الآية ٧٧ من سورة يونس

الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ٧٧ من سورة يونس

قَالَ مُوسَىٰٓ أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَكُمْ ۖ أَسِحْرٌ هَـٰذَا وَلَا يُفْلِحُ ٱلسَّـٰحِرُونَ ٧٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 69 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٧٧ من سورة يونس: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٧٧ من سورة يونس عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( قال ) لهم ( موسى ) منكرا عليهم : ( أتقولون للحق لما جاءكم أسحر هذا ولا يفلح الساحرون )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

(قال موسى) ، لهم: ، (أتقولون للحق لما جاءكم) ، من عند الله ، (أسحر هذا) ؟

.

* * * واختلف أهل العربية في سبب دخول ألف الاستفهام في قوله: (أسحر هذا) ؟

فقال بعض نحويي البصرة: أدخلت فيه على الحكاية لقولهم ، لأنهم قالوا: (أسحر هذا)؟

فقال: أتقولون: (أسحر هذا)؟

* * * وقال بعض نحويي الكوفة: إنهم قالوا : " هذا سحر "، ولم يقولوه بالألف، لأن أكثر ما جاء بغير ألف.

قال: فيقال: فلم أدخلت الألف؟

فيقال: قد يجوز أن تكون من قِيلهم وهم يعلمون أنه سحر، كما يقول الرجل للجائزة إذا أتته: أحقٌّ هذا؟

وقد علم أنه حق.

قال: وقد يجوز أن تكون على التعجّب منهم: أسحر هذا؟

ما أعظمه!

(33) * * * قال أبو جعفر: وأولى ذلك في هذا بالصواب عندي أن يكون المفعولُ محذوفًا، ويكون قوله: (أسحر هذا)، من قيل موسى ، منكرًا على فرعون وملئه قولَهم للحق لما جاءهم: " سحر " ، فيكون تأويل الكلام حينئذ: قال موسى لهم: (أتقولون للحق لما جاءكم) ، وهي الآيات التي أتاهم بها من عند الله حجة له على صدقه ، سحرٌ، أسحرٌ هذا الحقّ الذي ترونه؟

فيكون " السحر " الأوّل محذوفًا ، اكتفاءً بدلالة قول موسى (أسحر هذا) ، على أنه مرادٌ في الكلام، كما قال ذو الرمة.

فَلَمَّـا لَبِسْـنَ اللَّيْـلَ , أَوْ حِينَ نَصَّبَت لَـهُ مِـنْ خَـدَا آذَانِهَـا وَهْـوَ جَـانِحُ (34) يريد: أو حين أقبل، ثم حذف اكتفاءً بدلالة الكلام عليه، وكما قال جل ثناؤه: فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ [سورة الإسراء: 7] ، والمعنى: بعثناهم لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ ، فترك ذلك اكتفاء بدلالة الكلام عليه، في أشباه لما ذكرنا كثيرة ، يُتْعب إحصاؤها.

* * * وقوله: (ولا يفلح الساحرون) ، يقول: ولا ينجح الساحرون ولا يَبْقون.

(35) ---------------------- الهوامش : (33) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 474 .

(34) مضى البيت وتخريجه وشرحه فيما سلف 1 : 327 ، تعليق : 2 .

(35) انظر تفسير " الفلاح " فيما سلف ص : 146 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قال موسى أتقولون للحق لما جاءكم أسحر هذا قيل : في الكلام حذف ، المعنى : أتقولون للحق هذا سحر .

ف ( أتقولون ) إنكار وقولهم محذوف أي هذا سحر ، ثم استأنف إنكارا آخر من قبله فقال : أسحر هذا!

فحذف قولهم الأول اكتفاء بالثاني من قولهم ، منكرا على فرعون وملئه .

وقال الأخفش : هو من قولهم ، ودخلت الألف حكاية لقولهم ; لأنهم قالوا أسحر هذا .

فقيل لهم : أتقولون للحق لما جاءكم أسحر هذا ; وروي عن الحسن .ولا يفلح الساحرون أي لا يفلح من أتى به .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

‏{‏قَالَ‏}‏ لهم ‏{‏مُوسَى‏}‏ ـ موبخا لهم عن ردهم الحق، الذي لا يرده إلا أظلم الناس‏:‏ ـ ‏{‏أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ‏}‏ أي‏:‏ أتقولون إنه سحر مبين‏.‏ ‏{‏أَسِحْرٌ هَذَا‏}‏ أي‏:‏ فانظروا وصفه وما اشتمل عليه، فبمجرد ذلك يجزم بأنه الحق‏.‏ ‏{‏وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ‏}‏ لا في الدنيا، ولا في الآخرة، فانظروا لمن تكون له العاقبة، ولمن له الفلاح، وعلى يديه النجاح‏.‏ وقد علموا بعد ذلك وظهر لكل أحد أن موسى عليه السلام هو الذي أفلح، وفاز بظفر الدنيا والآخرة‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( قال موسى أتقولون للحق لما جاءكم أسحر هذا ) تقدير الكلام : أتقولون للحق لما جاءكم سحر ، أسحر هذا ، فحذف السحر الأول اكتفاء بدلالة الكلام عليه .

( ولا يفلح الساحرون ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قال موسى أتقولون للحق لما جاءكم» إنه لسحر «أسحر هذا» وقد أفلح من أتى به وأبطل سحر السحرة «ولا يفلح الساحرون» والاستفهام في الموضعين للإنكار.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قال لهم موسى متعجبًا مِن قولهم: أتقولون للحق لما جاءكم: إنه سحر مبين؟

انظروا وَصْفَ ما جاءكم وما اشتمل عليه تجدوه الحق.

ولا يفلح الساحرون، ولا يفوزون في الدنيا ولا في الآخرة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حكى القرآن الكريم رد موسى - عليه السلام - على مفترياتهم فقال : ( قَالَ موسى أَتقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَكُمْ أَسِحْرٌ هذا وَلاَ يُفْلِحُ الساحرون ) .وفى الآية الكريمة كلام محذوف دل عليه المقام ، والتقدير :قال موسى لفرعون وملئه منكرا عليهم غرورهم وكذبهم ، ( أَتقُولُونَ لِلْحَقِّ ) الذى هو أبعد ما يكون عن السحر ، حين مشاهدتكم له .يا سبحانن الله!!

أفلا عقل لكم يحجزكم عن هذا القول الذي يدل على الجهالة والغباء ، انظروا وتأملوا ( أَسِحْرٌ هذا ) الذي ترون حقيقته بأعينكم ، وترتجف من عظمته قلوبكم ، والحال أنه ( وَلاَ يُفْلِحُ الساحرون ) فى أى عمل من شأنه أن يهدى إلى الخير والحق .فقد حذفت جملة ( إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ ) لدلالة قوله ( أَسِحْرٌ هذا ) عليه .قال صاحب الكشاف : " فإن قلت : هم قطعوا بقولهم : إن هذا لسحر مبين ، على أنه سحر فكيف قيل لهم أتقولون : أسحر هذا؟قلت : فيه أوجه : أن يكون معنى قوله ( أَتقُولُونَ لِلْحَقِّ ) : أتعيبونه وتطعنون فيه ، وكان عليكم أن تذعنوا له وتعظموه ، من قولهم : فلان يخاف القالة ، وبين الناس تقاول ، إذا قال بعضهم لبعض ما يسوءه .وأن يحذف مفعول أتقولون وهو ما دل عليه قولهم : ( إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ ) كأنه قيل : أتقولون ما تقولون : يعنى قولهم : إن هذا لسحر مبين ، ثم قيل : أسحر هذا؟وأن يكون جملة قوله " أسحر هذا ولا يفلح الساحرون " حكاية لكلامهم ، كأنهم قالوا أجئتما إلينا بالسحر تطلبان به الفلاح ( وَلاَ يُفْلِحُ الساحرون .

.

) .وقال الجمل : " قوله - تعالى - ( قَالَ موسى أَتقُولُونَ .

.

) أى : قال جملا ثلاثة : الأولى : ( أَتقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَكُمْ ) والثانية ( أَسِحْرٌ هذا ) والثالثة ( وَلاَ يُفْلِحُ الساحرون ) .وقوله ( الحق ) أى فى شأنه ولأجله ، وقوله ( لَمَّا جَآءَكُمْ ) أى : حين مجيئه إياكم من أول الأمر من غير تأمل وتدبر ، وهذا مما ينافي القول المذكور .وقوله : ( قَالَ موسى أَتقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَكُمْ ) هنا مقول القول محذوف لدلالة ما قبله عليه ، وإِشارة إلى أنه لا ينبغي أن يتفوه به .وقوله - سبحانه - حكاية عن موسى ( أَسِحْرٌ هذا ) مبتدأ وخبر ، وهو استفهام إنكار مستأنف من جهته - عليه السلام - تكذيبا لقولهم ، وتوبيخا إثر توبيخ ، وتجهيلا بعد تجهيل .وقوله : ( وَلاَ يُفْلِحُ الساحرون ) جملة حالية من ضمير المخاطبين ، وقد جئ بها تأكيدا للإِنكار السابق ، وما فيه من معنى التوبيخ والتجهيل .أى : أتقولون للحق إنه سحر ، والحال أنه لا يفلح فاعله ، أى : لا يظفر بمطلوب ، ولا ينجو من مكروه ، وأنا قد أفلحت ، وفزت بالحجة ، ونجوت من الهلكة .ثم كشف القرآن الكريم عن حقيقة الدوافع التي جعلتهم يصفون الحق بأنه سحر مبين فقال - تعالى - : ( قالوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الكبريآء فِي الأرض وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ ) .واللفت : الصرف واللى يقال : لفته يلفته لفتا ، أى : صرفه عن وجهته إلى ذات اليمين أو الشمال .أى : قال فرعون وملؤه لموسى - عليه السلام - بعد أن جاءهم بالحق المبين : أجئتنا يا موسى بما جئتنا به ( أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ) أى : لتصرفنا عن الدين الذي وجدنا عليه آباءنا ، وتكون لك ولأخيك هارون ( الكبريآء فِي الأرض ) أي السيادة والرياسة والزعامة الدينية والدنيوية في الأرض بصفة عامة ، وفى أرض مصر بصفة خاصة .ثم أكدوا إنكارهم لما جاءهم به موسى - عليه السلام - من الدين الحق فقالوا - كما حكى القرآن عنهم - ( وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ ) أى وما نحن لكما بمصدقين فيما جئتما به ، لأن تصديقنا لكما يخرجنا عن الدين الذى وجدنا عليه آباءنا ، وينزع منا ملكنا الذي تتمتع بكبريائه خاصتنا ، وتعيش تحت سلطانه وقهره عامتنا .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا الكلام غني عن التفسير وفيه سؤال واحد، وهو أن القوم لما قالوا: ﴿ إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ فكيف حكى موسى عليه السلام أنهم قالوا: ﴿ أَسِحْرٌ هذا ﴾ على سبيل الاستفهام؟

وجوابه: أن موسى عليه السلام ما حكى عنهم أنهم قالوا: ﴿ أَسِحْرٌ هذا ﴾ بل قال: ﴿ أَتقُولُونَ لِلْحَقّ لَمَّا جَاءكُمْ ﴾ ما تقولون، ثم حذف عنه مفعول ﴿ أَتَقُولُونَ ﴾ لدلالة الحال عليه، ثم قال مرة أخرى ﴿ أَسِحْرٌ هذا ﴾ وهذا استفهام على سبيل الإنكار، ثم احتج على أنه ليس بسحر، وهو قوله: ﴿ وَلاَ يُفْلِحُ الساحرون ﴾ يعني أن حاصل صنعهم تخييل وتمويه ﴿ وَلاَ يُفْلِحُ الساحرون ﴾ وأما قلب العصا حيّة وفلق البحر، فمعلوم بالضرورة أنه ليس من باب التخييل والتمويه؛ فثبت أنه ليس بسحر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ مّن بَعْدِهِمْ ﴾ من بعد الرسل ﴿ بئاياتنا ﴾ بالآيات التسع ﴿ فاستكبروا ﴾ عن قبولها، وهو أعظم الكبر أن يتهاون العبيد برسالة ربهم بعد تبينها، ويتعظموا عن تقبلها ﴿ وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ ﴾ كفاراً ذوي آثام عظام، فلذلك استكبروا عنها واجترءوا على ردّها ﴿ فَلَمَّا جَاءهُمُ الحق مِنْ عِندِنَا ﴾ فلما عرفوا أنه هو الحق، وأنه من عند الله، لا من قبل موسى وهارون ﴿ قالوا ﴾ لحبهم الشهوات ﴿ إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ وهم يعلمون أنّ الحق أبعد شيء من السحر الذي ليس إلاّ تمويهاً وباطلاً.

فإن قلت: هم قطعوا بقولهم: ﴿ إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ على أنه سحر، فكيف قيل لهم: أتقولون أسحر هذا؟

قلت: فيه أوجه: أن يكون معنى قوله: ﴿ أَتقُولُونَ لِلْحَقّ ﴾ أتعيبونه وتطعنون فيه.

وكان عليكم أن تذعنوا له وتعظموه، من قولهم: فلان يخاف القالة، وبين الناس تقاول إذا قال بعضهم لبعض ما يسوؤه، ونحو القول: الذكر، في قوله: ﴿ سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ ﴾ [الأنبياء: 60] ثم قال: ﴿ أَسِحْرٌ هذا ﴾ فأنكر ما قالوه في عيبه والطعن عليه، وأن يحذف مفعول أتقولون وهو ما دلّ عليه قولهم: ﴿ إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ كأنه قيل: أتقولون ما تقولون، يعني قولهم: إن هذا لسحر مبين، ثم قيل: أسحر هذا؟

وأن يكون جملة قوله: ﴿ أَسِحْرٌ هذا وَلاَ يُفْلِحُ الساحرون ﴾ حكاية لكلامهم، كأنهم قالوا: أَجئتما بالسحر تطلبان به الفلاح ﴿ وَلاَ يُفْلِحُ الساحرون ﴾ كما قال موسى للسحرة: ما جئتم به آلسحر، إنّ الله سيبطله ﴿ لِتَلْفِتَنَا ﴾ لتصرفنا.

واللفت والفتل: أخوان، ومطاوعهما الالتفات والانفتال ﴿ عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءابَاءنَا ﴾ يعنون عبادة الأصنام ﴿ وَتَكُونَ لَكُمَا الكبرياء ﴾ أي الملك؛ لأن الملوك موصوفون بالكبر.

ولذلك قيل للملك الجبار، ووصف بالصيد والشوس، ولذلك وصف ابن الرقيات مصعباً في قوله: مُلْكُهُ مُلْكُ رَأْفَةٍ لَيْسَ فِيه ** جَبَرُوتٌ مِنْهُ وَلاَ كُبْرِيَاءُ ينفي ما عليه الملوك من ذلك.

ويجوز أن يقصدوا ذمّهما وأنهما إن ملكا أرض مصر تجبرا وتكبرا، كما قال القبطي لموسى عليه السلام: إن تريد إلاّ أن تكون جباراً في الأرض ﴿ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ ﴾ أي مصدّقين لكما فيما جئتما به.

وقرئ: ﴿ يطبع ﴾ ويكون لكما، بالياء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قالَ مُوسى أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكُمْ ﴾ إنَّهُ لَسِحْرٌ فَحُذِفَ المَحْكِيُّ المَقُولُ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ.

﴿ أسِحْرٌ هَذا ﴾ لِأنَّهم بَتُّوا القَوْلَ بَلْ هو اسْتِئْنافٌ بِإنْكارِ ما قالُوهُ اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ فِيهِ لِلتَّقْرِيرِ والمَحْكِيُّ مَفْهُومُ قَوْلِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى ﴿ أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ ﴾ أتَعِيبُونَهُ مِن قَوْلِهِمْ فُلانٌ يَخافُ القالَةَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ ﴾ فَيَسْتَغْنِي عَنِ المَفْعُولِ.

﴿ وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ ﴾ مِن تَمامِ كَلامِ مُوسى لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِسِحْرٍ فَإنَّهُ لَوْ كانَ سِحْرًا لاضْمَحَلَّ ولَمْ يُبْطِلْ سِحْرَ السَّحَرَةِ، ولِأنَّ العالِمَ بِأنَّهُ لا يُفْلِحُ السّاحِرُ لا يَسْحَرُ، أوْ مِن تَمامِ قَوْلِهِمْ إنْ جُعِلَ أسِحْرٌ هَذا مَحْكِيًّا كَأنَّهم قالُوا أجِئْتَنا بِالسِّحْرِ تَطْلُبُ بِهِ الفَلّاحَ ولا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قال موسى أتقولون للحق لما جاءكم} إنكار ومقولهم محذوف أي هذا سحر ثم استأنف إنكارا آخر

يونس (٧٧ _ ٨٤)

فقال {أسحر هذا} خبرومبتدأ {وَلاَ يُفْلِحُ الساحرون} أي لا يظفر

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قالَ مُوسى ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ لَهم مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَقِيلَ: قالَ لَهم عَلى سَبِيلِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ التَّوْبِيخِيِّ: ﴿ أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ ﴾ الَّذِي هو أبْعَدُ شَيْءٍ مِنَ السِّحْرِ الَّذِي هو الباطِلُ البَحْتُ ﴿ لَمّا جاءَكُمْ ﴾ أيْ حِينَ مَجِيئِهِ إيّاكم ووُقُوفِكم عَلَيْهِ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ ما أُشِيرَ إلَيْهِ آنِفًا أوْ مِن أوَّلِ الأمْرِ مِن غَيْرِ تَأمُّلٍ وتَدَبُّرٍ كَما قِيلَ، وأيًّا ما كانَ فَهو مِمّا يُنافِي القَوْلَ الَّذِي في حَيِّزِ الِاسْتِفْهامِ، والمَقُولُ مَحْذُوفٌ ثِقَةٌ بِدَلالَةِ ما قَبْلُ وما بَعْدُ عَلَيْهِ وإيذانًا بِأنَّهُ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَتَفَوَّهَ بِهِ ولَوْ عَلى نَهْجِ الحِكايَةِ أيْ أتَقُولُونَ لَهُ ما تَقُولُونَ مِن أنَّهُ سِحْرٌ مُبِينٌ يَعْنِي بِهِ أنَّهُ مِمّا لا يُمْكِنُ أنْ يَقُولَهُ قائِلٌ ويَتَكَلَّمَ بِهِ مُتَكَلِّمٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَقُولُ القَوْلِ قَوْلَهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أسِحْرٌ هَذا ﴾ عَلى أنَّ مَقْصُودَهم بِالِاسْتِفْهامِ تَقْرِيرُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لا الِاسْتِفْهامُ الحَقِيقِيُّ لِأنَّهم قَدْ بَتُّوا القَوْلَ بِأنَّهُ سِحْرٌ فَكَيْفَ يَسْتَفْهِمُونَ عَنْهُ والمَحْكِيُّ في أحَدِ المَوْضِعَيْنِ مَفْهُومُ قَوْلِهِمْ ومَعْناهُ وإلّا فالقِصَّةُ واحِدَةٌ والصّادِرُ فِيها بِحَسَبِ الظّاهِرِ إحْدى المَقالَتَيْنِ ولا يَخْفى ضَعْفُهُ وأنْ يَكُونَ القَوْلُ بِمَعْنى العَيْبِ والطَّعْنِ مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يَخافُ القالَةَ وبَيْنَ النّاسِ تُقاوِلٌ إذا قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ما يَسُوءُهُ ونَظِيرُهُ الذِّكْرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهم يُقالُ لَهُ إبْراهِيمُ ﴾ وحِينَئِذٍ يُسْتَغْنى عَنِ المَفْعُولِ واللّامِ لِبَيانِ المَطْعُونِ فِيهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هَيْتَ لَكَ ﴾ أيْ أتَعِيبُونَهُ وتَطْعَنُونَ فِيهِ وعَلى هَذا الوَجْهِ وكَذا الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ أسِحْرٌ هَذا ﴾ إنْكارًا مُسْتَأْنَفًا مِن جِهَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِكَوْنِهِ سِحْرًا وتَكْذِيبٌ لِقَوْلِهِمْ وتَوْبِيخٌ لَهم عَلَيْهِ إثْرَ تَوْبِيخٍ وتَجْهِيلٌ إثْرَ تَجْهِيلٍ، أمّا عَلى الوَجْهِ المُتَقَدِّمِ فَظاهِرٌ وأمّا عَلى الوَجْهِ الأخِيرِ فَوَجْهُ إيثارِ إنْكارِ كَوْنِهِ سِحْرًا عَلى إنْكارِ كَوْنِهِ مَعِيبًا بِأنْ يُقالَ: أفِيهِ عَيْبٌ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الإنْكارِ السّابِقِ التَّصْرِيحُ بِالرَّدِّ عَلَيْهِمْ في خُصُوصِيَّةِ ما عابُوهُ بِهِ بَعْدَ التَّنْبِيهِ بِالإنْكارِ الأوَّلِ عَلى أنَّهُ لَيْسَ فِيهِ شائِبَةُ عَيْبٍ ما، وتَقْدِيمُ الخَبَرِ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ مَصَبُّ الإنْكارِ وما في اسْمِ الإشارَةِ مِن مَعْنى القُرْبِ لِزِيادَةِ تَعْيِينِ المُشارِ إلَيْهِ واسْتِحْضارِ ما فِيهِ مِنَ الصِّفاتِ الدّالَّةِ عَلى كَوْنِهِ آيَةً باهِرَةً مِن آياتِ اللَّهِ تَعالى المُنادِيَةِ عَلى امْتِناعِ كَوْنِهِ سِحْرًا هَذا الَّذِي أمْرُهُ واضِحٌ مَكْشُوفٌ وشَأْنُهُ مُشاهَدٌ مَعْرُوفٌ بِحَيْثُ لا يَرْتابُ فِيهِ أحَدٌ مِمَّنْ لَهُ عَيْنٌ مُبْصِرَةٌ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ 77﴾ تَأْكِيدٌ لِلْإنْكارِ السّابِقِ وما فِيهِ مِنَ التَّوْبِيخِ والتَّجْهِيلِ وقَدِ اسْتَلْزَمَ القَوْلُ بِكَوْنِهِ سِحْرًا القَوْلَ بِكَوْنِ مَن أتى بِهِ ساحِرًا، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ والرّابِطُ الواوُ بِلا ضَمِيرٍ كَما في قَوْلِهِ: جاءَ الشِّتاءُ ولَسْتُ أمْلِكُ عُدَّةً، وقَوْلِكَ: جاءَ زَيْدٌ ولَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ، أيْ أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ إنَّهُ سِحْرٌ والحالُ أنَّهُ لا يُفْلِحُ فاعِلُهُ أيْ لا يَظْفَرُ بِمَطْلُوبٍ ولا يَنْجُو مِن مَكْرُوهٍ وأنا قَدْ أفْلَحْتُ وفُزْتُ بِالحُجَّةِ ونَجَوْتُ مِنَ الهَلَكَةِ، وجُمْلَةُ ﴿ أسِحْرٌ هَذا ﴾ مُعْتَرَضَةٌ بَيْنَ الحالِ وذْيها لِتَأْكِيدِ الإنْكارِ السّابِقِ بِبَيانِ اسْتِحالَةِ كَوْنِهِ سِحْرًا بِالنَّظَرِ إلى ذاتِهِ قَبْلَ بَيانِ اسْتِحالَتِهِ بِالنَّظَرِ إلى صُدُورِهِ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ومَن جَعَلَها مَقُولَ القَوْلِ أبْقى الحالِيَّةَ عَلى حالِها، ولا اعْتِراضَ عِنْدَهُ وكانَ المَعْنى عَلى ذَلِكَ أتَحْمِلُونِي عَلى الإقْرارِ بِأنَّهُ سِحْرٌ وما أنا عَلَيْهِ مِنَ الفَلاحِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ بَيْنَهُ وبَيْنَ السِّحْرِ أبْعَدَ مِمّا بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ كالَّتِي قَبْلَها في حَيِّزِ قَوْلِهِمْ وهي حالِيَّةٌ أيْضًا لَكِنْ عَلى نَمَطٍ آخَرَ والِاسْتِفْهامُ مَصْرُوفٌ إلَيْها والمَعْنى أجِئْتَنا بِسِحْرٍ تَطْلُبُ بِهِ الفَلاحَ والحالُ أنَّهُ لا يُفْلِحُ السّاحِرُ أوْ هم يَتَعَجَّبُونَ مِن فَلاحِهِ وهو ساحِرٌ ولا يَخْفى أنَّ السِّباقَ والسِّياقَ يَأْبَيانِ هَذا التَّجْوِيزَ فَلا يَنْبَغِي حَمْلُ النَّظْمِ الجَلِيلِ عَلى ذَلِكَ وفي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ أنَّ تَجْوِيزَ أنْ يَكُونَ الكُلُّ مَقُولَ القَوْلِ مِمّا لا يُساعِدُهُ النَّظْمُ الكَرِيمُ أصْلًا، أمّا أوَّلًا فَلِأنَّ ما قالُوا هو الحُكْمُ بِأنَّهُ سِحْرٌ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى ما تَعَسَّفَ فِيهِ مِنَ المَعْنى بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ فَصَرَفَ جَوابَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ صَرِيحِ ما خاطَبُوهُ بِهِ إلى ما لا يُفْهَمُ مِنهُ مِمّا يَجِبُ تَنْزِيهُ التَّنْزِيلِ عَنْ أمْثالِهِ وكَوْنُ ذَلِكَ اعْتِراضًا عَنْ رَدِّ الإنْكارِ السّابِقِ إلى رَدِّ ما هو أبْلَغُ مِنهُ في الإنْكارِ لا أراهُ يَحْسُنُ الِالتِفاتُ هُنا إلى قَبُولِ ذَلِكَ التَّجْوِيزِ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى العَزِيزِ.

وأمّا ثانِيًا فَلِأنَّ التَّعَرُّضَ لِعَدَمِ إفْلاحِ السَّحَرَةِ عَلى الإطْلاقِ مِن وظائِفِ مَن يَتَمَسَّكُ بِالحَقِّ المُبِينِ دُونَ الكَفَرَةِ المُتَشَبِّثِينَ بِأذْيالِ بَعْضٍ مِنهم في مُعارَضَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَوْ كانَ ذَلِكَ كَلامَهم لَناسَبَ تَخْصِيصَ عَدَمِ الإفْلاحِ بِمَن زَعَمُوهُ ساحِرًا بِناءً عَلى غَلَبَةِ مَن يَأْتُونَ بِهِ مِنَ السَّحَرَةِ، والِاعْتِذارُ بِأنَّ التَّشَبُّثَ بِأذْيالِ بَعْضِ السَّحَرَةِ لا يُنافِي التَّعَرُّضَ لِعَدَمِ إفْلاحِهِمْ عَلى الإطْلاقِ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ اعْتِقادُهم عَدَمَ الفَلاحِ مُطْلَقًا وتَشَبُّثُهم بَعْدَ بِما تَشَبَّثُوا بِهِ مِن بابِ تَلَقِّي الباطِلِ بِالباطِلِ لا أُراهُ إلّا مِن بابِ تَشَبُّثِ الغَرِيقِ بِالحَشِيشِ، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ أي: من بعد هلاك قوم نوح رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ، مثل: هود، وصالح، وإبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، عليهم السلام فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ يعني: بالأمر والنهي.

ويقال: بالآيات والعلامات، فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ قال مقاتل: يعني: ما كان كُفَّار مكة ليصدِّقوا بالعذاب أنه نازل بهم، كما لم يصدق به أوائلهم من قبل كفار مكة.

وقال الكَلْبِي: فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ عند الميثاق، حين أخرجهم من صلب آدم.

وقال: فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا يعني: أُولئك القوم ما بعد دعاهم الرُّسل بما كذبوا به مِن قَبْلِ أَن يأتيهم الرُّسل كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ يعني: نختم على قلوبهم المتجاوزين من الحلال وإلى الحرام.

ويقال: صار تكذيبهم طبعاً على قلوبهم، فمنعهم عن الإيمان.

قوله تعالى: ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ أي: من بعد الرُّسل مُوسى وَهارُونَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ بِآياتِنا التّسع ثم قال: فَاسْتَكْبَرُوا يعني: تكبَّروا عن الإيمان وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ يعني: مشركين.

قوله تعالى: فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ يعني: ظهر لهم الحقُّ مِنْ عِنْدِنا من عند الله تعالى قالُوا إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ يعني: الَّذي أتيتنا به كذب بيّن قالَ مُوسى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَكُمْ أَسِحْرٌ هذا وفي الآية مضمر، ومعناه: أتقولون للحق لما جاءكم إنَّه سحر؟

ثمَّ قال: أسِحْرٌ هذا؟

يعني: أيكون مثل هذا سحراً؟

فليس ذلك بسحر، ولكنَّ ذلك علامة النّبوّة، وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ في الدُّنيا والآخرة.

ويقال: لا ظفر لهم.

قوله تعالى: قالُوا أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا يعني: قال فرعون وقومه لموسى أَجِئْتَنا؟

يعني: لتصرفنا، وتصدنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا يقول: عما كان يعبد آباؤنا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ يعني: السُّلطان والشَّرف والمُلْكُ فِي الْأَرْضِ، يعني: في أرض مصر وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ يعني: بمصدِّقين بأنّكما رسولا ربِّ العالمين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ الآية: يريد ب الْحَقُّ آيَتَيِ العَصَا واليد.

وقوله: أَسِحْرٌ هذا: قالت فرقة: هو حكايةٌ عن موسَى عنهم، ثم أخبرهم موسَى عن اللَّه أَنَّ الساحِرِينَ لا يُفلحون، ثم اختلفوا في معنى قول قَوْمِ فرعونَ، فقال بعضهم:

قالها منهم كلُّ مستفهِمٍ جاهلٍ بالأمر، فهو يسأل عنه، وهذا ضعيفٌ، وقال بعضهم: بل قالوا ذلك عَلَى معنى التعظيم للسحْرِ الذي رأَوْهُ، وقالت فرقة: ليس ذلك حكايةً عن موسَى عنهم، وإِنما هو من كلام موسَى، وتقدير الكلامِ: أَتقولون للحَقِّ لما جاءكم سِحْرٌ، ثم ابتدأ يوقِّفهم بقوله: أَسِحْرٌ/ هذا على جهة التوبيخ.

وقولهم: لِتَلْفِتَنا: أي: لتصرفنا وتلوينا وتَرُدَّنا عن دين آبائنا، يقال: لفتَ الرَّجُلُ عُنُقَ الآخَرِ إِذا أَلواه، ومنه قولهم: التفت فَإِنَّهُ افتعل من لفت عنقه إذا ألواه، والْكِبْرِياءُ: مصْدَر من الكِبْرِ، والمراد به في هذا الموضع المُلْك قاله أكثر المتأوِّلين لأنه أعظم تَكَبُّرِ الدنيا، وقرأ أبو عَمْرٍو وحده: «به السّحر» - بهمزة استفهام ممدودةٍ-، وفي قراءة «١» أُبيٍّ: «مَا أَتَيْتُمْ بِهِ سِحْرٌ» ، والتعريف هنا في السِّحْرِ أَرْتَبُ لأنه تقدَّم منكَّراً في قولهم: إِنَّ هذا لَسِحْرٌ، فجاء هنا بلامِ العَهْدِ.

قال ص: قال الفَّرَّاء: إِنما قال: «السِّحْر» ب «أَلْ» ، لأن النكرة إِذا أُعيدَتْ، أُعيدَتْ ب «أَلْ» ، وتبعه ابن عطية «٢» ، ورُدَّ بأن شرط ما ذكراه اتحاد مدلول النكرةِ المُعَادة كقوله تعالى: كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ [المزمل: ١٥، ١٦] وهنا السِّحْر المنكَّر هو ما أتَى به موسَى، والمعروفُ ما أتَوْا به هُمْ، فاختلف

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا ﴾ وهو ما جاءَ بِهِ مُوسى مِنَ الآياتِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أسِحْرٌ هَذا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم هَذا اللَّفْظَ، وهو قَوْلُهم: ﴿ إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ ﴾ ثُمَّ قَرَّرَهم فَقالَ: ﴿ أسِحْرٌ هَذا ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّما أدْخَلُوا الألِفَ عَلى جِهَةِ تَفْظِيعِ الأمْرِ، كَما يَقُولُ الرَّجُلُ إذا نَظَرَ إلى الكُسْوَةِ الفاخِرَةِ: أكِسْوَةٌ هَذِهِ ؟

يُرِيدُ بِالِاسْتِفْهامِ تَعْظِيمَها، وتَأْتِي الرَّجُلَ جائِزَةٌ، فَيَقُولُ: أحَقٌّ ما أرى ؟

مُعَظِّمًا لَمّا ورَدَ عَلَيْهِ.

وقالَ غَيْرُهُ: تَقْدِيرُ الكَلامِ: أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم: هو سِحْرٌ، أسِحْرٌ هَذا ؟

فَحُذِفَ السِّحْرُ الأوَّلُ اكْتِفاءً بِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ  ﴾ المَعْنى: بَعَثْناهم لِيَسُوؤُوا وُجُوهَكم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لِتَصْرِفَنا.

يُقالُ: لَفَتُّ فُلانًا عَنْ كَذا: إذا صَرَفْتَهُ.

ومِنهُ الِالتِفاتُ، وهو الِانْصِرافُ عَمّا كُنْتَ مُقْبِلًا عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ ﴾ ورَوى أبانُ، وزَيْدٌ عَنْ يَعْقُوبَ " ويَكُونَ لَكُما " بِالياءِ.

وفي المُرادِ بِالكِبْرِياءِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: المُلْكُ والشَّرَفُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: الطّاعَةُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والثّالِثُ: العُلُوُّ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والأرْضُ هاهُنا: أرْضُ مِصْرَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِكُلِّ ساحِرٍ ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ " بِكُلِّ سَحّارٍ " بِتَشْدِيدِ الحاءِ وتَأْخِيرِ الألِفِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ " السِّحْرُ " بِغَيْرِ مَدٍّ، عَلى لَفْظِ الخَبَرِ والمَعْنى: الَّذِي جِئْتُمْ بِهِ مِنَ الحِبالِ والعِصِيِّ، هو السِّحْرُ، وهَذا رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ لِلْحَقِّ: هَذا سِحْرٌ، فَتَقْدِيرُهُ: الَّذِي جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ، فَدَخَلَتِ الألِفُ واللّامُ، لِأنَّ النَّكِرَةَ إذا عادَتْ، عادَتْ مَعْرِفَةً، كَما تَقُولُ: رَأيْتُ رَجُلًا، فَقالَ لِي الرَّجُلُ.

وقَرَأ مُجاهِدٌ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو جَعْفَرٍ، وأبانُ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو حاتِمٍ عَنْ يَعْقُوبَ: " آلسِّحْرُ " بِمَدِّ الألِفِ، اسْتِفْهامًا.

قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ جِئْتُمْ بِهِ ؟

أسِحْرٌ هُوَ؟

عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ لَهم.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هَذا الِاسْتِفْهامُ مَعْناهُ التَّعْظِيمُ لِلسِّحْرِ، لا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِفْهامِ عَنْ الشَّيْءِ الَّذِي يُجْهَلُ، وذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِ الإنْسانِ في الخَطَأِ الَّذِي يَسْتَعْظِمُهُ مِن إنْسانٍ: أخْطَأٌ هَذا ؟

أيْ: هو عَظِيمُ الشَّأْنِ في الخَطَأِ.

والعَرَبُ تَسْتَفْهِمُ عَمّا هو مَعْلُومٌ عِنْدَها، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: أغَرَّكِ مِنِّي أنَّ حُبَّكِ قاتِلِي وأنَّكِ مَهْما تَأْمُرِي القَلْبَ يَفْعَلِ وَقالَ قَيْسُ بْنُ ذُرَيْحٍ: أراجِعَةٌ يا لُبْنَ أيّامُنا الأُلى ∗∗∗ بِذِي الطَّلْحِ أمْ لا ما لَهُنَّ رُجُوعُ فاسْتَفْهَمَ وهو يَعْلَمُ أنَّهُنَّ لا يَرْجِعْنَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ ﴾ أيْ: يُهْلِكُهُ ويُظْهِرُ فَضِيحَتَكم، ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ ﴾ لا يَجْعَلُ عَمَلَهم نافِعًا لَهم.

﴿ وَيُحِقُّ اللَّهُ الحَقَّ ﴾ أيْ: يُظْهِرُهُ ويُمَكِّنُهُ، ﴿ بِكَلِماتِهِ ﴾ بِما سَبَقَ مِن وعْدِهِ بِذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا قالُوا إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ ﴾ ﴿ قالَ مُوسى أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم أسِحْرٌ هَذا ولا يُفْلِحُ الساحِرُونَ ﴾ ﴿ قالُوا أجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمّا وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ وما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ ﴾ يُرِيدُ بِـ"الحَقُّ" آيَتَيِ العَصا واليَدِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهم عِنْدَهُما: "هَذا سِحْرٌ"، ولَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ إلّا عِنْدَهُما، ولا تَعاطَوْا إلّا مُقاوَمَةَ العَصا فَهي مُعْجِزَةُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ الَّتِي وقَعَ فِيها عَجْزُ المُعارِضِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لَسِحْرٌ مُبِينٌ"، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والأعْمَشُ: "لَساحِرٌ مُبِينٌ".

ثُمَّ اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ: ﴿ أسِحْرٌ هَذا ﴾ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو حِكايَةٌ مِن مُوسى عنهم عَلى مَعْنى أنَّ قَوْلَهم كانَ: "أسِحْرٌ هَذا؟"، ثُمَّ اخْتُلِفَ في مَعْنى قَوْلِ قَوْمِ فِرْعَوْنَ: "أسِحْرٌ هَذا؟" فَقالَ بَعْضُهُمْ: قالَها مِنهم كُلُّ مُسْتَفْهِمٍ جاهِلٍ بِالأمْرِ فَهو يَسْألُ عنهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا التَأْوِيلُ يُضَعِّفُهُ ما ذَكَرَ اللهُ قَبْلُ عنهم مِن أنَّهم صَمَّمُوا عَلى أنَّهُ سِحْرٌ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ ﴾ .

وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ قالُوا ذَلِكَ عَلى مَعْنى التَعْظِيمِ لِلسِّحْرِ الَّذِي رَأوهُ بِزَعْمِهِمْ، كَما تَقُولُ لِفَرَسٍ تَراهُ يُجِيدُ الجَرْيَ: "أفَرَسٌ هَذا؟" عَلى مَعْنى التَعَجُّبِ مِنهُ والِاسْتِغْرابِ وأنْتَ قَدْ عَلِمْتَ أنَّهُ فَرَسٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ غَيْرُ هاتَيْنِ: لَيْسَ ذَلِكَ حِكايَةً مِن مُوسى عنهُمْ، بَلِ القَوْلُ الَّذِي حَكاهُ عنهم مُقَدَّرٌ تَقْدِيرُهُ: أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم سِحْرٌ؟

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: أو نَحْوُ هَذا مِنَ التَقْدِيرِ، ثُمَّ ابْتَدَأ يُوقِفُهم بِقَوْلِهِ: "أسِحْرٌ هَذا؟" عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ، ثُمَّ أخْبَرَهم عَنِ اللهِ تَعالى أنَّ الساحِرِينَ لا يُفْلِحُونَ ولا يَظْفَرُونَ بِبُغْيَةٍ، ومِثْلُ هَذا التَقْدِيرِ المَحْذُوفِ عَلى هَذا التَأْوِيلِ مَوْجُودٌ في كَلامِ العَرَبِ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ: فَلَمّا لَبِسْنَ اللَيْلَ أو حِينَ نَصَّبَتْ ∗∗∗ لَهُ مِن خَذا آذانِها وهو جانِحُ يُرِيدُ: أو حِينَ قارَبْنَ ذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُ اللهِ تَعالى: ﴿ فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ  ﴾ ، المَعْنى: بَعَثْناهم لِيَسْؤُوا، ومِثْلُ هَذا كَثِيرٌ شائِعٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالُوا أجِئْتَنا ﴾ الآيَةُ، المَعْنى: قالَ قَوْمُ فِرْعَوْنَ لِمُوسى: أجِئْتَنا لِتَصْرِفَنا وتَلْوِيَنا وتَرُدَّنا عن دِينِ آبائِنا؟

يُقالُ: "لَفَتَ الرَجُلُ عَنِ الآخَرِ" إذا لَواهُ، ومِنهُ قَوْلُهُمُ:التَفَتَ، فَإنَّهُ افْتَعَلَ مِن لَفَتْ عُنُقَهُ، ومِنهُ قَوْلً رُؤْبَةَ: لَفْتًا وتَهْزِيعًا سَواءَ اللَفْتِ ∗∗∗ ∗∗∗.......................

وقَرَأ السَبْعَةُ سِوى أبِي عَمْرٍو -فَإنَّهُ اخْتُلِفَ عنهُ-: "وَتَكُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وهي قِراءَةُ جُمْهُورِ الناسِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ -فِيما زَعَمَ خارِجَةُ وإسْماعِيلُ -: "وَيَكُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتِ، ورُوِيَتْ عن أبِي عَمْرٍو، وعن عاصِمٍ، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ.

و"الكِبْرِياءُ": مَصْدَرٌ مَبالَغٌ مِنَ الكِبْرِ، والمُرادُ بِهِ -فِي هَذا المَوْضِعِ- المُلْكُ، وكَذَلِكَ قالَ فِيهِ مُجاهِدٌ، والضَحّاكُ، وأكْثَرُ المُتَأوِّلِينَ، لِأنَّهُ أعْظَمُ تَكَبُّرِ الدُنْيا، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: سُؤْدُدًا غَيْرَ فاحِشٍ لا يُدا ∗∗∗ ∗∗∗ نِيهِ تَجْبارُهُ ولا كِبْرِياءُ وَقَوْلُهُ: "بِمُؤْمِنِينَ" أيْ: بِمُصَدِّقِينَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

أي لما رأوا المعجزات التي هي حق ثابت وليست بتخيلات وتمويهات، وعلموا أن موسى صادق فيما ادّعاه، تدرجوا من مجرّد الإباء المنبعث عن الاستكبار إلى البهتان المنبعث عن الشعور بالمغلوبية.

والحقُّ: يطلق اسماً على ما قابل الباطل وهو العدل الصالح، ويطلق وصفاً على الثابت الذي لا ريبة فيه، كما يقال: أنت الصديق الحق.

ويُلازم الإفراد لأنه مصدر وصف به.

والذي أثبت له المجيء هنا هو الآيات التي أظهرها موسى إعجازاً لهم لقوله قبله: ﴿ ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا ﴾ [الأعراف: 103] فكان جعل الحق جائياً بتلك الآيات صالحاً لمعنيي الحقّ، لأنّ تلك الآيات لما كانت ثابتة لا ريبة فيها كانت في ذاتها حقاً فمجيئها حصولُها وظهورها المقصود منه إثبات صدق موسى في رسالته فكان الحق جائياً معها، فمجيئه ثبوته كقوله تعالى: ﴿ وقل جاء الحق وزهق الباطل ﴾ [الإسراء: 81] وبهذا يظهر أن لكلمة ﴿ الحقّ ﴾ هنا من الوقع في الدلالة على تمام المعنى المراد، ولكلمة ﴿ من عندنا ﴾ ما ليس لغيرهما في الإيجاز، وهذا من حدّ الإعجاز.

وبهذا تبين أنّ الآية دالة على أن آيات الصدق ظهرت وأنّ المحجوجين أيقنوا بصدق موسى وأنه جاء بالحق.

واعتذارهم عن ظهور الآيات بأنها سحر هو اعتذار المغلوب العديم الحجة الذي قهرته الحجة وبهره سلطان الحقّ، فلم يبق له منتشب من المعارضة المقبولة فهو يهرع إلى انتحال معارضات بمعاذير لا تدخل تحت التمحيص ولا تثبت في محكّ النقد.

«ولا بدّ للمغلوب من بارد العذر» وإذ قد اشتهر بين الدّهماء من ذوي الأوهام أنّ السحر يظهر الشيء في صورة ضدّه، ادّعى هؤلاء أنّ ما ظهر من دلائل صدق موسى هو سحر ظهر به الباطل في صورة الحقّ بتخييل السحر.

ومعنى إدّعاء الحقّ سحراً أنّ دلائله من قبيل التخيلات والتمويهات، فكذلك مدلوله هو مدلول السحر وهو إنشاء تخيل باطل في نفوس المسحورين، وقد حملهم استشعارهم وَهَنَ معذرتهم على أن أبرزوا دعواهم في صورة الكلام المتثبّت صاحبُه فأكَّدوا الكلام بما دلّ عليه حرف التوكيد ولام الابتداء ﴿ إنّ هذا لسحرٌ ﴾ ، وزادوا ذلك ترويجاً بأن وصفوا السِّحر بكونه مُبيناً، أي شديدَ الوضوح.

والمبين اسم فاعل من أبان القاصر، مرادف بَانَ: ظهر.

والإشارة بقوله: ﴿ إنّ هذا ﴾ إلى ما هو مشاهد بينهم حين إظهار المعجزة مثل انقلاب العصا حية، وخروج اليد بيضاء، أي أنّ هذا العمل الذي تشاهدونه سحر مبين.

وجملة: ﴿ قال موسى ﴾ مجاوبة منه عن كلامهم ففُصلت من العطف على الطريقة التي استخرجناها في حكاية الأقوال، كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ وإذ قال ربك للملائكة، إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ﴾ [البقرة: 30]، ونظائره الكثيرة.

تولى موسى وحده دون هارون مجادلتهم لأنه المباشر للدعوة أصالة، ولأن المعجزات ظهرت على يديه.

واستفهام ﴿ أتقولون ﴾ إنكاري.

واللام في ﴿ للحق ﴾ لام التعليل.

وبعضهم يسميها لام البيان.

وبعضهم يسميها لام المجاوزة بمعنى (عن).

وجملة: ﴿ أسحر هذا ﴾ مستأنفة للتوبيخ والإنكار، أنكر موسى عليهم وصفهم الآيات الحق بأنها سحر.

والإشارة تفيد التعريض بجهلهم وفساد قولهم، بأن الإشارة إلى تلك الآيات كافية في ظهور حقيقتها وأنها ليست من السحر في شيء.

ولذلك كان مفعول ﴿ أتقولون ﴾ محذوفاً لدلالة الكلام عليه وهو ﴿ إنّ هذا لسحر مبين ﴾ فالتقدير: أتقولون هذا القول للحق لمَّا جاءكم.

وقريب منه قوله تعالى: ﴿ قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قُلتم ﴾ [آل عمران: 183] وقوله: ﴿ بَيَّت طائفة منهم غير الذي تقول ﴾ [النساء: 81].

ولما نفى موسى عن آيات الله أن تكون سحراً ارتقى فأبان لهم فساد السحر وسوء عاقبة معالجيه تحقيراً لهم، لأنهم كانوا ينوّهون بشأن السحر.

فجملة: ﴿ ولا يفلح الساحرون ﴾ معطوفة على جملة: ﴿ أسحر هذا ﴾ .

فالمعنى: هذا ليس بسحر وإنما أعلم أن الساحر لا يفلح، أي لو كان ساحراً لما شنع حال الساحرين، إذ صاحب الصناعة لا يحقر صناعته لأنه لو رآها محقرة لما التزمها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالُوا أجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمّا وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لِتَلْوِينا، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: لِتَصُدَّنا، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: لِتَصْرِفَنا، مِن قَوْلِهِمْ لَفَتَهُ لَفْتًا إذا صَرَفَهُ ومِنهُ لَفَتَ عُنُقَهُ أيْ لَواها، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.

﴿ وَتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: المُلْكُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: العَظَمَةُ، حَكاهُ الأعْمَشُ.

الثّالِثُ: العُلُوُّ، قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ.

الرّابِعُ: الطّاعَةُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ لتلفتنا ﴾ قال: لتلوينا.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه ﴿ لتلفتنا ﴾ قال: لتصدنا عن آلهتنا.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وتكون لكما الكبرياء في الأرض ﴾ قال: العظمة والملك والسلطان.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ليث بن أبي سليم رضي الله عنه قال: بلغني أن هذه الآيات شفاء من السحر بإذن الله تعالى، يقرأ في إناء فيه ماء ثم يصب على رأس المسحور الآية التي في يونس ﴿ فلما ألقوا قال موسى ما جئتم به السحر إن الله سيبطله ﴾ إلى قوله: ﴿ ولو كره المجرمون ﴾ وقوله: ﴿ فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون ﴾ [ الأعراف: 118] إلى آخر أربع آيات وقوله: ﴿ إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى ﴾ [ طه: 69] .

وأخرج ابن المنذر عن هرون رضي الله عنه قال: في حرف أبي بن كعب ﴿ ما أتيتم به سحر ﴾ وفي حرف ابن مسعود رضي الله عنه ﴿ ما جئتم به سحر ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله (١) ﴿ قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا ﴾ \[الآية، يقال في هذا: لِمَ دخل الاستفهام في قولهم: ﴿ أَسِحْرٌ هَذَا ﴾ \] (٢) (٣) أحدها: قال قوم: قد يكون هذا من قولهم على أنه سحر عندهم وإن استفهموا، كما ترى الرجل تأتيه الجائزة فيقول: أحق هذا؟

وهو يعلم أنه حق لا شك فيه (٤) (٥) (٦) الوجه الثاني: قال (٧) (٨) (٩) (١٠) وقال أبو بكر في هذا الجواب: إن ألف الاستفهام دخلت في كلام قوم فرعون على معنى رد الخبر على (١١) (١٢) (١٣) (١٤) الوجه الثالث: أن تجعل القول بمنزلة الصلة؛ لأنه فصل في الكلام، ألا ترى أنك تقول للرجل: أتقول عندك مال؟

ويكفيك أن تقول: ألك مال؟

فالمعنى قائم ظهر القول أو لم يظهر (١٥) قال أبو بكر: تقدير هذا الجواب: قال موسى أسحر هذا؟

فدخل القول توكيدًا للكلام، كما ذكره الفراء من المثال، قال: وفيه وجه آخر وهو أن يكون التقدير: أتقولون للحق لما جاءكم هو سحر؟

ثم قال: أسحر هذا؟

فأضمر (هو سحر) بعد القول؛ لأن الكلام المحكي يصلح إضماره إذا ظهر ما يدل عليه، والإضمار مع القول أمكن منه مع غيره، والدليل على المضمر قوله: ﴿ أَسِحْرٌ هَذَا ﴾ قال الشاعر (١٦) قلنا لهم وقالوا ...

وكل له (١٧) فأضمر المحكي مع القول ثقة بعلم المخاطب به ولم يذكر أَيش (١٨) وقال أبو إسحاق: قوله: ﴿ أَسِحْرٌ هَذَا ﴾ هو تقرير لقوله: ﴿ فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ ﴾ ثم قررهم فقال (١٩) ﴿ أَسِحْرٌ هَذَا ﴾ (٢٠) (٢١) ﴿ أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ ﴾ صلة.

وقوله تعالى: ﴿ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ ﴾ قال (٢٢) (٢٣) (٢٤) (١) لم يتطرق المؤلف لتفسير آيتين قبل هذه الآية، وقد بين في "الوسيط" 2/ 555، علة ذلك بعد أن ترك عدة آيات حيث قال بعد بيان معنى الطبع في الآية السابقة: وما بعد هذا ظاهر التفسير.

(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).

(٣) هكذا في جميع النسخ، ولم يسبق ذكر قولٍ يستوجب هذا العطف.

(٤) "معاني القرآن" للفراء 1/ 474.

(٥) في (ج) و (ز): (هذا).

(٦) انظر: "زاد المسير" 4/ 50.

(٧) يعني الفراء.

(٨) هكذا وهو موافق لما في "معاني القرآن"، والصواب: المكلَّم.

وستأتي الجملة على الصواب.

(٩) اهـ.

كلام الفراء، انظر: "معاني القرآن" 1/ 474.

(١٠) في (ى): (فحكوا).

(١١) في (م): (إلى).

(١٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ح) و (ز).

(١٣) في (ح) و (ز): (فيبدل).

(١٤) لم أعثر على مصدر كلام ابن الأنباري هذا.

(١٥) "معاني القرآن" للفراء 1/ 474.

(١٦) البيت من أمثلة العروض المشهورة.

(١٧) في (ح) و (ز): (لهم).

(١٨) سبق بيان معنى هذه الكلمة في أول الأنفال، ومعناها: أي شيء.

(١٩) في (ى): (فقالوا)، والمثبت موافق للمصدر.

(٢٠) اهـ كلام الزجاج، انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 29.

(٢١) يعني الزجاج.

(٢٢) يعني الزجاج، انظر المصدر السابق، نفس الموضع.

(٢٣) أي: بما يريد.

(٢٤) هكذا في جميع النسخ بالحاء، وهو كذلك في "معاني القرآن وإعرابه"، قال الجوهري في "الصحاح" (فلح) 1/ 392: الفلح لغة في الفلاح، وفي "لسان ==العرب" (فلح) 6/ 3458: الفلح والفلاح: الفوز والنجاة.

ويظهر من السياق أن صحة الكلمة: فلج، بالجيم، وفي "لسان العرب" (فلج) 6/ 3457: الفلج: الظفر والفوز، وفلج بحجته وفي حجته كذلك.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ رُسُلاً ﴾ يعني: هوداً وصالحاً وإبراهيم وغيرهم ﴿ أَسِحْرٌ هذا ﴾ قيل إنه معمول أتقولون، فهو من كلام قوم فرعون وهذا ضعيف، لأنهم كانوا يصممون على أنه سحر لقولهم: ﴿ إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ فكيف يستفهمون عنه.

وقيل: إنه كلام موسى تقريراً وتوبيخاً فيوقف على قوله: ﴿ أَتقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَكُمْ ﴾ ، ويكون معمول أتقولون محذوف تقديره: أتقولون للحق لما جاءكم إنه لسحر، ويدل على هذا المحذوف ما حكى عنهم من قولهم: إن هذا لسحر مبين، فلما تم الكلام ابتدأ موسى توبيخهم بقوله: أسحر هذا ولا يفلح الساحرون؟

وهذا هو اختيار شيخنا الأستاذ أبي جعفر ابن الزبير رحمه الله.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وشركاؤكم ﴾ بالرفع: يعقوب ﴿ إن أجري ﴾ بفتح الياء حيث كان: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص ﴿ ويكون لكما ﴾ بياء الغيبة: حماد ويزيد وزيد.

الباقون بتاء التأنيث ﴿ آلسحر ﴾ بالمد: يزيد وأبو عمرو ﴿ أن تبويا ﴾ بالياء: الخراز وحمزة في الوقف وإن شاء لين الهمزة.

الآخرون بالهمز.

﴿ ليضلوا ﴾ بضم الياء: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير المفضل ﴿ ولا تتبعان ﴾ بتخفيف النون: ابن عامر غير الحلواني عن هشام.

﴿ تتبعان ﴾ خفيفة التاء والنون: ابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان، وفي كلتا القراءتين خففت النون ثم كسرت لالتقاء الساكنين تشبيهاً بنون التثينة.

الباقون والحلواني عن هشام ﴿ تتبعان ﴾ بتشديدها في الحالين ﴿ منت أنه ﴾ بكسر الهمزة على الاستئناف بدلاً من ﴿ آمنت ﴾ : حمزة وعلي وخلف.

الآخرون بالفتح.

﴿ ننجيك ﴾ من الإنجاء: سهل ويعقوب وقتيبة.

والآخرون بالتشديد.

الوقوف: ﴿ نبأ نوح ﴾ م لئلا يوهم أن "إذ" ظرف لقوله: ﴿ اتل ﴾ بل التقدير: واذكر إذ قال.

﴿ ولا تنظرون ﴾ ه ﴿ من أجر ﴾ ط ﴿ على الله ﴾ ج لأن التقدير وقد أمرت ﴿ من المسلمين ﴾ ه ﴿ بآياتنا ﴾ ج للفاء ولأن أمر النظر للعبرة يقتضي التثبيت للتدبر ﴿ المنذرين ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ المعتدين ﴾ ه ﴿ مجرمين ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ لما جاءكم ﴾ ط بناء على أن التقدير أتقولون للحق لما جاءكم هو سحر والاستفهام في قوله: ﴿ أسحر ﴾ يستحق الابتداء وسيجيء له مزيد بيان ﴿ هذا ﴾ ط للفصل بين الأخبار والاستخبار ﴿ الساحرون ﴾ ه ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ بمؤمنين ﴾ ه ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ ملقون ﴾ ه ﴿ ما جئتم به ﴾ ط لمن قرأ ﴿ آلسحر ﴾ مستفهماً ﴿ السحر ﴾ ط ﴿ سيبطله ﴾ ط ﴿ المفسدين ﴾ ه ﴿ المجرمون ﴾ ه ﴿ أن يفتنهم ﴾ ط ﴿ في الأرض ﴾ ج لاتصال الكلام ﴿ المسرفين ﴾ ه ﴿ مسلمين ﴾ ه ﴿ توكلنا ﴾ ج للعدول مع اتحاد القائل ﴿ الظالمين ﴾ ه لا للعطف.

﴿ الكافرين ﴾ ه ج ﴿ وأقيموا الصلاة ﴾ ط لأن قوله ﴿ وبشر ﴾ خطاب لمحمد  وإن أريد به موسى فلا بد من العدول ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ لا لتعلق قوله: ﴿ ليضلوا ﴾ بقوله: ﴿ آتيت ﴾ و ﴿ وربنا ﴾ تكرار للأول لأجل التضرع.

﴿ عن سبيلك ﴾ ج لابتداء النداء مع اتحاد القائل ﴿ الأليم ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ وعدواً ﴾ ط ﴿ الغرق ﴾ لا لأن قال جواب "إذا" ﴿ المسلمين ﴾ ه ﴿ المفسدين ﴾ ه ﴿ آية ﴾ ط ﴿ لغافلون ﴾ ه.

التفسير: لما بالغ في تقرير الدلائل والبينات والجواب عن الشبهات شرع في قصص الأنبياء المتقدمين، لأن نقل الكلام من أسلوب إلى أسلوب أقرب إلى انشراح الصدور ودفع الملال مع أن في ذكرها تسلية للرسول وعبرة للمعتبر إلى غير ذلك من الفوائد التي سبق ذكرها في "الأعراف".

ومعنى كبر ثقل وشق كقوله: ﴿ وإنها لكبيرة  ﴾ وفي مقامي وجوه منها: أنه زيادة كقولك: فعلت كذا لمكان فلان أي لأجله، وكقوله تعالى: ﴿ ولمن خاف مقام ربه  ﴾ أي ربه ومثله قولهم: فلان ثقيل الظل.

ومنها أن يراد به المكث أي شق عليكم مكثي بين أظهركم مدداً طوالاً ألف سنة إلا خمسين عاماً، ولا شك أن من ألف طريقة ويدعى إلى خلافها ولا سيما إذا تكرر الدعاء كان ذلك موجباً للتنفر والثقل، وخاصة إذا كانت تلك الطريقة مقتضاة النفس والطبيعة الداعيتين إلى اللذات العاجلة.

ومنها أن يكون المقام بمعنى القيام لأنهم كانوا يقومون على أرجلهم في الوعظ والتذكير ليكون مكانهم بيناً وكلامهم مسموعاً كما يحكى عن عيسى  أنه كان يعظ الحواريين قائماً وهم قعود.

وجواب الشرط إما قوله: ﴿ فعلى الله توكلت ﴾ أي إن شدة بغضكم لي تحملكم على الإقدام على إيذائي وأنا لا أقابل ذلك الشر بالتوكل على الله فإن ذلك هجيراي قديماً وحديثاً وإما قوله: ﴿ فأجمعوا ﴾ وقوله: ﴿ فعلى الله توكلت ﴾ اعتراض كقولك: إن كنت أنكرت عليّ شيئاً فالله حسبي فاعمل ما تريد.

ولا يحسن أن يقال: إن الفاء الثانية عاطفة للاختلاف طلباً وخبراً، ومعنى ﴿ فأجمعوا أمركم ﴾ اعزموا عليه من أجمع الأمر إذا نواه وعزم عليه قاله الفراء.

وقال أبو الهيثم: أجمع أمره أي جعله جميعاً بعدما كان متفرقاً وتفرقه أنه يقول مرة أفعل كذا ومرة أفعل كذا، فلما عزم على أمر واحد فقد جمعه أي جعله جميعاً.

فهذا هو الأصل في الإجماع ثم صار بمعنى العزم حتى وصل بـ "على" فقيل: أجمعت على الأمر أي عزمت عليه والفصيح أجمعت الأمر، والمراد بالأمر وجوه مكرهم وكيدهم.

وانتصب ﴿ شركاءكم ﴾ على المفعول معه أي مع شركائكم.

ومن قرأ بالرفع جعله عطفاً على الضمير المتصل، وإنما يحسن ذلك من غير تأكيد بالمنفصل للفصل.

والمراد بالشركاء إما من هم على مثل قولهم ودينهم، وإما الأصنام.

وحسن إسناد الإجماع إليهم على وجه التهكم كقوله: ﴿ قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون  ﴾ واعلم أنه  قال في أول الأمر ﴿ فعلى الله توكلت ﴾ ليدل على أنه واثق بوعد الله جازم بأن تهديدهم إياه بالقتل لا يضره، ثم أورد عليهم ما يدل على صحة دعواه فقال: ﴿ فأجمعوا أمركم ﴾ كأنه قال: حصلوا كل ما تقدرون عليه من الأسباب المؤدية الى مطلوبكم غير مقتصرين على ذلك بل ضامين إلى أنفسكم شركاءكم الذين تزعمون أن حالكم يقوى بمكانهم.

ثم ضم إلى ذلك قيداً آخر فقال: ﴿ ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ﴾ قال أبو الهيثم: أي مبهماً من قولهم غم علينا الهلال فهو مغموم أي التبس.

وقال الليث: لقي غمة من أمره إذا لم يهتد له.

وقال الزجاج: أي ليكن أمركم الذي أجمعتموه ظاهراً منكشفاً أي تجاهرونني بالإهلاك.

ويحتمل أن يراد بهذا الأمر العيش والحال أي أهلكوني لئلا يكون عيشكم بسببي غصة وحالكم عليكم غمة أي غماً وهماً والغم والغمة كالكرب والكربة.

ثم زاد قيداً آخر فقال: ﴿ ثم اقضوا إليّ ﴾ ذلك الأمر الذي تريدون بي أي أدوا إليّ قطعه واحكموا بصحته وإمضائه.

وعن القفال أن فيه تضميناً والمعنى ألقوا إليّ ما استقر عليه رأيكم محكماً مفروغاً منه.

ثم ختم الكلام بقوله: ﴿ ولا تنظرون ﴾ أي عجلوا ذلك بأشد ما تقدرون عليه من غير إهمال، ومعلوم أن مثل هذا الكلام لا يصدر إلا عمن بلغ في التوكل الغاية القصوى.

ثم بين أن كل ما أتى به فإن ذلك فارغ من الطمع الدنيوي والغرض الخسيس فقال: ﴿ فإن توليتم ﴾ أعرضتم عن نصحي وتذكيري ﴿ فما سألتكم من أجر ﴾ فما كان عندي ما ينفركم عني وتتهمونني لأجله من طمع أو غرض عاجل ﴿ إن أجري ﴾ ليس أجري ﴿ إلا على الله ﴾ أي ما نصحتكم إلا لوجهه ولا يثيبني إلا هو.

وفي الآية نكتة كأنه أراد أنه لا يخاف منهم بوجه من الوجوه لا بإيصال الشر وذلك قوله: ﴿ فعلى الله توكلت ﴾ إلى آخره.

ولا بانقطاع الخير منهم وذلك قوله: ﴿ فإن توليتم ﴾ الآية.

﴿ وأمرت أن أكون من المسلمين ﴾ أي سواء قبلتم دين الإسلام أو لم تقبلوه فأنا مأمور بأن أكون على دين الإسلام، أو مأمور بالاستسلام لكل ما ألقى من قبل هذه الدعوة.

﴿ فكذبوه ﴾ بقوا على تكذيبهم إلى آخر المدة المتطاولة.

﴿ فنجيناه ومن معه في الفلك ﴾ قد ذكرنا في "الأعراف" الفرق بين هذه العبارة وبين ما هنالك ﴿ وجعلناهم خلائف ﴾ يخلفون الهالكين بالطوفان ﴿ فانظر كيف كان عاقبة المنذرين ﴾ تعظيم لشأن إهلاكهم وتحذير لغيرهم وتسلية للنبي  ﴿ ثم بعثنا من بعده ﴾ من بعد نوح ﴿ رسلاً ﴾ كهود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب ﴿ فجاؤوهم بالبينات ﴾ بالحجج الواضحات والمعجزات الباهرات ﴿ فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل ﴾ الآية وقد مر تفسيرها في أواسط الأعراف إلا أنه زيد ههنا لفظة "به" فقيل: لتناسب ما قبله وهو ﴿ كذبوا بآياتنا ﴾ وكذلك في "الأعراف" راعى المناسبة لأن ما قبله ﴿ ولكن كذبوا  ﴾ بغير الباء ﴿ ثم بعثنا من بعدهم ﴾ بعد الرسل أو الأمم ﴿ بآياتنا ﴾ يعني الآيات التسع ﴿ فاستكبروا ﴾ عن قبولها ﴿ وكانوا قوماً مجرمين ﴾ كفاراً ذوي آثام ولذلك اجترأوا على رد الآيات.

أما قوله: ﴿ أسحر هذا ﴾ فليس بمقول لقوله: ﴿ أتقولون ﴾ لأنهم قطعوا في قوله: ﴿ إن هذا لسحر مبين ﴾ بأنه سحر، وما استفهموا ولكن الوجه فيه أن يقال: إن القول ههنا بمعنى الطعن والعيب كالذكر في قوله: ﴿ سمعنا فتى يذكرهم  ﴾ ومنه قولهم: فلان يخاف القالة أي مطاعن الناس فكأنه قال: أتعيبون الحق وتطعنون فيه؟

ثم أنكر عليهم قولهم فقال: ﴿ أسحر هذا ﴾ أو يقال: مفعول تقولون محذوف وهو قولهم ﴿ إن هذا لسحر مبين ﴾ أو يقال: جملة قوله ﴿ أسحر هذا ﴾ ﴿ ولا يفلح الساحرون ﴾ حكاية لكلامهم كأنهم قالوا منكرين لما جاءا به أجئتما بالسحر تطلبان به الفلاح ولا يفلح السحرة، لأن حاصل صنيعهم تخييل وتمويه ﴿ قالوا أجئتنا لتلفتنا ﴾ التركيب يدل على الالتواء ومنه الفتل والالتفات "افتعال" من اللفت وهو الصرف واللي ﴿ وتكون لكما الكبرياء في الأرض ﴾ أي الملك والعز في أرض مصر.

قال الزجاج: سمى الملك كبرياء لأنه أكبر ما يطلب من أمر الدنيا.

وأيضاً فالنبي  إذا اعترف القوم بصدقه صارت مقاليد أمر أمته إليه وصار أكبر القوم.

وقيل: لأن الملوك موصوفون بالكبر والحاصل أنهم عللوا عدم قبولهم دعوة موسى بأمرين: التمسك بالتقليد وهو عبادة آبائهم الأصنام، والحرص في طلب الدنيا والجد في بقاء الرياسة.

ويجوز أن يقصدوا ذمهما وأنهما إن ملكا أرض مصر تجبرا وتكبرا.

ثم صرحوا بالتكذيب قائلين ﴿ وما نحن لكما بمؤمنين ﴾ ثم حاولوا المعارضة وقد مرت تلك القصة في "الأعراف".

أما قوله: ﴿ ما جئتم به ﴾ فمعناه الذي جئتم به هو السحر لا الذي سماه فرعون وقومه سحراً من آيات الله.

قال الفراء: وإنما قال السحر بالألف واللام لأنه جواب الكلام الذي سبق كأنهم قالوا لموسى ما جئت به سحر.

فقال موسى: بل ما جئتم به السحر.

فوجب دخول الألف واللام لأن النكرة إذا عادت عادت معرفة.

يقول الرجل لغيره: لقيت رجلاً.

فيقول له: من الرجل؟

ولو قال: من رجل؟

لم يقع في وهمه أنه يسأل عن الرجل الذي ذكره.

ومن قرأ ﴿ آلسحر ﴾ بالاستفهام فما استفهامية مبتدأ و ﴿ جئتم به ﴾ خبره كأنه قيل أي شيء جئتم به.

ثم قال على وجه التوبيخ السحر أي أهو لسحر أو آلسحر جئتم به ﴿ إن الله سيبطله ﴾ بإظهار المعجزة عليه ﴿ إن الله لا يصلح عمل المفسدين ﴾ لا يؤيده بجميل الخاتمة ﴿ ويحق الله الحق ﴾ يثبته ﴿ بكلماته ﴾ بمواعيده أو بما سبق من قضائه أو بأوامره ﴿ فما آمن لموسى ﴾ أي في أول أمره ﴿ إلا ذريّة من قومه ﴾ قال ابن عباس: لفظة الذرية يعبر بها عن القوم على وجه التحقير، ولا ريب أن المراد ههنا ليس هو الإهانة، فالمراد التصغير بمعنى قلة العدد.

وقيل: المراد أولاد من أولاد قومه كأنه دعا الآباء فلم يجيبوه خوفاً من فرعون، وأجابته طائفة من أبنائهم مع الخوف من فرعون أن يصرفهم عن دينهم بتسليط أنواع البلاء عليهم.

وقيل: إن الذرية أقوام كان آباؤهم من قوم فرعون وأمهاتهم من بني إسرائيل.

وقيل: الذرية مؤمن آل فرعون وآسية امرأته وخازنه وامرأة خازنه وماشطته، فالضمير في ﴿ قومه ﴾ على هذا لفرعون وعوده إلى موسى أظهر لأنه أقرب المذكورين، ولما نقل أن الذين آمنوا به كانوا من بني إسرائيل والضمير في ﴿ ملئهم ﴾ إما لفرعون على جهة التعظيم لأنه ذو أصحاب يأتمرون له، أو المراد آل فرعون بحذف المضاف، أو للذرية يعني أشراف بني إسرائيل لأنهم كانوا يمنعون أعقابهم خوفاً من فرعون عليهم وعلى أنفسهم يدل على ذلك قوله: ﴿ أن يفتنهم ﴾ أي يعذبهم فرعون.

ثم أكد أسباب الخوف بقوله: ﴿ وإن فرعون لعال ﴾ لغالب ﴿ في الأرض ﴾ أرض مصر ﴿ وإنه لمن المسرفين ﴾ في القتل والتعذيب أو لمن المجاوزين الحد لأنه من أخس العبيد فادعى الربوبية العليا ﴿ وقال موسى ﴾ تثبيتاً لقومه ﴿ إن كنتم آمنتم بالله ﴾ صدقتم به وبآياته ﴿ فعليه توكلوا ﴾ خصوه بتفويض أموركم إليه ﴿ إن كنتم مسلمين ﴾ قال لعلماء: المؤخر في مثل هذه السورة مقدم في المعنى نظيره: إن ضربك زيد فاضربه إن كانت بك قوة.

والمراد إن كانت بك قوة فإن ضربك زيد فاضربه فكأنه قيل لهم في حال إسلامهم إن كنتم منقادين لتكاليف ربكم بالإخلاص مصدقين له بالتحقيق عارفين بأنه واجب الوجود لذاته وما سواه محدث مخلوق مقهور تحت حكمه وتدبيره، ففوضوا جميع أموركم إليه وحده.

﴿ فقالوا ﴾ مؤتمرين لموسى ﴿ على الله توكلنا ﴾ ثم اشتغلوا بالدعاء قائلين ﴿ ربنا لا تجعلنا فتنة ﴾ أي موضع فتنة لهم.

والمراد بالفتنة تعذيبهم أو صرفهم عن دينهم، أو المراد لا تفتن بنا فرعون وقومه لأنك لو سلطتهم علينا صار ذلك شبهة لهم في أنا لسنا على الحق.

ويجوز أن تكون الفتنة بمعنى المفتون أي لا تجعلنا مفتونين بأن تمكنهم من صرفنا عن الدين الحق، ولما قدموا التضرع إلى الله في أن يصون دينهم عن الفساد أتبعوه سؤال عصمة أنفسهم فقال: ﴿ ونجنا ﴾ الآية.

وفي ذلك دليل على أن عنايتهم بمصالح الدين فوق اهتمامهم بمصالح النفس، وهكذا يجب أن تكون عقيدة كل مسلم والله الموفق.

﴿ وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوآ لقومكما بمصر بيوتاً ﴾ تبوّأ بالمكان اتخذه مباءة ومرجعاً مثل توطنه إذا اتخذه وطناً.

واختلف المفسرون في البيوت فمنهم من ذهب إلى أنها المساجد كقوله: ﴿ في بيوت أذن الله أن ترفع  ﴾ فالمراد من قوله: ﴿ واجعلوا بيوتكم قبلة ﴾ أن يجعل تلك البيوت مساجد متوجهة نحو القبلة وهي جهة بيت المقدس أو الكعبة على ما نقل عن ابن عباس: وقال الحسن: الكعبة قبلة كل الأنبياء: وإنما وقع العدول عنه بأمر الله  في أيام نبينا  بعد الهجرة.

ومنهم من قال: إنها مطلق البيوت.

ثم قيل: المراد واجعلوا دوركم قبلة أي صلوا في بيوتكم.

وقيل: المراد اجعلوا بيوتكم متقابلة، أما السبب في اتخاذ هذه البيوت فأن يصلوا في بيوتهم خفية خيفة من الكفرة كما كان المؤمنون على ذلك في أول الإسلامبمكة، أو المقصود الجمعية واعتضاد البعض بالبعض.

وقيل: على التفسير الأول لما أظهر فرعون العداوة الشديدة أمر الله موسى وهارون وقومهما باتخاذ المساجد على رغم الأعداء وتكفل أن يصونهم عن شرهم.

وإنما ثنى الخطاب أوّلاً ثم جمع لأن اختيار المكان للعبادة مما يفوض إلى الأنبياء فخوطب موسى وهارون بذلك، ثم جعل الخطاب عاماً لهما ولقومهما لأن استقبال القبلة وإقامة الصلاة واجب على الجمهور.

ثم خص موسى  بالتبشير في قوله: ﴿ وبشر المؤمنين ﴾ لأن الغرض الأصلي من جميع العبادات هو هذه البشارة فلم تكن لائقة إلا بحال موسى الذي هو الأصل في الرسالة، وفيه تعظيم لشأن البشارة والمبشر (قال الضعيف مؤلف الكتاب) قد سنح في خاطري وقت هذه الكتابة أن الخطاب في قوله: ﴿ وبشر المؤمنين ﴾ لنبينا  على طريقة الالتفات والاعتراض.

ومضمون البشارة أنه جعلت الأرض كلها لهذه الأمة مسجداً وطهوراً دون سائر الأمم فإنهم أمروا باتخاذ موضع يرجعون إليه ألبتة للعبادة والله أعلم بمراده.

ثم إن موسى  لما بالغ في إظهار المعجزات القاهرة، ورأى القوم مصرين على الجحود والإنكار أخذ يدعو عليهم، ومن حق من يدعو على الغير أن يذكر أوّلاً سبب الدعاء عليه فلهذا ﴿ قال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالاً ﴾ فالزينة عبارة عن الصحة والجمال واللباس والدواب وأثاث البيت والأموال ما يزيد على ذلك من الصامت والناطق.

عن ابن عباس كانت لهم من فسطاط مصر إلى أرض الحبشة جبال فيها معادن من ذهب وفضة.

قالت الأشاعرة: اللام في قوله: ﴿ ليضلوا ﴾ لام التعليل كأن موسى  قال: يا رب إنك أعطيتهم هذه الزينة والأموال لأجل أن يضلوا، ففيه دلالة على أنه  تسبب لضلالهم وأراد منهم ذلك وإلا لم يهيىء أسبابه.

ثم شرع في الدعاء عليهم بالطمس على أموالهم.

والطمس المحو أو المسخ كما مر في سورة النساء في قوله  : ﴿ من قبل أن نطمس وجوهاً  ﴾ وبالشد على قلوبهم ومعناه الاستيثاق والختم.

وقالت المعتزلة: قوله ﴿ ليضلوا ﴾ دعاء بلفظ الأمر للغائب، دعا عليهم بثلاثة أمور: بالضلال وبالطمس وبالشد.

كأنه لما علم بالتجربة وطول الصحبة أن إيمانهم كالمحال أو علم ذلك بالوحي اشتد غضبه عليهم فدعا الله عليهم بما علم أنه لا يكون غيره قائلاً ليثبتوا على ما هم عليه من الضلال وليطبع الله على قلوبهم كما يقول الأب المشفق لولده إذا لم يقبل نصحه واستمر على غيه.

سلمنا أن قوله: ﴿ ليضلوا ﴾ ليس دعاء عليهم لكن اللام فيه للعاقبة كقوله: "لدوا للموت".

سلمنا أن اللام للتعليل لكنهم جعلوا الله سبباً في الضلال فكأنهم أوتوها ليضلوا.

ولم لا يجوز أن يكون "لا" مقدرة أي لئلا يضلوا كقوله: ﴿ يبين الله لكم أن تضلوا  ﴾ أي أن لا تضلوا، أو يكون حرف الاستفهام مقدراً في آتيت على سبيل التعجب.

أما قوله  : ﴿ فلا يؤمنوا ﴾ فإما أن يكون معطوفاً على قوله: ﴿ ليضلوا ﴾ على التفاسير كلها وما بينهما اعتراض، وإما أن يكون جواباً لقوله ﴿ واشدد ﴾ ويجوز أن يكون دعاء بلفظ النهي معطوفاً على ﴿ اشدد ﴾ .

﴿ قال قد أجيبت دعوتكما ﴾ أضاف الدعوة إليهما لأن موسى كان يدعو وهارون يؤمن، ويجوز أن يكونا جميعاً يدعوان إلا أنه خص موسى بالذكر في الآية لأصالته في الرسالة، والمعنى أن دعاءكما مستجاب وما طلبتما كائن ولكن في وقته ﴿ فاستقيما ﴾ فاثبتا على ما أنتما عليه من التبليغ والإنذار زيادة في إلزام الحجة، ولا تستعجلا فقد لبث نوح في قومه ألف سنة إلا قليلا.

قال ابن جريج: فمكث موسى بعد الدعاء أربعين سنة يدعوهم إلى الله ﴿ ولا تتبعانّ سبيل الذين لا يعلمون ﴾ أن الاستعجال لا يفيد في إجابة الدعاء فقد يستجاب الدعاء ولكن يظهر الأثر بعد حين.

﴿ وجاوزنا ببني إسرائيل البحر ﴾ قد مرت تلك القصة في أوائل سورة البقرة في قوله: ﴿ وإذ فرقنا بكم البحر  ﴾ الآية، ومعنى قوله: ﴿ فأتبعهم ﴾ لحقهم.

يقال: تبعه حتى أتبعه، والبغي الإفراط في الظلم والعدو ومجاوزة الحد وفي الآية سؤال وهو أن فرعون تاب ثلاثة مرات إحداها قوله: ﴿ آمنت ﴾ وثانيتها ﴿ أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل ﴾ وثالثتها ﴿ وأنا من المسلمين ﴾ فلم تقبل توبته.

والجواب من وجوه: الأول أنه إيمان اليائس وأنه لا يقبل لأن الإلجاء ينافي التكليف.

الثاني أنها لم تكن مقرونة بالإخلاص وإنما كانت لدفع البلية الحاضرة والمحنة الناجزة.

الثالث أن ذلك التوحيد كان مبنياً على محض التقليد والمخذول كان من الدهرية المنكرين لوجود الصانع، ومثل هذا الاعتقاد الفاحش لا تزول ظلمته إلا بنور الحجة القطعية.

الرابع ما روي أن بعض بني إسرائيل لما جاوز البحر اشتغلوا بعبادة العجل فلعله أراد الإيمان بذلك العجل الذي آمنوا بعبادته في ذلك الوقت، وكانت هذه الكلمة سبباً لزيادة الكفر.

الخامس أن أكثر اليهود يميلون إلى التجسيم والتشبيه ولذلك عبدوا العجل فكأنه ما آمن إلا بالإله الموصوف بالجسمية والحلول والنزول.

السادس لعل الإيمان إنما يتم بالإقرار بوحدانية الله  وبنبوة موسى كما أنه لو قيل ألف مرة لاإله إلا الله لم يصح إيمان إلا إذا قرن به محمد رسول الله إلى الناس كافة.

السابع يروى أن جبريل  أتى فرعون بفتيا ما قول الأمير في عبد نشأ في مال مولاه ونعمته فكفر نعمته وجحد حقه وادعى السيادة دونه؟

فكتب فرعون فيه يقول أبو العباس الوليد بن مصعب: جزاء العبد الخارج على سيده الكافر نعمته أن يغرق في البحر، ثم إن فرعون لما غرق دفع جبريل إليه خطه فعرفه.

أما قوله ﴿ آلآن ﴾ فالمشهور من الأخبار أنه قول جبريل.

وقيل: إنه قول الله  والتقدير: أتؤمن الساعة في وقت الاضطرار حين ألجمك الغرق وأدركك.

وقوله: ﴿ وكنت من المفسدين ﴾ في مقابلة قوله: ﴿ وأنا من المسلمين ﴾ يروى أن جبريل أخذ يملأ فاه بالطين حين قال: ﴿ آمنت ﴾ لئلا يتوب غضباَ عليه، والأقرب عند العلماء أن هذا الخبر غير صحيح لأنه إن قال ذلك حين بقاء التكليف لم يجز على جبريل أن يمنعه من التوبة بل يجب أن يحثه عليها أو على كل طاعة لقوله  : ﴿ وتعاونوا  ﴾ ولو منعه لكانت التوبة ممكنة لأن الأخرس قد يتوب بأن يعزم بقلبه على ترك المعاودة إلى القبيح، ولو منعه من التوبة لكان قد رضي ببقائه على الكفر والرضا بالكفر كفر.

وكيف يليق به  أن يقول لموسى وهارون ﴿ فقولا له قولاً ليناً  ﴾ ثم يأمر جبريل بمنعه عن الإيمان.

ولو قيل إن جبريل فعل ذلك من تلقاء نفسه كان منافياً لقوله: ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك  ﴾ ﴿ لا يسبقونه بالقول  ﴾ وإن كان قال ذلك بعد زوال التكليف فلم يكن لما فعل جبريل فائدة اللهم إلا أن يقال: إنه دس حال البحر في فيه في وقت لا ينفعه إيمانه غضباً لله على الكافر.

قوله: ﴿ فاليوم ننجيك ببدنك ﴾ فيه أقوال منها: أن معناه نخرجك من البحر ونخلصك مما وقع فيه قومك من قعر البحر ولكن بعد أن تغرق.

وقوله: ﴿ ببدنك ﴾ في موضع الحال أي في الحال التي لا روح فيك وإنما أنت بدن.

قال كعب: رماه الماء إلى الساحل كأنه ثور، أو المراد ببدنك كاملاً سوياً لم ينقص منه شيء ولم يتغير، أو عرياناً لست إلا بدناً وفيه نوع تهكم كأنه قيل: ننجيك لكن هذه النجاة إنما تحصل لبدنك لا لروحك كما يقال: نعتقك أو نخلصك من السجن ولكن بعد أن تموت.

وقيل: ننجيك ببدنك أي نلقيك بنجوة من الأرض وهي المكان المرتفع.

وقيل: ببدنك أي بدرعك.

قال الليث: البدن الدرع القصير الكمين.

عن ابن عباس قال: كان عليه درع من ذهب يعرف بها فأخرجه الله من الماء مع ذلك الدرع ليعرف، فإن صحت هذه الرواية كانت معجزة لموسى  .

وأما قوله: ﴿ لتكون لمن خلفك آية ﴾ فقيل: إن قوماً اعتقدوا في إلهيته وزعموا أن مثله لا يموت فأظهر الله  أمره بأن أخرجه من الماء بصورته حتى يشاهدوه.

وزالت الشبهة عن قلوبهم وكانت مطروحة على ممر من بني إسرائيل فلهذا قيل: ﴿ لمن خلفك ﴾ وقيل: إنه  أراد أن يشاهده الخلق على ذلك الذل والإهانة بعد ما سمعوا منه قوله: ﴿ أنا ربكم الأعلى  ﴾ ليكون ذلك زجراً للعابرين عن مثل طريقته، ويعرفوا أنه كان بالأمس في نهاية الجلالة ثم آل أمره إلى ما آل، فلا يجترأوا على نحو ما اجترأ عليه.

وقيل: المراد ليكون طرحك بالساحل وحدك دون المغرقين آية من آيات الله للأمم الآتية، ثم زجر هذه الأمة عن ترك النظر في الدلائل وحثهم على التأمل والاعتبار فقال ﴿ وإن كثيراً من الناس عن آياتنا لغافلون ﴾ .

التأويل: ﴿ واتل عليهم نبأ نوح ﴾ الروح ﴿ إذ قال لقومه ﴾ وهم القلب والسمع والنفس وصفاتها ﴿ يا قوم إن كان ﴾ عظم ﴿ عليكم مقامي ﴾ في الأخلاق الحميدة الروحانية ودعائي إلى الله ببراهينه الواضحة ﴿ فما سألتكم من أجر ﴾ من حظ من حظوظ مشاربكم الدنيوية ما حظي إلا من مواهب الله وشهود جماله.

و ﴿ جعلناهم خلائف ﴾ خلفاء الله في أرضه وباقي التأويل كما مر في "الأعراف".

وهكذا في قصة موسى ﴿ ولا يفلح الساحرون ﴾ لأن الفلاح هو الخلاص عن قيد الوجود المجازي.

﴿ ويحق الله الحق ﴾ أي الذكر ﴿ بكلماته ﴾ وهي لا إله إلا الله ﴿ ولو كره ﴾ أهل الهوى والنفوس الأمارة ﴿ فما آمن لموسى ﴾ القلب إلا صفاته أو بعض صفات فرعون النفس بتبديل أخلاقها الذميمة بالأخلاق الحميدة القلبية ﴿ على خوف من فرعون ﴾ النفس والهوى والدنيا وشهواتها أن يصرفهم إلى حالها الطبيعية التي جبلت عليها.

﴿ وأوحينا إلى موسى ﴾ القلب وهارون السر أن هيئا لصفاتكما بمصر عالم الروح مقامات ومنازل لا في عالم النفس السفلي.

واجعلوا تلك المقامات متوجهة إلى طلب الحق.

﴿ وأقيموا الصلاة ﴾ أديموا العروج من المقامات الروحانية إلى المواصلات الربانية ﴿ ليضلوا عن سبيلك ﴾ ليكون عاقبة أمرهم أن ينقطعوا أو يقطعوا بتلك الملاذ عن السير في طلبك ﴿ ربنا اطمس على أموالهم ﴾ بمحقها وتحقيرها في نظرهم ﴿ واشدد ﴾ طريق النظر إلى الدنيا وما فيها ﴿ على قلوبهم ﴾ واجعل همتهم عليه في طلبك والنظر إليك فقط ﴿ حتى يروا العذاب الأليم ﴾ فإن النفس وصفاتها لا يؤمنون بالآخرة وطلب الحق حتى يذيقهم ألم الفطام عن الدنيا ومشتهياتها.

﴿ سبيل الذين لا يعلمون ﴾ طريق الوصول إلى الله ولا يعرفون قدره ﴿ وجاوزنا ببنى إسرائيل ﴾ هم القلب والسر وصفاتها.

والبحر بحر الروحانية الملكوتية ﴿ فأتبعهم فرعون ﴾ النفس وصفاتها بعد الفطام عن شوائب عالم الملك قهراً وقسراً، حتى إذا هبت رياح اللطف وتموجت بحار الفضل واستغرق موسى القلب وصفاته في لجي بحر الوصال، وبلغت أفواج أمواجه إلى ساحل البشرية، أدرك فرعون النفس الغرق فاستمسك بعروة ذلك الفريق: ﴿ آمنت ﴾ ومن أمارات أجنبية فرعون النفس من عالم الروح أنه لم يتمسك بحبل التوحيد والمعرفة بيد الصدق والاستقلال، ولم يقل آمنت بالله الذي لا إله إلا هو وإنما تمسك بين الاضطراب والتقليد فقال: ﴿ لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل ﴾ ﴿ ننجيك ببدنك ﴾ أي نخلصك مع قالبك من بحر الضلالة لتكون دليلاً على كمال قدرتنا وعنايتنا.

وإن من اتبع خواص عبادنا نجعله من أهل النجاة والدرجات بعد أن كان من أهل الهلاك والدركات والله حسبنا.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِمْ ﴾ أي: من بعد من ذكرنا من الرسل.

﴿ مُّوسَىٰ وَهَـٰرُونَ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ ﴾ : بعثهما إلى الملأ وغير الملأ.

﴿ بِآيَـٰتِنَا ﴾ : يحتمل الوجوه التي ذكرنا.

﴿ فَٱسْتَكْبَرُواْ ﴾ : هذا يدل أنهم قد عرفوا أن ما جاءهم الرسول من الآيات أنها آيات، لكنهم عاندوا وكابروا ولم يخضعوا في قبولها وكانوا قوماً مجرمين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوۤاْ إِنَّ هَـٰذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ .

قال بعضهم: قوله: ﴿ فَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ مِنْ عِندِنَا ﴾ أي: الحجج والآيات من عندنا، ﴿ قَالُوۤاْ إِنَّ هَـٰذَا ﴾ يعنون الحجج والبراهين التي جاء بها موسى، ﴿ لَسِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ يسمون الحجج والبراهين سحراً لما أن السحر عندهم باطل، لذلك قالوا للحجج إنها سحر، وذلك تمويه منهم يموهون على الناس لئلا يظهر الحق عندهم فيتبعونه.

وقال بعضهم: الحق هو الإسلام والدين؛ كقوله: ﴿ إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ  ﴾ .

﴿ قَالُوۤاْ إِنَّ هَـٰذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ يعنون الحجج والآيات التي جاءهم بها للدين لأنه جاءهم بالدين، وجاءهم أيضاً بحجج الدين وآياته، قالوا: الحجج: الدين، والإسلام: سحر، ففي التأويلين جميعاً سموا الحجج سحراً.

وقوله: ﴿ جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ مِنْ عِندِنَا ﴾ أي: بأمرنا، وكذلك قوله: ﴿ إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ  ﴾ أي: الإسلام هو الدين [الذي] أمر الله به، لا أنه يفهم للـ (عند) مكان ينتقل من مكان إلى مكان، ولكن معنى الـ (عند) معنى الأمر، وعلى هذا يخرج قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ  ﴾ يعني الملائكة ﴿ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ  ﴾ أي: [إن] الذين بأمر ربّك يعبدونه لا يستكبرون عن عبادته لما أنه لم يفهم من مجيء الحق من عنده مكان، فعلى ذلك لا يجوز أن يفهم من قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ  ﴾ المكان أو قرب المكان منه، ولكن التأويل ما ذكرنا أن المفهوم من عند الله أمره، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ مُوسَىٰ أَتقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَكُمْ أَسِحْرٌ هَـٰذَا ﴾ : والحق ما ذكرنا.

﴿ وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُونَ ﴾ : الإفلاح هو الظفر بالحاجة، يقول: ﴿ وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُونَ ﴾ أي: لا [يظفر الساحر] بالحاجة ولا يغلب؛ لأن السحر باطل ولا يغلب الباطل الحق، بل الحق هو الغالب.

والسحر هو المغلوب على ما غلب الحق الذي جاء به موسى السحر الذي جاء سحرة فرعون.

أو يقول: لا يفلح الساحرون في الآخرة بسحرهم في الدنيا.

ويحتمل قوله: ﴿ وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُونَ ﴾ بسحرهم في حال سحرهم؛ كقوله: ﴿ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ  ﴾ ، و ﴿ لاَ يُفْلِحُ ٱلْكَافِرُونَ ﴾ \[المؤمنون: 117\] أي: لا يفلحون بظلمهم في حال ظلمهم، وأما إذا تركوا الظلم فقد أفلحوا، فعلى ذلك السحرة إذ تركوا السحر فقد أفلحوا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا ﴾ قيل: لتصرفنا وتصدنا.

قال القتبي: لفت فلانا عن كذا إذا صرفته، والالتفات منه وهو الانصراف.

وقال أبو عوسجة: ﴿ لِتَلْفِتَنَا ﴾ أي: تردنا وتصرفنا على ما ذكر القتبي، قال: يقال: لفته يلفته لفتا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ﴾ : من عبادة الأصنام والأوثان.

ويحتمل ما وجدنا عليه آباءنا من عبادة فرعون والطاعة له.

﴿ وَتَكُونَ لَكُمَا ٱلْكِبْرِيَآءُ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ قال عامة أهل التأويل: الكبرياء الملك والسلطان والشرف، أي: الملك الذي كان لفرعون والسلطان يكون لكما [باتباع الناس لكما؛ لأن كل متبوع مطاع معظم مشرف ويحتمل ﴿ وَتَكُونَ لَكُمَا ٱلْكِبْرِيَآءُ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ أي: الألوهية التي كان يدعى فرعون لنفسه لكما] لأن عندهم أن كل من أطيع واتبع فقد عبد ونصب إلها.

﴿ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ ﴾ أي: بمصدقين فيما تدعوننا إليه أو ما تدعون من الرسالة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ فِرْعَوْنُ ٱئْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ ﴾ هذا من فرعون ينقض ما ادعى من الألوهية؛ حيث أظهر الحاجة إلى غيره ولا يجوز أن يكون المحتاج إلهاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُّوسَىٰ أَلْقُواْ مَآ أَنتُمْ مُّلْقُونَ * فَلَمَّآ أَلْقَواْ قَالَ مُوسَىٰ مَا جِئْتُمْ بِهِ ٱلسِّحْرُ إِنَّ ٱللَّهَ سَيُبْطِلُهُ ﴾ أي: سيبطل عمل السحر الذي قصدوا به، أي: يجعله مغلوباً؛ كقوله: ﴿ وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُونَ ﴾ أي: لا يغلب الساحرون ولا يظفرون بالحاجة.

﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ ٱلْمُفْسِدِينَ ﴾ أي: لا يصلح ما أفسدوا من أعمالهم فيجعلهم صالحين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ ٱلْمُفْسِدِينَ ﴾ : هو ما ذكرنا، أي: لا يجعلهم بأعمالهم الفاسدة صالحين، أو لا يجعل أعمالهم الفاسدة صالحة.

وقال بعضهم: ﴿ لاَ يُصْلِحُ ﴾ أي: لا يرضي بعمل المفسدين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُحِقُّ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ ﴾ : ذكر أن يحق الحق والحق حق وإن لم يحق الحق، وكذلك ذكر في الباطل ليبطل الباطل والباطل باطل وإن لم يبطل، ولكن يحتمل قوله: ﴿ وَيُحِقُّ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ ﴾ ويبطل الباطل، أي: ليجعل الحق في الابتداء حقا فيصير حقا، ويجعل الباطل في الابتداء باطلا، فيكون باطلا أي: بإبطاله الباطل يكون باطلا وبتحقيقه الحق [يكون حقّاً وهو ما يقال: هداه فاهتدى، وأضله فضل، أي: بهدايته اهتدى وبضلاله ضل؛ فعلى ذلك بإبطاله الباطل بطل وبتحقيقه الحق حق]، والله أعلم.

وقوله: ﴿ بِكَلِمَاتِهِ ﴾ يحتمل وجوهاً: يحتمل يحق الحق بكلماته [أي: برسله؛ إذ بالرسل يظهر الحق وبهم يظهر بطلان الباطل وهم حجج الله في الأرض وبالحجج يظهر الحق، وكذلك الباطل.

ويحتمل ما ذكر أهل التأويل بكلماته: آياته التي أنزل عليه، بها ظهر حقيقة ما أتى به موسى وبها ظهر بطلان ما أتى به السحرة من السحر.

ويحتمل كلماته] ما وعد موسى قومه من العذاب الذي وعد [من الظفر بأعدائهم والنصر عليهم وغير ذلك ما وعد من] النعمة لهم؛ كقوله: ﴿ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَآءَ وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً وَآتَاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن ٱلْعَٱلَمِينَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَآ آمَنَ لِمُوسَىٰ إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ مِّن قَوْمِهِ ﴾ من قوم موسى لما قيل: إن موسى كان من أولاد إسرائيل، فهم من ذريته من هذا الوجه، يقال: أهل بيت فلان وإن لم يكن البيت له.

ويحتمل [قوله]: ﴿ إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ ﴾ من قوم فرعون فهو نسب إليه لما ذكرنا.

وقال أهل التأويل: أراد بالذرية القليل منهم، أي: ما آمن منهم إلا القليل، ولكن لا ندري ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَآ آمَنَ لِمُوسَىٰ إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَىٰ خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ ﴾ .

يحتمل: ما آمن من آمن من قومه إلا على خوف من فرعون وملئه أي: آمنوا، أي: وإن خافوا من فرعون وملئه.

ويحتمل ما ترك من قومه الإيمان بموسى من ترك إلا على خوف من فرعون أن يفتنهم أي: يقتلهم ويعذبهم، ففيه دلالة أن الخوف لا يعذر المرء في ترك الإيمان حقيقة، وإن كان يعذر في ترك إظهاره؛ لأن الإيمان هو التصديق والتصديق يكون بالقلب ولا أحد من الخلائق يطلع على ذلك؛ لذلك لم يعذر في ترك إتيانه لأنه يقدر على إسراره، ألا ترى إلى قوله: ﴿ وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ  ﴾ كان مؤمناً فيما بينه وبين ربه وإن لم يظهر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ وهو ما قال - عز وجل -: ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي ٱلأَرْضِ  ﴾ أي: قهر وغلب على أهل الأرض وإنه لمن المسرفين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ مُوسَىٰ يٰقَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِٱللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوۤاْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ ﴾ فيه دلالة أن الإيمان والإسلام واحد في الحقيقة؛ لأنه بدأ بالإيمان بقوله: ﴿ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِٱللَّهِ ﴾ وختم بالإسلام بقوله: ﴿ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ ﴾ دل أنهما واحد هو اعتقاد ترك تضييع كل حق، والإسلام اعتقاد تسليم كل حق وترك تضييعه، والله أعلم.

والإسلام هو جعل كلية الأشياء لله سالمة، والإيمان هو التصديق بكلية الأشياء فيما فيها من الشهادة لله بالربوبية له والألوهية.

وقوله: ﴿ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوۤاْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ ﴾ يحتمل هذا وجهين: يحتمل: أن يكون قال ذلك لما خافوا مواعيد فرعون وعقوباته؛ كقوله للسحرة لما آمنوا: ﴿ لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ...

﴾ الآية [الأعراف: 124]، فقال عند ذلك: ﴿ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوۤاْ ﴾ في دفع ذلك عنكم، فقالوا: ﴿ عَلَىٰ ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ .

قوله: ﴿ لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ يحتمل ما قاله على خوف من فرعون وملئه أن يفتنهم ما قيل أي: يقتلهم ويعذبهم، والله أعلم.

هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أي لا تجعل لهم علينا الظفر والنصر، فيظنون أنهم على هدى وعلى حق ونحن على ضلال وباطل.

والثاني: لا تجعلنا تحت أيدي الظلمة فيعذبونا؛ فيكون ذلك فتنة لنا ومحنة على ما فعل فرعون بالسحرة لما آمنوا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ ﴾ فيه أن قوله: الظالمين والكافرين واحد، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قال موسى مستنكرًا عليهم: أتقولون للحق حين جاءكم: هو سحر؟!

كلا، ما هو بسحر، وإني لأعلم أن السّاحر لا يفلح أبدًا، فكيف لي بتعاطيه؟!

<div class="verse-tafsir" id="91.9wqkO"

مزيد من التفاسير لسورة يونس

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14 / 29.5
الإضاءة 99%
البدر بعد 1 يوم
الله أكبر