الآية ٩٥ من سورة يونس

الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ٩٥ من سورة يونس

وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ ٩٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 59 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٩٥ من سورة يونس: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٩٥ من سورة يونس عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال قتادة بن دعامة : بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا أشك ولا أسأل " وكذا قال ابن عباس ، وسعيد بن جبير ، والحسن البصري ، وهذا فيه تثبيت للأمة ، وإعلام لهم أن صفة نبيهم صلى الله عليه وسلم موجودة في الكتب المتقدمة التي بأيدي أهل الكتاب ، كما قال تعالى : ( الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ) الآية [ الأعراف : 157 ] .

ثم مع هذا العلم يعرفونه من كتبهم كما يعرفون أبناءهم ، يلبسون ذلك ويحرفونه ويبدلونه ، ولا يؤمنون به مع قيام الحجة عليهم ؛

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (95) قال أبو جعفر: ويقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، ولا تكونن يا محمدُ، من الذين كذَّبوا بحجج الله وأدلته، فتكون ممن غُبن حظه ، وباع رحمةَ الله ورضاه ، بسَخَطه وعقابه.

(37) ------------------ الهوامش : (37) انظر تفسير " الآية " فيما سلف من فهارس اللغة ( أيي ) .

، وتفسير " الخسران فيما سلف من فهارس اللغة ( خسر ) .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين والخطاب في هاتين الآيتين للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد غيره .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ } وحاصل هذا أن الله نهى عن شيئين: الشك في هذا القرآن والامتراء فيه.

وأشد من ذلك، التكذيب به، وهو آيات الله البينات التي لا تقبل التكذيب بوجه، ورتب على هذا الخسار، وهو عدم الربح أصلاً، وذلك بفوات الثواب في الدنيا والآخرة، وحصول العقاب في الدنيا والآخرة، والنهي عن الشيء أمر بضده، فيكون أمرًا بالتصديق التام بالقرآن، وطمأنينة القلب إليه، والإقبال عليه، علمًا وعملاً.

فبذلك يكون العبد من الرابحين الذين أدركوا أجل المطالب، وأفضل الرغائب، وأتم المناقب، وانتفى عنهم الخسار.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين ) وهذا كله خطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم والمراد منه غيره .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولا تكونن -أيها الرسول- من الذين كذَّبوا بحجج الله وأدلته فتكون من الخاسرين الذين سخِطَ الله عليهم ونالوا عقابه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله : ( وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِ الله فَتَكُونَ مِنَ الخاسرين ) تعريض بأولئك الشاكين والمكذبين له - صلى الله عليه وسلم - من قومه .

أى : ولا تكونن من القوم الذين كذبوا بآيات الله الدالة على صدقك فيما تبلغه عنا ، فتكون بذلك من الخاسرين الذين أضاعوا دنياهم وأخراهم .قال الآلوسى : " وفائدة النهى فى الموضعين التهييج والإِلهاب نظير ما مر .

والمراد بذلك الإِعلام بأن الامتراء والتكذيب قد بلغا فى القبح والمحذورية إلى حيث ينبغى أن ينهى عنهما من لا يمكن أن يتصف بهما ، فكيف بمن يمكن اتصافه بذلك .

.

"

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما ذكر من قبل اختلافهم عند ما جاءهم العلم أورد على رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الآية ما يقوي قلبه في صحة القرآن والنبوة، فقال تعالى: ﴿ فَإِن كُنتَ فِي شَكّ مّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال الواحدي الشك في وضع اللغة، ضم بعض الشيء إلى بعض، يقال: شك الجواهر في العقد إذا ضم بعضها إلى بعض.

ويقال شككت الصيد إذا رميته فضممت يده أو رجله إلى رجله والشكائك من الهوادج ما شك بعضها ببعض والشكاك البيوت المصطفة والشكائك الأدعياء، لأنهم يشكون أنفسهم إلى قوم ليسوا منهم، أي يضمون، وشك الرجل في السلاح، إذا دخل فيه وضمه إلى نفسه وألزمه إياها، فإذا قالوا: شك فلان في الأمور أرادوا أنه وقف نفسه بين شيئين، فيجوز هذا، ويجوز هذا فهو يضم إلى ما يتوهمه شيئاً آخر خلافه.

المسألة الثانية: اختلف المفسرون: في أن المخاطب بهذا الخطاب من هو؟

فقيل النبي عليه الصلاة والسلام.

وقيل غيره، أما من قال بالأول: فاختلفوا على وجوه.

الوجه الأول: أن الخطاب مع النبي عليه الصلاة والسلام في الظاهر، والمراد غيره كقوله تعالى: ﴿ يا أيها النبى اتق الله وَلاَ تُطِعِ الكافرين والمنافقين  ﴾ وكقوله: ﴿ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ  ﴾ وكقوله: ﴿ ياعيسى ابن مَرْيَمَ أَءنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ  ﴾ ومن الأمثلة المشهورة: إياك أعني واسمعي يا جاره.

والذي يدل على صحة ما ذكرناه وجوه: الأول: قوله تعالى في آخر السورة ﴿ يا أيها الناس إِن كُنتُمْ فِي شَكّ مّن دِينِى  ﴾ فبين أن المذكور في أول الآية على سبيل الرمز، هم المذكورون في هذه الآية على سبيل التصريح.

الثاني: أن الرسول لو كان شاكاً في نبوة نفسه لكان شك غيره في نبوته أولى وهذا يوجب سقوط الشريعة بالكلية.

والثالث: أن بتقدير أن يكون شاكاً في نبوة نفسه، فكيف يزول ذلك الشك بأخبار أهل الكتاب عن نبوته مع أنهم في الأكثر كفار، وإن حصل فيهم من كان مؤمناً إلا أن قوله ليس بحجة لا سيما وقد تقرر أن ما في أيديهم من التوراة والإنجيل، فالكل مصحف محرف، فثبت أن الحق هو أن الخطاب، وإن كان في الظاهر مع الرسول صلى الله عليه وسلم إلا أن المراد هو الأمة، ومثل هذا معتاد، فإن السلطان الكبير إذا كان له أمير، وكان تحت راية ذلك الأمير جمع، فإذا أراد أن يأمر الرعية بأمر مخصوص، فإنه لا يوجه خطابه عليهم، بل يوجه ذلك الخطاب على ذلك الأمير الذي جعله أميراً عليهم، ليكون ذلك أقوى تأثيراً في قلوبهم.

الوجه الثاني: أنه تعالى علم أن الرسول لم يشك في ذلك، إلا أن المقصود أنه متى سمع هذا الكلام، فإنه يصرح ويقول: يا رب لا أشك ولا أطلب الحجة من قول أهل الكتاب بل يكفيني ما أنزلته علي من الدلائل الظاهرة ونظيره قوله تعالى للملائكة: ﴿ أَهَؤُلاَء إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ  ﴾ والمقصود أن يصرحوا بالجواب الحق ويقولوا: ﴿ سبحانك أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ الجن  ﴾ وكما قال لعيسى عليه السلام: ﴿ أأنت قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذونى وَأُمّىَ إلهين مِن دُونِ الله  ﴾ والمقصود منه أن يصرح عيسى عليه السلام بالبراءة عن ذلك فكذا هاهنا.

الوجه الثالث: هو أن محمداً عليه الصلاة والسلام كان من البشر، وكان حصول الخواطر المشوشة والأفكار المضطربة في قلبه من الجائزات، وتلك الخواطر لا تندفع إلا بإيراد الدلائل وتقرير البينات، فهو تعالى أنزل هذا النوع من التقريرات حتى أن بسببها تزول عن خاطره تلك الوساوس، ونظيره قوله تعالى: ﴿ فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يوحى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ  ﴾ وأقول تمام التقرير في هذا الباب إن قوله: ﴿ فَإِن كُنتَ فِي شَكّ ﴾ فافعل كذا وكذا قضية شرطية والقضية الشرطية لا إشعار فيها ألبتة بأن الشرط وقع أو لم يقع.

ولا بأن الجزاء وقع أو لم يقع، بل ليس فيها إلا بيان أن ماهية ذلك الشرط مستلزمة لماهية ذلك الجزاء فقط، والدليل عليه أنك إذا قلت إن كانت الخمسة زوجاً كانت منقسمة بمتساويين، فهو كلام حق، لأن معناه أن كون الخمسة زوجاً يستلزم كونها منقسمة بمتساويين، ثم لا يدل هذا الكلام على أن الخمسة زوج ولا على أنها منقسمة بمتساويين فكذا هاهنا هذه الآية، تدل على أنه لو حصل هذا الشك لكان الواجب فيه هو فعل كذا وكذا، فأما إن هذا الشك وقع أو لم يقع، فليس في الآية دلالة عليه، والفائدة في إنزال هذه الآية على الرسول أن تكثير الدلائل وتقويتها مما يزيد في قوة اليقين وطمأنينة النفس وسكون الصدر، ولهذا السبب أكثر الله في كتابه من تقرير دلائل التوحيد والنبوة.

والوجه الرابع: في تقرير هذا المعنى أن تقول: المقصود من ذكر هذا الكلام استمالة قلوب الكفار وتقريبهم من قبول الإيمان، وذلك لأنهم طالبوه مرة بعد أخرى، بما يدل على صحة نبوته وكأنهم استحيوا من تلك المعاودات والمطالبات، وذلك الاستحياء صار مانعاً لهم عن قبول الإيمان فقال تعالى: ﴿ فَإِن كُنتَ فِي شَكّ ﴾ من نبوتك فتمسك بالدلائل القلائل، يعني أولى الناس بأن لا يشك في نبوته هو نفسه، ثم مع هذا إن طلب هو من نفسه دليلاً على نبوة نفسه بعد ما سبق من الدلائل الباهرة والبينات القاهرة فإنه ليس فيه عيب ولا يحصل بسببه نقصان، فإذا لم يستقبح منه ذلك في حق نفسه فلأن لا يستقبح من غيره طلب الدلائل كان أولى، فثبت أن المقصود بهذا الكلام استمالة القوم وإزالة الحياء عنهم في تكثير المناظرات.

الوجه الخامس: أن يكون التقدير أنك لست شاكاً ألبتة ولو كنت شاكاً لكان لك طرق كثيرة في إزالة ذلك الشك كقوله تعالى: ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَا الِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا  ﴾ والمعنى أنه لو فرض ذلك الممتنع واقعاً، لزم منه المحال الفلاني فكذا هاهنا.

ولو فرضنا وقوع هذا الشك فارجع إلى التوراة والإنجيل لتعرف بهما أن هذا الشك زائل وهذه الشبهة باطلة.

الوجه السادس: قال الزجاج: إن الله خاطب الرسول في قوله: ﴿ فَإِن كُنتَ فِي شَكّ ﴾ وهو شامل للخلق وهو كقوله: ﴿ يأيُّهَا النبى إِذَا طَلَّقْتُمُ النساء  ﴾ قال: وهذا أحسن الأقاويل، قال القاضي: هذا بعيد لأنه متى كان الرسول داخلاً تحت هذا الخطاب فقد عاد السؤال، سواء أريد معه غيره أو لم يرد وإن جاز أن يراد هو مع غيره، فما الذي يمنع أن يراد بانفراده كما يقتضيه الظاهر، ثم قال: ومثل هذا التأويل يدل على قلة التحصيل.

الوجه السابع: هو أن لفظ ﴿ إن ﴾ في قوله: ﴿ إِن كُنتَ فِي شَكّ ﴾ للنفي أي ما كنت في شك قبل يعني لا نأمرك بالسؤال لأنك شاك لكن لتزداد يقيناً كما ازداد إبراهيم عليه السلام بمعاينة إحياء الموتى يقيناً.

وأما الوجه الثاني: وهو أن يقال هذا الخطاب ليس مع الرسول فتقريره أن الناس في زمانه كانوا فرقاً ثلاثة، المصدقون به والمكذبون له والمتوقفون في أمره الشاكون فيه، فخاطبهم الله تعالى بهذا الخطاب فقال: إن كنت أيها الإنسان في شك مما أنزلنا إليك من الهدى على لسان محمد فاسأل أهل الكتاب ليدلوك على صحة نبوته، وإنما وحد الله تعالى ذلك وهو يريد الجمع، كما في قوله: ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلْإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ  ٱلَّذِى خَلَقَكَ فَسَوَّىٰكَ فَعَدَلَكَ  ﴾ و ﴿ يأَيُّهَا الإنسان إِنَّكَ كَادِحٌ  ﴾ وقوله: ﴿ فَإِذَا مَسَّ الإنسان ضُرٌّ  ﴾ ولم يرد في جميع هذه الآيات إنساناً بعينه، بل المراد هو الجماعة فكذا هاهنا ولما ذكر الله تعالى لهم ما يزيل ذلك الشك عنهم حذرهم من أن يلحقوا بالقسم الثاني وهم المكذبون فقال: ﴿ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الذين كَذَّبُواْ بآيات الله فَتَكُونَ مِنَ الخاسرين ﴾ .

المسألة الثالثة: اختلفوا في أن المسؤول منه في قوله: ﴿ فَاسْأَلِ الذين يقرؤن الكتاب ﴾ من هم؟

فقال المحققون هم الذين آمنوا من أهل الكتاب كعبدالله بن سلام، وعبدالله بن صوريا، وتميم الداري، وكعب الأحبار لأنهم هم الذين يوثق بخبرهم، ومنهم من قال: الكل سواء كانوا من المسلمين أو من الكفار، لأنهم إذا بلغوا عدد التواتر ثم قرؤا آية من التوراة والإنجيل، وتلك الآية دالة على البشارة بمقدم محمد صلى الله عليه وسلم فقد حصل الغرض.

فإن قيل: إذا كان مذهبكم أن هذه الكتب قد دخلها التحريف والتغيير، فكيف يمكن التعويل عليها.

قلنا: إنهم إنما حرفوها بسبب إخفاء الآيات الدالة على نبوة محمد عليه الصلاة والسلام فإن بقيت فيها آيات دالة على نبوته كان ذلك من أقوى الدلائل على صحة نبوة محمد عليه الصلاة والسلام، لأنها لما بقيت مع توفر دواعيهم على إزالتها دل ذلك على أنها كانت في غاية الظهور، وأما أن المقصود من ذلك السؤال معرفة أي الأشياء، ففيه قولان: الأول: أنه القرآن ومعرفة نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم.

والثاني: أنه رجع ذلك إلى قوله تعالى: ﴿ فَمَا اختلفوا حتى جَاءهُمُ العلم  ﴾ والأول أولى، لأنه هو الأهم والحاجة إلى معرفته أتم.

واعلم أنه تعالى لما بين هذا الطريق قال بعده: ﴿ لَقَدْ جَاءكَ الحق مِن رَّبّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الممترين وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الذين كَذَّبُواْ بآيات الله ﴾ أي فأثبت ودم على ما أنت عليه من انتفاء المرية عنك، وانتفاء التكذيب بآيات الله، ويجوز أن يكون ذلك على طريق التهييج وإظهار التشدد ولذلك قال عليه الصلاة والسلام عند نزوله لا أشك ولا أسأل بل أشهد أنه الحق، ثم قال: ﴿ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الذين كَذَّبُواْ بآيات الله فتكون مّنَ الخاسرين ﴾ .

واعلم أن فرق المكلفين ثلاثة، إما أن يكون من المصدقين بالرسول، أو من المتوقفين في صدقه، أو من المكذبين، ولا شك أن أمر المتوقف أسهل من أمر المكذب، لا جرم قد ذكر المتوقف بقوله: ﴿ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الممترين ﴾ ثم أتبعه بذكر المكذب، وبين أنه من الخاسرين، ثم إنه تعالى لما فصل هذا التفصيل، بين أن له عباداً قضى عليهم بالشقاء فلا يتغيرون وعباداً قضى لهم بالكرامة، فلا يتغيرون، فقال: ﴿ إِنَّ الذين حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ نافع وابن عامر: ﴿ كلمات ﴾ على الجمع، وقرأ الباقون: ﴿ كلمة ﴾ على لفظ الواحد، وأقول إنها كلمات بحسب الكثرة النوعية أو الصنفية وكلمة واحدة بحسب الواحدة الجنسية.

المسألة الثانية: المراد من هذه الكلمة حكم الله بذلك وإخباره عنه، وخلقه في العبد مجموع القدرة والداعية، الذي هو موجب لحصول ذلك الأثر، أما الحكم والأخبار والعلم فظاهر، وأما مجموع القدرة والداعي فظاهر أيضاً، لأن القدرة لما كانت صالحة للطرفين لم يترجح أحد الجانبين على الآخر إلا لمرجح، وذلك المرجح من الله تعالى قطعاً للتسلسل، وعند حصول هذا المجموع يجب الفعل، وقد احتج أصحابنا بهذه الآية على صحة قولهم في إثبات القضاء اللازم والقدر الواجب وهو حق وصدق ولا محيص عنه.

ثم قال تعالى: ﴿ وَلَوْ جَاءتْهُمْ كُلُّ ءايَةٍ حتى يَرَوُاْ العذاب الاليم ﴾ والمراد أنهم لا يؤمنون ألبتة، ولو جاءتهم الدلائل التي لا حد لها ولا حصر، وذلك لأن الدليل لا يهدي إلا بإعانة الله تعالى فإذا لم تحصل تلك الإعانة ضاعت تلك الدلائل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

فإن قلت: كيف قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ فَإِن كُنتَ في شَكّ مّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ ﴾ مع قوله في الكفرة: ﴿ وَإِنَّهُمْ لَفِى شَكّ مّنْهُ مُرِيبٍ ﴾ .

قلت: فرق عظيم بين قوله: ﴿ إِنَّهُمْ لَفِى شَكٌّ مِنْهُ مُرِيبٍ ﴾ بإثبات الشكّ لهم على سبيل التأكيد والتحقيق، وبين قوله: ﴿ فَإِن كُنتَ فِي شَكّ ﴾ بمعنى الفرض والتمثيل، كأنه قيل: فإن وقع لك شك مثلاً وخيّل لك الشيطان خيالاً منه تقديراً ﴿ فَاسْأَلِ الذين يَقْرَؤونَ الكتاب ﴾ والمعنى: أنّ الله عزّ وجلّ قدم ذكر بني إسرائيل وهم قرأة الكتاب، ووصفهم بأنّ العلم قد جاءهم، لأنّ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مكتوب عندهم في التوراة والإنجيل، وهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، فأراد أم يأكد علمهم بصحة القرآن وصحة نبوّة محمد عليه الصلاة و السلام، ويبالغ في ذلك، فقال: فإن وقع لك شكّ فرضاً وتقديراً وسبيل من خالجته شبهة في الدين أن يسارع إلى حّلها وإماطتها، إما بالرجوع إلى قوانين الدين وأدلته، وإما بمقادحة العلماء المنبهين على الحقّ فسل علماء أهل الكتاب، يعني: أنهم من الإحاطة بصحة ما أنزل إليك وقتلها علماً بحيث يصلحون لمراجعة مثلك ومساءلتهم فضلاً عن غيرك، فالغرض وصف الأحبار بالرسوخ في العلم بصحة ما أنزل الله إلى رسول الله، لا وصف رسول الله بالشكّ فيه، ثم قال: ﴿ لَقَدْ جَاءكَ الحق مِن رَّبّكَ ﴾ أي ثبت عندك بالآيات والبراهين القاطعة أنّ ما أتاك هو الحق الذي لا مدخل فيه للمرية ﴿ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الممترين وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الذين كَذَّبُواْ بآيات الله ﴾ أي فاثبت ودم على ما أنت عليه من انتفاء المرية عنك والتكذيب بآيات الله.

ويجوز أن يكون على طريقة التهييج والإلهاب، كقوله: ﴿ فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهيراً للكافرين وَلاَ يَصُدُّنَّكَ عَنْ ءايات الله بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ ﴾ [القصص: 87] ولزيادة التثبيت والعصمة، ولذلك قال عليه السلام عند نزوله: «ولا أشك ولا أسأل بل أشهد أنه الحق» وعن ابن عباس رضي الله عنه: لا والله ما شكّ طرفة عين، ولا سأل أحداً منهم، وقيل: خوطب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمراد خطاب أمته.

فإن كنتم في شكّ مما أنزلنا إليكم، لقوله: ﴿ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً ﴾ [النساء: 174] وقيل: الخطاب للسامع ممن يجوز عليه الشكّ، كقول العرب: إذا عزّ أخوك فهن.

وقيل: (إن) للنفي، أي: فما كنت في شك فاسأل، يعني: لا نأمرك بالسؤال لأنك شاك، ولكن لتزداد يقيناً، كما ازداد إبراهيم عليه السلام بمعاينة إحياء الموتى.

وقرئ: ﴿ فاسأل الذين يقرؤون الكتب ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ ﴾ مِنَ القِصَصِ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ.

﴿ فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ ﴾ فَإنَّهُ مُحَقَّقٌ عِنْدَهم ثابِتٌ في كُتُبِهِمْ عَلى نَحْوِ ما ألْقَيْنا إلَيْكَ، والمُرادُ تَحْقِيقُ ذَلِكَ والِاسْتِشْهادُ بِما في الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ وأنَّ القُرْآنَ مُصَدِّقٌ لِما فِيها، أوْ وصْفُ أهْلِ الكِتابِ بِالرُّسُوخِ في العِلْمِ بِصِحَّةِ ما أُنْزِلُ إلَيْهِ، أوْ تَهْيِيجُ الرَّسُولِ  وزِيادَةُ تَثْبِيتِهِ لا إمْكانَ وُقُوعِ الشَّكِّ لَهُ ولِذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لا أشُكُّ ولا أسْألُ» .

وَقِيلَ الخِطابُ لِلنَّبِيِّ  والمُرادُ أُمَّتُهُ أوْ لِكُلِّ مَن يَسْمَعُ أيْ إنْ كُنْتَ أيُّها السّامِعُ في شَكٍّ مِمّا نَزَّلْنا عَلى لِسانِ نَبِيِّنا إلَيْكَ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ كُلَّ مَن خالَجَتْهُ شُبْهَةٌ في الدِّينِ يَنْبَغِي أنْ يُسارِعَ إلى حَلِّها بِالرُّجُوعِ إلى أهْلِ العِلْمِ.

﴿ لَقَدْ جاءَكَ الحَقُّ مِن رَبِّكَ ﴾ واضِحًا أنَّهُ لا مَدْخَلَ لِلْمَرِيَّةِ فِيهِ بِالآياتِ القاطِعَةِ.

﴿ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ ﴾ بِالتَّزَلْزُلِ عَمّا أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ الجَزْمِ واليَقِينِ.

﴿ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الخاسِرِينَ ﴾ أيْضًا مِن بابِ التَّهْيِيجِ والتَّثْبِيتِ وقَطْعِ الأطْماعِ عَنْهُ كَقَوْلِهِ ﴿ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكافِرِينَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الذين كَذَّبُواْ بآيات الله فَتَكُونَ مِنَ الخاسرين} أي فاثبت ودم على ما أنت عليه من انتقاء المرية عنك والتكذيب بآيات الله أو هو على طريقة التهييج والإلهاب كقوله {فَلاَ تَكُونَنَّ ظهيرا للكافرين ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك} ولزيادة التثبيت والعصمة ولذلك قال عليه السلام عند نزوله لا أشك ولا أسأل بل أشهد أنه الحق أو خوطب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمراد أمته أي وإن كنتم في شك مما أنزلنا إليكم كقوله وأنزلنا إليكم نوراً مبينا أو الخطاب لكل سامع يجوز عليه الشك كقول العرب إذا عز أخوك فهن أو إن للنفي أي فما كنت في شك فاسأل أى ولا نأمرك بالسؤال لأنك شاك ولكن لتزداد يقينا كما ازداد إبراهيم عليه السلام بمعاينة إحياء الموتى فإن قلت إنما يجئ إن للنفي إذا كان بعده إلا كقوله أن الكافرون إلا فى غرور قلت ذاك غير لازم ألا ترى إلى قوله إن أمسكهما من أحد من بعده فإن للنفي وليس بعده إلا

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وعَقَّبَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ ﴾ أيْ بِشَيْءٍ مِنها ﴿ فَتَكُونَ ﴾ بِذَلِكَ ﴿مِنَ الخاسِرِينَ 95﴾ أنْفُسًا وأعْمالًا والتَّعْبِيرُ بِالخاسِرِينَ أظْهَرُ في التَّحْذِيرِ مِنَ التَّعْبِيرِ بِالكافِرِينَ وفائِدَةُ النَّهْيِ في المَوْضِعَيْنِ التَّهْيِيجُ والإلْهابُ نَظِيرَ ما مَرَّ والمُرادُ بِذَلِكَ إعْلامُ أنَّ الِامْتِراءَ والتَّكْذِيبَ قَدْ بَلَغا في القُبْحِ والمَحْذُورِيَّةِ إلى حَيْثُ يَنْبَغِي أنْ يَنْهى عَنْهُما مَن لا يُمْكِنُ أنْ يَتَّصِفَ بِهِما فَكَيْفَ بِمَن يُمْكِنُ اتِّصافُهُ وفِيهِ قَطْعٌ لِأطْماعِ الكَفَرَةِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ- والله أعلم أنه لم يشكّ ولا يشكّ، ولكن أراد أن يقول ما أشك كما قال لعيسى: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ علم أنه لم يقل، ولكن أراد أن يقول: ما قلت لهم (١)  : «لا أسْأَلُ أحَداً، وَلا أشُكُّ فِيهِ، بَلْ أشُهَدُ أنَهُ الحَقُّ» .

وقال القتبي: فيه تأويلان، أحدهما: أن تكون المخاطبة للنبي  ، والمراد فيه غيره من الشُّكّاك، لأن القرآن نزل عليه بمذاهب العرب وهم يخاطبون الرجل بشيء، ويريدون به غيره، كما قالوا: إيَّاك أعني، واسمعي يا جارية.

وكقوله: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ [الأحزاب: 1] أراد به الأمة، يدلك عليه قوله تعالى في آخره: إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً [النساء: 94] .

وكقوله: وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ [الزخرف: 45] .

ووجه آخر: أن النّاس كانوا على ثلاث مراتب: منهم من كان مؤمناً، ومنهم من كان كافراً، ومنهم من كان شاكاً، وإنَّما خاطب بهذا الشَّاكَّ.

ثم قال تعالى: لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ يعني: القرآن فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ يعني: من الشاكين، وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ يعني: بالكتاب وبالرسل فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ، يعني: من المغبونين.

قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ، يعني: وجبت عليهم كلمة ربك بالسخط، وقدّر عليهم الكفر، لاَ يُؤْمِنُونَ يعني: لا يصدقون بالقرآن أنه من الله تعالى، وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ يعني: علامة حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ يعني: الهلاك في الدنيا، والعذاب في الآخرة.

قرأ نافع، وابن عامر: كلمات رَبَّكَ وقرأ الباقون: كَلِمَتُ رَبِّكَ.

(١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة «أ» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

يموتُ، فَنُجِّيَ عَلَى نَجْوَةٍ مِنَ الأَرض، حتى رآه جميعهم ميتاً كأَنه ثَوْرٌ أَحمر، وتحقَّقوا غَرَقَه.

والجمهور «١» على تشديدِ نُنَجِّيكَ فقالت فرقة: معناه: من النَّجَاةِ، أي: من غمراتِ البَحْرِ والماءِ، وقال جماعة: معناه: نُلْقِيكَ على نَجْوة من الأرض، وهي: ما ارتفع منها، وقرأ يعقوب «٢» بسكون النونِ وتخفيف الجيم، وقوله: بِبَدَنِكَ قالت فرقة: معناه:

بشَخْصِكَ، وقالتْ فرقة: معناه: بِدِرْعِكَ، وقرأ الجمهورُ «٣» : «خَلْفَكَ» ، أي: من أَتَى بعدك، وقرىء شاذًّا: «لِمَنْ خَلَفَكَ» «٤» - بفتح اللام-، والمعنى: ليجعلك اللَّه آيَةً له في عبادِهِ، وباقي الآية بيِّن.

وقوله سبحانه: وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ: المعنى: ولقد اخترنا لبني إِسرائيل أَحْسَنَ اختيار، وأحللناهم مِنَ الأماكن أحْسَنَ محلّ، ومُبَوَّأَ صِدْقٍ: أي: يصدُقُ فيه ظنُّ قاصده وساكنه، ويعني بهذه الآية إِحلاَلُهُمْ بلادَ الشَّامِ وبَيْتَ المَقْدِسِ قاله قتادة وابن زَيْد، وقيل: بلاد الشام ومصر، والأول أصحُّ، وقوله سبحانه: فَمَا اخْتَلَفُوا أيْ: في نبوَّة نبينا محمَّد عليه السلام، وهذا التخصيصُ هو الذي وقع في كُتُب المتأوِّلين كلِّهم، وهو تأويلٌ يحتاج إِلى سند، والتأويل الثاني الذي يحتمله اللفظُ: أنَّ بني إِسرائيل لم يكن لهم اختلاف على موسَى في أول حاله، فلما جاءَهُم العلْمُ والأوامرُ، وغَرَقُ فرعَوْنَ، اختلفوا، فالآية ذامَّة لهم.

ت: فَرَّ رحمه اللَّه من التخصيص، فوقع فيه، فلو عمَّم اختلافهم على أنبيائهم موسَى وغيرِهِ، وعلَى نبيِّنا، لكان أَحْسَنَ، وما ذهب إِليه المتأوِّلون من التخصيص أَحْسَنُ لقرينةِ قوله: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ، فالربطُ بين الآيتين واضح، والله أعلم.

فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ (٩٤) وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ (٩٥) إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٩٧)

وقوله عز وجل: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ ...

الآية: الصوابُ في معنى الآية: أنها مخاطبة للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، والمراد بها سِوَاهُ مِنْ كُلِّ من يمكِنُ أن يشُكَّ أو يعارِض.

ت: ورُوينَا عن أبي داود سُلَيْمَانَ بْنِ الأَشْعَثِ، قال: حدَّثنا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن هَارُونَ، قال: حدَّثنا محمَّد بنِ عَمْرٍو، عن أَبي سَلَمَةَ، عن أبي هُرَيْرَةَ رضي اللَّه عنه، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، قال: «المِرَاءُ في القُرْآنِ كُفْرٌ» «١» ، قال عِيَاض في «الشفا» :

تأول بمعنى «الشك» ، وبمعنى «الجِدَال» .

انتهى.

والَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ: من أسلم من أهْلِ الكتاب، كابن سَلاَمٍ وغيره، وروي عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال لَمَّا نزَلَتْ هذه الآية: «أَنَا لاَ أَشُكُّ وَلاَ أَسْأَلُ» «٢» ، ثم جزم سبحانه الخَبَر بقوله: لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ، واللام في «لَقَدْ» لامُ قَسَم.

وقوله: مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ يريد به: من أَن بني إِسرائيل لم يختلفوا في أمْره إِلا مِنْ بعد مجيئهِ عَلَيْه السلام هذا قول أهل التأويل قاطبة.

قال ع «٣» : وهذا هو الذي يشبه أنْ تُرْجَى إِزالةُ الشَّكِّ فيه مِنْ قبل أهل الكتاب،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ أيْ: أنْزَلْناهم مَنزِلَ صِدْقٍ، أيْ مَنزِلًا كَرِيمًا.

وفي المُرادِ بِبَنِي إسْرائِيلَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أصْحابُ مُوسى.

والثّانِي: قُرَيْظَةُ والنَّضِيرُ.

وفي المُرادِ بِالمَنزِلِ الَّذِي أُنْزِلُوهُ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ الأُرْدُنُ، وفِلَسْطِينُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: الشّامُ، وبَيْتُ المَقْدِسِ، قالَهُ الضَّحّاكُ وقَتادَةُ.

والثّالِثُ: مِصْرُ، رُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ أيْضًا.

والرّابِعُ: بَيْتُ المَقْدِسِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والخامِسُ: ما بَيْنَ المَدِينَةِ والشّامِ مِن أرْضِ يَثْرِبَ، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ.

والمُرادُ بِالطَّيِّباتِ: ما أُحِلَّ لَهم مِنَ الخَيْراتِ الطَّيِّبَةِ.

﴿ فَما اخْتَلَفُوا ﴾ يَعْنِي بَنِي إسْرائِيلَ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما اخْتَلَفُوا في مُحَمَّدٍ، لَمْ يَزالُوا بِهِ مُصَدِّقِينَ، ﴿ حَتّى جاءَهُمُ العِلْمُ ﴾ يَعْنِي: القُرْآنَ، ورُوِيَ عَنْهُ: حَتّى جاءَهُمُ العِلْمُ، يَعْنِي مُحَمَّدًا.

فَعَلى هَذا يَكُونُ العِلْمُ هاهُنا: عِبارَةً عَنِ المَعْلُومِ.

وبَيانُ هَذا أنَّهُ لَمّا جاءَهُمُ، اخْتَلَفُوا في تَصْدِيقِهِ، وكَفَرَ بِهِ أكْثَرُهم بَغْيًا وحَسَدًا بَعْدَ أنْ كانُوا مُجْتَمِعِينَ عَلى تَصْدِيقِهِ قَبْلَ ظُهُورِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ ﴾ في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ الخِطابَ لِلنَّبِيِّ  والمُرادُ غَيْرُهُ مِنَ الشّاكِّينَ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ في آخِرِ السُّورَةِ: ﴿ إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِن دِينِي  ﴾ ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا  ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا  ﴾ ولَمْ يَقُلْ: بِما تَعْمَلُ، وهَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

والثّانِي: أنَّ الخِطابَ لِلنَّبِيِّ  ، وهو المُرادُ بِهِ.

ثُمَّ في المَعْنى قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ خُوطِبَ بِذَلِكَ وإنْ لَمْ يَكُنْ في شَكٍّ، لِأنَّهُ مِنَ المُسْتَفِيضِ في لُغَةِ العَرَبِ أنْ يَقُولَ الرَّجُلَ لِوَلَدِهِ: إنْ كُنْتَ ابْنِي فَبِرَّنِي، ولِعَبْدِهِ: إنْ كُنْتَ عَبْدِي فَأطِعْنِي، وهَذا اخْتِيارُ الفَرّاءُ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ  في شَكٍّ، ولا سَألَ.

والثّانِي: أنْ تَكُونَ " إنْ " بِمَعْنى " ما " فالمَعْنى: ما كُنْتَ في شَكٍّ ﴿ فاسْألِ ﴾ ، المَعْنى: لَسْنا نُرِيدُ أنْ نَأْمُرَكَ أنْ تَسْألَ لِأنَّكَ شاكٌّ، ولَكِنْ لِتَزْدادَ بَصِيرَةً، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.

والثّالِثُ: أنَّ الخِطابَ لِلشّاكِّينَ، فالمَعْنى: إنْ كُنْتَ أيُّها الإنْسانُ في شَكٍّ مِمّا أُنْزِلَ إلَيْكَ عَلى لِسانِ مُحَمَّدٍ، فَسَلْ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ قُتَيْبَةَ.

وَفِي الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أُنْزِلَ إلَيْهِ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ.

والثّانِي: أنَّهُ مَكْتُوبٌ عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ ﴾ وهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى.

وفي الَّذِينَ أُمِرَ بِسُؤالِهِمْ مِنهم قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَن آمَنَ، كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ في آخَرِينَ.

والثّانِي: أهْلُ الصِّدْقِ مِنهم، قالَهُ الضَّحّاكُ، وهو يَرْجِعُ إلى الأوَّلِ، لِأنَّهُ لا يُصَدِّقُ إلّا مَن آمَنَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَقَدْ جاءَكَ الحَقُّ مِن رَبِّكَ ﴾ هَذا كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ ﴾ أيْ: وجَبَتْ ﴿ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ﴾ أيْ: قَوْلُهُ.

وبِماذا حَقَّتِ الكَلِمَةُ عَلَيْهِمْ، فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: بِاللَّعْنَةِ.

والثّانِي: بِنُزُولِ العَذابِ.

والثّالِثُ: بِالسُّخْطِ.

والرّابِعُ: بِالنِّقْمَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ ﴾ قالَ الأخْفَشُ: إنَّما أنَّثَ فِعْلُ " كَلٍّ " لِأنَّهُ أضافَهُ إلى " آيَةٍ " وهي مُؤَنَّثَةٌ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إسْرائِيلَ مُبَوَّأ صِدْقٍ ورَزَقْناهم مِنَ الطَيِّباتِ فَما اخْتَلَفُوا حَتّى جاءَهُمُ العِلْمُ إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ ﴿ فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِن المُمْتَرِينَ ﴾ ﴿ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ فَتَكُونَ مِنَ الخاسِرِينَ ﴾ المَعْنى: لَقَدِ اخْتَرْنا لِبَنِي إسْرائِيلَ أحْسَنَ اخْتِيارٍ، وأحْلَلْناهم مِنَ الأماكِنِ أحْسَنَ مَحَلٍّ، و ﴿ مُبَوَّأ صِدْقٍ ﴾ أيْ: يُصَدَّقُ فِيهِ ظَنُّ قاصِدِهِ وساكِنِهِ وأهْلِهِ، ويَعْنِي بِهَذِهِ الآيَةِ: إحْلالَهم بِلادَ الشامِ وبَيْتَ المَقْدِسِ.

قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، وقِيلَ: بِلادُ مِصْرَ والشامِ، قالَهُ الضَحّاكُ، والأوَّلُ أصَحُّ بِحَسَبِ ما حُفِظَ مِن أنَّهم لَنْ يَعُودُوا إلى مِصْرَ، عَلى أنَّ في القُرْآنِ: ﴿ كَذَلِكَ وأورَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ  ﴾ ، يَعْنِي ما تَرَكَ القِبْطُ مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ( أورَثْناها ) مَعْناهُ: الحالَةُ مِنَ النِعْمَةِ وإنْ لَمْ يَكُنْ في قُطْرٍ واحِدٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَما اخْتَلَفُوا حَتّى جاءَهُمُ العِلْمُ ﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ؛ أحَدُهُما: فَما اخْتَلَفُوا فِي نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ  حَتّى جاءَهم وبانَ عِلْمُهُ وأمْرُهُ فاخْتَلَفُوا حِينَئِذٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا التَخْصِيصُ هو الَّذِي وقَعَ في كُتُبِ المُتَأوِّلِينَ، وهَذا التَأْوِيلُ يَحْتاجُ إلى سَنَدٍ.

والتَأْوِيلُ الآخَرُ الَّذِي يَحْتَمِلُهُ اللَفْظُ: أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمْ يَكُنْ لَهُمُ اخْتِلافٌ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ في أوَّلِ حالِهِ، فَلَمّا جاءَهُمُ العِلْمُ والأوامِرُ وغَرِقَ فِرْعَوْنُ اخْتَلَفُوا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَمَعْنى الآيَةِ مَذَمَّةُ ذَلِكَ الصَدْرِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ.

ثُمَّ أوجَبَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّهُ يَقْضِي بَيْنَهم ويَفْصِلُ بِعِقابِ مَن يُعاقِبُ ورَحْمَةِ مَن يَرْحَمُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ ﴾ الآيَةُ، قالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ -وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحُسْنِ-: إنَّ "إنْ" نافِيَةٌ بِمَعْنى "ما"، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ "إنْ" شَرْطِيَّةٌ، والصَوابُ في مَعْنى الآيَةِ أنَّها مُخاطَبَةٌ لِلنَّبِيِّ  ، والمُرادُ بِها سِواهُ مِن كُلٍّ مَن يُمْكِنُ أنْ يَشُكَّ أو يُعارِضَ، وقالَ قَوْمٌ: الكَلامُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: "إنْ كُنْتَ ابْنِي فَبَرَّنِي".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَيْسَ هَذا المِثالُ بِجَيِّدٍ، وإنَّما مِثالُ هَذِهِ قَوْلُهُ تَعالى لِعِيسى: ﴿ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي  ﴾ ، ورُوِيَ أنَّ رَجُلًا سَألَ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما عَمّا يَحِيكُ في الصَدْرِ مِنَ الشَكِّ فَقالَ لَهُ: ما نَجا مِن ذَلِكَ أحَدٌ ولا النَبِيُّ  حَتّى أُنْزِلَ عَلَيْهِ: ﴿ فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ.

﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَكَرَ الزَهْراوِيُّ أنَّ هَذِهِ المَقالَةَ أُنْكِرَتْ أنْ يَقُولَها ابْنُ عَبّاسٍ، وبِذَلِكَ أقُولُ، لِأنَّ الخَواطِرَ لا يَنْجُو مِنها أحَدٌ، وهي خِلافُ الشَكِّ الَّذِي يُجالُ فِيهِ عَلى الِاسْتِشْفاءِ بِالسُؤالِ.

و ﴿ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ ﴾ هم مَن أسْلَمَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ كَعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ، ورُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: "أنا لا أشُكُّ ولا أسْألُ"».

وقَرَأ "فَسَلْ" دُونَ هَمْزٍ الحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وأهْلُ المَدِينَةِ، وأبُو عَمْرٍو، وعِيسى، وعاصِمٌ، وقَرَأ جُمْهُورٌ عَظِيمٌ بِالهَمْزِ.

ثُمَّ جَزَمَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى الخَبَرَ بِقَوْلِهِ: ﴿ لَقَدْ جاءَكَ الحَقُّ مِن رَبِّكَ ﴾ ، واللامُ في "لَقَدْ" لامُ قَسَمٍ، و"المُمْتَرِينَ": مَعْناهُ: الشاكِّينَ الَّذِينَ يَحْتاجُونَ في اعْتِقادِهِمْ إلى المُماراةِ فِيها، وقَوْلُهُ: ﴿ مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ ﴾ يُرِيدُ بِهِ: مِن أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمْ يَخْتَلِفُوا في أمْرِهِ إلّا مِن بَعْدِ مَجِيئِهِ، وهَذا قَوْلُ أهْلِ التَأْوِيلِ قاطِبَةً.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا هو الَّذِي يُشْبِهُ أنْ تُرْتَجى إزالَةُ الشَكِّ فِيهِ مِن قِبَلِ أهْلِ الكِتابِ، ويَحْتَمِلُ اللَفْظُ أنْ يُرِيدَ: بِما أنْزَلْنا جَمِيعَ الشَرْعِ، ولَكِنَّهُ بَعِيدٌ بِالمَعْنى لِأنَّ ذَلِكَ لا يُعْرَفُ ويَزُولُ الشَكُّ فِيهِ إلّا بِأدِلَّةِ العَقْلِ لا بِالسَماعِ مِن مُؤْمِنِي بَنِي إسْرائِيلَ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا ﴾ الآيَةُ، مِمّا خُوطِبَ بِهِ النَبِيُّ  والمُرادُ سِواهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولِهَذا فائِدَةٌ لَيْسَتْ في مُخاطَبَةِ الناسِ بِهِ، وذَلِكَ شِدَّةُ التَخْوِيفِ، لِأنَّهُ إذا كانَ رَسُولُ اللهِ  يُحَذَّرُ مِن مِثْلِ هَذا فَغَيْرُهُ مِنَ الناسِ أولى أنْ يَحْذَرَ ويَتَّقِيَ عَلى نَفْسِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تفريع على سياق القصص التي جعلها الله مثلاً لأهل مكة وعظة بما حل بأمثالهم.

انتقل بهذا التفريع من أسلوب إلى أسلوب كلاهما تعريض بالمكذبين، فالأسلوب السابق تعريض بالتحذير من أن يحل ما حل بالأمم المماثلة لهم، وهذا الأسلوب الموالي تعريض لهم بشهادة أهل الكتاب على تلك الحوادث، وما في الكتب السابقة من الأنباء برسالة محمد صلى الله عليه وسلم فالمراد من ﴿ ما أنزلنا إليك ﴾ هو المنزل الذي تفرع عليه هذا الكلام وهو ما أنزل في هذه السورة من القصص.

ثم أن الآية تحتمل معنيين لا يستقيم ما سواهما؛ أولهما: أن تبقى الظرفية التي دلت عليها (في) على حقيقتها، ويكون الشك قد أطلق وأريد به أصحابه، أي فإن كنت في قوم أهل شك مما أنزلنا إليك، أي يشكون في وقوع هذه القصص، كما يقال: دخل في الفتنة، أي في أهلها.

ويكون معنى ﴿ فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك ﴾ فاسأل أهل الكتاب سؤال تقرير وإشهاد عن صفة تلك الأخبار يخبروا بمثل ما أخبرتهم به، فيزول الشك من نفوس أهل الشك إذ لا يحتمل تواطؤك مع أهل الكتاب على صفة واحدة لتلك الأخبار.

فالمقصود من الآية إقامة الحجة على المشركين بشهادة أهل الكتاب من اليهود والنصارى قطعاً لمعذرتهم.

وثانيهما: أن تكون (في) للظرفية المجازية كالتي في قوله تعالى: ﴿ فلا تكُ في مرية مما يعبد هؤلاء ﴾ [هود: 109] ويكون سوق هذه المحاورة إلى النبي صلى الله عليه وسلم على طريقة التعريض لقصد أن يسمع ذلك المشركون فيكون استقرار حاصل المحاورة في نفوسهم أمكن مما لو ألقي إليهم مواجهة.

وهذه طريقة في الإلقاء التعريضي يسلكها الحكماء وأصحاب الأخلاق متى كان توجيه الكلام إلى الذي يقصد به مظنة نفور كما في قوله تعالى: ﴿ لئن أشركت ليحبطنّ عملك ولتكُونَنّ من الخاسرين ﴾ [الزمر: 65] أو كان في ذلك الإلقاء رفق بالذي يقصد سوق الكلام إليه كما في قصة الخصم من اللذين اختصما إلى داود المذكورة في سورة ص.

وكلا الاحتمالين يلاقي قوله: ﴿ فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك ﴾ فإنه يقتضي أن المسؤول عنه مما لا يكتمه أهل الكتاب، وأنهم يشهدون به، وإنما يستقيم ذلك في القصص الموافقة لما في كتبهم فإنهم لا يتحرجون من إعلانها والشهادة بها.

وغير هذين الاحتمالين يعكر عليه بعض ما في الآية، ويقتضي أن المخاطب النبي صلى الله عليه وسلم لمكان قوله: ﴿ من قبلك ﴾ .

وليس المراد بضمائر الخطاب كل من يصح أن يخاطب، لأن قوله: ﴿ مما أنزلنا إليك ﴾ يناكد ذلك إلا بتعسف.

وإنما تكون جملة: ﴿ فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك ﴾ جواباً للشرط باعتبار ما تفيده مادة السؤال من كونهم يجيبون بما يزيل الشك، فبذلك يلتئم التلازم بين الشرط والجواب، كما دلت عليه جملة: ﴿ لقد جاءك الحق من ربك ﴾ .

وقرأ الجمهور ﴿ فاسأل ﴾ بهمزة وصل وسكون السين وهمزة بعد السين.

وقرأه ابن كثير والكسائي ﴿ فسَل ﴾ بفتح السين دون همزة الوصل وبحذف الهمزة التي بعد السين مخفف سَأل.

فجملة: ﴿ لقد جاءك الحق من ربك ﴾ مستأنفة استئنافاً بيانياً لجواب سؤال ناشئ عن الشرط وجوابه، كأنّ السامع يقول: فإذا سألتهم ماذا يكون، فقيل: لقد جاءك الحق من ربك.

ولما كان المقصود من ذلك علم السامعين بطريق التعريض لا علم الرسول عليه الصلاة والسلام لأنه ليس بمحل الحاجة لإعلامه بأنه على الحق قرنت الجملة بحرفي التأكيد، وهما: لام القسم وقد، لدفع إنكار المعرّض بهم.

وبذلك كان تفريع ﴿ فلا تكونن من الممترين ﴾ تعريضاً أيضاً بالمشركين بأنهم بحيث يُحذر الكون منهم.

والامتراء: الشك فيما لا شبهة للشك فيه.

فهو أخص من الشك.

وكذلك عطف ﴿ ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله ﴾ وهو أصرح في التعريض بهم ﴿ فتكون من الخاسرين ﴾ .

وهذا يقتضي أنهم خاسرون.

ونظيره ﴿ لئن أشركت ليحبطنّ عملُك ولتكوننّ من الخاسرين ﴾ [الزمر: 65]، وحاصل المعنى: فإن كنتم شاكين في صدق ما أنزلنا على محمد مما أصاب المكذبين قبلَكم فاسألوا أهل الكتاب يخبروكم بأن ذلك صدق، لقد جاءكم الحق من رب محمد صلى الله عليه وسلم فلا تكونوا شاكّين ولا تكذبوا بآيات الله فتكونوا خاسرين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ ﴾ هَذا خِطابٌ مِنَ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ يَقُولُ: إنْ كُنْتَ يا مُحَمَّدٌ في شَكٍّ مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: في شَكٍّ أنَّكَ رَسُولٌ.

الثّانِي: في شَكٍّ أنَّكَ مَكْتُوبٌ عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ.

﴿ فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ مَن مِنهم مِثْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وكَعْبِ الأحْبارِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: أنَّهُ عَنى أهْلَ الصِّدْقِ والتَّقْوى مِنهم، قالَهُ الضَّحّاكُ.

فَإنْ قِيلَ: فَهَلْ كانَ النَّبِيُّ  شاكًّا؟

قِيلَ قَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « (لا أشُكُّ ولا أسْألُ).» وَفِي مَعْنى الكَلامِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ  والمُرادُ بِهِ غَيْرُهُ مِن أُمَّتِّهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ﴾ الآيَةَ [الطَّلاقَ: ١] .

والثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ ورَدَ عَلى عادَةِ العَرَبِ في تَوْلِيدِ القَبُولِ والتَّنْبِيهِ عَلى أسْبابِ الطّاعَةِ.

كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِابْنِهِ: إنْ كُنْتَ ابْنِي فَبَرَّنِي، ولِعَبْدِهِ إنْ كُنْتَ مَمْلُوكِي فامْتَثِلْ أمْرِي، ولا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى شَكِّ الوَلَدِ في أنَّهُ ابْنُ أبِيهِ ولا أنَّ العَبْدَ شاكٌّ في أنَّهُ مِلْكٌ لِسَيِّدِهِ.

﴿ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ ﴾ أيْ مِنَ الشّاكِّينَ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: إنَّ الَّذِينَ وجَبَتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ بِالوَعِيدِ والغَضَبِ لا يُؤْمِنُونَ أبَدًا.

الثّانِي: إنَّ الَّذِينَ وقَعَتْ كَلِمَتُهُ عَلَيْهِمْ بِنُزُولِ العَذابِ بِهِمْ لا يُؤْمِنُونَ أبَدًا.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك ﴾ قال: لم يشك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يسأل.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك ﴾ قال: «ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا أشك ولا أسأل» .

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك ﴾ قال: التوراة والإِنجيل الذين أدركوا محمداً صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب فآمنوا به يقول: سلهم إن كنت في شك بأنك مكتوب عندهم.

وأخرج أبو داود وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن سماك الحنفي قال: قلت لابن عباس رضي الله عنهما إني أجد في نفسي ما لا أستطيع أن أتكلم به.

فقال: شك؟

قلت: نعم.

قال: ما نجا من هذا أحد حتى نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك...

﴾ الآية.

فإذا أحسست أو وجدت من ذلك شيئاً فقل ﴿ هو الأوّل والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم ﴾ [ الحديد: 3] .

وأخرج ابن الأنباري في المصاحف عن الحسن رضي الله عنه قال: خمسة أحرف في القرآن ﴿ وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال ﴾ [ إبراهيم: 26] معناه وما كان مكرهم لتزول منه الجبال ﴿ لو أردنا أن نتخذ لهواً لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين ﴾ [ الأنبياء: 17] معناه ما كنا فاعلين ﴿ قل إن كان للرحمن ولد ﴾ [ الزخرف: 81] معناه ما كان للرحمن ولد ﴿ ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه ﴾ [ الأحقاف: 26] معناه في الذين ما مكناكم فيه ﴿ فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك ﴾ معناه فما كنت في شك.

وأخرج أبو الشيخ عن الحسن في قوله: ﴿ فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك ﴾ قال: سؤالك إياهم نظرك في كتابي كقولك: سل عن آل المهلب دورهم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ مُبَوَّأَ صِدْقٍ ﴾ منزلاً حسناً وهو مصر والشام ﴿ فَمَا اختلفوا حتى جَآءَهُمُ العلم ﴾ قيل: يريد اختلافهم في دينهم وقيل: اختلافهم في أمر محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ ﴾ قيل: الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد غيره، وقيل: ذلك كقول القائل لابنه: إن كنت ابني فبرّني مع أنه لا يشك أنه ابنه، ولكن من شأن الشك أن يزول بسؤال أهل العلم، فأمره بسؤالهم، قال ابن عباس: لم يشك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسأل، وقال الزمخشري: إن ذلك على وجه الفرض والتقدير، أي إن فرضت أن تقعد في شك فاسأل ﴿ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ﴾ قيل: يعني القرآن أو الشرع بجملته، وهذا أظهر، وقيل: يعني ما تقدم من أن بني إسرائيل ما اختلفوا إلا من بعدما جاءهم الحق ﴿ فَاسْأَلِ الذين يَقْرَءُونَ الكتاب ﴾ يعني: الذين يقرأون التوراة والإنجيل، قال السهيلي: هم عبد الله بن سلام ومخيريق ومن أسلم من الأحبار، وهذا بعيد، لأن الآية مكية، وإنما أسلم هؤلاء بالمدينة، فحمل الآية على الإطلاق أولى ﴿ فَلاَ تَكُونَنَّ ﴾ خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد غيره.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وأنا ﴾ مثل ﴿ أنشانا ﴾ و ﴿ نجعل ﴾ بالنون: يحيى وحماد.

الآخرون بالياء التحتانية.

﴿ ثم ننجي ﴾ من الإنجاء: نصر وروح ويزيد.

﴿ ننجي المؤمنين ﴾ من الإنجاء أيضاً: علي وسهل ويعقوب وحفص والمفضل.

الآخرون بالتشديد فيهما.

الوقوف: ﴿ الطيبات ﴾ ج للابتداء بالنفي مع الفاء ﴿ العلم ﴾ ط ﴿ يختلفون ﴾ ه ﴿ من قبلك ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتفاق المعنى ﴿ الممترين ﴾ ه لا للعطف ﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه لا لتعلق لو بما قبلها ﴿ الأليم ﴾ ه ﴿ يونس ﴾ ط ﴿ حين ﴾ ه ﴿ جميعاً ﴾ ط ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ بإذن الله ﴾ ط أي وهو يجعل ﴿ لا يعقلون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط للفصل بينالاستخبار والإخبار.

﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ من قبلهم ﴾ ط ﴿ من المنتظرين ﴾ ه ﴿ كذلك ﴾ ج لاحتمال يراد ننجيهم كإنجاء الرسل أو يكون الوقف على ﴿ آمنوا ﴾ والتقدير ننجي المؤمنين إنجاء كذلك و ﴿ حقا علينا ﴾ اعتراض.

﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ يتوفاكم ﴾ ج لاحتمال أن يراد وقد أمرت ﴿ المؤمنين ﴾ ه لا للعطف ﴿ حنيفاً ﴾ ج للعطف مع زيادة نون التأكيد المؤذن بالاستئناف ﴿ المشركين ﴾ ه ﴿ ولا يضرك ﴾ ج للابتداء بالشرط مع الفاء ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ج للعطف مع حق الفصل بين المتضادين ﴿ لفضله ﴾ ط ﴿ من عباده ﴾ ط ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ من ربكم ﴾ ج ﴿ لنفسه ﴾ ج ﴿ عليها ﴾ ج للعطف مع النفي ﴿ بوكيل ﴾ ه ط ﴿ يحكم الله ﴾ ج لاحتمال العطف والاستئناف ﴿ الحاكمين ﴾ ه.

التفسير: لما ذكر ما وقع عليه الختم في واقعة فرعون وجنوده أراد أن يذكر ما وقع عليه الختم في واقعة بني إسرائيل فقال: ﴿ ولقد بوأنا ﴾ أي أسكناهم مسكن صدق أو إسكان صدق فيكون المبوأ اسم مكان أو مصدراً، والعرب إذا مدحت شيئاً أضافته إلى الصدق ليعلم أن كل ما يظن به من الخير ويطلب منه فإنه يصدق ذلك الظن ويوجد فيه فيكون المعنى منزلاً صالحاً مرضياً.

والمراد ببني إسرائيل إما اليهود الذين كانوا في زمن موسى  فمبوّأ الصدق الشام ومصر وما يدانيها فإنها بلاد كثيرة الخصب غزيرة الأرزاق ومع ذلك فقد أورثهم الله جميع ما كان تحت تصرف فرعون وقومه من الناطق والصامت ﴿ فما اختلفوا ﴾ في دنيهم وما تشعبوا فيه شعباً وكانوا على طريقة واحدة حتى قرأوا التوراة فقابلوها بضد المقصود منها وبدلوا الاتفاق بالاختلاف وأحدثوا المذاهب المتعددة، وإما اليهود المعاصرون لرسول الله  ، وإلى هذا ذهب جم غفير من المفسرين.

عن ابن عباس:هم قريظة والنضير وبنو قينقاع، أنزلناهم منزل الصدق ما بين المدينة والشام ورزقناهم من طيبات تلك البلاد رطباً وتمراً ليس في غيرها، فبقوا على دينهم ولم يظهر فيهم الاختلاف حتى جاءهم سبب العلم وهو القرآن النازل على محمد  فاختلفوا في نعته وصفته، وآمن به قوم وبقي على الكفر آخرون.

وبالجملة فالله  يقضي بين المحقين منهم والمبطلين في يوم الجزاء لأن دار التكليف ليست دار القضاء.

ولما بيّن كيفية اختلاف اليهود في شأن كتابهم أو في شأن رسوله حقق حقيقته وحقيقة ما أنزل عليه بقوله: ﴿ فإن كنت في شك ﴾ والشك في اللغة ضم الشيء بعضه إلى بعض ومنه شك الجوهر في العقد، وشككته بالرمح أي خرقته وانتظمته، والشكيكة الفرقة من الناس، والشكاك البيوت المصطفة.

والشاك يضم إلى ما يتوهمه شيئاً آخر خلافه، والخطاب فيه للرسول في الظاهر والمراد أمته كقوله: ﴿ يا أيها النبي إذا طلقتم  ﴾ والدليل عليه قوله بعيد ذلك ﴿ قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني ﴾ ولأنه لو كان شاكاً في شأنه لكان غيره بالشك أولى.

ويمكن أن يقال: الخطاب للرسول  حقيقة ولكن ورد على سبيل الفرض والتمثيل كأنه قيل: فإن وقع لك شك مثلاً والقضية الشرطية لا إشعار فيها ألبتة بوقوع الشرط ولا عدم وقوعه، بل المراد استلزام الأول للثاني على تقدير وقوع الأول.

وقد يكونان محالين كقول القائل: إن كانت الخمسة زوجاً كانت منقسمة بمتساويين.

وفيه من الفوائد الإرشاد إلى طلب الدلائل لأجل مزيد اليقين وحصول الطمأنينة، وفيه استمالة لأمته والحث لهم على السؤال عما كانوا منه في شك، وفيه أن أهل الكتاب من الإحاطة بصحة ما أنزل إليك بحيث يصلحون لمراجعة مثلك فضلاً عن غيرك فيكون الغرض وصف الأحبار بالرسوخ في العلم بصحة ما أنزل إلى الرسول لا وصف الرسول بالشك، ولذلك قال  عند نزوله: لا أشك ولا أسأل بل أشهد أنه الحق.

وعن ابن عباس: لا والله ما شك طرفة عين ولا سأل أحداً منهم.

وقيل: "إن" نافية أي فما كنت في شك يعني لا نأمرك بالسؤال لأنك شاك ولكن لتزداد يقيناً.

وقيل: الخطاب لكل سامع يتأتى منه الشك.

ومن المسؤول منه قال المحققون: هم مؤمنو أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وعبد الله بن صوريا وتميم الداري وكعب الأحبار لأنهم هم الذين يوثق بخبرهم.

ومنهم من قال: الكل سواء لأنهم إذا بلغوا حد التواتر وقرأوا آية من التوراة والإنجيل تدل على البشارة بمقدم محمد  فقد حصل الغرض، لأن تلك الآية لما بقيت مع توفر دواعيهم على تحريف نعته كانت من أقوى الدلائل.

والظاهر أن المقصود من السؤال معرفة حقيقة القرآن وصحة نبوة محمد  لقوله: ﴿ مما أنزلنا إليك ﴾ وقيل: السؤال راجع إلى قوله: ﴿ فما اختلفوا حتى جاءهم العلم ﴾ .

ثم إنه  لما بين الطريق المزيل للشك شهد بحقيته فقال: ﴿ لقد جاءك الحق من ربك ﴾ ثم إن فرق المكلفين بعد المصدقين إما متوقفون في صدقه وإما مكذبون فنهى الفريقين مخاطباً في الظاهر لنبيه قائلاً ﴿ فلا تكونن من الممترين ولا تكونن ﴾ الآية.

والمراد فاثبت ودم على ما أنت عليه من انتفاء المرية وانتفاء التكذيب، وفيه من التهييج والبعث على اليقين والتصديق ما فيه.

ثم لما زجر كل فريق عما زجر بين أن له عباداً قضى عليهم بالشقاء وعباداً ختم لهم بالحسنى فلا يتغيرون عن حالهم ألبتة.

أما الأولون فأشار إليهم بقوله: ﴿ إن الذين حقت ﴾ الآية.

وقد مر مثله في هذه السورة.

وقالت المعتزلة: إن عدم إيمان هذا الفريق إلى حين وقوع اليأس وموتهم على الكفر مكتوب عند الله وثبت عليهم قوله في الأزل بما يجري عليهم، لكنها كتابة معلوم لا كتابة مقدر ومراد.

وقالت الأشاعرة: كلمته حكمة وإرادته وخلقه فيهم الكفر، وقد مر أمثال هذه الأبحاث مراراً كثيرة.

وأما الآخرون فذلك قوله: ﴿ فلولا كانت ﴾ أي فهلا حصلت ﴿ قرية ﴾ واحدة ﴿ آمنت ﴾ تابت عن الكفر وأخلصت الإيمان قبل معانية العذاب ﴿ فنفعها إيمانها ﴾ لوقوعه في وقت الاختيار والتكليف دون أوان اليأس والاضطرار ﴿ إلا قوم يونس ﴾ هو استثناء منقطع أي ولكن قوم يونس لأن أول الكلام جرى على القرية وإن كان المراد أهلها.

وقيل: إن "لولا" في هذا المقام بمعنى النفي كأنه قيل: ما آمنت قرية من القرى الهالكة إلا قوم يونس.

يروى أن يونس  بعث إلى نينوى من أرض الموصل فكذبوه فذهب عنهم مغاضباً كما سيجيء في سورة الأنبياء، فلما فقدوه خافوا نزول العذاب فلبسوا المسوح وعجوا أربعين ليلة.

وقيل: قال لهم يونس إن أجلكم أربعون ليلة فقالوا: إن رأينا أسباب الهلاك آمنا بك، فلما مضت خمس وثلاثون أغامت السماء غيماً أسود هائلاً يدخن دخاناً شديداً ثم يهبط حتى يغشى مدينتهم ويسوّد سطوحهم، فلبسوا المسوح وبرزوا إلى الصعيد بأنفسهم ونسائهم وصبيانهم ودوابهم وفرّقوا بين النساء والصبيان وبين الدواب وأولادها، فحنّ بعضها إلى بعض وعلت الأصوات والعجيج وأظهروا الإيمان والتوبة وتضرعوا فرحمهم وكشف عنهم وكان يوم عاشوراء يوم الجمعة.

وعن ابن مسعود: بلغ من توبتهم أن ترادوا المظالم حتى إن الرجل منهم كان يقتلع الحجر وقد وضع عليه أساس بنائه فيرده.

وقيل: خرجوا إلى شيخ من بقية علمائهم فقالوا: قد نزل بنا العذاب فما ترى؟

فقال لهم: قولوا يا حي حين لا حي ويا حي محيي الموتى ويا حي لا إله إلا أنت، فقالوها فكشف عنهم ومتعوا بالإيمان والأعمال الصالحة وبالخيرات الدنيوية إلى حين انقضاء آجالهم.

وعن الفضيل بن عياض قالوا: اللهم إن ذنوبنا قد عظمت وجلت وأنت أعظم منها وأجل، افعل بنا ما أنت أهله ولا تفعل بنا ما نحن أهله.

ثم بيّن أن الإيمان وضده كلاهما بمشيئة الله وتقديره فقال: ﴿ ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً ﴾ قالت الأشاعرة: هذه القضية تفيد الشمول والإحاطة لكنه ما حصل إيمان أهل الأرض بالكلية فدل هذا على أنه  ما أراد إيمان الكل.

وأول المعتزلة المشيئة بمشيئة الإلجاء والقسر.

وأجيب بأن الكلام في الإيمان الذي كان يطلبه النبي منهم وهو الإيمان المنوط به التكليف لا الإيمان القسري الذي لا ينتفع به المكلف، فلو حمل الإيمان المذكور في الآية وكذا المشيئة على إيمان الإلجاء ومشيئة القسر لم ينتظم الكلام.

ثم ذكر أن القدرة القاهرة والمشيئة النافذة ليست إلا للحق  وتعالى فقال: ﴿ أفأنت تكره ﴾ فأولى الاسم حرف الاستفهام للإعلام بأن الإكراه ممكن مقدور عليه، وإنما الكلام في المكره من هو وما هو إلا الله وحده.

فحمل المعتزلة هذا الإكراه على الإلجاء ومعناه أن يفعل في قلوبهم ما يضطرون عنده إلى الإيمان.

وحمل الأشاعرة الإكراه على خلق الإيمان ومعناه أنه قادر على خلق الإيمان والكفر فيهم لا أنت بدليل قوله: ﴿ وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس ﴾ أي الكفر والفسق ﴿ على الذين لا يعقلون ﴾ وفسر المعتزلة الإذن بمنح الألطاف والرجس بالخذلان، لأن الرجس هو العذاب والخذلان سببه، وخصصوا النفس بالنفس المعلوم إيمانها والذين لا يعقلون يعني المصرين على الكفر.

واستدلت الأشاعرة بقوله: ﴿ وما كان لنفس ﴾ على أنه لا حكم للأشياء قبل ورود الشرع لأن الإذن عبارة عن الإطلاق في الفعل ورفع الحجر.

وإذا كان أصل الشرع - وهو الإيمان بإذن الله - فما ترتب عليه أولى.

أجابت المعتزلة بأن المراد بالإذن التوفيق والتسهيل والألطاف.

ولما بين أن الإيمان لا يحصل إلا بمشيئة الله تعالى أمر بالنظر والاستدلال بالدلائل السماوية والأرضية حتى لا يتوهم أن الحق هو الجبر المحض فقال: ﴿ قل انظروا ماذا في السموات والأرض ﴾ أي شيء فيهما من الآيات والعبر.

ثم ذكر أن التفكر والتدبر في هذه الدلائل لا ينفع في حكم الله عليه في الأزل بالشقاء فقال: ﴿ وما تغني ﴾ يحتمل أن تكون "ما" نافية أي لا تفيد هذه ﴿ الآيات والنذر ﴾ وهي جمع نذير صفة أو مصدر في حق المحكوم عليهم بعدم الإيمان.

وأن تكون} استفهامية للإنكار بمعنى أي شيء يغني عنهم؟

ثم قال: ﴿ فهل ينتظرون ﴾ والمراد أن الأنبياء المتقدمين كانوا يتوعدون كفار زمانهم بأيام مشتملة على أنواع العذاب أو بوقائع الله فيهم وهم يكذبونهم ويسخرون منهم، وكذلك كان يفعل الكفار المعاصرون للرسول  فقال  ﴿ قل فانتظروا ﴾ وفيه تهديد ووعيد بأنه سينزل بهؤلاء مثل ما أنزل بأولئك من الإهلاك بعد إنجاء الرسول وأتباعه كما حكى تلك الأحوال الماضية بقوله: ﴿ ثم ننجي رسلنا ﴾ الآية.

قالت المعتزلة: ﴿ حقاً علينا ﴾ المراد به الوجوب والاستحقاق إذ لا يحسن تعذيب الرسول والمؤمنين.

وقالت الأشاعرة: إنه حق بحسب الوعد والحكم فإن العبد لا يستحق على خالقه شيئاً.

ثم أمر رسوله بإظهار التباين الصريح بين طريقته وطريقة المشركين فقال: ﴿ قل يا أيها الناس ﴾ والمعنى يا أهل مكة إن كنتم لا تعرفون ديني فاعلموا أني مبرأ عن أديانكم الباطلة ﴿ ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم ﴾ وتخصيص هذا الوصف لأنه يدل على الخلق أوّلاً وعلى الإعادة ثانياً كما مر مراراً، أو لأن الموت أشد الأحوال مهابة في القلوب فكان أقوى في الزجر والردع، أو لأنه قد قدم ذكر الإهلاك والوقائع النازلة بالأمم الخالية فكأنه قال: أعبد الله الذي وعدني بإهلاككم وإنجائي.

وفي الآية إشارة إلى أنه لن يوافقهم في دينهم كيلا يشكوا في أمره ويقطعوا أطماعهم عنه.

ولما ذكر أنه لا يعبد إلا الله بين أنه مأمور بالإيمان والمعرفة فقال: ﴿ وأمرت أن أكون ﴾ أي بأن أكون ﴿ من المؤمنين ﴾ ثم عطف عليه قوله: ﴿ وأن أقم وجهك ﴾ ولا تدع نظراً إلى المعنى كأنه قيل له: كن مؤمناً ثم أقم ولا تدع، أو المراد وأمرت بكذا وأوحي إلي أن أقم.

قال في الكشاف: قد سوغ سيبويه أن يوصل "أن" بالأمر والنهي وشبه ذلك بقولهم: أنت الذي تفعل على الخطاب لأن الغرض وصلها بما يكون معه في معنى المصدر، والأمر والنهي دالان على المصدر دلالة غيرهما من الأفعال، ومعنى ﴿ أقم وجهك ﴾ استقم إليه ولا تلتفت يميناً ولا شمالاً.

و ﴿ حنيفاً ﴾ حال من ﴿ الدين ﴾ أو من الوجه.

قال المحققون: الوجه ههنا وجه العقل أو المراد توجه الكلية إلى طلب الدين كمن يريد أن ينظر إلى شيء نظراً تاماً فإنه يقيم وجهه في مقابلته لا يصرفه عنه.

ثم أكد الأمر بالنهي عن ضده فقال: ﴿ ولا تكونن من المشركين ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت ﴾ أي فإن دعوت من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك، وكنى عنه بالفعل للاختصار.

و "إذا" جزاء للشرط وجواب لسؤال مقدر كأن سائلاً سأل عن تبعة عبادة الأوثان وجعل من الظالمين لأن إضافة التصرف بالاستقلال إلى ما سوى مدبر الكل وضع للشيء في غير موضعه.

ثم صرح بأنه مبدأ الكائنات ومنتهى الحاجات لا غيره فقال: ﴿ وإن يمسسك الله ﴾ الآية.

وقد مر تفسير مثلها في أول سورة الأنعام.

قال الواحدي: ﴿ وإن يردك بخير ﴾ من القلب وأصله وإن يرد بك الخير، ولكنه لما تعلق كل واحد منهما بالآخر جاز إبدال كل واحد منهمابالآخر.

وأقول في تخصيص الإرادة بجانب الخير والمس بجانب الشر دليل على أن الخير يصدر عنه  بالذات والشر بالعرض.

ثم ختم السورة بما يستدل به على قضائه وقدره في الهداية والضلال فقال: ﴿ قل يا أيها الناس ﴾ الآية.

وفسرها الأشاعرة بأن من حكم له في الأزل بالاهتداء فسيقع له ذلك، وإن من حكم له بالضلال فكذلك ولا حيلة في دفعه كما مر في سورة الأنعام ﴿ قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه  ﴾ الآية.

وقالت المعتزلة: المراد أنه بين الشريعة وأزاح العلة وقطع المعذرة، فمن اختار الهدى فما نفع باختياره إلا نفسه، ومن آثر الضلال فلا يعود وباله إلا على نفسه.

يروى عن ابن عباس أن الآية منسوخة بآية القتال ولا يخفى ضعفه.

ثم أمره باتباع الوحي والتنزيل فإن وصل إليه بسبب الاتباع مكروه فليصبر عليه إلى أن يحكم الله وهو خير الحاكمين.

ولبعضهم في الصبر: سأصبر حتى يعجز الصبر عن صبري *** وأصبر حتى يحكم الله في أمري سأصبر حتى يعلم الصبر أنني *** صبرت على شيء أمر من الصبر التأويل: ﴿ ولقد بوأنا بني إسرائيل ﴾ يعني متولدات الروح العلوي من القلب والسر دون النفس لأنها من البنات لا من البنين ﴿ مبوأ صدق ﴾ منزلاً علياً في العالم النوراني ﴿ وزقناهم من الطيبات ﴾ من الفيض الرباني الفائض على الروح لأن الروح مستوٍ على عرش القلب، فكل ما فاض من صفة الروحانية على الروح يفيض الروح على القلب والسر، فما اختلف القلب والسر حتى جاءهم دعوة النبي  : فمن قبلها صار مقبولا، ومن ردها كان مردوداً.

وبوجه آخر ﴿ مبوأ صدق ﴾ بين الأصبعين من أصابع الرحمن ﴿ فما اختلفوا ﴾ حتى أدركهم علم الله الأزلي بالسعادة والشقاء ﴿ فإن كنت في شك ﴾ خلق الإنسان ضعيفاً، فإذا انفتح عليه أبواب الكرامات وهبت رياح السعادات فربما ظن أنه مما يخادع به الأطفال فلا يدري هل هو من كرامة الاجتباء أو من وخامة الابتلاء، فكان النبي  من خصوصية ﴿ إنما أنا بشر مثلكم  ﴾ يرتع في هذه الرياض وباختصاص ﴿ يوحي إلي  ﴾ يسقى بكساسات المناولات من تلك الحياض.

فشك عند سكره أنها من شهود التلوين أو من كشوف التمكين، فأدركته العناية الأزلية فأكرم بخطاب ﴿ لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن ﴾ بل كان هذا النهي نهي التكوين فما كان ممترياً ولهذا قال: والله لا أشك ولا أسأل.

﴿ إلا مثل أيام الذين خلوا ﴾ من أنه كل ميسر لما خلق له ﴿ قل فانتظروا ﴾ ظهور ما قدر لكم ﴿ ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم ﴾ بالفناء عن النفس وصفاتها حنيفاً طاهراً عن لوث الالتفات إلى ما سواه والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ فَاسْأَلِ ٱلَّذِينَ يَقْرَءُونَ ٱلْكِتَابَ ﴾ : اختلف فيه؛ قال بعضهم: [الخطاب به لرسول الله والمراد منه غيره.

وقال بعضهم: الخطاب به المراد به جميعاً غيره.

وقال بعضهم] الخطاب به والمراد به رسول الله ما كنت في شك مما أخبرتهم وأنبأتهم، فمن قال: الخطاب لرسول الله والمراد به غيره، وهو ما ظهر في الناس أنهم يخاطبون من هو أعظم منزلة عندهم وقدرا ويريدون به غيره، وإلا لا يحتمل أن يكون رسول الله يشك فيما أنزل إليه قط أو يرتاب؛ كقوله: ﴿ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا...

﴾ الآية [الإسراء: 23]، ومعلوم أنه في وقت ما خوطب به لم يكن أبواه أحياء دل أنه أراد به غيره؛ فعلى ذلك الأول.

ومن قال: الخطاب والمراد به من غير رسول الله  يقول: إن الوفود من الكفرة كانوا يتقدمون رسول الله فيسألونه شيئاً فشيئاً فيخاطب الذي يتقدم، وكان يحضره الوحدان والجماعة يقول: ﴿ فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ فَاسْأَلِ ٱلَّذِينَ يَقْرَءُونَ ٱلْكِتَابَ ﴾ .

وقوله: ﴿ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ﴾ على هذا التأويل هو منزل إليه؛ إذ كل منزل على رسول الله منزل عليه وإليه وإلى كل أحد كقوله: ﴿ ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ  ﴾ أمرهم باتباع ما أنزل إليهم دل أن كل منزل على رسول الله منزل عليهم.

ومن قال: الخطاب والمراد به رسول الله قال لما لا يحتمل أن يكون رسول الله يشك في شيء مما أنزل إليه، ولكنه يريد به التقرير عنده لقول الكفار إن الذي يلقي على محمد شيطان فيريد به التقرير عنده، أو يخاطب به كل شاك؛ كقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ  ٱلَّذِي  ﴾ هو يخاطب إنساناً واحداً، ولكن المراد به كل إنسان مغرور وكل كافر، وذلك جائز في القرآن كثير أن يخاطب به كلا في نفسه.

ومن قال: خاطب به رسوله وأراد هو - أيضاً - وهو كان في الابتداء على غير يقين أنه يوحى إليه أو لا؛ كقوله: ﴿ وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ  ﴾ ، وقوله: ﴿ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَابُ وَلاَ ٱلإِيمَانُ  ﴾ فقال: ﴿ فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ فَاسْأَلِ ٱلَّذِينَ يَقْرَءُونَ ٱلْكِتَابَ ﴾ الأنباء التي أخبرتهم وأنبأتهم وادعيت أنها أوحيت إليك ليخبروك على ما أخبرتهم.

وقوله: ﴿ فَاسْأَلِ ٱلَّذِينَ يَقْرَءُونَ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ ﴾ قال بعضهم: فاسأل الذين يقرءون الكتاب يعني من آمن منهم.

وقال بعضهم: سل أهل الكتاب منهم يخبرونك؛ لأنه مكتوب عندهم؛ كقوله: ﴿ يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ...

﴾ الآية [الأعراف: 157].

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَقَدْ جَآءَكَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ ﴾ قيل: الحق القرآن جاء من ربك، وقيل: جاء البيان أنه من عند الله.

وقوله: ﴿ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ ﴾ : الشاكين.

﴿ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ ﴾ : هو ما ذكرنا أنه يريد بالخطاب غيره، وإلا لا يحتمل أن يكون رسول الله  يكون من الشاكين، أو يكون من الذين يكذبون بآيات الله، أو يكون من الخاسرين.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولا تكونن من الذين كذبوا بحجج الله وبراهينه فتكون بذلك من الخاسرين الذين خسروا أنفسهم بإيرادها موارد الهلاك بسبب كفرهم، وكل هذا التحذير لبيان خطورة الشك والتكذيب، وإلّا فإن النبي معصوم عن أن يصدر منه شيء من هذا.

<div class="verse-tafsir" id="91.8x0yr"

مزيد من التفاسير لسورة يونس

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله