الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ٧٧ من سورة يونس
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 8 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٧٧ من سورة يونس من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
( قال ) لهم ( موسى ) منكرا عليهم : ( أتقولون للحق لما جاءكم أسحر هذا ولا يفلح الساحرون )
(قال موسى) ، لهم: ، (أتقولون للحق لما جاءكم) ، من عند الله ، (أسحر هذا) ؟
.
* * * واختلف أهل العربية في سبب دخول ألف الاستفهام في قوله: (أسحر هذا) ؟
فقال بعض نحويي البصرة: أدخلت فيه على الحكاية لقولهم ، لأنهم قالوا: (أسحر هذا)؟
فقال: أتقولون: (أسحر هذا)؟
* * * وقال بعض نحويي الكوفة: إنهم قالوا : " هذا سحر "، ولم يقولوه بالألف، لأن أكثر ما جاء بغير ألف.
قال: فيقال: فلم أدخلت الألف؟
فيقال: قد يجوز أن تكون من قِيلهم وهم يعلمون أنه سحر، كما يقول الرجل للجائزة إذا أتته: أحقٌّ هذا؟
وقد علم أنه حق.
قال: وقد يجوز أن تكون على التعجّب منهم: أسحر هذا؟
ما أعظمه!
(33) * * * قال أبو جعفر: وأولى ذلك في هذا بالصواب عندي أن يكون المفعولُ محذوفًا، ويكون قوله: (أسحر هذا)، من قيل موسى ، منكرًا على فرعون وملئه قولَهم للحق لما جاءهم: " سحر " ، فيكون تأويل الكلام حينئذ: قال موسى لهم: (أتقولون للحق لما جاءكم) ، وهي الآيات التي أتاهم بها من عند الله حجة له على صدقه ، سحرٌ، أسحرٌ هذا الحقّ الذي ترونه؟
فيكون " السحر " الأوّل محذوفًا ، اكتفاءً بدلالة قول موسى (أسحر هذا) ، على أنه مرادٌ في الكلام، كما قال ذو الرمة.
فَلَمَّـا لَبِسْـنَ اللَّيْـلَ , أَوْ حِينَ نَصَّبَت لَـهُ مِـنْ خَـدَا آذَانِهَـا وَهْـوَ جَـانِحُ (34) يريد: أو حين أقبل، ثم حذف اكتفاءً بدلالة الكلام عليه، وكما قال جل ثناؤه: فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ [سورة الإسراء: 7] ، والمعنى: بعثناهم لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ ، فترك ذلك اكتفاء بدلالة الكلام عليه، في أشباه لما ذكرنا كثيرة ، يُتْعب إحصاؤها.
* * * وقوله: (ولا يفلح الساحرون) ، يقول: ولا ينجح الساحرون ولا يَبْقون.
(35) ---------------------- الهوامش : (33) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 474 .
(34) مضى البيت وتخريجه وشرحه فيما سلف 1 : 327 ، تعليق : 2 .
(35) انظر تفسير " الفلاح " فيما سلف ص : 146 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .
قال موسى أتقولون للحق لما جاءكم أسحر هذا قيل : في الكلام حذف ، المعنى : أتقولون للحق هذا سحر .
ف ( أتقولون ) إنكار وقولهم محذوف أي هذا سحر ، ثم استأنف إنكارا آخر من قبله فقال : أسحر هذا!
فحذف قولهم الأول اكتفاء بالثاني من قولهم ، منكرا على فرعون وملئه .
وقال الأخفش : هو من قولهم ، ودخلت الألف حكاية لقولهم ; لأنهم قالوا أسحر هذا .
فقيل لهم : أتقولون للحق لما جاءكم أسحر هذا ; وروي عن الحسن .ولا يفلح الساحرون أي لا يفلح من أتى به .
{قَالَ} لهم {مُوسَى} ـ موبخا لهم عن ردهم الحق، الذي لا يرده إلا أظلم الناس: ـ {أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ} أي: أتقولون إنه سحر مبين. {أَسِحْرٌ هَذَا} أي: فانظروا وصفه وما اشتمل عليه، فبمجرد ذلك يجزم بأنه الحق. {وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ} لا في الدنيا، ولا في الآخرة، فانظروا لمن تكون له العاقبة، ولمن له الفلاح، وعلى يديه النجاح. وقد علموا بعد ذلك وظهر لكل أحد أن موسى عليه السلام هو الذي أفلح، وفاز بظفر الدنيا والآخرة.
( قال موسى أتقولون للحق لما جاءكم أسحر هذا ) تقدير الكلام : أتقولون للحق لما جاءكم سحر ، أسحر هذا ، فحذف السحر الأول اكتفاء بدلالة الكلام عليه .
( ولا يفلح الساحرون ) .
«قال موسى أتقولون للحق لما جاءكم» إنه لسحر «أسحر هذا» وقد أفلح من أتى به وأبطل سحر السحرة «ولا يفلح الساحرون» والاستفهام في الموضعين للإنكار.
قال لهم موسى متعجبًا مِن قولهم: أتقولون للحق لما جاءكم: إنه سحر مبين؟
انظروا وَصْفَ ما جاءكم وما اشتمل عليه تجدوه الحق.
ولا يفلح الساحرون، ولا يفوزون في الدنيا ولا في الآخرة.
ثم حكى القرآن الكريم رد موسى - عليه السلام - على مفترياتهم فقال : ( قَالَ موسى أَتقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَكُمْ أَسِحْرٌ هذا وَلاَ يُفْلِحُ الساحرون ) .وفى الآية الكريمة كلام محذوف دل عليه المقام ، والتقدير :قال موسى لفرعون وملئه منكرا عليهم غرورهم وكذبهم ، ( أَتقُولُونَ لِلْحَقِّ ) الذى هو أبعد ما يكون عن السحر ، حين مشاهدتكم له .يا سبحانن الله!!
أفلا عقل لكم يحجزكم عن هذا القول الذي يدل على الجهالة والغباء ، انظروا وتأملوا ( أَسِحْرٌ هذا ) الذي ترون حقيقته بأعينكم ، وترتجف من عظمته قلوبكم ، والحال أنه ( وَلاَ يُفْلِحُ الساحرون ) فى أى عمل من شأنه أن يهدى إلى الخير والحق .فقد حذفت جملة ( إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ ) لدلالة قوله ( أَسِحْرٌ هذا ) عليه .قال صاحب الكشاف : " فإن قلت : هم قطعوا بقولهم : إن هذا لسحر مبين ، على أنه سحر فكيف قيل لهم أتقولون : أسحر هذا؟قلت : فيه أوجه : أن يكون معنى قوله ( أَتقُولُونَ لِلْحَقِّ ) : أتعيبونه وتطعنون فيه ، وكان عليكم أن تذعنوا له وتعظموه ، من قولهم : فلان يخاف القالة ، وبين الناس تقاول ، إذا قال بعضهم لبعض ما يسوءه .وأن يحذف مفعول أتقولون وهو ما دل عليه قولهم : ( إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ ) كأنه قيل : أتقولون ما تقولون : يعنى قولهم : إن هذا لسحر مبين ، ثم قيل : أسحر هذا؟وأن يكون جملة قوله " أسحر هذا ولا يفلح الساحرون " حكاية لكلامهم ، كأنهم قالوا أجئتما إلينا بالسحر تطلبان به الفلاح ( وَلاَ يُفْلِحُ الساحرون .
.
) .وقال الجمل : " قوله - تعالى - ( قَالَ موسى أَتقُولُونَ .
.
) أى : قال جملا ثلاثة : الأولى : ( أَتقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَكُمْ ) والثانية ( أَسِحْرٌ هذا ) والثالثة ( وَلاَ يُفْلِحُ الساحرون ) .وقوله ( الحق ) أى فى شأنه ولأجله ، وقوله ( لَمَّا جَآءَكُمْ ) أى : حين مجيئه إياكم من أول الأمر من غير تأمل وتدبر ، وهذا مما ينافي القول المذكور .وقوله : ( قَالَ موسى أَتقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَكُمْ ) هنا مقول القول محذوف لدلالة ما قبله عليه ، وإِشارة إلى أنه لا ينبغي أن يتفوه به .وقوله - سبحانه - حكاية عن موسى ( أَسِحْرٌ هذا ) مبتدأ وخبر ، وهو استفهام إنكار مستأنف من جهته - عليه السلام - تكذيبا لقولهم ، وتوبيخا إثر توبيخ ، وتجهيلا بعد تجهيل .وقوله : ( وَلاَ يُفْلِحُ الساحرون ) جملة حالية من ضمير المخاطبين ، وقد جئ بها تأكيدا للإِنكار السابق ، وما فيه من معنى التوبيخ والتجهيل .أى : أتقولون للحق إنه سحر ، والحال أنه لا يفلح فاعله ، أى : لا يظفر بمطلوب ، ولا ينجو من مكروه ، وأنا قد أفلحت ، وفزت بالحجة ، ونجوت من الهلكة .ثم كشف القرآن الكريم عن حقيقة الدوافع التي جعلتهم يصفون الحق بأنه سحر مبين فقال - تعالى - : ( قالوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الكبريآء فِي الأرض وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ ) .واللفت : الصرف واللى يقال : لفته يلفته لفتا ، أى : صرفه عن وجهته إلى ذات اليمين أو الشمال .أى : قال فرعون وملؤه لموسى - عليه السلام - بعد أن جاءهم بالحق المبين : أجئتنا يا موسى بما جئتنا به ( أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ) أى : لتصرفنا عن الدين الذي وجدنا عليه آباءنا ، وتكون لك ولأخيك هارون ( الكبريآء فِي الأرض ) أي السيادة والرياسة والزعامة الدينية والدنيوية في الأرض بصفة عامة ، وفى أرض مصر بصفة خاصة .ثم أكدوا إنكارهم لما جاءهم به موسى - عليه السلام - من الدين الحق فقالوا - كما حكى القرآن عنهم - ( وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ ) أى وما نحن لكما بمصدقين فيما جئتما به ، لأن تصديقنا لكما يخرجنا عن الدين الذى وجدنا عليه آباءنا ، وينزع منا ملكنا الذي تتمتع بكبريائه خاصتنا ، وتعيش تحت سلطانه وقهره عامتنا .