الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ٩٦ من سورة يونس
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 58 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٩٦ من سورة يونس: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ولهذا قال تعالى : ( إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم ) أي : لا يؤمنون إيمانا ينفعهم ، بل حين لا ينفع نفسا إيمانها ؛ ولهذا لما دعا موسى ، عليه السلام ، على فرعون وملئه قال : ( ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم ) [ يونس : 88 ] ، كما قال تعالى : ( ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون ) [ الأنعام : 111 ] ثم قال تعالى :
القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ (96) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إن الذين وجبت عليهم يا محمد ، " كلمة ربك "، هي لعنته إياهم بقوله: أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ، [سورة هود: 18]، فثبتت عليهم.
* * * يقال منه: " حق على فلان كذا يحقُّ عليه "، إذا ثبت ذلك عليه ووجب.
(38) ------------------------ الهوامش: (38) انظر تفسير " حق " فيما سلف ص : 85
قوله تعالى إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنونقوله تعالى إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون تقدم القول فيه في هذه [ ص: 289 ] السورة .
قال قتادة : أي الذين حق عليهم غضب الله وسخطه بمعصيتهم لا يؤمنون .
تفسير الآيتين 96 و 97 : ـ يقول تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ } أي: إنهم من الضالين الغاوين أهل النار، لا بد أن يصيروا إلى ما قدره الله وقضاه، فلا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية، فلا تزيدهم الآيات إلا طغيانا، وغيا إلى غيهم.
وما ظلمهم الله، ولكن ظلموا أنفسهم بردهم للحق، لما جاءهم أول مرة، فعاقبهم الله، بأن طبع على قلوبهم وأسماعهم، وأبصارهم، فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم، الذي وعدوا به.
فحينئذ يعلمون حق اليقين، أن ما هم عليه هو الضلال، وأن ما جاءتهم به الرسل هو الحق.
ولكن في وقت لا يجدي عليهم إيمانهم شيئًا، فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم، ولا هم يستعتبون، وأما الآيات فإنها تنفع من له قلب، أو ألقى السمع وهو شهيد.
قوله تعالى : ( إن الذين حقت عليهم ) وجبت عليهم ، ( كلمة ربك ) قيل : لعنته .
وقال قتادة : سخط الله .
وقيل : " الكلمة " هي قوله : هؤلاء في النار ولا أبالي .
( لا يؤمنون ) .
«إن الذين حَقَّت» وجبت «عليهم كلمة ربك» بالعذاب «لا يؤمنون».
إن الذين حقَّت عليهم كلمة ربك -أيها الرسول- بطردهم من رحمته وعذابه لهم، لا يؤمنون بحجج الله، ولا يقرُّون بوحدانيته، ولا يعملون بشرعه.
وقوله : ( إِنَّ الذين حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ .
وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حتى يَرَوُاْ العذاب الأليم ) توبيخ للكافرين على إصرارهم على الكفر ، وجحودهم للحق .والمراد بكلمة ربك : حكمه النافذ ، وقضاؤه الذى لا يرده ، وسنته التى لا تتغير ولا تتبدل فى الهداية والإِضلال .والمراد بالآية : المعجزات والبراهين الدالة على صدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - .أى : إن الذين حكم الله - تعالى - عليهم بعدم الإِيمان - لأنهم استحبوا العمى على الهدى - لا يؤمنون بالحق الذى جئت به - أيها الرسول الكريم .
.
مهما سقت لهم من معجزات وبراهين دالة على صدقك .
.ولكنهم سيؤمنون بأن ما جئت به هو الحق ، حين يرون العذاب الأليم وقد نزل بهم من كل جانب .وهنا سيكون إيمانهم كلا إيمان ، لأنه جاء فى غير وقته ، وصدق الله إذ يقول : ( فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا .
.
) وسيكون حالهم كحال فرعون ، الذى عندما أدركه الغرق قال آمنت .وبذك ترى الآيات الكريمة قد نهت عن الشك والافتراء فى شأن الحق الذى جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - بأبلغ أسلوب ، وأقوى بيان ، كما بينت سنة من سنن الله فى خلقه ، وهى أن من لا يأخذ بأسباب الهدى لا يهتدى ، ومن لا يفتح بصيرته للنور لا يراه ، فتكون نهايته إلى الضلال ، مهما تكن الآيات والبينات الدالة على طريق الحق .ثم فتحت السورة الكريمة للمكذبين باب الأمل والنجاة ، فذكرتهم بقوم يونس - عليه السلام - الذين نجوا من العذاب بسبب إيمانهم ، كما ذكرتهم بإرادة الله التامة ، وقدتره النافذة ، ودعتهم إلى الاعتبار والاتعاظ بما اشتمل عليه هذا الكون .
اعلم أنه تعالى لما ذكر من قبل اختلافهم عند ما جاءهم العلم أورد على رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الآية ما يقوي قلبه في صحة القرآن والنبوة، فقال تعالى: ﴿ فَإِن كُنتَ فِي شَكّ مّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال الواحدي الشك في وضع اللغة، ضم بعض الشيء إلى بعض، يقال: شك الجواهر في العقد إذا ضم بعضها إلى بعض.
ويقال شككت الصيد إذا رميته فضممت يده أو رجله إلى رجله والشكائك من الهوادج ما شك بعضها ببعض والشكاك البيوت المصطفة والشكائك الأدعياء، لأنهم يشكون أنفسهم إلى قوم ليسوا منهم، أي يضمون، وشك الرجل في السلاح، إذا دخل فيه وضمه إلى نفسه وألزمه إياها، فإذا قالوا: شك فلان في الأمور أرادوا أنه وقف نفسه بين شيئين، فيجوز هذا، ويجوز هذا فهو يضم إلى ما يتوهمه شيئاً آخر خلافه.
المسألة الثانية: اختلف المفسرون: في أن المخاطب بهذا الخطاب من هو؟
فقيل النبي عليه الصلاة والسلام.
وقيل غيره، أما من قال بالأول: فاختلفوا على وجوه.
الوجه الأول: أن الخطاب مع النبي عليه الصلاة والسلام في الظاهر، والمراد غيره كقوله تعالى: ﴿ يا أيها النبى اتق الله وَلاَ تُطِعِ الكافرين والمنافقين ﴾ وكقوله: ﴿ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ﴾ وكقوله: ﴿ ياعيسى ابن مَرْيَمَ أَءنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ﴾ ومن الأمثلة المشهورة: إياك أعني واسمعي يا جاره.
والذي يدل على صحة ما ذكرناه وجوه: الأول: قوله تعالى في آخر السورة ﴿ يا أيها الناس إِن كُنتُمْ فِي شَكّ مّن دِينِى ﴾ فبين أن المذكور في أول الآية على سبيل الرمز، هم المذكورون في هذه الآية على سبيل التصريح.
الثاني: أن الرسول لو كان شاكاً في نبوة نفسه لكان شك غيره في نبوته أولى وهذا يوجب سقوط الشريعة بالكلية.
والثالث: أن بتقدير أن يكون شاكاً في نبوة نفسه، فكيف يزول ذلك الشك بأخبار أهل الكتاب عن نبوته مع أنهم في الأكثر كفار، وإن حصل فيهم من كان مؤمناً إلا أن قوله ليس بحجة لا سيما وقد تقرر أن ما في أيديهم من التوراة والإنجيل، فالكل مصحف محرف، فثبت أن الحق هو أن الخطاب، وإن كان في الظاهر مع الرسول صلى الله عليه وسلم إلا أن المراد هو الأمة، ومثل هذا معتاد، فإن السلطان الكبير إذا كان له أمير، وكان تحت راية ذلك الأمير جمع، فإذا أراد أن يأمر الرعية بأمر مخصوص، فإنه لا يوجه خطابه عليهم، بل يوجه ذلك الخطاب على ذلك الأمير الذي جعله أميراً عليهم، ليكون ذلك أقوى تأثيراً في قلوبهم.
الوجه الثاني: أنه تعالى علم أن الرسول لم يشك في ذلك، إلا أن المقصود أنه متى سمع هذا الكلام، فإنه يصرح ويقول: يا رب لا أشك ولا أطلب الحجة من قول أهل الكتاب بل يكفيني ما أنزلته علي من الدلائل الظاهرة ونظيره قوله تعالى للملائكة: ﴿ أَهَؤُلاَء إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ ﴾ والمقصود أن يصرحوا بالجواب الحق ويقولوا: ﴿ سبحانك أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ الجن ﴾ وكما قال لعيسى عليه السلام: ﴿ أأنت قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذونى وَأُمّىَ إلهين مِن دُونِ الله ﴾ والمقصود منه أن يصرح عيسى عليه السلام بالبراءة عن ذلك فكذا هاهنا.
الوجه الثالث: هو أن محمداً عليه الصلاة والسلام كان من البشر، وكان حصول الخواطر المشوشة والأفكار المضطربة في قلبه من الجائزات، وتلك الخواطر لا تندفع إلا بإيراد الدلائل وتقرير البينات، فهو تعالى أنزل هذا النوع من التقريرات حتى أن بسببها تزول عن خاطره تلك الوساوس، ونظيره قوله تعالى: ﴿ فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يوحى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ ﴾ وأقول تمام التقرير في هذا الباب إن قوله: ﴿ فَإِن كُنتَ فِي شَكّ ﴾ فافعل كذا وكذا قضية شرطية والقضية الشرطية لا إشعار فيها ألبتة بأن الشرط وقع أو لم يقع.
ولا بأن الجزاء وقع أو لم يقع، بل ليس فيها إلا بيان أن ماهية ذلك الشرط مستلزمة لماهية ذلك الجزاء فقط، والدليل عليه أنك إذا قلت إن كانت الخمسة زوجاً كانت منقسمة بمتساويين، فهو كلام حق، لأن معناه أن كون الخمسة زوجاً يستلزم كونها منقسمة بمتساويين، ثم لا يدل هذا الكلام على أن الخمسة زوج ولا على أنها منقسمة بمتساويين فكذا هاهنا هذه الآية، تدل على أنه لو حصل هذا الشك لكان الواجب فيه هو فعل كذا وكذا، فأما إن هذا الشك وقع أو لم يقع، فليس في الآية دلالة عليه، والفائدة في إنزال هذه الآية على الرسول أن تكثير الدلائل وتقويتها مما يزيد في قوة اليقين وطمأنينة النفس وسكون الصدر، ولهذا السبب أكثر الله في كتابه من تقرير دلائل التوحيد والنبوة.
والوجه الرابع: في تقرير هذا المعنى أن تقول: المقصود من ذكر هذا الكلام استمالة قلوب الكفار وتقريبهم من قبول الإيمان، وذلك لأنهم طالبوه مرة بعد أخرى، بما يدل على صحة نبوته وكأنهم استحيوا من تلك المعاودات والمطالبات، وذلك الاستحياء صار مانعاً لهم عن قبول الإيمان فقال تعالى: ﴿ فَإِن كُنتَ فِي شَكّ ﴾ من نبوتك فتمسك بالدلائل القلائل، يعني أولى الناس بأن لا يشك في نبوته هو نفسه، ثم مع هذا إن طلب هو من نفسه دليلاً على نبوة نفسه بعد ما سبق من الدلائل الباهرة والبينات القاهرة فإنه ليس فيه عيب ولا يحصل بسببه نقصان، فإذا لم يستقبح منه ذلك في حق نفسه فلأن لا يستقبح من غيره طلب الدلائل كان أولى، فثبت أن المقصود بهذا الكلام استمالة القوم وإزالة الحياء عنهم في تكثير المناظرات.
الوجه الخامس: أن يكون التقدير أنك لست شاكاً ألبتة ولو كنت شاكاً لكان لك طرق كثيرة في إزالة ذلك الشك كقوله تعالى: ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَا الِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا ﴾ والمعنى أنه لو فرض ذلك الممتنع واقعاً، لزم منه المحال الفلاني فكذا هاهنا.
ولو فرضنا وقوع هذا الشك فارجع إلى التوراة والإنجيل لتعرف بهما أن هذا الشك زائل وهذه الشبهة باطلة.
الوجه السادس: قال الزجاج: إن الله خاطب الرسول في قوله: ﴿ فَإِن كُنتَ فِي شَكّ ﴾ وهو شامل للخلق وهو كقوله: ﴿ يأيُّهَا النبى إِذَا طَلَّقْتُمُ النساء ﴾ قال: وهذا أحسن الأقاويل، قال القاضي: هذا بعيد لأنه متى كان الرسول داخلاً تحت هذا الخطاب فقد عاد السؤال، سواء أريد معه غيره أو لم يرد وإن جاز أن يراد هو مع غيره، فما الذي يمنع أن يراد بانفراده كما يقتضيه الظاهر، ثم قال: ومثل هذا التأويل يدل على قلة التحصيل.
الوجه السابع: هو أن لفظ ﴿ إن ﴾ في قوله: ﴿ إِن كُنتَ فِي شَكّ ﴾ للنفي أي ما كنت في شك قبل يعني لا نأمرك بالسؤال لأنك شاك لكن لتزداد يقيناً كما ازداد إبراهيم عليه السلام بمعاينة إحياء الموتى يقيناً.
وأما الوجه الثاني: وهو أن يقال هذا الخطاب ليس مع الرسول فتقريره أن الناس في زمانه كانوا فرقاً ثلاثة، المصدقون به والمكذبون له والمتوقفون في أمره الشاكون فيه، فخاطبهم الله تعالى بهذا الخطاب فقال: إن كنت أيها الإنسان في شك مما أنزلنا إليك من الهدى على لسان محمد فاسأل أهل الكتاب ليدلوك على صحة نبوته، وإنما وحد الله تعالى ذلك وهو يريد الجمع، كما في قوله: ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلْإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ ٱلَّذِى خَلَقَكَ فَسَوَّىٰكَ فَعَدَلَكَ ﴾ و ﴿ يأَيُّهَا الإنسان إِنَّكَ كَادِحٌ ﴾ وقوله: ﴿ فَإِذَا مَسَّ الإنسان ضُرٌّ ﴾ ولم يرد في جميع هذه الآيات إنساناً بعينه، بل المراد هو الجماعة فكذا هاهنا ولما ذكر الله تعالى لهم ما يزيل ذلك الشك عنهم حذرهم من أن يلحقوا بالقسم الثاني وهم المكذبون فقال: ﴿ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الذين كَذَّبُواْ بآيات الله فَتَكُونَ مِنَ الخاسرين ﴾ .
المسألة الثالثة: اختلفوا في أن المسؤول منه في قوله: ﴿ فَاسْأَلِ الذين يقرؤن الكتاب ﴾ من هم؟
فقال المحققون هم الذين آمنوا من أهل الكتاب كعبدالله بن سلام، وعبدالله بن صوريا، وتميم الداري، وكعب الأحبار لأنهم هم الذين يوثق بخبرهم، ومنهم من قال: الكل سواء كانوا من المسلمين أو من الكفار، لأنهم إذا بلغوا عدد التواتر ثم قرؤا آية من التوراة والإنجيل، وتلك الآية دالة على البشارة بمقدم محمد صلى الله عليه وسلم فقد حصل الغرض.
فإن قيل: إذا كان مذهبكم أن هذه الكتب قد دخلها التحريف والتغيير، فكيف يمكن التعويل عليها.
قلنا: إنهم إنما حرفوها بسبب إخفاء الآيات الدالة على نبوة محمد عليه الصلاة والسلام فإن بقيت فيها آيات دالة على نبوته كان ذلك من أقوى الدلائل على صحة نبوة محمد عليه الصلاة والسلام، لأنها لما بقيت مع توفر دواعيهم على إزالتها دل ذلك على أنها كانت في غاية الظهور، وأما أن المقصود من ذلك السؤال معرفة أي الأشياء، ففيه قولان: الأول: أنه القرآن ومعرفة نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم.
والثاني: أنه رجع ذلك إلى قوله تعالى: ﴿ فَمَا اختلفوا حتى جَاءهُمُ العلم ﴾ والأول أولى، لأنه هو الأهم والحاجة إلى معرفته أتم.
واعلم أنه تعالى لما بين هذا الطريق قال بعده: ﴿ لَقَدْ جَاءكَ الحق مِن رَّبّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الممترين وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الذين كَذَّبُواْ بآيات الله ﴾ أي فأثبت ودم على ما أنت عليه من انتفاء المرية عنك، وانتفاء التكذيب بآيات الله، ويجوز أن يكون ذلك على طريق التهييج وإظهار التشدد ولذلك قال عليه الصلاة والسلام عند نزوله لا أشك ولا أسأل بل أشهد أنه الحق، ثم قال: ﴿ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الذين كَذَّبُواْ بآيات الله فتكون مّنَ الخاسرين ﴾ .
واعلم أن فرق المكلفين ثلاثة، إما أن يكون من المصدقين بالرسول، أو من المتوقفين في صدقه، أو من المكذبين، ولا شك أن أمر المتوقف أسهل من أمر المكذب، لا جرم قد ذكر المتوقف بقوله: ﴿ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الممترين ﴾ ثم أتبعه بذكر المكذب، وبين أنه من الخاسرين، ثم إنه تعالى لما فصل هذا التفصيل، بين أن له عباداً قضى عليهم بالشقاء فلا يتغيرون وعباداً قضى لهم بالكرامة، فلا يتغيرون، فقال: ﴿ إِنَّ الذين حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ نافع وابن عامر: ﴿ كلمات ﴾ على الجمع، وقرأ الباقون: ﴿ كلمة ﴾ على لفظ الواحد، وأقول إنها كلمات بحسب الكثرة النوعية أو الصنفية وكلمة واحدة بحسب الواحدة الجنسية.
المسألة الثانية: المراد من هذه الكلمة حكم الله بذلك وإخباره عنه، وخلقه في العبد مجموع القدرة والداعية، الذي هو موجب لحصول ذلك الأثر، أما الحكم والأخبار والعلم فظاهر، وأما مجموع القدرة والداعي فظاهر أيضاً، لأن القدرة لما كانت صالحة للطرفين لم يترجح أحد الجانبين على الآخر إلا لمرجح، وذلك المرجح من الله تعالى قطعاً للتسلسل، وعند حصول هذا المجموع يجب الفعل، وقد احتج أصحابنا بهذه الآية على صحة قولهم في إثبات القضاء اللازم والقدر الواجب وهو حق وصدق ولا محيص عنه.
ثم قال تعالى: ﴿ وَلَوْ جَاءتْهُمْ كُلُّ ءايَةٍ حتى يَرَوُاْ العذاب الاليم ﴾ والمراد أنهم لا يؤمنون ألبتة، ولو جاءتهم الدلائل التي لا حد لها ولا حصر، وذلك لأن الدليل لا يهدي إلا بإعانة الله تعالى فإذا لم تحصل تلك الإعانة ضاعت تلك الدلائل.
<div class="verse-tafsir"
﴿ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبّكَ ﴾ ثبت عليهم قول الله الذي كتبه في اللوح وأخبر به الملائكة أنهم يموتون كفاراً فلا يكون غيره.
وتلك كتابة معلوم لا كتابة مقدّر ومراد تعالى الله عن ذلك.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ ﴾ ثَبَتَتْ عَلَيْهِمْ.
﴿ كَلِمَتُ رَبِّكَ ﴾ بِأنَّهم يَمُوتُونَ عَلى الكُفْرِ ويُخَلَّدُونَ في العَذابِ.
﴿ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ إذْ لا يُكْذَّبُ كَلامُهُ ولا يُنْتَقَضُ قَضاؤُهُ.
﴿ وَلَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ ﴾ فَإنَّ السَّبَبَ الأصْلِيَّ لِإيمانِهِمْ وهو تَعَلُّقُ إرادَةِ اللَّهِ تَعالى بِهِ مَفْقُودٌ.
﴿ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ ﴾ وحِينَئِذٍ لا يَنْفَعُهم كَما لا يَنْفَعُ فِرْعَوْنَ.
<div class="verse-tafsir"
{إن الذين حقت عليهم كلمة رَبّكَ} ثبت عليهم قول الله الذي كتبه في اللوح وأخبر به الملائكة أنهم يموتون كفاراً أو قوله لأملأن جهنم الآية ولا وقف على {لاَ يُؤْمِنُونَ} لأن
﴿ إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ ﴾ إلَخْ بَيانُ المَنشَأِ إصْرارُ الكَفَرَةِ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والضَّلالِ إلى حَيْثُ لا يَنْتَفِعُونَ بِالإيمانِ أيْ إنَّ الَّذِينَ ثَبَتَتْ عَلَيْهِمْ ﴿ كَلِمَةُ رَبِّكَ ﴾ أيْ حُكْمُهُ وقَضاؤُهُ المُفَسَّرُ عِنْدَ الأشاعِرَةِ بِإرادَتِهِ تَعالى الأزَلِيَّةِ المُتَعَلِّقَةِ بِالأشْياءِ عَلى ما هي عَلَيْهِ فِيما لا يَزالُ بِأنَّهم يَمُوتُونَ عَلى الكُفْرِ أوْ يُخَلَّدُونَ في النّارِ ﴿لا يُؤْمِنُونَ 96﴾ إذْ لا يُمْكِنُ أنْ يَنْتَقِضَ قَضاؤُهُ سُبْحانَهُ وتَتَخَلَّفَ إرادَتُهُ جَلَّ جَلالُهُ <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ- والله أعلم أنه لم يشكّ ولا يشكّ، ولكن أراد أن يقول ما أشك كما قال لعيسى: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ علم أنه لم يقل، ولكن أراد أن يقول: ما قلت لهم (١) : «لا أسْأَلُ أحَداً، وَلا أشُكُّ فِيهِ، بَلْ أشُهَدُ أنَهُ الحَقُّ» .
وقال القتبي: فيه تأويلان، أحدهما: أن تكون المخاطبة للنبي ، والمراد فيه غيره من الشُّكّاك، لأن القرآن نزل عليه بمذاهب العرب وهم يخاطبون الرجل بشيء، ويريدون به غيره، كما قالوا: إيَّاك أعني، واسمعي يا جارية.
وكقوله: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ [الأحزاب: 1] أراد به الأمة، يدلك عليه قوله تعالى في آخره: إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً [النساء: 94] .
وكقوله: وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ [الزخرف: 45] .
ووجه آخر: أن النّاس كانوا على ثلاث مراتب: منهم من كان مؤمناً، ومنهم من كان كافراً، ومنهم من كان شاكاً، وإنَّما خاطب بهذا الشَّاكَّ.
ثم قال تعالى: لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ يعني: القرآن فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ يعني: من الشاكين، وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ يعني: بالكتاب وبالرسل فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ، يعني: من المغبونين.
قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ، يعني: وجبت عليهم كلمة ربك بالسخط، وقدّر عليهم الكفر، لاَ يُؤْمِنُونَ يعني: لا يصدقون بالقرآن أنه من الله تعالى، وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ يعني: علامة حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ يعني: الهلاك في الدنيا، والعذاب في الآخرة.
قرأ نافع، وابن عامر: كلمات رَبَّكَ وقرأ الباقون: كَلِمَتُ رَبِّكَ.
(١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة «أ» .
<div class="verse-tafsir"
يموتُ، فَنُجِّيَ عَلَى نَجْوَةٍ مِنَ الأَرض، حتى رآه جميعهم ميتاً كأَنه ثَوْرٌ أَحمر، وتحقَّقوا غَرَقَه.
والجمهور «١» على تشديدِ نُنَجِّيكَ فقالت فرقة: معناه: من النَّجَاةِ، أي: من غمراتِ البَحْرِ والماءِ، وقال جماعة: معناه: نُلْقِيكَ على نَجْوة من الأرض، وهي: ما ارتفع منها، وقرأ يعقوب «٢» بسكون النونِ وتخفيف الجيم، وقوله: بِبَدَنِكَ قالت فرقة: معناه:
بشَخْصِكَ، وقالتْ فرقة: معناه: بِدِرْعِكَ، وقرأ الجمهورُ «٣» : «خَلْفَكَ» ، أي: من أَتَى بعدك، وقرىء شاذًّا: «لِمَنْ خَلَفَكَ» «٤» - بفتح اللام-، والمعنى: ليجعلك اللَّه آيَةً له في عبادِهِ، وباقي الآية بيِّن.
وقوله سبحانه: وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ: المعنى: ولقد اخترنا لبني إِسرائيل أَحْسَنَ اختيار، وأحللناهم مِنَ الأماكن أحْسَنَ محلّ، ومُبَوَّأَ صِدْقٍ: أي: يصدُقُ فيه ظنُّ قاصده وساكنه، ويعني بهذه الآية إِحلاَلُهُمْ بلادَ الشَّامِ وبَيْتَ المَقْدِسِ قاله قتادة وابن زَيْد، وقيل: بلاد الشام ومصر، والأول أصحُّ، وقوله سبحانه: فَمَا اخْتَلَفُوا أيْ: في نبوَّة نبينا محمَّد عليه السلام، وهذا التخصيصُ هو الذي وقع في كُتُب المتأوِّلين كلِّهم، وهو تأويلٌ يحتاج إِلى سند، والتأويل الثاني الذي يحتمله اللفظُ: أنَّ بني إِسرائيل لم يكن لهم اختلاف على موسَى في أول حاله، فلما جاءَهُم العلْمُ والأوامرُ، وغَرَقُ فرعَوْنَ، اختلفوا، فالآية ذامَّة لهم.
ت: فَرَّ رحمه اللَّه من التخصيص، فوقع فيه، فلو عمَّم اختلافهم على أنبيائهم موسَى وغيرِهِ، وعلَى نبيِّنا، لكان أَحْسَنَ، وما ذهب إِليه المتأوِّلون من التخصيص أَحْسَنُ لقرينةِ قوله: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ، فالربطُ بين الآيتين واضح، والله أعلم.
فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ (٩٤) وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ (٩٥) إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٩٧)
وقوله عز وجل: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ ...
الآية: الصوابُ في معنى الآية: أنها مخاطبة للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، والمراد بها سِوَاهُ مِنْ كُلِّ من يمكِنُ أن يشُكَّ أو يعارِض.
ت: ورُوينَا عن أبي داود سُلَيْمَانَ بْنِ الأَشْعَثِ، قال: حدَّثنا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن هَارُونَ، قال: حدَّثنا محمَّد بنِ عَمْرٍو، عن أَبي سَلَمَةَ، عن أبي هُرَيْرَةَ رضي اللَّه عنه، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، قال: «المِرَاءُ في القُرْآنِ كُفْرٌ» «١» ، قال عِيَاض في «الشفا» :
تأول بمعنى «الشك» ، وبمعنى «الجِدَال» .
انتهى.
والَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ: من أسلم من أهْلِ الكتاب، كابن سَلاَمٍ وغيره، وروي عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال لَمَّا نزَلَتْ هذه الآية: «أَنَا لاَ أَشُكُّ وَلاَ أَسْأَلُ» «٢» ، ثم جزم سبحانه الخَبَر بقوله: لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ، واللام في «لَقَدْ» لامُ قَسَم.
وقوله: مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ يريد به: من أَن بني إِسرائيل لم يختلفوا في أمْره إِلا مِنْ بعد مجيئهِ عَلَيْه السلام هذا قول أهل التأويل قاطبة.
قال ع «٣» : وهذا هو الذي يشبه أنْ تُرْجَى إِزالةُ الشَّكِّ فيه مِنْ قبل أهل الكتاب،
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ أيْ: أنْزَلْناهم مَنزِلَ صِدْقٍ، أيْ مَنزِلًا كَرِيمًا.
وفي المُرادِ بِبَنِي إسْرائِيلَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أصْحابُ مُوسى.
والثّانِي: قُرَيْظَةُ والنَّضِيرُ.
وفي المُرادِ بِالمَنزِلِ الَّذِي أُنْزِلُوهُ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ الأُرْدُنُ، وفِلَسْطِينُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: الشّامُ، وبَيْتُ المَقْدِسِ، قالَهُ الضَّحّاكُ وقَتادَةُ.
والثّالِثُ: مِصْرُ، رُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ أيْضًا.
والرّابِعُ: بَيْتُ المَقْدِسِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والخامِسُ: ما بَيْنَ المَدِينَةِ والشّامِ مِن أرْضِ يَثْرِبَ، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ.
والمُرادُ بِالطَّيِّباتِ: ما أُحِلَّ لَهم مِنَ الخَيْراتِ الطَّيِّبَةِ.
﴿ فَما اخْتَلَفُوا ﴾ يَعْنِي بَنِي إسْرائِيلَ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما اخْتَلَفُوا في مُحَمَّدٍ، لَمْ يَزالُوا بِهِ مُصَدِّقِينَ، ﴿ حَتّى جاءَهُمُ العِلْمُ ﴾ يَعْنِي: القُرْآنَ، ورُوِيَ عَنْهُ: حَتّى جاءَهُمُ العِلْمُ، يَعْنِي مُحَمَّدًا.
فَعَلى هَذا يَكُونُ العِلْمُ هاهُنا: عِبارَةً عَنِ المَعْلُومِ.
وبَيانُ هَذا أنَّهُ لَمّا جاءَهُمُ، اخْتَلَفُوا في تَصْدِيقِهِ، وكَفَرَ بِهِ أكْثَرُهم بَغْيًا وحَسَدًا بَعْدَ أنْ كانُوا مُجْتَمِعِينَ عَلى تَصْدِيقِهِ قَبْلَ ظُهُورِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ ﴾ في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ الخِطابَ لِلنَّبِيِّ والمُرادُ غَيْرُهُ مِنَ الشّاكِّينَ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ في آخِرِ السُّورَةِ: ﴿ إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِن دِينِي ﴾ ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴾ ولَمْ يَقُلْ: بِما تَعْمَلُ، وهَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ.
والثّانِي: أنَّ الخِطابَ لِلنَّبِيِّ ، وهو المُرادُ بِهِ.
ثُمَّ في المَعْنى قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ خُوطِبَ بِذَلِكَ وإنْ لَمْ يَكُنْ في شَكٍّ، لِأنَّهُ مِنَ المُسْتَفِيضِ في لُغَةِ العَرَبِ أنْ يَقُولَ الرَّجُلَ لِوَلَدِهِ: إنْ كُنْتَ ابْنِي فَبِرَّنِي، ولِعَبْدِهِ: إنْ كُنْتَ عَبْدِي فَأطِعْنِي، وهَذا اخْتِيارُ الفَرّاءُ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ في شَكٍّ، ولا سَألَ.
والثّانِي: أنْ تَكُونَ " إنْ " بِمَعْنى " ما " فالمَعْنى: ما كُنْتَ في شَكٍّ ﴿ فاسْألِ ﴾ ، المَعْنى: لَسْنا نُرِيدُ أنْ نَأْمُرَكَ أنْ تَسْألَ لِأنَّكَ شاكٌّ، ولَكِنْ لِتَزْدادَ بَصِيرَةً، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.
والثّالِثُ: أنَّ الخِطابَ لِلشّاكِّينَ، فالمَعْنى: إنْ كُنْتَ أيُّها الإنْسانُ في شَكٍّ مِمّا أُنْزِلَ إلَيْكَ عَلى لِسانِ مُحَمَّدٍ، فَسَلْ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ قُتَيْبَةَ.
وَفِي الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أُنْزِلَ إلَيْهِ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ.
والثّانِي: أنَّهُ مَكْتُوبٌ عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ ﴾ وهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى.
وفي الَّذِينَ أُمِرَ بِسُؤالِهِمْ مِنهم قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَن آمَنَ، كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ في آخَرِينَ.
والثّانِي: أهْلُ الصِّدْقِ مِنهم، قالَهُ الضَّحّاكُ، وهو يَرْجِعُ إلى الأوَّلِ، لِأنَّهُ لا يُصَدِّقُ إلّا مَن آمَنَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَقَدْ جاءَكَ الحَقُّ مِن رَبِّكَ ﴾ هَذا كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ ﴾ أيْ: وجَبَتْ ﴿ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ﴾ أيْ: قَوْلُهُ.
وبِماذا حَقَّتِ الكَلِمَةُ عَلَيْهِمْ، فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: بِاللَّعْنَةِ.
والثّانِي: بِنُزُولِ العَذابِ.
والثّالِثُ: بِالسُّخْطِ.
والرّابِعُ: بِالنِّقْمَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ ﴾ قالَ الأخْفَشُ: إنَّما أنَّثَ فِعْلُ " كَلٍّ " لِأنَّهُ أضافَهُ إلى " آيَةٍ " وهي مُؤَنَّثَةٌ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ وَلَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ ﴾ ﴿ فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إيمانُها إلا قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عنهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُنْيا ومَتَّعْناهم إلى حِينٍ ﴾ جاءَ هَذا تَحْذِيرًا مُرَدَّدًا وإعْلامًا بِسُوءِ حالِ المَحْتُومِ عَلَيْهِمْ، والمَعْنى: إنَّ اللهَ أوجَبَ لَهم سُخْطَهُ في الأزَلِ وخَلَقَهم لِعَذابِهِ، فَلا يُؤْمِنُونَ ولَوْ جاءَهم كُلُّ بَيانٍ وكُلُّ وُضُوحٍ إلّا في الوَقْتِ الَّذِي لا يَنْفَعُهم فِيهِ إيمانٌ، كَما صَنَعَ فِرْعَوْنُ وأشْباهُهُ مِنَ الخَلْقِ، وذَلِكَ وقْتَ المُعايَنَةِ، وفي ضِمْنِ الألْفاظِ التَحْذِيرُ مِن هَذِهِ الحالِ، وبَعْثُ الكُلِّ عَلى المُبادَرَةِ إلى الإيمانِ، والفِرارِ مِن سُخْطِ اللهِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ: "كَلِمَةُ" بِالإفْرادِ، وقَرَأ نافِعٌ، وأهْلُ المَدِينَةِ: "كَلِماتُ" بِالجَمْعِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذِهِ التَرْجَمَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ ﴾ الآيَةُ.
في مُصْحَفِ أُبَيٍّ، وابْنِ مَسْعُودٍ: "فَهَلّا"، والمَعْنى فِيهِما واحِدٌ، وأصْلُ "لَوْلا" في الكَلامِ التَحْضِيضُ أوِ الدَلالَةُ عَلى مَنعِ أمْرٍ لِوُجُودِ غَيْرِهِ، فَأمّا هَذِهِ فَبَعِيدَةٌ عن هَذِهِ الآيَةِ، لَكِنَّها مِن جُمْلَةِ الَّتِي هي لِلتَّحْضِيضِ، وحَقِيقَةُ التَحْضِيضِ بِها أنْ يَكُونَ المُحَضِّضُ يُرِيدُ مِنَ المُخاطَبِ فِعْلَ ذَلِكَ الشَيْءِ الَّذِي يَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وقَدْ تَجِيءُ "لَوْلا" ولَيْسَ مِن قَصْدِ المُخاطَبِ أنْ يَحُضَّ المُخاطَبَ عَلى فِعْلِ ذَلِكَ الشَيْءِ فَيَكُونُ حِينَئِذٍ المَعْنى تَوْبِيخًا، كَقَوْلِ جَرِيرٍ: ..........................
∗∗∗ لَوْلا الكَمِّيَّ المُقَنَّعا وذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ حَضَّهم عَلى عَقْرِ الكَمِّيِّ، كَقَوْلِكَ لِرَجُلٍ قَدْ وقَعَ في أمْرٍ صَعْبٍ: "لَوْلا تَحَرَّزْتَ"، وهَذِهِ الآيَةُ مِن هَذا القَبِيلِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومَفْهُومٌ مِن مَعْنى الآيَةِ نَفْيُ إيمانِ أهْلِ القُرى، ومَعْنى الآيَةِ: فَهَلّا آمَنَ مِن أهْلِ القَرْيَةِ وَهم عَلى مَهَلٍ لَمْ يَلْتَبِسِ العَذابُ بِهِمْ فَيَكُونَ الإيمانُ نافِعًا في هَذِهِ الحالَةِ، ثُمَّ اسْتَثْنى قَوْمَ يُونُسَ عَلَيْهِ السَلامُ، فَهو بِحَسَبِ اللَفْظِ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، وكَذَلِكَ رَسَمَهُ النَحْوِيُّونَ أجْمَعَ، وهو بِحَسَبِ المَعْنى مُتَّصِلٌ لِأنَّ تَقْدِيرَهُ: ما آمَنَ مِن أهْلِ قَرْيَةٍ إلّا قَوْمَ يُونُسَ عَلَيْهِ السَلامُ، والنَصْبُ في قَوْلِهِ: ﴿ إلا قَوْمَ ﴾ هو الوَجْهُ، ولِذَلِكَ أدْخَلَهُ سِيبَوَيْهِ في بابِ "ما لا يَكُونُ فِيهِ إلّا النَصْبُ"، وكَذَلِكَ مَعَ انْقِطاعِ الِاسْتِثْناءِ، ويُشْبِهُ الآيَةَ قَوْلُ النابِغَةِ: إلّا الأُوارِيَّ...............
∗∗∗ ∗∗∗.......................
وذَلِكَ هو حُكْمُ لَفْظِ الآيَةِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: يَجُوزُ فِيهِ الرَفْعُ وهَذا اتِّصالُ الِاسْتِثْناءِ، وقالَ المَهْدَوِيُّ: والرَفْعُ عَلى البَدَلِ مِن "قَرْيَةٌ".
ورُوِيَ في قِصَّةِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَلامُ: أنَّ القَوْمَ لَمّا كَفَرُوا أوحى اللهُ إلَيْهِ أنْ أنْذِرْهم بِالعَذابِ لِثَلاثَةٍ، فَفَعَلَ فَقالُوا: هو رَجُلٌ لا يَكْذِبُ فارْقُبُوهُ، فَإنْ أقامَ بَيْنَأظْهُرِكم فَلا عَلَيْكُمْ، وإنِ ارْتَحَلَ عنكم فَهو نُزُولُ العَذابِ لا شَكَّ، فَلَمّا كانَ اللَيْلُ تَزَوَّدَ يُونُسُ عَلَيْهِ السَلامُ وخَرَجَ عنهُمْ، فَأصْبَحُوا فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَتابُوا ودَعَوُا اللهَ وآمَنُوا ولَبِسُوا المُسُوحَ وفَرَّقُوا بَيْنَ الأُمَّهاتِ والأولادِ مِنَ الناسِ والبَهائِمِ، والعَذابُ مِنهم -فِيما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما- عَلى ثُلُثَيْ مِيلٍ.
ورُوِيَ عن عَلِيٍّ مِيلٌ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: غَشِيَهُمُ العَذابُ كَما يُغْشِي الثَوْبُ القَبْرَ، فَرَفَعَ اللهُ عنهُمُ العَذابَ، فَلَمّا مَضَتِ الثَلاثَةُ وعَلِمَ يُونُسُ عَلَيْهِ السَلامُ أنَّ العَذابَ لَمْ يَنْزِلْ قالَ: كَيْفَ أنْصَرِفُ وقَدْ وجَدُونِي في كَذِبٍ؟
فَذَهَبَ مُغاضِبًا كَما ذَكَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّ قَوْمَ يُونُسَ عَلَيْهِ السَلامُ خُصُّوا مِن بَيْنِ الأُمَمِ بِأنْ تِيبَ عَلَيْهِمْ مِن بَعْدِ مُعايَنَةِ العَذابِ، ذَكَرَ ذَلِكَ عن جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، والمُعايِنَةُ الَّتِي لا تَنْفَعُ التَوْبَةُ مَعَها هي تَلَبُّسُ العَذابِ أوِ المَوْتِ بِشَخْصِ الإنْسانِ كَقِصَّةِ فِرْعَوْنَ، وأمّا قَوْمُ يُونُسَ عَلَيْهِ السَلامُ فَلَمْ يَصِلُوا هَذا الحَدَّ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ: "يُونِسَ" بِكَسْرِ النُونِ، وفِيهِ لِلْعَرَبِ ثَلاثُ لُغاتٍ: ضَمُّ النُونِ وفَتْحُها وكَسْرُها، وكَذَلِكَ في "يُوسُفَ"، وقَوْلُهُ: ﴿ إلى حِينٍ ﴾ يُرِيدُ: إلى آجالِهِمُ المَفْرُوضَةِ في الأزَلِ.
ورُوِيَ أنَّ قَوْمَ يُونُسَ عَلَيْهِ السَلامُ كانُوا بِنَيْنَوى مِن أرْضِ المُوصِلِ، ويَقْتَضِي ذَلِكَ «قَوْلُ النَبِيِّ لِعَدّاسٍ حِينَ قالَ لَهُ إنَّهُ مِن أهْلِ نَيْنَوى: "مِن قَرْيَةِ الرَجُلِ الصالِحِ يُونُسَ بْنِ مَتّى؟"» الحَدِيثُ الَّذِي في السِيرَةِ لِابْنِ إسْحاقَ.
<div class="verse-tafsir"
تبين تناسب هذه الآية مع التي قبلها بما فسرنا به الآية السابقة فإنه لما سبق التعريض إلى المشركين الشّاكّين في صدق النبي صلى الله عليه وسلم والاستشهاد عليهم في صدقه بشهادة أهل الكتاب أعقب ذلك بأنهم من زمرة الفرق الذين حقت عليهم كلمة الله أن لا يؤمنوا، فهم لا تجدي فيهم الحجة لأنهم أهل مكابرة، وليسوا طالبين للحق لأن الفطرة التي فطرت عليها عقولهم غيرُ قابلة لحقائق الإيمان، فالذين لم يؤمنوا بما يجيء من الآيات هم ممن علم الله أنهم لا يؤمنون، تلك أماراتهم.
وهذا مَسوق مساق التأييس من إيمانهم.
ومعنى (حقت) ثبتت.
و(على) للاستعلاء المجازي، وهو تمكن الفعل الذي تعلقت به.
والمراد بكلمات الله: أمر التكوين، وجمعت الكلمات بالنظر إلى أن متعلقها ناس كثيرون، فكل واحد منهم تحق عليه كلمة.
وقرأ غير نافع، وابن عامر ﴿ كلمةُ ربك ﴾ على مراعاة الجنس إذ تحق على كل أمة كلمة، وهذا الكلام عظة للمشركين.
قال غيرهم: وتحذير من أن يكونوا مظهراً لمن حقت عليهم كلمة الشقوة وإنذار بوشك حلول العذاب بهم.
فالموصول على هذا التفسير مراد به معهود، والجملة كلها مستأنفة، و(إنّ) للتوكيد المقصود به التحقيق، أي لا شك أن هؤلاء من أولئك فقد اتضح أمرهم واليأس من إيمانهم.
ويحتمل أن تجعل الجملة في موضع التعليل للقصص السابقة فتكون بمنزلة التذييل، والموصول للعموم الجامع جميع الأمم التي هي بمثابة الأمم المتحدث عنهم وتكون (إن) لمجرد الاهتمام بالخبر، فتفيد التعليل والربط، وتغني عن فاء التفريع كالتي في قول بشار: إن ذاك النجاح في التبكير *** كما تقدم غير مرة ويكون في الآية تعريض آخر بالمشركين.
و (لو) وصلية للمبالغة، أي لا يؤمنون ولو جاءتهم كلُّ آية فكيف إذا لم تجئهم إلا بعض الآيات.
و (كل) مستعملة في معنى الكثرة، وهو استعمال كثير في القرآن.
كما سيأتي عند قوله تعالى: ﴿ وعلى كُلّ ضامر ﴾ في سورة الحج (31) وقوله: ﴿ وعلم آدم الأسماء كلها ﴾ في سورة البقرة (27)، أي ولو جاءتهم آيات كثيرة تشبه في الكثرة استغراق جميع الآيات الممكن وقوعها.
وقد تقدم نظير ذلك آنفاً.
ورؤية العذاب، كناية عن حلوله بهم.
والمعنى: أنهم لا يؤمنون إلا حين لا ينفعهم الإيمان، لأن نزول العذاب هو ابتداء مجازاتهم على كفرهم، وليس بعد الشروع في المجازاة عفو.
ومن بركة هذا الدين أن الذين كفروا به قد هداهم الله قبل أن ينزل بهم عذاباً.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ ﴾ هَذا خِطابٌ مِنَ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ يَقُولُ: إنْ كُنْتَ يا مُحَمَّدٌ في شَكٍّ مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: في شَكٍّ أنَّكَ رَسُولٌ.
الثّانِي: في شَكٍّ أنَّكَ مَكْتُوبٌ عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ.
﴿ فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ مَن مِنهم مِثْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وكَعْبِ الأحْبارِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّانِي: أنَّهُ عَنى أهْلَ الصِّدْقِ والتَّقْوى مِنهم، قالَهُ الضَّحّاكُ.
فَإنْ قِيلَ: فَهَلْ كانَ النَّبِيُّ شاكًّا؟
قِيلَ قَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ: « (لا أشُكُّ ولا أسْألُ).» وَفِي مَعْنى الكَلامِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ والمُرادُ بِهِ غَيْرُهُ مِن أُمَّتِّهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ﴾ الآيَةَ [الطَّلاقَ: ١] .
والثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ ورَدَ عَلى عادَةِ العَرَبِ في تَوْلِيدِ القَبُولِ والتَّنْبِيهِ عَلى أسْبابِ الطّاعَةِ.
كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِابْنِهِ: إنْ كُنْتَ ابْنِي فَبَرَّنِي، ولِعَبْدِهِ إنْ كُنْتَ مَمْلُوكِي فامْتَثِلْ أمْرِي، ولا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى شَكِّ الوَلَدِ في أنَّهُ ابْنُ أبِيهِ ولا أنَّ العَبْدَ شاكٌّ في أنَّهُ مِلْكٌ لِسَيِّدِهِ.
﴿ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ ﴾ أيْ مِنَ الشّاكِّينَ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: إنَّ الَّذِينَ وجَبَتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ بِالوَعِيدِ والغَضَبِ لا يُؤْمِنُونَ أبَدًا.
الثّانِي: إنَّ الَّذِينَ وقَعَتْ كَلِمَتُهُ عَلَيْهِمْ بِنُزُولِ العَذابِ بِهِمْ لا يُؤْمِنُونَ أبَدًا.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ﴾ قال: حق عليهم سخط الله بما عصوه.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ ، قال ابن عباس: قول ربك بالسخط عليهم (١) (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) (١) "الوسيط" 2/ 560، وبنحوه رواه ابن أبي حاتم 6/ 1986.
(٢) رواه ابن جرير 11/ 168، وابن أبي حاتم 6/ 1986، والبغوي 4/ 151.
(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ز).
(٤) في (ى): (كلمة العذاب).
(٥) ما بين المعقوفين ساقط من جميع النسخ عدا (م) ولا يتم المعنى إلا بها.
(٦) لم أقف عليه.
(٧) "تفسير مقاتل بن سليمان" 143 أ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ﴾ أي قضى أنهم لا يؤمنون ﴿ فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ ﴾ لولا هنا للتحضيض بمعنى هلا، وقرئ في الشاذ هلا، والمعنى: هلا كانت قرية من القرى المتقدمة آمنت قبل نزول العذاب فنفعها إيمانها: إذ لا ينفع الإيمان بعد معاينة العذاب كما جرى لفرعون ﴿ إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ ﴾ استثناء من القرى، لأن المراد أهلها، وهو استثناء منقطع بمعنى: ولكن قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم العذاب، ويجوز أن يكون متصلاً، والجملة في معنى النفي كأنه قال ما آمنت قرية إلا قوم يونس، وروي في قصصهم أن يونس عليه السلام أنذرهم بالعذاب، فلما رأوه قد خرج من بين أظهرهم علموا أن العذاب ينزل بهم فتابوا وتضرعوا إلى الله تعالى فرفعه عنهم ﴿ ومتعناهم إلى حِينٍ ﴾ يريد إلى آجالهم المكتوبة في الأزل.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ وأنا ﴾ مثل ﴿ أنشانا ﴾ و ﴿ نجعل ﴾ بالنون: يحيى وحماد.
الآخرون بالياء التحتانية.
﴿ ثم ننجي ﴾ من الإنجاء: نصر وروح ويزيد.
﴿ ننجي المؤمنين ﴾ من الإنجاء أيضاً: علي وسهل ويعقوب وحفص والمفضل.
الآخرون بالتشديد فيهما.
الوقوف: ﴿ الطيبات ﴾ ج للابتداء بالنفي مع الفاء ﴿ العلم ﴾ ط ﴿ يختلفون ﴾ ه ﴿ من قبلك ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتفاق المعنى ﴿ الممترين ﴾ ه لا للعطف ﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه لا لتعلق لو بما قبلها ﴿ الأليم ﴾ ه ﴿ يونس ﴾ ط ﴿ حين ﴾ ه ﴿ جميعاً ﴾ ط ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ بإذن الله ﴾ ط أي وهو يجعل ﴿ لا يعقلون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط للفصل بينالاستخبار والإخبار.
﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ من قبلهم ﴾ ط ﴿ من المنتظرين ﴾ ه ﴿ كذلك ﴾ ج لاحتمال يراد ننجيهم كإنجاء الرسل أو يكون الوقف على ﴿ آمنوا ﴾ والتقدير ننجي المؤمنين إنجاء كذلك و ﴿ حقا علينا ﴾ اعتراض.
﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ يتوفاكم ﴾ ج لاحتمال أن يراد وقد أمرت ﴿ المؤمنين ﴾ ه لا للعطف ﴿ حنيفاً ﴾ ج للعطف مع زيادة نون التأكيد المؤذن بالاستئناف ﴿ المشركين ﴾ ه ﴿ ولا يضرك ﴾ ج للابتداء بالشرط مع الفاء ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ج للعطف مع حق الفصل بين المتضادين ﴿ لفضله ﴾ ط ﴿ من عباده ﴾ ط ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ من ربكم ﴾ ج ﴿ لنفسه ﴾ ج ﴿ عليها ﴾ ج للعطف مع النفي ﴿ بوكيل ﴾ ه ط ﴿ يحكم الله ﴾ ج لاحتمال العطف والاستئناف ﴿ الحاكمين ﴾ ه.
التفسير: لما ذكر ما وقع عليه الختم في واقعة فرعون وجنوده أراد أن يذكر ما وقع عليه الختم في واقعة بني إسرائيل فقال: ﴿ ولقد بوأنا ﴾ أي أسكناهم مسكن صدق أو إسكان صدق فيكون المبوأ اسم مكان أو مصدراً، والعرب إذا مدحت شيئاً أضافته إلى الصدق ليعلم أن كل ما يظن به من الخير ويطلب منه فإنه يصدق ذلك الظن ويوجد فيه فيكون المعنى منزلاً صالحاً مرضياً.
والمراد ببني إسرائيل إما اليهود الذين كانوا في زمن موسى فمبوّأ الصدق الشام ومصر وما يدانيها فإنها بلاد كثيرة الخصب غزيرة الأرزاق ومع ذلك فقد أورثهم الله جميع ما كان تحت تصرف فرعون وقومه من الناطق والصامت ﴿ فما اختلفوا ﴾ في دنيهم وما تشعبوا فيه شعباً وكانوا على طريقة واحدة حتى قرأوا التوراة فقابلوها بضد المقصود منها وبدلوا الاتفاق بالاختلاف وأحدثوا المذاهب المتعددة، وإما اليهود المعاصرون لرسول الله ، وإلى هذا ذهب جم غفير من المفسرين.
عن ابن عباس:هم قريظة والنضير وبنو قينقاع، أنزلناهم منزل الصدق ما بين المدينة والشام ورزقناهم من طيبات تلك البلاد رطباً وتمراً ليس في غيرها، فبقوا على دينهم ولم يظهر فيهم الاختلاف حتى جاءهم سبب العلم وهو القرآن النازل على محمد فاختلفوا في نعته وصفته، وآمن به قوم وبقي على الكفر آخرون.
وبالجملة فالله يقضي بين المحقين منهم والمبطلين في يوم الجزاء لأن دار التكليف ليست دار القضاء.
ولما بيّن كيفية اختلاف اليهود في شأن كتابهم أو في شأن رسوله حقق حقيقته وحقيقة ما أنزل عليه بقوله: ﴿ فإن كنت في شك ﴾ والشك في اللغة ضم الشيء بعضه إلى بعض ومنه شك الجوهر في العقد، وشككته بالرمح أي خرقته وانتظمته، والشكيكة الفرقة من الناس، والشكاك البيوت المصطفة.
والشاك يضم إلى ما يتوهمه شيئاً آخر خلافه، والخطاب فيه للرسول في الظاهر والمراد أمته كقوله: ﴿ يا أيها النبي إذا طلقتم ﴾ والدليل عليه قوله بعيد ذلك ﴿ قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني ﴾ ولأنه لو كان شاكاً في شأنه لكان غيره بالشك أولى.
ويمكن أن يقال: الخطاب للرسول حقيقة ولكن ورد على سبيل الفرض والتمثيل كأنه قيل: فإن وقع لك شك مثلاً والقضية الشرطية لا إشعار فيها ألبتة بوقوع الشرط ولا عدم وقوعه، بل المراد استلزام الأول للثاني على تقدير وقوع الأول.
وقد يكونان محالين كقول القائل: إن كانت الخمسة زوجاً كانت منقسمة بمتساويين.
وفيه من الفوائد الإرشاد إلى طلب الدلائل لأجل مزيد اليقين وحصول الطمأنينة، وفيه استمالة لأمته والحث لهم على السؤال عما كانوا منه في شك، وفيه أن أهل الكتاب من الإحاطة بصحة ما أنزل إليك بحيث يصلحون لمراجعة مثلك فضلاً عن غيرك فيكون الغرض وصف الأحبار بالرسوخ في العلم بصحة ما أنزل إلى الرسول لا وصف الرسول بالشك، ولذلك قال عند نزوله: لا أشك ولا أسأل بل أشهد أنه الحق.
وعن ابن عباس: لا والله ما شك طرفة عين ولا سأل أحداً منهم.
وقيل: "إن" نافية أي فما كنت في شك يعني لا نأمرك بالسؤال لأنك شاك ولكن لتزداد يقيناً.
وقيل: الخطاب لكل سامع يتأتى منه الشك.
ومن المسؤول منه قال المحققون: هم مؤمنو أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وعبد الله بن صوريا وتميم الداري وكعب الأحبار لأنهم هم الذين يوثق بخبرهم.
ومنهم من قال: الكل سواء لأنهم إذا بلغوا حد التواتر وقرأوا آية من التوراة والإنجيل تدل على البشارة بمقدم محمد فقد حصل الغرض، لأن تلك الآية لما بقيت مع توفر دواعيهم على تحريف نعته كانت من أقوى الدلائل.
والظاهر أن المقصود من السؤال معرفة حقيقة القرآن وصحة نبوة محمد لقوله: ﴿ مما أنزلنا إليك ﴾ وقيل: السؤال راجع إلى قوله: ﴿ فما اختلفوا حتى جاءهم العلم ﴾ .
ثم إنه لما بين الطريق المزيل للشك شهد بحقيته فقال: ﴿ لقد جاءك الحق من ربك ﴾ ثم إن فرق المكلفين بعد المصدقين إما متوقفون في صدقه وإما مكذبون فنهى الفريقين مخاطباً في الظاهر لنبيه قائلاً ﴿ فلا تكونن من الممترين ولا تكونن ﴾ الآية.
والمراد فاثبت ودم على ما أنت عليه من انتفاء المرية وانتفاء التكذيب، وفيه من التهييج والبعث على اليقين والتصديق ما فيه.
ثم لما زجر كل فريق عما زجر بين أن له عباداً قضى عليهم بالشقاء وعباداً ختم لهم بالحسنى فلا يتغيرون عن حالهم ألبتة.
أما الأولون فأشار إليهم بقوله: ﴿ إن الذين حقت ﴾ الآية.
وقد مر مثله في هذه السورة.
وقالت المعتزلة: إن عدم إيمان هذا الفريق إلى حين وقوع اليأس وموتهم على الكفر مكتوب عند الله وثبت عليهم قوله في الأزل بما يجري عليهم، لكنها كتابة معلوم لا كتابة مقدر ومراد.
وقالت الأشاعرة: كلمته حكمة وإرادته وخلقه فيهم الكفر، وقد مر أمثال هذه الأبحاث مراراً كثيرة.
وأما الآخرون فذلك قوله: ﴿ فلولا كانت ﴾ أي فهلا حصلت ﴿ قرية ﴾ واحدة ﴿ آمنت ﴾ تابت عن الكفر وأخلصت الإيمان قبل معانية العذاب ﴿ فنفعها إيمانها ﴾ لوقوعه في وقت الاختيار والتكليف دون أوان اليأس والاضطرار ﴿ إلا قوم يونس ﴾ هو استثناء منقطع أي ولكن قوم يونس لأن أول الكلام جرى على القرية وإن كان المراد أهلها.
وقيل: إن "لولا" في هذا المقام بمعنى النفي كأنه قيل: ما آمنت قرية من القرى الهالكة إلا قوم يونس.
يروى أن يونس بعث إلى نينوى من أرض الموصل فكذبوه فذهب عنهم مغاضباً كما سيجيء في سورة الأنبياء، فلما فقدوه خافوا نزول العذاب فلبسوا المسوح وعجوا أربعين ليلة.
وقيل: قال لهم يونس إن أجلكم أربعون ليلة فقالوا: إن رأينا أسباب الهلاك آمنا بك، فلما مضت خمس وثلاثون أغامت السماء غيماً أسود هائلاً يدخن دخاناً شديداً ثم يهبط حتى يغشى مدينتهم ويسوّد سطوحهم، فلبسوا المسوح وبرزوا إلى الصعيد بأنفسهم ونسائهم وصبيانهم ودوابهم وفرّقوا بين النساء والصبيان وبين الدواب وأولادها، فحنّ بعضها إلى بعض وعلت الأصوات والعجيج وأظهروا الإيمان والتوبة وتضرعوا فرحمهم وكشف عنهم وكان يوم عاشوراء يوم الجمعة.
وعن ابن مسعود: بلغ من توبتهم أن ترادوا المظالم حتى إن الرجل منهم كان يقتلع الحجر وقد وضع عليه أساس بنائه فيرده.
وقيل: خرجوا إلى شيخ من بقية علمائهم فقالوا: قد نزل بنا العذاب فما ترى؟
فقال لهم: قولوا يا حي حين لا حي ويا حي محيي الموتى ويا حي لا إله إلا أنت، فقالوها فكشف عنهم ومتعوا بالإيمان والأعمال الصالحة وبالخيرات الدنيوية إلى حين انقضاء آجالهم.
وعن الفضيل بن عياض قالوا: اللهم إن ذنوبنا قد عظمت وجلت وأنت أعظم منها وأجل، افعل بنا ما أنت أهله ولا تفعل بنا ما نحن أهله.
ثم بيّن أن الإيمان وضده كلاهما بمشيئة الله وتقديره فقال: ﴿ ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً ﴾ قالت الأشاعرة: هذه القضية تفيد الشمول والإحاطة لكنه ما حصل إيمان أهل الأرض بالكلية فدل هذا على أنه ما أراد إيمان الكل.
وأول المعتزلة المشيئة بمشيئة الإلجاء والقسر.
وأجيب بأن الكلام في الإيمان الذي كان يطلبه النبي منهم وهو الإيمان المنوط به التكليف لا الإيمان القسري الذي لا ينتفع به المكلف، فلو حمل الإيمان المذكور في الآية وكذا المشيئة على إيمان الإلجاء ومشيئة القسر لم ينتظم الكلام.
ثم ذكر أن القدرة القاهرة والمشيئة النافذة ليست إلا للحق وتعالى فقال: ﴿ أفأنت تكره ﴾ فأولى الاسم حرف الاستفهام للإعلام بأن الإكراه ممكن مقدور عليه، وإنما الكلام في المكره من هو وما هو إلا الله وحده.
فحمل المعتزلة هذا الإكراه على الإلجاء ومعناه أن يفعل في قلوبهم ما يضطرون عنده إلى الإيمان.
وحمل الأشاعرة الإكراه على خلق الإيمان ومعناه أنه قادر على خلق الإيمان والكفر فيهم لا أنت بدليل قوله: ﴿ وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس ﴾ أي الكفر والفسق ﴿ على الذين لا يعقلون ﴾ وفسر المعتزلة الإذن بمنح الألطاف والرجس بالخذلان، لأن الرجس هو العذاب والخذلان سببه، وخصصوا النفس بالنفس المعلوم إيمانها والذين لا يعقلون يعني المصرين على الكفر.
واستدلت الأشاعرة بقوله: ﴿ وما كان لنفس ﴾ على أنه لا حكم للأشياء قبل ورود الشرع لأن الإذن عبارة عن الإطلاق في الفعل ورفع الحجر.
وإذا كان أصل الشرع - وهو الإيمان بإذن الله - فما ترتب عليه أولى.
أجابت المعتزلة بأن المراد بالإذن التوفيق والتسهيل والألطاف.
ولما بين أن الإيمان لا يحصل إلا بمشيئة الله تعالى أمر بالنظر والاستدلال بالدلائل السماوية والأرضية حتى لا يتوهم أن الحق هو الجبر المحض فقال: ﴿ قل انظروا ماذا في السموات والأرض ﴾ أي شيء فيهما من الآيات والعبر.
ثم ذكر أن التفكر والتدبر في هذه الدلائل لا ينفع في حكم الله عليه في الأزل بالشقاء فقال: ﴿ وما تغني ﴾ يحتمل أن تكون "ما" نافية أي لا تفيد هذه ﴿ الآيات والنذر ﴾ وهي جمع نذير صفة أو مصدر في حق المحكوم عليهم بعدم الإيمان.
وأن تكون} استفهامية للإنكار بمعنى أي شيء يغني عنهم؟
ثم قال: ﴿ فهل ينتظرون ﴾ والمراد أن الأنبياء المتقدمين كانوا يتوعدون كفار زمانهم بأيام مشتملة على أنواع العذاب أو بوقائع الله فيهم وهم يكذبونهم ويسخرون منهم، وكذلك كان يفعل الكفار المعاصرون للرسول فقال ﴿ قل فانتظروا ﴾ وفيه تهديد ووعيد بأنه سينزل بهؤلاء مثل ما أنزل بأولئك من الإهلاك بعد إنجاء الرسول وأتباعه كما حكى تلك الأحوال الماضية بقوله: ﴿ ثم ننجي رسلنا ﴾ الآية.
قالت المعتزلة: ﴿ حقاً علينا ﴾ المراد به الوجوب والاستحقاق إذ لا يحسن تعذيب الرسول والمؤمنين.
وقالت الأشاعرة: إنه حق بحسب الوعد والحكم فإن العبد لا يستحق على خالقه شيئاً.
ثم أمر رسوله بإظهار التباين الصريح بين طريقته وطريقة المشركين فقال: ﴿ قل يا أيها الناس ﴾ والمعنى يا أهل مكة إن كنتم لا تعرفون ديني فاعلموا أني مبرأ عن أديانكم الباطلة ﴿ ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم ﴾ وتخصيص هذا الوصف لأنه يدل على الخلق أوّلاً وعلى الإعادة ثانياً كما مر مراراً، أو لأن الموت أشد الأحوال مهابة في القلوب فكان أقوى في الزجر والردع، أو لأنه قد قدم ذكر الإهلاك والوقائع النازلة بالأمم الخالية فكأنه قال: أعبد الله الذي وعدني بإهلاككم وإنجائي.
وفي الآية إشارة إلى أنه لن يوافقهم في دينهم كيلا يشكوا في أمره ويقطعوا أطماعهم عنه.
ولما ذكر أنه لا يعبد إلا الله بين أنه مأمور بالإيمان والمعرفة فقال: ﴿ وأمرت أن أكون ﴾ أي بأن أكون ﴿ من المؤمنين ﴾ ثم عطف عليه قوله: ﴿ وأن أقم وجهك ﴾ ولا تدع نظراً إلى المعنى كأنه قيل له: كن مؤمناً ثم أقم ولا تدع، أو المراد وأمرت بكذا وأوحي إلي أن أقم.
قال في الكشاف: قد سوغ سيبويه أن يوصل "أن" بالأمر والنهي وشبه ذلك بقولهم: أنت الذي تفعل على الخطاب لأن الغرض وصلها بما يكون معه في معنى المصدر، والأمر والنهي دالان على المصدر دلالة غيرهما من الأفعال، ومعنى ﴿ أقم وجهك ﴾ استقم إليه ولا تلتفت يميناً ولا شمالاً.
و ﴿ حنيفاً ﴾ حال من ﴿ الدين ﴾ أو من الوجه.
قال المحققون: الوجه ههنا وجه العقل أو المراد توجه الكلية إلى طلب الدين كمن يريد أن ينظر إلى شيء نظراً تاماً فإنه يقيم وجهه في مقابلته لا يصرفه عنه.
ثم أكد الأمر بالنهي عن ضده فقال: ﴿ ولا تكونن من المشركين ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت ﴾ أي فإن دعوت من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك، وكنى عنه بالفعل للاختصار.
و "إذا" جزاء للشرط وجواب لسؤال مقدر كأن سائلاً سأل عن تبعة عبادة الأوثان وجعل من الظالمين لأن إضافة التصرف بالاستقلال إلى ما سوى مدبر الكل وضع للشيء في غير موضعه.
ثم صرح بأنه مبدأ الكائنات ومنتهى الحاجات لا غيره فقال: ﴿ وإن يمسسك الله ﴾ الآية.
وقد مر تفسير مثلها في أول سورة الأنعام.
قال الواحدي: ﴿ وإن يردك بخير ﴾ من القلب وأصله وإن يرد بك الخير، ولكنه لما تعلق كل واحد منهما بالآخر جاز إبدال كل واحد منهمابالآخر.
وأقول في تخصيص الإرادة بجانب الخير والمس بجانب الشر دليل على أن الخير يصدر عنه بالذات والشر بالعرض.
ثم ختم السورة بما يستدل به على قضائه وقدره في الهداية والضلال فقال: ﴿ قل يا أيها الناس ﴾ الآية.
وفسرها الأشاعرة بأن من حكم له في الأزل بالاهتداء فسيقع له ذلك، وإن من حكم له بالضلال فكذلك ولا حيلة في دفعه كما مر في سورة الأنعام ﴿ قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ﴾ الآية.
وقالت المعتزلة: المراد أنه بين الشريعة وأزاح العلة وقطع المعذرة، فمن اختار الهدى فما نفع باختياره إلا نفسه، ومن آثر الضلال فلا يعود وباله إلا على نفسه.
يروى عن ابن عباس أن الآية منسوخة بآية القتال ولا يخفى ضعفه.
ثم أمره باتباع الوحي والتنزيل فإن وصل إليه بسبب الاتباع مكروه فليصبر عليه إلى أن يحكم الله وهو خير الحاكمين.
ولبعضهم في الصبر: سأصبر حتى يعجز الصبر عن صبري *** وأصبر حتى يحكم الله في أمري سأصبر حتى يعلم الصبر أنني *** صبرت على شيء أمر من الصبر التأويل: ﴿ ولقد بوأنا بني إسرائيل ﴾ يعني متولدات الروح العلوي من القلب والسر دون النفس لأنها من البنات لا من البنين ﴿ مبوأ صدق ﴾ منزلاً علياً في العالم النوراني ﴿ وزقناهم من الطيبات ﴾ من الفيض الرباني الفائض على الروح لأن الروح مستوٍ على عرش القلب، فكل ما فاض من صفة الروحانية على الروح يفيض الروح على القلب والسر، فما اختلف القلب والسر حتى جاءهم دعوة النبي : فمن قبلها صار مقبولا، ومن ردها كان مردوداً.
وبوجه آخر ﴿ مبوأ صدق ﴾ بين الأصبعين من أصابع الرحمن ﴿ فما اختلفوا ﴾ حتى أدركهم علم الله الأزلي بالسعادة والشقاء ﴿ فإن كنت في شك ﴾ خلق الإنسان ضعيفاً، فإذا انفتح عليه أبواب الكرامات وهبت رياح السعادات فربما ظن أنه مما يخادع به الأطفال فلا يدري هل هو من كرامة الاجتباء أو من وخامة الابتلاء، فكان النبي من خصوصية ﴿ إنما أنا بشر مثلكم ﴾ يرتع في هذه الرياض وباختصاص ﴿ يوحي إلي ﴾ يسقى بكساسات المناولات من تلك الحياض.
فشك عند سكره أنها من شهود التلوين أو من كشوف التمكين، فأدركته العناية الأزلية فأكرم بخطاب ﴿ لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن ﴾ بل كان هذا النهي نهي التكوين فما كان ممترياً ولهذا قال: والله لا أشك ولا أسأل.
﴿ إلا مثل أيام الذين خلوا ﴾ من أنه كل ميسر لما خلق له ﴿ قل فانتظروا ﴾ ظهور ما قدر لكم ﴿ ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم ﴾ بالفناء عن النفس وصفاتها حنيفاً طاهراً عن لوث الالتفات إلى ما سواه والله أعلم.
قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ .
قوله: ﴿ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ﴾ هو قوله - عز وجل -: ﴿ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾ هذا يكون في الختم من يختم به يعني بالكفر فقد حقت كلمة ربك لأملأن جهنم، أو ﴿ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ﴾ ما ذكر في آية أخرى: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ ٱلْكِتَابِ...
﴾ الآية [الأعراف: 37]، أو كلمة ربك ما ذكر: ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ﴾ أي: علم ربك بأحوالهم، أي: من كان علمه أنه لا يؤمن فلا يؤمن وقت اختياره الكفر؛ كقوله: ﴿ مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ ﴾ [أي: من يضلل الله فلا هادي له] وقت اختيارهم الكفر؛ وكذلك قوله: ﴿ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ وقت اختيارهم الظلم ونحو ذلك، فالتأويل الأول يرجع إلى الختم به، والثاني: إلى وقت من ثبت عليه علم ربه أنه لا يؤمن إلى وقت أنه لا يؤمن في ذلك الوقت.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ ﴾ قيل: في الدنيا إيمان دفع العذاب ويحتمل في الدنيا، وقد ذكرنا هذا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ...
﴾ الآية، أي: لم تكن القرى آمنت عند معاينة البأس إيمانا نفعها إلا إيمان قوم يونس، فإنهم آمنوا إيمان حقيقة وعلم الله صدقهم من إيمانهم فنفعهم إيمانهم، هذا يخرج على وجوه: أحدها: أن سائر القرى كان إيمانها عند إقبال العذاب إليهم ووقوعه عليهم، فلم ينفعهم [إيمانهم] إلا قوم يونس، [فإن إيمانهم إنما كان لتخويف العذاب فينفعهم.
والثاني: يحتمل أن يكون قوم يونس] كان نزول العذاب بهم على التخيير والتمكين إن قبلوا الإيمان أمنوا دفع العذاب عنهم، وإن لم يقبلوا نزل بهم.
والثالث: [إنما] كان إيمان سائر القرى بعدما عاينوا مقامهم في النار فآمنوا، فيكون إيمانهم إيمان اضطرار، وقوم يونس آمنوا قبل أن يعاينوا ذلك، ويشبه أن يكون قوله: ﴿ فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ ﴾ بعد وقوع العذاب والبأس، ﴿ فَنَفَعَهَآ إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ ﴾ فإنهم آمنوا إذ عاينوا العذاب قبل أن يقع بهم، وإيمان فرعون وقومه إنما كان بعدما غرقوا وبعدما خرجت أنفسهم من أيديهم فلم يقبل، وإيمان قوم يونس كان قبل أن يقع العذاب بهم وأنفسهم في أيديهم بعد فقبل، وهو ما ذكر عز وجل: ﴿ وَإِذ نَتَقْنَا ٱلْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ...
﴾ الآية [الأعراف: 171]، آمنوا بعدما عاينوا قبل أن يقع بهم وسائر الأمم الخالية كان منهم الإيمان بعد وقوع العذاب بهم من نحو عاد وثمود وأمثاله، وأصله ما ذكرنا آنفاً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ ٱلخِزْيِ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ .
قوله: ﴿ كَشَفْنَا عَنْهُمْ ﴾ : بحلول العذاب بهم، ﴿ عَذَابَ ٱلخِزْيِ ﴾ : هو العذاب الفاضح وإلا الخزي هو العذاب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي ٱلأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً ﴾ : قالت المعتزلة: [قوله]: ﴿ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي ٱلأَرْضِ ﴾ مشيئة القهر والقسر، لو شاء لأجبرهم وقهرهم جميعاً فيؤمنوا وإلا فقد شاء أن يؤمنوا مشيئة الاختيار لكنهم لم يؤمنوا، واستدلوا على ذلك بقوله: ﴿ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ﴾ .
فيقال لهم: إن مشيئة الاختيار هي الظاهرة عندكم ومشيئة الجبر والقهر غائبة، فإذا وجد منه مشيئة الاختيار فلم يؤمنوا ولم تنفذ مشيئته فيهم كيف يصدق هو في الإخبار عن المشيئة التي [هي غائبة] أنها لو كانت لآمنوا هذا فاسد على قولهم.
وبعد فإن المشيئة لو كانت مشيئة القهر لكانوا مؤمنين بتلك المشيئة وهي خلقة؛ لأن كل كافر مؤمن بخلقته؛ لأن خلقة كل أحد تشهد على وحدانية الله، فإذا كانوا مؤمنين بالخلقة ثم ذكر أنه لو شاء لآمنوا دل أنه لم يرد به مشيئة القهر ولكنه أراد مشيئة الاختيار، وتأويله عندنا هو أن عند الله لطف لو أعطاهم كلهم لآمنوا جميعاً، لكنه إذ علم أنهم لا يؤمنون لم يعطهم وهو التوفيق والعصمة، لكنه إذ علم منهم أنهم لا يؤمنون شاء ألا يؤمنوا، ثم لا يحتمل أن يتحقق الإيمان بالجبر والقهر؛ لأنه عمل القلب والجبر والإكراه مما لا يعمل على القلب، فهو وإن تكلم بكلام الإيمان فلا يكون مؤمنا حتى يؤمن بالقلب، فيكون التأويل على قولهم: ولو شاء ربك فلا يؤمنوا، فهذا متناقض فاسد.
وبعد فإن الإيمان لا يكون في حال الإكراه والإجبار؛ لأن الإكراه يزيل الفعل عن المكره كأن لا فعل له في الحكم.
وقوله: ﴿ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ﴾ فإن قيل: أليس قال الله - عز وجل -: ﴿ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ ﴾ أي: حتى يسلموا وذلك إكراه، وقال [رسول الله ]: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله" فذلك إكراه، فكيف يجمع بين الآيتين؟!
قيل لوجهين: أحدهما: ما ذكر أن هذه السورة مكية، وقوله: ﴿ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ ﴾ مدنية، فيحتمل قوله: ﴿ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ﴾ أي: لا تكرههم ثم أمر بالقتال بالمدينة والحرب والإكراه عليه.
والثاني: يجوز أن يجمع بين الآيتين، وهو أن يكون قوله: ﴿ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ ﴾ أي: تقاتلونهم حتى يقولوا قول إسلام ويتكلموا بكلام الإيمان، دليله ما روي: "حتى يقولوا: لا إله إلا الله"، والقول: بلا لا إله إلا الله على غير حقيقة ذلك في القلب ليس بإيمان، وفي هذه الآية حتى يكونوا مؤمنين وبالإكراه لا يكونون مؤمنين حقيقة؛ لأنه عمل القلب والإكراه مما لا يعمل عليه، والله أعلم.
وتأويل قوله: ﴿ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ ﴾ أي: لا تملك أن تكرههم، وكان رسول الله لشدة حرصه ورغبته في إيمانهم كاد أن يكرههم على الإيمان إشفاقاً عليهم؛ كقوله: ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ قيل: بمشيئة الله، وقيل: بعلم الله، وقيل: بأمر الله وبإرادته وهو ما ذكرنا لا تؤمن نفس إلا بمشيئة الله وإرادته في ذلك، ولا يحتمل قوله: ﴿ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ سوى المشيئة وإلارادة؛ لأنه كم من مأمور بالإيمان لم يؤمن، فلم يحتمل الأمر ولا يحتمل الإباحة لأنه لا يباح ترك الإيمان في حال وأصله ما ذكرنا؛ أنه لا يحتمل أن يكون الله - عز وجل - يعلم من خلقه اختيار عداوته والخلاف له ويشاء لهم الولاية؛ لأنه يخرج ذلك مخرج العجز؛ لأن في الشاهد من اختار عداوة أحد فالآخر يختار ولايته أنه إنما يختار لضعفه وعجز فيه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَجْعَلُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ ﴾ قيل: الإثم على الذين لا يعقلون، وقيل: ويجعل العذاب على الذين لا يعقلون، أي: لا يستعملون عقولهم حتى يعقلوا، أو على الذين لا ينتفعون بعقولهم.
وقال بعضهم: في قوله: ﴿ فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَانُهَا ﴾ أي: لم تكن قرية آمنت فنفعها إيمانها عند نزول العذاب إلا قوم يونس.
وقال بعضهم: فهلا كانت آمنت إذا رأت بأسنا، فكانت مثل قوم يونس، فإنهم آمنوا حين رأوا العذاب، وأصله ما ذكرنا أنه لا يحتمل أن يكون الله يعلم من خلقه اختيار عداوته والخلاف له يسألهم ويشاء لهم الولاية؛ لأنه يخرج ذلك مخرج العجز؛ لأن في الشاهد من اختار عداوة أحد فالآخر يختار ولايته أنه إنما يختار لضعفه وعجزه فيه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ قيل: وما كان لنفس في علم الله أنها لا تؤمن فتؤمن، أي: لا تؤمن نفس في علم الله أنها لا تؤمن إنما يؤمن من في علم الله أنه يؤمن، وأما من في علم الله أنه لا يؤمن فلا يؤمن.
وقيل: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ ﴾ أي: لا تؤمن نفس إلا بمشيئة الله، أي: إذا آمنت إنما تؤمن بمشيئة الله ما يفعل إنما يفعل بمشيئة الله؛ كقوله: ﴿ وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ﴾ .
وقال بعضهم: [قوله]: ﴿ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ أي: بأمر الله، فمعناه إذا آمنت إنما تؤمن بأمره لا تؤمن بغير أمره فالأول أقرب، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَيَجْعَلُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ ﴾ أي: يجعل جزاء الرجس، أي: جزاء الكفر على الذين لا يعقلون، أي: الذين لا ينتفعون بعقولهم، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
إن الذين ثبت عليهم قضاء الله بأنهم يموتون على الكفر لإصرارهم عليه لا يؤمنون أبدًا.
<div class="verse-tafsir" id="91.MQYRg"