الآية ٦٤ من سورة يونس

الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ٦٤ من سورة يونس

لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ ۚ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَـٰتِ ٱللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ٦٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 132 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦٤ من سورة يونس: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦٤ من سورة يونس عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا سفيان ، عن الأعمش ، عن ذكوان أبي صالح ، عن رجل ، عن أبي الدرداء ، رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : ( لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة ) قال : " الرؤيا الصالحة يراها المسلم ، أو ترى له " .

وقال ابن جرير : حدثني أبو السائب ، حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن عطاء بن يسار ، عن رجل من أهل مصر ، عن أبي الدرداء في قوله : ( لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة ) قال : سأل رجل أبا الدرداء عن هذه الآية ، فقال : لقد سألت عن شيء ما سمعت [ أحدا ] سأل عنه بعد رجل سأل عنه رسول الله ، فقال : " هي الرؤيا الصالحة يراها الرجل المسلم ، أو ترى له ، بشراه في الحياة الدنيا ، وبشراه في الآخرة [ الجنة ] .

ثم رواه ابن جرير من حديث سفيان ، عن ابن المنكدر ، عن عطاء بن يسار ، عن رجل من أهل مصر ، أنه سأل أبا الدرداء عن هذه الآية ، فذكر نحو ما تقدم .

وقال ابن جرير : حدثني المثنى : حدثنا الحجاج بن منهال ، حدثنا حماد بن زيد ، عن عاصم بن بهدلة ، عن أبي صالح قال : سمعت أبا الدرداء ، وسئل عن : ( الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى ) فذكر نحوه سواء .

وقال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا أبان ، حدثنا يحيى ، عن أبي سلمة ، عن عبادة بن الصامت ؛ أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، أرأيت قول الله تعالى : ( لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة ) ؟

فقال : " لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد من أمتي - أو : أحد قبلك " قال : " تلك الرؤيا الصالحة ، يراها الرجل الصالح أو ترى له " .

وكذا رواه أبو داود الطيالسي ، عن عمران القطان ، عن يحيى بن أبي كثير ، به ورواه الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي كثير ، فذكره .

ورواه علي بن المبارك ، عن يحيى ، عن أبي سلمة قال : نبئنا عن عبادة بن الصامت ، سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية ، فذكره .

وقال ابن جرير : حدثني أبو حميد الحمصي ، حدثنا يحيى بن سعيد ، حدثنا عمر بن عمرو بن عبد الأحموسي ، عن حميد بن عبد الله المزني قال : أتى رجل عبادة بن الصامت فقال : آية في كتاب الله أسألك عنها ، قول الله تعالى : ( لهم البشرى في الحياة الدنيا ) ؟

فقال عبادة : ما سألني عنها أحد قبلك ، سألت عنها نبي الله فقال مثل ذلك : " ما سألني عنها أحد قبلك ، الرؤيا الصالحة ، يراها العبد المؤمن في المنام أو ترى له " .

ثم رواه من حديث موسى بن عبيدة ، عن أيوب بن خالد بن صفوان ، عن عبادة بن الصامت ؛ أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة ) فقد عرفنا بشرى الآخرة الجنة ، فما بشرى الدنيا ؟

قال : " الرؤيا الصالحة يراها العبد أو ترى له ، وهي جزء من أربعة وأربعين جزءا أو سبعين جزءا من النبوة " .

وقال [ الإمام ] أحمد أيضا : حدثنا بهز ، حدثنا حماد ، حدثنا أبو عمران ، عن عبد الله بن الصامت ، عن أبي ذر ؛ أنه قال : يا رسول الله ، الرجل يعمل العمل فيحمده الناس عليه ، ويثنون عليه به ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " تلك عاجل بشرى المؤمن " .

رواه مسلم .

وقال أحمد أيضا : حدثنا حسن - يعني الأشيب - حدثنا ابن لهيعة ، حدثنا دراج ، عن عبد الرحمن بن جبير ، عن عبد الله بن عمرو ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة ) قال : " الرؤيا الصالحة يبشرها المؤمن ، هي جزء من تسعة وأربعين جزءا من النبوة ، فمن رأى [ ذلك ] فليخبر بها ، ومن رأى سوى ذلك فإنما هو من الشيطان ليحزنه ، فلينفث عن يساره ثلاثا ، وليكبر ولا يخبر بها أحدا " لم يخرجوه .

وقال ابن جرير : حدثني يونس ، أنبأنا ابن وهب ، حدثني عمرو بن الحارث ، أن دراجا أبا السمح حدثه عن عبد الرحمن بن جبير ، عن عبد الله بن عمرو ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لهم البشرى في الحياة الدنيا ) الرؤيا الصالحة يبشرها المؤمن ، جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة " .

وقال أيضا ابن جرير : حدثني محمد بن أبي حاتم المؤدب ، حدثنا عمار بن محمد ، حدثنا الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة ) قال : " هي في الدنيا الرؤيا الصالحة ، يراها العبد أو ترى له ، وهي في الآخرة الجنة " .

ثم رواه عن أبي كريب ، عن أبي بكر بن عياش ، عن أبي حصين ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة أنه قال : الرؤيا الحسنة بشرى من الله ، وهي من المبشرات .

هكذا رواه من هذه الطريق موقوفا .

وقال أيضا : حدثنا أبو كريب ، حدثنا أبو بكر ، حدثنا هشام ، عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الرؤيا الحسنة هي البشرى ، يراها المسلم أو ترى له " .

وقال ابن جرير : حدثني أحمد بن حماد الدولابي ، حدثنا سفيان ، عن عبيد الله بن أبي يزيد ، عن أبيه ، عن سباع بن ثابت ، عن أم كرز الكعبية : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ذهبت النبوة ، وبقيت المبشرات " .

وهكذا روي عن ابن مسعود ، وأبي هريرة ، وابن عباس ، ومجاهد ، وعروة بن الزبير ، ويحيى بن أبي كثير ، وإبراهيم النخعي ، وعطاء بن أبي رباح : أنهم فسروا ذلك بالرؤيا الصالحة .

وقيل : المراد بذلك بشرى الملائكة للمؤمن عند احتضاره بالجنة والمغفرة كما في قوله تعالى : ( إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون نزلا من غفور رحيم ) [ فصلت : 30 - 32 ] .

وفي حديث البراء : " أن المؤمن إذا حضره الموت ، جاءه ملائكة بيض الوجوه ، بيض الثياب ، فقالوا : اخرجي أيتها الروح الطيبة إلى روح وريحان ، ورب غير غضبان .

فتخرج من فمه ، كما تسيل القطرة من فم السقاء " .

وأما بشراهم في الآخرة ، فكما قال تعالى : ( لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون ) [ الأنبياء : 103 ] .

وقال تعالى : ( يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم ) [ الحديد : 12 ] .

وقوله : ( لا تبديل لكلمات الله ) أي : هذا الوعد لا يبدل ولا يخلف ولا يغير ، بل هو مقرر مثبت كائن لا محالة : ( ذلك هو الفوز العظيم )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (64) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: البشرى من الله في الحياة الدنيا وفي الآخرة ، لأولياء الله الذين آمنوا وكانوا يتقون.

(12) * * * ثم اختلف أهل التأويل في " البشرى " ، التي بشر الله بها هؤلاء القوم ما هي؟

وما صفتها؟

فقال بعضهم: هي الرؤية الصالحة يراها الرجل المسلم أو ترى له، وفي الآخرة الجنة.

*ذكر من قال ذلك: 17717- حدثنا محمد بن المثنى قال ، حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن سليمان، عن ذكوان، عن شيخ، عن أبى الدرداء، قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية: (لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة) ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو تُرَى له.

(13) 17718- حدثنا العباس بن الوليد قال، أخبرني أبي قال: أخبرنا الأوزاعي قال، أخبرني يحيى بن أبي كثير قال ، حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن قال: سأل عبادةُ بن الصامت رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن هذه الآية: الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحدٌ قبلك ، أو قال: غيرك ، .

قال: هي الرؤية الصالحة يراها الرجل الصالح، أو تُرَى له.

(14) 17719- حدثنا المثنى قال ، حدثنا أبو داود عمن ذكره، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عبادة بن الصامت قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله تعالى: ( الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هي الرؤية الصالحة يراها المسلم أو تُرى له.

(15) 17720- حدثنا أبو قلابة قال ، حدثنا مسلم قال ، حدثنا أبان، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عبادة عن النبي صلى الله عليه وسلم، نحوه.

(16) 17721- حدثنا ابن المثنى، وأبو عثمان بن عمر قالا حدثنا علي بن يحيى، عن أبي سلمة قال: نُبّئت أن عبادة بن الصامت سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية: " لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة "، فقال: سألتني عن شيء ما سألني عنه أحدٌ قبلك!

هي الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو تُرَى له.

(17) 17722- حدثني أبو السائب قال ، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن عطاء بن يسار، عن رجل من أهل مصر، عن أبي الدرداء: " لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة " ، قال: سأل رجلٌ أبا الدرداء عن هذه الآية فقال: لقد سألتني عن شيء ما سمعت أحدًا سأل عنه بعد رجل سأل عنه رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فقال: هي الرؤيا الصالحة يراها الرجل المسلم أو ترى له، بشراه في الحياة الدنيا، وبشراه في الآخرة الجنة.

(18) 17723- حدثني سعيد بن عمرو السكوني قال ، حدثنا عثمان بن سعيد، عن سفيان، عن ابن المنكدر، عن عطاء بن يسار، عن رجل من أهل مصر قال: سألت أبا الدرداء عن هذه الآية: " لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة "، فقال: ما سألني عنها أحدٌ منْذ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم غيرَك، إلا رجلًا واحدًا!

سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما سألني عنها أحدٌ منذ أنزلها الله غيرك إلا رجلًا واحدًا، هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرَى له.

(19) 17724- حدثنا عمرو بن عبد الحميد قال ، حدثنا سفيان، عن ابن المنكدر، سمع عطاء بن يسار يخبر، عن رجل من أهل مصر: أنه سأل أبا الدرداء عن: " لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة " ، ثم ذكر نحو حديث سعيد بن عمرو السكوني، عن عثمان بن سعيد.

(20) 17725- حدثني أبو حميد الحمصي أحمد بن المغيرة قال ، حدثني يحيى بن سعيد قال ، حدثنا عمر بن عمرو بن عبد الأحموسيّ، عن حميد بن عبد الله المزني قال: أتَى رجلٌ عبادةَ بن الصامت فقال: آية في كتاب الله أسألك عنها، قول الله تعالى: " لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة " ؟

فقال عبادة: ما سألني عنها أحدٌ قبلك!

سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال مثل ذلك: ما سألني عنها أحدٌ قبلك، الرؤيا الصالحة يراها العبدُ المؤمن في المنام أو تُرَى له .

(21) 17726- حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا أبو بكر قال ، حدثنا هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الرؤيا الحسنة، هي البشرى ، يراها المسلم، أو تُرَى له.

(22) 17727-.

.

.

.

قال، حدثنا أبو بكر، عن أبي حصين، عن أبي صالح قال، قال أبو هريرة: الرؤيا الحسنة بشرى من الله، وهي المبشِّرات .

(23) 17728- حدثنا محمد بن حاتم المؤدب قال ، حدثنا عمار بن محمد قال ، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: " لهم البشرى في الحياة الدنيا " ، الرؤيا الصالحة يراها العبد الصالح أو تُرَى له ، وهي في الآخرة الجنة.

(24) 17729- حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا محمد بن يزيد قال ، حدثنا رشدين بن سعد، عن عمرو بن الحارث، عن أبي السَّمْح، عن عبد الرحمن بن جبير، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لهم البشرى في الحياة الدنيا " الرؤيا الصالحة يُبَشَّر بها العبد جزء من تسعة وأربعين جزءًا من النبوّة.

(25) 17730- حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا يحيى بن واضح قال ، حدثنا موسى بن عبيدة، عن أيوب بن خالد بن صفوان، عن عبادة بن الصامت أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: " لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة " ، فقد عرفنا بشرى الآخرة، فما بشرى الدنيا؟

قال: الرؤيا الصالحة يراها العبد أو ترى له، وهي جزء من أربعة وأربعين جزءًا ، أو ستين جزءًا ، من النبوة.

(26) 17731- حدثنا علي بن سهل قال ، حدثنا الوليد بن مسلم قال ، حدثنا أبو عمرو قال ، حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عبادة بن الصامت، أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية: " لهم البشرى في الحياة الدنيا "، فقال: لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحدٌ من أمتي قبلك!

هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له، وفي الآخرة الجنة.

(27) 17732- حدثنا أحمد بن حماد الدولابي قال ، حدثنا سفيان، عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن أبيه، عن سباع بن ثابت، عن أم كرز الكعبية: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ذهبت النبوّة وبقيت المبشّرات.

(28) 17733- حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا ابن عيينة، عن الأعمش، عن ذكوان، عن رجل، عن أبي الدرداء، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: " لهم البشرى في الحياة الدنيا " ، قال: الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له، وفي الآخرة الجنة.

(29) 17734- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن عطاء بن يسار، عن رجل كان بمصر ، قال: سألت أبا الدرداء عن هذه الآية: " لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة " ، فقال أبو الدرداء: ما سألني عنها أحد منذ سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم!

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما سألني عنها أحدٌ قبلك، هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرى له، وفي الآخرة الجنة.

(30) 17735-.

.

.

.

قال، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي الدرداء قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله: " لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة "، قال: ما سألني عنها أحد غيرُك، هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرَى له.

(31) 17736-.

.

.

.

قال، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن عطاء بن يسار، عن أبي الدرداء في قوله: " لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة " ، قال: سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما سألني عنها أحدٌ قبلك، هي الرؤيا الصالحة يراها العبد أو تُرى له، وفي الآخرة الجنة.

(32) 17737-.

.

.

.

قال، حدثنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عبد العزيز بن رفيع، عن أبي صالح ، قال ابن عيينة: ثم سمعته من عبد العزيز، عن أبي صالح السمان ، عن عطاء بن يسار، عن رجل من أهل مصر قال: سألت أبا الدرداء عن هذه الآية: " لهم البشرى في الحياة الدنيا "، قال: ما سألني عنها أحدٌ منذ سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ما سألني عنها أحدٌ منذ أنزلت عليَّ إلا رجلٌ واحدٌ، هي الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو تُرَى له.

(33) 17738-.

.

.

.

قال، حدثنا عبد الله بن بكر السهمي، عن حاتم بن أبي صغيرة، عن عمرو بن دينار: أنه سأل رجلا من أهل مصر فقيهًا ، قدم عليهم في بعض تلك المواسم، قال قلت: ألا تخبرني عن قول الله تعالى ذكره: (لهم البشرى في الحياة الدنيا) ؟

قال: سألت عنها أبا الدرداء، فأخبرني أنه سأل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هي الرؤيا الحسنة يراها العبد أو تُرَى له.

(34) 17739-.

.

.

.

قال، حدثنا أبي، عن علي بن مبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عبادة بن الصامت، قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله تعالى: (لهم البشرى في الحياة الدنيا) قال: " هي الرؤيا الصالحة يراها العبد أو ترى له.

(35) 17740- حدثني المثنى قال ، حدثنا مسلم بن إبراهيم وأبو الوليد الطيالسي قالا حدثنا أبان قال ، حدثنا يحيى، عن أبي سلمة، عن عبادة بن الصامت، قال: قلت: يا رسول الله، قال الله تعالى: (لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة)، فقال: لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحدٌ قبلك ، أو : أحدٌ من أمتي ، قال: " هي الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو تُرَى له.

(36) 17741-.

.

.

.

قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال ، حدثنا حماد بن زيد، عن عاصم بن بهدلة، عن أبي صالح، قال: سمعت أبا الدرداء، وسئل عن: الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ، قال: ما سألني عنها أحدٌ قبلك منذ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها، فقال: ما سألني عنها أحدٌ قبلك، هي الرؤيا الصالحة يراها العبد أو تُرى له.

(37) 17742- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن نافع بن جبير، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، في قوله: (لهم البشرى في الحياة الدنيا)، قال: هي الرؤيا الحسنة يراها الإنسان أو تُرَى له.

(38) 17743-.

.

.

.

وقال: ابن جريج عن عمرو بن دينار، عن أبي الدرداء ، أو ابن جريج ، عن محمد بن المنكدر، عن عطاء بن يسار، عن أبي الدرداء قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عنها فقال: هي الرؤيا الصالحة.

(39) 17744-.

.

.

.

وقال ابن جريج، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: هي الرؤيا يراها الرجل.

17745- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، قال: هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرَى له.

17746- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا عبدة، عن هشام بن عروة، عن أبيه: (لهم البشرى في الحياة الدنيا) ، قال: هي الرؤيا الصالحة يراها العبد الصالح.

17747-.

.

.

.

قال، حدثنا ابن فضيل، عن ليث، عن مجاهد قال: هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرَى له.

17748-.

.

.

.

قال، حدثنا عبدة بن سليمان، عن طلحة القناد، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: (لهم البشرى في الحياة الدنيا) ، قال: هي الرؤيا الحسنة يراها العبد المسلم لنفسه أو لبعض إخوانه.

(40) 17749- قال، حدثنا أبي، عن الأعمش، عن إبراهيم قال: كانوا يقولون: الرؤيا من المبشِّرات.

17750- حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل، عن قيس بن سعد : أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عنها، فقال: " ما سألني عنها أحدٌ من أمتي منذ أنـزلت عليّ قبلك !

قال: هي الرؤيا الصالحة يراها الرجل لنفسه أو تُرَى له.

(41) 17751-.

.

.

.

قال، حدثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن العوام، عن إبراهيم التيمي، أن ابن مسعود قال: ذهبت النبوة، وبقيت المبشِّرات!

قيل: وما المبشرات؟

قال: الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو تُرَى له.

(42) 17752- قال، حدثنا عبد الله قال ، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، في قوله: (لهم البشرى في الحياة الدنيا) ، فهو قوله لنبيه: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلا كَبِيرًا ، [سورة الأحزاب: 47] .

قال: هي الرؤيا الحسنة يراها المؤمن أو تُرَى له.

17753-.

.

.

.

قال، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا محمد بن حرب قال ، حدثنا ابن لهيعة، عن خالد بن يزيد، عن عطاء في قوله: (لهم البشرى في الحياة الدنيا) ، قال: هي رؤيا الرجل المسلم يبشَّر بها في حياته.

17754- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني عمرو بن الحارث أن درَّاجًا أبا السمح حدثه ، عن عبد الرحمن بن جبير، عن عبد الله بن عمرو، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لهم البشرى في الحياة الدنيا) : الرؤيا الصالحة يبشَّر بها المؤمن ، جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوّة.

(43) 17755- حدثني يونس قال، أخبرنا أنس بن عياض، عن هشام، عن أبيه في هذه الآية: (لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة) ، قال: هي الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو تُرَى له.

17756- حدثنا محمد بن عوف قال ، حدثنا أبو المغيرة قال ، حدثنا صفوان قال ، حدثنا حميد بن عبد الله: أن رجلا سأل عبادة بن الصامت عن قول الله تعالى: (لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة) ، فقال عبادة: لقد سألتني عن أمر ما سألني عنه أحدٌ قبلك، ولقد سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عما سألتني فقال لي: يا عبادة لقد سألتني عن أمر ما سألني عنه أحدٌ من أمتي!

تلك الرؤيا الصالحة يراها المؤمن لنفسه أو تُرى له.

(44) * * * وقال آخرون: هي بشارة يبشَّر بها المؤمن في الدنيا عند الموت.

*ذكر من قال ذلك: 17757- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الزهري، وقتادة: (لهم البشرى في الحياة الدنيا) ، قال: هي البشارة عند الموت في الحياة الدنيا.

17758- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا يعلى، عن أبي بسطام، عن الضحاك: (لهم البشرى في الحياة الدنيا) ، قال: يعلم أين هو قبل الموت.

* * * قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر أنّ لأوليائه المتقين البشرى في الحياة الدنيا، ومن البشارة في الحياة الدنيا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له ، ومنها بشرى الملائكة إياه عند خروج نفسه برحمة الله، كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: " أن الملائكة التي تحضره عند خروج نفسه، تقول لنفسه: اخرجي إلى رحمة الله ورضوانه " .

(45) ومنها: بشرى الله إياه ما وعده في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم من الثواب الجزيل، كما قال جل ثناؤه: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ الآية ، [سورة البقرة: 25].

وكل هذه المعاني من بشرى الله إياه في الحياة الدنيا بشره بها، ولم يخصص الله من ذلك معنى دون معنى، فذلك مما عمه جل ثناؤه : أن (لهم البشرى في الحياة الدنيا)، وأما في الآخرة فالجنة.

* * * وأما قوله: (لا تبديل لكلمات الله) ، فإن معناه: إن الله لا خُلْفَ لوعده ، ولا تغيير لقوله عما قال، ولكنه يُمْضي لخلقه مواعيدَه وينجزها لهم، (46) وقد:- 17759- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا ابن علية ، عن أيوب، عن نافع قال: أطال الحجاج الخطبة، فوضع ابن عمر رأسَه في حِجْري، فقال الحجاج: إن ابن الزبير بدّل كتاب الله!

فقعد ابن عمر فقال: لا تستطيع أنت ذاك ولا ابن الزبير !

لا تبديل لكلمات الله!

فقال الحجاج: لقد أوتيت علمًا إن نفعك!

(47) ، قال أيوب: فلما أقبل عليه في خاصّة نفسه سكَتَ.

(48) * * * وقوله: (ذلك هو الفوز العظيم) ، يقول تعالى ذكره: هذه البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة ، " وهي الفوز العظيم "، يعني الظفر بالحاجة والطَّلبة والنجاة من النار.

(49) -------------------------- الهوامش : (12) انظر تفسير " البشرى " فيما سلف 14 : 508 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(13) الأثر : 17717 - حديث أبي الدرداء ، رواه أبو جعفر من طرق ، أصنفها في هذا الموضع لأحيل عليها في تخريج الآثار ، أثرًا أثرًا .

1 - طريق ذكوان ( أبي صالح السمان ) ، عن شيخ ، عن أبي الدرداء ، رقم : 17717 ، 17733 .

2 - طريق ذكوان ( أبي صالح السمان ) ، عن أبي الدرداء ، بلا واسطة ، رقم : 17735 ، 17741 .

3 - طريق عطاء بن يسار ، عن رجل من أهل مصر ، عن أبي الدرداء ، بخمسة أسانيد ، رقم : 17722 ، 17723 ، 17724 ، 17734 ، 17737 .

4 - طريق عطاء بن يسار ، عن أبي الدرداء ، بلا واسطة ، رقم : 17736 ، 17743 .

5 - طريق عمرو بن دينار ، عن فقيه من أهل مصر ، عن أبي الدرداء ، رقم : 17738 .

6 - طريق عمرو بن دينار ، عن أبي الدرداء ، بلا واسطة ، رقم : 17743 .

وهذا تفسير الإسناد رقم : 17717 .

" سليمان " ، هو الأعمش " ، " سليمان بن مهران " ، تابعي ثقة ، مضى مرارًا .

و " شيخ " ، مجهول ، وظاهر أنه تابعي .

وعلة هذا الإسناد ، جهالة " الشيخ " الذي روى عنه أبو صالح السمان ، وسائر الإسناد صحيح حسن .

وسيأتي في رقم : 17722 ، 17734 ، 17736 ، 17737 ، برواية أبي صالح ، عن عطاء بن يسار في الطريق الثانية ، والثالثة كما فصلتها آنفا .

(14) الأثر : 17718 - حديث عبادة بن الصامت من ثلاث طرق : 1 - طريق يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن عبادة بسبعة أسانيد ، رقم : 17718 ، 17719 ، 17720 ، 17721 ، 17731 ، 17739 ، 17740 .

2 - طريق حميد بن عبد الله المزني ، عن عبادة بن الصامت ، بإسنادين ، رقم : 17725 ، 17756 .3 - طريق أيوب بن خالد بن صفوان ، عن عبادة رقم : 17730 .

وهذا تفسير إسنادنا هذا ." العباس بن الوليد بن مزيد الآملي البيروتي " ، شيخ الطبري ، ثقة ، مضى مرارًا ، آخرها رقم : 13461 .

وأبوه : " الوليد بن مزيد الآملي البيروتي " ثقة ، قال الأوزاعي شيخه : " كتبه صحيحة " ، مضى برقم : 11821 ، 13461 .

و" الأوزاعي " ، هو الإمام المشهور ." ويحيى بن أبي كثير الطائي " ، ثقة ، مضى برقم : 9189 ، 11505 ، 12760 ." وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري " ، ثقة ، مضى مرارًا ، آخرها رقم : 12822 .وانظر التعليق على رقم : 17720 في سماع أبي سلمة من عبادة بن الصامت .وهذا إسناد لم أجده عن طريق الأوزاعي ، وانظر التعليق على سائر حديث عبادة بن الصامت في الأرقام التي ذكرتها آنفا .

(15) الأثر : 17719 - هذا الإسناد لم أجده في سنن أبي داود ، يضعفه جهالة الراوي عن يحيى بن أبي كثير ، ويسنده سائر الآثار التي رويت عن ثقات ، عن يحيى بن أبي كثير .

(16) الأثر : 17720 - " أبو قلابة " ، هو " عبد الملك بن محمد بن عبد الله الرقاشي الضرير " شيخ الطبري ، ثقة .

مضى برقم : 4331 ، 5623 ."ومسلم ، " هو " مسلم بن إبراهيم الأزدي الفراهيدي " ، ثقة ، روى له الجماعة ، مضى مرارًا كثيرة ، آخرها رقم : 13518 ." وأبان " ، هو " أبان بن يزيد العطار " ، ثقة .

مضى مرارًا آخرها رقم : 13518 ." وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف " ، لم يسمع من عبادة بن الصامت ، يدل على ذلك الأثر التالي ، وقوله فيه : " نبئت عن عبادة بن الصامت " .

فقد ذكر المزي : " أنه لم يسمع من طلحة ، وعبادة بن الصامت .

فأما عدم سماعه من طلحة فرواه ابن أبي خيثمة والدوري عن ابن معين .

وأما عدم سماعه من عبادة ، فقاله ابن خراش .

ولئن كان كذلك ، فلم يسمع أيضًا من عثمان ولا من أبي الدرداء ، فإن كلا منهما مات قبل طلحة " ، التهذيب في ترجمته .فإذا صح هذا ، وهو صحيح عن الأرجح ، فأخبار أبي سلمة هذه من عبادة بن الصامت أخبار ضعاف لانقطاعها .

ولذلك لم يخرج منها شيء في الصحاح .ومن هذه الطريق ، رواه أحمد في مسنده 5 : 315 ، عن عفان ، عن أبان ، عن يحيى .ورواه الدارمي في سننه 2 : 123 ، من طريق مسلم بن إبراهيم ، عن أبان ، وانظر التعليق على رقم : 17718 ، وسيأتي رقم : 17740 .

(17) الأثر : 17721 - هذا إسناد مختل في المطبوعة والمخطوطة على السواء ، وهو باطل لا شك في بطلانه .

وأظنه اضطراب على الناسخ من أصل أبي جعفر .

فقوله " قالا " ، يدل على أن الخبر روي عن " ابن المثنى " وعن " أبي عثمان بن عمر " ، وأن هذا الثاني شيخ الطبري .

ولم أجد في شيوخه من هذه كنيته منسوبًا إلى أبيه " عمر " .

وأخرى أنه قال " حدثنا علي بن يحيى " ، وهو باطل أيضًا ، فليس في الرواة عن أبي سلمة " علي بن يحيى " .

ولا أكاد أشك أن " أبا عثمان " شيخ الطبري ، هو " أبو عثمان " ، " أحمد بن محمد بن أبي بكر المقدمي " ، مضى برقم : 876 ، 3030 .

وأن الذي روى عنه " محمد بن المثنى " ، هو فيما أرجح ، " عثمان بن عمر بن فارس بن لقيط العبدي " ، وقد سلفت روايته عنه في رقم : 15225 .

ولكن لست أدري ، أروى أيضًا " أبو عثمان المقدمي" شيخ الطبري ، عن " عثمان بن عمر بن فارس " أم لم يرو عنه ، وإن كنت أرجح أنه خليق أن يروى عنه .

وأما قوله : " علي بن يحيى " ، فظاهر أن صوابه : " علي ، عن يحيى، عن أبي سلمة " ، يعني " علي بن المبارك " ، عن " يحيى بن أبي كثير " كما سيأتي في الإسناد رقم : 17739 .

وإذن ، فأخشى أن يكون صواب هذا الإسناد هو : " حدثنا ابن المثنى ، وأبو عثمان قالا، حدثنا عثمان بن عمر ، حدثنا علي ، عن يحيى ، عن أبي سلمة " .

وبذلك يستقم هذا الإسناد الهالك الذي وقع في المطبوعة والمخطوطة .

وتجد هذا الإسناد نفسه ، عن محمد بن المثنى ، عن عثمان بن عمر بن فارس إلى أبي سلمة ، في تاريخ الطبري 2: 208.

ومهما يكن من شيء ، فهو بعد ذلك إسناد منقطع ، لأن أبا سلمة لم يسمع من عبادة بن الصامت ، كما سلف في رقم : 17720 .

ثم انظر التعليق على رقم : 17739 ، فيما سيأتي .

(18) الأثر : 17722 - هذا حديث أبي الدرداء من الطريق الثالثة ، التي ذكرتها في التعليق على رقم : 17717 .

" أبو معاوية " الضرير هو " محمد بن خازم " ، إمام ثقة ، مضى مرارًا .

و" الأعمش " ، هو " سليمان بن مهران " الإمام .

مضى قريبًا رقم : 17717 .

و"أبو صالح" هو "ذكوان"، مضى برقم: 17717 و" عطاء بن يسار " تابعي ثقة ، مضى مرارًا ، يروي عن أبي الدرداء مباشرة .

ولكنه روى الخبر هنا عن رجل من أهل مصر ، وكان عطاء قد قدم مصر ، ومات بالإسكندرية .

فهذا خبر في إسناده علة ، لجهالة الذي روى عنه أبو الدرداء .

وقد ذكر الحافظ ابن حجر في فتح الباري 12 : 331، رواية الخبر عن عطاء بن يسار ، وقال : " ذكر ابن أبي حاتم ، عن أبيه أن هذا الرجل ليس بمعروف " ، ولكن في نسخة " الفتح " خطأ ، فإنه كتب " من طريق عطاء بن يسار ، عن رجل من أهل مصر ، عن عبادة " ، والصواب " عن أبي الدرداء " .

وهذا الخبر رواه أحمد في مسنده من طريق أبي معاوية عن الأعمش في موضعين من مسنده 6 : 447 ، 452 .

وانظر التعليق على رقم : 17717.

(19) الأثر : 17723 - " سعيد بن عمرو بن سعيد السكوني " ، شيخ الطبري ، مضى مرارًا ، آخرها رقم : 14266 .

وكان في المخطوطة سيئ الكتابة ، يشبه أن يكون " محمد بن عمرو " ، والصواب ما في المطبوعة.

و" عثمان بن سعيد " ، لعله : " عثمان بن سعيد بن دينار القرشي " ، ثقة مترجم في التهذيب .

و " سفيان " ، هو " سفيان بن عيينة " .

و " ابن المنكدر " ، هو " محمد بن المنكدر " ، أحد الأئمة الأعلام مضى مرارًا برقم : 3829 ، 10869 .

وهذا إسناد صحيح إلى عطاء ، كسائر الأسانيد السالفة ، إلا ما فيه من جهالة الرجل من أهل مصر .

رواه أحمد في مسنده 6 : 447 ، من طريق سفيان بن عيينة ، عن ابن المنكدر.

ورواه الترمذي في كتاب التفسير من سننه ، وفي كتاب الرؤيا ، من طريق ابن أبي عمر العدني ، عن سفيان .

وانظر التعليق على رقم : 17717 ، وسيأتي من طريق أخرى بعد هذه رقم : 17724 ، وانظر أيضًا التعليق على رقم : 17743 .

(20) الأثر : 17724 - هو مكرر الأثر السالف .

" عمرو بن عبد الحميد الآملي " ، شيخ الطبري ، مضى برقم : 3759 ، 10378 .

(21) الأثر : 17725 - حديث عبادة بن الصامت ، هذه هي الطريق الثانية التي أشرت إليها في التعليق على رقم : 17718 ، وسيأتي من طريق أخرى رقم : 17756 .

" أبو حميد الحمصي " ، " أحمد بن المغيرة " ، هو " أحمد بن محمد بن المغيرة بن سيار " أو " أحمد بن محمد بن سيار " ، هكذا يذكر في التفسير أحيانًا ، شيخ الطبري ، مضى مرارًا منها : 3473 ، 5753 ، 8164 ، 8984 .

و" يحيى بن سعيد " ، هو العطار الشامي الدمشقي ، ضعفوه ، مضى برقم : 5753 ، 9224 ، ولكن أخي السيد أحمد في التعليق على رقم : 5753 ، مال إلى توثيقه .

و" عمر بن عمرو بن عبد الأحموسي " ويقال في اسمه : " عمرو " ، صالح الحديث ، من ثقات الشاميين ، أدرك عبد الله بن بسر ، ويروي عن أبي عمرو الأنصاري ، والمخارق بن أبي المخارق الذي يروي عن ابن عمر ، روى عنه يحيى بن سعيد العطار ، مترجم في ابن أبي حاتم 3 1 127 ، وتعجيل المنفعة : 313 .

و" الأحموسي " ، ضبطه الحافظ بالضم ، والواو بعد الميم .

وأما " حميد بن عبد الله المزني " ، فهكذا هو في المخطوطة ، وفي مسند أحمد 5 : 325 " حميد بن عبد الرحمن اليزني " ، وفي ابن أبي حاتم " حميد بن عبد الله المدني " .

وأما في التاريخ الكبير للبخاري ، فاقتصر على " حميد بن عبد الله " غير منسوب إلى بلدة أو قبيلة .

وأمر نسبته ، لم أستطع أن أفصل فيه ، لقلة ما ذكر عنه .

وأما الاختلاف في اسم أبيه ، فلم أجده في غير مسند أحمد ، فلا أدري أهو خطأ في نسخة المسند أم لا .

قال البخاري : " حميد بن عبد الله ، سمع عبد الرحمن بن أبي عوف ، ومالك بن أبي رشيد ، سمع منه محمد بن الوليد الزبيدي ، وصفوان بن عمرو ، وعمر الأحموسي " ، ومثله في ابن أبي حاتم .

مترجم في الكبير 1 2 352 ، وابن أبي حاتم 1 2 224 ، ولم يذكر فيه جرحًا .

وهذا خبر منقطع بين حميد ، وعبادة بن الصامت .

(22) الأثر : 17726 - حديث أبي هريرة ، رواه الطبري من : طريق ابن سيرين ، عن أبي هريرة ، وطريق أبي صالح ، عن أبي هريرة .

"أبو بكر " ، هو "أبو بكر بن عياش".

ثقة مضى مرارًا، آخرها رقم 14805.

و"هشام" هو " هشام بن حسان الأزدي القردوسي " ، أحد الأعلام ، مضى مرارًا كثيرة ، كان من أحفظ الناس عن ابن سيرين .

فهذا خبر صحيح الإسناد .

وانظر التخريج في الخبرين التاليين .

(23) الأثر : 17727 - هذا حديث موقوف على أبي هريرة .

"أبو بكر " هو " أبو بكر بن عياش " ، كما سلف .

و " أبو حصين " هو : " عثمان بن عاصم بن حصين الأسدي " ، ثقة ، روى له الجماعة ، مضى مرارًا كثيرة .

و " أبو صالح " هو " ذكوان" السمان ، مضى قريبًا برقم : 17717 .

وهذا خبر موقوف صحيح الإسناد ، وسيأتي بعده مرفوعًا .

(24) الأثر : 17728 - " محمد بن حاتم بن سليمان الزمي " ، المؤدب ، شيخ أبي جعفر ، ثقة ، روى عنه الترمذي ، والنسائي ، وعبد الله بن أحمد بن حنبل ، وأبو حاتم الرازي ، وغيرهم .

مترجم في التهذيب ،وابن أبي حاتم 3 2 238 ، وتاريخ بغداد 2 : 268 .

و"عمار بن محمد الثوري " ، ابن أخت " سفيان الثوري " ، لا بأس به ، روى عنه أحمد ، وأبو عبيد القاسم بن سلام ، وأبو كريب ، وثقه ابن سعد وابن معين ، والبخاري وقال : " كان أوثق من سيف " ، وسيف أخوه ، كان شيخًا كذابًا خبيثًا يضع الحديث .

وقال ابن حبان في عمار : " فحش خطأه وكثر وهمه ، فاستحق الترك " وظني أن ابن حبان قد غالى فيه علوا شديدًا .

ومع ذلك فأخشى أن يكون قوله هذا تفسيرا لقول البخاري إنه أوثق من سيف أخيه الكذاب ، وكأنه ضعفه شيئًا ، لا يبلغ منه مبلغ الترك والإسقاط ، مترجم في التهذيب ، والكبير 4 1 29 ، وابن أبي حاتم 3 1 393 .

وإسناد هذا الخبر ، إسناد صالح .

وأما الإسناد الجيد الصحيح ، فهو إسناد مسلم في صحيحه 15 : 23 ، حديث الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " رؤيا المسلم يراها أو ترى له ، جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة " .

(25) الأثر : 17729 - حديث عبد الله بن عمرو ، سيأتي من طريق أخرى رقم : 17754 .

و" محمد بن يزيد " الذي روى عنه أبو كريب ، لم يبين هنا ، وأظنه " محمد بن يزيد الحزامي البزاز " روى عن ابن المبارك ، والوليد بن مسلم ، وضمرة بن ربيعة ، وشريك ، وابن عيينة .

روى عنه البخاري في التاريخ ، وأبو كريب ، مترجم في التهذيب ، والكبير 1 1 261 ، وابن أبي حاتم 4 1 128 ، وميزان الاعتدال 3 : 150 ، ولم يذكر فيه البخاري جرحًا .

وأما " رشدين بن سعد المصري " ، فهو ضعيف الحديث ، مضى تضعيفه برقم : 19 ، 1938 ، 2176 ، 2195 .

و " أبو كريب " يروي عن " رشدين " مباشرة ، كما سلف في الآثار التي ذكرتها .

و" عمرو بن الحارث بن يعقوب المصري " ، ثقة حافظ ، مضى مرارًا ، آخرها رقم : 13570 .

وأما " أبو السمح " ، فهو " دراج بن سمعان " ، مولى عبد الله بن عمرو بن العاص .

ثقة ، متكلم فيه ، ورجح أخي السيد أحمد رحمه الله توثيقه فيما سلف ، رقم : 3187 ، 5518 .

وكان في المطبوعة : " عن أبي الشيخ " وهو خطأ صرف .

وفي المخطوطة مثله رسمًا غير منقوط .

والصواب ما أثبت ، كما سيأتي في رقم : 17754 .

و" عبد الرحمن بن جبير المصري " ، الفقيه ، ثقة ، روى عن عبد الله بن عمرو ، وعقبة بن عامر ، وعمرو بن غيلان بن سلمة الثقفي ، وأبي الدرداء ، .

كان عبد الله بن عمرو به معجبًا .

مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 2 2 221 .

وهذا خبر ضعيف الإسناد ، لضعف " رشدين بن سعد " : وسيأتي بإسناد صالح فيما سيأتي رقم : 17754.

(26) الأثر : 17730 - حديث عبادة بن الصامت ، هذا هو الطريق الثالث من طرقه .

" موسى بن عبيدة الربذي " ، ضعيف لا تحل الرواية عنه ، مضى مرارًا ، آخرها رقم : 16229 .

و" أيوب بن خالد بن صفوان الأنصاري " ، ثقة ، متكلم فيه .

روى عن جابر بن عبد الله ، وعن التابعين ، مترجم في التهذيب ، والكبير 1 1 412 ، وابن أبي حاتم 1 1 245 ، وفرق البخاري في تاريخه ، وابن أبي حاتم بينه وبين " أيوب بن خالد بن أبي أيوب الأنصاري ، " وكذلك فرق بينهما أبو زرعة ، قال الحافظ ابن حجر " وجعلها ابن يونس واحدًا .

قلت : وسبب ذلك أن خالد بن صفوان والد أيوب ، وأمه عمرة بنت أبي أيوب الأنصاري ، فهو جده لأمه ، فالأشبه قول ابن يونس ، فقد سبق إليه البخاري " .

وقد رأيت أن البخاري قد فرق بينهما في تاريخه ، فلا أدري من أين قال ذلك الحافظ ابن حجر؟

وهذا إسناد ضعيف ، لضعف " موسى بن عبيدة " ، وهو إسناد منقطع أيضًا ، لأن " أيوب بن خالد " لم يرو عن عبادة بن الصامت .

وكان في المطبوعة : " أو سبعين جزءًا من النبوة " ، وأثبت ما في المخطوطة .

(27) الأثر : 17731 - حديث عبادة بن الصامت ، هذه هي الطريق الأول من طرقه ، كما فصلتها في رقم : 17718 ، وهو إسناد آخر للخبر رقم : 17718 .

(28) الأثر : 17732 - " أحمد بن حماد بن سعيد الدولابي " ، شيخ الطبري ، ثقة ، مضى برقم : 2593 ، 3571 .

و " سفيان " ، هو " ابن عيينة " .

و " عبيد الله بن أبي يزيد المكي " ، ثقة ، مضى برقم : 20 ، 3778 ، 10274 ، 14673 - 14677 .

وأبوه " أبو يزيد المكي " ، ثقة ، مضى برقم : 20 .

و" سباع بن ثابت " ، حليف لبني زهرة ، عدّه ابن حجر وابن الأثير في الصحابة ، مترجم ، فيهما ، وفي ابن أبي حاتم 2 1 312 ، ولم يذكر له صحبة .

وكان في المخطوطة وحدها " سباع بن أبي ثابت " ، والصواب ما في المطبوعة .

وهذا الخبر من طريق سفيان بن عيينة ، بهذا الإسناد ، ورواه ابن ماجة في سننه ص : 1283 ، رقم : 3896 ، والدارمي في سننه 2 : 123 ، بمثله .

ورواه أحمد في مسنده 6 : 381 ، من طريق سفيان بن عيينة أيضًا ، وروى معه ثلاثة أحاديث بالإسناد نفسه وفيه " عبيد الله بن أبي يزيد ، عن أبيه عن سباع بن ثابت " ، فقال أبو عبد الرحمن ولده : " سمعت أبي يقول : سفيان يهم في هذه الأحاديث .

عبيد الله ، سمعها من سباع بن ثابت " ، ثم ساق أحد الأحاديث الأربعة من طريق عفان ، عن حماد بن زيد ، عن عبيد الله بن أبي يزيد ، قال حدثني سباع بن ثابت " ، مصرحًا بالتحديث .

وذكر ابن أبي حاتم في ترجمة " سباع بن ثابت " أن عبيد الله بن أبي يزيد ، روى عن سباع بن ثابت " من رواية ابن جريج ، وحماد بن زيد ، عنه .

وقال : " وأما ابن عيينة ، فيروى عن عبيد الله بن أبي يزيد ، عن أبيه عن سباع بن ثابت " .

وهذا خبر صحيح ، على ما فيه من الاختلاف ، وإنما الوهم فيه من سفيان .

(29) الأثر : 17733 - حديث أبي الدرداء ، من الطريق الأولى التي بينتها في التعليق على رقم : 17717 ، وروايته هنا من طريق الأعمش ، عن أبي صالح ذكوان .

وانظر التعليق على رقم : 17717 .

ومن هذه الطريق رواها أحمد في مسنده 6 : 445 ، بإسناده عن عبد الرازق ، عن سفيان .

(30) الأثر : 17734 - حديث أبي الدرداء ، من الطريق الثالثة التي بينتها في رقم : 17717 ، وهو مكرر رقم 17722 ، وقد خرجته هناك .

(31) الأثر : 17735 - هذه هي الطريق الثانية لحديث أبي الدرداء أيضًا ، ولكنه رواية أبي صالح ذكوان ، عن أبي الدرداء مباشرة ، كما سيأتي برقم : 17741 ، وقد فصلت ذلك في التعليق على رقم 17717 .

وهذه هي الطريق التي أشار إليها الترمذي في سننه ، في كتاب التفسير ، تذييلا على الخبر الذي رواه أبو جعفر برقم : 17724 .

و " عاصم " ، هو " عاصم بن بهدلة " ، و" عاصم بن أبي النجود " ، وهو ثقة ، روى له الجماعة ، روى له الشيخان مقرونًا بغيره ، لأنه كان في حفظه شيء .

فأخشى أن يكون هذا الذي انفرد به مما ساء حفظه فيه .

وانظر التعليق على سائر حديث أبي الدرداء .

(32) الأثر : 17736 - هذه هي الطريق الرابعة لحديث أبي الدرداء ، وهي رواية أبي صالح السمان " ذكوان " ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي الدرداء ، بلا واسطة .

و" عطاء بن يسار " ، يروي عن أبي الدرداء .

وإسناده حسن .

وانظر ما قلته في التعليق على رقم : 17717 ، وما سيأتي في رقم : 17743 .

(33) الأثر : 17737 - حديث أبي الدرداء من الطريق الثالثة التي بينتها في رقم : 17717 .

وهذا الخبر سمعه ابن عيينة من عمرو بن دينار ، عن عبد العزيز بن رفيع ، ثم سمعه من عبد العزيز بن رفيع مباشرة .

" وعبد العزيز بن رفيع الأسدي " ، تابعي ثقة ، روى له الجماعة ، مضى برقم : 14810 .

ومن هذه الطريق ، رواه الترمذي في السنن ، في كتاب التفسير ، تعقيبًا للأثر السالف برقم : 17724 .

ورواه أحمد في مسنده 6 : 447 ، من حديث سفيان بن عيينة ، عن عبد العزيز بن رفيع ، ليس بينهما " عمرو بن دينار " .

(34) الأثر : 17738 - هذه هي الطريق الخامسة ، لحديث أبي الدرداء .

" عبد الله بن أبي بكر بن حبيب السهمي " ، ثقة ، مضى برقم : 10885 .

و " حاتم بن أبي صغيرة " ، ثقة ، مضى برقم : 17410 ، 17411 .

و " عمرو بن دينار " ، لم يسمع من أبي الدرداء ، ولكنه رواه هنا عن مجهول ، وهو " فقيه من أهل مصر " .

فهو حديث ضعيف .

(35) الأثر : 17739 - " حديث عبادة بن الصامت ، من الطريق الأولى التي بينتها في رقم : 17718 .

وقد فصلت الحديث عنه في التعليق على رقم : 17721 ، ذلك الإسناد المختل ، وفي رقم : 17720 ، وبينت علته هناك .

ومن هذه الطريق رواه أحمد في مسنده 5 : 315 .

وابن ماجه في سننه ص : 1283 ، رقم : 3898 .

والحاكم في المستدرك 2 : 340 ، وقال : " هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه " ، ووافقه الذهبي .

وقد بينت قبل أن أبا سلمة بن عبد الرحمن لم يسمع من عبادة بن الصامت ، فهو إسناد منقطع .

فهذه علته ، وإن كان سائر الإسناد صحيحًا .

(36) الأثر : 17740 - حديث عبادة من الطريق الأولى ، كالذي قبله ، وهو مكرر رقم : 17720 ، وقد خرجته هناك .

(37) الأثر : 17741 - حديث أبي الدرداء من الطريق الثانية ، وهو مكرر رقم : 17735 ، وخرجته هناك .

(38) الأثر : 17742 - " عبيد الله بن أبي يزيد المكي " ، ثقة ، مضى قريبًا رقم : 17732 ونافع بن جبير بن مطعم النوفلي" تابعي مشهور وأحد الأئمة .

مضى برقم 17429 .

وهذا الخبر ، رواه نافع عن صحابي لم يصرح باسمه ، لعله أبو هريرة ، وجهالة الصحابي لا تضر .

فهو حديث صحيح إن شاء الله .

(39) الأثر : 17743 - حديث أبي الدرداء هذا من طريقين :طريق عمرو بن دينار عن أبي الدرداء ، بلا واسطة ، وهي الطريق السادسة التي بينتها في رقم : 17717 ." وعمرو بن دينار " لم يسمع من أبي الدرداء ، كما بينت في رقم : 17738 ، فهو ضعيف لانقطاعه .

وطريق محمد بن المنكدر ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي الدرداء ، وهي الطريقة الرابعة .

وقد سلف بيانها في تخريج الخبر رقم : 17736 ، وانظر أيضًا حديث محمد بن المنكدر ، عن عطاء بن يسار ، عن رجل من أهل مصر ، عن أبي الدرداء ، رقم : 17723 ، 17724 .

(40) الأثر : 17748 - هذا خبر موقوف على ابن عباس .

(41) الأثر : 17750 - هذا خبر مرسل .

(42) الأثر : 17751 - هذا خبر موقوف على ابن مسعود ، صحيح الإسناد .

(43) الأثر : 17754 - حديث عبد الله بن عمرو ، مضى من طريق أخرى ضعيفة ، برقم : 17729 .

" عمرو بن الحارث المصري " ، ثقة ، مضى برقم : 17729 .

و " دراج بن سمعان " ، " أبو السمح " ، ثقة ، مضى أيضًا برقم : 17729 ، وتوثيق أخي السيد أحمد رحمه الله ، له .

وقد رواه أحمد مطولا في سنده ، برقم : 7044 ، من طريق حسن بن الأشيب ، عن لهيعة ، عن دراج أبي السمح ، وقال أخي : " إسناده صحيح " .وخرجه في مجمع الزوائد 7 : 175 ، وقال : " رواه أحمد من طريق ابن لهيعة عن دراج " وحديثهما حسن ، وفيهما ضعف .

وبقية رجاله ثقات " .

وهذه الطريق الأخرى من رواية ابن وهب ، أوثق من طريق ابن لهيعة .

وخرجه الهيثمي أيضًا في مجمع الزوائد 7 : 36 ، وقال نحوه .

(44) الأثر : 17756 - هذه هي الطريق الثانية لحديث عبادة بن الصامت ، التي ذكرتها في رقم : 17718 .

" محمد بن عوف بن سفيان الطائي " ، شيخ الطبري ، مضى برقم : 5445 ، 12194 ، 13108 " وأبو المغيرة " ، هو " عبد القدوس بن الحجاج الخولاني " ، ثقة ، مضى برقم : 10371 ، 12194 ، 13108 .

" وصفوان " هو : " صفوان بن عمرو بن هرم السكسكي " ، ثقة ، مضى برقم : 7009 ، 12807 ، 13108 رواه أحمد من هذا الطريق نفسها في السند 5 : 325 ، عن أبي المغيرة ، عن صفوان ، عن حميد بن عبد الرحمن اليزني .

" وحميد بن عبد الله " ، مضى برقم : 17725 ، ويشبه هناك " المزني " ، وذكرت أن في ابن أبي حاتم " المدني " ، وفي المسند " اليزني " ، كما رأيت .

ثم اختلاف آخر ، في المسند " حميد بن عبد الرحمن اليزني " ، ولكني لم أجد هذا الاختلاف في شيء من الدواوين ، فأخشى أن يكون خطأ ناسخ من نساخ المسند .

وسلف في رقم : 17725 .

أن هذا إسناد منقطع بين " حميد بن عبد الله " ، وعبادة بن الصامت .

(45) حديث بغير إسناد ، لم أستطع أن أجده بلفظه في مكان قريب .

(46) انظر تفسير " تبديل الكلمات " فيما سلف 2 : 62 ، تعليق : 1 ، 3 ، والمراجع هناك .

(47) في المطبوعة والمخطوطة : " لقد أوتيت علما أن تفعل " ، وهو بين الفساد ، صوابه من المستدرك للحاكم .

(48) الأثر : 17759 - رواه الحاكم في المستدرك 2 : 339 ، 340 ، من طريق أبي النعمان ، عن إسماعيل بن علية ، عن أيوب ، بمثله ، ليس فيه كلمة أيوب .

وقال : " هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه " ، ووافقه الذهبي .

وهذا خبر عظيم القدر فيه أخلاق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ظاهرة كما علمهم رسولهم ، من ترك هيبة الجبابرة ، ومن إنكار المنكر من القول والعمل ، ومن اليقظة لمعاني الكلام ومقاصد الأعمال ، ومن تعليم الناس جهرة أخطاء أمرائهم والولاة عليهم ، ومن الصبر على أذى هؤلاء الجبابرة إذا كان الأذى يمسهم في خاصة أنفسهم .

فأما إذا كان الأمر أمر الله وأمر رسوله ، وأمر الكتاب المنزل بالحق إلى الديانين والجبابرة جميعًا ، يأمرهم وينهاهم على السواء ، فهم لا يخافون جبارًا قد عود سيفه سفح الدماء ، ودرب لسانه على اللذع والقرص واللجاجة .

فرحم الله أمة كان هؤلاء النبلاء ، أئمتها وهداتها !

(49) انظر تفسير " الفوز " فيما سلف 14 : 439 ، تعليق : 4 ، والمراجع هناك .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيمقوله تعالى لهم البشرى في الحياة الدنيا عن أبي الدرداء قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها فقال : ما سألني أحد عنها غيرك منذ أنزلت هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له خرجه الترمذي في جامعه .

وقال الزهري وعطاء وقتادة : هي البشارة التي [ ص: 268 ] تبشر بها الملائكة المؤمن في الدنيا عند الموت .

وعن محمد بن كعب القرظي قال : إذا استنقعت نفس العبد المؤمن جاءه ملك الموت فقال : السلام عليك ولي الله ، الله يقرئك السلام .

ثم نزع بهذه الآية : الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ذكره ابن المبارك .

وقال قتادة والضحاك : هي أن يعلم أين هو من قبل أن يموت .

وقال الحسن : هي ما يبشرهم الله تعالى في كتابه من جنته وكريم ثوابه ; لقوله : يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان ، وقوله : وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات .

وقوله : وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون ولهذا قال : لا تبديل لكلمات الله أي لا خلف لمواعيده ، وذلك لأن مواعيده بكلماته .وفي الآخرة قيل : بالجنة إذا خرجوا من قبورهم .

وقيل : إذا خرجت الروح بشرت برضوان الله .

وذكر أبو إسحاق الثعلبي : سمعت أبا بكر محمد بن عبد الله الجوزقي يقول : رأيت أبا عبد الله الحافظ في المنام راكبا برذونا عليه طيلسان وعمامة ، فسلمت عليه وقلت له : أهلا بك ، إنا لا نزال نذكرك ونذكر محاسنك ; فقال : ونحن لا نزال نذكرك ونذكر محاسنك ، قال الله تعالى : لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة الثناء الحسن : وأشار بيده .لا تبديل لكلمات الله أي لا خلف لوعده .

وقيل : لا تبديل لأخباره ، أي لا ينسخها بشيء ، ولا تكون إلا كما قال .ذلك هو الفوز العظيم أي ما يصير إليه أولياؤه فهو الفوز العظيم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

‏{‏لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ‏}‏ أما البشارة في الدنيا، فهي‏:‏ الثناء الحسن، والمودة في قلوب المؤمنين، والرؤيا الصالحة، وما يراه العبد من لطف الله به وتيسيره لأحسن الأعمال والأخلاق، وصرفه عن مساوئ الأخلاق‏.‏ وأما في الآخرة، فأولها البشارة عند قبض أرواحهم، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ‏}‏ وفي القبر ما يبشر به من رضا الله تعالى والنعيم المقيم‏.‏ وفي الآخرة تمام البشرى بدخول جنات النعيم، والنجاة من العذاب الأليم‏.‏ ‏{‏لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ‏}‏ بل ما وعد الله فهو حق، لا يمكن تغييره ولا تبديله، لأنه الصادق في قيله، الذي لا يقدر أحد أن يخالفه فيما قدره وقضاه‏.‏ ‏{‏ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ‏}‏ لأنه اشتمل على النجاة من كل محذور، والظفر بكل مطلوب محبوب، وحصر الفوز فيه، لأنه لا فوز لغير أهل الإيمان والتقوى‏.‏ والحاصل أن البشرى شاملة لكل خير وثواب، رتبه الله في الدنيا والآخرة، على الإيمان والتقوى، ولهذا أطلق ذلك، فلم يقيده‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة ) اختلفوا في هذه البشرى : روي عن عبادة بن الصامت قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى : " لهم البشرى في الحياة الدنيا " ، قال : " هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له " .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا أبو اليمان ، حدثنا شعيب ، عن الزهري ، حدثني سعيد بن المسيب ، أن أبا هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لم يبق من النبوة إلا المبشرات " ، قالوا : وما المبشرات؟

قال : " الرؤيا الصالحة " .

وقيل : البشرى في الدنيا هي : الثناء الحسن ، وفي الآخرة : الجنة .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أخبرنا عبد الرزاق بن أبي شريح ، أخبرنا أبو القاسم البغوي ، حدثنا علي بن الجعد ، أخبرنا شعبة عن أبي عمران الجوني قال : سمعت عبد الله بن الصامت قال : قال أبو ذر : يا رسول الله الرجل يعمل لنفسه ويحبه الناس؟

قال : " تلك عاجل بشرى المؤمن " .

وأخرج مسلم بن الحجاج هذا الحديث عن يحيى بن يحيى عن حماد بن زيد عن أبي عمران ، وقال : " ويحمده الناس عليه " .

.

وقال الزهري وقتادة : هي نزول الملائكة بالبشارة من الله تعالى عند الموت ، قال الله تعالى : " تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون " ( فصلت - 30 ) وقال عطاء عن ابن عباس : البشرى في الدنيا ، يريد : عند الموت تأتيهم الملائكة بالبشارة ، وفي الآخرة عند خروج نفس المؤمن ، يعرج بها إلى الله ، ويبشر برضوان الله .

وقال الحسن : هي ما بشر الله المؤمنين في كتابه من جنته وكريم ثوابه ، كقوله : " وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات " ( البقرة - 25 ) ، " وبشر المؤمنين " ( الأحزاب - 47 ) " وأبشروا بالجنة " ( فصلت - 30 ) .

وقيل : بشرهم في الدنيا بالكتاب والرسول أنهم أولياء الله ، ويبشرهم في القبور وفي كتب أعمالهم بالجنة .

( لا تبديل لكلمات الله ) لا تغيير لقوله ، ولا خلف لوعده .

( ذلك هو الفوز العظيم )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«لهم البشرى في الحياة الدنيا» فسرت في حديث صححه الحاكم بالرؤيا الصالحة يراها الرجل أو تُرى له «وفي الآخرة» الجنة والثواب «لا تبديل لكلمات الله» لا خلف لمواعيده «ذلك» المذكور «هو الفوز العظيم».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

لهؤلاء الأولياء البشارة من الله في الحياة الدنيا بما يسرُّهم، وفي الآخرة بالجنة، لا يخلف الله وعده ولا يغيِّره، ذلك هو الفوز العظيم؛ لأنه اشتمل على النجاة مِن كل محذور، والظَّفَر بكل مطلوب محبوب.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - سبحانه - ( لَهُمُ البشرى فى الحياة الدنيا وفى الآخرة ) زيادة تكريم وتشريف لهم .والبشرى والبشارة : الخبر السار ، فهو أخص من الخبر ، وسمى بذلك لأن أثره يظهر على البشرة وهى ظاهر جلد الإِنسان ، فيجعله متهلل الوجه ، منبسط الأسارير ، مبتهج النفس .أى : لهم ما يسرهم ويسعدهم فى الدنيا من حياة آمنة طيبة ، ولهم - أيضاً - فى الآخرة ما يسرهم من فوز برضوان الله ، ومن دخول جنته .قال الآلوسى ما ملخصه : " والثابت فى أكثر الروايات ، أن البشرى فى الحياة الدنيا ، هى الرؤيا الصالحة .

.

فقد أخرد الطيالسي وأحمد الدارمي والترمذي .

.

وغيرهم عن عبادة بن الصامت قال : سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قوله - تعالى - ( لَهُمُ البشرى فى الحياة الدنيا ) فقال : " هي الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى له " .وقيل المراد بالبشرى : البشرى العاجلة نحو النصر والغنيمة والثناء الحسن ، والذكر الجميل ، ومحبة الناس ، وغير ذلك .ثم قال : وأنت تعلم أنه لا ينبغي العدول عما ورد عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى تفسير ذلك إذا صح .

وحيث عدل من عدل لعدم وقوفه على ذلك فيما أظن ، فالأولى أن تحمل البشرى فى الدارين على البشارة بما يحقق نفي الخوف والحزن كائناً ما كان .

.

.

"وقوله : ( لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ الله ) أى : لا تغيير ولا خلف لأقوال الله - تعالى - ولا لما وعد به عباده الصالحين من وعود حسنة ، على رأسها هذه البشرى التي تسعدهم فى الحياة الدنيا وفى الآخرة .واسم الإِشارة فى قوله - تعالى - ( ذلك هُوَ الفوز العظيم ) يعود إلى ما ذكر من البشرى فى الدارين .أى : ذلك المذكور من أن لهم البشرى فى الحياة الدنيا وفى الآخرة ، هو الفوز العظيم الذى لا فوز وراءه ، والذي لا يفوته نجاح أو فضل .هذا ، وقبد نقل الشيخ القاسمي - رحمه الله - كلاما حسنا من كتاب " الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان " فقال ما ملخصه :هذه الآيات أصل فى بيان أولياء الله ، وقد بين - سبحانه - فى كتابه ، وبين رسوله فى سنته أن الله أولياء من الناس ، كما أن للشيطان أولياء .وإذا عرف أن الناس فيهم أولياء الرحمن ، وأولياء الشيطان ، فيجب أن يفرق بين هؤلاء وهؤلاء ، كما فرق الله ورسوله بينهما ، فأولياء الله هم المؤمنون المتقون .

كما فى هذه الآية ، وفى الحديث الصحيح : " من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة ، أو فقد آذنته بالحرب .

.

.

"والولاية ضد العداوة ، وأصل الولاية المحبة والقرب ، وأصل العداوة البغض والبعد ، وأفضل أولياء الله هم أنبياؤه ، وأفضل أنبيائه هم المرسلون منهم ، وأفضلهم محمد - صلى الله عليه وسلم - خاتم النبيين .

.

فلا يكون وليا إلا من آمن به واتبعه ، ومن خالفه كان من أولياء الشيطان .

.

.وإذا كان أولياء الله هم المؤمنون المتقون ، فبحسب إيمان العبد وتقواه تكون ولايته لله - تعالى - فمن كان أكمل إيماناً وتقوى ، كان أكمل ولاية لله .فالناس متفاضلون فى ولاية الله - عز وجل - بحسب تفاضلهم فى الإِيمان والتقوى .ومن أظهر الولاية وهو لا يؤدي الفرائض ، ولا يجتنب المحارم ، كان كاذباً فى دعواه ، أو كان مجنوناً .وليس لأولياء الله شيء يتميزون به عن الناس فى الظاهر من الأمور المباحات ، فلا يتميزون بلباس دون لباس ، ولا بحلق شعر أو تقصير .

.

بل يوجدون فى جميع طبقات الأمة .

فيوجدون فى أهل القرآن ، وأهل العلم ، وفى أهل الجهاد والسيف ، وفى التجار والزراع والصناع .

.

.وليس من شرط الولي أن يكون معصوماً لا يغلط ولا يخطئ ، بل يجوز أن يخفى عليه بعض علم الشريعة ، ويجوز أن يشتبه عليه بعض أمور الدين .

.

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنا بينا أن قوله تعالى: ﴿ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْءانٍ  ﴾ مما يقوي قلوب المطيعين، ومما يكسر قلوب الفاسقين فأتبعه الله تعالى بشرح أحوال المخلصين الصادقين الصديقين وهو المذكور في هذه الآية.

وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنا نحتاج في تفسير هذه الآية إلى أن نبين أن الولي من هو؟

ثم نبين تفسير نفي الخوف والحزن عنه.

فنقول: أما إن الوحي من هو؟

فيدل عليه القرآن والخبر والأثر والمعقول.

أما القرآن، فهو قوله في هذه الآية: ﴿ الذين ءامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ﴾ فقوله: ﴿ ءامَنُواْ ﴾ إشارة إلى كمال حال القوة النظرية وقوله: ﴿ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ﴾ إشارة إلى كمال حال القوة العملية.

وفيه قيام آخر، وهو أن يحمل الإيمان على مجموع الاعتقاد والعمل، ثم نصف الولي بأنه كان متقياً في الكل.

أما التقوى في موقف العلم فلأن جلال الله أعلى من أن يحيط به عقل البشر، فالصديق إذا وصف الله سبحانه بصفة من صفات الجلال، فهو يقدس الله عن أن يكون كماله وجلاله مقتصراً على ذلك المقدار الذي عرفه ووصفه به، وإذا عبد الله تعالى فهو يقدس الله تعالى عن أن تكون الخدمة اللائقة بكبريائه متقدرة بذلك المقدار فثبت أنه أبداً يكون في مقام الخوف والتقوى.

وأما الأخبار فكثيرة روى عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «هم قوم تحابوا في الله على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها، فوالله إن وجوههم لنور، وإنهم لعلى منابر من نور لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس» ثم قرأ هذه الآية، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «هم الذين يذكر الله تعالى برؤيتهم» قال أهل التحقيق: السبب فيه أن مشاهدتهم تذكر أمر الآخرة لما يشاهد فيهم من آيات الخشوع والخضوع، ولما ذكر الله تعالى سبحانه في قوله: ﴿ سيماهم فِي وُجُوهِهِمْ مّنْ أَثَرِ السجود  ﴾ وأما الأثر، فقال أبو بكر الأصم: أولياء الله هم الذين تولى الله تعالى هدايتهم بالبرهان وتولوا القيام بحق عبودية الله تعالى والدعوة إليه، وأما المعقول فنقول: ظهر في علم الاشتقاق أن تركيب الواو واللام والياء يدل على معنى القرب، فولى كل شيء هو الذي يكون قريباً منه، والقرب من الله تعالى بالمكان والجهة محال، فالقرب منه إنما يكون إذا كان القلب مستغرقاً في نور معرفة الله تعالى سبحانه، فإن رأى دلائل قدرة الله، وإن سمع سمع آيات الله وإن نطق نطق بالثناء على الله، وإن تحرك تحرك في خدمة الله، وإن اجتهد اجتهد في طاعة الله، فهنالك يكون في غاية القرب من الله، فهذا الشخص يكون ولياً لله تعالى، وإذا كان كذلك كان الله تعالى ولياً له أيضاً كما قال الله تعالى: ﴿ الله وَلِيُّ الذين ءامَنُواْ يُخْرِجُهُم مّنَ الظلمات إِلَى النور  ﴾ ويجب أن يكون الأمر كذلك، لأن القرب لا يحصل إلا من الجانبين.

وقال المتكلمون: ولي الله من يكون آتياً بالاعتقاد الصحيح المبني على الدليل ويكون آتياً بالأعمال الصالحة على وفق ما وردت به الشريعة، فهذا كلام مختصر في تفسير الولي.

وأما قوله تعالى في صفتهم: ﴿ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ ففيه بحثان: البحث الأول: أن الخوف إنما يكون في المستقبل بمعنى أنه يخاف حدوث شيء في المستقبل من المخوف، والحزن إنما يكون على الماضي إما لأجل أنه كان قد حصل في الماضي ما كرهه أو لأنه فات شيء أحبه.

البحث الثاني: قال بعض المحققين: إن نفي الحزن والخوف إما أن يحصل للأولياء حال كونهم في الدنيا أو حال انتقالهم إلى الآخرة والأول باطل لوجوه: أحدها: أن هذا لا يحصل في دار الدنيا لأنها دار خوف وحزن والمؤمن خصوصاً لا يخلو من ذلك على ما قاله الرسول عليه الصلاة والسلام: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر».

وعلى ما قال: «حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات».

وثانيها: أن المؤمن، وإن صفا عيشه في الدنيا، فإنه لا يخلو من هم بأمر الآخرة شديد، وحزن على ما يفوته من القيام بطاعة الله تعالى، وإذا بطل هذا القسم وجب حمل قوله تعالى: ﴿ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ على أمر الآخرة، فهذا كلام محقق، وقال بعض العارفين: إن الولاية عبارة عن القرب، فوليُّ الله تعالى هو الذي يكون في غاية القرب من الله تعالى، وهذا التقرير قد فسرناه باستغراقه في معرفة الله تعالى بحيث لا يخطر بباله في تلك اللحظة شيء مما سوى الله، ففي هذه الساعة تحصل الولاية التامة، ومتى كانت هذه الحالة حاصلة فإن صاحبها لا يخاف شيئاً، ولا يحزن بسبب شيء، وكيف يعقل ذلك والخوف من الشيء والحزن على الشيء لا يحصل إلا بعد الشعور به، والمستغرق في نور جلال الله غافل عن كل ما سوى الله تعالى، فيمتنع أن يكون له خوف أو حزن؟

وهذه درجة عالية، ومن لم يذقها لم يعرفها، ثم إن صاحب هذه الحالة قد تزول عنه الحالة، وحينئذ يحصل له الخوف والحزن والرجاء والرغبة والرهبة بسبب الأحوال الجسمانية، كما يحصل لغيره، وسمعت أن إبراهيم الخواص كان بالبادية ومعه واحد يصحبه، فاتفق في بعض الليالي ظهور حالة قوية وكشف تام له، فجلس في موضعه وجاءت السباع ووقفوا بالقرب منه، والمريد تسلق على رأس شجرة خوفاً منها والشيخ ما كان فازعاً من تلك السباع، فلما أصبح وزالت تلك الحالة ففي الليلة الثانية وقعت بعوضة على يده فأظهر الجزع من تلك البعوضة، فقال المريد: كيف تليق هذه الحالة بما قبلها؟

فقال الشيخ: إنا إنما تحملنا البارحة ما تحملناه بسبب قوة الوارد الغيبي، فلما غاب ذلك الوارد فأنا أضعف خلق الله تعالى.

المسألة الثانية: قال أكثر المحققين: إن أهل الثواب لا يحصل لهم خوف في محفل القيامة واحتجوا على صحة قولهم بقوله تعالى: ﴿ أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء الله لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ وبقوله تعالى: ﴿ لاَ يَحْزُنُهُمُ الفزع الأكبر وتتلقاهم الملئكة  ﴾ وأيضاً فالقيامة دار الجزاء فلا يليق به إيصال الخوف ومنهم من قال: بل يحصل فيه أنواع من الخوف، وذكروا فيه أخباراً تدل عليه إلا أن ظاهر القرآن أولى من خبر الواحد.

وأما قوله: ﴿ الذين ءامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ﴾ ففيه ثلاثة أوجه: الأول: النصب بكونه صفة للأولياء.

والثاني: النصب على المدح.

والثالث: الرفع على الابتداء وخبره لهم البشرى.

وأما قوله تعالى: ﴿ لَهُمُ البشرى فِي الحياة الدنيا وَفِى الأخرة ﴾ ففيه أقوال: الأول: المراد منه الرؤيا الصالحة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «البشرى هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له».

وعنه عليه الصلاة والسلام: «ذهبت النبوة وبقيت المبشرات».

وعنه عليه الصلاة والسلام: «الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من الشيطان، فإذا حلم أحدكم حلماً يخافه فليتعوذ منه وليبصق عن شماله ثلاث مرات فإنه لا يضره».

وعنه صلى الله عليه وسلم: «الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة».

وعن ابن مسعود، الرؤيا ثلاثة: الهم يهم به الرجل من النهار فيراه في الليل، وحضور الشيطان، والرؤيا التي هي الرؤيا الصادقة.

وعن إبراهيم الرؤيا ثلاثة، فالمبشرة من الله جزء من سبعين جزءاً من النبوة والشيء يهم به أحدكم بالنهار فلعله يراه بالليل والتخويف من الشيطان، فإذا رأى أحدكم ما يحزنه فليقل أعوذ بما عاذت به ملائكة الله من شر رؤياي التي رأيتها أن تضرني في دنياي أو في آخرتي.

واعلم أنا إذا حملنا قوله: ﴿ لَهُمُ البشرى ﴾ على الرؤيا الصادقة فظاهر هذا النص يقتضي أن لا تحصل هذه الحالة إلا لهم والعقل أيضاً يدل عليه، وذلك لأن ولي الله هو الذي يكون مستغرق القلب والروح بذكر الله، ومن كان كذلك فهو عند النوم لا يبقى في روحه إلا معرفة الله، ومن المعلوم أن معرفة الله ونور جلال الله لا يفيده إلا الحق والصدق، وأما من يكون متوزع الفكر على أحوال هذا العالم الكدر المظلم، فإنه إذا نام يبقى كذلك، فلا جرم لا اعتماد على رؤياه، فلهذا السبب قال: ﴿ لَهُمُ البشرى فِي الحياة الدنيا ﴾ على سبيل الحصر والتخصيص.

القول الثاني: في تفسير البشرى، أنها عبارة عن محبة الناس له وعن ذكرهم إياه بالثناء الحسن عن أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله إن الرجل يعمل العمل لله ويحبه الناس.

فقال: «تلك عاجل بشرى المؤمن».

واعلم أن المباحث العقلية تقوي هذا المعنى، وذلك أن الكمال محبوب لذاته لا لغيره، وكل من اتصف بصفة من صفات الكمال، صار محبوباً لكل أحد، ولا كمال للعبد أعلى وأشرف من كونه مستغرق القلب بمعرفة الله، مستغرق اللسان بذكر الله، مستغرق الجوارح والأعضاء بعبودية الله، فإذا ظهر عليه أمر من هذا الباب، صارت الألسنة جارية بمدحه، والقلوب مجبولة على حبه، وكلما كانت هذه الصفات الشريفة أكثر، كانت هذه المحبة أقوى، وأيضاً فنور معرفة الله مخدوم بالذات، ففي أي قلب حضر صار ذلك الإنسان مخدوماً بالطبع ألا ترى أن البهائم والسباع قد تكون أقوى من الإنسان، ثم إنها إذا شاهدت الإنسان هابته وفرت منه وما ذاك إلا لمهابة النفس الناطقة.

والقول الثالث: في تفسير البشرى أنها عبارة عن حصول البشرى لهم عند الموت قال تعالى: ﴿ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الملئكة ألاتَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بالجنة  ﴾ وأما البشرى في الآخرة فسلام الملائكة عليهم كما قال تعالى: ﴿ جَنَّٰتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَآئِهِمْ وَأَزْوَٰجِهِمْ وَذُرِّيَّٰتِهِمْ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ  سَلَٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى ٱلدَّارِ  ﴾ وسلام الله عليهم كما قال: ﴿ سَلاَمٌ قَوْلاً مّن رَّبّ رَّحِيمٍ  ﴾ ويندرج في هذا الباب ما ذكره الله في هذا الكتاب الكريم من بياض وجوههم وإعطاء الصحائف بأيمانهم وما يلقون فيها من الأحوال السارة فكل ذلك من المبشرات.

والقول الرابع: إن ذلك عبارة عما بشر الله عباده المتقين في كتابه وعلى ألسنة أنبيائه من جنته وكريم ثوابه.

ودليله قوله: ﴿ يُبَشّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مّنْهُ ورضوان  ﴾ .

واعلم أن لفظ البشارة مشتق من خبر سار يظهر أثره في بشرة الوجه، فكل ما كان كذلك دخل في هذه الآية، ومجموع الأمور المذكورة مشتركة في هذه الصفة، فيكون الكل داخلاً فيه فكل ما يتعلق من هذه الوجوه بالدنيا فهو داخل تحت قوله: ﴿ لَهُمُ البشرى فِي الحياة الدنيا ﴾ وكل ما يتعلق بالآخرة فهو داخل تحت قوله: ﴿ وَفِي الأخرة ﴾ ثم إنه تعالى لما ذكر صفة أولياء الله وشرح أحوالهم قال تعالى: ﴿ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ الله ﴾ والمراد أنه لا خلف فيها، والكلمة والقول سواء.

ونظيره قوله: ﴿ مَا يُبَدَّلُ القول لَدَىَّ  ﴾ وهذا أحد ما يقوي أن المراد بالبشرى وعد الله بالثواب والكرامة لمن أطاعه بقوله: ﴿ يُبَشّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مّنْهُ ورضوان ﴾ ثم بين تعالى أن: ﴿ ذلك هُوَ الفوز العظيم ﴾ وهو كقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً  ﴾ ثم قال القاضي: قوله: ﴿ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ الله ﴾ يدل على أنها قابلة للتبديل، وكل ما قبل العدم امتنع أن يكون قديماً.

ونظير هذا الاستدلال بحصول النسخ على أن حكم الله تعالى لا يكون قديماً وقد سبق الكلام على أمثال هذه الوجوه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ أَوْلِيَاء الله ﴾ الذين يتولونه بالطاعة ويتولاهم بالكرامة.

وقد فسر ذلك في قوله: ﴿ الذين ءامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ﴾ فهم توليهم إياه ﴿ لَهُمُ البشرى فِي الحياة الدنيا وَفِى الأخرة ﴾ فهو توليه إياهم.

وعن سعيد بن جبير: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئل: من أولياء الله؟

فقال: «هم الذين يذكر الله برؤيتهم» يعني السمت والهيئة.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: الإخبات والسكينة.

وقيل: هم المتحابون في الله.

وعن عمر رضي الله عنه: سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: «إنَّ من عباد الله عباداً ما هم بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة لمكانهم من الله» قالوا: يا رسول الله، خبرنا من هم وما أعمالهم؟

فلعلنا نحبهم، قال: «هم قوم تحابوا في الله على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها، فوالله إن وجوههم لنور، وإنهم لعلى منابر من نور، لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس» ثم قرأ الآية: ﴿ الذين كَفَرُواْ ﴾ نصب أو رفع على المدح أو على وصف الأولياء أو على الابتداء والخبر لهم البشرى، والبشرى في الدنيا ما بشر الله به المؤمنين المتقين في غير مكان من كتابه، وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له» وعنه عليه الصلاة والسلام: ذهبت النبوّة وبقيت المبشرات.

وقيل: هي محبة الناس له والذكر الحسن.

وعن أبي ذرّ: قلت: لرسول الله صلى الله عليه وسلم: الرجل يعمل العمل لله ويحبه الناس فقال: «تلك عاجل بشرى المؤمن» وعن عطاء: لهم البشرى عند الموت تأتيهم الملائكة بالرحمة.

قال الله تعالى: ﴿ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الملئكة أَن لا تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بالجنة ﴾ [فصلت: 30] وأمّا البشرى في الآخرة فتلقى الملائكة إياهم مسلمين مبشرين بالفوز والكرامة، وما يرون من بياض وجوههم وإعطاء الصحائف بأيمانهم وما يقرءون منها، وغير ذلك من البشارات ﴿ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ الله ﴾ لا تغيير لأقواله ولا إخلاف لمواعيده، كقوله تعالى: ﴿ مَا يُبَدَّلُ القول لَدَىَّ ﴾ [ق: 29] و ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى كونهم مبشرين في الدارين، وكلتا الجملتين اعتراض.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ ﴾ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ بِالطّاعَةِ ويَتَوَلّاهم بِالكَرامَةِ.

﴿ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ﴾ مِن لُحُوقِ مَكْرُوهٍ.

﴿ وَلا هم يَحْزَنُونَ ﴾ لِفَواتِ مَأْمُولٍ.

والآيَةُ كَمُجْمَلٍ فَسَّرَهُ قَوْلُهُ: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ ﴾ وقِيلَ الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ بَيانٌ لِتَوَلِّيهِمْ إيّاهُ.

﴿ لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ وهو ما بَشَّرَ بِهِ المُتَّقِينَ في كِتابِهِ وعَلى لِسانِ نَبِيِّهِ  وما يُرِيهِمْ مِنَ الرُّؤْيا الصّالِحَةِ وما يَسْنَحُ لَهم مِنَ المُكاشَفاتِ، وبُشْرى المَلائِكَةِ عِنْدَ النَّزْعِ.

﴿ وَفِي الآخِرَةِ ﴾ بِتَلَقِّي المَلائِكَةِ إيّاهم مُسَلِّمِينَ مُبَشِّرِينَ بِالفَوْزِ والكَرامَةِ بَيانٌ لِتَوَلِّيهِ لَهم، ومَحَلُّ ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ النَّصْبُ أوِ الرَّفْعُ عَلى المَدْحِ أوْ عَلى وصْفِ الأوْلِياءِ أوْ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ﴿ لَهُمُ البُشْرى ﴾ .

﴿ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ﴾ أيْ لا تَغْيِيرَ لِأقْوالِهِ ولا إخْلافَ لِمَواعِيدِهِ.

﴿ ذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى كَوْنِهِمْ مُبَشَّرِينَ في الدّارَيْنِ.

﴿ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ والَّتِي قَبْلَها اعْتِراضٌ لِتَحْقِيقِ المُبَشَّرِ بِهِ وتَعْظِيمُ شَأْنِهِ، ولَيْسَ مِن شَرْطِهِ أنْ يَقَعَ بَعْدَهُ كَلامٌ يَتَّصِلُ بِما قَبْلَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤)

{لَهُمُ البشرى فِي الحياة الدنيا} ما بشر الله به المؤمنين المتقين في غير موضع من كتابه وعن النبى صلى الله عليه وسلم هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له وعنه عليه السلام ذهبت النبوة وبقيت المبشرات والرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزاء من النبوة وهذا لأن مدة الوحي ثلاث وعشرون سنة وكان فى ستة

يونس (٦٤ _ ٦٨)

أشهر منها يؤمر في النوم بالإنذار وستة أشهر من ثلاث وعشرين سنة جزء من ستة وأربعين جزءاً أو هي محبة

الناس له والذكر الحسن أو لهم البشرى عند النزع بأن يرى مكانه في الجنة {وَفِي الآخرة} هي الجنة {لاَ تَبْدِيلَ لكلمات الله} لا تغيير لأقواله ولا إخلاف لمواعيده {ذلك} إشارة إلى كونهم مبشرين في الدارين {هُوَ الفوز العظيم} وكلتا الجملتين اعتراض ولا يجب أن يقع بعد الاعتراض كلام كما تقول فلان ينطق بالحق والحق أبلج وتسكت

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ ﴾ اسْتِئْنافٌ جِيءَ بِهِ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِنَفْيِ حُزْنِهِمْ والخَوْفِ عَلَيْهِمْ في قَوْلٍ، وفي آخَرَ جِيءَ بِهِ بَيانًا لِما أوْلاهم سُبْحانَهُ مِن خَيْراتِ الدّارَيْنِ بَعْدَ أنْ أخْبَرَ جَلَّ وعَلا بِإنْجائِهِمْ مِن شُرُورِهِما ومَكارِهِهِما وكَأنَّهُ عَلى هَذا قِيلَ: هَلْ لَهم وراءَ ذَلِكَ مِن نِعْمَةٍ وكَرامَةٍ؟

فَقِيلَ: لَهُمُ البُشْرى إلَخْ.

وتَقْدِيمُ الأوَّلِ لِما أنَّ التَّخْلِيَةَ سابِقَةٌ عَلى التَّحْلِيَةِ مَعَ ما فِيهِ مِن رِعايَةِ حَقِّ المُقابَلَةِ بَيْنَ حُسْنِ حالِ المُؤْمِنِينَ وسُوءِ حالِ المُفْتَرِينَ وتَعْجِيلِ إدْخالِ المَسَرَّةِ بِتَبْشِيرِ الخَلاصِ عَنِ الأهْوالِ وتَوْسِيطِ البَيانِ السّابِقِ بَيْنَ التَّخْلِيَةِ والتَّحْلِيَةِ لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِهَ مَعَ الإيذانِ بِأنَّ انْتِفاءَ ما تَقَدَّمَ لِإيمانِهِمْ واتِّقائِهِمْ عَمّا يُؤَدّى إلَيْهِ مِنَ الأسْبابِ، ومِنَ النّاسِ مَن فَسَّرَ الأوْلِياءَ بِالَّذِينِ يَتَوَلَّوْنَهُ تَعالى بِالطّاعَةِ ويَتَوَلّاهم بِالكَرامَةِ وجَعَلَ ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ إلَخْ تَفْسِيرًا لِتَوَلِّيهِمْ إيّاهُ تَعالى وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَفْسِيرٌ لِتَوْلِيَتِهِ تَعالى إيّاهم.

وتَعَقَّبَ بِأنَّهُ لا رَيْبَ في أنَّ اعْتِبارَ القَيْدِ الأخِيرِ في مَفْهُومِ الوِلايَةِ غَيْرُ مُناسِبٍ لِمَقامِ تَرْغِيبِ المُؤْمِنِينَ في تَحْصِيلِها والثَّباتِ عَلَيْها وبِشارَتِهِمْ بِآثارِها ونَتائِجِها بَلْ مُخِلٌّ بِذَلِكَ إذِ التَّحْصِيلُ إنَّما يَتَعَلَّقُ بِالمَقْدُورِ والِاسْتِبْشارُ لا يَحْصُلُ إلّا بِما عُلِمَ وُجُودُ سَبَبِهِ.

والقَيْدُ المَذْكُورُ لَيْسَ بِمَقُدُورٍ لَهم حَتّى يَحْصُلُوا الوِلايَةَ بِتَحْصِيلِهِ ولا بِمَعْلُومٍ لَهم عِنْدَ حُصُولِهِ حَتّى يَعْرِفُوا حُصُولَ الوِلايَةِ لَهم ويَسْتَبْشِرُوا بِمَحاسِنِ آثارِها بَلِ التَّوَلِّي بِالكَرامَةِ عَيْنُ نَتِيجَةِ الوِلايَةِ فاعْتِبارُهُ في عُنْوانِ المَوْضُوعِ ثُمَّ الإخْبارُ بِعَدَمِ الخَوْفِ والحُزْنِ مِمّا لا يَلِيقُ بِشَأْنِ التَّنْزِيلِ الجَلِيلِ انْتَهى.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ما ارْتَكَبَهُ ذَلِكَ البَعْضُ تَكَلَّفٌ وعُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ فَلا يَنْبَغِي العُدُولُ إلَيْهِ وإنْ كانَ ما ذَكَرَهُ المُتَعَقِّبُ لا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ.

وجُوِّزَ كَوْنُ المَوْصُولِ مُبْتَدَأً وهَذِهِ الجُمْلَةِ خَبَرَهُ، وفي بَعْضِ الأخْبارِ ما يُؤَيِّدُهُ.

و ﴿ البُشْرى ﴾ في الأصْلِ الخَبَرُ بِما يُظْهِرُ السُّرُورَ في بَشْرَةِ الوَجْهِ، ومِثْلُها البِشارَةُ وتُطْلَقُ عَلى المُبَشَّرِ بِهِ مِن ذَلِكَ وإلى إرادَةِ كُلٍّ ذَهَبَ بَعْضٌ، والظَّرْفانِ بَعْدَهُ عَلى الأوَّلِ مُتَعَلِّقانِ بِهِ وعَلى الثّانِي في مَوْضِعِ الحالِ مِنهُ، والعامِلُ ما في الخَبَرِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ أيْ لَهُمُ البُشْرى حالَ كَوْنِها في الدُّنْيا وحالَ كَوْنِها في الآخِرَةِ أيْ عاجِلَةً وآجِلَةً، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ أيْ حالَ كَوْنِهِمْ في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، والثّابِتُ في أكْثَرِ الرِّواياتِ أنَّ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا هي الرُّؤْيا الصّالِحَةُ الَّتِي هي جُزْءٌ مِن سِتَّةٍ وأرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ كَما هو المَشْهُورُ، أوْ جُزْءٌ مِن سَبْعِينَ جُزْءًا مِنها كَما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وأبِي هُرَيْرَةَ وهو وابْنُ ماجَهْ عَنِ الأوَّلِ.

فَقَدْ أخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ وأحْمَدُ والدّارِمِيُّ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَهْ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ وغَيْرُهم «عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ قالَ: سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ قالَ: هي الرُّؤْيا الصّالِحَةُ يَراها المُؤْمِنُ أوْ تُرى لَهُ» .

وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ  عَنْ ذَلِكَ فَأُجِيبَ بِما ذُكِرَ أيْضًا، وأخْرَجَ مِن طَرِيقِ أبِي سُفْيانَ عَنْ جابِرٍ مِثْلَ ذَلِكَ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وأبُو الشَّيْخِ وأبُو القاسِمِ ابْنُ مَندَهْ مِن طَرِيقِ أبِي جَعْفَرٍ عَنْ جابِرٍ المَذْكُورِ قالَ: «أتى رَجُلٌ مِن أهْلِ البادِيَةِ رَسُولَ اللَّهِ  فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ ﴾ ﴿ لَهُمُ البُشْرى ﴾ إلَخْ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ فَهي الرُّؤْيا الحَسَنَةُ تُرى لِلْمُؤْمِنِ فَيُبَشَّرُ بِها في دُنْياهُ، وأمّا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وفِي الآخِرَةِ ﴾ فَإنَّها بِشارَةُ المُؤْمِنِ عِنْدَ المَوْتِ أنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ ولِمَن حَمَلَكَ إلى قَبْرِكَ،» وجاءَ مَرْفُوعًا ومَوْقُوفًا عَنْ غَيْرِ واحِدٍ تَفْسِيرُها بِما ذُكِرَ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا هي قَوْلُهُ تَعالى لِنَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ﴿ وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم مِنَ اللَّهِ فَضْلا كَبِيرًا ﴾ .

وعَنِ الزَّجّاجِ والفَرّاءِ أنَّها هَذا وما يُشاكِلُهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أنَّ لَهم قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ .

وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ ﴾ الآيَةَ وقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿ وبَشِّرِ الصّابِرِينَ ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وغَيْرُهُ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ قالَ في ذَلِكَ: إنَّهم يَعْلَمُونَ أيْنَ هم قَبْلَ أنْ يَمُوتُوا.

وجاءَ في تَفْسِيرِ البُشْرى في الآخِرَةِ ما سَمِعْتَ في الخَبَرِ عَنْ جابِرٍ الأخِيرِ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا أنَّها الجَنَّةُ، وعَنْ عَطاءٍ أنَّ البُشْرى في الدُّنْيا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ عِنْدَ المَوْتِ بِالرَّحْمَةِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ألا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ ﴾ وأمّا البُشْرى في الآخِرَةِ فَتَلْقى المَلائِكَةُ إيّاهم مُسْلِمِينَ مُبَشَّرِينَ بِالفَوْزِ والكَرامَةِ وما يَرَوْنَ مِن بَياضِ وُجُوهِهِمْ وإعْطاءِ الصَّحائِفِ بِأيْمانِهِمْ وما يَقْرَأُونَ مِنها وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ البِشاراتِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالبُشْرى العاجِلَةِ نَحْوَ النَّصْرِ والفَتْحِ والغَنِيمَةِ والثَّناءِ الحَسَنِ والذِّكْرِ الجَمِيلِ ومَحَبَّةِ النّاسِ وغَيْرِ ذَلِكَ وأمّا البُشْرى الآجِلَةُ فَغَنِيَّةٌ عَنِ البَيانِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا يَنْبَغِي العُدُولُ عَمّا ورَدَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في تَفْسِيرِ ذَلِكَ إذا صَحَّ وحَيْثُ عَدَلَ مَن عَدَلَ لِعَدَمِ وُقُوفِهِ عَلى ذَلِكَ فِيما أظُنُّ، فالأوْلى أنْ يُحْمَلَ البُشْرى في الدّارَيْنِ عَلى البِشارَةِ بِما يُحَقِّقُ نَفْيَ الخَوْفِ والحُزْنِ كائِنًا ما كانَ، ويُرْشِدُ إلى ذَلِكَ السِّباقِ، ومِن أجْلِ ذَلِكَ بُشْرى المَلائِكَةِ لَهم بِذَلِكَ وقْتًا فَوَقْتًا حَتّى يَدْخُلُوا الجَنَّةَ، وقَدْ نَطَقَ الكِتابُ العَزِيزُ في غَيْرِ مَوْضِعٍ بِهَذِهِ البُشْرى مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا بِها بِرَحْمَتِهِ وكَرَمِهِ ﴿ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ﴾ أيْ لا تَغْيِيرَ لِأقْوالِهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها مَواعِيدُهُ الوارِدَةُ بِشارَةً لِلْمُومِنِينَ المُتَّقِينَ فَيَدْخُلُ فِيها البِشاراتُ الوارِدَةُ هَهُنا دُخُولًا أوَّلِيًّا ويَثْبُتُ امْتِناعُ الإخْلافِ فِيها لُطْفًا وكَرَمًا ثُبُوتًا قَطْعِيًّا، وأُرِيدَ مِن عَدَمِ تَبْدِيلِ كَلِماتِهِ سُبْحانَهُ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ مِنَ البُشْرى الرُّؤْيا الصّالِحَةِ عَدَمُ الخُلْفِ بَيْنَها وبَيْنَ ما دَلَّ عَلى ثُبُوتِها ووُقُوعِها فِيما سَيَأْتِي بِطَرِيقِ الوَعْدِ مِن قَوْلِهِ تَبارَكَ اسْمُهُ: ﴿ لَهُمُ البُشْرى ﴾ لا عَدَمَ الخُلْفِ بَيْنَها وبَيْنَ نَتائِجِها الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ ولَمْ يَظْهَرْ لِي وجْهُهُ بَعْدَ التَّدَبُّرِ، والمَشْهُورُ أنَّ الرُّؤْيا الصّالِحَةَ لا يَتَخَلَّفُ ما تَدُلُّ عَلَيْهِ.

وقَدْ جاءَ مِن حَدِيثِ الحَكِيمِ التِّرْمِذِيِّ وغَيْرِهِ «عَنْ عُبادَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ لَهُ في الرُّؤْيا الصّالِحَةَ: كَلامٌ يُكَلِّمُ بِهِ رَبُّكَ عَبْدَهُ في المَنامِ» ﴿ ذَلِكَ ﴾ أيْ ما ذُكِرَ مِن أنَّ لَهُمُ البُشْرى في الدّارَيْنِ ﴿هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ 64﴾ الَّذِي لا فَوْزَ وراءَهُ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى البُشْرى بِمَعْنى التَّبْشِيرِ وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى النَّعِيمِ الَّذِي وقَعَتْ بِهِ البُشْرى وجَعَلَ غَيْرُ واحِدٍ الجُمْلَةَ الأوْلى وهَذِهِ الجُمْلَةَ اعْتِراضًا جِيءَ بِهِ لِتَحْقِيقِ المُبَشَّرِ بِهِ لِتَعْظِيمِ شَأْنِهِ وهو مَبْنِيٌّ عَلى جَوازِ تَعَدُّدِ الِاعْتِراضِ وعَلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في آخِرِ الكَلامِ ولِذا قالَ العَلّامَةُ الطَّيِّبِيُّ: ولَوْ جَعَلْتَ الأُولى مُعْتَرِضَةً والثّانِيَةَ تَذْيِيلًا لِلْمُعْتَرِضِ والمُعْتَرِضِ فِيهِ ومُؤَكِّدَةً لَهُما كانَ أحْسَنَ بِناءً عَلى أنَّ ما في آخِرِ الكَلامِ يُسَمّى تَذْيِيلًا اعْتِراضًا وهو مُجَرَّدُ اصْطِلاحٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ، يعني: المؤمنين، ويقال: أحباء الله، وهم حملة القرآن والعلم.

ويقال: الَّذين يجتنبون الذُّنوب في الخلوات، ويعلمون أنّ الله تعالى مُطَلِّعٌ عليهم.

وروي عن النبيّ  أنّه سُئِل عن أولياء الله تعالى، فقال: «هُمُ الّذين أداموا ذُكِرَ الله تَعَالَى» .

وقال وهب بن منبه: قال الحواريُّون لعيسى ابنِ مريمَ: يا روحَ الله، مَنْ أولياء الله؟

قال: «الَّذين نظروا إلى باطن الدنيا حين نظر النَّاس إلى ظاهرها، ونظروا إلى أجل الدنيا حين نظر الناس إلى عاجلها، فأحبُّوا ذِكْرَ الموت، وأماتوا ذِكْرَ الحياة، ويحبُّون الله تعالى، ويحبُّون ذكره» .

وقال الضَّحَّاك: أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ يعني: المخلصين لله، لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ يعني: لا يخافون من أهوال يوم القيامة وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ حين زفرت جهنَّم.

ثمَّ نعتهم فقال تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ يعني: أقرُّوا وصدَّقوا بوحدانية الله تعالى، ويتّقون الشّرك والفواحش، هُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا يعني: البشارة، وهي الرُّؤيا الصَّالحة يراها العبد المسلم لنفسه، أو يرى له غيره.

وروي عن عبد الله بن عُمَر عن النبيّ  أنه قال: «الرُّؤيا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءاً مِنَ النّبوَّةِ» .

وفي خبر آخر: «مِنْ أرْبَعِينَ جُزْءا مِنَ النّبوَّةِ» (١) ، قال أبو الدَّرداء: ما سألني أحد منذ سألت عنها رسول الله  فقال: «مَا سَأَلَنِي عَنْهَا أحَدٌ قَبْلَكَ، هِيَ الرُّؤيا الصَّالِحَة يَرَاهَا المُسْلِمُ، أَوْ ترى له» (٢) ثمّ قال: فِي الْآخِرَةِ : الجنَّةُ.

وعن عبادة بن الصامت، أنه سأل النبيّ  ، فأجابه بمثل ذلك.

ويقال: هُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا يعني: عند الموت تبشّرهم الملائكة، كما قال في آية أخرى: تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ.

فِي الْآخِرَةِ تبشّرهم الملائكة حين يخرجون من قبورهم.

تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ : يقول: لا تغيير ولا تحويل لقول الله، لأنَّ قوله حقٌّ بأنّ هُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا.

ويقال: تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ، يعني: لا خلف لمواعيده التي وعد في القرآن.

لِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ يعني: الثَّواب الوافر.

ويقال: النجاة الوافرة.

(١) حديث أبي هريرة عند مسلم (2263) (8) وأحمد 2/ 233 وابن ماجة (3894) بلفظ جزء من ستة وأربعين.

ومن حديث أنس عند مالك: 2/ 956 والبخاري (6983) ومسلم (2264) وحديث ابن عمر عند مسلم (2265) وأحمد 2/ 18، 50 وابن ماجة (3897 وابن رزين عند الترمذي (2279) وابن ماجة (2279) وابن ماجة (3914) وأحمد: 4/ 10.

(٢) عزاه السيوطي 4/ 374 إلى سعيد بن منصور وأحمد والترمذي وحسّنه وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

جميعَ فَضْل اللَّه سبحانَهُ، وجميعَ تَقْصير الخَلْقِ.

وقوله سبحانه: وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ ...

الآية: مَقْصِدُ هذه الآية وصْفُ إِحاطة اللَّه عزَّ وجلَّ بكلِّ شيء، لا ربَّ غيره، ومعنى اللفْظِ: وما تكُونُ يا محمَّد، والمرادُ هو وَغَيْرُهُ في شأن من جميع الشؤون، وَما تَتْلُوا مِنْهُ: الضمير عائدٌ على شَأْن أي: فيه وبسببه «مِن قُرْآنٍ» ، ويحتمل أنْ يعود الضميرُ على جميع القرآن.

وقال ص: ضمير «منه» عائد على «شأن» ومِنْ قُرْآنٍ: تفسيرٌ للضمير.

انتهى.

وهو حَسَن، ثم عمَّ سبحانه بقوله: وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ، وفي قوله سبحانه:

إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً تحذيرٌ وتنبيهٌ.

ت وهذه الآية عظيمةُ المَوْقِعِ لأَهْل المراقبة تثيرُ من قلوبهم أسراراً، ويغترفون من بحر فيضها أنوارا، وتُفِيضُونَ معناه: تأخذون وتَنْهَضُون بِجِدٍّ، وَما يَعْزُبُ:

معناه: وما يَغِيبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ والكتابُ المُبينُ هو اللوحُ المحفوظُ، ويحتملُ ما كتبته الحفظة.

أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤)

وقوله سبحانه: أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ ...

الآيةُ: «ألا» استفتاح وتنبيه، وأَوْلِياءَ اللَّهِ: هم المؤمنون الذينَ وَالوهُ بالطاعةِ والعبادةِ، وهذه الآية يُعْطِي ظاهرُها أَنَّ مَنْ آمَنَ واتقَى اللَّه، فَهُوَ داخلٌ في أولياء اللَّه، وهذا هو الذي تقتضيه الشريعةُ في الوَلِيِّ، وروي عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أَنَّهُ سُئِلَ، مَنْ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ؟

فَقَالَ: «الَّذِينَ إذا رأيتهم ذكرت الله» «١» .

قال: ع «٢» : وهذا وصفٌ لازِمٌ للمتَّقِين لأنهم يَخْشَعُونَ ويُخْشِّعُونَ، وروي عنه صلّى الله عليه وسلّم أيضاً أَنَّهُ قَالَ: «أَوْلِيَاءُ اللَّه قَوْمٌ تَحَابُّوا فِي اللَّهِ، وَاجْتَمَعُوا في ذَاتِهِ، لَمْ تَجْمَعْهُمْ قَرَابَةٌ وَلاَ مَالٌ يَتَعَاطَوْنَهُ» .

وروى الدارقطنيُّ في «سننه» عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال: «خيار عباد

اللَّهِ الَّذِينَ إِذَا رؤُوا، ذُكِرَ اللَّهُ، وَشَرُّ عباد الله المشّاءون بِالنَّمِيمَةِ المُفَرِّقُونَ بَيْنَ الأَحِبَّةِ، البَاغُونَ للْبُرَآءِ العَيْبَ» «١» .

انتهى من «الكوكب الدُّرِّيِّ» .

وقوله: لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ يعني: في الآخرةِ، ويحتملُ في الدنيا لا يخافُونَ أَحداً من أَهل الدنيا، ولا من أعراضها، ولا يحزنون على ما فاتهم منها، والأولُ أظهر، والعمومُ في ذلك صحيحٌ: لاَ يَخَافُونَ في الآخرة جملةً، ولا في الدنيا الخَوْفَ الدُّنْيَوِيَّ.

وذكر الطبريُّ عن جماعة/ من العلماء مثْلَ ما في الحديثِ في الأولياء أنهم هُمُ الَّذِينَ إِذَا رَآهُمُ أَحَدٌ، ذَكَرَ اللَّهَ، وروي فيهم حديث «أَنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ هُمْ قَوْمٌ يَتَحَابُّونَ فِي اللَّهِ وَيُجْعَلُ لَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ مَنَابِرُ مِنْ نُورٍ، وَتُنِيرُ وُجُوهُهُمْ، فَهُمْ في عَرَصَاتِ القِيَامَةِ لاَ يَخَافُونَ وَلاَ يَحْزَنُون» «٢» وروى عمر بن الخطاب أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ عِبَاداً مَا هُمْ بِأَنْبِيَاءَ وَلاَ شُهَدَاءَ يَغبُطُهُمُ الأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ لَمَكَانَتِهِمْ مِنَ اللَّهِ، قَالُوا: وَمَنْ هُمُ، يَا رَسُولَ اللَّهِ؟

قَالَ: قَوْمٌ تَحَابُّوا بِرُوحِ اللَّهَ عَلَى غَيْرِ أَرْحَامٍ، وَلا أَمْوَالٍ ...

»

الحديثَ، ثم قرأَ: أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ «٣» .

ت وقد خرَّج هذا الحديثَ أبو داود والنسائيُّ، قال أبو داود في هذا الحديث:

فو الله، إِنَّ وجوههم لَنُورٌ، وإِنهم لَعَلَى نُورٍ، ذكره بإِسنادٍ آخر.

انتهى.

ورواه أيضاً ابن المبارك في «رقائقه» بسنده، عن أبي مالك الأشعريِّ أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أقبل على النّاس، فقال: «يا أيّها النَّاسُ اسمعوا واعقلوا، واعلموا أَنَّ لِلَّهِ عِبَاداً لَيْسُوا بَأَنْبِيَاءَ وَلاَ شُهَدَاءَ، يَغْبُطُهُمُ النَّبِيُّونَ وَالشُّهَدَاءُ عَلَى مَجَالِسِهِمْ وَقُرْبِهِمْ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» ، فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ: انْعَتْهُمْ لَنَا، يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَقَالَ: هُمْ نَاسٌ مِنْ أَبْنَاءِ النَّاسِ، لَمْ تَصِلْ بَيْنَهُمْ أَرْحَامٌ مُتَقَارِبَةٌ، تَحَابُّوا فِي اللَّهِ، وتَصَافَوْا فيهِ، يَضَعُ اللَّهُ لَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ فَيُجْلِسُهُمْ عَلَيْهَا فَيَجْعَلُ وُجُوهَهُمْ نُوراً وَثِيَابَهُمْ نُوراً، يَفْزَعُ النَّاسُ يَوْمَ القِيَامَةِ، وهم لا يفزعون، وهم

أولياء الله لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون» .

انتهى «١» .

وقوله تعالى: هُمُ الْبُشْرى ...

الآية: أَمَّا بشرَى الآخرة، فهي بالجنَّةِ بلا خلاف قولاً واحداً، وذلك هو الفَضْل الكبير، وأَمَّا بُشْرَى الدنيا، فَتَظاهَرَت الأَحاديث من طرق، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أَنَّهَا «الرُّؤْيا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الْمُؤْمِنُ أَوْ تُرَى لَهُ» «٢» ، وقال قتادة والضَّحَّاك: البُشْرَى في الدنيا: هِيَ ما يُبَشَّرُ به المؤمنُ عِنْد موته، وهو حَيٌّ عند المعاينة، ويصح أنْ تكون بُشْرَى الدنيا ما في القرآن من الآيات المبشّرات ويقوّى ذلك بقوله: تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ

، ويؤوّل قوله صلّى الله عليه وسلّم: «هِيَ الرُّؤْيَا» أنه أعطَى مثالاً يعمُّ جميع الناس.

وقوله سبحانه: تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ

: يريد: لا خُلْفَ لمواعيده، ولا رَدَّ في أمره، وقد أخذ ذلك ابنُ عُمَرَ علَى نحو غَيْرِ هذا، وجَعَلَ التبديلَ المنفيَّ في الألفاظ، وذلك أنَّه روي أَنَّ الحجاج خَطَبَ، فَقَالَ: أَلاَ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْر قَدْ بَدَّلَ كِتَابَ اللَّهِ، فقال له

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ ﴾ رَوى ابْنُ عَبّاسٍ «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَن أوْلِياءُ اللَّهِ ؟

قالَ " الَّذِينَ إذا رُؤُوا ذُكِرَ اللَّهُ "» .

ورَوى عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ " «إنَّ مِن عِبادِ اللَّهِ لَأُناسًا ما هم بِأنْبِياءَ ولا شُهَداءَ يَغْبِطُهُمُ الأنْبِياءُ والشُّهَداءُ يَوْمَ القِيامَةِ لِمَكانِهِمْ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ " قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَن هم، وما أعْمالُهم لَعَلَّنا نُحِبُّهم ؟

قالَ " هم قَوْمٌ تُحابُّوا بِرُوحِ اللَّهِ عَلى غَيْرِ أرْحامٍ بَيْنَهم وَلا أمْوالٍ يَتَعاطَوْنَها، فَواللَّهِ إنَّ وُجُوهَهم لَنُورٌ، وإنَّهم لَعَلى مَنابِرَ مِن نُورٍ، لا يَخافُونَ إذا خافَ النّاسُ "، ثُمَّ قَرَأ " ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ "» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها الرُّؤْيا الصّالِحَةُ يَراها الرَّجُلُ الصّالِحُ، أوْ تُرى لَهُ، رَواهُ عُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ، وأبُو الدَّرْداءِ، وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وأبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ  .

والثّانِي: أنَّها بِشارَةُ المَلائِكَةِ لَهم عِنْدَ المَوْتِ، قالَهُ الضَّحّاكُ، وقَتادَةُ، والزُّهْرِيُّ.

والثّالِثُ: أنَّها ما بَشَّرَ اللَّهُ بِهِ في كِتابِهِ مِن جَنَّتِهِ وثَوابِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا  ﴾ ، ﴿ وَأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ  ﴾ ، ﴿ يُبَشِّرُهم رَبُّهُمْ  ﴾ ، وهَذا قَوْل الحَسَنِ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ، واسْتَدَلّا بِقَوْلِهِ: ﴿ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ﴾ .

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا خُلْفَ لِمَواعِيدِهِ، وذَلِكَ أنَّ مَواعِيدَهُ بِكَلِماتِهِ، فَإذا لَمْ تُبَدَّلِ الكَلِماتِ، لَمْ تُبَدَّلِ المَواعِيدُ.

فَأمّا بُشْراهم في الآخِرَةِ، فَفِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها الجَنَّةُ، رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ  ، واخْتارَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّانِي: أنَّهُ عِنْدَ خُرُوجِ الرُّوحِ تُبَشَّرُ بِرِضْوانِ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّها عِنْدَ الخُرُوجِ مِن قُبُورِهِمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُنْيا وفي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللهِ ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ ﴾ ﴿ وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهم إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هو السَمِيعُ العَلِيمُ ﴾ ﴿ ألا إنَّ لِلَّهِ مَن في السَماواتِ ومَن في الأرْضِ وما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مَن دُونِ اللهِ شُرَكاءَ إنَّ يَتَّبِعُونَ إلا الظَنَّ وإنْ هم إلا يَخْرُصُونَ ﴾ أمّا بُشْرى الآخِرَةِ فَهي بِالجَنَّةِ قَوْلًا واحِدًا، وتِلْكَ هي الفَضْلُ الكَبِيرُ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿ وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم مِنَ اللهِ فَضْلا كَبِيرًا  ﴾ ، وأمّا بُشْرى الدُنْيا فَتَظاهَرَتِ الأحادِيثُ عن رَسُولِ اللهِ  أنَّها الرُؤْيا الصالِحَةُ يَراها المُؤْمِنُ أو تُرى لَهُ، رَوى ذَلِكَ عن رَسُولِ اللهِ  أبُو الدَرْداءِ، وعِمْرانُ بْنُ حُصَيْنٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ عَبّاسٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عنهم جَمِيعًا-، وغَيْرُهم عَلى أنَّهُ سُئِلَ عن ذَلِكَ فَفَسَّرَهُ بِالرُؤْيا، وعَنِ النَبِيِّ  في صَحِيحٍ مُسْلِمٍ أنَّهُ قالَ: «لَمْ يَبْقَ مِنَ المُبَشِّراتِ إلّا الرُؤْيا الصالِحَةُ،» ورَوَتْ عنهُ أمُّ كِنْدٍ الكَعْبِيَّةُ أنَّهُ قالَ: « "ذَهَبَتِ النُبُوءَةُ وبَقِيَتِ المُبَشِّراتُ"»، وقالَ قَتادَةُ، والضَحّاكُ: البُشْرى في الدُنْيا هي ما يُبَشَّرُ بِهِ المُؤْمِنُ عِنْدَ مَوْتِهِ وهو حَيٌّ عِنْدَ المُعايَنَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ بُشْرى الدُنْيا ما في القُرْآنِ مِنَ الآياتِ المُبَشِّراتِ، ويُقَوّى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللهِ ﴾ وإنْ كانَ ذَلِكَ كُلُّهُ يُعارِضُهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : "هِيَ الرُؤْيا" إلّا إنْ قُلْنا: إنَّ النَبِيَّ  أعْطى مِثالًا مِنَ البُشْرى، وهي تَعُمُّ جَمِيعَ الناسِ، وقَوْلُهُ: ﴿ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللهِ ﴾ يُرِيدُ: لا خُلْفَ لِمَواعِيدِهِ ولا رَدَّ في أمْرِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ أخَذَ ذَلِكَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما عَلى نَحْوٍ غَيْرِ هَذا، وجَعَلَ التَبْدِيلَ المَنفِيَّ في الألْفاظِ، وذَلِكَ أنَّهُ رُوِيَ أنَّ الحَجّاجَ بْنَ يُوسُفَ خَطَبَ فَأطالَ خُطْبَتَهُ حَتّى قالَ: إنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُبَيْرِ قَدْ بَدَّلَ كِتابَ اللهِ، فَقالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: إنَّكَ لا تُطِيقُ ذَلِكَ أنْتَ ولا ابْنُ الزُبَيْرِ ﴿ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللهِ ﴾ ، فَقالَ لَهُ الحَجّاجُ: لَقَدْ أُعْطِيتَ عِلْمًا، فَلَمّا انْصَرَفَ إلَيْهِ في خاصَّتِهِ سَكَتَ عنهُ، وقَدْ رُوِيَ هَذا النَظَرُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في غَيْرِ مُقاوَلَةِ الحَجّاجِ، ذَكَرَهُ البُخارِيُّ.

وقَوْلُهُ: ﴿ ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ ﴾ إشارَةٌ إلى النَعِيمِ الَّذِي بِهِ وقَعَتِ البُشْرى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَحْزُنْكَ ﴾ الآيَةُ.

هَذِهِ آيَةُ تَسْلِيَةٍ لِمُحَمَّدٍ  ، والمَعْنى: ولا يَحْزُنْكَ يا مُحَمَّدُ ويُهِمُّكَ قَوْلُهُمْ، أيْ قَوْلُ كُفّارِ قُرَيْشٍ، ولَفْظَةُ "القَوْلِ" تَعُمُّ جُحُودَهم واسْتِهْزاءَهم وخِداعَهم وغَيْرَ ذَلِكَ.

ثُمَّ ابْتَدَأ بِوُجُوبِ أنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا، أيْ: فَهم لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ ولا يُؤْذُونَكَ إلّا بِما شاءَ اللهُ، وهو القادِرُ عَلى عِقابِهِمْ، لا يُعازُّهُ شَيْءٌ، فَفي الآيَةِ وعِيدٌ لَهم.

وكَسْرُ "إنَّ" في الِابْتِداءِ ولا ارْتِباطَ لَها بِالقَوْلِ المُتَقَدِّمِ لَها.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لا يَجُوزُ فَتْحُ "إنَّ" في هَذا المَوْضِعِ وهو كُفْرٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَوْلُهُ: "وَهُوَ كُفْرٌ" غُلُوٌّ، وكَأنَّ ذَلِكَ يَخْرُجُ عَلى تَقْدِيرِ: لِأجْلِ أنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ هُوَ السَمِيعُ ﴾ أيْ لِجَمِيعِ ما يَقُولُونَهُ، ﴿ العَلِيمُ ﴾ بِما في نُفُوسِهِمْ مِن ذَلِكَ، وفي ضِمْنِ هَذِهِ الصِفاتِ تَهْدِيدٌ.

ثُمَّ اسْتَفْتَحَ بِقَوْلِهِ: ﴿ ألا إنَّ لِلَّهِ مَن في السَماواتِ ومَن في الأرْضِ ﴾ أيْ بِالمِلْكِ والإحاطَةِ، وغَلَّبَ مَن يَعْقِلُ في قَوْلِهِ: "مَن" إذْ لَهُ مُلْكُ الجَمِيعِ ما فِيها ومَن فِيها، وإذْ جاءَتِ العِبارَةُ بِما فَذَلِكَ تَغْلِيبٌ لِلْكَثْرَةِ، إذِ الأكْثَرُ عَدَدًا مِنَ المَخْلُوقاتِ لا يَعْقِلُ، فَـ"مَن" تَقَعُ لِلصِّنْفَيْنِ بِمَجْمُوعِهِما، و"ما" كَذَلِكَ"، ولا تَقَعُ لِما يَعْقِلُ إذا تَجَرَّدَ مِنَ الصِفاتِ والأحْوالِ، ألا تَرى لَوْ ذَكَرْتُ لَكَ قَوْلَةً في مَسْألَةٍ فَأرَدْتَ أنْ تَسْألَ عن قائِلِها، أيَجُوزُ في كَلامِ العَرَبِ أنْ تَقُولَ: "ما قائِلُ هَذا القَوْلِ؟" هَذا ما يَتَقَلَّدُهُ مَن يَفْهَمُ كَلامَ العَرَبِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَما يَتَّبِعُ ﴾ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ "ما" اسْتِفْهامًا بِمَعْنى التَقْرِيرِ وتَوْقِيفِ نَظَرِ المُخاطَبِ، ويَعْمَلُ "يَدْعُونَ" في قَوْلِهِ: "شُرَكاءَ".

ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ نافِيَةً وَيَعْمَلُ "يَتَّبِعُ" في "شُرَكاءَ" عَلى مَعْنى أنَّهم لا يَتَّبِعُونَ شُرَكاءَ حَقًّا، ويَكُونُ مَفْعُولُ "يَدْعُونَ" مَحْذُوفًا، وفي هَذا الوَجْهِ عِنْدِي تَكَلُّفٌ.

وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ: "تَدْعُونَ" بِالتاءِ، وهي قِراءَةٌ غَيْرُ مُتَّجِهَةٍ، وقَوْلُهُ: "إنْ" نافِيَةٌ، و"يَخْرُصُونَ" مَعْناهُ: يَحْدِسُونَ ويُخَمِّنُونَ، لا يَقُولُونَ بِقِياسٍ ولا نَظَرٍ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَلا يُحْزِنْكَ" مِن أحْزَنَ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَلا يَحْزُنْكَ" مِن حَزَنَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف للتصريح بوعد المؤمنين المعرَّض به في قوله: ﴿ إلاَّ كنا عليكم شهوداً إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك ﴾ [يونس: 61] الآية، وبتسلية النبي صلى الله عليه وسلم على ما يلاقيه من الكفار من أذى وتهديد، إذ أعلن الله للنبيء والمؤمنين بالأمن من مخافة أعدائهم، ومن الحزن من جراء ذلك، ولمح لهم بعاقبة النصر، ووعدهم البشرى في الآخرة وعداً لا يقبل التغيير ولا التخلف تطميناً لنفوسهم، كما أشعر به قوله عقبه ﴿ لا تَبديل لكلمات الله ﴾ .

وافتتاح الكلام بأداة التنبيه إيماء إلى أهمية شأنه، كما تقدم في قوله: ﴿ ألا إنهم هم المفسدون ﴾ في سورة [البقرة: 12]، ولذلك أكدت الجملة بإنَّ } بعد أداة التنبيه.

وفي التعبير ب ﴿ أولياء الله ﴾ دون أن يؤتى بضمير الخطاب كما هو مقتضى وقوعه عقب قوله: ﴿ وما تعملون من عمل ﴾ [يونس: 61] يؤذن بأن المخاطبين قد حق لهم أنهم من أولياء الله مع إفادة حكم عام شملهم ويشمل من يأتي على طريقتهم.

وجملة: ﴿ لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾ خبر ﴿ إن ﴾ .

والخوف: توقع حصول المكروه للمتوقِّع، فيتعدى بنفسه إلى الشيء المتوقَّع حصوله.

فيقال: خاف الشيْء، قال تعالى: ﴿ فلا تخافوهم وخَافون ﴾ [آل عمران: 175].

وإذا كان توقع حصول المكروه لغير المتوقع يقال للمتوقَّع: خاف عليه، كقوله تعالى: ﴿ إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم ﴾ [الشعراء: 135].

وقد اقتضى نظم الكلام نفي جنس الخوف لأن (لا) إذا دخلت على النكرة دلت على نفي الجنس، وأنها إذا بني الاسم بعدها على الفتح كان نفي الجنس نصاً وإذا لم يُبنَ الاسم على الفتح كان نفي الجنس ظاهراً مع احتمال أن يراد نفي واحد من ذلك الجنس إذا كان المقام صالحاً لهذا الاحتمال، وذلك في الأجناس التي لها أفراد من الذوات مثل رجل، فأما أجناس المعاني فلا يتطرق إليها ذلك الاحتمال فيستوي فيها رفع اسم (لا) وبناؤه على الفتح، كما في قول إحدى نساء حديثثِ أم زرع «زوجي كلَيْللِ تهامة لا حَرّ ولا قرّ ولا مخافة ولا سآمة» فقد رويت هذه الأسماء بالرفع وبالبناء على الفتح.

فمعنى ﴿ لا خوف عليهم ﴾ أنهم بحيث لا يخاف عليهم خائف، أي هم بمأمننٍ من أن يُصيبهم مكروه يُخاف من إصابة مِثلِه، فهم وإن كانوا قد يهجس في نفوسهم الخوف من الأعداء هجساً من جبلة تأثر النفوس عند مشاهدة بوادر المخافة، فغيرهم ممن يَعلم حالهم لا يَخَاف عليهم لأنه ينظر إلى الأحوال بنظر اليقين سَليماً من التأثر بالمظاهر، فحالهم حال من لا ينبغي أن يخاف، ولذلك لا يَخاف عليهم أولياؤهم لأنهم يأمنون عليهم من عاقبة ما يتوجَّسون منه خيفة، فالخوف الذي هو مصدر في الآية يقدر مضافاً إلى فاعله وهو غيرهم لا محالة، أي لا خوف يخافه خائف عليهم، وهم أنفسهم إذا اعتراهم الخوف لا يلبث أن ينقشع عنهم وتحل السكينة محله، كما قال تعالى: ﴿ وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين ﴾ [التوبة: 25، 26]، وقال لموسى: ﴿ لا تَخاف دَرَكا ولا تخشى ﴾ [طه: 77]، وقال: ﴿ إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون ﴾ .

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر يدعو الله بالنصر ويكثر من الدعاء ويقول: «اللهم إن تهلك هذه العصابة لم تعبد في الأرض» ثم خرج وهو يقول: ﴿ سيهزم الجمع ويولون الدبر ﴾ [القمر: 45].

ولهذا المعنى الذي أشارت إليه الآية تغير الأسلوب في قوله: ﴿ ولا هم يحزنون ﴾ فأسند فيه الحزن المنفي إلى ضمير ﴿ أولياء الله ﴾ مع الابتداء به، وإيراد الفعل بَعده مسنداً مفيداً تقوي الحكم، لأن الحزن هو انكسار النفس من أثر حصول المكروه عندها فهو لا توجد حقيقته إلا بعد حصوله، والخوف يكون قبل حصوله، ثم هم وإن كانوا يحزنون لما يصيبهم من أمور في الدنيا كقول النبي صلى الله عليه وسلم «وإنّا لفراقك يا إبراهيم لمحزنون» فذلك حزن وجداني لا يستقر بل يزول بالصبر، ولكنهم لا يلحقهم الحزن الدائم وهو حزن المذلة وغلبة العدو عليهم وزوال دينهم وسلطانهم، ولذلك جيء في جانب نفي الحزن عنهم بإدخال حرف النفي على تركيب مفيد لتقوي الحكم بقوله: ﴿ ولا هم يحزنون ﴾ لأن جملة: ﴿ هم يحزنون ﴾ يفيد تقديم المسند إليه فيها تقوي الحكم الحاصل بالخبر الفعلي، فالمعنى لا يحصل لهم خوف متمكن ثابت يبقى فيهم ولا يجدون تخلصاً منه.

فالكلام يفيد أن الله ضمن لأوليائه أن لا يحصل لهم ما يخافونه وأن لا يحل بهم ما يحزنهم.

ولما كان ما يُخاف منه من شأنه أن يُحزن من يصيبه كان نفي الحزن عنهم مؤكِّداً لمعنى نفي خوف خائف عليهم.

وجمهور المفسرين حملوا الخوف والحزن المنفيين على ما يحصل لأهل الشقاوة في الآخرة بناء على أن الخوف والحزن يحصلان في الدنيا، كقوله: ﴿ فأوجس في نفسه خيفة موسى ﴾ [طه: 67].

وقد علمت ما يُغني عن هذا التأويل، وهو يبعد عن مفاد قوله: ﴿ لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة ﴾ .

والولي: الموالي، أي المحالف والناصر.

وكلها ترجع إلى معنى الوَلْي (بسكون اللام)، وهو القرب وهو في معنى الولي كلها قرب مجازي.

وتقدم في قوله تعالى: ﴿ قل أغير الله اتخذ ولياً ﴾ في سورة [الأنعام: 14].

وهو قرب من الجانبين، ولذلك فسروه هنا بأنه الذي يتولى الله بالطاعة ويتولاه الله بالكرامة.

وقد بين أولياء الله في هذه الآية بأنهم الذين آمنوا واتقوا، فاسم الموصول وصلته خبر وما بينهما اعتراض، أو يجعل جملة: لا خوف عليهم } خبر ﴿ إنّ ﴾ ويجعل اسم الموصول خبرَ مبتدأ محذوف حذفاً جارياً على الاستعمال، كما سماه السكاكي في حذف المسند إليه.

5 وأياً ما كان فهذا الخبر يفيد أن يعرف السامع كنه معنى أولياء الله اعتناء بهم على نحو ما قيل في قول أوس بن حجر: الألْمعِي الذي يظن بك الظَّنَّ *** كأنْ قد رأى وقد سَمعا ودل قوله: ﴿ وكانوا يتقون ﴾ على أن التقوى ملازمة لهم أخذاً من صيغة ﴿ كانوا ﴾ وأنها متجددة منهم أخذاً من صيغة المضارع في قوله: ﴿ يتقون ﴾ .

وقد كنت أقول في المذاكرات منذ سنين خَلَتْ في أيام الطلب أن هذه الآية هي أقوى ما يُعتمد عليه في تفسير حقيقة الولي شرعاً وأن على حقيقتها يحمل معنى قوله في الحديث القدسي الذي رواه الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " قال الله تعالى: من عادَى لي ولياً فقد آذنته بحرب ".

وإشارة الآية إلى تولي الله إياهم بالكرامة بقوله: ﴿ لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة ﴾ .

وتعريف ﴿ البشرى ﴾ تعريف الجنس فهو صادق ببشارات كثيرة.

و ﴿ في الحياة الدنيا وفي الآخرة ﴾ حال من ﴿ البشرى ﴾ .

والمعنى: أنهم يبشرون بخيرات قبل حصولها: في الدنيا بما يتكرر من البشارات الواردة في كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم وفي الآخرة بما يتلقونه من الملائكة وما يسمعونه من أمر الله بهم إلى النعيم المقيم، كقوله: ﴿ وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات ﴾ [البقرة: 25].

وروى الترمذي عن أبي الدرداء أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: ﴿ لهم البشرى في الحياة الدنيا ﴾ فقال: " ما سألني عنها أحد غيرك منذ أنزلت فهي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أوْ ترى له " قال الترمذي: وليس فيه عطاء بن يسار أي ليس في الحديث أن أبا صالح يرويه عن عطاء بن يسار كما هو المعروف في رواية أبي صالح إلى أبي الدرداء، وعليه فالحديث منقطع غير متصل السند.

وقد رواه الترمذي بسندين آخرين فيهما عطاء بن يسار عن رجل من أهل مِصر عن أبي الدرداء وذلك سند فيه مجهول، فحالة إسناد هذا الخبر مضطربة لظهور أن عطاء لم يسمعه من أبي الدرداء.

ومحمل هذا الخبر أن الرؤيا الصالحة من جملة البشرى في الحياة الدنيا لأنها تؤذن صاحبها بخير مستقبل يحصل في الدنيا أحرى الآخرة، أو كأن السائل سأل عن بشرى الحياة فأما بشرى الآخرة فكانت معروفة بقوله: ﴿ يبشرهم ربهم برحمة منه ﴾ [التوبة: 21] الآية ونحوها من الآيات.

وفي «الموطأ» عن هشام بن عروة عن أبيه كان يقول في هذه الآية ﴿ لهم البُشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة ﴾ قال: هي الرؤيا الصالحة يَراها الرجل أوْ تُرى له.

ومن البشرى الوعد بأن لهم عاقبة النصر على الأعداء، وتمكينُهم من السلطان في الدنيا، وأن لهم النعيم الخالد في الآخرة.

ومقابلة الحَزَن بالبشرى من محسنات الطباق.

وجملة: ﴿ لا تبديل لكلمات الله ﴾ مبينة لمعنى تأكيد الوعد الذي تضمنه قوله: ﴿ لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة ﴾ ، تذكيراً لهم بأن ما وعدهم الله به من البشائر مثل النصر وحسن العاقبة أمر ثابت لا يتخلف لأنه من كلمات الله، وقد نفي التبديل بصيغة التبرئة الدالة على انتفاء جنس التبديل.

والتبديل: التغيير والإبطال، لأن إبطال الشيء يستلزم إيجاد نقيضه.

و ﴿ كلمات الله ﴾ الأقوال التي أوحى بها إلى الرسول في الوعد المشار إليه، ويؤخذ من عموم ﴿ كلمات الله ﴾ وعموم نفي التبديل أن كل ما هو تبديل منفي من أصله.

رُوي أن الحجاج خطب فذكر عبد الله بن الزبير فقال: إنه قد بَدَّل كتاب الله.

وكان ابن عمر حاضراً فقال له ابن عمر: لا تطيق ذلك أنت ولا ابنُ الزبير: ﴿ لا تبديل لكلمات الله ﴾ .

وجملة ﴿ ذلك هو الفَوْز العظيم ﴾ مؤكدة لجملة ﴿ لهم البشرى ﴾ ومقررة لمضمونها فلذلك فُصلت.

والإشارة بذلك إلى المذكور من مضمون الجمل الثلاث المتقدمة، واختيار اسم الإشارة لأنه أجمع لما ذُكر، وفيه كمال تمييز له لزيادة تقرير معناه.

وذكرُ ضمير الفصل بعد اسم الإشارة لزيادة التأكيد ولإفادة القصر، أي هو الفوز العظيم لا غيرُه مما يتقلب فيه المشركون في الحياة الدنيا من رزق ومنَعَة وقوة، لأن ذلك لا يعد فوزاً إذا عاقبته المذلة والإهانة في الدنيا وبعدَه العذاب الخالد في الآخرة، كما أشار إليه قوله تعالى: ﴿ لا يغرَّنَّك تقلُّب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد ﴾ [آل عمران: 196، 197].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ في ﴿ أوْلِياءَ اللَّهِ ﴾ ها هُنا خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم أهْلُ وِلايَتِهِ والمُسْتَحِقُّونَ لِكَرامَتِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

الثّانِي: هُمُ ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ ﴾ الثّالِثُ: هُمُ الرّاضُونَ بِالقَضاءِ، والصّابِرُونَ عَلى البَلاءِ، والشّاكِرُونَ عَلى النَّعْماءِ.

الرّابِعُ: هم مَن تَوالَتْ أفْعالُهم عَلى مُوافَقَةِ الحَقِّ.

الخامِسُ: هُمُ المُتَحابُّونَ في اللَّهِ تَعالى.

رَوى جَرِيرٌ عَنْ عِمارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ عَنْ أبِي زُرْعَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : « (إنَّ مِن عِبادِ اللَّهِ أُناسًا ما هم بِأنْبِياءٍ ولاَ شُهَداءَ يَغْبِطُهُمُ الأنْبِياءُ والشُّهَداءُ يَوْمَ القِيامَةِ بِمَكانِهِمْ مِنَ اللَّهِ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ خَبِّرْنا مَن هم وما أعْمالُهم فَإنّا نُحِبُّهم لِذَلِكَ قالَ: (هم قَوْمٌ تَحابُّوا بِرُوحِ اللَّهِ عَلى غَيْرِ أرْحامٍ بَيْنَهم ولا أمْوالٍ يَتَعاطَوْنَها).» فَواللَّهِ إنَّ وُجُوهَهم لَنُورٌ وإنَّهم لَعَلى مَنابِرَ مِن نُّورٍ لا يَخافُونَ إذا خافَ النّاسُ ولا يَحْزَنُونَ إذا حَزِنَ النّاسُ وقَرَأ: ﴿ ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لا يَخافُونَ عَلى ذُرِّيَّتِهِمْ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَتَوَلّاهم ولا هم يَحْزَنُونَ عَلى دُنْياهم لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يُعَوِّضُهم عَنْها، وهو مُحْتَمَلٌ.

الثّانِي: لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ في الآخِرَةِ ولا هم يَحْزَنُونَ عِنْدَ المَوْتِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا هي البِشارَةُ عِنْدَ المَوْتِ بِأنْ يَعْلَمَ أيْنَ هو مِن قَبْلِ أنْ يَمُوتَ، وفي الآخِرَةِ الجَنَّةُ، قالَهُ قَتادَةُ والضَّحّاكُ، ورَوى عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « (إنَّ لِخَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ بَيْتًا مِن قَصَبٍ لا صَخَبَ فِيهِ ولا نَصَبَ)» .

الثّانِي: أنَّ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا الرُّؤْيا الصّالِحَةُ يَراها الرَّجُلُ الصّالِحُ أوْ تُرى لَهُ، وفي الآخِرَةِ الجَنَّةُ)، رَوى ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  أبُو الدَّرْداءِ وأبُو هُرَيْرَةَ وعُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ.

وَيَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا ثالِثًا: أنَّ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا الثَّناءُ الصّالِحُ، وفي الآخِرَةِ إعْطاؤُهُ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ.

﴿ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لا خَلْفَ لِوَعْدِهِ.

الثّانِي: لا نَسْخَ لِخَيْرِهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وحسنه والحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن عطاء بن يسار عن رجل من أهل مصر قال: سألت أبا الدرداء رضي الله عنه عن قول الله تعالى ﴿ لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة ﴾ فقال: ما سألني عنها أحد منذ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال «ما سألني عنها أحد غيرك منذ أنزلت.

هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له فهي بشراه في الحياة الدنيا، وبشراه في الآخرة الجنة» .

وأخرج الطيالسي وأحمد والدارمي والترمذي وابن ماجة والهيثم بن كليب الشامي والحكيم الترمذي وابن جرير وابن المنذر والطبراني وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله: ﴿ لهم البشرى في الحياة الدنيا ﴾ قال «هي الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى له» .

وأخرج أحمد وابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ لهم البشرى في الحياة الدنيا ﴾ قال: «الرؤيا الصالحة يبشر بها المؤمن، وهي جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوّة، فمن رأى ذلك فليخبر بها وادّاً، ومن رأى سوى ذلك فإنما هو من الشيطان ليحزنه، فلينفث عن يساره ثلاثاً وليسكت ولا يخبر بها أحداً» .

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة ﴾ قال «هي في الدنيا الرؤيا الصالحة يراها العبد الصالح أو ترى له، وفي الآخرة الجنة» .

وأخرج ابن سعد والبزار وابن مردويه والخطيب في المتفق والمفترق من طريق الكلبي عن أبي صالح عن جابر بن عبدالله بن رباب وليس بالأنصاري عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة ﴾ قال «هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له» .

وأخرج ابن أبي الدنيا في ذكر الموت وأبو الشيخ وابن مردويه وأبو القاسم بن منده في كتاب سؤال القبر من طريق أبي جعفر عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال: أتى رجل من أهل البادية رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أخبرني عن قول الله: ﴿ الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة ﴾ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أما قوله: ﴿ لهم البشرى في الحياة الدنيا ﴾ فهي الرؤيا الحسنة ترى للمؤمن فيبشر بها في دنياه، وأما قوله: ﴿ وفي الآخرة ﴾ فإنها بشارة المؤمن عند الموت، إن الله قد غفر لك ولمن حملك إلى قبرك» .

وأخرج ابن مردويه من طريق أبي سفيان عن جابر رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله: ﴿ لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة ﴾ قال «ما سألني عنها أحد: هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له، وفي الآخرة الجنة» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله: ﴿ لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة ﴾ قال «هي الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى له» .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ لهم البشرى في الحياة الدنيا ﴾ قال: هي الرؤيا الحسنة يراها المسلم لنفسه أو لبعض إخوانه.

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كشف النبي صلى الله عليه وسلم الستارة في مرضه الذي مات فيه والناس صفوف خلف أبي بكر رضي الله عنه فقال: إنه لم يبق من مبشرات النبوّة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له» .

وأخرج سعيد بن منصور وأحمد وابن مردويه عن أبي الطفيل عامر بن واثلة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا نبوّة بعدي إلا بالمبشرات.

قيل يا رسول الله: وما المبشرات؟

قال: الرؤيا الصالحة» .

وأخرج ابن مردويه عن حذيفة بن أسيد الغفاري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ذهبت النبوّة فلا نبوة بعدي وبقيت المبشرات، رؤيا المسلم الحسنة يراها المسلم أو ترى له» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وصححه وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الرسالة والنبوّة قد انقطعتا، فلا رسول بعدي ولا نبي ولكن المبشرات.

قالوا: يا رسول الله وما المبشرات؟

قال: رؤيا المسلم هي جزء من أجزاء النبوّة» .

وأخرج أحمد وابن مردويه عن أبي قتادة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الرؤيا الصالحة بشرى من الله، وهي جزء من أجزاء النبوّة» .

وأخرج أحمد وابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يبقى بعدي شيء من النبوّة إلا المبشرات.

قالوا: يا رسول الله وما المبشرات؟

قال: الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو ترى له» .

وأخرج ابن ماجة وابن جرير عن أم كند الكعبية سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ذهبت النبوّة وبقيت المبشرات» .

وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب، وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثاً، ورؤيا المسلم جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة، والرؤيا ثلاث.

فالرؤيا الصالحة بشرى من الله، والرؤيا مما تحزن الشيطان، والرؤيا مما يحدث بها الرجل نفسه، وإذا رأى أحدكم ما يكره فليقم وليتفل ولا يحدث به الناس، وأحب القيد في النوم وأكره الغل، القيد ثبات في الدين.

ولفظ ابن ماجة: فإذا رأى أحدكم رؤيا تعجبه فليقصها إن شاء، وإن رأى شيئاً يكرهه فلا يقصه على أحد وليقم يصلي» .

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة» .

وأخرج البخاري والترمذي والنسائي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا رأى أحدكم الرؤيا يحبها فإنما هي من الله فليحمد الله عليها وليحدث بها، وإذا رأى غيره مما يكره فإنما هي من الشيطان، فليستعذ بالله من شرها ولا يذكرها لأحد فإنها لا تضره» .

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري وابن ماجة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءاً.

ولفظ ابن أبي شيبة وابن ماجة: جزء من سبعين جزءاً من النبوة» .

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري وابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه.

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة» .

وأخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لم يبق من النبوة إلا المبشرات قالوا: وما المبشرات؟

قال: الرؤيا الصالحة» .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن ماجة عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الرؤيا الصالحة جزء من سبعين جزءاً من النبوة» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: الرؤيا من المبشرات، وهي جزء من سبعين جزءاً من النبوة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عروة ﴿ لهم البشرى في الحياة الدنيا ﴾ قال: هي الرؤيا الصالحة يراها العبد الصالح.

وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد ﴿ لهم البشرى في الحياة الدنيا ﴾ قال: هي الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى له.

وأخرج الحكيم الترمذي وابن مردويه عن حميد بن عبدالله رضي الله عنه.

أن رجلاً سأل عبادة بن الصامت رضي الله عنه عن قوله: ﴿ لهم البشرى في الحياة الدنيا ﴾ فقال عبادة رضي الله عنه: سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال «هي الرؤيا الصالحة يراها المؤمن لنفسه أو ترى له، وهو كلام يكلم به ربك عبده في المنام» .

وأخرج الحكيم الترمذي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه.

أنه كان يقول: إذا أصبح من رأى رؤيا صالحة فليحدثنا بها، لأن يرى لي رجل مسلم أسبغ وضوءه رؤيا صالحة أحب إليَّ من كذا وكذا.

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي وصححه وابن ماجة عن أبي رزين رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوّة، وهي على رجل طائر ما لم يحدث بها فإذا حدث بها وقعت» .

وأخرج مالك والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة عن أبي قتادة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الرؤيا من الله والحلم من الشيطان، فإذا رأى أحدكم شيئاً يكرهه فلينفث عن يساره ثلاث مرات ثم ليستعذ بالله من الشيطان، فإنها لا تضره» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الرؤيا على ثلاثة: تخويف من الشيطان ليحزن به ابن آدم، ومنه الأمر يحدث به نفسه في اليقظة فيراه في المنام، ومنه جزء من ستة وأربعين جزءاً النبوّة» .

وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن سمير بن أبي واصل رضي الله عنه قال: كان يقال: إذا أراد الله بعبده خيراً عاتبه في نومه.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ لهم البشرى في الحياة الدنيا ﴾ قال: هو قوله لنبيه صلى الله عليه وسلم ﴿ وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلاً كبيراً ﴾ [ الأحزاب: 47] .

وأخرج ابن المنذر من طريق مقسم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: آيتان يبشر بهما المؤمن عند موته ﴿ أَلا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾ وقوله: ﴿ إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ﴾ [ فصلت: 30] .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا في ذكر الموت وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وأبو القاسم بن منده في كتاب سؤال القبر عن الضحاك في قوله: ﴿ لهم البشرى في الحياة الدنيا ﴾ قال: يعلم أين هو قبل أن يموت.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الزهري وقتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ لهم البشرى في الحياة الدنيا ﴾ قالا: البشارة عند الموت.

وأخرج ابن جرير والحاكم والبيهقي في الأسماء والصفات عن نافع رضي الله عنه قال: خطب الحجاج فقال: إن ابن الزبير بدل كتاب الله.

فقال ابن عمر رضي الله عنهما: لا تستطيع ذلك أنت ولا ابن الزبير ﴿ لا تبديل لكلمات الله ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَوْلِيَآءَ الله ﴾ اختلف الناس في معنى الولي اختلافاً كثيراً، والحق فيه ما فسره الله بعد هذا بقوله: ﴿ الذين آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ﴾ ، فمن جمع بين الإيمان والتقوى فهو الولي، وإعراب ﴿ الذين آمَنُواْ ﴾ صفة للأولياء، أو منصوب على التخصيص، أو مرفوع بإضمار: هم الذين ولا يكون ابتداء مستأنفاً لئلا ينقطع مما قبله ﴿ لَهُمُ البشرى فِي الحياوة الدنيا وَفِي الآخرة ﴾ أما بشرى الآخرة فهي الجنة اتفاقاً، وأما بشرى الدنيا فيه الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له روي ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل: محبة الناس للرجل الصالح، وقيل: ما بشّر به في القرآن من الثواب ﴿ لاَ تَبْدِيلَ لكلمات الله ﴾ أي لا تغيير لأقواله ولا خُلْفَ لمواعيده، وقد استدل ابن عمر على أن القرآن لا يقدر أحد أن يبدله.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ شأن ﴾ بغير همز حيث كان: أبو عمرو غير شجاع والأعشى ويزيد والأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف ﴿ يعزب ﴾ بالكسر حيث كان: علي.

الباقون بالضم.

﴿ ولا أصغر ﴾ ﴿ ولا أكبر ﴾ بالرفع فيهما: حمزة وخلف وسهل ويعقوب والمفضل.

الآخرون بالنصب.

الوقوف: ﴿ تفيضون فيه ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ يحزنون ﴾ ه ج لأن ﴿ الذين ﴾ يصلح صفة ﴿ لأولياء ﴾ ويصلح نصباً أو رفعاً على المدح فيوقف على ﴿ يتقون ﴾ أو مبتدأ خبره ﴿ لهم البشرى ﴾ فلا يوقف على ﴿ يتقون ﴾ ﴿ وفي الآخرة ﴾ ط ﴿ لكلمات الله ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ط لأنه لو وصل لأوهم أن الضمير عائد إلى ﴿ أولياء ﴾ وقول الأولياء لا يحزن الرسول.

﴿ قولهم ﴾ م لئلا يوهم أن قوله: ﴿ إن العزة ﴾ مقول الكفار.

﴿ جميعاً ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ الأرض ﴾ ط ﴿ شركاء ﴾ ط ﴿ يخرصون ﴾ ه ﴿ مبصراً ﴾ ط ﴿ يسمعون ﴾ ه {  } ط ﴿ الغني ﴾ ط ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ بهذا ﴾ ط ﴿ ما لا تعلمون ﴾ ه ﴿ لا يفلحون ﴾ ه ط، ﴿ يكفرون ﴾ ه.

التفسير: لما بين فساد طريقة الكفار في عقائدهم وأحكامهم بيّن كونه  عالماً بعمل كل أحد وبما في قلبه من الدواعي والصوارف والرياء والإخلاص وغير ذلك فقال: ﴿ وما تكون ﴾ يا محمد ﴿ في شأن ﴾ أي أمر من الأمور.

وأصله الهمز بمعنى القصد من شأنت شأنه إذا قصدت قصده.

قال ابن عباس: أي في شأن من أعمال البر.

وقال الحسن: في شأن الدنيا وحوائجها و "ما" في ﴿ وما تكون ﴾ ﴿ وما تتلو ﴾ نافية والضمير في ﴿ منه ﴾ إما لله عز وجل أي نازل من عنده، وإما للشأن لأن تلاوة القرآن شأن من شؤون رسول الله  بل هو معظم شأنه ولهذا أفرد بالذكر كقوله: ﴿ وملائكته وجبريل وميكال  ﴾ وإما للقرآن والإضمار قبل الذكر تفخيم له كأنه قيل: وما تتلو من التنزيل من قرآن لأن كل جزء منه قرآن.

ثم عمم الخطاب فقال: ﴿ ولا تعملون ﴾ أيها المكلفون ﴿ من عمل ﴾ أيّ عمل كان ﴿ إلا كنا عليكم شهوداً ﴾ شاهدين رقباء والجمع للتعظيم أو لأن المراد الملائكة الموكلون ﴿ إذ تفيضون فيه ﴾ الإفاضة الشروع في العمل على جهة الانصباب والاندفاع ومنه قوله: ﴿ فإذا أفضتم من عرفات  ﴾ قيل: شهادة الله علمه فيلزم أنه لا يعلم الأشياء إلا عند وجودها.

والجواب أن الشهادة علم خاص ولا يلزم منه امتناع تقدم العلم المطلق على الشيء كما لو أخبرنا الصادق أن زيداً يفعل كذا غداً فنكون عالمين بذلك لا شاهدين.

ثم زاد في التعميم فقال: ﴿ وما يعزب عن ربك ﴾ أي لا يبعد ولا يغيب ومنه كلأ عازب أي بعيد، والرجل العزب لبعده عن الأهل.

ومعنى ﴿ مثقال ذرة ﴾ قد مر في قوله: ﴿ إن الله لا يظلم مثقال ذرة  ﴾ وذلك في سورة النساء.

والمقصود أنه لا يغيب عن علمه شيء أصلاً وإن كان في غاية الحقارة.

وإنما قال ههنا ﴿ في الأرض ولا في السماء ﴾ خلاف ما في سورة سبأ وهو المعهود في القرآن لأن الكلام سيق لشاهدته على شؤون أهل الأرض فناسب أن يقدم ذكر ما في الأرض، هذا بعد تسليم أن الواو تفيد الترتيب.

ثم بالغ في تعميم علمه فقال: ﴿ ولا أصغر من ذلك ولا أكبر ﴾ من قرأ بالنصب على نفي الجنس أو بالرفع على الابتداء ليكون كلاماً برأسه فلا إشكال، وأما من جعله منصوباً معطوفاً على لفظ مثقال لأنه في موضع الجر بالفتح لامتناع الصرف، أو جعله مرفوعاً معطوفاً على محل ﴿ من مثقال ﴾ لأنه فاعل ﴿ يعزب ﴾ فأورد عليه الإشكال وهو أنه يصير تقدير الآية لا يعزب عنه شيء في الأرض ولا في السماء إلا في كتاب، ويلزم منه أن يكون ذلك الشيء الذي في الكتاب خارجاً عن علم الله وإنه محال.

ويمكن أن يجاب عنه بأن الأشياء المخلوقة قسمان: قسم أوجده الله  ابتداء من غير واسطة كخلق الملائكة والسموات والأرض.

وقسم آخر أوجده بواسطة القسم الأول من حوادث عالم الكون والفساد، ولا شك أن هذا القسم الثاني متباعد في سلسة العلية والمعلولية عن مرتبة واجب الوجود، فالمراد من الآية أنه لا يبعد عن مرتبة وجوده شيء في الأرض ولا في السماء إلا هو في كتاب مبين.

وهو كتاب أثبت فيه صور تلك المعلومات، والغرض الرد على من يزعم أنه  غير عالم بالجزيئات.

أو نقول: إن الاستثناء منقطع بمعنى لكن هو في كتاب مبين.

وذكر أبو علي الجرجاني صاحب النظم إن "إلا" بمعنى الواو على أن الكلام قد تم عند قوله: ﴿ ولا أكبر ﴾ ثم وقع الابتداء بكلام آخر فقال: ﴿ إلا في كتاب ﴾ أي وهو أيضاً في كتاب ﴿ مبين ﴾ والعرب تضع "إلا" موضع واو النسق كثيراً ومنه قوله: ﴿ إني لا يخاف لدي المرسلون إلا من ظلم  ﴾ يعني ومن ظلم.

وقوله: ﴿ لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا ﴾ يعني والذين ظلموا.

ثم إنه لما بين إحاطته بجميع الأشياء وكان في ذلك تقوية قلوب المطيعين وكسر قلوب المذنبين أتبعها تفصيل حال كل فريق فقال: ﴿ ألا إن أولياء الله ﴾ الآية.

والتركيب يدل على القرب فكأنهم قربوا منه  لاستغراقهم في نور معرفته وجماله وجلاله.

قال أبو بكر الأصم: هم الذين تولى الله هدايتهم بالبرهان وتولوا القيام بحق عبوديته والدعوة إليه.

وقال المتكلمون: ولي الله من يكون آتياً بالاعتقاد الصحيح المبني على الدليل، ويكون آتياً بالأعمال الصالحة الواردة في الشريعة وعنوا بذلك قوله  في وصفهم ﴿ الذين آمنوا ﴾ وهو إشارة إلى كمال حال القوة النظرية.

﴿ وكانوا يتقون ﴾ وهو إشارة إلى كمال حال القوة العملية.

وههنا مقام آخر وهو أن يحمل الإيمان على مجموع الاعتقاد والعمل ويكون الولي متقياً في كل الأحوال، أما في موقف العلم فبأن يقدس ذاته عن أن يكون مقصوراً على ما عرفه أو يكون كما وصفه، وأما في مقام العمل فأن يرى عبوديته وعبادته قاصرة عما يليق بكبريائه وجلاله فيكون أبداً في الخوف والدهشة.

وأما نفي الخوف والحزن عنهم فقد مر تفسيره في أوائل سورة البقرة: وعن سعيد بن جبير أن رسول الله  سئل من أولياء الله؟

فقال: هم الذين يذكر الله برؤيتهم.

يعني أن مشاهدتهم تذكر أمر الآخرة لما فيهم من آثار الخشوع والإخبات والسكينة.

وعن عمر سمعت النبي  يقول: "إن من عباد الله عباداً ما هم بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة لمكانهم من الله.

قالوا: يا رسول الله أخبرنا من هم وما أعمالهم فلعلنا نحبهم.

قال: هم قوم تحابوا في الله على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها، فوالله إن وجوههم لنور وإنهم لعلى منابر من نور، لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس، ثم قرأ الآية" يحكى أن إبراهيم الخواص كان في البادية ومعه واحد يصحبه، فاتفق في بعض الليالي ظهور حالة قوية وكشف تام له فجلس في موضعه وجاءه السباع ووقفوا بالقرب منه والمريد تسلق على رأس شجرة خوفاً منها والشيخ كان فارغاً من تلك السباع، فلما أصبح زالت تلك الحالة.

ففي الليلة الثانية وقعت بعوضة على بدنه فأظهر الجزع من تلك البعوضة فقال المريد: كيف تليق هذه الحالة بما قبلها؟

فقال الشيخ: تحملنا البارحة ما تحملناه بسبب قوة الوارد الغيبي، فلما غاب ذلك الوارد فإنا أضعف خلق الله.

ثم أخبر الله  عنهم بأن ﴿ لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة ﴾ فقيل: بشراهم في الدنيا ما بشر الله به المؤمنين المتقين في غير مكان من كتابه ﴿ وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات  ﴾ ﴿ يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات  ﴾ وقيل: إنها عبارة عن محبة الناس لهم وعن ذكرهم إياهم بالثناء الحسن.

عن أبي ذر  قلت: يا رسول الله إن الرجل يعمل العمل لله ويحبه الناس.

قال: تلك عاجل بشرى المؤمن.

والدليل العقلي عليه أن الكمال محبوب لذاته فكل من اتصف بصفة الكمال كان محبوباً لكل أحد إذا أنصفه ولم يحسده، ولا كمال للعبد أعلى وأشرف من كونه مستغرق القلب في معرفة الله معرضاً عما سواه.

ونور الله مخدوم بالذات ففي أي قلب حصل كان مخدوماً بالطبع لما سوى الله.

وقيل: هي الرؤيا الصالحة.

وعنه  : "الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة" وسبب تخصيص هذا العدد أن النبي  استنبىء بعد أربعين سنة إلى كمال عمره - وهو ثلاث وستون سنة - وكان يأتيه الوحي أوّلاً بطريقة المنام ستة أشهر.

ونسبة هذه المدة إلى ثلاث وعشرين سنة التي هي جميع مدة الوحي نسبة الواحد إلى ستة وأربعين.

وأما أن الرؤيا الصادقة توجب لبشارة فلأنها دليل صفاء القلب واتصال النفس إلى عالم القدس والاطلاع على بعض ما هنالك.

وعن عطاء: البشرى في الدنيا هي البشارة عند الموت ﴿ تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة  ﴾ وأما البشرى في الآخرة فتلقي الملائكة إياهم مسلمين مبشرين بالفوز والكرامة وما يرون من بياض وجوههم وإعطاء الصحائف بأيمانهم وما يقرأون منها إلى آخر أحوالهم في الجنة ﴿ لا تبديل لكلمات الله ﴾ لا تغيير لأقواله ولا إخلاف لمواعيده وقد مر مثله في "الأنعام" ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى كونهم مبشرين في الدارين، وكلتا الجملتين اعتراض ولا يجب أن يقع بعد الاعتراض كلام.

تقول: فلان ينطق بالحق والحق أبلج، قال القاضي: ﴿ لا تبديل لكلمات الله ﴾ يدل على أنها قابلة للتبديل، وكل ما يقبل العدم امتنع أن يكون قديماً ومحل المنع ظاهر فإن نفي شيء عن شيء لا يلزم منه إمكانه له كقول الموحد: لا شريك لله.

ثم سلى رسوله عن صنيع الفريق المكذبين فقال: ﴿ ولا يحزنك ﴾ أو نقول: إنه كما أزال الحزن عنه في الآخرة بقوله: ﴿ ألا إن أولياء الله ﴾ أزال الحزن عنه في الدنيا بقوله: ﴿ ولا يحزنك قولهم ﴾ أي تكذيبهم لك وتهديدهم بالخدم والأموال وتشاورهم في تدبير هلاكك وإبطال أمرك، وبالجملة كل ما يتكلمون به في شأنك من المطاعن والقوادح.

ثم استأنف قوله: ﴿ إن العزة لله ﴾ كأنه قيل: ما لي لا أحزن؟

فقيل: لأن العزة لله.

﴿ جميعاً ﴾ إن الغلبة والقهر له ولحزبه ﴿ كتب الله لأغلبن أنا ورسلي  ﴾ وقرىء "أن" بالفتح لا على أنه بدل فإن ذلك يؤدي إلى أن القوم كانوا يقولون إن العزة لله جميعاً والرسول كان يحزنه ذلك وهذا كفر، بل لأن التقدير لأن العزة على صريح التعليل، وكان رسول الله  واثقاً بوعد الله  في جميع الأحوال وإن كان قد يقع في بعض الحروب والوقائع انكسار وهزيمة فإن الأمور بخواتيمها.

ثم أكد الوعد بقوله: ﴿ هو السميع العليم ﴾ يسمع ما يقولون ويعلم ما يدبرون فيكفيك شرهم.

ثم زاد في التأكيد مع إشارة إلى فساد عقيدة المشركين فقال: ﴿ ألا إن لله من في السموات ومن في الأرض ﴾ فخصص ذوي العقول إما للتغليب وإما لأن الآية سيقت لبيان فساد عقائد أهل الشرك، فذكر أن العقلاء المميزين - وهم الملائكة والثقلان - كلهم عبيد له ولا يصلح أحد منهم لأن يكون شريكاً له فما وراءهم ممن لا يسمع ولا يعقل كالأصنام أولى بأن لا يكون نداً له.

ثم أكد هذا المعنى بقوله: ﴿ وما يتبع ﴾ "ما" نافية ومفعول ﴿ يدعون ﴾ محذوف أي ليس يتبع ﴿ الذين يدعون من دون الله شركاء ﴾ شركاء في الحقيقة إنما هي أسماء لا مسميات لها لأن شركة الله في الربوبية محال.

وإنما حذف أحد المكررين للدلالة، فالأول مفعول ﴿ يدعون ﴾ والثاني مفعول ﴿ يتبع ﴾ ويجوز أن تكون "ما" استفهامية بمعنى أي شيء يتبعون.

و ﴿ شركاء ﴾ على هذا نصب بـ ﴿ يدعون ﴾ ولا حاجة إلى إضمار.

ويجوز أن تكون "ما" موصولة معطوفة على "من" كأنه قيل: ولله ما يتبعه الذين يدعون من دون الله شركاء أي وله شركاؤهم.

ثم زاد في التأكيد فقال: ﴿ إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون ﴾ وقد مر مثله في سورة الأنعام.

ثم ذكر طرفاً من آثار قدرته مع إشارة إلى بعض نعمه فقال: ﴿ هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه ﴾ طلباً للراحة ﴿ والنهار مبصراً ﴾ ذا إبصار باعتبار صاحبه أي جعله مضيئاً لتهتدوا به في حوائجكم وهذان طرفان من منافع الليل والنهار ﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون ﴾ سماع تأمل وتدبر وقبول.

ثم حكى نوعاً آخر من أباطيلهم فقال: {قالوا اتخذ الله ولداً  } وقد مر في "البقرة".

ولما نزه نفسه عن اتخاذ الولد برهن على ذلك بقوله: ﴿ هو الغني ﴾ وتقريره أن الغنى التام يوجب امتناع كونه ذا أجزاء، وحصول الولد لا يتصور إلا بعد انفصال جزء منه يكون كالبذر بالنسبة إلى النبات، وأيضاً إنما يحتاج إلى الولد وإلى توليد المثل الذي يقوم مقامه من يكون بصدد الانقضاء والانقراض فالأزلي القديم لا يفتقر إلى الولد ولا يصح له مثل.

وأيضاً الغني لا يفتقر إلى الشهوة ولا إلى إعانة الولد، ولو صح أن يتولد منه مثله لصح أن يكون هو أيضاً متولداً من مثله ولا يشكل هذا بالولد الأول من الأشخاص الحيوانية فإن المدعي هو الصحة لا الوقوع.

ثم بالغ في البرهان فقال: ﴿ له ما في السموات وما في الأرض ﴾ وإذا كان الكل ملكه وعبيده فلا يكون شيء منها ولداً له لأن الأب يساوي الابن في الطبيعة بخلاف المالك.

ثم زيف دعواهم الفاسدة فقال: ﴿ إن عندكم من سلطان بهذا ﴾ أي ما عندكم من حجة بهذا القول.

قال في الكشاف: والباء حقها أن تتعلق بقوله: ﴿ إن عندكم ﴾ على أن يجعل القول مكاناً للسلطان كقولك: ما عندكم بأرضكم موز.

كأنه قيل: إن عندكم فيما تقولون سلطان.

أقول: كأنه نظر إلى أن استعمال الباء بمعنى "في" أكثر منه بمعنى "على".

ثم وبخهم على القول بلا دليل ومعرفة فقال: ﴿ أتقولون على الله ما لا تعلمون ﴾ .

ثم أوعدهم على افترائهم فقال: ﴿ قل إن الذين يفترون ﴾ الآية.

ثم بين أن ذلك المفتري إن فاز بشيء من المطالب العاجلة والمآرب الخسيسة من رياسة ظاهرة وغرض زائل فذلك ﴿ متاع قليل ﴾ في الدنيا.

ثم لا بد من الموت والرجوع إلى حكم الله ثم حصول الشقاء المؤبد والعذاب الأليم أعاذنا الله منه.

التأويل: ﴿ وما تكون في شأن ﴾ من النبوة ﴿ وما تتلوا ﴾ من شأن النبوة ﴿ من قرآن ﴾ ﴿ ولا تعملون ﴾ يا أمة محمد  ﴿ من عمل ﴾ من الأعمال من قبول القرن ورده من مثقال ذرة مما أظهر من حركة في أرض البشرية بعمل من أعمال الخير والشر.

﴿ ولا في السماء ﴾ أي في سماء القلوب بالنيات الصالحة والفاسدة ﴿ ولا أصغر ﴾ من الحركة وهو القصد دون الفعل ﴿ ولا أكبر ﴾ من النية وهو العمل ﴿ ألا إن أولياء الله ﴾ الذين هم أعداء النفوس ﴿ لا خوف عليهم ﴾ من تمني النظر بنفوسهم ﴿ ولا هم يحزنون ﴾ على ما فاتهم من شهوات النفوس للعداوة القائمة بينهم ﴿ لهم البشرى في الحياة الدنيا ﴾ بالوقائع والمبشرات ﴿ وفي الآخرة ﴾ بكشف القناع عن جمال العزة.

﴿ لا تبديل لكلمات الله ﴾ لأحكامه الأزلية حيث قال للولي كن ولياً وللعدوّ كن عدواً ﴿ ولا يحزنك ﴾ يا رسول القلب قول مشركي النفوس في تزيين شهوات الدنيا ولذاتها في نظرك ﴿ إن العزة لله جميعاً ﴾ يعز من يشاء في الدنيا وفي الآخرة جميعاً فلا يمنعه نعيم الدنيا عن نعيم الآخرة بل ربما يعينه على الآخرة كما جاء في الحديث الرباني "وإن من عبادي من لا يصلحه الا الغنى فإن أفقرته يفسده ذلك" ﴿ ألا إن لله من في السموات ومن في الأرض ﴾ أي القلوب السماوية والنفوس الأرضية ﴿ إن يتبعون إلا الظن ﴾ أي يظنون أنهم يتبعون شركاء الدنيا والهوى باختيارهم لا باختيارنا ﴿ هو الذي جعل لكم ﴾ ليل البشرية لتستريحوا فيه من تعب المجاهدات، وتزول عنكم الملالة والكلالة ونهار الروحانية ذا ضياء وبصيرة يبصر بها مصالح السلوك والترقي في المقامات ﴿ لقوم يسمعون ﴾ حقائق القرآن بسمع القلوب الواعية.

ثم أخبر عن الشبهات التي تقع في أثناء السلوك قالوا أي مشركو النفوس عند تجلي الروح بالخلافة في صفة الربوبية معترفاً بتجلي صفة إبداع الحق ومبدعة الروح مع كمال قربه واختصاصه بالحق عند بقاء تصرفات الخيال حتى تثبت الأبوة والبنوة بين الله وبين العبد، إذ البنوة أخص التعلقات بالوالد.

وهذا الكشف والابتداء هو مبتدأ ضلالة اليهود والنصارى ﴿ له ما في السموات ﴾ الروحانية من الكشوف والأحوال ﴿ وما في الأرض ﴾ البشرية من الوهم والخيال وما ينشأ من الشبهات والآفات ﴿ إن الذين يفترون ﴾ هم النفوس الأمارة بالسوء ﴿ لا يفلحون ﴾ لا يظفرون بكشف الحقائق {ثم نذيقهم لأن الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا فأحسوا بالألم والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ ﴾ قال بعضهم من أهل التأويل: في شأن: في أمرك وحالاتك وما تتلو منه من قرآن تبلغهم به الرسالة وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ ﴾ أي: في عبادة.

﴿ وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْآنٍ ﴾ : تبلغهم به الرسالة.

﴿ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً ﴾ : يخاطب نبيه تنبيهاً منه وإيقاظاً والمراد منه هو وغيره، ألا ترى أنه قال: ﴿ وَلاَ تَعْمَلُونَ ﴾ من عمل عمهم جميعاً في ذلك، يخبر أنكم في كل أمر يكون بينكم وبين ربكم، وفي كل أمر بينكم وبين الناس - فلله لكم وعليكم شهود، أو كل عمل تعملون لكم وعليكم شهود ينبههم ويوقظهم ليكونوا على حذر أبداً منتبهين [متيقظين ﴿ إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ﴾ قال بعضهم: ﴿ تُفِيضُونَ فِيهِ ﴾ تأخذون فيه وتخوضون فيه.

وقيل: تقولون فيه.] وقيل: يكثرون فيه؛ وكله واحد.

ثم يحتمل قوله: ﴿ فِيهِ ﴾ في الحق، ويحتمل في الدين، ويحتمل في القرآن، ويحتمل في رسول الله؛ يقول: أنا شاهد فيما تخوضون وفيما تقولون في رسول الله، أو في دينه، أو فيما يتلو عليكم.

﴿ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ ﴾ : لا يعزب، [أي: لا يغيب] عن ربك من مثقال ذرة في الأرض، ولا في السماء فيما لا أمر فيه ولا نهي ولا كلفة، فالذي فيه السؤال والأمر والنهي والكلفة أحرى وأولى ألا يغيب عنه شيء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ هو تحذير وتخويف بتمثيل لا وعيد بتقرير وتصريح؛ لأن الوعيد على وجهين: أحدهما: على التمثيل، والآخر على التقرير في عينه وتصريح.

وقوله - عز وجل - ﴿ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ﴾ قيل: ما قل وما كثر إلا في كتاب، أي: إلا في اللوح المحفوظ [مبين]، ويحتمل إلا في كتاب مبين، أي: في الكتب المنزلة من السماء والله أعلم.

وقال أبو بكر الأصم في قوله: ﴿ إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ﴾ : أي تنتشرون، وتأويله ولا تعملون من عمل تنتشرون فيه إلا كنا عليكم شهوداً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلاۤ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ : قالت المعتزلة: دلت الآية على أن أصحاب الكبائر ليسوا بمؤمنين؛ لأنهم لو كانوا مؤمنين لكانوا أولياء الله، وإذا كانوا أولياء الله لكان لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فإذا كان لا شك أن على أصحاب الكبائر خوف وحزن [دل أنهم ليسوا بمؤمنين ولا لهم ولاية الإيمان لكن التأويل عندنا - والله أعلم -:] ﴿ أَلاۤ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ على ما يكون لأهل الدنيا في الدنيا من الخوف والحزن، إنما خوفهم وحزنهم لعاقبتهم، ويشبه ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون في الجنة، وهكذا يكون إذا دخلوا الجنة يأمنون عن جميع ما ينقصهم.

وقال بعضهم: ﴿ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ ﴾ هم أهل التوحيد، لكن تلك البشارة وذلك الوعد لأهل التوحيد في الاعتقاد والوفاء جميعاً، لا لأهل الاعتقاد خاصة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فِي ٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا وَفِي ٱلآخِرَةِ ﴾ قال بعضهم: ﴿ لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فِي ٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ الرؤيا الصالحة؛ وعلى ذلك رويت الأخبار عن رسول الله  أنه سئل عن هذه الآية ففسر بالرؤيا الصالحة، فإن ثبت فهو الحق.

وقال بعضهم: لا تحتمل الرؤيا الصالحة [؛ لأنه نسق البشرى في الآخرة على البشرى في الحياة الدنيا، ولا شك أنه لا يكون في الآخرة الرؤيا الصالحة،] ولكن إن ثبت ما ذكرنا من الخبر؛ فهو ذلك.

ويشبه أن يكون البشارة التي ذكر هاهنا؛ نحو قوله: ﴿ فَبَشِّرْ عِبَادِ * ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ...

﴾ الآية [الزمر: 17-18]، وقوله: ﴿ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ  ﴾ ، وقوله: ﴿ ذَلِكَ ٱلَّذِي يُبَشِّرُ ٱللَّهُ عِبَادَهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ  ﴾ ، وأمثال ذلك.

وقال بعض أهل التأويل: لهم البشرى في الحياة الدنيا تبشرهم الملائكة عند الموت وفي الآخرة الجنة.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ ٱللَّهِ ﴾ : يحتمل لا تبديل لكلمات الله من وعده ووعيده، وذلك مما لا تبديل له ولا تحويل.

ويحتمل ﴿ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ ٱللَّهِ ﴾ القرآن لا تبديل لما فيه من الوعد والوعيد وغيره.

ويحتمل لا تبديل لما مضى من سنته في الأولين والآخرين من الهلاك والاستئصال بتكذيبهم الرسل والآيات؛ كقوله: ﴿ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَحْوِيلاً  ﴾ وقوله: ﴿ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأَوَّلِينَ  ﴾ .

ويحتمل قوله: ﴿ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ ٱللَّهِ ﴾ أي: لا تبديل للبشرى التي ذكر لهؤلاء الذين تقدم ذكرهم.

ويحتمل لا تبديل لحجج الله وبراهينه، أو لا تبديل لوعيد الله ووعده ونحوه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ﴾ أي: تلك البشرى هي الفوز العظيم، أو ذلك الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون هو الفوز العظيم؛ إذ لا خوف بعده.

وقال بعضهم من أهل التأويل: لا خوف عليهم من النار، ولا هم يحزنون أن يخرجوا من الجنة أبداً، والوجه فيه ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ ﴾ يحتمل قولهم: ما قالوا في الله بما لا يليق به من الولد والشريك؛ يقول: لا يحزنك ذلك ﴿ إِنَّ ٱلْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً ﴾ .

ويحتمل قوله: ﴿ وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ ﴾ الذي قالوا في القرآن إنه سحر وإنه مفترى، أو قالوا في رسول الله  : إنه ساحر وإنه يفتري على الله كذباً.

ويشبه أن يكون قوله: ﴿ وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ ﴾ مكرهم الذي مكروا به، وكيدهم الذي كادوه، يؤيد ذلك قوله: ﴿ إِنَّ ٱلْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً ﴾ أي: إن العزة في المكر والكيد لله؛ وهو كقوله: ﴿ وَقَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ ٱلْمَكْرُ جَمِيعاً  ﴾ أي: مكره ينقض مكرهم ويمنعه، وكيده يفسخ كيدهم؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ إِنَّ ٱلْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً ﴾ أي: ينقض جميع ما يمكرون بك ويكيدونك، و ﴿ ٱلْعِزَّةَ ﴾ القوة؛ يقول: إن القوة لله ينصرك على أعدائك ويدفع عنك كيدهم ومكرهم الذي هموا بك.

﴿ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ﴾ : [لقولهم] الذي قالوه العليم بمصالحهم، أو السميع المجيب للدعاء العليم بما يكون منهم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

لهم البشارة من ربهم في الدنيا بما يسرهم برؤيا صالحة أو ثناء الناس عليهم، ولهم البشارة من الملائكة عند قبض أرواحهم، وبعد الموت، وفي الحشر، لا تغيير لما وعدهم الله به، ذلك الجزاء هو النجاح العظيم؛ لما فيه من نيل المطلوب، والنجاة من المرهوب.

<div class="verse-tafsir" id="91.w4P91"

مزيد من التفاسير لسورة يونس

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14 / 29.5
الإضاءة 99%
البدر بعد 1 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله