الإسلام > القرآن > سور > سورة 105 الفيل > الآية ٥ من سورة الفيل
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 89 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٥ من سورة الفيل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.
وقوله : ( فجعلهم كعصف مأكول ) قال سعيد بن جبير : يعني التبن الذي تسميه العامة : هبورا .
وفي رواية عن سعيد : ورق الحنطة .
وعنه أيضا : العصف : التبن .
والمأكول : القصيل يجز للدواب .
وكذلك قال الحسن البصري .
وعن ابن عباس : العصف : القشرة التي على الحبة ، كالغلاف على الحنطة .
وقال ابن زيد : العصف : ورق الزرع ، وورق البقل ، إذا أكلته البهائم فراثته ، فصار درينا .
والمعنى : أن الله ، سبحانه وتعالى ، أهلكهم ودمرهم ، وردهم بكيدهم وغيظهم لم ينالوا خيرا ، وأهلك عامتهم ، ولم يرجع منهم بخير إلا وهو جريح ، كما جرى لملكهم أبرهة ، فإنه انصدع صدره عن قلبه حين وصل إلى بلده صنعاء ، وأخبرهم بها جرى لهم ، ثم مات .
فملك بعده ابنه يكسوم ، ثم من بعده أخوه مسروق بن أبرهة ، ثم خرج سيف بن ذي يزن الحميري إلى كسرى فاستغاثه على الحبشة ، فأنفذ معه من جيوشه فقاتلوا معه ، فرد الله إليهم ملكهم ، وما كان في آبائهم من الملك ، وجاءته وفود العرب للتهنئة .
وقد قال محمد بن إسحاق : حدثنا عبد الله بن أبي بكر ، عن عمرة بنت عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة ، عن عائشة قالت : لقد رأيت قائد الفيل وسائسه بمكة أعميين مقعدين ، يستطعمان ورواه الواقدي عن عائشة مثله .
ورواه أيضا عن أسماء بنت أبي بكر أنها قالت : كانا مقعدين يستطعمان الناس ، عند إساف ونائلة ، حيث يذبح المشركون ذبائحهم .
قلت : كان اسم قائد الفيل : أنيسا .
وقد ذكر الحافظ أبو نعيم في كتاب " دلائل النبوة " من طريق ابن وهب ، عن ابن لهيعة ، عن عقيل بن خالد ، عن عثمان بن المغيرة قصة أصحاب الفيل ، ولم يذكر أن أبرهة قدم من اليمن ، وإنما بعث على الجيش رجلا يقال له : شمر بن مفصود ، وكان الجيش عشرين ألفا ، وذكر أن الطير طرقتهم ليلا فأصبحوا صرعى .
وهذا السياق غريب جدا ، وإن كان أبو نعيم قد قواه ورجحه على غيره .
والصحيح أن أبرهة الأشرم الحبشي قدم مكة كما دل على ذلك السياقات والأشعار .
وهكذا روى ابن لهيعة ، عن الأسود ، عن عروة : أن أبرهة بعث الأسود بن مفصود على كتيبة معهم الفيل ، ولم يذكر قدوم أبرهة نفسه ، والصحيح قدومه ، ولعل ابن مفصود كان على مقدمة الجيش ، والله أعلم .
ثم ذكر ابن إسحاق شيئا من أشعار العرب ، فيما كان من قصة أصحاب الفيل ، فمن ذلك شعر عبد الله بن الزبعري : تنكلوا عن بطن مكة إنها كانت قديما لا يرام حريمها لم تخلق الشعرى ليالي حرمت إذ لا عزيز من الأنام يرومها سائل أمير الجيش عنها ما رأى ؟
فلسوف ينبي الجاهلين عليمها ستون ألفا لم يؤوبوا أرضهم بل لم يعش بعد الإياب سقيمها كانت بها عاد وجرهم قبلهم والله من فوق العباد يقيمها وقال أبو قيس بن الأسلت الأنصاري المري : ومن صنعه يوم فيل الحبو ش ، إذ كل ما بعثوه رزم محاجنهم تحت أقرابه وقد شرموا أنفه فانخرم وقد جعلوا سوطه مغولا إذا يمموه قفاه كليم فسول أدبر أدراجه وقد باء بالظلم من كان ثم فأرسل من فوقهم حاصبا يلفهم مثل لف القزم تحث على الصبر أحبارهم وقد ثأجوا كثؤاج الغنم وقال أبو الصلت بن أبي ربيعة الثقفي ، ويروى لأمية بن أبي الصلت بن أبي ربيعة : إن آيات ربنا باقيات ما يماري فيهن إلا الكفور خلق الليل والنهار فكل مستبين حسابه ، مقدور ثم يجلو النهار رب رحيم بمهاة شعاعها منشور حبس الفيل بالمغمس حتى صار يحبو ، كأنه معقور لازما حلقه الجران كما قطر من ظهر كبكب محدور حوله من ملوك كندة أبطال ملاويث في الحروب صقور خلفوه ثم ابذعروا جميعا كلهم عظم ساقه مكسور كل دين يوم القيامة عند الله إلا دين الحنيفة بور وقد قدمنا في تفسير " سورة الفتح " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أطل يوم الحديبية على الثنية التي تهبط به على قريش ، بركت ناقته ، فزجروها فألحت ، فقالوا : خلأت القصواء ، أي : حرنت .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما خلأت القصواء ، وما ذاك لها بخلق ، ولكن حبسها حابس الفيل " ثم قال : " والذي نفسي بيده ، لا يسألوني اليوم خطة يعظمون فيها حرمات الله ، إلا أجبتهم إليها " .
ثم زجرها فقامت .
والحديث من أفراد البخاري .
وفي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم فتح مكة : " إن الله حبس عن مكة الفيل ، وسلط عليها رسوله والمؤمنين ، وإنه قد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس ، ألا فليبلغ الشاهد الغائب " .
آخر تفسير سورة " الفيل " .
وقوله: ( فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ) يعني تعالى ذكره: فجعل الله أصحاب الفيل كزرع أكلته الدواب فراثته, فيبس وتفرّقت أجزاؤه; شبَّه تقطُّع أوصالهم بالعقوبة التي نـزلت بهم, وتفرّق آراب أبدانهم بها, بتفرّق أجزاء الروث, الذي حدث عن أكل الزرع.
وقد كان بعضهم يقول: العصف: هو القشر الخارج الذي يكون على حبّ الحنطة من خارج, كهيئة الغلاف لها.
*ذكر من قال: عُني بذلك ورق الزرع: حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء, جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ) قال: ورق الحنطة.
حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة ( كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ) قال: هو التبن.
وحُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ, قال: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ) : كزرع مأكول.
حدثني محمد بن عمارة الأسدي, قال: ثنا زريق بن مرزوق, قال: ثنا هبيرة, عن سلمة بن نُبَيط, عن الضحاك, في قوله ( كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ) قال: هو الهبور بالنبطية, وفي رواية: المقهور.
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ) قال: ورق الزرع وورق البقل, إذا أكلته البهائم فراثته, فصار رَوْثا.
*ذكر من قال: عني به قشر الحبّ: حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس ( كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ) قال: البرّ يؤكل ويُلقى عصفه الريح والعصف: الذي يكون فوق البرّ: هو لحاء البرّ.
وقال آخرون في ذلك بما حدثنا ابن حميد, قال: ثنا مهران, عن أبي سنان, عن حبيب بن أبي ثابت: ( كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ) قال: كطعام مطعوم.
آخر تفسير سورة الفيل
قوله تعالى : فجعلهم كعصف مأكول أي جعل الله أصحاب الفيل كورق الزرع إذا أكلته الدواب ، فرمت به من أسفل .
شبه تقطع أوصالهم بتفرق أجزائه .
روي معناه عن ابن زيد وغيره .
وقد مضى القول في العصف في سورة ( الرحمن ) .
ومما يدل على أنه ورق الزرع قول علقمة :تسقي مذانب قد مالت عصيفتها حدورها من أتي الماء مطموم[ ص: 178 ] وقال رؤبة بن العجاج :ومسهم ما مس أصحاب الفيل ترميهم حجارة من سجيلولعبت طير بهم أبابيل فصيروا مثل كعصف مأكولالعصف : جمع ، واحدته عصفة وعصافة ، وعصيفة .
وأدخل الكاف في كعصف للتشبيه مع مثل ، نحو قوله تعالى : ليس كمثله شيء .
ومعنى مأكول مأكول حبه .
كما يقال : فلان حسن ; أي حسن وجهه .
وقال ابن عباس : فجعلهم كعصف مأكول أن المراد به قشر البر ; يعني الغلاف الذي تكون فيه حبة القمح .
ويروى أن الحجر كان يقع على أحدهم فيخرج كل ما في جوفه ، فيبقى كقشر الحنطة إذا خرجت منه الحبة .
وقال ابن مسعود : لما رمت الطير بالحجارة ، بعث الله ريحا فضربت الحجارة فزادتها شدة ، فكانت لا تقع على أحد إلا هلك ، ولم يسلم منهم إلا رجل من كندة ; فقال :فإنك لو رأيت ولم تريه لدى جنب المغمس ما لقيناخشيت الله إذ قد بث طيرا وظل سحابة مرت عليناوباتت كلها تدعو بحق كأن لها على الحبشان ديناويروى أنها لم تصبهم كلهم ; لكنها أصابت من شاء الله منهم .
وقد تقدم أن أميرهم رجع وشرذمة لطيفة معه ، فلما أخبروا بما رأوا هلكوا .
فالله أعلم .
وقال ابن إسحاق : لما رد الله الحبشة عن مكة ، عظمت العرب قريشا وقالوا : أهل الله ، قاتل عنهم ، وكفاهم مئونة عدوهم فكان ذلك نعمة من الله عليهم .
وصاروا كعصف مأكول، وكفى الله شرهم، ورد كيدهم في نحورهم، [وقصتهم معروفة مشهورة] وكانت تلك السنة التي ولد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصارت من جملة إرهاصات دعوته، ومقدمات رسالته، فلله الحمد والشكر.
( فجعلهم كعصف مأكول ) كزرع وتبن أكلته الدواب فراثته فيبس وتفرقت أجزاؤه .
شبه تقطع ، أوصالهم بتفرق أجزاء الروث .
قال مجاهد : " العصف " ورق الحنطة .
وقال قتادة : هو التبن .
وقال عكرمة : كالحب إذا أكل فصار أجوف .
وقال ابن عباس : هو القشر الخارج الذي يكون على حب الحنطة كهيئة الغلاف له .
«فجعلهم كعصف مأكول» كورق زرع أكلته الدواب وداسته وأفنته، أي أهلكهم الله تعالى كل واحد بحجره المكتوب عليه أسمه، وهو أكبر من العدسة وأصغر من الحمصة يغرق البيضة والرجل والفيل ويصل الأرض، وكان هذا عام مولد النبي صلى الله عليه وسلم.
فجعلهم به محطمين كأوراق الزرع اليابسة التي أكلتها البهائم ثم رمت بها.
وقوله - سبحانه - ( فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ ) بيان للآثار الفظيعة التى ترتبت على ما فعلته الحجارة التى أرسلتها الطيور عليهم بإذن الله - تعالى - .والعصف : ورق الزرع الذى يبقى فى الأرض بعد الحصاد وتعصفه الرياح فتأكله الحيوانات .
أو هو التبن الذى تأكله الدواب .أى : سلط الله - تعالى - عليهم طيرا ترميهم بحجارة من طين متحجر ، فصاروا بسبب ذلك صرعى هالكين ، حالهم فى تمزقهم وتناثرهم كحال أوراق الأشجار اليابسة أو التبن الذى تأكله الدواب .وهكذا نرى السورة الكريمة قد ساقت من مظاهرة قدرة الله - تعالى - ما يزيد المؤمنين إيمانا على إيمانهم ، وثباتا على ثباتهم ، وما يحمل الكافرين على الاهتداء إلى الحق ، والإِقلاع عن الشرك والجحود لو كانوا يعقلون .نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا من عباده الشاكرين .وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
ففيه مسائل: المسألة الأولى: ذكروا في تفسير العصف وجوهاً ذكرناها في قوله: ﴿ والحب ذُو العصف ﴾ وذكروا هاهنا وجوهاً: أحدها: أنه ورق الزرع الذي يبقى في الأرض بعد الحصاد وتعصفه الرياح فتأكله المواشي.
وثانيها: قال أبو مسلم: العصف التبن لقوله: ﴿ ذُو العصف والريحان ﴾ لأنه تعصف به الريح عند الذر فتفرقه عن الحب، وهو إذا كان مأكولاً فقد بطل ولا رجعة له ولا منعة فيه.
وثالثها: قال الفراء: هو أطراف الزرع قبل أن يدرك السنبل.
ورابعها: هو الحب الذي أكل لبه وبقي قشره.
المسألة الثانية: ذكروا في تفسير المأكول وجوهاً أحدها: أنه الذي أكل، وعلى هذا الوجه ففيه احتمالان: أحدهما: أن يكون المعنى كزرع وتبن قد أكلته الدواب، ثم ألقته روثاً، ثم يجف وتتفرق أجزاؤه، شبه تقطع أوصالهم بتفرق أجزاء الروث، إلا أن العبارة عنه جاءت على ما عليه آداب القرآن، كقوله: ﴿ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطعام ﴾ وهو قول مقاتل، وقتادة وعطاء عن ابن عباس.
والاحتمال الثاني: على هذا الوجه أن يكون التشبيه واقعاً بورق الزرع إذا وقع فيه الأكال، وهو أن يأكله الدود الوجه الثاني: في تفسير قوله: ﴿ مَّأْكُولِ ﴾ هو أنه جعلهم كزرع قد أكل حبه وبقي تبنه، وعلى هذا التقدير يكون المعنى: كعصف مأكول الحب كما يقال: فلان حسن أي حسن الوجه، فأجرى مأكول على العصف من أجل أنه أكل حبه لأن هذا المعنى معلوم وهذا قول الحسن الوجه الثالث: في التفسير أن يكون معنى: مأكول أنه مما يؤكل، يعني تأكله الدواب يقال: لكل شيء يصلح للأكل هو مأكول والمعنى جعلهم كتبن تأكله الدواب وهو قول عكرمة والضحاك.
المسألة الثالثة: قال بعضهم: إن الحجاج خرب الكعبة، ولم يحدث شيء من ذلك، فدل على أن قصة الفيل ما كانت على هذا الوجه وإن كانت هكذا إلا أن السبب لتلك الواقعة أمر آخر سوى تعظيم الكعبة والجواب: أنا بينا أن ذلك وقع إرهاصاً لأمر محمد صلى الله عليه وسلم، والإرهاص إنما يحتاج إليه قبل قدومه، أما بعد قدومه وتأكد نبوته بالدلائل القاطعة فلا حاجة إلى شيء من ذلك، والله سبحانه وتعالى أعلم وأحكم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
روي أنّ أبرهة بن الصباح الأشرم ملك اليمن من قبل أصحمة النجاشي بنى كنيسة بصنعاء وسماها القُليس، وأراد أن يصرف إليها الحاج، فخرج رجل من كنانة فقعد فيها ليلاً، فأغضبه ذلك.
وقيل: أججت رفقة من العرب نارا فحملتها الريح فأحرقتها، فحلف ليهدمنّ الكعبة فخرج بالحبشة ومعه فيل له اسمه محمود، وكان قوياً عظيماً، واثنا عشر فيلاً غيره.
وقيل: ثمانية وقيل: كان معه ألف فيل، وقيل كان وحده؛ فلما بلغ المغمس خرج إليه عبد المطلب وعرض عليه ثلث أموال تهامة ليرجع، فأبى وعبأ جيشه وقدّم الفيل، فكانوا كلما وجهوه إلى الحرم برك ولم يبرح، وإذا وجهوه إلى اليمن أو إلى غيرها من الجهات هرول؛ فأرسل الله طيراً سوداً.
وقيل: خضراً وقيل: بيضاً، مع كل طائر حجر في منقاره، وحجران في رجليه أكبر من العدسة وأصغر من الحمصة.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه رأى منها عند أم هانيء نحو قفيز مخططة بحمرة كالجزع الظفارى، فكان الحجر يقع على رأس الرجل فيخرج من دبره، وعلى كل حجر اسم من يقع عليه، ففروا فهلكوا في كل طريق ومنهل؛ ودوى أبرهة فتساقطت أنامله وآرابه، وما مات حتى انصدع صدره عن قلبه.
وانفلت وزيره أبو يكسوم وطائره يحلق فوقه، حتى بلغ النجاشي فقص عليه القصة، فلما اتمّها وقع عليه الحجر فخرّ ميتاً بين يديه.
وقيل: كان أبرهة جدّ النجاشي الذي كان في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربعين سنة، وقيل: بثلاث وعشرين سنة.
وعن عائشة رضي الله عنها: رأيت قائد الفيل وسائسه أعميين مقعدين يستطعمان.
وفيه أن أبرهة أخذ لعبد المطلب مائتي بعير، فخرج إليه فيها، فجهره وكان رجلاً جسيماً وسيماً.
وقيل: هذا سيد قريش وصاحب عير مكة الذي يطعم الناس في السهل والوحوش في رؤوس الجبال، فلما ذكر حاجته قال: سقطت من عيني، جئت لأهدم البيت الذي هو دينك ودين آبائك وعصمتكم وشرفكم في قديم الدهر، فألهاك عنه ذود أخذ لك؛ فقال أنا رب الإبل، وللبيت رب سيمنعه، ثم رجع وأتى باب البيت فأخذ بحلقته وهو يقول: لاَهُمَّ إنَّ المَرْءَ يَمْ ** نَعُ رحله فَامنَعْ حَلاَلَكْ لاَ يغْلِبَنَّ صَلُيبُهُم ** وَمُحَالُهُمْ عَدْواً مْحَالَكْ إنْ كُنْتَ تَارِكَهُمْ وَكَع ** بَتَنَا فَأَمْرٌ مَا بَدَا لَكْ يَا رَبِّ لاَ أَرْجُو لَهُمْ سِوَاكَا ** يَا رَبِّ فَامْنَعْ مِنْهُمُ حِمَاكَا فالتفت وهو يدعو فإذا هو بطير من نحو اليمن فقال: والله إنها لطير غريبة ما هي ببحرية ولا تهامية.
وفيه: أنّ أهل مكة قد احتووا على أموالهم، وجمع عبد المطلب من جواهرهم وذهبهم الجور، وكان سبب يساره.
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه سئل عن الطير فقال: حمام مكة منها.
وقيل: جاءت عشية ثم صبحتهم.
وعن عكرمة: من أصابته جدّرته وهو أوّل جدري ظهر.
وقرئ: ﴿ ألم تر ﴾ بسكون الراء للجد في إظهار أثر الجازم: والمعنى: أنك رأيت أثار فعل الله بالحبشة، وسمعت الأخبار به متواترة، فقامت لك مقام المشاهدة.
و ﴿ كَيْفَ ﴾ في موضع نصب بفعل ربك، لا بألم تر؛ لما في ﴿ كَيْفَ ﴾ من معنى الاستفهام ﴿ فِى تَضْلِيلٍ ﴾ في تضييع وإبطال.
يقال: ضلل كيده، إذا جعله ضالاً ضائعاً.
ومنه قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَيْدُ الكافرين إِلاَّ فِي ضلال ﴾ [غافر: 25] وقيل: لامريء القيس: الملك الضليل؛ لأنه ضلل ملك أبيه، أي: ضيعه، يعني: أنهم كادوا البيت أوّلاً ببناء القليس، وأرادوا أن ينسخوا أمره بصرف وجوه الحاج إليه، فضلل كيدهم بإيقاع الحريق فيه؛ وكادوه ثانياً بإرادة هدمه، فضلل بإرسال الطير عليهم ﴿ أَبَابِيلَ ﴾ حزائق، الواحدة: إبالة.
وفي أمثالهم: ضغث على إبالة، وهي: الحزمة الكبيرة، شبهت الحزقة من الطير في تضامّها بالإبالة.
وقيل: أبابيل مثل عباديد، وشماطيط لا واحد لها، وقرأ أبو حنيفة رحمه الله: ﴿ يرميهم ﴾ أي: الله تعالى أو الطير، لأنه اسم جمع مذكر؛ وإنما يؤنث على المعنى.
وسجيل: كأنه علم للديوان الذي كتب فيه عذاب الكفار، كما أن سجيناً علم لديوان أعمالهم، كأنه قيل: بحجارة من جملة العذاب المكتوب المدوّن، واشتقاقه من الإسجال وهو الإرسال؛ لأنّ العذاب موصوف بذلك، وأرسل عليهم طيراً، ﴿ فأرسلنا عليهم الطوفان ﴾ [الأعراف: 133] .
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: من طين مطبوخ كما يطبخ الآجر.
وقيل: هو معرب من سنككل.
وقيل: من شديد عذابه؛ ورووا بيت ابن مقبل: ضَرْباً تَوَاصَتْ بِهِ الأَبْطَالُ سِجِّيلاَ وإنما هو سجينا، والقصيدة نونية مشهورة في ديوانه؛ وشبهوا بورق الزرع إذا أكل، أي: وقع فيه الأكال: وهو أن يأكله الدود.
أو بتبن أكلته الدواب وراثته، ولكنه جاء على ما عليه آداب القرآن، كقوله: ﴿ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطعام ﴾ [المائدة: 75] أو أريد: أكل حبه فبقي صفراً منه.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة الفيل أعفاه الله أيام حياته من الخسف والمسخ» .
﴿ وَأرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أبابِيلَ ﴾ جَماعاتٍ جَمْعُ إبّالَةٍ وهي الحُزْمَةُ الكَبِيرَةُ، شُبِّهَتْ بِها الجَماعَةُ مِنَ الطَّيْرِ في تَضامِّها.
وقِيلٌ: لا واحِدَ لَها كَعَبادِيدَ وشَماطِيطَ.
﴿ تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ ﴾ وقُرِئَ بِالياءِ عَلى تَذْكِيرِ الطَّيْرِ لِأنَّهُ اسْمُ جَمْعٍ، أوْ إسْنادِهِ إلى ضَمِيرِ رَبُّكَ.
﴿ مِن سِجِّيلٍ ﴾ مِن طِينٍ مُتَحَجِّرٍ مُعَرَّبِ سِنْكِ كُلْ وقِيلَ مِنَ السَّجْلِ وهو الدَّلْوُ الكَبِيرُ، أوِ الإسْجالِ وهو الإرْسالِ، أوْ مِنَ السِّجِلِّ ومَعْناهُ مِن جُمْلَةِ العَذابِ المَكْتُوبِ المُدَوَّنِ.
﴿ فَجَعَلَهم كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ﴾ كَوَرَقِ زَرْعٍ وقْعِ فِيهِ الآكالُ وهو أنْ يَأْكُلَهُ الدُّودُ أوْ أُكِلَ حَبُّهُ فَبَقِيَ صِفْرًا مِنهُ، أوْ كَتِبْنٍ أكَلَتْهُ الدَّوابُّ وراثَتْهُ.
عَنِ النَّبِيِّ : «مَن قَرَأ سُورَةَ الفِيلِ أعْفاهُ اللَّهُ أيّامَ حَياتِهِ مِنَ الخَسْفِ والمَسْخِ».»
{فجعلهم كعصف مأكول} زرع أكله الدود.
سورة قريش
بسم الله الرحمن الرحيم {لإيلاف قريش}
﴿ فَجَعَلَهم كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ﴾ كَوَرَقِ زَرْعٍ وقَعَ فِيهِ الأكّالُ وهو أنْ يَأْكُلَهُ الدُّودُ أوْ أُكِلَ حُبُّهُ فَبَقِيَ صِفْرًا مِنهُ، والكَلامُ عَلى هَذا عَلى حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ، أوْ عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ، والتَّشْبِيهُ بِذَلِكَ لِذَهابِ أرْواحِهِمْ وبَقاءِ أجْسادِهِمْ، أوْ لِأنَّ الحَجَرَ بِحَرارَتِهِ يَحْرِقُ أجْوافَهم.
وذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ إلى أنَّ المَعْنى كَتِبْنٍ أكَلَتْهُ الدَّوابُّ وراثَتْهُ، والمُرادُ كَرَوْثٍ إلّا أنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ بِهَذا اللَّفْظِ لِهُجْنَتِهِ فَجاءَ عَلى الآدابِ القُرْآنِيَّةِ فَشُبِّهَ تَقَطُّعُ أوْصالِهِمْ بِتَفَرُّقِ أجْزاءِ الرَّوْثِ، فَفِيهِ إظْهارُ تَشْوِيهِ حالِهِمْ.
وقِيلَ: المَعْنى: كَتِبْنٍ تَأْكُلُهُ الدَّوابُّ وتَرُوثُهُ، والمُرادُ جَعَلَهم في حُكْمِ التِّبْنِ الَّذِي لا يُمْنَعُ عَنْهُ الدَّوابُّ؛ أيْ مُبْتَذَلِينَ ضائِعِينَ لا يَلْتَفِتُ إلَيْهِمْ أحَدٌ ولا يَجْمَعُهم ولا يَدْفِنُهم كَتِبْنٍ في الصَّحْراءِ تَفْعَلُ بِهِ الدَّوابُّ ما شاءَتْ لِعَدَمِ حافِظٍ لَهُ إلّا أنَّهُ وضَعَ «مَأْكُولٍ» مَوْضِعَ أكَلَتْهُ الدَّوابُّ لِحِكايَةِ الماضِي في صُورَةِ الحالِ وهو كَما تَرى، وكَأنَّهُ لَمّا أنَّ مَجِيئَهم لِهَدْمِ الكَعْبَةِ ناسَبَ إهْلاكَهم بِالحِجارَةِ ولَمّا أنَّ الَّذِي أثارَ غَضَبَهم عُذْرَةُ الكِنانِيِّ شَبَّهَهم فِيما فَعَلَ سُبْحانَهُ بِهِمْ عَلى القَوْلِ الأخِيرِ بِالرَّوْثِ أوْ لِما أنَّ الَّذِي أثارَهُ احْتِراقُها بِما حَمَلَتْهُ الرِّيحُ مِن نارِ العَرَبِ عَلى ما سَمِعْتَ شَبَّهَهم عَزَّ وجَلَّ فِيما فَعَلَ جَلَّ شَأْنُهُ بِهِمْ بِعَصْفٍ أُكِلَ حُبُّهُ عَلى ما أشَرْنا إلَيْهِ أخِيرًا، وقَرَأ أبُو الدَّرْداءِ فِيما نَقَلَ ابْنُ خالَوَيْهِ: «مَأكُولٍ» بِفَتْحِ الهَمْزَةِ إتْباعًا لِحَرَكَةِ المِيمِ وهو شاذٌّ وهَذا كَما أتْبَعُوا في قَوْلِهِمْ «مَحَمُومٍ» بِفَتْحِ الحاءِ لِحَرَكَةِ المِيمِ.
واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
وهي خمس آيات مكية قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ يعني: ألم تخبر بالقرآن.
ويقال: ألم تر، يعني: ألم يبلغك الخبر.
ويقال: اللفظ لفظ الاستفهام، والمراد به الإخبار، يعني: اعلم واعتبر بصنيع ربك كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ يعني: كيف عذب ربك بِأَصْحابِ الْفِيلِ وكان بدء أصحاب الفيل، ما ذكرناه في سورة البروج، أن زرعة قتل المسلمين بالنار، فهرب رجل منهم إلى ملك الحبشة، وأخبره بذلك.
فبعق ملك الحبشة جيشاً إلى أرض اليمن، فأمَّر عليهم أرياطاً، ومعه في جنده أبرهة الأشرم، فركب البحر بمن معه، حتى أتوا ساحلاً، مما يلي أرض اليمن، فدخلوها ومع أرياط سبعون ألفاً من الحبشة، وهزم جنود زرعة، وألقى زرعة نفسه في الماء، فهلك وأقام أرياط باليمن سنين في سلطانه.
ذلك ثم نازعه في أمر الحبشة أبرهة، وكان من أصحابه، ممن وجّهه معه النجاشي إلى اليمن وخالفه أبرهة وتفرق الجند في أرض اليمن، وصار إلى كل واحد منهما طائفة منهم.
ثم خرجوا للقتال، فلما تقارب الناس، ودنا بعضهم من بعض، أرسل أبرهة إلى أرياط، أن لا تصنع شيئاً، بأن تلقي الحبشة بعضها في بعض، حتى تفنيها.
فأبرز لي وأبرز لك، فأينا أصاب صاحبه انصرف إلى جنده، فأرسل إليه أرياط أن قد أنصفت فاخرج، فخرج إليه أبرهة، وكان رجلاً قصيراً، وخرج إليه أرياط وكان رجلاً طويلاً عظيماً، في يده حربة، وخلف أبرهة عبداً يقال له عنودة وروي عن بعضهم عيودة بالياء، فلما دنا أحدهما من صاحبه، رفع أرياط الحربة، فضرب بها على رأس أبرهة يريد يافوخة، فوقعت الحربة على جبهة أبرهة، فخدشت حاجبيه وعينه وأنفه وشفتيه.
فلذلك سمي أبرهة الأشرم، وحمل عيودة على أرياط من خلف أبرهة، فقتل أرياط، وانصرف جند أرياط إلى أبرهة فاجتمعت عليه الحبشة باليمن.
وكل ما صنع أبرهة من غير علم النجاشي ملك الحبشة، فلما بلغه ذلك، غضب غضباً شديداً.
وقال: عدا على أميري، فقتله بغير أمري.
ثم حلف أن لا يدع أبرهة، حتى يطأ بلاده، ويجز ناصيته.
فلما بلغ ذلك أبرهة، حلق رأسه، وملأ جراباً من تراب أرض اليمن.
ثم بعث إلى النجاشي، وكتب إليه، أيها الملك: إنما كان أرياط عبدُك، وأنا عبدك، واختلفنا في أمرك، وكل طاعة لك.
إلا أني قد كنت أقوى على أمر الجيش منه، وأضبط له، وقد حلقت رأسي حين بلغني قسم الملك، وبعثت إليه بجراب من تراب أرضي، ليضعه تحت قدميه، فيبر قسمه.
فلما وصل كتاب أبرهة إلى النجاشي- رضي عنه- وكتب إليه، أن أثبت بأرض اليمن، حتى يأتيك أمري.
وقال أبرهة لعتودة حين قتل أرياط.
حكمك يعني: أحكم عليّ بما شئت، فقال: حكمي أن لا تدخل عروس من نساء أهل اليمن على زوجها، حتى أصيبها قبله.
قال: ذلك لك.
فأقام أبرهة باليمن، وغلامه عتودة يصنع باليمن ما كان أعطاه في حكمه.
ثم عدل عليه رجل من حمير، أو من خَثْعم فقتله، فلما بلغ أبرهة قتله، وكان أبرهة رجلاً حليماً، ودعا في دينه من النصرانية.
فقال: قد آن لكم يا أهل اليمن، أن يكون منكم رجل حازم، يأنف مما يأنف منه الرجال، إني والله لو علمت حين حكمته، أنه يسأل من الذي سأل ما حكمته، وأيم الله لا يؤخذ منكم فيه عقل، ولا قود.
ثم إن أبرهة بنى بصنعاء كنيسة، لم يُر مثلها في زمانه في أرض الروم، ولا في أرض الشام.
ثم كتب إلى النجاشي الأكبر، ملك الحبشة، أني قد بنيت لك كنيسة، لم يكن مثلها لملك كان قبلك، ولست بمنته حتى أصرف إليها حج العرب، فلما علمت العرب بكتاب أبرهة إلى النجاشي، خرج رجل من بني كنانة من الحمس، حتى قدم اليمن، فدخل الكنيسة، فنظر فيها، ثم خرى فيها فدخلها أبرهة، فوجد تلك العذرة فيها فقال: من اجترأ عليّ بهذا، فقال له أصحابه: أيها الملك، رجل من أهل ذلك البيت الذي يحجه العرب.
فقال: أعليّ اجْتَرأ بهذا.
ثم قال بالنصرانية: لأهْدِمَنَّ ذلك البيت ولأُخَرِّبنه، حتى لا يحجه حاج أبداً.
فدعا بالفيل وأذن قومه بالخروج.
وروي في رواية أُخرى أن فئة من قريش، خرجوا إلى أرض النجاشي، فأوقدوا ناراً، فلما رجعوا، تركوا النار في يوم ريح عاصف، حتى وقعت النار في الكنيسة، فأحرقتها.
فعزم أبرهة، وهو خليفة النجاشي.
أن يخرج إلى مكة فيهدم الكعبة، وينقل أحجارها إلى اليمن، فيبني هناك بيتاً ليحج الناس إليه.
وروي في رواية أُخرى، أن رجلاً من أهل مكة، خرج إلى اليمن، فأخذ جزعة من القصب ذات ليلة، وأضرم النار في الكنيسة فأحرقها ثم هرب.
فبناها أبرهة مرة أخرى، فحلف بعيسى ابن مريم بأن يهدم الكعبة، لكي يتحول الحج إلى كنيسته، فتجهز فخرج معه حتى إذا كان في بعض طريقه، بعث رجلاً من بني سليم، ليدعو الناس في حج بيته الذي بناه، فتلقاه رجل من اليمن بني كنانة، فقتله.
فازداد أبرهة بذلك غضباً، وحث على المسير والانطلاق، حتى إذا كان بأرض جعم فخرج إليه رجل من أشراف اليمن وملوكهم، يقال له ذو يفن.
فدعا القوم، وأحبابه من سائر العرب، إلى حرب أبرهة، وصده عن بيت الله، فقاتله فهرب ذو يفن وأصحابه، وأخذوا ذا يفن، وأتى به أسيراً.
فلما أراد قتله قال: أيها الملك، لا تقتلني، فإنه عسى أن أكون معك خير لك من قتلي، فتركه وحبسه عنده في وثاقه.
ثم مضى على وجهه ذلك، حتى إذا كان بأرض خشعم، عرض له فقيل ابن حبيب الخشعي، فقاتله فهزمه، وأخذ أسيراً.
فلما أتي به، وهم بقتله فقال: أيها الملك لا تقتلني، فإني دليلك بأرض العرب، فتركه وخلى سبيله، وخرج به معه يدله على أرض العرب.
حتى إذا مر بالطائف فخرج إليه مسعود بن مغيث، التقى في رجال من ثقيف فقالوا: أيها الملك إنما نحن عبيدك، ليس عندنا لك خلاف، وليس بيتنا هذا الذي تريد، يعنون اللات والعزى، وليست بالتي يحج إليه العرب، وإنما ذلك بيت قريش الذي بمكة، فنحن نبعث معك من يدلك عليه، فتجاوز عنهم فبعثوا معه أبا رغال، فخرج يهديهم الطريق، حتى أنزلهم بالمغمس وهي على ستة أميال من مكة، فمات أبو رغال هناك، فرجمت العرب قبره، فهو القبر الذي ترجمه الناس بالمغمس.
ثم إن قريشاً لما علموا، أن لا طاقة لهم بالقتال مع هؤلاء القوم، لم يبق بمكة أحد، إلا خرج إلى الشعاب والجبال، ولم يبق أحد إلا عبد المطلب على سقايته وشيبه، أقام على حجابة البيت، فجعل عبد المطلب يأخذ بعضادتي البيت ويقول: لا هم إن المرء يمنع رحله، فامنع رحالك لا يغلبوا بصليبهم، فأمر ما بدا لك.
ثم إن أبرهة بعث رجلاً من الحبشة على جمل له، حتى انتهى إلى مكة، وساق إلى أبرهة أموال قريش وغيرها.
فأصاب مائتي بعير لعبد المطلب، وهو يومئذٍ كبير قريش وسيدها.
ثم بعثت أبرهة رجلاً من أهل حمير إلى مكة، وقال أرسل إلى سيد هذا البيت وشريفهم.
ثم قال له: إن الملك يقول لك، إني لم آت لأخرجكم، وإنما جئت لأهدم هذا البيت، فإن لم تتعرضوا إلى دونه بحرب، فلا حاجة لي بدمائكم.
فلما دخل الرسول مكة، جاء إلى عبد المطلب، وأدى إليه الرسالة، فقال له عبد المطلب: ما نريد حربه، وما لنا بنيه، حتى أتى العسكر فسأل عن ذي يفن، وكان صديقاً له، فجاءه وهو في مجلسه فقال له: هل عندك من عناء بما نزل بنا، فقال له ذو يفن: ما عناء رجل أسير بيد ملك ينتظر بأن يقتله، عدواً أو مشياً ألا إن صاحب الفيل صديق لي، فأرسل إليه فأوصيه لك، وأعظم عليه حقك، وأسأله أن يستأذن لك على الملك، فتكلمه أنت بما بدا لك.
فقال حسبي ففعل ذلك، فلما دخل عبد المطلب على الملك وكلمه، فأعجبه كلامه.
ثم قال لترجمانه: قل له ما حاجتك، قال عبد المطلب: حاجتي إليك، أن ترد إلي مائتي بعير لي، فلما قال ذلك، قال له أبرهة: لقد كنت أعجبتني حين رأيتك، ثم إني رجوت.
يعني: كرهت فيك حيث كلمتني في مائتي بعير أصبتها لك، وتترك بيتاً هو دينك ودين آبائك، قد جئت لهدمه.
لا تكلمني فيه.
قال عبد المطلب: أنا رب الإبل، وإن للبيت رباً سيمنعه.
فقال: ما كان يمنع مني، قال: أنت وذلك فرد عليه الإبل، فانصرف عبد المطلب إلى قريش، وأخبرهم الخبر، وأمر بالخروج لمن بقي من أهل مكة إلى الجبال، وفي بطون الشعاب.
ثم إن عبد المطلب، أخذ بحلقتي باب الكعبة، وقال: اللهم إن المرء يمنع رحله، وذكر كلمات في ذلك.
ثم أرسل حلقتي الباب، وانطلق ومن معه إلى الجبال، ينتظرون ما يصنع أبرهة بمكة.
فلما أصبح أبرهة، تهيأ لدخول مكة، وهيأ فيله وجيشه، وكان اسم الفيل محموداً، وكنيته أبو العباس.
وكتبه أبو البكشوم، فلما وجهوا الفيل إلى مكة، أقبل نفيل بن حبيب الخثعمي، حتى جاء إلى جنب الفيل.
ثم أخذ بأذنه فقال أبرك محموداً، وارجع راشداً من حيث جئت، فإنك والله في بلد الله الحرام.
ثم أرسل أذنه فاضطجع، فضربه ليقوم فأبى، فضربوه ليقوم فأبى وضربوا بالطبرزين فوجهوه راجعاً إلى اليمن، فقام يهرول ووجهوه إلى الشام، ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى مكة، فبرك وأرسل الله تعالى عليهم طيراً من البحر، أمثال الخطاطيف.
مع كل طير منها ثلاثة أحجار، حجر في منقاره، وحجران في رجليه، أمثال الحمصة والعدسة، لا تصيب أحداً منهم إلا هلك.
فخرجوا هاربين يبتدرون الطريق الذي جاءوا منه، ويتساءلون عن نفل بن حبيب، ليدلهم على الطريق، فخرج نفيل يشتد، حتى صعد الجبل، فخرجوا معه يتساقطون بكل طريق، ويهلكون على كل منهل، فأصيب أبرهة في جسده، وخرجوا معه فيسقط من جسده أنملة أنملة، كلما سقطت منه أنملة، خرجت منه مدة قيح ودم، حتى قدموا به صنعاء، وهو مثل فرخ الطائر، فما مات حتى انصدع صدره عن قلبه ثم مات، فملك ابنه يكثوم بن أبرهة ملك اليمن.
وروي في الخبر، أنه أول ما وقعت الحصبة، والجدري بأرض العرب ذلك العام.
وقال بعضهم: كان أمر أصحاب الفيل، قبل مولد النبيّ ، بثلاث وعشرين سنة.
وقال بعضهم: كان ذلك في عام مولده- -.
وروي عن قبس بن مخرمة أنه قال: ولدت أنا ورسول الله في عام الفيل.
فنزل قوله أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ يعني: كيف عاقب ربك أصحاب الفيل، بالحجارة، حين أرادوا هدم الكعبة.
قال تعالى: أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ يعني: في خسارة.
ويقال: معناه ألم يجعل صنيعهم في أباطيل وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ يعني: متتابعاً بعضها على أثر بعض، أرسل عليهم الله طيوراً بيضاً صغاراً.
وقال عبيد بن عمير: أرسل عليهم طيراً بلقا من البحر، كأنها الخطاطيف.
وروى عطاء عن ابن عباس قال: طيراً سوداً، جاءت من قبل البحر فوجاً فوجاً.
ثم قال تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ قال سعيد بن جبير، الحجارة أمثال الحمصة.
وروي عن ابن عباس قال: رأيت عند أم هانئ من تلك الحجارة، مثل بعر الغنم، مخططة بحمرة.
وروى إسرائيل، عن جابر بن أسباط قال: طيراً كأنها رجال الهند، جاءت من قبل البحر، تحمل الحجارة في مناقيرها وأظافيرها، أكبرها كمبارك الإبل، وأصغرها كرؤوس الإنسان تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ يعني: من طين خلط بالحجارة، ويقال: طين مطبوخ كما يطبخ الآجُرْ.
وذكر مقاتل، عن عكرمة قال: هي طير جاءت من قبل البحر، لها رؤوس كرؤوس السباع، لم تر قبل يومئذ ولا بعده، فجعلت ترميهم بالحجارة، فتجدر جلودهم.
وكان أول يوم رأى فيه الجدري.
ويقال: مكتوب في كل حجر اسم الرجل، واسم أبيه، ولا يصيب الرجل شيء، إلا نفذه فيها وقع على رأس رجل، إلا خرج من دبره، وما وقعت على جانبه، إلا خرجت من الجانب الآخر.
وقال وهب بن منبه بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ قال بالفارسية سنك وكل يعني: حجارة وطين.
وروى موسى بن بشار عن عكرمة بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ قال: سنك وكل.
ثم قال عز وجل: فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ يعني: كزرع بالٍ، فأخبر الله تعالى أنه سلط على الجبابرة أضعف خلقه، كما سلط على النمرود بعوضة، فأكلت من دماغه أربعين يوماً، فمات من ذلك.
والله أعلم بالصواب.
سُورَةُ الفِيلِ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: ألَمْ تُخْبَرْ، قالَهُ الفَرّاءُ.
والثّانِي: ألَمْ تَعْلَمْ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
ومَعْنى الكَلامِ مَعْنى التَّعَجُّبِ.
وأصْحابُ الفِيلِ هُمُ الَّذِينَ قَصَدُوا تَخْرِيبَ الكَعْبَةِ.
وَفِي سَبَبِ قَصْدِهِمْ لِذَلِكَ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنْ أبَرْهَةَ بَنِي بِيعَةَ وقالَ: لَسْتُ مُنْتَهِيًا حَتّى أُضِيفَ إلَيْها حَجَّ العَرَبِ، فَسَمِعَ بِذَلِكَ رَجُلٌ مِن بَنِي كِنانَةَ، فَخَرَجَ، فَدَخَلَها لَيْلًا، فَأحْدَثَ فِيها، فَبَلَغَ ذَلِكَ أبَرْهَةَ، فَحَلَفَ لَيَسِيرَنَّ إلى الكَعْبَةِ فَيَهْدِمُها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّ قَوْمًا مِن قُرَيْشٍ خَرَجُوا في تِجارَةٍ إلى أرْضِ النَّجاشِيِّ فَنَزَلُوا في جَنْبِ بَيْعَةٍ، فَأوْقَدُوا نارًا، وشَوَوْا لَحْمًا، فَلَمّا رَحَلُوا هَبَّتِ الرِّيحُ، فاضْطَرَمَ المَكانُ نارًا، فَغَضِبَ النَّجاشِيُّ لِأجْلِ البَيْعَةِ، فَقالَ لَهُ كُبَراءُ أصْحابِهِ -مِنهم حِجْرُ بْنُ شَراحِيلَ، وأبُو يَكْسُومَ-: لا تَحْزَنْ، فَنَحْنُ نَهْدِمُ الكَعْبَةَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: أبُو يَكْسُومَ اسْمُهُ أبْرَهَةُ بْنُ الأشْرَمِ.
وقِيلَ: وزِيرُهُ، وحِجْرٌ مِن قُوّادِهِ.
ذِكْرُ الإشارَةِ إلى القِصَّةِ ذَكَرَ أهْلُ التَّفْسِيرِ أنَّ أبَرْهَةَ لَمّا سارَ بِجُنُودِهِ إلى الكَعْبَةِ لِيَهْدِمَها خَرَجَ مَعَهُ بِالفِيلِ، فَلَمّا دَنا مِن مَكَّةَ أمَرَ أصْحابَهُ بِالغارَةِ عَلى نَعَمِ النّاسِ، فَأصابُوا إبِلًا لِعَبْدِ المُطَلِّبِ، وبَعَثَ بَعْضَ جُنُودِهِ، فَقالَ: سَلْ عَنْ شَرِيفِ مَكَّةَ، وأخْبِرْهُ أنِّي لَمْ آتِ لِقِتالٍ، وإنَّما جِئْتُ لِأهْدِمَ هَذا البَيْتَ، فانْطَلَقَ حَتّى دَخَلَ مَكَّةَ، فَلَقِيَ عَبْدَ المُطَّلِبِ بْنَ هاشِمٍ، فَقالَ: إنَّ المَلِكَ أرْسَلَنِي إلَيْكَ لِأُخْبِرَكَ أنَّهُ لَمْ يَأْتِ لِقِتالٍ إلّا أنْ تُقاتِلُوهُ، إنَّما جاءَ لِهَدْمِ هَذا البَيْتِ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ عَنْكُمْ، فَقالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ: ما لَهُ عِنْدَنا قِتالٌ، وما لَنا بِهِ يَدٌ، إنّا سَنُخَلِّي بَيْنَهُ وبَيْنَ ما جاءَ لَهُ، فَإنَّ هَذا بَيْتُ اللَّهِ الحَرامُ، وبَيْتُ خَلِيلِهِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنْ يَمْنَعْهُ، فَهو بَيْتُهُ وحَرَمُهُ، وإنْ يُخْلِ بَيْنَهُ وبَيْنَ ذَلِكَ، فَواللَّهِ ما لَنا بِهِ قُوَّةٌ.
قالَ: فانْطَلِقْ مَعِي إلى المَلِكِ، فَلَمّا دَخَلَ عَبْدُ المُطَّلِبِ عَلى أبَرْهَةَ أعْظَمَهُ، وكَرَّمَهُ، ثُمَّ قالَ لِتُرْجُمانِهِ: قُلْ لَهُ: ما حاجَتُكَ إلى المَلِكِ؟
فَقالَ لَهُ التُّرْجُمانُ، فَقالَ: حاجَتِي أنْ يَرُدَّ عَلَيَّ مِائَتَيْ بَعِيرٍ أصابَها.
فَقالَ أبَرْهَةُ لِتُرْجُمانِهِ: قُلْ لَهُ: لَقَدْ كُنْتَ أعْجَبَتْنِي حِينَ رَأيْتُكَ، ولَقَدْ زَهِدْتُ الآنَ فِيكَ، جِئْتُ إلى بَيْتٍ هو دِينُكَ لِأهْدِمَهُ، فَلَمْ تُكَلِّمْنِي فِيهِ، وكَلَّمَتْنِي لِإبِلٍ أصَبْتُها.
فَقالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ: أنا رَبُّ هَذِهِ الإبِلِ، ولِهَذا البَيْتِ رَبٌّ سَيَمْنَعُهُ.
فَأمَرَ بِإبِلِهِ فَرُدَّتْ عَلَيْهِ، فَخَرَجَ، فَأخْبَرَ قُرَيْشًا، وأمَرَهم أنْ يَتَفَرَّقُوا في الشِّعابِ ورُؤُوسِ الجِبالِ خَوْفًا مِن مَعَرَّةِ الجَيْشِ إذا دَخَلَ، فَفَعَلُوا، فَأتى عَبْدُ المُطَّلِبِ الكَعْبَةَ، فَأخَذَ بِحَلْقَةِ البابِ، وجَعَلَ يَقُولُ: يا رَبِّ لا أرْجُو لَهم سِواكا يا رَبِّ فامْنَعْ مِنهم حِماكا إنَّ عَدُوَّ البَيْتِ مَن عاداكا ∗∗∗ امْنَعْهم أنْ يُخْرِبُوا قُراكا وَقالَ أيْضًا لاهُمَّ إنَّ المَرْءَ يَمْـ ∗∗∗ ـنَعُ رَحْلَهُ فامْنَعْ حَلالَكْ لا يَغْلِبَنَّ صَلِيبُهم ∗∗∗ ومِحالُهم غَدَوًا مِحالَكْ جَرُّوا جَمِيعَ بِلادِهِمْ ∗∗∗ والفِيلَ كَيْ يَسْبُوا عِيالَكْ عَمِدُوا حِماكَ بِكَيْدِهِمْ ∗∗∗ جَهْلًا وما رَقَبُوا جَلالَكْ إنْ كُنْتَ تارِكَهم وكَعْـ ∗∗∗ ـبَتَنا فَأمْرٌ ما بَدا لَكْ ثُمَّ إنْ أبَرْهَةَ أصْبَحَ مُتَهَيِّئًا لِلدُّخُولِ، فَبَرَكَ الفِيلُ، فَبَعَثُوهُ فَأبى، فَضَرَبُوهُ فَأبى، فَوَجَّهُوهُ إلى اليَمَنِ راجِعًا، فَقامَ يُهَرْوِلُ، ووَجَّهُوهُ إلى الشّامِ فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، وإلى المَشْرِقِ فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَوَجَّهُوهُ إلى الحَرَمِ، فَأبى، فَأرْسَلَ اللَّهُ طَيْرًا مِنَ البَحْرِ.
واخْتَلَفُوا في صِفَتِها، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَتْ لَهم خَراطِيمُ كَخَراطِيمِ الطَّيْرِ، وأكُفٌّ كَأكُفِّ الكِلابِ.
وقالَ عِكْرِمَةُ: كانَتْ لَها رُؤُوسٌ كَرُؤُوسِ السِّباعِ.
وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: كانَتْ أمْثالَ الخَطاطِيفِ.
واخْتَلَفُوا في ألْوانِها عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها كانَتْ خَضْراءَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
الثّانِي: سَوْداءُ، قالَهُ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ.
والثّالِثُ: بَيْضاءُ، قالَهُ قَتادَةُ.
قالَ: وكانَ مَعَ كُلِّ طَيْرٍ ثَلاثَةُ أحْجارٍ، حَجَرانِ في رِجْلَيْهِ، وحَجَرٍ في مِنقارِهِ.
واخْتَلَفُوا في صِفَةِ الحِجارَةِ فَقالَ بَعْضُهُمْ: كانَتْ كَأمْثالِ الحُمُّصِ والعَدَسِ.
وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: بَلْ كانَ الحَجَرُ كَرَأْسِ الرَّجُلِ والجَمَلِ، فَلَمّا غَشِيَتِ القَوْمَ أرْسَلَتْها عَلَيْهِمْ، فَلَمْ تُصِبْ تِلْكَ الحِجارَةُ أحَدًا إلّا هَلَكَ.
وكانَ الحَجَرُ يَقَعُ عَلى رَأْسِ الرَّجُلِ، فَيَخْرُجُ مِن دُبُرِهِ، وقِيلَ: كانَ عَلى كُلِّ حَجَرٍ اسْمُ الَّذِي وقَعَ عَلَيْهِ، فَهَلَكُوا ولَمْ يَدْخُلُوا الحَرَمَ، وبَعَثَ اللَّهُ عَلى أبَرْهَةَ داءٌ في جَسَدِهِ، فَتَساقَطَتْ أنامِلُهُ، وانْصَدَعَ صَدْرُهُ قِطْعَتَيْنِ عَنْ قَلْبِهِ، فَهَلَكَ، ورَأى أهْلُ مَكَّةَ الطَّيْرَ وقَدْ أقْبَلَتْ مِن ناحِيَةِ البَحْرِ، فَقالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ: إنَّ هَذِهِ الطَّيْرَ غَرِيبَةٌ.
ثُمَّ إنَّ عَبْدَ المُطَّلِبِ بَعَثَ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ عَلى فَرَسٍ يَنْظُرُ إلى القَوْمِ، فَرَجَعَ يَرْكُضُ ويَقُولُ: هَلَكَ القَوْمُ جَمِيعًا، فَخَرَجَ عَبْدُ المُطَّلِبِ وأصْحابُهُ فَغَنِمُوا أمْوالَهم.
وقِيلَ: لَمْ يَنْجُ مِنَ القَوْمِ إلّا أبُو يَكْسُومَ، فَسارَ، وطائِرٌ يَطِيرُ مِن فَوْقِهِ، ولا يَشْعُرُ بِهِ حَتّى دَخَلَ عَلى النَّجاشِيِّ، فَأخْبَرَهُ بِما أصابَ القَوْمَ، فَلَمّا أتَمَّ كَلامَهُ رَماهُ الطّائِرُ فَماتَ، فَأرى اللَّهَ تَعالى النَّجاشِيَّ كَيْفَ كانَ هَلاكُ أصْحابِهِ.
واخْتَلَفُوا كَمْ كانَ بَيْنَ مَوْلِدِ رَسُولِ اللَّهِ وبَيْنَ هَذِهِ القِصَّةِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ وُلِدَ عامَ الفِيلِ وهو الأصَحُّ والثّانِي: كانَ بَيْنَهُما ثَلاثٌ وعِشْرُونَ سَنَةً، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أرْبَعُونَ سَنَةً، حَكاهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ ﴾ وهو ما أرادُوا مِن تَخْرِيبِ الكَعْبَةِ ﴿ فِي تَضْلِيلٍ ﴾ أيْ: في ذَهابٍ.
والمَعْنى: أنَّ كَيْدَهم ضَلَّ عَمّا قَصَدُوا لَهُ، فَلَمْ يَصِلُوا إلى مُرادِهِمْ ﴿ وَأرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أبابِيلَ ﴾ .
وَفِي " الأبابِيلِ " خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها المُتَفَرِّقَةُ مِن هاهُنا وهاهُنا، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، والأخْفَشُ.
والثّانِي: أنَّها المُتَتابِعَةُ الَّتِي يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: الكَثِيرَةُ، قالَهُ الحَسَنُ، وطاوُوسٌ.
والرّابِعُ: أنَّها الجَمْعُ بَعْدَ الجَمْعِ، قالَهُ عَطاءٌ، وأبُو صالِحٍ، وكَذَلِكَ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ: " الأبابِيلُ ": جَماعاتٌ في تَفْرِقَةٍ.
والخامِسُ: المُخْتَلِفَةُ الألْوانِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
قالَ الفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدَةَ: " الأبابِيلُ " لا واحِدَ لَها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَرْمِيهِمْ ﴾ قَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ " يَرْمِيهِمْ " بِالياءِ.
وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى ﴿ سِجِّيلٍ ﴾ في [هُودٍ: ٨٢] ومَعْنى " العَصْفِ " في سُورَةِ [الرَّحْمَنِ: ١٢] عَزَّ وجَلَّ.
وَفِي مَعْنى ﴿ مَأْكُولٍ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنْ يَكُونَ أرادَ أنَّهُ أُخِذَ ما فِيهِ مِنَ الحَبِّ فَأُكِلَ، وبَقِيَ هو لا حَبَّ فِيهِ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ أرادَ أنَّ العَصْفَ مَأْكُولُ البَهائِمِ، كَما يُقالُ لِلْحِنْطَةِ: هَذا المَأْكُولُ ولَمّا يُؤْكَلْ.
ولِلْماءِ: هَذا المَشْرُوبُ ولَمّا يُشْرَبُ، يُرِيدُ أنَّهُما مِمّا يُؤْكَلُ ويَشْرَبُ، ذَكَرَهُما ابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّالِثُ: أنَّ المَأْكُولَ هاهُنا: الَّذِي وقَعَ فِيهِ الأُكالُ.
فالمَعْنى: جَعَلَهم كَوَرَقِ الزَّرْعِ الَّذِي جَفَّ وأُكِلَ: أيْ: وقَعَ فِيهِ الأُكالُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةُ الفِيلِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِ الرُواةِ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأصْحابِ الفِيلِ ﴾ ﴿ ألَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهم في تَضْلِيلٍ ﴾ ﴿ وَأرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أبابِيلَ ﴾ ﴿ تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِن سِجِّيلٍ ﴾ ﴿ فَجَعَلَهم كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ﴾ "كَيْفَ" نَصَبَ بِـ "فِعْلٍ"، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ فِيلٌ واحِدٌ، وقالَ الضَحّاكُ: ثَمانِيَةٌ، فَهو اسْمُ الجِنْسِ، وقَوْلُهُ مَرْدُودٌ، وحَكى النَقّاشُ ثَلاثَةَ عَشَرَ.
وهَذِهِ السُورَةُ تَنْبِيهٌ عَلى اعْتِبارٍ في أخْذِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ لِأبْرَهَةَ مَلِكُ الحَبَشَةِ ولِجَيْشِهِ حِينَ أمَّ بِهِ الكَعْبَةَ لِيَهْدِمَها، وكانَ صاحِبَ فِيلٍ يَرْكَبُهُ.
وقِصَّتُهُ مَشْهُورَةٌ في السِيرَةِ الطَوِيلَةِ، واخْتِصارُها أنَّهُ بَنى في اليَمَنِ بَيْتًا، وأرادَ أنْ يَرُدَّ إلَيْهِ حَجَّ العَرَبِ، فَذَهَبَ عَرَبِيٌّ فَأحْدَثَ في البَيْتِ الَّذِي بَناهُ أبَرْهَةُ، فَغَضِبَ لِذَلِكَ واحْتَفَلَ في جُمُوعِهِ، ورَكِبَ الفِيلَ وقَصَدَ مَكَّةَ، وغَلَبَ مِن تَعَرَّضَهُ في طَرِيقِهِ مِن قَبائِلِ العَرَبِ، فَلَمّا وصَلَ ظاهِرَ مَكَّةَ، وفَرَّ عَبْدُ المُطَّلِبِ وقُرَيْشٌ إلى الجِبالِ والشِعابِ، وأسْلَمُوا لَهُ البَلَدَ، وغَلَبَ طُغْيانُهُ، ولَمْ يَكُنْ لِلْبَيْتِ مِنَ البَشَرِ مَن يَعْصِمُهُ، جاءَتْ قُدْرَةُ الواحِدِ القَهّارِ، وأخْذِ العَزِيزِ المُقْتَدِرِ الجَبّارِ، فَأصْبَحَ أبَرْهَةُ لِيَدْخُلَ مَكَّةَ ويَهْدِمَ الكَعْبَةَ، فَبَرَكَ فِيلُهُ بِذِي المَغْمَسِ ولَمْ يَتَوَجَّهْ قِبَلَ مَكَّةَ، فَبَضَعُوهُ بِالحَدِيدِ فَلَمْ يَمْشِ إلى ناحِيَةِ مَكَّةَ، وكانَ إذا وجَّهُوهُ إلى غَيْرِها هَرْوَلَ، فَبَيْنَما هم كَذَلِكَ في أمْرِ الفِيلِ بَعَثَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِمْ طَيْرًا جَماعاتٍ جَماعاتٍ سُودًا مِنَ البَحْرِ -وَقِيلَ خُضْرًا-، عِنْدَ كُلِّ طَيْرٍ ثَلاثَةُ أحْجارٍ في مِنقارِهِ ورِجْلَيْهِ، وكُلُّ حَجَرٍ فَوْقَ العَدَسَةِ ودُونَ الحُمُّصَةِ، فَرَمَتْهم بِتِلْكَ الحِجارَةِ، وَكانَ الحَجَر مِنها يَقْتُلُ المَرْمِيَّ، وتَتَهَرّى لُحُومُهم جَرْبًا وأسْقامًا، وانْصَرَفَ أبَرْهَةُ بِمَن مَعَهُ يُرِيدُ اليَمَنَ، فَماتُوا في طَرِيقِهِمْ مُتَفَرِّقِينَ في كُلِّ مَرْحَلَةٍ، وتَقَطَّعَ أبَرْهَةُ أُنْمُلَةً أُنْمُلَةً حَتّى ماتَ، وحَمى اللهُ تَعالى بَيْتَهُ المُرَفَّعَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ السُورَةُ مُنَبِّهَةً عَلى الِاعْتِبارِ بِهَذِهِ القِصَّةِ، لِيَعْلَمَ الكُلُّ أنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ تَعالى، ويَسْتَسْلِمُوا لِلْإلَهِ الَّذِي ظَهَرَتْ في ذَلِكَ قُدْرَتُهُ حِينَ لَمْ تُغْنِ الأصْنامُ شَيْئًا فَأصْحابُ الفِيلِ هم أبَرْهَةُ المَلِكُ ورِجالُهُ.
وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "ألَمْ تَرْ" بِسُكُونِ الراءِ، و"التَضْلِيلُ": الخَسارُ والتَلَفُ.
و"الأبابِيلُ": الجَماعاتُ تَجِيءُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، وهَذا هو الصَحِيحُ، لا ما تَكَلَّفَهُ بَعْضُ النُحاةِ وقالَ كَعْبٌ: كادَتْ تَهُدُّ مِنَ الأصْواتِ راحِلَتِي إذْ سالَتِ الأرْضُ بِالجَرْدِ الأبابِيلِ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ "حِجارَةِ السِجِّيلِ" غَيْرَ مَرَّةٍ، وهي مِن "سَنْجٍ وكِلٍّ"، أيْ: ماءٍ وطِينٍ، كَأنَّها الآجُرُّ ونَحْوُهُ مِمّا طُبِخَ وهي المُسَوَّمَةُ عِنْدَ اللهِ تَعالى لِلْكُفّارِ والظالِمِينَ.
و"العَصْفُ": ورَقُ الحِنْطَةِ وتِبْنُهُ، ومِنهُ قَوْلُ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبَدَةَ: تُسْقى مَذانِبَ قَدْ زالَتْ عَصِيفَتُها ∗∗∗ حَدُورُها مِن أتِيِّ الماءِ مَطْمُومُ والمَعْنى: صارُوا طَحِينًا ذاهِبًا كَوَرَقِ الحِنْطَةِ أكَلَتْهُ الدَوابُّ وِراثَتْهُ فَجَمَعَ المَهانَةَ والخِسَّةَ والتَلَفَ.
وقَرَأ أبُو المَلِيحِ الهُذَلِيِّ "فَتَرَكَهم كَعَصْفٍ"، وقالَ أبُو حاتِمٍ: وقَرَأ بَعْضُهُمْ: "فَجَعَلَتْهُمْ" -يَعْنُونَ الطَيْرَ- بِفَتْحِ اللامِ وتاءٍ ساكِنَةٍ، وقالَ عِكْرِمَةُ: العَصْفُ: حَبُّ البُرِّ إذا أكَلَ فَصارَ أجْوَفَ، وقالَ الفَرّاءُ: هو أطْرافُ الزَرْعِ قَبْلَ أنْ يُسَنْبَلَ.
وهَذِهِ السُورَةُ مُتَّصِلَةٌ في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ بِسُورَةِ "لِإيلافِ قُرَيْشٍ"، لا فَصْلَ بَيْنَهُما، وقالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، كانَ لَنا إمامٌ يَقْرَأُ بِهِما مُتَّصِلَةً سُورَةٌ واحِدَةٌ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الفِيلِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
هذه الجمل بيان لما في جملة ﴿ ألم تر كيف فعل ربك ﴾ [الفيل: 1] من الإِجمال.
وسمى حربهم كيداً لأنه عمل ظاهره الغضب من فعل الكناني الذي قعد في القليس.
وإنما هو تعلة تعللوا بها لإِيجاد سبب لحرب أهل مكة وهدم الكعبة لينصرف العرب إلى حجّ القليس في صنعاء فيتنصّروا.
أو أريد بكيدهم بناؤهم القليس مظهرين أنهم بنوا كنيسة وهم يريدون أن يبطلوا الحج إلى الكعبة ويصرفوا العرب إلى صنعاء.
والكَيد: الاحتيال على إلحاق ضر بالغير ومعالجة إيقاعه.
والتضليل: جعل الغير ضالاً، أي لا يهتدي لمراده وهو هنا مجاز في الإِبطال وعدم نوال المقصود لأن ضلال الطريق عدم وصول السائر.
وظرفية الكيد في التضليل مجازية، استعير حرف الظرفية لمعنى المصاحبة الشديدة، أي أبطل كيدهم بتضليل، أي مصاحباً للتضليل لا يفارقه، والمعنى: أنه أبطله إبطالاً شديداً إذ لم ينتفعوا بقوتهم مع ضعف أهل مكة وقلة عددهم.
وهذا كقوله تعالى: ﴿ وما كيد فرعون إلا في تباب ﴾ [غافر: 37] أي ضياع وتلف، وقد شمل تضليلُ كيدهم جميعَ ما حلّ بهم من أسباب الخيبة وسوء المنقلب.
وجملة: ﴿ وأرسل عليهم طيراً أبابيل ﴾ يجوز أن تجعل معطوفة على جملة ﴿ فَعَل ربك بأصحاب الفيل ﴾ [الفيل: 1]، أي وكيف أرسل عليهم طيراً من صفتها كَيْت وكَيْت، فبعد أن وقع التقرير على ما فَعل الله بهم من تضليل كيدهم عطف عليه تقرير بعلم ما سُلط عليهم من العقاب على كيدهم تذكيراً بما حلّ بهم من نقمة الله تعالى، لقصدهم تخريب الكعبة، فذلك من عناية الله ببيته لإظهار توطئته لبعثة رسوله صلى الله عليه وسلم بدينه في ذلك البلد، إجابة لدعوة إبراهيم عليه السلام، فكما كان إرسال الطير عليهم من أسباب تضليل كيدهم، كان فيه جزاء لهم، ليعلموا أن الله مانع بيته، وتكون جملة: ﴿ ألم يجعل كيدهم في تضليل ﴾ معترضة بين الجملتين المتعاطفتين.
ويجوز أن تجعل ﴿ وأرسل عليهم ﴾ عطفاً على جملة ﴿ ألم يجعل كيدهم في تضليل ﴾ فيكون داخلاً في حيز التقرير الثاني بأن الله جعل كيدهم في تضليل، وخص ذلك بالذكر لجمعه بين كونه مبطلاً لكيدهم وكونه عقوبة لهم، ومَجيئهُ بلفظ الماضي باعتبار أن المضارع في قوله: ﴿ ألم يجعل كيدهم في تضليل ﴾ قُلب زمانه إلى المضي لدخول حرف ﴿ لم ﴾ كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ ألم يجدك يتيماً فآوى ووجدك ضالاً فهدى ﴾ في سورة الضحى (6، 7)، فكأنه قيل: أليس جعَل كيدهم في تضليل.
والطير: اسم جمع طائر، وهو الحيوان الذي يرتفع في الجو بعمل جناحيه.
وتنكيره للنوعية لأنه نوع لم يكن معروفاً عند العرب.
وقد اختلف القصّاصون في صفته اختلافاً خيالياً.
والصحيح ما رُوي عن عائشة: أنها أشبه شيء بالخطاطيف، وعن غيرها أنها تشبه الوطواط.
وأبابيل}: جماعات.
قال الفراء وأبو عبيدة: أبابيل اسم جمع لا واحد له من لفظه مثل عباديد وشماطيط وتبعهما الجوهري، وقال الرُّؤَاسي والزمخشري: واحد أبابيل إبَّالة مشددة الموحدة مكسورة الهمزة.
ومنه قولهم في المثل: «ضِغث على إبّالة» وهي الحزمة الكبيرة من الحطب.
وعليه فوصف الطير بأبابيل على وجه التشبيه البليغ.
وجملة ﴿ ترميهم ﴾ حال من ﴿ طيراً ﴾ وجيء بصيغة المضارع لاستحضار الحالة بحيث تخيل للسامع كالحادثة في زمن الحال ومنه قوله تعالى: ﴿ واللَّه الذي أرسل الرياح فتثير سحاباً فسقناه إلى بلد ميت ﴾ [فاطر: 9] الآية.
وحجارة: اسم جمع حَجر.
عن ابن عباس قال: طين في حجارة، وعنه أن سجيل معرب سَنْك كِلْ من الفارسية، أي عن كلمة (سنك) وضبط بفتح السين وسكون النون وكسر الكاف اسم الحجر وكلمة (كلْ) بكسر الكاف اسم الطين ومجموع الكلمتين يراد به الآجُر.
وكلتا الكلمتين بالكاف الفارسية المعمّدة وهي بين مخرج الكاف ومخرج القاف، ولذلك تكون ﴿ من ﴾ بيانية، أي حجارة هي سجيل، وقد عد السبكي كلمة سجيل في «منظومته في المعرَّب الواقع في القرآن».
وقد أشار إلى أصل معناه قوله تعالى: ﴿ لنرسل عليهم حجارة من طين ﴾ [الذاريات: 33] مع قوله في آيات أُخر ﴿ حجارة من سجيل ﴾ فعلم أنه حجر أصله طين.
وجاء نظيره في قصة قوم لوط في سورة هود (82): ﴿ وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود ﴾ وفي سورة الحجر (74): فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل فتعين أن تكون الحجارة التي أرسلت على أصحاب الفيل من جنس الحجارة التي أمطرت على قوم لوط، أي ليست حجراً صخرياً ولكنها طين متحجر دلالة على أنها مخلوقة لعذابهم.
قال ابن عباس: كانَ الحجر إذا وقع على أحدهم نفط جلده فكان ذلك أول الجُدري.
وقال عكرمة: إذا أصاب أحدَهم حجر منها خرج به الجدري.
وقد قيل: إن الجدري لم يكن معروفاً في مكة قبل ذلك.
وروي أن الحجر كان قدر الحِمَّص.
روى أبو نعيم عن نوفل بن أبي معاوية الديلمي قال: رأيت الحصَى التي رمي بها أصحاب الفيل حصى مثل الحمص حمراً بحُتْمَة (أي سواد) كأنها جِزع ظَفَارِ.
وعن ابن عباس: أنه رأى من هذه الحجارة عند أم هاني نحو قفيز مخططة بحُمرة بالجزع الظَّفاري.
والعصف: ورق الزرع وهو جمع عَصْفة.
والعصف إذا دخلته البهائم فأكلته داسته بأرجلها وأكلت أطرافه وطرحته على الأرض بعد أن كان أخضر يانعاً.
وهذا تمثيل لحال أصحاب الفيل بعد تلك النضرة والقوة كيف صاروا متساقطين على الأرض هالكين.
سُورَةُ الفِيلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأصْحابِ الفِيلِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ألَمْ تُخْبَرْ فَتَعْلَمَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأصْحابِ الفِيلِ.
الثّانِي: ألَمْ تَرَ آثارَ ما فَعَلَ رَبُّكَ بِأصْحابِ الفِيلِ، لِأنَّ النَّبِيَّ لَمْ يَرَ أصْحابَ الفِيلِ.
واخْتُلِفَ في مَوْلِدِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن عامِ الفِيلِ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ مَوْلِدَهُ بَعْدَ أرْبَعِينَ سَنَةً مِن عامِ الفِيلِ، قالَهُ مُقاتِلٌ: الثّانِي: بَعْدَ ثَلاثٍ وعِشْرِينَ سَنَةً مِنهُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ وعَبِيدُ بْنُ عُمَيْرٍ.
الثّالِثُ: أنَّهُ عامُ الفِيلِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «وُلِدْتُ يَوْمَ الفِيلِ» .
واخْتُلِفَ في سَبَبِ الفِيلِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: ماحَكاهُ ابْنُ عَبّاسٍ: أنَّ أبَرْهَةَ بْنَ الصَّباحِ بَنى بَيْعَةً بَيْضاءَ يُقالُ لَها القُلَّيْسُ، وكَتَبَ إلى النَّجاشِيِّ إنِّي لَسْتُ مُنْتَهِيًا حَتّى أصْرِفَ إلَيْها حَجَّ العَرَبِ، فَسَمِعَ ذَلِكَ رَجُلٌ مِن كِنانَةَ، فَخَرَجَ إلى القُلَّيْسِ ودَخَلَها لَيْلًا فَأحْدَثَ فِيها، فَبَلَغَ ذَلِكَ أبُرْهَةَ فَحَلَفَ بِاَللَّهِ لَيَسِيرَنَّ إلى الكَعْبَةِ فَيَهْدِمَها، فَجَمَعَ الأحابِيشَ وجَنَّدَ الأجْنادَ، وسارَ، ودَلِيلُهُ أبُو رِغالٍ، حَتّى نَزَلَ بِالمُغَمَّسِ، وجَعَلَ عَلى مُقَدِّمَتِهِ الأسْوَدَ بْنَ مَقْصُودٍ حَتّى سَبى سَرْحَ مَكَّةَ وفِيهِ مِائَتا بَعِيرٍ لَعَبْدَ المُطَّلِبِ قَدْ قَلَّدَ بَعْضَها، وفِيهِ يَقُولُ عِكْرِمَةُ بْنُ عامِرِ بْنِ هاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ لاهُمَّ أخْزِ الأسْوَدَ بْنَ مَقْصُودٍ الآخِذَ الهَجْمَةَ فِيها التَّقْلِيدْ ∗∗∗ بَيْنَ حِراءٍ، وثَبِيرٍ فالبِيدْ ∗∗∗ يَحْبِسُها وفي أُولاتٍ التَّطْرِيدْ ∗∗∗ فَضَمَّها إلى طَماطِمٍ سُودْ ∗∗∗ قَدْ أجْمَعُوا ألّا يَكُونَ مَعْبُودْ.
∗∗∗ ويَهْدِمُوا البَيْتَ الحَرامَ المَعْمُودْ ∗∗∗ والمَرْوَتَيْنِ والمَشاعِرَ السُّودْ اخْفِرْهُ يا رَبِّ وأنْتَ مَحْمُودْ وَتَوَجَّهَ عَبْدُ المُطَّلِبِ وكانَ وسِيمًا جَسِيمًا لا تَأْخُذُهُ العَيْنُ إلى أبَرْهَةَ، وسَألَهُ في إبِلِهِ الَّتِي أُخِذَتْ، فَقالَ أبَرْهَةُ: لَقَدْ كُنْتَ أعْجَبْتَنِي حِينَ رَأيْتُكَ وقَدْ زَهِدْتُ الآنَ فِيكَ، قالَ: ولِمَ؟
قالَ: جِئْتُ لِأهْدِمَ بَيْتًا هو دِينُكَ ودِينُ آبائِكَ فَلَمْ تُكَلِّمْنِي فِيهِ، وكَلَّمْتَنِي في مِائَتَيْ بَعِيرٍ لَكَ، فَقالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ: الإبِلُ أنا رَبُّها، ولِلْبَيْتِ رَبٌّ سَيَمْنَعُهُ، فَقالَ أبَرْهَةُ: ما كانَ لِيَمْنَعَهُ مِنِّي، فَقالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ: لَقَدْ طَلَبَتْهُ تُبَّعُ وسَيْفُ بْنُ ذِي يَزَنٍ وكِسْرى فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وأنْتَ ذاكَ فَرَدَّ عَلَيْهِ إبِلَهُ، وخَرَجَ عَبْدُ المُطَّلِبِ وعادَ إلى مَكَّةَ، فَأخْبَرَ قُرَيْشًا بِالتَّحَرُّزِ في الجِبالِ، وأتى البَيْتَ وأخَذَ بِحَلْقَةِ البابِ وجَعَلَ يَقُولُ لاهُمَّ إنَّ العَبْدَ يَمْ ∗∗∗ نَعُ رَحْلَهُ فامْنَعْ حَلالَكْ.
∗∗∗ لا يَغْلِبَنَّ صَلِيبُهم ∗∗∗ ومَحالُهم غَدْوًا مِحالَكْ.
∗∗∗ إنْ كُنْتَ تارِكَهم وقِبْ ∗∗∗ لَتَنا فَأمْرٌ ما بَدا لَكَ.
المِحالُ: القُوَّةُ.
الثّانِي: ما حَكاهُ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ يَزِيدُ أحَدُهُما ويَنْقُصُ أنَّ فِتْيَةً مِن قُرَيْشٍ خَرَجُوا إلى أرْضِ الحَبَشَةِ تُجّارًا، فَنَزَلُوا عَلى ساحِلِ البَحْرِ عَلى بَيْعَةِ النَّصارى في حِقْفٍ مِن أحْقافِها، قالَ الكَلْبِيُّ تُسَمّى البَيْعَةَ ماسِرِجْيانَ، وقالَ مُقاتِلٌ: تُسَمّى الهَيْكَلَ، فَأوْقَدُوا نارًا لِطَعامِهِمْ وتَرَكُوها وارْتَحَلُوا فَهَبَّتْ رِيحٌ عاصِفٌ فاضْطَرَمَتِ البَيْعَةُ نارًا فاحْتَرَقَتْ، فَأتى الصَّرِيخُ إلى النَّجاشِيِّ فَأخْبَرَهُ، فاسْتَشاطَ غَضَبًا، وأتاهُ أبَرْهَةُ بْنُ الصَّباحِ وحَجَرُ بْنُ شَراحَبِيلَ وأبُو يَكْسُومَ الكِنْدِيُّونَ، وضَمِنُوا لَهُ إحْراقَ الكَعْبَةِ وسَبْيَ مَكَّةَ، وكانَ النَّجاشِيُّ هو المَلِكُ، وأبْرَهَةُ صاحِبَ الجَيْشِ، وأبُو يَكْسُومَ نَدِيمَ المَلِكِ وقِيلَ وزِيرُهُ، وحَجَرُ بْنُ شَراحَبِيلَ مِن قُوّادِهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: أبُو يَكْسُومَ هو أبَرْهَةُ بْنُ الصَّباحِ، فَسارُوا بِالجَيْشِ ومَعَهُمُ الفِيلُ، قالَ الأكْثَرُونَ: هو فِيلٌ واحِدٌ، وقالَ الضَّحّاكُ: كانَتْ ثَمانِيَةَ فِيَلَةٍ، ونَزَلُوا بِذِي المَجازِ، واسْتاقُوا سَرْحَ مَكَّةَ، وفِيها إبِلُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وأتى الرّاعِي نَذِيرًا فَصَعِدَ الصَّفا وصاحَ: واصَباحاهُ!
ثُمَّ أخْبَرَ النّاسَ بِمَجِيءِ الجَيْشِ والفِيلِ، فَخَرَجَ عَبْدُ المُطَّلِبِ وتَوَجَّهَ إلى أبْرَهَةَ وسَألَهُ في إبِلِهِ، فَرَدَّها مُسْتَهْزِئًا لِيَعُودَ لِأخْذِها إذا دَخَلَ مَكَّةَ.
واخْتُلِفَ في النَّجاشِيِّ هَلْ كانَ مَعَهم أمْ لا، فَقالَ قَوْمٌ: كانَ مَعَهم، وقالَ الآخَرُونَ: لَمْ يَكُنْ مَعَهم.
وَتَوَجَّهَ الجَيْشُ إلى مَكَّةَ لِإحْراقِ الكَعْبَةِ، فَلَمّا ولّى عَبْدُ المُطَّلِبِ بِإبِلِهِ احْتَرَزَها في جِبالِ مَكَّةَ، وتَوَجَّهَ إلى مَكَّةَ مِن طَرِيقِ مِنًى، وكانَ الفِيلُ إذا بُعِثَ إلى الحَرَمِ أحْجَمَ، وإذا عُدِلَ بِهِ عَنْهُ أقْدَمَ، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: كانَ اسْمُ الفِيلِ مَحْمُودَ، وقالَتْ عائِشَةُ: رَأيْتُ قائِدَ الفِيلِ وسائِقَهُ أعْمَيَيْنِ مُقْعَدَيْنِ يَسْتَطْعِمانِ أهْلَ مَكَّةَ.
وَوَقَفُوا بِالمُغَمَّسِ فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَخْزُومٍ أنْتَ الجَلِيلُ رَبَّنا لَمْ تُدَنَّسْ ∗∗∗ أنْتَ حَبَسْتَ الفِيلَ بِالمُغَمَّسِ ∗∗∗ حَبَسْتَهُ في هَيْئَةِ المُكَرْكَسِ ∗∗∗ وما لَهم مِن فَرَجٍ ومُنَفَّسِ.
المُكَرْكَسُ: المَطْرُوحُ المَنكُوسُ.
وَبَصُرَ أهْلُ مَكَّةَ بِالطَّيْرِ قَدْ أقْبَلَتْ مِن ناحِيَةِ البَحْرِ، فَقالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ: إنَّ هَذِهِ لَطَيْرٌ غَرِيبَةٌ بِأرْضِنا، ما هي بِنَجْدِيَّةٍ ولا تَهامِيَّةٍ ولا حِجازِيَّةٍ، وإنَّها أشْباهُ اليَعاسِيبِ، وكانَ في مَناقِيرِها وأرْجُلِها حِجارَةٌ، فَلَمّا أطَلَّتْ عَلى القَوْمِ ألْقَتْها عَلَيْهِمْ حَتّى هَلَكُوا، قالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: جاءَتِ الطَّيْرُ عَشِيَّةً فَبانَتْ، ثُمَّ صَبَّحَتْهم بِالغَداةِ فَرَمَتْهم، وقالَ عَطِيَّةُ العُوفِيُّ: سَألْتُ عَنْها أبا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ: فَقالَ: حَمامُ مَكَّةَ مِنها.
وَأفْلَتَ مِنَ القَوْمِ أبَرْهَةُ ورَجَعَ إلى اليَمَنِ فَهَلَكَ في الطَّرِيقِ.
وَقالَ الواقِدِيُّ: أبَرْهَةُ هو جَدُّ النَّجاشِيِّ الَّذِي كانَ في زَمانِ رَسُولِ اللَّهِ فَلَمّا أيْقَنُوا بِهَلاكِ القَوْمِ، قالَ الشّاعِرُ أيْنَ المَفَرُّ والإلَهُ الطّالِبْ ∗∗∗ والأشْرَمُ المَغْلُوبُ لَيْسَ الغالِبْ يَعْنِي بِالأشْرَمِ أبْرَهَةَ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّ أرِياطَ ضَرَبَهُ بِحَرْبَةٍ فَشَرَمَ أنْفَهُ وجَبِينَهُ، أيْ وقَعَ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ.
وَقالَ أبُو الصَّلْتِ بْنُ مَسْعُودٍ، وقِيلَ بَلْ قالَهُ عَبْدُ المُطَّلِبِ إنَّ آياتِ رَبِّنا ناطِقاتٌ ∗∗∗ لا يُمارِي بِهِنَّ إلّا الكَفُورُ.
∗∗∗ حَبَسَ الفِيلَ بِالمُغَمَّسِ حَتّى ∗∗∗ مَرَّ يَعْوِي كَأنَّهُ مَعْقُورُ.
﴿ ألَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهم في تَضْلِيلٍ ﴾ لِأنَّهُمُ أرادُوا كَيْدَ قُرَيْشٍ بِالقَتْلِ والسَّبْيِ، وكَيْدَ البَيْتِ بِالتَّخْرِيبِ والهَدْمِ.
يُحْكى عَنْ عَبْدِ المُطَّلِبِ بَعْدَ ما حَكَيْناهُ عَنْهُ أنَّهُ أخَذَ بِحَلْقَةِ البابِ وقالَ يا رَبِّ لا نَرْجُو لَهم سِواكًا ∗∗∗ يا رَبِّ فامْنَعْ مِنهم حِماكا.
∗∗∗ إنَّ عَدُوَّ البَيْتِ مَن عاداكا ∗∗∗ امْنَعْهم أنْ يُخَرِّبُوا قُراكا.
ثُمَّ إنَّ عَبْدَ المُطَّلِبِ بَعَثَ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ عَلى فَرَسٍ لَهُ سَرِيعٍ، يَنْظُرُ ما لَقُوا فَإذا القَوْمُ مُشْدَخُونَ، فَرَجَعَ يَرْكُضُ كاشِفًا عَنْ فَخِذِهِ، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ أبُوهُ قالَ: إنَّ ابْنِي أفْرَسُ العَرَبِ وما كَشَفَ عَنْ فَخِذِهِ إلّا بَشِيرًا أوْ نَذِيرًا.
فَلَمّا دَنا مِن نادِيهِمْ بِحَيْثُ يُسْمِعُهم قالُوا: ما وراءَكَ؟
قالَ: هَلَكُوا جَمِيعًا، فَخَرَجَ عَبْدُ المُطَّلِبِ وأصْحابُهُ فَأخَذُوا أمْوالَهم، فَكانَتْ أمْوالَ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، وبِها كانَتْ رِياسَةُ عَبْدِ المُطَّلِبِ لِأنَّهُ احْتَمَلَ ما شاءَ مِن صَفْراءَ وبَيْضاءَ، ثُمَّ خَرَجَ أهْلُ مَكَّةَ بَعْدَهُ فَنَهَبُوا، فَقالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ أنْتَ مَنَعْتَ الحُبْشَ والأفْيالا ∗∗∗ وقَدْ رَعَوْا بِمَكَّةَ الأجْيالا ∗∗∗ وقَدْ خَشِينا مِنهُمُ القِتالا ∗∗∗ وكَلَّ أمْرٍ لَهم مِعْضالا وشُكْرًا وحْمْدًا لَكَ ذا الجَلالا.
وَيَحْتَمِلُ تَضْلِيلُ كَيْدِهِمْ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ كَيْدَهم أضَلَّهم حَتّى هَلَكُوا.
الثّانِي: أنَّ هَلاكَهم أضَلَّ كَيْدَهم حَتّى بَطَلَ.
﴿ وَأرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أبابِيلَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها مِن طَيْرِ السَّماءِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَمْ يُرَ قَبْلَها ولا بَعْدَها مِثْلُها ويَرْوِي جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: « (إنَّها طَيْرٌ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ تُعَشِّشُ وتُفْرِّخُ)» .
القَوْلُ الثّانِي: أنَّها العَنْقاءُ المَغْرِبُ الَّتِي تُضْرَبُ بِها الأمْثالُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الثّالِثُ: أنَّها مِن طَيْرِ الأرْضِ، أرْسَلَها اللَّهُ تَعالى مِن ناحِيَةِ البَحْرِ، مَعَ كُلِّ طائِرٍ ثَلاثَةُ أحْجارٍ، حَجَرانِ في رِجْلَيْهِ، وحَجَرٌ في مِنقارِهِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ، وكانَتْ سُودًا، خُضْرَ المَناقِيرِ طُوالَ الأعْناقِ، وقِيلَ: بَلْ كانَتْ أشْباهَ الوَطاوِيطِ، وقالَتْ عائِشَةُ: كُنْ أشْباهَ الخَطاطِيفِ.
واخْتُلِفَ في ﴿ أبابِيلَ ﴾ عَلى خَمْسَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها الكَثِيرَةُ، قالَهُ الحَسَنُ وطاوُوسٌ.
الثّانِي: المُتَتابِعَةُ الَّتِي يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: أنَّها المُتَفَرِّقَةُ مِن ها هُنا وها هُنا، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ والأخْفَشُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: إنَّ سَلُولًا عَداكَ المَوْتُ عارِفَةُ ∗∗∗ لَوْلا سَلُولَ مَشَيْنا أبابِيلا ايْ مُتَفَرِّقِينَ.
الرّابِعُ: أنَّ الأبابِيلَ المُخْتَلِفَةُ الألْوانِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
الخامِسُ: أنْ تَكُونَ جَمْعًا بَعْدَ جَمْعٍ، قالَهُ أبُو صالِحٍ وعَطاءٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ وأبابِيلُ مِن خُيُولٍ عَلَيْها ∗∗∗ كَأُسُودِ الأداءِ تَحْتَ العَوالِي.
وَقالَ إسْحاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحارِثِ: الأبابِيلُ مَأْخُوذٌ مِنَ الإبِلِ المُؤَبَّلَةِ، وهي الأقاطِيعُ.
واخْتَلَفَ النَّحْوِيُّونَ هَلْ لِلْأبابِيلِ واحِدٌ مِن جِنْسِهِ، فَذَهَبَأبُو عُبَيْدَةَ والفَرّاءُ وثَعْلَبٌ إلى أنَّهُ لا واحِدَ لَهُ كالعَبادِيدِ والسَّماطِيطِ، وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّهُ لَهُ واحِدٌ، واخْتَلَفُوا في واحِدِهِ، فَذَهَبَ أبُو جَعْفَرٍ الرُّؤّاسِيُّ إلى أنَّ واحِدَهُ إبّالَةُ مُشَدَّدَةٌ، وقالَ الكِسائِيُّ: واحِدُها إبْوَلُ، وقالَ ابْنُ كَيْسانَ واحِدَهُ إبِّيلُ.
﴿ تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِن سِجِّيلٍ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ السِّجِّيلَ كَلِمَةٌ فارِسِيَّةٌ هي سِنُّكَ وكُلُّ، أوَّلُها حَجَرٌ، وآخِرُها: طِينٌ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّ السِّجِّيلَ هو الشَّدِيدُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ مُقْبِلٍ ورِجْلَةٍ يَضْرِبُونَ البَيْضَ عَنْ عَرَضٍ ∗∗∗ ضَرْبًا تَواصى بِهِ الأبْطالُ سِجِّيلًا الثّالِثُ: أنَّ السِّجِّيلَ اسْمُ السَّماءِ الدُّنْيا، فَنُسِبَتِ الحِجارَةُ إلَيْها لِنُزُولِها مِنها، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الرّابِعُ: أنَّهُ اسْمُ بَحْرٍ مِنَ الهَواءِ، مِنهُ جاءَتِ الحِجارَةُ فَنُسِبَتْ إلَيْهِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ وفي مِقْدارِ الحَجَرِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ حَصى الخَذْفِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّانِي: كانَ الحَجَرُ فَوْقَ العَدَسَةِ ودُونَ الحُمُّصَةِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ: رَأيْتُ في دارِ أمِّ هانِئٍ نَحْوَ قَفِيزٍ مِنَ الحِجارَةِ الَّتِي رُمِيَ بِها أصْحابُ الفِيلِ مُخَطَّطَةً بِحُمْرَةٍ كَأنَّها الجَزَعُ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ولَمّا رَمَتِ الطَّيْرُ بِالحِجارَةِ بَعَثَ اللَّهُ رِيحَها فَزادَتْها شِدَّةً، وكانَتْ لا تَقَعُ عَلى أحَدٍ إلّا هَلَكَ ولَمْ يَسْلَمْ مِنهم إلّا رَجُلٌ مِن كِنْدَةَ، فَقالَ فَإنَّكِ لَوْ رَأيْتِ ولَمْ تَرَيْهِ ∗∗∗ لَدى جِنْبِ المُغَمِّسِ ما لَقِينا ∗∗∗ خَشِيتُ اللَّهَ إذْ قَدْ بَثَّ طَيْرًا ∗∗∗ وظِلَّ سَحابَةٍ مَرَّتْ عَلَيْنا ∗∗∗ وباتَتْ كُلُّها تَدْعُو بِحَقٍّ ∗∗∗ كَأنَّ لَها عَلى الحُبْشانِ دَيْنًا ﴿ فَجَعَلَهم كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ العَصْفَ ورَقُ الزَّرْعِ، والمَأْكُولَ الَّذِي قَدْ أكَلَهُ الدُّودُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّ العَصْفَ المَأْكُولَ هو الطَّعامُ، وهَذا قَوْلُ حُسَيْنِ بْنِ ثابِتٍ.
الثّالِثُ: أنَّهُ قِشْرُ الحِنْطَةِ إذا أُكِلَ ما فِيهِ، رَواهُ عَطاءُ بْنُ السّائِبِ.
الرّابِعُ: أنَّهُ ورَقُ البَقْلِ إذا أكَلَتْهُ البَهائِمُ فَراثَتْهُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الخامِسُ: أنَّ العَصْفَ التِّينُ والمَأْكُولَ القَصِيلُ لِلدَّوابِّ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والحَسَنُ، واخْتُلِفَ فِيما فَعَلَهُ اللَّهُ بِهِمْ، فَقالَ قَوْمٌ: كانَ ذَلِكَ مُعْجِزَةً لِنَبِيٍّ كانَ في ذَلِكَ الزَّمانِ، وقِيلَ إنَّهُ كانَ خالِدَ بْنَ سِنانٍ.
وَقالَ آخَرُونَ: بَلْ كانَ تَمْهِيدًا وتَوْطِيدًا لِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ لِأنَّهُ وُلِدَ في عامِهِ وقِيلَ في يَوْمِهِ.
أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: أنزل ﴿ ألم تر كيف فعل ربك ﴾ بمكة.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو نعيم في الدلائل عن عثمان بن المغيرة بن الأخنس قال: كان من حديث أصحاب الفيل أن أبرهة الأشرم الحبشي كان ملك اليمن، وإن ابن ابنته أكسوم بن الصباح الحميريّ خرج حاجاً، فلما انصرف من مكة نزل في كنيسة بنجران فغدا عليها ناس من أهل مكة فأخذوا ما فيها من الحليّ وأخذوا متاع أكسوم، فانصرف إلى جده مغضباً، فبعث رجلاً من أصحابه يقال له شهر بن معقود على عشرين ألفاً من خولان والاشعريين فساروا حتى نزلوا بأرض خثعم فتنحت خثعم عن طريقهم، فلما دنا من الطائف خرج إليه ناس من بني خثعم ونصر وثقيف فقالوا: ما حاجتك إلى طائفنا، وإنما هي قرية صغيرة، ولكنا ندلك على بيت بمكة يعبد وحرز من لجأ إليه من ملكه تم له ملك العرب، فعليك به ودعنا منك فأتاه حتى إذا بلغ المغمس وجد إبلاً لعبد المطلب مائة ناقة مقلدة فاتهبها بين أصحابه، فلما بلغ ذلك عبد المطلب جاءه، وكان جميلاً، وكان له صديقاً من أهل اليمن يقال له ذو عمرو فسأله أن يرد عليه إبله، فقال: إني لا أطيق ذلك، ولكن إن شئت أدخلتك على الملك فقال عبد المطلب افعل.
فأدخله عليه فقال له: إن لي إليك حاجة.
قال: قضيت كل حاجة تطلبها.
قال: أنا في بلد حرام وفي سبيل بين أرض العرب وأرض العجم، وكانت مائة ناقة لي مقلدة ترعى بهذا الوادي بين مكة وتهامة عليها عير أهلها وتخرج إلى تجارتنا وتتحمل من عدوّنا عدا عليها جيشك فأخذوها، وليس مثلك يظلم من جاوره.
فالتفت إلى ذي عمرو ثم ضرب بإحدى يديه على الأخرى عجباً فقال: لو سألني كل شيء أحوزه أعطيته إياه أما ابلك فقد رددنا إليك ومثلها معها، فما يمنعك أن تكلمني في بنيتكم هذه وبلدكم هذه فقال له عبد المطلب: أما بنيتنا هذه وبلدنا هذه فإن لهما رباً إن شاء أن يمنعهما منعهما، ولكني إنما أكلمك في مالي فأمر عند ذلك بالرحيل وقال: لتهدمن الكعبة ولتنهبن مكة فانصرف عبد المطلب وهو يقول: لا همّ إن المرء يمنع رحله فامنع حلالك ** لا يغلبن صليبهم ومحالهم عدواً محالك فإذا فعلت فربما تحمى فأمر ما بدا لك ** فإذا فعلت فإنه أمر تتم به فعالك وغدوا غداً بجموعهم والفيل كي يسبوا عيالك ** فإذا تركتهم وكعبتا فوا حرباً هنالك فلما توجه شهر وأصحاب الفيل وقد أجمعوا ما أجمعوا طفق كلما وجهوه أناخ وبرك فإذا صرفوه عنها من حيث أتى أسرع السير، فلم يزل كذلك حتى غشيهم الليل وخرجت عليهم طير من البحر لهم خراطيم كأنها البلس شبيهة بالوطواط حمر وسود، فلما رأوها أشفقوا منها وسقط في أيديهم فرمتهم بحجارة مدحرجة كالبنادق تقع على رأس الرجل فتخرج من جوفه، فلما أصبحوا من الغد أصبح عبد المطلب ومن معه على جبالهم فلم يروا أحداً غشيهم فبعث ابنه على فرس له سريع ينظر ما لقوا فإذا هم مشدخين جميعاً، فرجع يرفع رأسه كاشفاً عن فخذه، فلما رأى ذلك أبوه قال: إن ابني أفرس العرب وما كشف عن فخذه إلا بشيراً أو نذيراً، فلما دنا من ناديهم قالوا؟
ما وراءك؟
قال: هلكوا جميعاً.
فخرج عبد المطلب وأصحابه، فأخذوا أموالهم وقال عبد المطلب شعراً في المعنى: أنت منعت الجيش والأفيالا ** وقد رعوا بمكة الأفيالا وقد خشينا منهم القتالا ** وكل أمر منهم معضالا شكراً وحمداً لك ذا الجلالا فانصرف شهر هارباً وحده، فأول منزل نزله سقطت يده اليمنى، ثم نزل منزلاً آخر فسقطت رجله اليمنى، فأتى منزله وقومه وهو جسد لا أعضاء له، فأخبرهم الخبر ثم فاضت نفسه وهم ينظرون.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي معافي الدلائل عن ابن عباس قال: جاء أصحاب الفيل حتى نزلوا الصفاح، فأتاهم عبد المطلب فقال: إن هذا بيت الله لم يسلط عليه أحد.
قالوا: لا نرجع حتى نهدمه وكانوا لا يقدمون فيلهم إلا تأخر، فدعا الله الطير الأبابيل، فأعطاها حجارة سوداً عليهم الطين، فلما حاذتهم رمتهم فما بقي منه أحد إلا أخذته الحكة، فكان لا يحك إنسان منهم جلده إلا تساقط لحمه.
وأخرج ابن المنذر والحاكم وصححه وأبو نعيم والبيهقي عن ابن عباس قال: أقبل أصحاب الفيل حتى إذا دنوا من مكة استقبلهم عبد المطلب فقال لملكهم: ما جاء بك إلينا؟
ألا بعثت فنأتيك بكل شيء أردت؟
فقال: أخبرت بهذا البيت الذي لا يدخله أحد إلا أمن فجئت أخيف أهله فقال: إنا نأتيك بكل شيء تريد فارجع، فأبى أن يرجع إلا أن يدخله، وانطلق يسير نحوه وتخلف عبد المطلب، فقام على جبل فقال: لا أشهد مهلك هذا البيت وأهله.
ثم قال: اللهم إن لكل إله حلالاً فامنع حلالك، لا يغلبن محالهم أبداً محالك.
اللهم فإن فعلت فأمر ما بدا لك.
فأقبلت مثل السحابة من نحو البحر حتى أظلتهم طيراً أبابيل التي قال الله ترميهم بحجارة من سجيل فجعل الفيل يعج عجاً فجعلهم كعصف مأكول.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ﴾ قال: أقبل أبرهة الأشرم بالحبشة ومن تبعه من غواة أهل اليمن إلى بيت الله ليهدموه من أجل بيعة لهم أصابها العرب بأرض اليمن، فأقبلوا بفيلهم حتى إذا كانوا بالصفاح فكانوا إذا وجهوه إلى بيت الله ألقى بجرانه إلى الأرض، فإذا وجهوه قبل بلادهم انطلق وله هرولة، حتى إذا كانوا ببجلة اليمانية بعث الله عليهم طيراً أبابيل بيضاً وهي الكبيرة، فجعلت ترميهم بها حتى جعلهم الله كعصف مأكول، فنجا أبو يكسوم فجعل كلما نزل أرضاً تساقط بعض لحمه حتى إذا أتى قومه فأخبرهم الخبر ثم هلك.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ﴾ قال: أبو يكسوم جبار من الجبابرة جاء بالفيل يسوقه معه الحبش ليهدم- زعم- بيت الله من أجل بيعة كانت هدمت باليمن، فلما دنا الفيل من الحرم ضرب بجرانه، فإذا أرادوا به الرجعة عن الحرم أسرع الهرولة.
وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير قال: أقبل أبو يسكوم صاحب الحبشة ومعه الفيل فلما انتهى إلى الحرم برك الفيل فأبى أن يدخل الحرم، فإذا وجه راجعاً أسرع راجعاً وإذا ارتد على الحرم أبى فأرسل الله عليهم طيراً صغاراً بيضاً في أفواهها حجارة أمثال الحمص لا تقع على أحد إلا هلك.
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس قال: جاء أصحاب الفيل حتى نزلوا الصفاح، فأتاهم عبد المطلب فقال: إن هذا بيت لم يسلط عليه أحد.
قالوا: لا نرجع حتى نهدمه، وكانوا لا يقدمون فيلهم إلا تاخر فدعا الله الطير الأبابيل فأعطاها حجارة سوداً عليها الطين، فلما حاذت بهم صفت عليهم ثم رمتهم فما بقي منهم أحد إلا أصابته الحكة.
وكانوا لا يحك إنسان منهم جلده إلا تساقط جلده.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس قال: لما أرسل الله الحجارة على أصحاب الفيل جعل لا يقع منها حجر إلا سقط وذلك ما كان الجدري، ثم أرسل الله سيلاً فذهب بهم فألقاهم في البحر.
قيل: فما الأبابيل؟
قال: الفرق.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن ابن مسعود ﴿ طيراً أبابيل ﴾ قال: هي الفرق.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد عن ابن عباس ﴿ طيراً أبابيل ﴾ قال: فوجاً بعد فوج، كانت تخرج عليهم من البحر.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله: ﴿ طيراً أبابيل ﴾ قال: خضر لها خراطيم كخراطيم الإِبل وأنف كأنف الكلاب.
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس ﴿ طيراً أبابيل ﴾ قال: لها أكفّ كأكفّ الرجل وأنياب كأنياب السباع.
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم والبيهقي معاً في الدلائل عن عبيد بن عمير الليثي قال: لما أراد الله أن يهلك أصحاب الفيل بعث الله عليهم طيراً نشأت من البحر كأنها الخطاطيف بكف كل طير منها ثلاثة أحجار مجزعة في منقاره حجر وحجران في رجليه، ثم جاءت حتى صفت على رؤوسهم ثم صاحت وألقت ما في أرجلها ومناقيرها فما من حجر وقع منها على رجل إلا خرج من الجانب الآخر، وبعث الله ريحاً شديداً فضربت أرجلها فزادها شدة فأهلكوا جميعاً.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن عكرمة ﴿ طيراً أبابيل ﴾ قال: طير بيض، وفي لفظ: خضر جاءت من قبل البحر كأن وجوهها وجوه السباع لم تر قبل ذلك ولا بعده، فأثرت في جلودهم مثل الجدري، فإنه أول ما رؤي الجدري.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ﴿ ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ﴾ لما أقبل أصحاب الفيل يريدون مكة ورأسهم أبو يكسوم الحبشي حتى أتوا المغمس أتتهم طير في منقار كل طير حجر، وفي رجليه حجران فرمتهم بها، فذلك قوله: ﴿ وأرسل عليهم طيراً أبابيل ﴾ يقول: يتبع بعضها بعضاً ﴿ ترميهم بحجارة من سجيل ﴾ يقول من طين.
قال: وكانت من جزع أظفار مثل بعر الغنم فرمتهم بها ﴿ فجعلهم كعصف مأكول ﴾ وهو ورق الزرع البالي المأكول: يقول: خرقتهم الحجارة كما يتخرق ورق الزرع البالي المأكول.
قال: وكان إقبال هؤلاء إلى مكة قبل أو يولد النبي صلى الله عليه وسلم بثلاث وعشرين سنة.
وأخرج ابن المنذر عن أبي الكنود ﴿ ترميهم بحجارة من سجيل ﴾ قال: دون الحمصة وفوق العدسة.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن عمران ﴿ طيراً أبابيل ﴾ قال: طير كثيرة جاءت بحجارة كثيرة أكبرها مثل الحمصة وأصغرها مثل العدسة.
وأخرج أبو نعيم في الدلائل من طريق عكرمة عن ابن عباس في قوله: ﴿ ترميهم بحجارة من سجيل ﴾ قال: بحجارة مثل البندق وبها نضح حمرة مختمة مع كل طائر ثلاثة أحجار حجران في رجليه وحجر في منقاره، حلقت عليهم من السماء ثم أرسلت تلك الحجارة عليهم فلم تعد عسكرهم.
وأخرج أبو نعيم عن نوفل بن معاوية الديلمي قال: رأيت الحصى التي رمي بها أصحاب الفيل حصى مثل الحمص وأكبر من العدس حمر مختمة كأنها جزع ظفار.
وأخرج أبو نعيم عن حكيم بن حزام قال: كانت في المقدار من الحمصة والعدسة حصى به نضح أحمر مختمة كالجزع فلولا أنه عذب به قوم أخذت منه ما اتخذه لي مسجداً وهي بمكة كثير.
وأخرج أبو نعيم عن أم كرز الخزاعية قالت: رأيت الحجارة التي رمي بها أصحاب الفيل حمراً مختمة كأنها جزع ظفار فمن قال غير ذلك فلم ير منها شيئاً، ولم يصبهم كلهم، وقد أفلت منهم.
وأخرج أبو نعيم عن محمد بن كعب القرظي قال: جاؤوا بفيلين، فأما محمود فربض، وأما الآخر فشجع فحصب.
وأخرج أبو نعيم عن عطاء بن يسار قال: حدثني من كلم قائد الفيل وسائسه قال لهما: أخبراني خبر الفيل قالا: أقبلنا به وهو فيل الملك النجاشي الأكبر لم يسر به قط إلى جمع إلا هزمهم، فلما دنا من الحرم جعلنا كلما نوجهه إلى الحرم يربض، فتارة نضربه فيهبط وتاره نضربه حتى نمل ثم نتركه، فلما انتهى إلى المغمس ربض فلم يقم فطلع العذاب فقلنا: نجا غيركما؟
قالا: نعم.
ليس كلهم أصابه العذاب.
وولى أبرهة ومن تبعه يريد بلاده كلما دخلوا أرضاً وقع منهم عضو حتى انتهوا إلى بلاد خثعم وليس عليه غير رأسه فمات.
وأخرج أبو نعيم من طريق عطاء والضحاك عن ابن عباس أن أبرهة الأشرم قدم من اليمن يريد هدم الكعبة، فأرسل الله عليهم ﴿ طيراً أبابيل ﴾ يريد مجتمعة لها خراطيم تحمل حصاة في منقارها وحصاتين في رجليها ترسل واحدة على رأس الرجل فيسيل لحمه ودمه وتبقى عظاماً خاوية لا لحم عليه ولا جلد ولا دم.
وأخرج أبو نعيم عن عثمان بن عفان أنه سأل رجلاً من هذيل قال: أخبرني عن يوم الفيل، فقال: بعثت يوم الفيل طليعة على فرس لي أنثى فرأيت طيراً خرجت من الحرم في كل منقار طير منها حجر، وفي رجل كل طير منها حجر، وهاجت ريح وظلمة حتى قعدت بي فرسي مرتين فمسحتهم مسحة كلفته كرداك وانجلت الظلمة، وسكنت الريح.
قال: فنظرت إلى القوم خامدين.
وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم عن أبي صالح أنه رأى عند أم هانئ بنت أبي طالب من تلك الحجارة نحواً من قفيز مخططة بحمرة كأنها جزع ظفار مكتوب في الحجر اسمه واسم أبيه.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس ﴿ فجعلهم كعصف ﴾ يقول: كالتبن.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس ﴿ فجعلهم كعصف مأكول ﴾ قال: ورق الحنطة.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: العصف المأكول ورق الحنطة.
وأخرج عبد بن حميد عن طاوس ﴿ كعصف مأكول ﴾ قال: ورق الحنطة فيها النقب.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة ﴿ كعصف مأكول ﴾ قال: إذا أكل فصار أجوف.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس ﴿ كعصف مأكول ﴾ قال: هو الطيور عصافة الزرع.
وأخرج ابن إسحاق في السيرة والواقدي وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي عن عائشة قالت: لقد رأيت سائس الفيل وقائده بمكة أعميين مقعدين يستطعمان.
وأخرج عبد بن حميد والبيهقي في الدلائل عن ابن أبزى قال: ولد النبي صلى الله عليه وسلم عام الفيل.
وأخرج ابن إسحاق وأبو نعيم والبيهقي عن قيس بن مخرمة قال: ولدت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل.
وأخرج البيهقي عن محمد بن جبير بن مطعم قال: ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل، وكانت عكاظ بعد الفيل بخمس عشرة سنة، وبني البيت على رأس خمس وعشرين سنة من الفيل، وتنبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأس أربعين من الفيل.
﴿ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ﴾ تفسير العصف قد تقدم عند قوله: ﴿ وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ ﴾ (١) (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) وقال آخرون: يعني جعلهم كزرع قد أكل حبه وبقى تبنه (٩) والمعنى على هذا: كعصف مأكول الحب، كما يقال: فلان حسن، أي حسن الوجه، فأجرى مأكول على العصف من أجل أكله حبه، لأن المعني معلوم، وهذا قول الحسن (١٠) وقيل في معنى "مأكول": إنه مما يؤكل، يعني تأكله الدواب، يقال لكل شيء يصلح للأكل: هو مأكول، [ومطعوم] (١١) والمعنى: جعلهم كتبن تأكله الدواب، وهو معنى قول عكرمة (١٢) (١٣) فحصل في المأكول ثلاثة أقوال، أحدها: مأكول على الحقيقة، والثاني: مأكول الحب، والثالث: مأكول أنه مما يؤكل.
(١) سورة الرحمن: 12، ومما جاء في تفسير "كعصف" أنه قشور التبن التي تعلو حب الحنطة وغيره، أو هو ما على ساق الزرع من الورق الذي يبس فيتفتت، وقال بعضهم: إنه بقل الزرع، يعني أول ما ينبت منه، وهو ورق بعد، وقال ابن عباس: ورق السنبل.
وخلاصه أقوالهم: إن "العصف" ورق الزرع، ثم إذا يبس وديس صار تبناً.
(٢) ساقط من (أ).
(٣) ساقط من (أ).
(٤) في (أ): (وراثته).
(٥) راثته: يراد به الروث، وهو رجيع ذوات الحافر، والرؤثة أخص منه، وقد راثته تروث رَوْثًا.
انظر: "النهاية في غريب الحديث والأثر" 2/ 271 (روث).
(٦) "الكشف والبيان" 13/ 157 ب، و"التفسير الكبير" 32/ 101.
(٧) "تفسير مقاتل" 253/ أ، "التفسير الكبير" 32/ 101.
(٨) المرجع السابق.
(٩) ورد هذا القول من غير عزو في: "الكشف والبيان" 13/ 158 أ، وممن قال بمعناه ابن عباس، وعكرمة، وحبيب بن ثابت، وعطاء بن السائب.
انظر: "جامع البيان" 30/ 304، و"الكشف والبيان" 13/ 158 أ، و"النكت والعيون" 6/ 344، وقد أورد ابن قتيبة هذا القول أيضًا من قولين في "تفسير غريب القرآن" ص 539.
(١٠) "التفسير الكبير" 32/ 101 - 102.
(١١) (مضعون): هكذا ورد في النسختين، والصواب ما أثبتناه.
(١٢) "التفسير الكبير" 32/ 102، و"جامع البيان" 30/ 304 قال: كزرع مأكول.
(١٣) "الكشف والبيان" 13/ 158 أ، و"التفسير الكبير" 32/ 102.
﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ﴾ معناه: ألم تعلم، وكيف في موضع نصب بفعل ربك لا بألم تر، والجملة معمول ألم تر ﴿ فِي تَضْلِيلٍ ﴾ أي إبطال وتخسير ﴿ أَبَابِيلَ ﴾ معناها جماعات شيئاً بعد شيء قال الزمخشري: واحدها أبالة، وقال جمهور الناس هو جمع لا واحد له من لفظه ﴿ بِحِجَارَةٍ ﴾ روي أن كل حجر منها كان فوق العدسة ودون الحمصة.
قال ابن عباس: إنه أدرك عند أم هانئ نحو قفتين من هذه الحجارة، وأنها كانت مخططة بحمرة وروي أنه كان على كل حجر اسم من يقع عليه مكتوباً ﴿ سِجِّيلٍ ﴾ قد ذكر ﴿ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ ﴾ العصف ورق الزرع وتبنه والمراد أنهم صاروا رميماً، وفي تشبيههم به ثلاثة أوجه الأول أنه شبههم بالتبن إذا أكلته الدواب ثم راثته فجمع التلف والخسة، ولكن الله كنّى عن هذا على حسب آدب القرآن.
الثاني أنه أراد ورق الزرع إذا أكلته الدود، الثالث أنه أراد كعصف ماكول زرعه وبقي هو لا شيء.
الوقوف ﴿ الفيل ﴾ ه ط ﴿ تضليل ﴾ ه لا ﴿ أبابيل ﴾ ه لا ﴿ سجيل ﴾ ه لا ﴿ مأكول ﴾ ه.
التفسير: روي أن أبرهة ملك اليمن من قبل أصحمة النجاشي بني كنيسة بصنعاء وأراد أن يصرف إليها الحاج فخرج من كنانة فتغوط فيها ليلاً فأغضبه ذلك.
وقيل: أججت رفقة من العرب ناراً فحملتها الريح فأحرقتها فحلف ليهدمنّ الكعبة، فخرج بجيشه ومعه فيل له اسمه محمود وكان قوياً عظيماً.
وقيل: كان معه اثنا عشر فيلاً غيره.
وقيل: ألف فيل، فلما بلغ قريباً من مكة خرج إليه عبد المطلب وعرض عليه ثلث أموال تهامة ليرجع فأبى وعبى جيشه وقدم الفيل، فكانوا كلما وجهوه إلى الحرم برك ولم يبرح، وإذا وجهوه إلى اليمن أو إلى غيره من الجهات هرول، فأرسل الله عليهم طيراً سوداً أو خضراً أو بيضاً أو بلقاً كالخطاطيف على اختلاف الأقاويل مع كل طير حجر في منقاره وحجران في رجليه أكبر من العدسة وأصغر من الحمصة.
قال ابن عباس: إني رأيت منها عند أم هانىء نحو قفيز مخططة محمرة كالجزع الظفاري، وكان الحجر يقع على رأس الرجل فيخرج من دبره وعلى كل حجر اسم من يقع عليه، ففروا فهلكوا في كل طريق ومرض أبرهة فتساقطت أناملة وآرابه وما مات حتى انصدع صدره عن قلبه وانفلت وزيره أبو يكسوم وطائر يحلق فوقه حتى بلغ النجاشي فقص عليه القصة، فلما أتمها وقع عليه الحجر فخر ميتاً بين يديه.
وعن عائشة رأيت قائد الفيل وسائسه أعميين مقعدين يستطعمان.
قال أهل التاريخ: كان أبرهة جد النجاشي الذي عاصر رسول الله وكان بين عام الفيل وبين المبعث نيف وأربعون سنة، وكان قد بقي بمكة جمع شاهدوا تلك الواقعة وقد بلغت حد التواتر حينئذ فما ذاك إلا إرهاص للرسول .
وزعمت المعتزلة أنها كانت معجزة لنبي قبله كخالد بن سنان أو قس ابن ساعدة.
ويروى أن أبرهة أخذ لعبد المطلب مائتي بعير فخرج إليه يطلبها وقل لأبرهة: هذا سيد قريش وصاحب عير مكة الذي يطعم الناس في السهل والوحوش في رؤوس الجبال.
وكان عبد المطلب رجلاً جسيماً وسيماً فعظم في عين أبرهة، فلما ذكر حاجته قال: سقطت من عيني جئت لأهدم البيت الذي هو دينك ودين آبائك وعصمتكم وشرفكم من قديم الدهر فألهاك عنه ذود أخذ لك فقال: أنا رب الإبل وللبيت رب سيمنعه.
ثم رجع وأتى باب البيت فأخذ بحلقته وهو يقول: لا هم أن المرء يمـ *** ـنع رحله فامنع حلالك لا يغلبن صليبهم *** ومحالهم عدواً ومحالك الحلال جمع حل وهو الموضع الذي يحل فيه الناس والمحال المماكرة كقوله ﴿ وهو شديد المحال ﴾ ثم قال: إن كنت تاركهم وكعـ *** ـبتنا فأمر ما بدا لك وقال أيضاً: يا رب فامنع منهم حماكا *** يا رب لا أرجو لهم سواكا فالتفت فإذا هو بطير من نحو اليمن فقال: والله إنها لطير غريبة ما هي بنجدية ولا تهامية، فأهلكتهم كما ذكرنا.
ثم إن أهل مكة قد احتووا على أموالهم وجمع عبد المطلب منها ما صار سبب يساره.
وسئل أبو سعيد الخدري عن الطير فقال: حمام مكة منها.
وقيل: جاءت عشية ثم صبحتهم هلكى.
وعن عكرمة: من أصابته أصابه جدري وهو أول جدري ظهر في الأرض.
ولنرجع إلى تفسير الألفاظ.
وإنما لم يقل " ألم تعلم " إما لأن الخطاب لكل راء، أو لأنه كان يعلم علماً كالمشاهد المرئي لتواتره ولقرب عهده به.
قال النحويون: قوله ﴿ كيف ﴾ مفعول فعل لأن الاستفهام يقتضي صدر الكلام فيقدم على فعله بالضرورة.
ثم إن قوله ﴿ ألم تر ﴾ وقع على مجموع تلك الجملة.
وقال في الكشاف ﴿ كيف ﴾ في موضع نصب بـ ﴿ فعل ربك ﴾ لا ﴿ بألم تر ﴾ لما في ﴿ كيف ﴾ من معنى الاستفهام.
قلت: أما قول صاحب الكشاف في غاية الإجمال لأن المنصوبات بالفعل أنواع شتى.
وأما قول غيره فقريب من الإجمال لأن المفاعيل خمسة، والقول المبين فيه أنه مفعول مطلق والمعنى فعل أي فعل يعني فعلاً ذا عبرة لأولي الأبصار.
وتقدير الكلام: ألم تر ربك أو إلى ربك كيف فعل بأصحاب الفيل فعلاً كاملاً في باب الاعتبار لأنه خلق الطيور وجعل طبع الفيل على خلاف ما كان عليه، واستجاب دعاء أهل الشرك تعظيماً لبيته، وإن أريد بالفعل المفعول لم يبعد أن يكون مفعولاً به كقولك " يفعل ما يشاء ".
وفي قوله ﴿ ربك ﴾ إشارة إلى أني ربيتك وحفظت البيت لشرف قومك وهم كفرة فكيف أترك تربيتك بعد ظهورك وإسلام أكثر قومك؟
وفي القصة إشارة إلى أني حفظت البيت وهو موضع العلم للعالم أفلا أحفظ العالم وهو من المسجد كالدر من الصدف؟
فمن أراد تخريب البيت وهدمه وكسره دمرته فالذي همزه ولمزه في العالم وهو المقصود من البيت أفلا أدمره؟
وههنا تظهر المناسبة بين هذه السورة والسورة المتقدمة وهذه القصة تجري مجرى مثال آخر لخسران الإنسان.
قال بعضهم: إنما قال ﴿ أصحاب الفيل ﴾ ولم يقل أرباب الفيل أو ملاك الفيل لأن الصاحب يكون من جنس القوم فكأنه أشار إلى أنهم من جنس البهائم بل هم أضل لأن الفيل كان لا يقصد البيت ويقول بلسان الحال: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق وأنهم لم يفهموا رمزه سؤال، أليس أن كفار مكة ملؤا البيت من الأوثان؟
ألم يكن أفحش من تخريب الجدران؟
ثم إنه لم يسلط عليهم الطير؟
الجواب قال بعضهم: وضع الأوثان في البيت إضاعة حق الله وتخريب الجدران تعدٍ على الخلق وإنه يقدم حق العباد على حق نفسه ولهذا أمر بقتل قاطع الطريق والقاتل وإن كانا مسلمين، ولا يأمر بقتل الشيخ الكبير والأعمى وصاحب الصومعة والمرأة وإن كانوا كفاراً لأنهم لا يتعدى ضررهم إلى الخلق.
وأقول: لا نسلم أنه لم يسلط على كفار مكة عذابه لأنه أمر نبيه بقتلهم وسبي ذراريهم ونسائهم، ثم فصل الفعل المذكور المتعجب منه بقوله ﴿ ألم يجعل كيدهم في تضليل ﴾ أي في تضييع وإبطال يقال: ضلل كيده إذا جعله ضالاً ضائعاً ومنه قولهم لا مرىء القيس" الملك الضليل " لأنه ضلل ملك أبيه أي ضيعه.
كادوا البيت أولاً ببناء الكنيسة وصرف وجوه الحاج إليها فضلل الله كيدهم بأن أوقع الحريق فيه.
وكادوه ثانياً بإرادة هدمه فضلل كيدهم بإرسال الطير عليهم.
ومعنى أبابيل طرائق أي جماعات متفرقة الواحدة إبالة وفي أمثالهم " ضغث على إبالة " شبهت الطير في اجتماعها بالإبالة وهي الحزمة الكبيرة، قال أبوعبيدة: وقيل أبابيل مثل عباديد لا واحد لها، والعباديد الفرق الذاهبون في كل وجه قاله الأخفش والفراء.
وقال الكسائي: سمعت بعضهم يقولون: واحدها أبول كعجول وعجاجيل.
والتنكير في ﴿ طيراً ﴾ إما للتفخيم لأنها كانت طيراً أعاجيب أو للتحقير لأنها كانت صغار الجثة وهذا أدل على كمال القدرة.
وذكروا في وصفها عن ابن مسعود وعن ابن عباس أنها كانت لها خراطيم كخراطيم الفيل وأكف كاكف الكلاب.
وفي ﴿ سجيل ﴾ أقوال أحدها: أن اللام مبدلة من النون وأصله سجين وقد مر أنه علم لديوان الشر كأنه قيل: بحجارة من جملة العذاب المكتوب المدون.
وجوز في الكشاف أن يكون اشتقاقه من الإسجال والإرسال لأن العذاب موصوف بذلك.
وعن ابن عباس أنه معرب سنك كل وقيل: هو طين مطبوخ والعصف ورق الزرع الذي يبقى في الأرض بعد الحصاد تفتته الرياح وتأكله المواشي.
وقال أبو مسلم: هو التبن كقوله ﴿ والحب ذو العصف والريحان ﴾ وقال الفراء: هو أطراف الزرع.
وقيل: هو الحب الذي أكل لبه وبقي قشره، والمأكول الذي وقع فيه الأكال أي الدود ونحوه أي الذي أكلته الدواب وراثته إلا أنه جاء على آداب القرآن كقوله ﴿ كانا يأكلان الطعام ﴾ قاله مقاتل وقتادة وعطاء عن ابن عباس.
وقيل: مأكول حبه كما مر.
وتشبيههم بورق الزرع المذكور إشارة إلى تدميرهم وتصييرهم أيادي سبا.
قالوا: إن الحجاج خرب البيت ولم يحدث شيء من ذلك.
وأجيب بأن قصده لم يكن تخريب الكعبة وإنما كان شيئاً آخر.
وأيضاً كان إرسال الطير عليهم، إرهاصاً للنبي صلى الله عليه آله وبعد تقرير نبوته لم يكن افتقار إلى الإرهاص والله عالم بحقائق أحكامه وبه التوفيق وعليه التكلان.
قوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ ﴾ ، اختلفوا في السبب الذي به وقع القصد من أصحاب الفيل إلى تهديم البيت وتخريبه: فمنهم من قال: إنهم اتخذوا بيتا في بلادهم، وسموه: كعبة؛ لكي ينتاب الناس إليه كما ينتابون إلى الكعبة، فأبى الناس إتيان ذلك البيت؛ فغاظهم ذلك حتى قصدوا [تهديم البيت].
ومنهم من قال: إن العرب حرقوا بيعة كانت لهم، وخربوها؛ فغاظهم ذلك حتى أرادوا تهديم هذا البيت؛ جزاء بما فعلت العرب بهم.
ومنهم من قال: إنهم كانوا ملوكا وفراعنة، ومن عادتهم أنهم يعادون من ضادهم في ملكهم وسلطانهم.
وأي ذلك لكان، فلا حاجة إلى معرفته، وإنما حاجتنا إلى تعريف المعنى الذي به أنزلت السورة وثبتت.
وتأويل ذلك يخرج على أوجه ثلاثة: أحدها: أن الله - - ذكرهم تلك النعمة التي أنعمها عليهم ي صرف من أراد إهلاكهم؛ فإنهم كانوا قصدوا قتل أهل مكة، وسبي نسائهم وذراريهم، وأخذ أموالهم؛ فذكرهم الله - - جميل صنعه بهم؛ ليشكروا له، ويعبدوه حق عبادته، وينزجروا عن عبادة غيره.
والوجه الثاني: أن الله - - خوف أهل مكة.
ووجه ذلك: أن الله - - لما أهلك أصحاب الفيل بما ضيعوا حرمة بيته؛ فلا يأمن أهل مكة من إهلاكه إياهم وتعذيبهم بما ضيعوا حرمة [رسول الله ] مع أن حرمة الرسول أعظم من حرمة البيت، فلما نزل بأولئك ما نزل لما جاء منهم من تضييع حرمة بيته؛ فلأن تخشى عذابه ونقمته من تضييع حرمة رسول أولى.
والوجه الثالث: أن الله - - أهلك أولئك لما أراهم من آياته فلم ينصرفوا؛ لأنه ذكر أنهم كانوا إذا وجهوا الفيل نحو البيت امتنع ووقع، وإذا وجهوه نحو أرضهم هرول وسارع، فلما رأوا ذلك، ولم ينصرفوا أهلكهم الله - - فلا يؤمن على أهل مكة - أيضا - أنهم لما رأوا الآيات المعجزة من الرسول - - فلم يؤمنوا، أن يهلكهم الله - - فينتقم منهم بعقوبته؛ فعلى ما ذكرنا يخرج معنى نزول السورة.
وقيل: إنه على البشارة لرسول الله الإشارة أنه لم يكن للبيت ناصر في ذلك الوقت ولا معين؛ بل كان وحده، فنصره الله - - حتى لم يتمكن أعداؤه من هدمه؛ فعلى ذلك ينصرك ويعينك، ويهلك عدوك، وإن كنت أنت وحدك؛ إذ كان وقت نزول هذه السورة لم يكن له كثير أعوان، وقد فعل ذلك يوم بدر.
ثم قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ حرف استعمل في تذاكر أعجوبة قد كانت، وعرفوها، ثم غفلوا عنها، أو فيما لم يكن؛ فيعجبهم بما فعل بأعدائه؛ ليحملهم على الزجر والانتهاء عما حرم الله - - فكأنه قال: رأيت ربك كيف فعل بأصحال الفيل؟!.
ويجوز أن يكون الخطاب منه للنبي ، والمراد غيره.
ويجوز أن يكون هذا الخطاب منه للنبي ، والمراد غيره.
ويجوز أن يكون هذا خطابا لكل واحد منهم.
ثم تسميتهم: أصحاب الفيل، ونسبة الفيل إليهم يحتمل وجهين: أحدهما: أي: الذي صحبوا الفيل.
والثاني: ﴿ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ ﴾ ، أي: أرباب الفيل؛ كما يقال: رب الدار، وصاحب الدار.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ ﴾ ، أي: أبطل ما قدروه عند أنفسهم من تخريب البيت وتهديمه؛ فالكيد: ما ذكرنا بدءا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ ﴾ : جماعات متفرقة، جماعة جماعة، وهكذا السنة في الخروج لمحاربة أعداء الله - - أن يخرجوا جماعة جماعة.
وقيل: هي طير لم ير قبلها ولا بعدها مثلها، لها رءوس كالسباع.
وقيل: شبيهة برجال الهند.
وقوله - عز وجل -: ﴿ تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ ﴾ ، اختلفوا في السجيل: قال بعضهم: هو اسم موضع، خلقت حجارته؛ لتعذيب الفراعنة، وإهلاكهم.
وقال بعضهم: فارسية معربة، وهي "سنك وكل"، وهو الآجر في التقدير.
وقال بعضهم: هذه عبارة عن شدة الحجارة وقوتها.
وقوله: ﴿ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ ﴾ ، قالوا: العصف: هو ورق الزرع، أو ورق كل نابت.
وقوله: ﴿ مَّأْكُولٍ ﴾ ينحو نحوين، وتيوجه وجهين: إلى ما قد أكل وإلى ما لم يؤكل؛ إذ ما يؤكل إذا ما كان معدا للأكل، سمي: مأكولا، فإن كان غير المأكول، فكأنه قال: جعلهم في الضعف والرخاوة - مع قوتهم وسلطانهم - كعلف الدواب؛ حتى لا يخاف منهم بعد ذلك أبدا.
وإن كان على المأكول فهو [أنه ] جعلهم كالمأكول التي أكلتها الدواب؛ فيكون فيها ثبت، والله أعلم [بالصواب].
فجعلهم الله كورق زرع أكلته الدوابّ وداسته.
من فوائد الآيات خسران من لم يتصفوا بالإيمان وعمل الصالحات، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر.
تحريم الهَمْز واللَّمْز في الناس.
دفاع الله عن بيته الحرام، وهذا من الأمن الَّذي قضاه الله له.
(ألم تر): أي ألم تنظر أو ألم تعلم (كيف فعل ربك): أي الحالة التي وقع عليها عمل الله الذي يتولى أمرك.
﴿ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ﴾ : وهو الحيوان المعروف.
وبين تلك الحالة التي وقع عليها الفعل الإلهي بقوله: ﴿ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ ﴾ : الكيد: هو تدبير السوء.
والتضليل: التضييع.
والهمزة في ألم تر وألم يجعل للتقرير.
أي أنك ترى ما كان عليه فعل الله بأولئك القوم، وذلك أنه ضيع تدبيرهم وخيب سعيهم، (وأرسل عليهم طيرًا أبابيل).
الأبابيل: الفرق والجماعات يتبع بعضها بعضًا من طير أو خيل مثلًا.
والطير هو ما يطير في الهواء، سواء كان صغيرًا أو كبيرًا، وسواء كان مرئيًا لك أم غير مرئي.
والسجيل: الطين المتحجر -وأصل الكلمة فارسية دخلت في العربية- أي حجارة من طين متحجر.
والعصف: ورق الزرع.
والمأكول: الذي أكله الدود أو السوس، أو أكل الدواب بعضه، وتناثر من بين أسنانها بعضه.
السورة الكريمة تعلمنا أن الله سبحانه يريد أن يذكر نبيه، ومن تبلغه رسالته، بعمل عظيم من أعماله الدالة على عظم قدرته، وأن كل قدرة دونها فهي خاضعة لسلطانها، وأنه القاهر فوق عباده لا يمنعهم منه عزة، ولا تتعاصى عليه منهم قوة...
ذلك العمل العظيم هو أن قومًا أرادوا أن يتعززوا بفيلهم ليغلبوا بعض عباده على آمرهم، ويصلوا إليهم بشر وأذى، فأهلكهم الله، ورد كيدهم، وأبطل تدبيرهم بعد أن كانوا في ثقة بعَدَدهم وعُدَدهم، فلم يفدهم ذلك شيئًا.
وكان يمكننا أن نكتفي بذلك المعنى من الآيات، ولا نزيد عليه أدنى تفصيل.
وهو كاف في الاعتبار والعظة، كما اكتفينا بذلك في أصحاب الأخدود...
لكن في هذه السورة يجوز لنا التفصيل، لأن واقعة الفيل في ذاتها -كما ورد في هذه الآيات- معروفة متواترة الرواية، حتى أنهم جعلوها مبدأ تاريخ يحددون به أوقات الحوادث..
فيقولون: ولد عام الفيل، وحدث كذا لسنتين بعد عام الفيل.
ونحو ذلك.
وما تواتر من الواقعة، هو أن قائدًا حبشيًا -ممن كانوا قد غلبوا على اليمن- أراد أن يعتدي على الكعبة المشرفة ويهدمها ليمنع العرب من الحج إليها، أو ليقهرهم ويذلهم، فتوجه بجيش جرار إلى مكة لذلك، واستصحب معه فيلًا أو فيلة كثيرة زيادة في الإرهاب وحشر الخوف إلى القلوب.
ولم يزل سائرًا يغلب من يلاقيه حتى وصل إلى "المُغَمَّس" بالقرب من مكة، ثم أرسل إلى أهل مكة يخبرهم أنه لم يأت لحربهم، وإنما أتى لهدم البيت.
ففزعوا منه، وانطلقوا إلى شعف الجبال ينتظرون ما هو فاعل.
وفي اليوم الثاني فشا في جند الحبشي داء الجدري والحصبة...
قال عكرمة: وهو أول جدري ظهر ببلاد العرب.
وقال يعقوب بن عتبة فيما حدث: إن أول ما رؤيت الحصبة والجدري ببلاد العرب ذلك العام.
وقد فعل ذلك الوباء بأجسامهم ما يندر وقوع مثله، فكان لحمهم يتناثر ويتساقط.
فذعر الجيش وصاحبه وولوا هاربين، وأصيب الحبشي، ولم يزل يسقط لحمه قطعة قطعة وأنملة أنملة حتى انصدع صدره ومات في صنعاء.
هذا ما اتفقت عليه الروايات، ويصح الاعتقاد به.
وقد بينت لنا هذه السورة الكريمة أن ذلك الجدري أو تلك الحصبة نشأت من حجارة يابسة سقطت على أفراد الجيش بواسطة فرق عظيمة من الطير مما يرسله الله مع الريح.
فيجوز لك أن تعتقد أن هذا الطير من جنس البعوض أو الذباب الذي يحمل جراثيم بعض الأمراض، وأن تكون هذه الحجارة من الطين المسموم اليابس الذي تحمله الرياح فيعلق بأرجل هذه الحيوانات، فإذا اتصل بجسد دخل في مسامه، فأثار فيه تلك القروح التي تنتهي بإفساد الجسم وتساقط لحمه.
وأن كثيرًا من هذه الطيور الضعيفة يعد من أعظم جنود الله في إهلاك من يريد إهلاكه من البشر وأن هذا الحيوان الصغير -الذي يسمونه الآن بالمكروب- لا يخرج عنها، وهو فرق وجماعات لا يحصي عددها إلا بارئها..
ولا يتوقف ظهور أثر قدرة الله تعالى في قهر الطاغين على أن يكون الطير في ضخامة رؤوس الجبال، ولا على أن يكون من نوع عنقاء مغرب، ولا على أن يكون له ألوان خاصه به، ولا على معرفة مقادير الحجارة وكيفية تأثيرها..
فلله جند من كل شيء.
وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد وليس في الكون قوة إلا وهي خاضعة لقوته.
فهذا الطاغية الذي أراد أن يهدم البيت، أرسل الله عليه من الطير ما يوصل إليه مادة الجدري أو الحصبة، فأهلكته وأهلكت قومه قبل أن يدخل مكة.
وهي نعمة من الله غمر بها أهل حرمه -على وثنيتهم- حفظًا لبيته حتى يرسل من يحميه بقوة دينه، ...
وإن كانت نقمة من الله حلت بأعدائه أصحاب الفيل الذين أرادوا الاعتداء على البيت دون جرم اجترمه ولا ذنب اقترفه.
هذا ما يصح الاعتماد عليه في تفسير السورة، وما عدا ذلك فهو مما لا يصح قبوله إلا بتأويل إن صحت روايته...
ومما تعظم به القدرة أن يؤخذ من استعز بالفيل -وهو أضخم حيوان من ذوات الأربع جسمًا- ويهلك بحيوان صغير لا يظهر للنظر، ولا يدرك بالبصر، حيث ساقه القدر.
لا ريب عند العاقل أن هذا أكبر وأعجب وأبهر!!