الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ٧٨ من سورة يونس
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 69 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٧٨ من سورة يونس: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
(قالوا أجئتنا لتلفتنا ) أي : تثنينا ( عما وجدنا عليه آباءنا ) أي : الدين الذي كانوا عليه ، ( وتكون لكما ) أي : لك ولهارون ( الكبرياء ) أي : العظمة والرياسة ( في الأرض وما نحن لكما بمؤمنين ) .
وكثيرا ما يذكر الله تعالى قصة موسى ، عليه السلام ، مع فرعون في كتابه العزيز ؛ لأنها من أعجب القصص ، فإن فرعون حذر من موسى كل الحذر ، فسخره القدر أن ربى هذا الذي يحذر منه على فراشه ومائدته بمنزلة الولد ، ثم ترعرع وعقد الله له سببا أخرجه من بين أظهرهم ، ورزقه النبوة والرسالة والتكليم ، وبعثه إليه ليدعوه إلى الله تعالى ليعبده ويرجع إليه ، هذا مع ما كان عليه فرعون من عظمة المملكة والسلطان ، فجاءه برسالة الله ، وليس له وزير سوى أخيه هارون عليه السلام ، فتمرد فرعون واستكبر وأخذته الحمية ، والنفس الخبيثة الأبية ، وقوى رأسه وتولى بركنه ، وادعى ما ليس له ، وتجهرم على الله ، وعتا وبغى وأهان حزب الإيمان من بني إسرائيل ، والله تعالى يحفظ رسوله موسى وأخاه هارون ، ويحوطهما ، بعنايته ، ويحرسهما بعينه التي لا تنام ، ولم تزل المحاجة والمجادلة والآيات تقوم على يديموسى شيئا بعد شيء ، ومرة بعد مرة ، مما يبهر العقول ويدهش الألباب ، مما لا يقوم له شيء ، ولا يأتي به إلا من هو مؤيد من الله ، وما تأتيهم من آية إلا هي أكبر من أختها ، وصمم فرعون وملؤه - قبحهم الله - على التكذيب بذلك كله ، والجحد والعناد والمكابرة ، حتى أحل الله بهم بأسه الذي لا يرد ، وأغرقهم في صبيحة واحدة أجمعين ، ( فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين ) [ الأنعام : 45 ] .
القول في تأويل قوله تعالى : قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ (78) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قال فرعون وملؤه لموسى: (أجئتنا لتلفتنا) ، يقول: لتصرفنا وتلوينا ، (عمّا وجدنا عليه آباءنا) ، من قبل مجيئك ، من الدين.
* * * ، يقال منه: " لفت فلانٌ [ عنق فلان " إذا لواها، كما قال رؤبة]: (36) *لَفْتًا وَتْهِزِيعًا سَواءَ اللَّفْتِ* (37) " التهزيع ": الدق، و " اللفت "، اللّي، كما:- 17765- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة : (لتلفتنا) ، قال: لتلوينا عما وجدنا عليه آباءنا.
* * * وقوله: (وتكون لكما الكبرياء في الأرض) ، يعني العظمة، وهي " الفعلياء " من " الكبر ".
ومنه قول ابن الرِّقاع: سُــؤْدَدًا غَــيْرَ فَــاحِش لا يُــدَا نِيـــهِ تِجِبَّـــارَةٌ وَلا كِبْرِيـــاءُ (38) * * * 17766- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا ابن نمير، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (وتكون لكما الكبرياء في الأرض)، قال: الملك.
17767-.
.
.
.
قال، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد: (وتكون لكما الكبرياء في الأرض) ، قال: السلطان في الأرض.
17768-.
.
.
.
قال، حدثنا محمد بن بكر، عن ابن جريج، قال: بلغني، عن مجاهد قال: الملك في الأرض.
17769-.
.
.
.
قال، حدثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك: (وتكون لكما الكبرياء في الأرض) ، قال: الطاعة.
17770- حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (وتكون لكما الكبرياء في الأرض) قال: الملك.
17771-.
.
.
.
قال، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
17772- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
17773- حدثني الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن مجاهد قال: السلطان في الأرض.
* * * قال أبو جعفر: وهذه الأقوال كلها متقارباتُ المعاني، وذلك أن الملك سلطان، والطاعة ملك، غير أن معنى " الكبرياء "، هو ما ثبت في كلام العرب، ثم يكون ذلك عظمة بملك وسلطان وغير ذلك.
* * * وقوله: (وما نحن لكما بمؤمنين) ، يقول: " وما نحن لكما " يا موسى وهارون " بمؤمنين "، يعني بمقرِّين بأنكما رسولان أرسلتما إلينا.
------------------------ الهوامش: (36) كان في المخطوطة والمطبوعة : " كما قال ذو الرمة " ، وهو خطأ لا شك فيه ، صوابه ما أثبت ، كما دل عليه مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 280 ، وأنا أرجح أن ذلك من الناسخ ، لا من أبي جعفر ، لأنه نقل عن أبي عبيدة .
وانظر مثل هذا فيما سلف ص : 150 ، تعليق : 1 : فوضعت الصواب بين القوسين .
(37) ديوانه 24 ، مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 280 ، اللسان ( هزع ) ، من رجز ذكر فيه نفسه ، يقول قبله ، مشبها نفسه بالأسد : فَــإنْ تَــرَيْنِي أَحْــتَمِي بِالسَّـكْتِ فَقَـــدْ أَقُــومُ بِالْمَقَــامِ الثَّبْــتِ أشْــجَعَ مِــنْ ذي لِبَــدٍ بِخَــبْتِ يَــدُقُّ صُلْبــاتِ العِظَــامِ رَفْتِـي و " الرفت " ، الدق والكسر .
وقوله " سواء اللفت " ، أي " سوى اللفت " " سواء " ( بفتح السين ) و " سوى " ( بكسر السين ) ، بمعنى : غير .
(38) لم أجد البيت في مكان آخر ، وكان في المطبوعة : " تجباره " ، ومثله في المخطوطة ، أما ضبطه فقد شغلني ، لأن أصحاب اللغة لم يذكروا في مصادر " الجبروت " سوى " التجبار " ( بفتح فسكون ) بمعنى الكبر .
فكأن قارئه يقرؤه كما في المطبوعة والمخطوطة " تجباره " ( بفتح فسكون ) ، مضافا إلى الهاء .
وظني أن الضبط الذي ذهبت إليه أجود ، وإن لم يذكروه في المصادر في كتب اللغة التي بين أيدينا .
ومصدر " تِفِعَّال " ( بكسر التاء والفاء وتشديد العين ) ، هو قياس التصدير في " تَفَعَّل " لكنها صارت مسموعة لا يقاس على ما جاء منها الشافية 1 : 166 ) ، نحو " تِمِلَّاق " ودخول التاء في مثله في المصادر جائز في العربية .
وبالضبط الذي ضبطته يستقيم وزن الشعر ، فأخشى أن يكون هذا المصدر على هذا الميزان ، مما أغفلته كتب اللغة .
قوله تعالى قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا وتكون لكما الكبرياء في الأرض وما نحن لكما بمؤمنينقوله تعالى قالوا أجئتنا لتلفتنا أي تصرفنا وتلوينا ، يقال : لفته يلفته لفتا إذا لواه وصرفه .
قال الشاعر :تلفت نحو الحي حتى رأيتني وجعت من الإصغاء ليتا وأخدعاومن هذا التفت إنما هو عدل عن الجهة التي بين يديه .عما وجدنا عليه آباءنا يريد من عبادة الأصنام .
وتكون لكما الكبرياء أي العظمة والملك والسلطان في الأرض [ ص: 275 ] يريد أرض مصر .
ويقال للملك : الكبرياء لأنه أعظم ما يطلب في الدنيا .
وما نحن لكما بمؤمنينوقرأ ابن مسعود والحسن وغيرهما " ويكون " بالياء لأنه تأنيث غير حقيقي وقد فصل بينهما .
وحكى سيبويه : حضر القاضي اليوم امرأتان .
{قَالُوا} لموسى رادين لقوله بما لا يرده: {أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا} أي: أجئتنا لتصدنا عما وجدنا عليه آباءنا، من الشرك وعبادة غير الله، وتأمرنا بأن نعبد الله وحده لا شريك له؟ فجعلوا قول آبائهم الضالين حجة، يردون بها الحق الذي جاءهم به موسى عليه السلام. وقولهم : {وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ} أي: وجئتمونا لتكونوا أنتم الرؤساء، ولتخرجونا من أرضنا. وهذا تمويه منهم، وترويج على جهالهم، وتهييج لعوامهم على معاداة موسى، وعدم الإيمان به. وهذا لا يحتج به، من عرف الحقائق، وميز بين الأمور، فإن الحجج لا تدفع إلا بالحجج والبراهين. وأما من جاء بالحق، فرد قوله بأمثال هذه الأمور، فإنها تدل على عجز موردها، عن الإتيان بما يرد القول الذي جاء خصمه، لأنه لو كان له حجة لأوردها، ولم يلجأ إلى قوله: قصدك كذا، أو مرادك كذا، سواء كان صادقًا في قوله وإخباره عن قصد خصمه، أم كاذبًا، مع أن موسى عليه الصلاة والسلام كل من عرف حاله، وما يدعو إليه، عرف أنه ليس له قصد في العلو في الأرض، وإنما قصده كقصد إخوانه المرسلين، هداية الخلق، وإرشادهم لما فيه نفعهم. ولكن حقيقة الأمر، كما نطقوا به بقولهم: {وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ} أي: تكبرًا وعنادًا، لا لبطلان ما جاء به موسى وهارون، ولا لاشتباه فيه، ولا لغير ذلك من المعاني، سوى الظلم والعدوان، وإرادة العلو الذي رموا به موسى وهارون.
( قالوا ) يعني : فرعون وقومه لموسى ، ( أجئتنا لتلفتنا ) لتصرفنا .
وقال قتادة : لتلوينا ، ( عما وجدنا عليه آباءنا وتكون لكما الكبرياء ) الملك والسلطان ، ( في الأرض ) أرض مصر .
وقرأ أبو بكر : " ويكون " بالياء ، ( وما نحن لكما بمؤمنين ) بمصدقين .
«قالوا أجئتنا لتَلفِتَنا» لتردنا «عما وجدنا عليه آباءنا وتكون لكما الكبرياء» الملك «في الأرض» أرض مصر «وما نحن لكما بمؤمنين» مصدقين.
قال فرعون وملؤه لموسى: أجئتنا لتصرفنا عما وجدنا عليه آباءنا من عبادة غير الله، وتكون لكما أنت وهارون العظمة والسلطان في أرض "مصر"؟
وما نحن لكما بمقرِّين بأنكما رسولان أُرسلتما إلينا؛ لنعبد الله وحده لا شريك له.
وأفردوا موسى - عليه السلام - بالخطاب في قولهم ( أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا .
.
) لأنه هو الذى كان يجابههم بالحجج التى تقطع دابر باطلهم ، ويرد على أكاذيبهم بما يفضحهم ويكشف عن غرورهم وغبائهم .وجمعوا بين موسى وهارون - عليهما السلام - في قولهم ( وَتَكُونَ لَكُمَا الكبريآء فِي الأرض وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ ) باعبتار شمول الكبرياء والرياسة والملك لهما ، وباعتبار أن الإِيمان بأحدهما يستلزم الإِيمان بالآخر .هذا ، والذى يتدبر هذه الآية الكريمة ، يرى أن التهمة التى وجهها فرعون وملؤه إلى موسى وهارون - عليهما السلام - هي تهمة قديمة جديدة فقوم نوح - مثلا - يمتنعون عن قبول دعوته ، لأنه في نظرهم جاء بما جاء به بقصد التفضل عليهم ، وفي هذا يقول القرآن الكريم : ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إلى قَوْمِهِ فَقَالَ ياقوم اعبدوا الله مَا لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ .
فَقَالَ الملأ الذين كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ مَا هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ ) أى : يريد أن تكون له السيادة والفضل عليكم ، فيكون زعيما وأنتم له تابعون .ولقد أفاض في شرح هذا المعنى صاحب الظلال - رحمه الله - عند تفسيره لهذه الآية الكريمة فقال ما ملخصه :وإذن فهو الخوف من تحطيم معتقداتهم الموروثة ، التى يقوم عليها نظامهم السياسي والاقتصادى ، وهو الخوف على السلطان فى الأرض ، هذا السلطان الذى يستمدونه من خرافات عقائدهم الموروثة .إنها العلة القديمة الجديدة التى تدفع بالطغاة إلى مقاومة دعوات الإِصلاح ورمى الدعاة بأشنع التهم؛ والفجور فى مقاومة الدعوات والدعاة .
.
إنها هى " الكبرياء في الأرض " وما تقوم عليه من معتقدات باطلة ، يحرص المتجبرون على بقائها متحجرة في قلوب الجماهير ، بكل ما فيها من زيف وفساد ، وأوهام وخرافات ، لأن تفتح القلوب على العقيدة الصحيحة ، خطر على القيم الجاهلية الموروثة .وما كان رجال من أذكياء قريش - مثلا - ليخطئوا إدراك ما فى رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - من صدق وسمو ، وما فى عقيدة الشرك من تهافت وفساد ، ولكنهم كانوا يخشون على مكانتهم الموروثة ، القائمة على ما فى تلك العقيدة من خرافات وتقاليد ، كمى خشى الملأ من قوم فرعون على سطانهم فى الأرض ، فقالوا متبجحين ( وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ ) .
وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى حكى عن فرعون وقومه أنهم لم يقبلوا دعوة موسى عليه السلام، وعللوا عدم القبول بأمرين: الأول: قوله: ﴿ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءابَائِنَا ﴾ قال الواحدي: اللفت في أصل اللغة الصرف عن أمر، وأصله اللَّيّ يقال: لفت عنقه إذا لواها، ومن هذا يقال: التفت إليه، أي أمال وجهه إليه.
قال الأزهري: لفت الشيء وفتله إذا لواه، وهذا من المقلوب.
واعلم أن حاصل هذا الكلام أنهم قالوا: لا نترك الدين الذي نحن عليه، لأنا وجدنا آبائنا عليه، فقد تمسكوا بالتقليد ودفعوا الحجة الظاهرة بمجرد الإصرار.
والسبب الثاني: في عدم القبول قوله: ﴿ وَتَكُونَ لَكُمَا الكبرياء فِي الأرض ﴾ قال المفسرون: المعنى ويكون لكما الملك والعز في أرض مصر، والخطاب لموسى وهارون.
قال الزجاج: سمى الملك كبرياء، لأنه أكبر ما يطلب من أمر الدنيا، وأيضاً فالنبي إذا اعترف القوم بصدقه صارت مقاليد أمر أمته إليه، فصار أكبر القوم.
واعلم أن السبب الأول: إشارة إلى التمسك بالتقليد، والسبب الثاني: إشارة إلى الحرص على طلب الدنيا، والجد في بقاء الرياسة، ولما ذكر القوم هذين السببين صرحوا بالحكم وقالوا: ﴿ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ ﴾ .
واعلم أن القوم لما ذكروا هذه المعاني حاولوا بعد ذلك، وأرادوا أن يعارضوا معجزة موسى عليه السلام بأنواع من السحر، ليظهروا عند الناس أن ما أتى به موسى من باب السحر، فجمع فرعون السحرة وأحضرهم، ﴿ قَالَ لَهُمُ موسى أَلْقُواْ مَا أَنتُمْ مُّلْقُونَ ﴾ .
فإن قيل: كيف أمرهم بالكفر والسحر والأمر بالكفر كفر؟
قلنا: إنه عليه السلام أمرهم بإلقاء الحبال والعصي، ليظهر للخلق أن ما أتوا به عمل فاسد وسعي باطل، لا على طريق أنه عليه السلام أمرهم بالسحر، فلما ألقوا حبالهم وعصيهم قال لهم موسى ما جئتم به هو السحر الباطل، والغرض منه أن القوم قالوا لموسى: إن ما جئت به سحر، فذكر موسى عليه السلام أن ما ذكرتموه باطل، بل الحق أن الذي جئتم به هو السحر والتمويه الذي يظهر بطلانه، ثم أخبرهم بأن الله تعالى يحق الحق ويبطل الباطل، وقد أخبر الله تعالى في سائر السور أنه كيف أبطل ذلك السحر، وذلك بسبب أن ذلك الثعبان قد تلقف كل تلك الحبال والعصي.
المسألة الثانية: قوله: ﴿ مَا جِئْتُمْ بِهِ السحر ﴾ ما هاهنا موصولة بمعنى الذي وهي مرتفعة بالابتداء، وخبرها السحر، قال الفراء: وإنما قال: ﴿ السحر ﴾ بالألف واللام، لأنه جواب كلام سبق ألا ترى أنهم قالوا: لما جاءهم موسى هذا سحر، فقال لهم موسى: بل ما جئتم به السحر، فوجب دخول الألف واللام، لأن النكرة إذا عادت عادت معرفة، يقول الرجل لغيره: لقيت رجلاً فيقول له من الرجل فيعيده بالألف واللام، ولو قال له من رجل لم يقع في فهمه أنه سأله عن الرجل الذي ذكره له.
وقرأ أبو عمرو: ﴿ السحر ﴾ بالاستفهام، وعلى هذه القراءة ما استفهامية مرتفع بالابتداء، وجئتم به في موضع الخبر كأنه قيل: أي شيء جئتم به.
ثم قال على وجه التوبيخ والتقريع: ﴿ السحر ﴾ كقوله تعالى: ﴿ أأنت قُلتَ لِلنَّاسِ ﴾ والسحر بدل من المبتدأ، ولزم أن يلحقه الاستفهام ليساوي المبدل منه في أنه استفهام، كما تقول كم مالك أعشرون أم ثلاثون؟
فجعلت أعشرون بدلاً من كم، ولا يلزم أن يضمر للسحر خبر، لأنك إذا أبدلته من المبتدأ صار في موضعه وصار ما كان خبراً عن المبدل منه خبراً عنه.
ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ الله سَيُبْطِلُهُ ﴾ أي سيهلكه ويظهر فضيحة صاحبه ﴿ إِنَّ الله لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ المفسدين ﴾ أي لا يقويه ولا يكمله.
ثم قال: ﴿ وَيُحِقُّ الله الحق ﴾ ومعنى إحقاق الحق إظهارُه وتقويتُه.
وقوله: ﴿ بكلماته ﴾ أي بوعده موسى.
وقيل بما سبق من قضائه وقدره، وفي كلمات الله أبحاث غامضة عميقة عالية، وقد ذكرناها في بعض مواضع من هذا الكتاب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مّن بَعْدِهِمْ ﴾ من بعد الرسل ﴿ بئاياتنا ﴾ بالآيات التسع ﴿ فاستكبروا ﴾ عن قبولها، وهو أعظم الكبر أن يتهاون العبيد برسالة ربهم بعد تبينها، ويتعظموا عن تقبلها ﴿ وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ ﴾ كفاراً ذوي آثام عظام، فلذلك استكبروا عنها واجترءوا على ردّها ﴿ فَلَمَّا جَاءهُمُ الحق مِنْ عِندِنَا ﴾ فلما عرفوا أنه هو الحق، وأنه من عند الله، لا من قبل موسى وهارون ﴿ قالوا ﴾ لحبهم الشهوات ﴿ إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ وهم يعلمون أنّ الحق أبعد شيء من السحر الذي ليس إلاّ تمويهاً وباطلاً.
فإن قلت: هم قطعوا بقولهم: ﴿ إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ على أنه سحر، فكيف قيل لهم: أتقولون أسحر هذا؟
قلت: فيه أوجه: أن يكون معنى قوله: ﴿ أَتقُولُونَ لِلْحَقّ ﴾ أتعيبونه وتطعنون فيه.
وكان عليكم أن تذعنوا له وتعظموه، من قولهم: فلان يخاف القالة، وبين الناس تقاول إذا قال بعضهم لبعض ما يسوؤه، ونحو القول: الذكر، في قوله: ﴿ سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ ﴾ [الأنبياء: 60] ثم قال: ﴿ أَسِحْرٌ هذا ﴾ فأنكر ما قالوه في عيبه والطعن عليه، وأن يحذف مفعول أتقولون وهو ما دلّ عليه قولهم: ﴿ إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ كأنه قيل: أتقولون ما تقولون، يعني قولهم: إن هذا لسحر مبين، ثم قيل: أسحر هذا؟
وأن يكون جملة قوله: ﴿ أَسِحْرٌ هذا وَلاَ يُفْلِحُ الساحرون ﴾ حكاية لكلامهم، كأنهم قالوا: أَجئتما بالسحر تطلبان به الفلاح ﴿ وَلاَ يُفْلِحُ الساحرون ﴾ كما قال موسى للسحرة: ما جئتم به آلسحر، إنّ الله سيبطله ﴿ لِتَلْفِتَنَا ﴾ لتصرفنا.
واللفت والفتل: أخوان، ومطاوعهما الالتفات والانفتال ﴿ عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءابَاءنَا ﴾ يعنون عبادة الأصنام ﴿ وَتَكُونَ لَكُمَا الكبرياء ﴾ أي الملك؛ لأن الملوك موصوفون بالكبر.
ولذلك قيل للملك الجبار، ووصف بالصيد والشوس، ولذلك وصف ابن الرقيات مصعباً في قوله: مُلْكُهُ مُلْكُ رَأْفَةٍ لَيْسَ فِيه ** جَبَرُوتٌ مِنْهُ وَلاَ كُبْرِيَاءُ ينفي ما عليه الملوك من ذلك.
ويجوز أن يقصدوا ذمّهما وأنهما إن ملكا أرض مصر تجبرا وتكبرا، كما قال القبطي لموسى عليه السلام: إن تريد إلاّ أن تكون جباراً في الأرض ﴿ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ ﴾ أي مصدّقين لكما فيما جئتما به.
وقرئ: ﴿ يطبع ﴾ ويكون لكما، بالياء.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قالُوا أجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا ﴾ لِتَصْرِفَنا واللَّفْتُ والفَتْلُ أخَوانِ.
﴿ عَمّا وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا ﴾ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ.
﴿ وَتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ ﴾ المُلْكُ فِيها سُمِّيَ بِها لِاتِّصافِ المُلُوكِ بِالكِبْرِ، أوِ التَّكَبُّرِ عَلى النّاسِ بِاسْتِتْباعِهِمْ.
﴿ وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ ﴾ بِمُصَدِّقِينَ فِيما جِئْتُما بِهِ.
﴿ وَقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِكُلِّ « سَحّارٍ» .
﴿ عَلِيمٍ ﴾ حاذِقٍ فِيهِ.
﴿ فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهم مُوسى ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
{قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا} لتصرفنا {عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آباءنا} من عبادة الأصنام أو عبادة فرعون {وَتَكُونَ لَكُمَا الكبرياء} أي الملك لأن الملوك موصوفون بالكبرياء والعظمة والعلو {فِى الأرض} أرض مصر {وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ} بمصدقين فيما جئتما به يكون حماد ويحيى
وأمّا ثالِثًا فَلِأنَّ قَوْلَهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالُوا أجِئْتَنا ﴾ إلَخْ مَسُوقٌ لِبَيانِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ألْقَمَهُمُ الحَجَرَ فانْقَطَعُوا عَنِ الإتْيانِ بِكَلامٍ لَهُ تَعَلُّقٌ بِكَلامِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ فَضْلًا عَنِ الجَوابِ الصَّحِيحِ واضْطُرُّوا إلى التَّشَبُّثِ بِذَيْلِ التَّقْلِيدِ الَّذِي هو دَأْبُ كُلِّ عاجِزٍ مَحْجُوجٍ ودَيْدَنُ كُلِّ مُعالِجٍ لَجُوجٍ عَلى أنَّهُ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَمّا قَبْلَهُ مِن كَلامِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى طَرِيقَةِ ﴿ قالَ مُوسى ﴾ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ قالَ لَهم ما قالَ فَقِيلَ: قالُوا عاجِزِينَ عَنِ المُحاجَّةِ: أجِئْتَنا ﴿ لِتَلْفِتَنا ﴾ أيْ لِتَصْرِفْنا، وبَيْنَ اللَّفْتِ والفَتْلِ مُناسِبَةٌ مَعْنَوِيَّةٌ واشْتِقاقِيَّةٌ وقَدْ نَصَّ غَيْرُ واحِدٍ عَلى أنَّهُما أخَوانِ ولَيْسَ أحَدُهُما مَقْلُوبًا مِنَ الآخَرِ كَما قالَ الأزْهَرِيُّ ﴿ عَمّا وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا ﴾ أيْ مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى ولا رَيْبَ في أنَّ ذَلِكَ إنَّما يَتَسَنّى بِكَوْنِ ما ذُكِرَ مِن تَتِمَّةِ كَلامِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى الوَجْهِ الَّذِي شُرِحَ إذْ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مَحْكِيًّا مِن قِبَلِهِمْ يَكُونُ جَوابُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ خالِيًا عَنِ التَّبْكِيتِ المُلْجِئِ لَهم إلى العُدُولِ عَنْ سُنَنِ المُحاجَّةِ ولا رَيْبَ في أنَّهُ لا عَلاقَةَ بَيْنَ قَوْلِهِمْ: ﴿ أجِئْتَنا ﴾ إلَخْ وبَيْنَ إنْكارِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِما حَكى عَنْهم مُصَحِّحَةٌ لِكَوْنِهِ جَوابًا عَنْهُ وهَذا ظاهِرٌ إلّا عَلى مَن حُجِبَ عَنْ إدْراكِ البَدِيهِيّاتِ، وبِالجُمْلَةِ الحَقُّ أنْ لا وجْهَ لِذَلِكَ التَّجْوِيزِ بِوَجْهٍ والِانْتِصارُ لَهَ مِنَ الفُضُولِ كَما لا يَخْفى ﴿ وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ ﴾ أيِ المُلْكُ، كَما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ فَهو مِن إطْلاقِ المَلْزُومِ وإرادَةِ اللّازِمِ، وعَنِ الزَّجّاجِ أنَّهُ إنَّما سُمِّيَ المُلْكُ كِبْرِياءَ لِأنَّهُ أكْبَرُ ما يُطْلَبُ مِن أمْرِ الدُّنْيا وقِيلَ: أيِ العَظَمَةُ والتَّكَبُّرُ عَلى النّاسِ بِاسْتِتْباعِهِمْ.
وقَرَأ حَمّادُ بْنُ يَحْيى عَنْ أبِي بَكْرٍ.
وزَيْدُ عَنْ يَعْقُوبَ (يَكُونَ) بِالياءِ التَّحْتانِيَّةِ لِأنَّ التَّأْنِيثَ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ مَعَ وُجُودِ الفاصِلِ.
﴿ فِي الأرْضِ ﴾ أيْ أرْضِ مِصْرَ وقِيلَ: أُرِيدَ الجِنْسُ والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِتَكُونَ أوْ بِالكِبْرِياءِ أوْ بِالِاسْتِقْرارِ في لَكُما لِوُقُوعِهِ خَبَرًا أوْ لِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ ﴿ الكِبْرِياءُ ﴾ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿ لَكُما ﴾ لِتَحَمُّلِهِ إيّاهُ ﴿وما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ 78﴾ أيْ بِمُصَدِّقِينَ فِيما جِئْتُما بِهِ أصْلًا، وفِيهِ تَأْكِيدٌ لِما يُفْهَمُ مِنَ الإنْكارِ السّابِقِ والمُرادُ بِضَمِيرِ المُخاطَبِينَ مُوسى وهارُونُ عَلَيْهِما السَّلامُ وإنَّما لَمْ يَفْرِدُوا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالخِطابِ هُنا كَما أفْرَدُوهُ بِهِ فِيما تَقَدَّمَ لِأنَّهُ المُشافِهُ لَهم بِالتَّوْبِيخِ والإنْكارِ تَعْظِيمًا لِأمْرٍ ما هو أحَدُ سَبَبَيِ الإعْراضِ مَعْنى ومُبالَغَةً في إغاظَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وإقْناطِهِ عَنِ الإيمانِ بِما جاءَ بِهِ وفي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ أنَّ تَثْنِيَةَ الضَّمِيرِ في هَذَيْنَ المَوْضِعَيْنِ بَعْدَ إفْرادِهِ فِيما تَقَدَّمَ مِنَ المَقامَيْنِ بِاعْتِبارِ شُمُولِ الكِبْرِياءِ لَهُما عَلَيْهِما السَّلامُ واسْتِلْزامِ التَّصْدِيقِ لِأحَدِهِما التَّصْدِيقَ لِلْآخَرِ، وأمّا اللَّفْتُ والمَجِيءُ لَهُ فَحَيْثُ كانا مِن خَصائِصِ صاحِبِ الشَّرِيعَةِ أُسْنِدَ إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ خاصَّةً انْتَهى فَتَدَبَّرْ.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ أي: من بعد هلاك قوم نوح رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ، مثل: هود، وصالح، وإبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، عليهم السلام فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ يعني: بالأمر والنهي.
ويقال: بالآيات والعلامات، فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ قال مقاتل: يعني: ما كان كُفَّار مكة ليصدِّقوا بالعذاب أنه نازل بهم، كما لم يصدق به أوائلهم من قبل كفار مكة.
وقال الكَلْبِي: فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ عند الميثاق، حين أخرجهم من صلب آدم.
وقال: فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا يعني: أُولئك القوم ما بعد دعاهم الرُّسل بما كذبوا به مِن قَبْلِ أَن يأتيهم الرُّسل كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ يعني: نختم على قلوبهم المتجاوزين من الحلال وإلى الحرام.
ويقال: صار تكذيبهم طبعاً على قلوبهم، فمنعهم عن الإيمان.
قوله تعالى: ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ أي: من بعد الرُّسل مُوسى وَهارُونَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ بِآياتِنا التّسع ثم قال: فَاسْتَكْبَرُوا يعني: تكبَّروا عن الإيمان وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ يعني: مشركين.
قوله تعالى: فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ يعني: ظهر لهم الحقُّ مِنْ عِنْدِنا من عند الله تعالى قالُوا إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ يعني: الَّذي أتيتنا به كذب بيّن قالَ مُوسى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَكُمْ أَسِحْرٌ هذا وفي الآية مضمر، ومعناه: أتقولون للحق لما جاءكم إنَّه سحر؟
ثمَّ قال: أسِحْرٌ هذا؟
يعني: أيكون مثل هذا سحراً؟
فليس ذلك بسحر، ولكنَّ ذلك علامة النّبوّة، وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ في الدُّنيا والآخرة.
ويقال: لا ظفر لهم.
قوله تعالى: قالُوا أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا يعني: قال فرعون وقومه لموسى أَجِئْتَنا؟
يعني: لتصرفنا، وتصدنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا يقول: عما كان يعبد آباؤنا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ يعني: السُّلطان والشَّرف والمُلْكُ فِي الْأَرْضِ، يعني: في أرض مصر وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ يعني: بمصدِّقين بأنّكما رسولا ربِّ العالمين.
<div class="verse-tafsir"
وقوله سبحانه: فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ الآية: يريد ب الْحَقُّ آيَتَيِ العَصَا واليد.
وقوله: أَسِحْرٌ هذا: قالت فرقة: هو حكايةٌ عن موسَى عنهم، ثم أخبرهم موسَى عن اللَّه أَنَّ الساحِرِينَ لا يُفلحون، ثم اختلفوا في معنى قول قَوْمِ فرعونَ، فقال بعضهم:
قالها منهم كلُّ مستفهِمٍ جاهلٍ بالأمر، فهو يسأل عنه، وهذا ضعيفٌ، وقال بعضهم: بل قالوا ذلك عَلَى معنى التعظيم للسحْرِ الذي رأَوْهُ، وقالت فرقة: ليس ذلك حكايةً عن موسَى عنهم، وإِنما هو من كلام موسَى، وتقدير الكلامِ: أَتقولون للحَقِّ لما جاءكم سِحْرٌ، ثم ابتدأ يوقِّفهم بقوله: أَسِحْرٌ/ هذا على جهة التوبيخ.
وقولهم: لِتَلْفِتَنا: أي: لتصرفنا وتلوينا وتَرُدَّنا عن دين آبائنا، يقال: لفتَ الرَّجُلُ عُنُقَ الآخَرِ إِذا أَلواه، ومنه قولهم: التفت فَإِنَّهُ افتعل من لفت عنقه إذا ألواه، والْكِبْرِياءُ: مصْدَر من الكِبْرِ، والمراد به في هذا الموضع المُلْك قاله أكثر المتأوِّلين لأنه أعظم تَكَبُّرِ الدنيا، وقرأ أبو عَمْرٍو وحده: «به السّحر» - بهمزة استفهام ممدودةٍ-، وفي قراءة «١» أُبيٍّ: «مَا أَتَيْتُمْ بِهِ سِحْرٌ» ، والتعريف هنا في السِّحْرِ أَرْتَبُ لأنه تقدَّم منكَّراً في قولهم: إِنَّ هذا لَسِحْرٌ، فجاء هنا بلامِ العَهْدِ.
قال ص: قال الفَّرَّاء: إِنما قال: «السِّحْر» ب «أَلْ» ، لأن النكرة إِذا أُعيدَتْ، أُعيدَتْ ب «أَلْ» ، وتبعه ابن عطية «٢» ، ورُدَّ بأن شرط ما ذكراه اتحاد مدلول النكرةِ المُعَادة كقوله تعالى: كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ [المزمل: ١٥، ١٦] وهنا السِّحْر المنكَّر هو ما أتَى به موسَى، والمعروفُ ما أتَوْا به هُمْ، فاختلف
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا ﴾ وهو ما جاءَ بِهِ مُوسى مِنَ الآياتِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أسِحْرٌ هَذا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم هَذا اللَّفْظَ، وهو قَوْلُهم: ﴿ إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ ﴾ ثُمَّ قَرَّرَهم فَقالَ: ﴿ أسِحْرٌ هَذا ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّما أدْخَلُوا الألِفَ عَلى جِهَةِ تَفْظِيعِ الأمْرِ، كَما يَقُولُ الرَّجُلُ إذا نَظَرَ إلى الكُسْوَةِ الفاخِرَةِ: أكِسْوَةٌ هَذِهِ ؟
يُرِيدُ بِالِاسْتِفْهامِ تَعْظِيمَها، وتَأْتِي الرَّجُلَ جائِزَةٌ، فَيَقُولُ: أحَقٌّ ما أرى ؟
مُعَظِّمًا لَمّا ورَدَ عَلَيْهِ.
وقالَ غَيْرُهُ: تَقْدِيرُ الكَلامِ: أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم: هو سِحْرٌ، أسِحْرٌ هَذا ؟
فَحُذِفَ السِّحْرُ الأوَّلُ اكْتِفاءً بِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ ﴾ المَعْنى: بَعَثْناهم لِيَسُوؤُوا وُجُوهَكم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لِتَصْرِفَنا.
يُقالُ: لَفَتُّ فُلانًا عَنْ كَذا: إذا صَرَفْتَهُ.
ومِنهُ الِالتِفاتُ، وهو الِانْصِرافُ عَمّا كُنْتَ مُقْبِلًا عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ ﴾ ورَوى أبانُ، وزَيْدٌ عَنْ يَعْقُوبَ " ويَكُونَ لَكُما " بِالياءِ.
وفي المُرادِ بِالكِبْرِياءِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: المُلْكُ والشَّرَفُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: الطّاعَةُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والثّالِثُ: العُلُوُّ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والأرْضُ هاهُنا: أرْضُ مِصْرَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِكُلِّ ساحِرٍ ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ " بِكُلِّ سَحّارٍ " بِتَشْدِيدِ الحاءِ وتَأْخِيرِ الألِفِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ " السِّحْرُ " بِغَيْرِ مَدٍّ، عَلى لَفْظِ الخَبَرِ والمَعْنى: الَّذِي جِئْتُمْ بِهِ مِنَ الحِبالِ والعِصِيِّ، هو السِّحْرُ، وهَذا رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ لِلْحَقِّ: هَذا سِحْرٌ، فَتَقْدِيرُهُ: الَّذِي جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ، فَدَخَلَتِ الألِفُ واللّامُ، لِأنَّ النَّكِرَةَ إذا عادَتْ، عادَتْ مَعْرِفَةً، كَما تَقُولُ: رَأيْتُ رَجُلًا، فَقالَ لِي الرَّجُلُ.
وقَرَأ مُجاهِدٌ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو جَعْفَرٍ، وأبانُ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو حاتِمٍ عَنْ يَعْقُوبَ: " آلسِّحْرُ " بِمَدِّ الألِفِ، اسْتِفْهامًا.
قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ جِئْتُمْ بِهِ ؟
أسِحْرٌ هُوَ؟
عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ لَهم.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هَذا الِاسْتِفْهامُ مَعْناهُ التَّعْظِيمُ لِلسِّحْرِ، لا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِفْهامِ عَنْ الشَّيْءِ الَّذِي يُجْهَلُ، وذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِ الإنْسانِ في الخَطَأِ الَّذِي يَسْتَعْظِمُهُ مِن إنْسانٍ: أخْطَأٌ هَذا ؟
أيْ: هو عَظِيمُ الشَّأْنِ في الخَطَأِ.
والعَرَبُ تَسْتَفْهِمُ عَمّا هو مَعْلُومٌ عِنْدَها، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: أغَرَّكِ مِنِّي أنَّ حُبَّكِ قاتِلِي وأنَّكِ مَهْما تَأْمُرِي القَلْبَ يَفْعَلِ وَقالَ قَيْسُ بْنُ ذُرَيْحٍ: أراجِعَةٌ يا لُبْنَ أيّامُنا الأُلى ∗∗∗ بِذِي الطَّلْحِ أمْ لا ما لَهُنَّ رُجُوعُ فاسْتَفْهَمَ وهو يَعْلَمُ أنَّهُنَّ لا يَرْجِعْنَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ ﴾ أيْ: يُهْلِكُهُ ويُظْهِرُ فَضِيحَتَكم، ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ ﴾ لا يَجْعَلُ عَمَلَهم نافِعًا لَهم.
﴿ وَيُحِقُّ اللَّهُ الحَقَّ ﴾ أيْ: يُظْهِرُهُ ويُمَكِّنُهُ، ﴿ بِكَلِماتِهِ ﴾ بِما سَبَقَ مِن وعْدِهِ بِذَلِكَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا قالُوا إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ ﴾ ﴿ قالَ مُوسى أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم أسِحْرٌ هَذا ولا يُفْلِحُ الساحِرُونَ ﴾ ﴿ قالُوا أجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمّا وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ وما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ ﴾ يُرِيدُ بِـ"الحَقُّ" آيَتَيِ العَصا واليَدِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهم عِنْدَهُما: "هَذا سِحْرٌ"، ولَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ إلّا عِنْدَهُما، ولا تَعاطَوْا إلّا مُقاوَمَةَ العَصا فَهي مُعْجِزَةُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ الَّتِي وقَعَ فِيها عَجْزُ المُعارِضِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لَسِحْرٌ مُبِينٌ"، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والأعْمَشُ: "لَساحِرٌ مُبِينٌ".
ثُمَّ اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ: ﴿ أسِحْرٌ هَذا ﴾ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو حِكايَةٌ مِن مُوسى عنهم عَلى مَعْنى أنَّ قَوْلَهم كانَ: "أسِحْرٌ هَذا؟"، ثُمَّ اخْتُلِفَ في مَعْنى قَوْلِ قَوْمِ فِرْعَوْنَ: "أسِحْرٌ هَذا؟" فَقالَ بَعْضُهُمْ: قالَها مِنهم كُلُّ مُسْتَفْهِمٍ جاهِلٍ بِالأمْرِ فَهو يَسْألُ عنهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا التَأْوِيلُ يُضَعِّفُهُ ما ذَكَرَ اللهُ قَبْلُ عنهم مِن أنَّهم صَمَّمُوا عَلى أنَّهُ سِحْرٌ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ ﴾ .
وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ قالُوا ذَلِكَ عَلى مَعْنى التَعْظِيمِ لِلسِّحْرِ الَّذِي رَأوهُ بِزَعْمِهِمْ، كَما تَقُولُ لِفَرَسٍ تَراهُ يُجِيدُ الجَرْيَ: "أفَرَسٌ هَذا؟" عَلى مَعْنى التَعَجُّبِ مِنهُ والِاسْتِغْرابِ وأنْتَ قَدْ عَلِمْتَ أنَّهُ فَرَسٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ غَيْرُ هاتَيْنِ: لَيْسَ ذَلِكَ حِكايَةً مِن مُوسى عنهُمْ، بَلِ القَوْلُ الَّذِي حَكاهُ عنهم مُقَدَّرٌ تَقْدِيرُهُ: أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم سِحْرٌ؟
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: أو نَحْوُ هَذا مِنَ التَقْدِيرِ، ثُمَّ ابْتَدَأ يُوقِفُهم بِقَوْلِهِ: "أسِحْرٌ هَذا؟" عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ، ثُمَّ أخْبَرَهم عَنِ اللهِ تَعالى أنَّ الساحِرِينَ لا يُفْلِحُونَ ولا يَظْفَرُونَ بِبُغْيَةٍ، ومِثْلُ هَذا التَقْدِيرِ المَحْذُوفِ عَلى هَذا التَأْوِيلِ مَوْجُودٌ في كَلامِ العَرَبِ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ: فَلَمّا لَبِسْنَ اللَيْلَ أو حِينَ نَصَّبَتْ ∗∗∗ لَهُ مِن خَذا آذانِها وهو جانِحُ يُرِيدُ: أو حِينَ قارَبْنَ ذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُ اللهِ تَعالى: ﴿ فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ ﴾ ، المَعْنى: بَعَثْناهم لِيَسْؤُوا، ومِثْلُ هَذا كَثِيرٌ شائِعٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالُوا أجِئْتَنا ﴾ الآيَةُ، المَعْنى: قالَ قَوْمُ فِرْعَوْنَ لِمُوسى: أجِئْتَنا لِتَصْرِفَنا وتَلْوِيَنا وتَرُدَّنا عن دِينِ آبائِنا؟
يُقالُ: "لَفَتَ الرَجُلُ عَنِ الآخَرِ" إذا لَواهُ، ومِنهُ قَوْلُهُمُ:التَفَتَ، فَإنَّهُ افْتَعَلَ مِن لَفَتْ عُنُقَهُ، ومِنهُ قَوْلً رُؤْبَةَ: لَفْتًا وتَهْزِيعًا سَواءَ اللَفْتِ ∗∗∗ ∗∗∗.......................
وقَرَأ السَبْعَةُ سِوى أبِي عَمْرٍو -فَإنَّهُ اخْتُلِفَ عنهُ-: "وَتَكُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وهي قِراءَةُ جُمْهُورِ الناسِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ -فِيما زَعَمَ خارِجَةُ وإسْماعِيلُ -: "وَيَكُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتِ، ورُوِيَتْ عن أبِي عَمْرٍو، وعن عاصِمٍ، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ.
و"الكِبْرِياءُ": مَصْدَرٌ مَبالَغٌ مِنَ الكِبْرِ، والمُرادُ بِهِ -فِي هَذا المَوْضِعِ- المُلْكُ، وكَذَلِكَ قالَ فِيهِ مُجاهِدٌ، والضَحّاكُ، وأكْثَرُ المُتَأوِّلِينَ، لِأنَّهُ أعْظَمُ تَكَبُّرِ الدُنْيا، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: سُؤْدُدًا غَيْرَ فاحِشٍ لا يُدا ∗∗∗ ∗∗∗ نِيهِ تَجْبارُهُ ولا كِبْرِياءُ وَقَوْلُهُ: "بِمُؤْمِنِينَ" أيْ: بِمُصَدِّقِينَ.
<div class="verse-tafsir"
الكلام على جملة: ﴿ قالوا أجئتنا ﴾ مثل الكلام على جملة: ﴿ قال موسى أتقولون ﴾ [يونس: 77].
والاستفهام في ﴿ أجئتنا ﴾ إنكاري، بنَوا إنكارهم على تخطئة موسى فيما جاء به، وعلى سوء ظنهم به وبهارون في الغاية التي يتطلبانها مما جاء به موسى.
وإنما واجهوا موسى بالخطاب لما تقدم من أنه الذي باشر الدعوة وأظهر المعجزة، ثم أشركاه مع أخيه هارون في سوء ظنهم بهما في الغاية من عملهما.
و ﴿ تلْفِتَنَا ﴾ مضارع لَفَتَ من باب ضرَب متعدياً: إذا صرف وجهه عن النظر إلى شيء مقابل لوجهه.
والفعل القاصر منه ليس إلا لا لمطاوعة.
يقال: التفت.
وهو هنا مستعمل مجازاً في التحويل عن العمل أو الاعتقاد إلى غيره تحويلاً لا يبقى بعده نظر إلى ما كان ينظره، فأصله استعارة تمثيلية ثم غلبت حتى صارت مساوية الحقيقة.
وقد جمعت صلة ﴿ ما وجدنا عليه آباءنا ﴾ كل الأحوال التي كان آباؤهم متلبسين بها.
واختير التعبير ب ﴿ وَجدنا ﴾ لما فيه من الإشارة إلى أنهم نشأوا عليها وعقلوها، وذلك مما يكسبهم تعلقاً بها، وأنها كانت أحوال آبائهم وذلك مما يزيدهم تعلقاً بها تبعاً لمحبة آبائهم لأن محبة الشيء تقتضي محبة أحواله وملابساته.
وفي ذلك إشارة إلى أنها عندهم صواب وحق لأنهم قد اقتدوا بآبائهم كما قال تعالى: ﴿ وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمَّة وإنَّا على آثارهم مقتدون ﴾ [الزخرف: 23].
وقال عن قوم إبراهيم عليه السلام: ﴿ قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين ﴾ [الأنبياء: 53، 54]، وقد جاءهم موسى لقصد لفتهم عما وجدوا عليه آباءهم فكان ذلك محل الإنكار عندهم لأن تغيير ذلك يحسبونه إفساداً ﴿ قال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ﴾ [الأعراف: 127].
والإتيان بحرف (على) للدلالة على تمكن آبائهم من تلك الأحوال وملازمتهم لها.
وعطف ﴿ وتكون لكما الكبرياء ﴾ على الفعل المعلَّل به، والمعطوف هو العلة في المعنى لأنهم أرادوا أنهم تفطنوا لغرض موسى وهارون في مجيئهما إليهم بما جاءوا به، أي أنهما يحاولان نفعاً لأنفسهما لا صلاحاً للمدعوين، وذلك النفع هو الاستحواذ على سيادة مصر بالحيلة.
والكبرياء: العظمة وإظهار التفوق على الناس.
والأرض: هي المعهودة بينهم، وهي أرض مصر، كقوله: ﴿ يريد أن يخرجكم من أرضكم ﴾ [الأعراف: 110].
ولما كانوا ظنوا تطلبهما للسيادة أتوا في خطاب موسى بضمير المثنى المخاطب لأن هارون كان حاضراً فالتفتوا عن خطاب الواحد إلى خطاب الاثنين.
وإنَّما شرّكوا هارون في هذا الظن من حيث إنه جاء مع موسى ولم يباشر الدعوة فظنوا أنه جاء معه لينال من سيادة أخيه حظاً لنفسه.
وجملة: ﴿ وما نحن لكما بمؤمنين ﴾ عطف على جملة: ﴿ أجئتنا ﴾ .
وهي في قوة النتيجة لتلك الجملة بما معها من العلة، أي لما تبين مقصدكما فما نحن لكما بمؤمنين.
وتقديم ﴿ لكما ﴾ على متعلَّقه لأن المخاطبين هما الأهم من جملة النفي لأن انتفاء إيمانهم في زعمهم كان لأجل موسى وهارون إذ توهموهما متطلبي نفع لأنفسهما.
فالمراد من ضمير التثنية ذاتاهما باعتبار ما انطويا عليه من قصد إبطال دين آباء القبط والاستيلاء على سيادة بلادهم.
وصيغت جملة: ﴿ وما نحن لكما بمؤمنين ﴾ اسمية دون أن يقولوا وما نؤمن لكُما لإفادة الثبات والدوام وأن انتفاء إيمانهم بهما متقرر متمكن لا طماعية لأحد في ضده.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالُوا أجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمّا وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لِتَلْوِينا، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: لِتَصُدَّنا، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: لِتَصْرِفَنا، مِن قَوْلِهِمْ لَفَتَهُ لَفْتًا إذا صَرَفَهُ ومِنهُ لَفَتَ عُنُقَهُ أيْ لَواها، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.
﴿ وَتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: المُلْكُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: العَظَمَةُ، حَكاهُ الأعْمَشُ.
الثّالِثُ: العُلُوُّ، قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ.
الرّابِعُ: الطّاعَةُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ لتلفتنا ﴾ قال: لتلوينا.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه ﴿ لتلفتنا ﴾ قال: لتصدنا عن آلهتنا.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وتكون لكما الكبرياء في الأرض ﴾ قال: العظمة والملك والسلطان.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ليث بن أبي سليم رضي الله عنه قال: بلغني أن هذه الآيات شفاء من السحر بإذن الله تعالى، يقرأ في إناء فيه ماء ثم يصب على رأس المسحور الآية التي في يونس ﴿ فلما ألقوا قال موسى ما جئتم به السحر إن الله سيبطله ﴾ إلى قوله: ﴿ ولو كره المجرمون ﴾ وقوله: ﴿ فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون ﴾ [ الأعراف: 118] إلى آخر أربع آيات وقوله: ﴿ إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى ﴾ [ طه: 69] .
وأخرج ابن المنذر عن هرون رضي الله عنه قال: في حرف أبي بن كعب ﴿ ما أتيتم به سحر ﴾ وفي حرف ابن مسعود رضي الله عنه ﴿ ما جئتم به سحر ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا ﴾ ، قال ابن عباس: يريد لتردنا (١) (٢) الأزهري: لَفَتَ الشيء وفَتَله: إذا لواه (٣) وقوله تعالى: ﴿ وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ ﴾ ، قال ابن عباس (٤) (٥) (٦) (٧) وقول أهل اللغة في الكبرياء أيضًا أنها الملك (٨) (٩) وقال الفراء: إنما قالوا ذلك لهما؛ لأن النبي إذا صُدِّق صارت مقاليد أمته وملكهم إليه (١٠) (١١) (١) رواه بنحوه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 217.
(٢) انظر: "الصحاح" (لفت) 1/ 264، "مجمل اللغة" (لفت) 3/ 811.
(٣) اهـ.
كلام الأزهري، انظر: "تهذيب اللغة" (فتل) 6/ 3344، ولفظه: لفت فلانًا عن رأيه وفتله: إذا صرفه ولواه.
(٤) "زاد المسير" 4/ 50، "تنوير المقباس" ص 217.
(٥) "تفسير ابن جرير" 11/ 147، وابن أبي حاتم 6/ 1973، وانظر: "تفسير مجاهد" ص 382، "الدر المنثور" 3/ 564.
(٦) رواه ابن جرير 11/ 147، عن ابن جريج، عن مجاهد، ولم أجده في موضع آخر.
(٧) انظر: "تفسير ابن جرير" 11/ 147، والسمرقندي 5/ 107، والثعلبي 7/ 22 ب.
(٨) انظر: "لسان العرب" (كبر) 6/ 3807.
(٩) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 29.
(١٠) اهـ.
كلام الفراء، انظر: "معاني القرآن" 1/ 475، ولم يذكر المؤلف بقية عبارة الفراء التي توضح مقصوده، ولفظها: فقالوه على ملك ملوكهم من التكبر اهـ.
يعني أن عادة الأنبياء إذا ملكوا تخالف عادة الملوك من التكبر والتعاظم والجبروت، لكن قائلي هذه المقولة حسبوا أن عادة الأنبياء كعادة غيرهم من الملوك.
(١١) ساقط من (ى).
<div class="verse-tafsir"
﴿ لِتَلْفِتَنَا ﴾ أي لتصرفنا وتردّنا عن دين آبائنا ﴿ وَتَكُونَ لَكُمَا الكبريآء ﴾ أي الملك، والخطاب لموسى وأخيه عليهما السلام ﴿ مَا جِئْتُمْ بِهِ السحر ﴾ ما موصولة مرفوعة بالابتداء والسحر الخبر وقرئ السحر بالاستفهام فما على هذا استفهامية، والسحر خبر ابتداء مضمر ﴿ وَيُحِقُّ الله الحق ﴾ يحتمل أن يكون من كلامم موسى أو إخبار من الله تعالى.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ وشركاؤكم ﴾ بالرفع: يعقوب ﴿ إن أجري ﴾ بفتح الياء حيث كان: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص ﴿ ويكون لكما ﴾ بياء الغيبة: حماد ويزيد وزيد.
الباقون بتاء التأنيث ﴿ آلسحر ﴾ بالمد: يزيد وأبو عمرو ﴿ أن تبويا ﴾ بالياء: الخراز وحمزة في الوقف وإن شاء لين الهمزة.
الآخرون بالهمز.
﴿ ليضلوا ﴾ بضم الياء: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير المفضل ﴿ ولا تتبعان ﴾ بتخفيف النون: ابن عامر غير الحلواني عن هشام.
﴿ تتبعان ﴾ خفيفة التاء والنون: ابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان، وفي كلتا القراءتين خففت النون ثم كسرت لالتقاء الساكنين تشبيهاً بنون التثينة.
الباقون والحلواني عن هشام ﴿ تتبعان ﴾ بتشديدها في الحالين ﴿ منت أنه ﴾ بكسر الهمزة على الاستئناف بدلاً من ﴿ آمنت ﴾ : حمزة وعلي وخلف.
الآخرون بالفتح.
﴿ ننجيك ﴾ من الإنجاء: سهل ويعقوب وقتيبة.
والآخرون بالتشديد.
الوقوف: ﴿ نبأ نوح ﴾ م لئلا يوهم أن "إذ" ظرف لقوله: ﴿ اتل ﴾ بل التقدير: واذكر إذ قال.
﴿ ولا تنظرون ﴾ ه ﴿ من أجر ﴾ ط ﴿ على الله ﴾ ج لأن التقدير وقد أمرت ﴿ من المسلمين ﴾ ه ﴿ بآياتنا ﴾ ج للفاء ولأن أمر النظر للعبرة يقتضي التثبيت للتدبر ﴿ المنذرين ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ المعتدين ﴾ ه ﴿ مجرمين ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ لما جاءكم ﴾ ط بناء على أن التقدير أتقولون للحق لما جاءكم هو سحر والاستفهام في قوله: ﴿ أسحر ﴾ يستحق الابتداء وسيجيء له مزيد بيان ﴿ هذا ﴾ ط للفصل بين الأخبار والاستخبار ﴿ الساحرون ﴾ ه ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ بمؤمنين ﴾ ه ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ ملقون ﴾ ه ﴿ ما جئتم به ﴾ ط لمن قرأ ﴿ آلسحر ﴾ مستفهماً ﴿ السحر ﴾ ط ﴿ سيبطله ﴾ ط ﴿ المفسدين ﴾ ه ﴿ المجرمون ﴾ ه ﴿ أن يفتنهم ﴾ ط ﴿ في الأرض ﴾ ج لاتصال الكلام ﴿ المسرفين ﴾ ه ﴿ مسلمين ﴾ ه ﴿ توكلنا ﴾ ج للعدول مع اتحاد القائل ﴿ الظالمين ﴾ ه لا للعطف.
﴿ الكافرين ﴾ ه ج ﴿ وأقيموا الصلاة ﴾ ط لأن قوله ﴿ وبشر ﴾ خطاب لمحمد وإن أريد به موسى فلا بد من العدول ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ لا لتعلق قوله: ﴿ ليضلوا ﴾ بقوله: ﴿ آتيت ﴾ و ﴿ وربنا ﴾ تكرار للأول لأجل التضرع.
﴿ عن سبيلك ﴾ ج لابتداء النداء مع اتحاد القائل ﴿ الأليم ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ وعدواً ﴾ ط ﴿ الغرق ﴾ لا لأن قال جواب "إذا" ﴿ المسلمين ﴾ ه ﴿ المفسدين ﴾ ه ﴿ آية ﴾ ط ﴿ لغافلون ﴾ ه.
التفسير: لما بالغ في تقرير الدلائل والبينات والجواب عن الشبهات شرع في قصص الأنبياء المتقدمين، لأن نقل الكلام من أسلوب إلى أسلوب أقرب إلى انشراح الصدور ودفع الملال مع أن في ذكرها تسلية للرسول وعبرة للمعتبر إلى غير ذلك من الفوائد التي سبق ذكرها في "الأعراف".
ومعنى كبر ثقل وشق كقوله: ﴿ وإنها لكبيرة ﴾ وفي مقامي وجوه منها: أنه زيادة كقولك: فعلت كذا لمكان فلان أي لأجله، وكقوله تعالى: ﴿ ولمن خاف مقام ربه ﴾ أي ربه ومثله قولهم: فلان ثقيل الظل.
ومنها أن يراد به المكث أي شق عليكم مكثي بين أظهركم مدداً طوالاً ألف سنة إلا خمسين عاماً، ولا شك أن من ألف طريقة ويدعى إلى خلافها ولا سيما إذا تكرر الدعاء كان ذلك موجباً للتنفر والثقل، وخاصة إذا كانت تلك الطريقة مقتضاة النفس والطبيعة الداعيتين إلى اللذات العاجلة.
ومنها أن يكون المقام بمعنى القيام لأنهم كانوا يقومون على أرجلهم في الوعظ والتذكير ليكون مكانهم بيناً وكلامهم مسموعاً كما يحكى عن عيسى أنه كان يعظ الحواريين قائماً وهم قعود.
وجواب الشرط إما قوله: ﴿ فعلى الله توكلت ﴾ أي إن شدة بغضكم لي تحملكم على الإقدام على إيذائي وأنا لا أقابل ذلك الشر بالتوكل على الله فإن ذلك هجيراي قديماً وحديثاً وإما قوله: ﴿ فأجمعوا ﴾ وقوله: ﴿ فعلى الله توكلت ﴾ اعتراض كقولك: إن كنت أنكرت عليّ شيئاً فالله حسبي فاعمل ما تريد.
ولا يحسن أن يقال: إن الفاء الثانية عاطفة للاختلاف طلباً وخبراً، ومعنى ﴿ فأجمعوا أمركم ﴾ اعزموا عليه من أجمع الأمر إذا نواه وعزم عليه قاله الفراء.
وقال أبو الهيثم: أجمع أمره أي جعله جميعاً بعدما كان متفرقاً وتفرقه أنه يقول مرة أفعل كذا ومرة أفعل كذا، فلما عزم على أمر واحد فقد جمعه أي جعله جميعاً.
فهذا هو الأصل في الإجماع ثم صار بمعنى العزم حتى وصل بـ "على" فقيل: أجمعت على الأمر أي عزمت عليه والفصيح أجمعت الأمر، والمراد بالأمر وجوه مكرهم وكيدهم.
وانتصب ﴿ شركاءكم ﴾ على المفعول معه أي مع شركائكم.
ومن قرأ بالرفع جعله عطفاً على الضمير المتصل، وإنما يحسن ذلك من غير تأكيد بالمنفصل للفصل.
والمراد بالشركاء إما من هم على مثل قولهم ودينهم، وإما الأصنام.
وحسن إسناد الإجماع إليهم على وجه التهكم كقوله: ﴿ قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون ﴾ واعلم أنه قال في أول الأمر ﴿ فعلى الله توكلت ﴾ ليدل على أنه واثق بوعد الله جازم بأن تهديدهم إياه بالقتل لا يضره، ثم أورد عليهم ما يدل على صحة دعواه فقال: ﴿ فأجمعوا أمركم ﴾ كأنه قال: حصلوا كل ما تقدرون عليه من الأسباب المؤدية الى مطلوبكم غير مقتصرين على ذلك بل ضامين إلى أنفسكم شركاءكم الذين تزعمون أن حالكم يقوى بمكانهم.
ثم ضم إلى ذلك قيداً آخر فقال: ﴿ ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ﴾ قال أبو الهيثم: أي مبهماً من قولهم غم علينا الهلال فهو مغموم أي التبس.
وقال الليث: لقي غمة من أمره إذا لم يهتد له.
وقال الزجاج: أي ليكن أمركم الذي أجمعتموه ظاهراً منكشفاً أي تجاهرونني بالإهلاك.
ويحتمل أن يراد بهذا الأمر العيش والحال أي أهلكوني لئلا يكون عيشكم بسببي غصة وحالكم عليكم غمة أي غماً وهماً والغم والغمة كالكرب والكربة.
ثم زاد قيداً آخر فقال: ﴿ ثم اقضوا إليّ ﴾ ذلك الأمر الذي تريدون بي أي أدوا إليّ قطعه واحكموا بصحته وإمضائه.
وعن القفال أن فيه تضميناً والمعنى ألقوا إليّ ما استقر عليه رأيكم محكماً مفروغاً منه.
ثم ختم الكلام بقوله: ﴿ ولا تنظرون ﴾ أي عجلوا ذلك بأشد ما تقدرون عليه من غير إهمال، ومعلوم أن مثل هذا الكلام لا يصدر إلا عمن بلغ في التوكل الغاية القصوى.
ثم بين أن كل ما أتى به فإن ذلك فارغ من الطمع الدنيوي والغرض الخسيس فقال: ﴿ فإن توليتم ﴾ أعرضتم عن نصحي وتذكيري ﴿ فما سألتكم من أجر ﴾ فما كان عندي ما ينفركم عني وتتهمونني لأجله من طمع أو غرض عاجل ﴿ إن أجري ﴾ ليس أجري ﴿ إلا على الله ﴾ أي ما نصحتكم إلا لوجهه ولا يثيبني إلا هو.
وفي الآية نكتة كأنه أراد أنه لا يخاف منهم بوجه من الوجوه لا بإيصال الشر وذلك قوله: ﴿ فعلى الله توكلت ﴾ إلى آخره.
ولا بانقطاع الخير منهم وذلك قوله: ﴿ فإن توليتم ﴾ الآية.
﴿ وأمرت أن أكون من المسلمين ﴾ أي سواء قبلتم دين الإسلام أو لم تقبلوه فأنا مأمور بأن أكون على دين الإسلام، أو مأمور بالاستسلام لكل ما ألقى من قبل هذه الدعوة.
﴿ فكذبوه ﴾ بقوا على تكذيبهم إلى آخر المدة المتطاولة.
﴿ فنجيناه ومن معه في الفلك ﴾ قد ذكرنا في "الأعراف" الفرق بين هذه العبارة وبين ما هنالك ﴿ وجعلناهم خلائف ﴾ يخلفون الهالكين بالطوفان ﴿ فانظر كيف كان عاقبة المنذرين ﴾ تعظيم لشأن إهلاكهم وتحذير لغيرهم وتسلية للنبي ﴿ ثم بعثنا من بعده ﴾ من بعد نوح ﴿ رسلاً ﴾ كهود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب ﴿ فجاؤوهم بالبينات ﴾ بالحجج الواضحات والمعجزات الباهرات ﴿ فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل ﴾ الآية وقد مر تفسيرها في أواسط الأعراف إلا أنه زيد ههنا لفظة "به" فقيل: لتناسب ما قبله وهو ﴿ كذبوا بآياتنا ﴾ وكذلك في "الأعراف" راعى المناسبة لأن ما قبله ﴿ ولكن كذبوا ﴾ بغير الباء ﴿ ثم بعثنا من بعدهم ﴾ بعد الرسل أو الأمم ﴿ بآياتنا ﴾ يعني الآيات التسع ﴿ فاستكبروا ﴾ عن قبولها ﴿ وكانوا قوماً مجرمين ﴾ كفاراً ذوي آثام ولذلك اجترأوا على رد الآيات.
أما قوله: ﴿ أسحر هذا ﴾ فليس بمقول لقوله: ﴿ أتقولون ﴾ لأنهم قطعوا في قوله: ﴿ إن هذا لسحر مبين ﴾ بأنه سحر، وما استفهموا ولكن الوجه فيه أن يقال: إن القول ههنا بمعنى الطعن والعيب كالذكر في قوله: ﴿ سمعنا فتى يذكرهم ﴾ ومنه قولهم: فلان يخاف القالة أي مطاعن الناس فكأنه قال: أتعيبون الحق وتطعنون فيه؟
ثم أنكر عليهم قولهم فقال: ﴿ أسحر هذا ﴾ أو يقال: مفعول تقولون محذوف وهو قولهم ﴿ إن هذا لسحر مبين ﴾ أو يقال: جملة قوله ﴿ أسحر هذا ﴾ ﴿ ولا يفلح الساحرون ﴾ حكاية لكلامهم كأنهم قالوا منكرين لما جاءا به أجئتما بالسحر تطلبان به الفلاح ولا يفلح السحرة، لأن حاصل صنيعهم تخييل وتمويه ﴿ قالوا أجئتنا لتلفتنا ﴾ التركيب يدل على الالتواء ومنه الفتل والالتفات "افتعال" من اللفت وهو الصرف واللي ﴿ وتكون لكما الكبرياء في الأرض ﴾ أي الملك والعز في أرض مصر.
قال الزجاج: سمى الملك كبرياء لأنه أكبر ما يطلب من أمر الدنيا.
وأيضاً فالنبي إذا اعترف القوم بصدقه صارت مقاليد أمر أمته إليه وصار أكبر القوم.
وقيل: لأن الملوك موصوفون بالكبر والحاصل أنهم عللوا عدم قبولهم دعوة موسى بأمرين: التمسك بالتقليد وهو عبادة آبائهم الأصنام، والحرص في طلب الدنيا والجد في بقاء الرياسة.
ويجوز أن يقصدوا ذمهما وأنهما إن ملكا أرض مصر تجبرا وتكبرا.
ثم صرحوا بالتكذيب قائلين ﴿ وما نحن لكما بمؤمنين ﴾ ثم حاولوا المعارضة وقد مرت تلك القصة في "الأعراف".
أما قوله: ﴿ ما جئتم به ﴾ فمعناه الذي جئتم به هو السحر لا الذي سماه فرعون وقومه سحراً من آيات الله.
قال الفراء: وإنما قال السحر بالألف واللام لأنه جواب الكلام الذي سبق كأنهم قالوا لموسى ما جئت به سحر.
فقال موسى: بل ما جئتم به السحر.
فوجب دخول الألف واللام لأن النكرة إذا عادت عادت معرفة.
يقول الرجل لغيره: لقيت رجلاً.
فيقول له: من الرجل؟
ولو قال: من رجل؟
لم يقع في وهمه أنه يسأل عن الرجل الذي ذكره.
ومن قرأ ﴿ آلسحر ﴾ بالاستفهام فما استفهامية مبتدأ و ﴿ جئتم به ﴾ خبره كأنه قيل أي شيء جئتم به.
ثم قال على وجه التوبيخ السحر أي أهو لسحر أو آلسحر جئتم به ﴿ إن الله سيبطله ﴾ بإظهار المعجزة عليه ﴿ إن الله لا يصلح عمل المفسدين ﴾ لا يؤيده بجميل الخاتمة ﴿ ويحق الله الحق ﴾ يثبته ﴿ بكلماته ﴾ بمواعيده أو بما سبق من قضائه أو بأوامره ﴿ فما آمن لموسى ﴾ أي في أول أمره ﴿ إلا ذريّة من قومه ﴾ قال ابن عباس: لفظة الذرية يعبر بها عن القوم على وجه التحقير، ولا ريب أن المراد ههنا ليس هو الإهانة، فالمراد التصغير بمعنى قلة العدد.
وقيل: المراد أولاد من أولاد قومه كأنه دعا الآباء فلم يجيبوه خوفاً من فرعون، وأجابته طائفة من أبنائهم مع الخوف من فرعون أن يصرفهم عن دينهم بتسليط أنواع البلاء عليهم.
وقيل: إن الذرية أقوام كان آباؤهم من قوم فرعون وأمهاتهم من بني إسرائيل.
وقيل: الذرية مؤمن آل فرعون وآسية امرأته وخازنه وامرأة خازنه وماشطته، فالضمير في ﴿ قومه ﴾ على هذا لفرعون وعوده إلى موسى أظهر لأنه أقرب المذكورين، ولما نقل أن الذين آمنوا به كانوا من بني إسرائيل والضمير في ﴿ ملئهم ﴾ إما لفرعون على جهة التعظيم لأنه ذو أصحاب يأتمرون له، أو المراد آل فرعون بحذف المضاف، أو للذرية يعني أشراف بني إسرائيل لأنهم كانوا يمنعون أعقابهم خوفاً من فرعون عليهم وعلى أنفسهم يدل على ذلك قوله: ﴿ أن يفتنهم ﴾ أي يعذبهم فرعون.
ثم أكد أسباب الخوف بقوله: ﴿ وإن فرعون لعال ﴾ لغالب ﴿ في الأرض ﴾ أرض مصر ﴿ وإنه لمن المسرفين ﴾ في القتل والتعذيب أو لمن المجاوزين الحد لأنه من أخس العبيد فادعى الربوبية العليا ﴿ وقال موسى ﴾ تثبيتاً لقومه ﴿ إن كنتم آمنتم بالله ﴾ صدقتم به وبآياته ﴿ فعليه توكلوا ﴾ خصوه بتفويض أموركم إليه ﴿ إن كنتم مسلمين ﴾ قال لعلماء: المؤخر في مثل هذه السورة مقدم في المعنى نظيره: إن ضربك زيد فاضربه إن كانت بك قوة.
والمراد إن كانت بك قوة فإن ضربك زيد فاضربه فكأنه قيل لهم في حال إسلامهم إن كنتم منقادين لتكاليف ربكم بالإخلاص مصدقين له بالتحقيق عارفين بأنه واجب الوجود لذاته وما سواه محدث مخلوق مقهور تحت حكمه وتدبيره، ففوضوا جميع أموركم إليه وحده.
﴿ فقالوا ﴾ مؤتمرين لموسى ﴿ على الله توكلنا ﴾ ثم اشتغلوا بالدعاء قائلين ﴿ ربنا لا تجعلنا فتنة ﴾ أي موضع فتنة لهم.
والمراد بالفتنة تعذيبهم أو صرفهم عن دينهم، أو المراد لا تفتن بنا فرعون وقومه لأنك لو سلطتهم علينا صار ذلك شبهة لهم في أنا لسنا على الحق.
ويجوز أن تكون الفتنة بمعنى المفتون أي لا تجعلنا مفتونين بأن تمكنهم من صرفنا عن الدين الحق، ولما قدموا التضرع إلى الله في أن يصون دينهم عن الفساد أتبعوه سؤال عصمة أنفسهم فقال: ﴿ ونجنا ﴾ الآية.
وفي ذلك دليل على أن عنايتهم بمصالح الدين فوق اهتمامهم بمصالح النفس، وهكذا يجب أن تكون عقيدة كل مسلم والله الموفق.
﴿ وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوآ لقومكما بمصر بيوتاً ﴾ تبوّأ بالمكان اتخذه مباءة ومرجعاً مثل توطنه إذا اتخذه وطناً.
واختلف المفسرون في البيوت فمنهم من ذهب إلى أنها المساجد كقوله: ﴿ في بيوت أذن الله أن ترفع ﴾ فالمراد من قوله: ﴿ واجعلوا بيوتكم قبلة ﴾ أن يجعل تلك البيوت مساجد متوجهة نحو القبلة وهي جهة بيت المقدس أو الكعبة على ما نقل عن ابن عباس: وقال الحسن: الكعبة قبلة كل الأنبياء: وإنما وقع العدول عنه بأمر الله في أيام نبينا بعد الهجرة.
ومنهم من قال: إنها مطلق البيوت.
ثم قيل: المراد واجعلوا دوركم قبلة أي صلوا في بيوتكم.
وقيل: المراد اجعلوا بيوتكم متقابلة، أما السبب في اتخاذ هذه البيوت فأن يصلوا في بيوتهم خفية خيفة من الكفرة كما كان المؤمنون على ذلك في أول الإسلامبمكة، أو المقصود الجمعية واعتضاد البعض بالبعض.
وقيل: على التفسير الأول لما أظهر فرعون العداوة الشديدة أمر الله موسى وهارون وقومهما باتخاذ المساجد على رغم الأعداء وتكفل أن يصونهم عن شرهم.
وإنما ثنى الخطاب أوّلاً ثم جمع لأن اختيار المكان للعبادة مما يفوض إلى الأنبياء فخوطب موسى وهارون بذلك، ثم جعل الخطاب عاماً لهما ولقومهما لأن استقبال القبلة وإقامة الصلاة واجب على الجمهور.
ثم خص موسى بالتبشير في قوله: ﴿ وبشر المؤمنين ﴾ لأن الغرض الأصلي من جميع العبادات هو هذه البشارة فلم تكن لائقة إلا بحال موسى الذي هو الأصل في الرسالة، وفيه تعظيم لشأن البشارة والمبشر (قال الضعيف مؤلف الكتاب) قد سنح في خاطري وقت هذه الكتابة أن الخطاب في قوله: ﴿ وبشر المؤمنين ﴾ لنبينا على طريقة الالتفات والاعتراض.
ومضمون البشارة أنه جعلت الأرض كلها لهذه الأمة مسجداً وطهوراً دون سائر الأمم فإنهم أمروا باتخاذ موضع يرجعون إليه ألبتة للعبادة والله أعلم بمراده.
ثم إن موسى لما بالغ في إظهار المعجزات القاهرة، ورأى القوم مصرين على الجحود والإنكار أخذ يدعو عليهم، ومن حق من يدعو على الغير أن يذكر أوّلاً سبب الدعاء عليه فلهذا ﴿ قال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالاً ﴾ فالزينة عبارة عن الصحة والجمال واللباس والدواب وأثاث البيت والأموال ما يزيد على ذلك من الصامت والناطق.
عن ابن عباس كانت لهم من فسطاط مصر إلى أرض الحبشة جبال فيها معادن من ذهب وفضة.
قالت الأشاعرة: اللام في قوله: ﴿ ليضلوا ﴾ لام التعليل كأن موسى قال: يا رب إنك أعطيتهم هذه الزينة والأموال لأجل أن يضلوا، ففيه دلالة على أنه تسبب لضلالهم وأراد منهم ذلك وإلا لم يهيىء أسبابه.
ثم شرع في الدعاء عليهم بالطمس على أموالهم.
والطمس المحو أو المسخ كما مر في سورة النساء في قوله : ﴿ من قبل أن نطمس وجوهاً ﴾ وبالشد على قلوبهم ومعناه الاستيثاق والختم.
وقالت المعتزلة: قوله ﴿ ليضلوا ﴾ دعاء بلفظ الأمر للغائب، دعا عليهم بثلاثة أمور: بالضلال وبالطمس وبالشد.
كأنه لما علم بالتجربة وطول الصحبة أن إيمانهم كالمحال أو علم ذلك بالوحي اشتد غضبه عليهم فدعا الله عليهم بما علم أنه لا يكون غيره قائلاً ليثبتوا على ما هم عليه من الضلال وليطبع الله على قلوبهم كما يقول الأب المشفق لولده إذا لم يقبل نصحه واستمر على غيه.
سلمنا أن قوله: ﴿ ليضلوا ﴾ ليس دعاء عليهم لكن اللام فيه للعاقبة كقوله: "لدوا للموت".
سلمنا أن اللام للتعليل لكنهم جعلوا الله سبباً في الضلال فكأنهم أوتوها ليضلوا.
ولم لا يجوز أن يكون "لا" مقدرة أي لئلا يضلوا كقوله: ﴿ يبين الله لكم أن تضلوا ﴾ أي أن لا تضلوا، أو يكون حرف الاستفهام مقدراً في آتيت على سبيل التعجب.
أما قوله : ﴿ فلا يؤمنوا ﴾ فإما أن يكون معطوفاً على قوله: ﴿ ليضلوا ﴾ على التفاسير كلها وما بينهما اعتراض، وإما أن يكون جواباً لقوله ﴿ واشدد ﴾ ويجوز أن يكون دعاء بلفظ النهي معطوفاً على ﴿ اشدد ﴾ .
﴿ قال قد أجيبت دعوتكما ﴾ أضاف الدعوة إليهما لأن موسى كان يدعو وهارون يؤمن، ويجوز أن يكونا جميعاً يدعوان إلا أنه خص موسى بالذكر في الآية لأصالته في الرسالة، والمعنى أن دعاءكما مستجاب وما طلبتما كائن ولكن في وقته ﴿ فاستقيما ﴾ فاثبتا على ما أنتما عليه من التبليغ والإنذار زيادة في إلزام الحجة، ولا تستعجلا فقد لبث نوح في قومه ألف سنة إلا قليلا.
قال ابن جريج: فمكث موسى بعد الدعاء أربعين سنة يدعوهم إلى الله ﴿ ولا تتبعانّ سبيل الذين لا يعلمون ﴾ أن الاستعجال لا يفيد في إجابة الدعاء فقد يستجاب الدعاء ولكن يظهر الأثر بعد حين.
﴿ وجاوزنا ببني إسرائيل البحر ﴾ قد مرت تلك القصة في أوائل سورة البقرة في قوله: ﴿ وإذ فرقنا بكم البحر ﴾ الآية، ومعنى قوله: ﴿ فأتبعهم ﴾ لحقهم.
يقال: تبعه حتى أتبعه، والبغي الإفراط في الظلم والعدو ومجاوزة الحد وفي الآية سؤال وهو أن فرعون تاب ثلاثة مرات إحداها قوله: ﴿ آمنت ﴾ وثانيتها ﴿ أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل ﴾ وثالثتها ﴿ وأنا من المسلمين ﴾ فلم تقبل توبته.
والجواب من وجوه: الأول أنه إيمان اليائس وأنه لا يقبل لأن الإلجاء ينافي التكليف.
الثاني أنها لم تكن مقرونة بالإخلاص وإنما كانت لدفع البلية الحاضرة والمحنة الناجزة.
الثالث أن ذلك التوحيد كان مبنياً على محض التقليد والمخذول كان من الدهرية المنكرين لوجود الصانع، ومثل هذا الاعتقاد الفاحش لا تزول ظلمته إلا بنور الحجة القطعية.
الرابع ما روي أن بعض بني إسرائيل لما جاوز البحر اشتغلوا بعبادة العجل فلعله أراد الإيمان بذلك العجل الذي آمنوا بعبادته في ذلك الوقت، وكانت هذه الكلمة سبباً لزيادة الكفر.
الخامس أن أكثر اليهود يميلون إلى التجسيم والتشبيه ولذلك عبدوا العجل فكأنه ما آمن إلا بالإله الموصوف بالجسمية والحلول والنزول.
السادس لعل الإيمان إنما يتم بالإقرار بوحدانية الله وبنبوة موسى كما أنه لو قيل ألف مرة لاإله إلا الله لم يصح إيمان إلا إذا قرن به محمد رسول الله إلى الناس كافة.
السابع يروى أن جبريل أتى فرعون بفتيا ما قول الأمير في عبد نشأ في مال مولاه ونعمته فكفر نعمته وجحد حقه وادعى السيادة دونه؟
فكتب فرعون فيه يقول أبو العباس الوليد بن مصعب: جزاء العبد الخارج على سيده الكافر نعمته أن يغرق في البحر، ثم إن فرعون لما غرق دفع جبريل إليه خطه فعرفه.
أما قوله ﴿ آلآن ﴾ فالمشهور من الأخبار أنه قول جبريل.
وقيل: إنه قول الله والتقدير: أتؤمن الساعة في وقت الاضطرار حين ألجمك الغرق وأدركك.
وقوله: ﴿ وكنت من المفسدين ﴾ في مقابلة قوله: ﴿ وأنا من المسلمين ﴾ يروى أن جبريل أخذ يملأ فاه بالطين حين قال: ﴿ آمنت ﴾ لئلا يتوب غضباَ عليه، والأقرب عند العلماء أن هذا الخبر غير صحيح لأنه إن قال ذلك حين بقاء التكليف لم يجز على جبريل أن يمنعه من التوبة بل يجب أن يحثه عليها أو على كل طاعة لقوله : ﴿ وتعاونوا ﴾ ولو منعه لكانت التوبة ممكنة لأن الأخرس قد يتوب بأن يعزم بقلبه على ترك المعاودة إلى القبيح، ولو منعه من التوبة لكان قد رضي ببقائه على الكفر والرضا بالكفر كفر.
وكيف يليق به أن يقول لموسى وهارون ﴿ فقولا له قولاً ليناً ﴾ ثم يأمر جبريل بمنعه عن الإيمان.
ولو قيل إن جبريل فعل ذلك من تلقاء نفسه كان منافياً لقوله: ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك ﴾ ﴿ لا يسبقونه بالقول ﴾ وإن كان قال ذلك بعد زوال التكليف فلم يكن لما فعل جبريل فائدة اللهم إلا أن يقال: إنه دس حال البحر في فيه في وقت لا ينفعه إيمانه غضباً لله على الكافر.
قوله: ﴿ فاليوم ننجيك ببدنك ﴾ فيه أقوال منها: أن معناه نخرجك من البحر ونخلصك مما وقع فيه قومك من قعر البحر ولكن بعد أن تغرق.
وقوله: ﴿ ببدنك ﴾ في موضع الحال أي في الحال التي لا روح فيك وإنما أنت بدن.
قال كعب: رماه الماء إلى الساحل كأنه ثور، أو المراد ببدنك كاملاً سوياً لم ينقص منه شيء ولم يتغير، أو عرياناً لست إلا بدناً وفيه نوع تهكم كأنه قيل: ننجيك لكن هذه النجاة إنما تحصل لبدنك لا لروحك كما يقال: نعتقك أو نخلصك من السجن ولكن بعد أن تموت.
وقيل: ننجيك ببدنك أي نلقيك بنجوة من الأرض وهي المكان المرتفع.
وقيل: ببدنك أي بدرعك.
قال الليث: البدن الدرع القصير الكمين.
عن ابن عباس قال: كان عليه درع من ذهب يعرف بها فأخرجه الله من الماء مع ذلك الدرع ليعرف، فإن صحت هذه الرواية كانت معجزة لموسى .
وأما قوله: ﴿ لتكون لمن خلفك آية ﴾ فقيل: إن قوماً اعتقدوا في إلهيته وزعموا أن مثله لا يموت فأظهر الله أمره بأن أخرجه من الماء بصورته حتى يشاهدوه.
وزالت الشبهة عن قلوبهم وكانت مطروحة على ممر من بني إسرائيل فلهذا قيل: ﴿ لمن خلفك ﴾ وقيل: إنه أراد أن يشاهده الخلق على ذلك الذل والإهانة بعد ما سمعوا منه قوله: ﴿ أنا ربكم الأعلى ﴾ ليكون ذلك زجراً للعابرين عن مثل طريقته، ويعرفوا أنه كان بالأمس في نهاية الجلالة ثم آل أمره إلى ما آل، فلا يجترأوا على نحو ما اجترأ عليه.
وقيل: المراد ليكون طرحك بالساحل وحدك دون المغرقين آية من آيات الله للأمم الآتية، ثم زجر هذه الأمة عن ترك النظر في الدلائل وحثهم على التأمل والاعتبار فقال ﴿ وإن كثيراً من الناس عن آياتنا لغافلون ﴾ .
التأويل: ﴿ واتل عليهم نبأ نوح ﴾ الروح ﴿ إذ قال لقومه ﴾ وهم القلب والسمع والنفس وصفاتها ﴿ يا قوم إن كان ﴾ عظم ﴿ عليكم مقامي ﴾ في الأخلاق الحميدة الروحانية ودعائي إلى الله ببراهينه الواضحة ﴿ فما سألتكم من أجر ﴾ من حظ من حظوظ مشاربكم الدنيوية ما حظي إلا من مواهب الله وشهود جماله.
و ﴿ جعلناهم خلائف ﴾ خلفاء الله في أرضه وباقي التأويل كما مر في "الأعراف".
وهكذا في قصة موسى ﴿ ولا يفلح الساحرون ﴾ لأن الفلاح هو الخلاص عن قيد الوجود المجازي.
﴿ ويحق الله الحق ﴾ أي الذكر ﴿ بكلماته ﴾ وهي لا إله إلا الله ﴿ ولو كره ﴾ أهل الهوى والنفوس الأمارة ﴿ فما آمن لموسى ﴾ القلب إلا صفاته أو بعض صفات فرعون النفس بتبديل أخلاقها الذميمة بالأخلاق الحميدة القلبية ﴿ على خوف من فرعون ﴾ النفس والهوى والدنيا وشهواتها أن يصرفهم إلى حالها الطبيعية التي جبلت عليها.
﴿ وأوحينا إلى موسى ﴾ القلب وهارون السر أن هيئا لصفاتكما بمصر عالم الروح مقامات ومنازل لا في عالم النفس السفلي.
واجعلوا تلك المقامات متوجهة إلى طلب الحق.
﴿ وأقيموا الصلاة ﴾ أديموا العروج من المقامات الروحانية إلى المواصلات الربانية ﴿ ليضلوا عن سبيلك ﴾ ليكون عاقبة أمرهم أن ينقطعوا أو يقطعوا بتلك الملاذ عن السير في طلبك ﴿ ربنا اطمس على أموالهم ﴾ بمحقها وتحقيرها في نظرهم ﴿ واشدد ﴾ طريق النظر إلى الدنيا وما فيها ﴿ على قلوبهم ﴾ واجعل همتهم عليه في طلبك والنظر إليك فقط ﴿ حتى يروا العذاب الأليم ﴾ فإن النفس وصفاتها لا يؤمنون بالآخرة وطلب الحق حتى يذيقهم ألم الفطام عن الدنيا ومشتهياتها.
﴿ سبيل الذين لا يعلمون ﴾ طريق الوصول إلى الله ولا يعرفون قدره ﴿ وجاوزنا ببنى إسرائيل ﴾ هم القلب والسر وصفاتها.
والبحر بحر الروحانية الملكوتية ﴿ فأتبعهم فرعون ﴾ النفس وصفاتها بعد الفطام عن شوائب عالم الملك قهراً وقسراً، حتى إذا هبت رياح اللطف وتموجت بحار الفضل واستغرق موسى القلب وصفاته في لجي بحر الوصال، وبلغت أفواج أمواجه إلى ساحل البشرية، أدرك فرعون النفس الغرق فاستمسك بعروة ذلك الفريق: ﴿ آمنت ﴾ ومن أمارات أجنبية فرعون النفس من عالم الروح أنه لم يتمسك بحبل التوحيد والمعرفة بيد الصدق والاستقلال، ولم يقل آمنت بالله الذي لا إله إلا هو وإنما تمسك بين الاضطراب والتقليد فقال: ﴿ لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل ﴾ ﴿ ننجيك ببدنك ﴾ أي نخلصك مع قالبك من بحر الضلالة لتكون دليلاً على كمال قدرتنا وعنايتنا.
وإن من اتبع خواص عبادنا نجعله من أهل النجاة والدرجات بعد أن كان من أهل الهلاك والدركات والله حسبنا.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِمْ ﴾ أي: من بعد من ذكرنا من الرسل.
﴿ مُّوسَىٰ وَهَـٰرُونَ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ ﴾ : بعثهما إلى الملأ وغير الملأ.
﴿ بِآيَـٰتِنَا ﴾ : يحتمل الوجوه التي ذكرنا.
﴿ فَٱسْتَكْبَرُواْ ﴾ : هذا يدل أنهم قد عرفوا أن ما جاءهم الرسول من الآيات أنها آيات، لكنهم عاندوا وكابروا ولم يخضعوا في قبولها وكانوا قوماً مجرمين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوۤاْ إِنَّ هَـٰذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ .
قال بعضهم: قوله: ﴿ فَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ مِنْ عِندِنَا ﴾ أي: الحجج والآيات من عندنا، ﴿ قَالُوۤاْ إِنَّ هَـٰذَا ﴾ يعنون الحجج والبراهين التي جاء بها موسى، ﴿ لَسِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ يسمون الحجج والبراهين سحراً لما أن السحر عندهم باطل، لذلك قالوا للحجج إنها سحر، وذلك تمويه منهم يموهون على الناس لئلا يظهر الحق عندهم فيتبعونه.
وقال بعضهم: الحق هو الإسلام والدين؛ كقوله: ﴿ إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ ﴾ .
﴿ قَالُوۤاْ إِنَّ هَـٰذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ يعنون الحجج والآيات التي جاءهم بها للدين لأنه جاءهم بالدين، وجاءهم أيضاً بحجج الدين وآياته، قالوا: الحجج: الدين، والإسلام: سحر، ففي التأويلين جميعاً سموا الحجج سحراً.
وقوله: ﴿ جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ مِنْ عِندِنَا ﴾ أي: بأمرنا، وكذلك قوله: ﴿ إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ ﴾ أي: الإسلام هو الدين [الذي] أمر الله به، لا أنه يفهم للـ (عند) مكان ينتقل من مكان إلى مكان، ولكن معنى الـ (عند) معنى الأمر، وعلى هذا يخرج قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ ﴾ يعني الملائكة ﴿ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ ﴾ أي: [إن] الذين بأمر ربّك يعبدونه لا يستكبرون عن عبادته لما أنه لم يفهم من مجيء الحق من عنده مكان، فعلى ذلك لا يجوز أن يفهم من قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ ﴾ المكان أو قرب المكان منه، ولكن التأويل ما ذكرنا أن المفهوم من عند الله أمره، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ مُوسَىٰ أَتقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَكُمْ أَسِحْرٌ هَـٰذَا ﴾ : والحق ما ذكرنا.
﴿ وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُونَ ﴾ : الإفلاح هو الظفر بالحاجة، يقول: ﴿ وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُونَ ﴾ أي: لا [يظفر الساحر] بالحاجة ولا يغلب؛ لأن السحر باطل ولا يغلب الباطل الحق، بل الحق هو الغالب.
والسحر هو المغلوب على ما غلب الحق الذي جاء به موسى السحر الذي جاء سحرة فرعون.
أو يقول: لا يفلح الساحرون في الآخرة بسحرهم في الدنيا.
ويحتمل قوله: ﴿ وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُونَ ﴾ بسحرهم في حال سحرهم؛ كقوله: ﴿ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ ﴾ ، و ﴿ لاَ يُفْلِحُ ٱلْكَافِرُونَ ﴾ \[المؤمنون: 117\] أي: لا يفلحون بظلمهم في حال ظلمهم، وأما إذا تركوا الظلم فقد أفلحوا، فعلى ذلك السحرة إذ تركوا السحر فقد أفلحوا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا ﴾ قيل: لتصرفنا وتصدنا.
قال القتبي: لفت فلانا عن كذا إذا صرفته، والالتفات منه وهو الانصراف.
وقال أبو عوسجة: ﴿ لِتَلْفِتَنَا ﴾ أي: تردنا وتصرفنا على ما ذكر القتبي، قال: يقال: لفته يلفته لفتا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ﴾ : من عبادة الأصنام والأوثان.
ويحتمل ما وجدنا عليه آباءنا من عبادة فرعون والطاعة له.
﴿ وَتَكُونَ لَكُمَا ٱلْكِبْرِيَآءُ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ قال عامة أهل التأويل: الكبرياء الملك والسلطان والشرف، أي: الملك الذي كان لفرعون والسلطان يكون لكما [باتباع الناس لكما؛ لأن كل متبوع مطاع معظم مشرف ويحتمل ﴿ وَتَكُونَ لَكُمَا ٱلْكِبْرِيَآءُ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ أي: الألوهية التي كان يدعى فرعون لنفسه لكما] لأن عندهم أن كل من أطيع واتبع فقد عبد ونصب إلها.
﴿ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ ﴾ أي: بمصدقين فيما تدعوننا إليه أو ما تدعون من الرسالة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ فِرْعَوْنُ ٱئْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ ﴾ هذا من فرعون ينقض ما ادعى من الألوهية؛ حيث أظهر الحاجة إلى غيره ولا يجوز أن يكون المحتاج إلهاً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُّوسَىٰ أَلْقُواْ مَآ أَنتُمْ مُّلْقُونَ * فَلَمَّآ أَلْقَواْ قَالَ مُوسَىٰ مَا جِئْتُمْ بِهِ ٱلسِّحْرُ إِنَّ ٱللَّهَ سَيُبْطِلُهُ ﴾ أي: سيبطل عمل السحر الذي قصدوا به، أي: يجعله مغلوباً؛ كقوله: ﴿ وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُونَ ﴾ أي: لا يغلب الساحرون ولا يظفرون بالحاجة.
﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ ٱلْمُفْسِدِينَ ﴾ أي: لا يصلح ما أفسدوا من أعمالهم فيجعلهم صالحين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ ٱلْمُفْسِدِينَ ﴾ : هو ما ذكرنا، أي: لا يجعلهم بأعمالهم الفاسدة صالحين، أو لا يجعل أعمالهم الفاسدة صالحة.
وقال بعضهم: ﴿ لاَ يُصْلِحُ ﴾ أي: لا يرضي بعمل المفسدين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُحِقُّ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ ﴾ : ذكر أن يحق الحق والحق حق وإن لم يحق الحق، وكذلك ذكر في الباطل ليبطل الباطل والباطل باطل وإن لم يبطل، ولكن يحتمل قوله: ﴿ وَيُحِقُّ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ ﴾ ويبطل الباطل، أي: ليجعل الحق في الابتداء حقا فيصير حقا، ويجعل الباطل في الابتداء باطلا، فيكون باطلا أي: بإبطاله الباطل يكون باطلا وبتحقيقه الحق [يكون حقّاً وهو ما يقال: هداه فاهتدى، وأضله فضل، أي: بهدايته اهتدى وبضلاله ضل؛ فعلى ذلك بإبطاله الباطل بطل وبتحقيقه الحق حق]، والله أعلم.
وقوله: ﴿ بِكَلِمَاتِهِ ﴾ يحتمل وجوهاً: يحتمل يحق الحق بكلماته [أي: برسله؛ إذ بالرسل يظهر الحق وبهم يظهر بطلان الباطل وهم حجج الله في الأرض وبالحجج يظهر الحق، وكذلك الباطل.
ويحتمل ما ذكر أهل التأويل بكلماته: آياته التي أنزل عليه، بها ظهر حقيقة ما أتى به موسى وبها ظهر بطلان ما أتى به السحرة من السحر.
ويحتمل كلماته] ما وعد موسى قومه من العذاب الذي وعد [من الظفر بأعدائهم والنصر عليهم وغير ذلك ما وعد من] النعمة لهم؛ كقوله: ﴿ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَآءَ وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً وَآتَاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن ٱلْعَٱلَمِينَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَآ آمَنَ لِمُوسَىٰ إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ مِّن قَوْمِهِ ﴾ من قوم موسى لما قيل: إن موسى كان من أولاد إسرائيل، فهم من ذريته من هذا الوجه، يقال: أهل بيت فلان وإن لم يكن البيت له.
ويحتمل [قوله]: ﴿ إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ ﴾ من قوم فرعون فهو نسب إليه لما ذكرنا.
وقال أهل التأويل: أراد بالذرية القليل منهم، أي: ما آمن منهم إلا القليل، ولكن لا ندري ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَآ آمَنَ لِمُوسَىٰ إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَىٰ خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ ﴾ .
يحتمل: ما آمن من آمن من قومه إلا على خوف من فرعون وملئه أي: آمنوا، أي: وإن خافوا من فرعون وملئه.
ويحتمل ما ترك من قومه الإيمان بموسى من ترك إلا على خوف من فرعون أن يفتنهم أي: يقتلهم ويعذبهم، ففيه دلالة أن الخوف لا يعذر المرء في ترك الإيمان حقيقة، وإن كان يعذر في ترك إظهاره؛ لأن الإيمان هو التصديق والتصديق يكون بالقلب ولا أحد من الخلائق يطلع على ذلك؛ لذلك لم يعذر في ترك إتيانه لأنه يقدر على إسراره، ألا ترى إلى قوله: ﴿ وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ ﴾ كان مؤمناً فيما بينه وبين ربه وإن لم يظهر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ وهو ما قال - عز وجل -: ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ أي: قهر وغلب على أهل الأرض وإنه لمن المسرفين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ مُوسَىٰ يٰقَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِٱللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوۤاْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ ﴾ فيه دلالة أن الإيمان والإسلام واحد في الحقيقة؛ لأنه بدأ بالإيمان بقوله: ﴿ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِٱللَّهِ ﴾ وختم بالإسلام بقوله: ﴿ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ ﴾ دل أنهما واحد هو اعتقاد ترك تضييع كل حق، والإسلام اعتقاد تسليم كل حق وترك تضييعه، والله أعلم.
والإسلام هو جعل كلية الأشياء لله سالمة، والإيمان هو التصديق بكلية الأشياء فيما فيها من الشهادة لله بالربوبية له والألوهية.
وقوله: ﴿ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوۤاْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ ﴾ يحتمل هذا وجهين: يحتمل: أن يكون قال ذلك لما خافوا مواعيد فرعون وعقوباته؛ كقوله للسحرة لما آمنوا: ﴿ لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ...
﴾ الآية [الأعراف: 124]، فقال عند ذلك: ﴿ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوۤاْ ﴾ في دفع ذلك عنكم، فقالوا: ﴿ عَلَىٰ ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ .
قوله: ﴿ لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ يحتمل ما قاله على خوف من فرعون وملئه أن يفتنهم ما قيل أي: يقتلهم ويعذبهم، والله أعلم.
هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أي لا تجعل لهم علينا الظفر والنصر، فيظنون أنهم على هدى وعلى حق ونحن على ضلال وباطل.
والثاني: لا تجعلنا تحت أيدي الظلمة فيعذبونا؛ فيكون ذلك فتنة لنا ومحنة على ما فعل فرعون بالسحرة لما آمنوا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ ﴾ فيه أن قوله: الظالمين والكافرين واحد، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
أجاب قوم فرعون موسى قائلين: أجئتنا بهذا السحر لتصرفنا عما وجدنا عليه آباءنا من الدين، ويكون لك أنت ولأخيك الملك؟
وما نحن لكما -يا موسى وهارون- بمقرين بأنكما رسولان أرسلتما إلينا.
من فوائد الآيات سلاح المؤمن في مواجهة أعدائه هو التوكل على الله.
الإصرار على الكفر والتكذيب بالرسل يوجب الختم على القلوب فلا تؤمن أبدًا.
حال أعداء الرسل واحد، فهم دائمًا يصفون الهدى بالسحر أو الكذب.
إن الساحر لا يفلح أبدًا.
<div class="verse-tafsir" id="91.vrGy4"