبر، ولكنهم لا يلحقهم الحزن الدائم وهو حزن المذلة وغلبة العدو عليهم وزوال دينهم وسلطانهم، ولذلك جيء في جانب نفي الحزن عنهم بإدخال حرف النفي على تركيب مفيد لتقوي الحكم بقوله: ﴿ ولا هم يحزنون ﴾ لأن جملة: ﴿ هم يحزنون ﴾ يفيد تقديم المسند إليه فيها تقوي الحكم الحاصل بالخبر الفعلي، فالمعنى لا يحصل لهم خوف متمكن ثابت يبقى فيهم ولا يجدون تخلصاً منه.

فالكلام يفيد أن الله ضمن لأوليائه أن لا يحصل لهم ما يخافونه وأن لا يحل بهم ما يحزنهم.

ولما كان ما يُخاف منه من شأنه أن يُحزن من يصيبه كان نفي الحزن عنهم مؤكِّداً لمعنى نفي خوف خائف عليهم.

وجمهور المفسرين حملوا الخوف والحزن المنفيين على ما يحصل لأهل الشقاوة في الآخرة بناء على أن الخوف والحزن يحصلان في الدنيا، كقوله: ﴿ فأوجس في نفسه خيفة موسى ﴾ [طه: 67].

وقد علمت ما يُغني عن هذا التأويل، وهو يبعد عن مفاد قوله: ﴿ لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة ﴾ .

والولي: الموالي، أي المحالف والناصر.

وكلها ترجع إلى معنى الوَلْي (بسكون اللام)، وهو القرب وهو في معنى الولي كلها قرب مجازي.

وتقدم في قوله تعالى: ﴿ قل أغير الله اتخذ ولياً ﴾ في سورة [الأنعام: 14].

وهو قرب من الجانبين، ولذلك فسروه هنا بأنه الذي يتولى الله بالطاعة ويتولاه الله بالكرامة.

وقد بين أولياء الله في هذه الآية بأنهم الذين آمنوا واتقوا، فاسم الموصول وصلته خبر وما بينهما اعتراض، أو يجعل جملة: لا خوف عليهم } خبر ﴿ إنّ ﴾ ويجعل اسم الموصول خبرَ مبتدأ محذوف حذفاً جارياً على الاستعمال، كما سماه السكاكي في حذف المسند إليه.

5 وأياً ما كان فهذا الخبر يفيد أن يعرف السامع كنه معنى أولياء الله اعتناء بهم على نحو ما قيل في قول أوس بن حجر: الألْمعِي الذي يظن بك الظَّنَّ *** كأنْ قد رأى وقد سَمعا ودل قوله: ﴿ وكانوا يتقون ﴾ على أن التقوى ملازمة لهم أخذاً من صيغة ﴿ كانوا ﴾ وأنها متجددة منهم أخذاً من صيغة المضارع في قوله: ﴿ يتقون ﴾ .

وقد كنت أقول في المذاكرات منذ سنين خَلَتْ في أيام الطلب أن هذه الآية هي أقوى ما يُعتمد عليه في تفسير حقيقة الولي شرعاً وأن على حقيقتها يحمل معنى قوله في الحديث القدسي الذي رواه الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " قال الله تعالى: من عادَى لي ولياً فقد آذنته بحرب ".

وإشارة الآية إلى تولي الله إياهم بالكرامة بقوله: ﴿ لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة ﴾ .

وتعريف ﴿ البشرى ﴾ تعريف الجنس فهو صادق ببشارات كثيرة.

و ﴿ في الحياة الدنيا وفي الآخرة ﴾ حال من ﴿ البشرى ﴾ .

والمعنى: أنهم يبشرون بخيرات قبل حصولها: في الدنيا بما يتكرر من البشارات الواردة في كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم وفي الآخرة بما يتلقونه من الملائكة وما يسمعونه من أمر الله بهم إلى النعيم المقيم، كقوله: ﴿ وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات ﴾ [البقرة: 25].

وروى الترمذي عن أبي الدرداء أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: ﴿ لهم البشرى في الحياة الدنيا ﴾ فقال: " ما سألني عنها أحد غيرك منذ أنزلت فهي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أوْ ترى له " قال الترمذي: وليس فيه عطاء بن يسار أي ليس في الحديث أن أبا صالح يرويه عن عطاء بن يسار كما هو المعروف في رواية أبي صالح إلى أبي الدرداء، وعليه فالحديث منقطع غير متصل السند.

وقد رواه الترمذي بسندين آخرين فيهما عطاء بن يسار عن رجل من أهل مِصر عن أبي الدرداء وذلك سند فيه مجهول، فحالة إسناد هذا الخبر مضطربة لظهور أن عطاء لم يسمعه من أبي الدرداء.

ومحمل هذا الخبر أن الرؤيا الصالحة من جملة البشرى في الحياة الدنيا لأنها تؤذن صاحبها بخير مستقبل يحصل في الدنيا أحرى الآخرة، أو كأن السائل سأل عن بشرى الحياة فأما بشرى الآخرة فكانت معروفة بقوله: ﴿ يبشرهم ربهم برحمة منه ﴾ [التوبة: 21] الآية ونحوها من الآيات.

وفي «الموطأ» عن هشام بن عروة عن أبيه كان يقول في هذه الآية ﴿ لهم البُشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة ﴾ قال: هي الرؤيا الصالحة يَراها الرجل أوْ تُرى له.

ومن البشرى الوعد بأن لهم عاقبة النصر على الأعداء، وتمكينُهم من السلطان في الدنيا، وأن لهم النعيم الخالد في الآخرة.

ومقابلة الحَزَن بالبشرى من محسنات الطباق.

وجملة: ﴿ لا تبديل لكلمات الله ﴾ مبينة لمعنى تأكيد الوعد الذي تضمنه قوله: ﴿ لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة ﴾ ، تذكيراً لهم بأن ما وعدهم الله به من البشائر مثل النصر وحسن العاقبة أمر ثابت لا يتخلف لأنه من كلمات الله، وقد نفي التبديل بصيغة التبرئة الدالة على انتفاء جنس التبديل.

والتبديل: التغيير والإبطال، لأن إبطال الشيء يستلزم إيجاد نقيضه.

و ﴿ كلمات الله ﴾ الأقوال التي أوحى بها إلى الرسول في الوعد المشار إليه، ويؤخذ من عموم ﴿ كلمات الله ﴾ وعموم نفي التبديل أن كل ما هو تبديل منفي من أصله.

رُوي أن الحجاج خطب فذكر عبد الله بن الزبير فقال: إنه قد بَدَّل كتاب الله.

وكان ابن عمر حاضراً فقال له ابن عمر: لا تطيق ذلك أنت ولا ابنُ الزبير: ﴿ لا تبديل لكلمات الله ﴾ .

وجملة ﴿ ذلك هو الفَوْز العظيم ﴾ مؤكدة لجملة ﴿ لهم البشرى ﴾ ومقررة لمضمونها فلذلك فُصلت.

والإشارة بذلك إلى المذكور من مضمون الجمل الثلاث المتقدمة، واختيار اسم الإشارة لأنه أجمع لما ذُكر، وفيه كمال تمييز له لزيادة تقرير معناه.

وذكرُ ضمير الفصل بعد اسم الإشارة لزيادة التأكيد ولإفادة القصر، أي هو الفوز العظيم لا غيرُه مما يتقلب فيه المشركون في الحياة الدنيا من رزق ومنَعَة وقوة، لأن ذلك لا يعد فوزاً إذا عاقبته المذلة والإهانة في الدنيا وبعدَه العذاب الخالد في الآخرة، كما أشار إليه قوله تعالى: ﴿ لا يغرَّنَّك تقلُّب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد ﴾ [آل عمران: 196، 197].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ في ﴿ أوْلِياءَ اللَّهِ ﴾ ها هُنا خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم أهْلُ وِلايَتِهِ والمُسْتَحِقُّونَ لِكَرامَتِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

الثّانِي: هُمُ ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ ﴾ الثّالِثُ: هُمُ الرّاضُونَ بِالقَضاءِ، والصّابِرُونَ عَلى البَلاءِ، والشّاكِرُونَ عَلى النَّعْماءِ.

الرّابِعُ: هم مَن تَوالَتْ أفْعالُهم عَلى مُوافَقَةِ الحَقِّ.

الخامِسُ: هُمُ المُتَحابُّونَ في اللَّهِ تَعالى.

رَوى جَرِيرٌ عَنْ عِمارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ عَنْ أبِي زُرْعَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : « (إنَّ مِن عِبادِ اللَّهِ أُناسًا ما هم بِأنْبِياءٍ ولاَ شُهَداءَ يَغْبِطُهُمُ الأنْبِياءُ والشُّهَداءُ يَوْمَ القِيامَةِ بِمَكانِهِمْ مِنَ اللَّهِ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ خَبِّرْنا مَن هم وما أعْمالُهم فَإنّا نُحِبُّهم لِذَلِكَ قالَ: (هم قَوْمٌ تَحابُّوا بِرُوحِ اللَّهِ عَلى غَيْرِ أرْحامٍ بَيْنَهم ولا أمْوالٍ يَتَعاطَوْنَها).» فَواللَّهِ إنَّ وُجُوهَهم لَنُورٌ وإنَّهم لَعَلى مَنابِرَ مِن نُّورٍ لا يَخافُونَ إذا خافَ النّاسُ ولا يَحْزَنُونَ إذا حَزِنَ النّاسُ وقَرَأ: ﴿ ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لا يَخافُونَ عَلى ذُرِّيَّتِهِمْ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَتَوَلّاهم ولا هم يَحْزَنُونَ عَلى دُنْياهم لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يُعَوِّضُهم عَنْها، وهو مُحْتَمَلٌ.

الثّانِي: لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ في الآخِرَةِ ولا هم يَحْزَنُونَ عِنْدَ المَوْتِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا هي البِشارَةُ عِنْدَ المَوْتِ بِأنْ يَعْلَمَ أيْنَ هو مِن قَبْلِ أنْ يَمُوتَ، وفي الآخِرَةِ الجَنَّةُ، قالَهُ قَتادَةُ والضَّحّاكُ، ورَوى عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « (إنَّ لِخَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ بَيْتًا مِن قَصَبٍ لا صَخَبَ فِيهِ ولا نَصَبَ)» .

الثّانِي: أنَّ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا الرُّؤْيا الصّالِحَةُ يَراها الرَّجُلُ الصّالِحُ أوْ تُرى لَهُ، وفي الآخِرَةِ الجَنَّةُ)، رَوى ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  أبُو الدَّرْداءِ وأبُو هُرَيْرَةَ وعُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ.

وَيَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا ثالِثًا: أنَّ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا الثَّناءُ الصّالِحُ، وفي الآخِرَةِ إعْطاؤُهُ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ.

﴿ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لا خَلْفَ لِوَعْدِهِ.

الثّانِي: لا نَسْخَ لِخَيْرِهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أحمد في الزهد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن وهب قال: قال الحواريون: يا عيسى من أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون؟

قال عيسى عليه السلام: الذين نظروا إلى باطن الدنيا حين نظر الناس إلى ظاهرها، والذين نظروا إلى آجل الدنيا حين نظر الناس إلى عاجلها، وأماتوا منها ما يخشون أن يميتهم وتركوا ما علموا أن سيتركهم، فصار استكثارهم منها استقلالاً وذكرهم إياها فواتاً، وفرحهم بما أصابوا منها حزناً، وما عارضهم من نائلها رفضوه، وما عارضهم من رفعتها بغير الحق وضعوه، خلقت الدنيا عندهم فليس يجددونها، وخربت بينهم فليس يعمرونها، وماتت في صدورهم فليس يحبونها، يهدمونها فيبنون بها آخرتهم، ويبيعونها فيشترون بها ما يبقى لهم، ويرفضونها فكانوا برفضها هم الفرحين، وباعوها فكانوا ببيعها هم المربحين، ونظروا إلى أهلها صرعى قد خلت فيهم المثلات فاحبوا ذكر الموت وتركوا ذكر الحياة، يحبون الله تعالى ويستضيئون بنوره ويضيئون به، لهم خبر عجيب وعندهم الخبر العجيب، بهم قام الكتاب وبه قاموا، وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا، وبهم علم الكتاب وبه علموا، ليسوا يرون نائلاً مع ما نالوا، ولا أماني دون ما يرجون، ولا خوفاً دون ما يحذرون.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾ قال: هم الذين إذا رُؤُوا ذُكِرَ الله.

وأخرج الطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً وموقوفاً ﴿ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾ قال: «هم الذين إذا رُؤُوا يذكر الله لرؤيتهم» .

وأخرج ابن المبارك وابن أبي شيبة وابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه عن سعيد بن جبير رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾ قال «يذكر الله لرؤيتهم» .

وأخرج ابن المبارك والحكيم والترمذي في نوادر الأصول والبزار وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قيل يا رسول الله من أولياء الله؟

قال «الذين إذا رُؤُوا ذُكِرَ الله» .

وأخرج أبو الشيخ من طريق مسعر عن سهل بن الأسد رضي الله عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم من أولياء الله؟

قال «الذين إذا رُؤُوا ذكر الله» .

وأخرج ابن مردويه من طريق مسعر بن بكر بن الأخنس عن سعد رضي الله عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم من أولياء الله؟

قال «الذين إذا رُؤُوا ذكر الله» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي الضحى رضي الله عنه في قوله: ﴿ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾ قال: هم «الذين إذا رؤُوا ذكر الله» .

وأخرج أحمد وابن ماجة والحكيم الترمذي وابن مردويه عن أسماء بنت يزيد رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أخبركم بخياركم؟

قالوا: بلى.

قال: خياركم الذين إذا رُؤُوا ذكر الله» .

وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عمر رضي الله عنه مرفوعاً: «ان لله عباداً ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم النبيون والشهداء يوم القيامة بقربهم ومجلسهم منه، فجثا أعرابي على ركبيته فقال: يا رسول الله صفهم لنا حلهم لنا.

قال: قوم من إفناء الناس من نزاع القبائل تصادقوا في الله وتحابوا في الله، يضع الله لهم يوم القيامة منابر من نور فيجلسهم، يخاف الناس ولا يخافون، هم أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون» .

وأخرج أحمد والحكيم الترمذي عن عمرو بن الجموح رضي الله عنه «إنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لا يحق العبد حق صريح الإِيمان حتى يحب لله ويبغض لله تعالى، فإذا أحب لله وأبغض لله فقد استحق الولاء من الله، وإن أوليائي من عبادي وأحبائي من خلقي الذين يذكرون بذكري واذكر بذكرهم» .

وأخرج أحمد عن عبد الرحمن بن غنم رضي الله عنه يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم «خيار عباد الله الذين إذا رُؤُوا ذكر الله، وشر عباد الله المشَّاؤون بالنميمة، المفرقون بين الأحبة، الباغون البرآء العنت» .

وأخرج الحكيم الترمذي عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خياركم من ذكركم الله رؤيته، وزاد في علمكم منطقه، ورغبكم في الآخرة عمله» .

وأخرج الحكيم الترمذي «عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قيل: يا رسول الله أي جلسائنا خير؟

قال: من ذكركم الله رؤيته، وزاد في أعمالكم منطقه، وذكركم الآخرة عمله» .

وأخرج الحكيم الترمذي عن أنس رضي الله عنه قال: قالوا: «يا رسول الله أينا أفضل كي نتخذه جليساً معلماً؟

قال: الذي إذا رُئي ذكر الله برؤيته» .

وأخرج أبو داود وهناد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في شعب الإِيمان عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من عباد الله ناساً يغبطهم الأنبياء والشهداء، قيل: من هم يا رسول الله؟

قال: قوم تحابوا في الله من غير أموال ولا أنساب، لا يفزعون إذا فزع الناس ولا يحزنون إذا حزنوا، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾ » .

وأخرج ابن أبي الدنيا وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من عباد الله عباداً يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانهم من الله.

قيل: من هم يا رسول الله؟

قال: قوم تحابوا في الله من غير أموال ولا أنساب، وجوههم نور على منابر من نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس، ثم قرأ ﴿ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾ » .

وأخرج أحمد وابن أبي الدنيا في كتاب الاخوان وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لله عباداً ليسوا بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم النبيون والشهداء على مجالسهم وقربهم من الله.

قال أعرابي، يا رسول الله أنعتهم لنا.

قال: هم أناس من أبناء الناس ونوازع القبائل لم تصل بينهم أرحام متقاربة، تحابوا في الله وتصافوا في الله، يضع الله لهم يوم القيامة منابر من نور فيجلسون عليها، يفزع الناس ولا هم يفزعون وهم أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون» .

وأخرج ابن مردويه عن أبي الدرداء رضي الله عنه «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله تعالى: حقت محبتي للمتحابين فيّ، وحقت محبتي للمتزاورين فيّ، وحقت محبتي للمتجالسين فيّ، الذين يعمرون مساجدي بذكري، ويعلمون الناس الخير، ويدعونهم إلى طاعتي، أولئك أوليائي الذين أظلهم في ظل عرشي، وأسكنهم في جواري، وآمنهم من عذابي، وأدخلهم الجنة قبل الناس بخمسمائة عام، يتنعمون فيها وهم فيها خالدون، ثم قرأ نبي الله صلى الله عليه وسلم ﴿ أَلا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾ » .

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن قول الله تعالى ﴿ أَلا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾ قال:الذين يتحابون في الله» .

وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾ قال: «هم الذين يتحابون في الله» .

وأخرج ابن أبي شيبة وعبدالله بن أحمد في زوائد المسند عن أبي مسلم رضي الله عنه قال: لقيت معاذ بن جبل رضي الله عنه بحمص فقلت: والله إني لأحبك لله.

قال: أبشر فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «المتحابون في الله في ظل العرش يوم لا ظل إلا ظله يغبطهم بمكانهم النبيون والشهداء، ثم خرجت فلقيت عبادة بن الصامت رضي الله عنه فحدثته بالذي قال معاذ، فقال عبادة رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يروي عن ربه عز وجل أنه قال: حقت محبتي للمتحابين فيّ، وحقت محبتي للمتزاورين فيّ، وحقت محبتي للمتباذلين فيّ، على منابر من نور يغبطهم النبيون والصديقون» .

وأخرج ابن أبي شيبة والحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن ابن مسعود رضي الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن للمتحابين في الله تعالى عموداً من ياقوتة حمراء في رأس العمود سبعون ألف غرفة، يضيء حسنهم أهل الجنة كما تضيء الشمس أهل الدنيا، يقول بعضهم لبعض: انطلقوا بنا حتى ننظر إلى المتحابين في الله، فإذا أشرفوا عليها أضاء حسنهم أهل الجنة كما تضيء الشمس لأهل الدنيا، عليهم ثياب خضر من سندس، مكتوب على جباههم هؤلاء المتحابون في الله» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن سابط رضي الله عنه انبئت أن عن يمين الرحمن- وكلتا يديه يمين- قوماً على منابر من نور وجوههم نور، عليهم ثياب خضر تغشي أبصار الناظرين رؤيتهم، ليسوا بأنبياء ولا شهداء، قوم تحابوا في جلال الله حين عصيَ الله في الأرض.

وأخرج ابن أبي شيبة عن العلاء بن زياد رضي الله عنه عن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: «عباد من عباد الله ليسوا بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة يقربهم من الله على منابر من نور، يقول الأنبياء والشهداء: من هؤلاء؟

فيقول: هؤلاء كانوا يتحابون في الله على غير أموال يتعاطونها ولا أرحام كانت بينهم» .

وأخرج أحمد عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن المتحابين لنرى غرفهم في الجنة كالكوكب الطالع الشرقي أو الغربي، فيقال: من هؤلاء؟

فيقال: المتحابون في الله تعالى» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ﴾ ، روى عبادة بن الصامت وأبو الدرداء عن النبي  أنه قال في هذه الآية: "هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له" (١) ﴿ وَفِي اَلأَخِرَةِ ﴾ الجنة، يريد أن الرؤيا الصالحة بشرى للمسلم في الدنيا ويبشر في الآخرة بالجنة، وقال ابن عباس في رواية عطاء {لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}: يريد عند الموت، تأتيهم ملائكة الرحمة بالبشرى من الله ﴿ وَفِي الْآخِرَةِ ﴾ يريد: عند خروج نفس المؤمن إذا خرجت يعرجون (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) وقال الحسن: هي ما بشرهم الله عز وجل به في كتابه من جنته وكريم ثوابه، في قوله: ﴿ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا  ﴾ ، ﴿ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ  ﴾ ، ﴿ وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ ﴾ (٧) (٨) (٩) ﴿ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ﴾ (١٠) (١١) (١) روى حديث عبادة الإمام الترمذي في "سننه" (2275) كتاب الرؤيا، باب: قوله: ﴿ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ ، وابن ماجه (3898) كتاب تعبير الرؤيا، باب: الرؤيا الصالحة، والدارمي في "سننه" كتاب الرؤيا، 2/ 165 (2136)، وأحمد في "المسند" 5/ 315، 321، والحاكم في "المستدرك" 2/ 340، 4/ 391، وصححه ووافقه الذهبي، وقال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" 12/ 375: رواته ثقات إلا أن أبا سلمة لم يسمعه من عبادة.

وروى حديث أبي الدرداء الإمام الترمذي في الموضع السابق (2273) كتاب: الرؤيا، باب: ﴿ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ وحسنه، أحمد في "المسند" 6/ 445، وابن أبي حاتم 6/ 1966، والطبري 11/ 133 - 134، وفي سنده من لم يسم.

(٢) في (ى): (بغير حق)، وهو تصحيف.

(٣) رواه الثعلبي 7/ 19 ب، والبغوي 4/ 141، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 553.

(٤) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 296، والطبري 11/ 138، وابن أبي حاتم 4/ 136 أ، والثعلبي 7/ 19 ب، والبغوي 4/ 141.

(٥) المصادر السابقة، نفس المواضع.

(٦) المصادر السابقة عدا عبد الرزاق والبغوي، نفس المواضع.

(٧) رواه الثعلبي 7/ 19 ب، والبغوي 4/ 141.

(٨) "معاني القرآن" 1/ 471، ولم يصرح باختياره، بل جوّز أن يكون المراد ذلك.

(٩) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 26.

(١٠) القول بنحوه للزجاج، وأما عبارة الفراء فنصها: ثم قال: ﴿ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ﴾ أي الخلف لوعد الله.

(١١) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 4/ 44، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 554.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَوْلِيَآءَ الله ﴾ اختلف الناس في معنى الولي اختلافاً كثيراً، والحق فيه ما فسره الله بعد هذا بقوله: ﴿ الذين آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ﴾ ، فمن جمع بين الإيمان والتقوى فهو الولي، وإعراب ﴿ الذين آمَنُواْ ﴾ صفة للأولياء، أو منصوب على التخصيص، أو مرفوع بإضمار: هم الذين ولا يكون ابتداء مستأنفاً لئلا ينقطع مما قبله ﴿ لَهُمُ البشرى فِي الحياوة الدنيا وَفِي الآخرة ﴾ أما بشرى الآخرة فهي الجنة اتفاقاً، وأما بشرى الدنيا فيه الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له روي ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل: محبة الناس للرجل الصالح، وقيل: ما بشّر به في القرآن من الثواب ﴿ لاَ تَبْدِيلَ لكلمات الله ﴾ أي لا تغيير لأقواله ولا خُلْفَ لمواعيده، وقد استدل ابن عمر على أن القرآن لا يقدر أحد أن يبدله.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ شأن ﴾ بغير همز حيث كان: أبو عمرو غير شجاع والأعشى ويزيد والأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف ﴿ يعزب ﴾ بالكسر حيث كان: علي.

الباقون بالضم.

﴿ ولا أصغر ﴾ ﴿ ولا أكبر ﴾ بالرفع فيهما: حمزة وخلف وسهل ويعقوب والمفضل.

الآخرون بالنصب.

الوقوف: ﴿ تفيضون فيه ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ يحزنون ﴾ ه ج لأن ﴿ الذين ﴾ يصلح صفة ﴿ لأولياء ﴾ ويصلح نصباً أو رفعاً على المدح فيوقف على ﴿ يتقون ﴾ أو مبتدأ خبره ﴿ لهم البشرى ﴾ فلا يوقف على ﴿ يتقون ﴾ ﴿ وفي الآخرة ﴾ ط ﴿ لكلمات الله ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ط لأنه لو وصل لأوهم أن الضمير عائد إلى ﴿ أولياء ﴾ وقول الأولياء لا يحزن الرسول.

﴿ قولهم ﴾ م لئلا يوهم أن قوله: ﴿ إن العزة ﴾ مقول الكفار.

﴿ جميعاً ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ الأرض ﴾ ط ﴿ شركاء ﴾ ط ﴿ يخرصون ﴾ ه ﴿ مبصراً ﴾ ط ﴿ يسمعون ﴾ ه {  } ط ﴿ الغني ﴾ ط ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ بهذا ﴾ ط ﴿ ما لا تعلمون ﴾ ه ﴿ لا يفلحون ﴾ ه ط، ﴿ يكفرون ﴾ ه.

التفسير: لما بين فساد طريقة الكفار في عقائدهم وأحكامهم بيّن كونه  عالماً بعمل كل أحد وبما في قلبه من الدواعي والصوارف والرياء والإخلاص وغير ذلك فقال: ﴿ وما تكون ﴾ يا محمد ﴿ في شأن ﴾ أي أمر من الأمور.

وأصله الهمز بمعنى القصد من شأنت شأنه إذا قصدت قصده.

قال ابن عباس: أي في شأن من أعمال البر.

وقال الحسن: في شأن الدنيا وحوائجها و "ما" في ﴿ وما تكون ﴾ ﴿ وما تتلو ﴾ نافية والضمير في ﴿ منه ﴾ إما لله عز وجل أي نازل من عنده، وإما للشأن لأن تلاوة القرآن شأن من شؤون رسول الله  بل هو معظم شأنه ولهذا أفرد بالذكر كقوله: ﴿ وملائكته وجبريل وميكال  ﴾ وإما للقرآن والإضمار قبل الذكر تفخيم له كأنه قيل: وما تتلو من التنزيل من قرآن لأن كل جزء منه قرآن.

ثم عمم الخطاب فقال: ﴿ ولا تعملون ﴾ أيها المكلفون ﴿ من عمل ﴾ أيّ عمل كان ﴿ إلا كنا عليكم شهوداً ﴾ شاهدين رقباء والجمع للتعظيم أو لأن المراد الملائكة الموكلون ﴿ إذ تفيضون فيه ﴾ الإفاضة الشروع في العمل على جهة الانصباب والاندفاع ومنه قوله: ﴿ فإذا أفضتم من عرفات  ﴾ قيل: شهادة الله علمه فيلزم أنه لا يعلم الأشياء إلا عند وجودها.

والجواب أن الشهادة علم خاص ولا يلزم منه امتناع تقدم العلم المطلق على الشيء كما لو أخبرنا الصادق أن زيداً يفعل كذا غداً فنكون عالمين بذلك لا شاهدين.

ثم زاد في التعميم فقال: ﴿ وما يعزب عن ربك ﴾ أي لا يبعد ولا يغيب ومنه كلأ عازب أي بعيد، والرجل العزب لبعده عن الأهل.

ومعنى ﴿ مثقال ذرة ﴾ قد مر في قوله: ﴿ إن الله لا يظلم مثقال ذرة  ﴾ وذلك في سورة النساء.

والمقصود أنه لا يغيب عن علمه شيء أصلاً وإن كان في غاية الحقارة.

وإنما قال ههنا ﴿ في الأرض ولا في السماء ﴾ خلاف ما في سورة سبأ وهو المعهود في القرآن لأن الكلام سيق لشاهدته على شؤون أهل الأرض فناسب أن يقدم ذكر ما في الأرض، هذا بعد تسليم أن الواو تفيد الترتيب.

ثم بالغ في تعميم علمه فقال: ﴿ ولا أصغر من ذلك ولا أكبر ﴾ من قرأ بالنصب على نفي الجنس أو بالرفع على الابتداء ليكون كلاماً برأسه فلا إشكال، وأما من جعله منصوباً معطوفاً على لفظ مثقال لأنه في موضع الجر بالفتح لامتناع الصرف، أو جعله مرفوعاً معطوفاً على محل ﴿ من مثقال ﴾ لأنه فاعل ﴿ يعزب ﴾ فأورد عليه الإشكال وهو أنه يصير تقدير الآية لا يعزب عنه شيء في الأرض ولا في السماء إلا في كتاب، ويلزم منه أن يكون ذلك الشيء الذي في الكتاب خارجاً عن علم الله وإنه محال.

ويمكن أن يجاب عنه بأن الأشياء المخلوقة قسمان: قسم أوجده الله  ابتداء من غير واسطة كخلق الملائكة والسموات والأرض.

وقسم آخر أوجده بواسطة القسم الأول من حوادث عالم الكون والفساد، ولا شك أن هذا القسم الثاني متباعد في سلسة العلية والمعلولية عن مرتبة واجب الوجود، فالمراد من الآية أنه لا يبعد عن مرتبة وجوده شيء في الأرض ولا في السماء إلا هو في كتاب مبين.

وهو كتاب أثبت فيه صور تلك المعلومات، والغرض الرد على من يزعم أنه  غير عالم بالجزيئات.

أو نقول: إن الاستثناء منقطع بمعنى لكن هو في كتاب مبين.

وذكر أبو علي الجرجاني صاحب النظم إن "إلا" بمعنى الواو على أن الكلام قد تم عند قوله: ﴿ ولا أكبر ﴾ ثم وقع الابتداء بكلام آخر فقال: ﴿ إلا في كتاب ﴾ أي وهو أيضاً في كتاب ﴿ مبين ﴾ والعرب تضع "إلا" موضع واو النسق كثيراً ومنه قوله: ﴿ إني لا يخاف لدي المرسلون إلا من ظلم  ﴾ يعني ومن ظلم.

وقوله: ﴿ لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا ﴾ يعني والذين ظلموا.

ثم إنه لما بين إحاطته بجميع الأشياء وكان في ذلك تقوية قلوب المطيعين وكسر قلوب المذنبين أتبعها تفصيل حال كل فريق فقال: ﴿ ألا إن أولياء الله ﴾ الآية.

والتركيب يدل على القرب فكأنهم قربوا منه  لاستغراقهم في نور معرفته وجماله وجلاله.

قال أبو بكر الأصم: هم الذين تولى الله هدايتهم بالبرهان وتولوا القيام بحق عبوديته والدعوة إليه.

وقال المتكلمون: ولي الله من يكون آتياً بالاعتقاد الصحيح المبني على الدليل، ويكون آتياً بالأعمال الصالحة الواردة في الشريعة وعنوا بذلك قوله  في وصفهم ﴿ الذين آمنوا ﴾ وهو إشارة إلى كمال حال القوة النظرية.

﴿ وكانوا يتقون ﴾ وهو إشارة إلى كمال حال القوة العملية.

وههنا مقام آخر وهو أن يحمل الإيمان على مجموع الاعتقاد والعمل ويكون الولي متقياً في كل الأحوال، أما في موقف العلم فبأن يقدس ذاته عن أن يكون مقصوراً على ما عرفه أو يكون كما وصفه، وأما في مقام العمل فأن يرى عبوديته وعبادته قاصرة عما يليق بكبريائه وجلاله فيكون أبداً في الخوف والدهشة.

وأما نفي الخوف والحزن عنهم فقد مر تفسيره في أوائل سورة البقرة: وعن سعيد بن جبير أن رسول الله  سئل من أولياء الله؟

فقال: هم الذين يذكر الله برؤيتهم.

يعني أن مشاهدتهم تذكر أمر الآخرة لما فيهم من آثار الخشوع والإخبات والسكينة.

وعن عمر سمعت النبي  يقول: "إن من عباد الله عباداً ما هم بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة لمكانهم من الله.

قالوا: يا رسول الله أخبرنا من هم وما أعمالهم فلعلنا نحبهم.

قال: هم قوم تحابوا في الله على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها، فوالله إن وجوههم لنور وإنهم لعلى منابر من نور، لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس، ثم قرأ الآية" يحكى أن إبراهيم الخواص كان في البادية ومعه واحد يصحبه، فاتفق في بعض الليالي ظهور حالة قوية وكشف تام له فجلس في موضعه وجاءه السباع ووقفوا بالقرب منه والمريد تسلق على رأس شجرة خوفاً منها والشيخ كان فارغاً من تلك السباع، فلما أصبح زالت تلك الحالة.

ففي الليلة الثانية وقعت بعوضة على بدنه فأظهر الجزع من تلك البعوضة فقال المريد: كيف تليق هذه الحالة بما قبلها؟

فقال الشيخ: تحملنا البارحة ما تحملناه بسبب قوة الوارد الغيبي، فلما غاب ذلك الوارد فإنا أضعف خلق الله.

ثم أخبر الله  عنهم بأن ﴿ لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة ﴾ فقيل: بشراهم في الدنيا ما بشر الله به المؤمنين المتقين في غير مكان من كتابه ﴿ وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات  ﴾ ﴿ يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات  ﴾ وقيل: إنها عبارة عن محبة الناس لهم وعن ذكرهم إياهم بالثناء الحسن.

عن أبي ذر  قلت: يا رسول الله إن الرجل يعمل العمل لله ويحبه الناس.

قال: تلك عاجل بشرى المؤمن.

والدليل العقلي عليه أن الكمال محبوب لذاته فكل من اتصف بصفة الكمال كان محبوباً لكل أحد إذا أنصفه ولم يحسده، ولا كمال للعبد أعلى وأشرف من كونه مستغرق القلب في معرفة الله معرضاً عما سواه.

ونور الله مخدوم بالذات ففي أي قلب حصل كان مخدوماً بالطبع لما سوى الله.

وقيل: هي الرؤيا الصالحة.

وعنه  : "الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة" وسبب تخصيص هذا العدد أن النبي  استنبىء بعد أربعين سنة إلى كمال عمره - وهو ثلاث وستون سنة - وكان يأتيه الوحي أوّلاً بطريقة المنام ستة أشهر.

ونسبة هذه المدة إلى ثلاث وعشرين سنة التي هي جميع مدة الوحي نسبة الواحد إلى ستة وأربعين.

وأما أن الرؤيا الصادقة توجب لبشارة فلأنها دليل صفاء القلب واتصال النفس إلى عالم القدس والاطلاع على بعض ما هنالك.

وعن عطاء: البشرى في الدنيا هي البشارة عند الموت ﴿ تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة  ﴾ وأما البشرى في الآخرة فتلقي الملائكة إياهم مسلمين مبشرين بالفوز والكرامة وما يرون من بياض وجوههم وإعطاء الصحائف بأيمانهم وما يقرأون منها إلى آخر أحوالهم في الجنة ﴿ لا تبديل لكلمات الله ﴾ لا تغيير لأقواله ولا إخلاف لمواعيده وقد مر مثله في "الأنعام" ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى كونهم مبشرين في الدارين، وكلتا الجملتين اعتراض ولا يجب أن يقع بعد الاعتراض كلام.

تقول: فلان ينطق بالحق والحق أبلج، قال القاضي: ﴿ لا تبديل لكلمات الله ﴾ يدل على أنها قابلة للتبديل، وكل ما يقبل العدم امتنع أن يكون قديماً ومحل المنع ظاهر فإن نفي شيء عن شيء لا يلزم منه إمكانه له كقول الموحد: لا شريك لله.

ثم سلى رسوله عن صنيع الفريق المكذبين فقال: ﴿ ولا يحزنك ﴾ أو نقول: إنه كما أزال الحزن عنه في الآخرة بقوله: ﴿ ألا إن أولياء الله ﴾ أزال الحزن عنه في الدنيا بقوله: ﴿ ولا يحزنك قولهم ﴾ أي تكذيبهم لك وتهديدهم بالخدم والأموال وتشاورهم في تدبير هلاكك وإبطال أمرك، وبالجملة كل ما يتكلمون به في شأنك من المطاعن والقوادح.

ثم استأنف قوله: ﴿ إن العزة لله ﴾ كأنه قيل: ما لي لا أحزن؟

فقيل: لأن العزة لله.

﴿ جميعاً ﴾ إن الغلبة والقهر له ولحزبه ﴿ كتب الله لأغلبن أنا ورسلي  ﴾ وقرىء "أن" بالفتح لا على أنه بدل فإن ذلك يؤدي إلى أن القوم كانوا يقولون إن العزة لله جميعاً والرسول كان يحزنه ذلك وهذا كفر، بل لأن التقدير لأن العزة على صريح التعليل، وكان رسول الله  واثقاً بوعد الله  في جميع الأحوال وإن كان قد يقع في بعض الحروب والوقائع انكسار وهزيمة فإن الأمور بخواتيمها.

ثم أكد الوعد بقوله: ﴿ هو السميع العليم ﴾ يسمع ما يقولون ويعلم ما يدبرون فيكفيك شرهم.

ثم زاد في التأكيد مع إشارة إلى فساد عقيدة المشركين فقال: ﴿ ألا إن لله من في السموات ومن في الأرض ﴾ فخصص ذوي العقول إما للتغليب وإما لأن الآية سيقت لبيان فساد عقائد أهل الشرك، فذكر أن العقلاء المميزين - وهم الملائكة والثقلان - كلهم عبيد له ولا يصلح أحد منهم لأن يكون شريكاً له فما وراءهم ممن لا يسمع ولا يعقل كالأصنام أولى بأن لا يكون نداً له.

ثم أكد هذا المعنى بقوله: ﴿ وما يتبع ﴾ "ما" نافية ومفعول ﴿ يدعون ﴾ محذوف أي ليس يتبع ﴿ الذين يدعون من دون الله شركاء ﴾ شركاء في الحقيقة إنما هي أسماء لا مسميات لها لأن شركة الله في الربوبية محال.

وإنما حذف أحد المكررين للدلالة، فالأول مفعول ﴿ يدعون ﴾ والثاني مفعول ﴿ يتبع ﴾ ويجوز أن تكون "ما" استفهامية بمعنى أي شيء يتبعون.

و ﴿ شركاء ﴾ على هذا نصب بـ ﴿ يدعون ﴾ ولا حاجة إلى إضمار.

ويجوز أن تكون "ما" موصولة معطوفة على "من" كأنه قيل: ولله ما يتبعه الذين يدعون من دون الله شركاء أي وله شركاؤهم.

ثم زاد في التأكيد فقال: ﴿ إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون ﴾ وقد مر مثله في سورة الأنعام.

ثم ذكر طرفاً من آثار قدرته مع إشارة إلى بعض نعمه فقال: ﴿ هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه ﴾ طلباً للراحة ﴿ والنهار مبصراً ﴾ ذا إبصار باعتبار صاحبه أي جعله مضيئاً لتهتدوا به في حوائجكم وهذان طرفان من منافع الليل والنهار ﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون ﴾ سماع تأمل وتدبر وقبول.

ثم حكى نوعاً آخر من أباطيلهم فقال: {قالوا اتخذ الله ولداً  } وقد مر في "البقرة".

ولما نزه نفسه عن اتخاذ الولد برهن على ذلك بقوله: ﴿ هو الغني ﴾ وتقريره أن الغنى التام يوجب امتناع كونه ذا أجزاء، وحصول الولد لا يتصور إلا بعد انفصال جزء منه يكون كالبذر بالنسبة إلى النبات، وأيضاً إنما يحتاج إلى الولد وإلى توليد المثل الذي يقوم مقامه من يكون بصدد الانقضاء والانقراض فالأزلي القديم لا يفتقر إلى الولد ولا يصح له مثل.

وأيضاً الغني لا يفتقر إلى الشهوة ولا إلى إعانة الولد، ولو صح أن يتولد منه مثله لصح أن يكون هو أيضاً متولداً من مثله ولا يشكل هذا بالولد الأول من الأشخاص الحيوانية فإن المدعي هو الصحة لا الوقوع.

ثم بالغ في البرهان فقال: ﴿ له ما في السموات وما في الأرض ﴾ وإذا كان الكل ملكه وعبيده فلا يكون شيء منها ولداً له لأن الأب يساوي الابن في الطبيعة بخلاف المالك.

ثم زيف دعواهم الفاسدة فقال: ﴿ إن عندكم من سلطان بهذا ﴾ أي ما عندكم من حجة بهذا القول.

قال في الكشاف: والباء حقها أن تتعلق بقوله: ﴿ إن عندكم ﴾ على أن يجعل القول مكاناً للسلطان كقولك: ما عندكم بأرضكم موز.

كأنه قيل: إن عندكم فيما تقولون سلطان.

أقول: كأنه نظر إلى أن استعمال الباء بمعنى "في" أكثر منه بمعنى "على".

ثم وبخهم على القول بلا دليل ومعرفة فقال: ﴿ أتقولون على الله ما لا تعلمون ﴾ .

ثم أوعدهم على افترائهم فقال: ﴿ قل إن الذين يفترون ﴾ الآية.

ثم بين أن ذلك المفتري إن فاز بشيء من المطالب العاجلة والمآرب الخسيسة من رياسة ظاهرة وغرض زائل فذلك ﴿ متاع قليل ﴾ في الدنيا.

ثم لا بد من الموت والرجوع إلى حكم الله ثم حصول الشقاء المؤبد والعذاب الأليم أعاذنا الله منه.

التأويل: ﴿ وما تكون في شأن ﴾ من النبوة ﴿ وما تتلوا ﴾ من شأن النبوة ﴿ من قرآن ﴾ ﴿ ولا تعملون ﴾ يا أمة محمد  ﴿ من عمل ﴾ من الأعمال من قبول القرن ورده من مثقال ذرة مما أظهر من حركة في أرض البشرية بعمل من أعمال الخير والشر.

﴿ ولا في السماء ﴾ أي في سماء القلوب بالنيات الصالحة والفاسدة ﴿ ولا أصغر ﴾ من الحركة وهو القصد دون الفعل ﴿ ولا أكبر ﴾ من النية وهو العمل ﴿ ألا إن أولياء الله ﴾ الذين هم أعداء النفوس ﴿ لا خوف عليهم ﴾ من تمني النظر بنفوسهم ﴿ ولا هم يحزنون ﴾ على ما فاتهم من شهوات النفوس للعداوة القائمة بينهم ﴿ لهم البشرى في الحياة الدنيا ﴾ بالوقائع والمبشرات ﴿ وفي الآخرة ﴾ بكشف القناع عن جمال العزة.

﴿ لا تبديل لكلمات الله ﴾ لأحكامه الأزلية حيث قال للولي كن ولياً وللعدوّ كن عدواً ﴿ ولا يحزنك ﴾ يا رسول القلب قول مشركي النفوس في تزيين شهوات الدنيا ولذاتها في نظرك ﴿ إن العزة لله جميعاً ﴾ يعز من يشاء في الدنيا وفي الآخرة جميعاً فلا يمنعه نعيم الدنيا عن نعيم الآخرة بل ربما يعينه على الآخرة كما جاء في الحديث الرباني "وإن من عبادي من لا يصلحه الا الغنى فإن أفقرته يفسده ذلك" ﴿ ألا إن لله من في السموات ومن في الأرض ﴾ أي القلوب السماوية والنفوس الأرضية ﴿ إن يتبعون إلا الظن ﴾ أي يظنون أنهم يتبعون شركاء الدنيا والهوى باختيارهم لا باختيارنا ﴿ هو الذي جعل لكم ﴾ ليل البشرية لتستريحوا فيه من تعب المجاهدات، وتزول عنكم الملالة والكلالة ونهار الروحانية ذا ضياء وبصيرة يبصر بها مصالح السلوك والترقي في المقامات ﴿ لقوم يسمعون ﴾ حقائق القرآن بسمع القلوب الواعية.

ثم أخبر عن الشبهات التي تقع في أثناء السلوك قالوا أي مشركو النفوس عند تجلي الروح بالخلافة في صفة الربوبية معترفاً بتجلي صفة إبداع الحق ومبدعة الروح مع كمال قربه واختصاصه بالحق عند بقاء تصرفات الخيال حتى تثبت الأبوة والبنوة بين الله وبين العبد، إذ البنوة أخص التعلقات بالوالد.

وهذا الكشف والابتداء هو مبتدأ ضلالة اليهود والنصارى ﴿ له ما في السموات ﴾ الروحانية من الكشوف والأحوال ﴿ وما في الأرض ﴾ البشرية من الوهم والخيال وما ينشأ من الشبهات والآفات ﴿ إن الذين يفترون ﴾ هم النفوس الأمارة بالسوء ﴿ لا يفلحون ﴾ لا يظفرون بكشف الحقائق {ثم نذيقهم لأن الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا فأحسوا بالألم والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ ﴾ قال بعضهم من أهل التأويل: في شأن: في أمرك وحالاتك وما تتلو منه من قرآن تبلغهم به الرسالة وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ ﴾ أي: في عبادة.

﴿ وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْآنٍ ﴾ : تبلغهم به الرسالة.

﴿ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً ﴾ : يخاطب نبيه تنبيهاً منه وإيقاظاً والمراد منه هو وغيره، ألا ترى أنه قال: ﴿ وَلاَ تَعْمَلُونَ ﴾ من عمل عمهم جميعاً في ذلك، يخبر أنكم في كل أمر يكون بينكم وبين ربكم، وفي كل أمر بينكم وبين الناس - فلله لكم وعليكم شهود، أو كل عمل تعملون لكم وعليكم شهود ينبههم ويوقظهم ليكونوا على حذر أبداً منتبهين [متيقظين ﴿ إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ﴾ قال بعضهم: ﴿ تُفِيضُونَ فِيهِ ﴾ تأخذون فيه وتخوضون فيه.

وقيل: تقولون فيه.] وقيل: يكثرون فيه؛ وكله واحد.

ثم يحتمل قوله: ﴿ فِيهِ ﴾ في الحق، ويحتمل في الدين، ويحتمل في القرآن، ويحتمل في رسول الله؛ يقول: أنا شاهد فيما تخوضون وفيما تقولون في رسول الله، أو في دينه، أو فيما يتلو عليكم.

﴿ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ ﴾ : لا يعزب، [أي: لا يغيب] عن ربك من مثقال ذرة في الأرض، ولا في السماء فيما لا أمر فيه ولا نهي ولا كلفة، فالذي فيه السؤال والأمر والنهي والكلفة أحرى وأولى ألا يغيب عنه شيء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ هو تحذير وتخويف بتمثيل لا وعيد بتقرير وتصريح؛ لأن الوعيد على وجهين: أحدهما: على التمثيل، والآخر على التقرير في عينه وتصريح.

وقوله - عز وجل - ﴿ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ﴾ قيل: ما قل وما كثر إلا في كتاب، أي: إلا في اللوح المحفوظ [مبين]، ويحتمل إلا في كتاب مبين، أي: في الكتب المنزلة من السماء والله أعلم.

وقال أبو بكر الأصم في قوله: ﴿ إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ﴾ : أي تنتشرون، وتأويله ولا تعملون من عمل تنتشرون فيه إلا كنا عليكم شهوداً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلاۤ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ : قالت المعتزلة: دلت الآية على أن أصحاب الكبائر ليسوا بمؤمنين؛ لأنهم لو كانوا مؤمنين لكانوا أولياء الله، وإذا كانوا أولياء الله لكان لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فإذا كان لا شك أن على أصحاب الكبائر خوف وحزن [دل أنهم ليسوا بمؤمنين ولا لهم ولاية الإيمان لكن التأويل عندنا - والله أعلم -:] ﴿ أَلاۤ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ على ما يكون لأهل الدنيا في الدنيا من الخوف والحزن، إنما خوفهم وحزنهم لعاقبتهم، ويشبه ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون في الجنة، وهكذا يكون إذا دخلوا الجنة يأمنون عن جميع ما ينقصهم.

وقال بعضهم: ﴿ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ ﴾ هم أهل التوحيد، لكن تلك البشارة وذلك الوعد لأهل التوحيد في الاعتقاد والوفاء جميعاً، لا لأهل الاعتقاد خاصة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فِي ٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا وَفِي ٱلآخِرَةِ ﴾ قال بعضهم: ﴿ لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فِي ٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ الرؤيا الصالحة؛ وعلى ذلك رويت الأخبار عن رسول الله  أنه سئل عن هذه الآية ففسر بالرؤيا الصالحة، فإن ثبت فهو الحق.

وقال بعضهم: لا تحتمل الرؤيا الصالحة [؛ لأنه نسق البشرى في الآخرة على البشرى في الحياة الدنيا، ولا شك أنه لا يكون في الآخرة الرؤيا الصالحة،] ولكن إن ثبت ما ذكرنا من الخبر؛ فهو ذلك.

ويشبه أن يكون البشارة التي ذكر هاهنا؛ نحو قوله: ﴿ فَبَشِّرْ عِبَادِ * ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ...

﴾ الآية [الزمر: 17-18]، وقوله: ﴿ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ  ﴾ ، وقوله: ﴿ ذَلِكَ ٱلَّذِي يُبَشِّرُ ٱللَّهُ عِبَادَهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ  ﴾ ، وأمثال ذلك.

وقال بعض أهل التأويل: لهم البشرى في الحياة الدنيا تبشرهم الملائكة عند الموت وفي الآخرة الجنة.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ ٱللَّهِ ﴾ : يحتمل لا تبديل لكلمات الله من وعده ووعيده، وذلك مما لا تبديل له ولا تحويل.

ويحتمل ﴿ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ ٱللَّهِ ﴾ القرآن لا تبديل لما فيه من الوعد والوعيد وغيره.

ويحتمل لا تبديل لما مضى من سنته في الأولين والآخرين من الهلاك والاستئصال بتكذيبهم الرسل والآيات؛ كقوله: ﴿ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَحْوِيلاً  ﴾ وقوله: ﴿ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأَوَّلِينَ  ﴾ .

ويحتمل قوله: ﴿ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ ٱللَّهِ ﴾ أي: لا تبديل للبشرى التي ذكر لهؤلاء الذين تقدم ذكرهم.

ويحتمل لا تبديل لحجج الله وبراهينه، أو لا تبديل لوعيد الله ووعده ونحوه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ﴾ أي: تلك البشرى هي الفوز العظيم، أو ذلك الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون هو الفوز العظيم؛ إذ لا خوف بعده.

وقال بعضهم من أهل التأويل: لا خوف عليهم من النار، ولا هم يحزنون أن يخرجوا من الجنة أبداً، والوجه فيه ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ ﴾ يحتمل قولهم: ما قالوا في الله بما لا يليق به من الولد والشريك؛ يقول: لا يحزنك ذلك ﴿ إِنَّ ٱلْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً ﴾ .

ويحتمل قوله: ﴿ وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ ﴾ الذي قالوا في القرآن إنه سحر وإنه مفترى، أو قالوا في رسول الله  : إنه ساحر وإنه يفتري على الله كذباً.

ويشبه أن يكون قوله: ﴿ وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ ﴾ مكرهم الذي مكروا به، وكيدهم الذي كادوه، يؤيد ذلك قوله: ﴿ إِنَّ ٱلْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً ﴾ أي: إن العزة في المكر والكيد لله؛ وهو كقوله: ﴿ وَقَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ ٱلْمَكْرُ جَمِيعاً  ﴾ أي: مكره ينقض مكرهم ويمنعه، وكيده يفسخ كيدهم؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ إِنَّ ٱلْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً ﴾ أي: ينقض جميع ما يمكرون بك ويكيدونك، و ﴿ ٱلْعِزَّةَ ﴾ القوة؛ يقول: إن القوة لله ينصرك على أعدائك ويدفع عنك كيدهم ومكرهم الذي هموا بك.

﴿ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ﴾ : [لقولهم] الذي قالوه العليم بمصالحهم، أو السميع المجيب للدعاء العليم بما يكون منهم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

هؤلاء الأولياء هم الذين كانوا يتصفون بالإيمان بالله وبرسوله  ، وكانوا يتقون الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه.

<div class="verse-tafsir" id="91.9JjVy"

مزيد من التفاسير لسورة يونس

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده