الإسلام > القرآن > سور > سورة 106 قريش > الآية ٤ من سورة قريش
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 85 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٤ من سورة قريش: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( الذي أطعمهم من جوع ) أي : هو رب البيت ، وهو " الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف " أي : تفضل عليهم بالأمن والرخص فليفردوه بالعبادة وحده لا شريك له ، ولا يعبدوا من دونه صنما ولا ندا ولا وثنا .
ولهذا من استجاب لهذا الأمر جمع الله له بين أمن الدنيا وأمن الآخرة ، ومن عصاه سلبهما منه ، كما قال تعالى : ( وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون ) [ النحل : 112 - 113 ] وقد قال ابن أبي حاتم : حدثنا عبد الله بن عمرو العدني ، حدثنا قبيصة ، حدثنا سفيان ، عن ليث ، عن شهر بن حوشب ، عن أسماء بنت يزيد قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ويل أمكم قريش ، لإيلاف قريش " ثم قال : حدثنا أبي ، حدثنا المؤمل بن الفضل الحراني ، حدثنا عيسى - يعني ابن يونس - ، عن عبيد الله بن أبي زياد ، عن شهر بن حوشب ، عن أسامة بن زيد قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف .
ويحكم يا معشر قريش ، اعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمكم من جوع وآمنكم من خوف " .
هكذا رأيته عن أسامة بن زيد ، وصوابه عن أسماء بنت يزيد بن السكن ، أم سلمة الأنصارية ، رضي الله عنها ، فلعله وقع غلط في النسخة أو في أصل الرواية ، والله أعلم .
آخر تفسير سورة " لإيلاف قريش " .
وقوله: ( الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ ) يقول: الذي أطعم قريشا من جوع.
كما حدثني عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ ) يعني: قريشا أهل مكة بدعوة إبراهيم صلى الله عليه وسلم حيث قال: وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ .
( وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ) اختلف أهل التأويل في معنى قوله: ( وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ) فقال بعضهم: معنى ذلك: أنه آمنهم مما يخاف منه من لم يكن من أهل الحرم من الغارات والحروب والقتال, والأمور التي كانت العرب يخاف بعضها من بعض.
*ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس، ( وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ) حيث قال إبراهيم عليه السلام: رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا .
حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء, جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ) قال: آمنهم من كلّ عدو في حرمهم.
حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ( لإيلافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ ) قال: كان أهل مكة تجارا يتعاورون ذلك شتاء وصيفا, آمنين في العرب, وكانت العرب يغير بعضها على بعض, لا يقدرون على ذلك, ولا يستطيعونه من الخوف, حتى إن كان الرجل منهم ليُصاب في حيّ من أحياء العرب, وإذا قيل حِرْمِيٌّ خُليَ عنه وعن ماله, تعظيما لذلك فيما أعطاهم الله من الأمن.
حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة ( وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ) قال: كانوا يقولون: نحن من حرم الله, فلا يعرض لهم أحد في الجاهلية, يأمنون بذلك, وكان غيرهم من قبائل العرب إذا خرج أغير عليه.
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد في قوله: ( وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ) قال: كانت العرب يغير بعضها على بعض, ويسبي بعضها بعضا, فأمنوا من ذلك لمكان الحرم, وقرأ: أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ .
وقال آخرون: عُنِي بذلك: وآمنهم من الجذام.
*ذكر من قال ذلك: حدثنا الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء، جميعا قال: قال الضحاك: ( وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ) قال: من خوفهم من الجذام.
حدثنا ابن حميد, قال: ثنا مهران, عن سفيان ( وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ) قال: من الجذام وغيره.
حدثنا أبو كُريب, قال: قال وكيع: سمعت أطعمهم من جوع, قال: الجوع ( وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ) الخوف: الجذام.
حدثنا عمرو بن عليّ, قال: ثنا عامر بن إبراهيم الأصبهاني, قال: ثنا خطاب بن جعفر بن أبي المُغيرة, قال: ثني أبي, عن سعيد بن جُبير, عن ابن عباس ( وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ) قال: الخوف: الجذام.
والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر أنه ( آمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ) والعدو مخوف منه, والجذام مخوف منه, ولم يخصص الله الخبر عن أنه آمنهم من العدوّ دون الجذام, ولا من الجذام دون العدوّ, بل عمّ الخبر بذلك، فالصواب أن يعمّ كما عمّ جلّ ثناؤه, فيقال: آمنهم من المعنيين كليهما.
آخر تفسير سورة قريش
قوله تعالى : الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف قوله تعالى : الذي أطعمهم من جوع أي بعد جوع .
وآمنهم من خوف قال ابن عباس : وذلك بدعوة إبراهيم - عليه السلام - حيث قال : رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات .
وقال ابن زيد : كانت العرب يغير بعضها على بعض ، ويسبي بعضها من بعض ، فأمنت قريش من ذلك لمكان الحرم - وقرأ - أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء .
وقيل : شق عليهم السفر في الشتاء والصيف ، فألقى الله في قلوب الحبشة [ ص: 186 ] أن يحملوا إليهم طعاما في السفن ، فحملوه ; فخافت قريش منهم ، وظنوا أنهم قدموا لحربهم ، فخرجوا إليهم متحرزين ، فإذا هم قد جلبوا إليهم الطعام ، وأغاثوهم بالأقوات ; فكان أهل مكة يخرجون إلى جدة بالإبل والحمر ، فيشترون الطعام ، على مسيرة ليلتين .
وقيل : هذا الإطعام هو أنهم لما كذبوا النبي - صلى الله عليه وسلم - دعا عليهم ، فقال : اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف فاشتد القحط ، فقالوا : يا محمد ادع الله لنا فإنا مؤمنون .
فدعا فأخصبت تبالة وجرش من بلاد اليمن ; فحملوا الطعام إلى مكة ، وأخصب أهلها .
وقال الضحاك والربيع وشريك وسفيان : وآمنهم من خوف أي من خوف الجذام ، لا يصيبهم ببلدهم الجذام .
وقال الأعمش : وآمنهم من خوف أي من خوف الحبشة مع الفيل .
وقال علي - رضي الله عنه - : وآمنهم من خوف أن تكون الخلافة إلا فيهم .
وقيل : أي كفاهم أخذ الإيلاف من الملوك .
فالله أعلم ، واللفظ يعم .
{ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ } فرغد الرزق والأمن من المخاوف، من أكبر النعم الدنيوية، الموجبة لشكر الله تعالى.فلك اللهم الحمد والشكر على نعمك الظاهرة والباطنة، وخص الله بالربوبية البيت لفضله وشرفه، وإلا فهو رب كل شيء..
( الذي أطعمهم من جوع ) أي من بعد جوع بحمل الميرة إلى مكة ( وآمنهم من خوف ) بالحرم وكونهم من أهل [ مكة ] حتى لم يتعرض لهم [ في رحلتهم ] وقال عطاء عن ابن عباس : إنهم كانوا في ضر ومجاعة حتى جمعهم هاشم على الرحلتين ، وكانوا يقسمون ربحهم بين الفقير والغني حتى كان فقيرهم كغنيهم .
قال الكلبي : وكان أول من حمل [ السمراء ] من الشام ورحل إليها الإبل : هاشم بن عبد مناف وفيه يقول الشاعر .
قل للذي طلب السماحة والندى هلا مررت بآل عبد مناف هلا مررت بهم تريد قراهم منعوك من ضر ومن إكفاف الرائشين وليس يوجد رائش والقائلين هلم للأضياف والخالطين فقيرهم بغنيهم حتى يكون فقيرهم كالكافي والقائمين بكل وعد صادق والراحلين برحلة الإيلاف عمرو [ العلا ] هشم الثريد لقومه ورجال مكة [ مسنتون ] عجاف سفرين سنهما له ولقومه سفر الشتاء ورحلة الأصياف وقال الضحاك والربيع وسفيان : " وآمنهم من خوف " من خوف الجذام ، فلا يصيبهم ببلدهم الجذام .
«الذي أطعمهم من جوع» أي من أجله «وآمنهم من خوف» أي من أجله وكان يصيبهم الجوع لعدم الزرع بمكة وخافوا جيش الفيل.
الذي أطعمهم من جوع شديد، وآمنهم من فزع وخوف عظيم.
( الذي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ ) أى : الذى وسع لهم الرزق ، ومهد لهم سبيله ، عن طريق الوفود التى تأتى إليهم من مشارق الأرض ومغاربها .( وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ ) أى : والذى أوجد لهم الأمن بعد الخوف ، والسعة بعد الضيق ، ببركة هذا البيت الحرام .وتنكير " جوع " و " خوف " للتعظيم ، أى : أطعمهم بدلا من جوع شديد ، وآمنهم بدلا من خوف عظيم ، كانوا معرضين لهما ، وذلك كله من فضله - سبحانه - عليهم ، ومن رحمته بهم ، حيث أتم عليهم نعمتين بهما تكمل السعادة ، ويجتمع السرور .ومن الآيات التى تشبه هذه الآية قوله - تعالى - : ( أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ الناس مِنْ حَوْلِهِمْ .
.
.
) وقوله - سبحانه - : ( أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً يجبى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقاً .
.
.
) وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
ثم قال تعالى: ﴿ الذى أَطْعَمَهُم مّن جُوعٍ ﴾ وفي هذه الإطعام وجوه: أحدها: أنه تعالى لما آمنهم بالحرم حتى لا يتعرض لهم في رحلتيهم كان ذلك سبب إطعامهم بعدما كانوا فيه من الجوع ثانيها: قال مقاتل: شق عليهم الذهاب إلى اليمن والشام في الشتاء والصيف لطلب الرزق، فقذف الله تعالى في قلوب الحبشة أن يحملوا الطعام في السفن إلى مكة فحملوه، وجعل أهل مكة يخرجون إليهم بالإبل والخمر، ويشترون طعامهم من جدة على مسيرة ليلتين وتتابع ذلك، فكفاهم الله مؤونة الرحلتين ثالثها: قال الكلبي: هذه الآية معناها أنهم لما كذبوا محمداً صلى الله عليه وسلم دعا عليهم، فقال: اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف فاشتد عليهم القحط وأصابهم الجهد فقالوا: يا محمد ادع الله فإنا مؤمنون، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخصبت البلاد وأخصب أهل مكة بعد القحط، فذاك قوله: ﴿ أَطْعَمَهُم مّن جُوعٍ ﴾ ثم في الآية سؤالات: السؤال الأول: العبادة إنما وجبت لأنه تعالى أعطى أصول النعم، والإطعام ليس من أصول النعم، فلما علل وجوب العبادة بالإطعام؟
والجواب: من وجوه: أحدها: أنه تعالى لما ذكر إنعامه عليهم بحبس الفيل وإرسال الطير وإهلاك الحبشة، وبين أنه تعالى فعل ذلك لإيلافهم، ثم أمرهم بالعبادة، فكان السائل يقول: لكن نحن محتاجون إلى كسب الطعام والذب عن النفس، فلو اشتغلنا بالعبادة فمن ذا الذي أيطعمنا، فقال: الذي أطعمهم من جوع، قبل أن يعبدوه، ألا يطعمهم إذا!.
وثانيها: أنه تعالى بعد أن أعطى العبد أصول النعم أساء العبد إليه، ثم إنه يطعمهم مع ذلك، فكأنه تعالى يقول: إذا لم تستح من أصول النعم ألا تستحي من إحساني إليك بعد إساءتك.
وثالثها: إنما ذكر الإنعام، لأن البهيمة تطيع من يعلفها، فكأنه تعالى يقول: لست دون البهيمة.
السؤال الثاني: أليس أنه جعل الدنيا ملكاً لنا بقوله: ﴿ خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأرض جَمِيعاً ﴾ فكيف تحسن المنة علينا بأن أعطانا ملكنا؟
الجواب: أنظر في الأشياء التي لابد منها قبل الأكل حتى يتم الطعام ويتهيأ، وفي الأشياء التي لابد منها بعد الأكل حتى يتم الانتفاع بالطعام المأكول، فإنك تعلم أنه لابد من الأفلاك والكواكب، ولا بد من العناصر الأربعة حتى يتم ذلك الطعام، ولا بد من جملة الأعضاء على اختلاف أشكالها وصورها حتى يتم الانتفاع بالطعام، وحينئذ تعلم أن الإطعام يناسب الأمر بالطاعة والعبادة.
السؤال الثالث: المنة بالإطعام لا تليق بمن له شيء من الكرم، فكيف بأكرم الأكرمين؟
الجواب: ليس الغرض منه المنة، بل الإرشاد إلى الأصلح، لأنه ليس المقصود من الأكل تقوية الشهوة المانعة عن الطاعة، بل تقوية البنية على أداء الطاعات، فكأن المقصود من الأمر بالعبادة ذلك.
السؤال الرابع: ما الفائدة في قوله: ﴿ مِن جُوعٍ ﴾ ؟
الجواب: فيه فوائد: أحدها: التنبيه على أن أمر الجوع شديد، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الذي يُنَزّلُ الغيث مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ ﴾ وقوله صلى الله عليه وسلم: «من أصبح آمناً في سربه» الحديث.
وثانيها: تذكيرهم الحالة الأولى الرديئة المؤلمة وهي الجوع حتى يعرفوا قدر النعمة الحاضرة.
وثالثها: التنبيه على أن خير الطعام ما سد الجوعة، لأنه لم يقل: وأشبعهم لأن الطعام يزيل الجوع، أما الإشباع فإنه يورث البطنة.
أما قوله تعالى: ﴿ وآمنهم من خوف ﴾ ففي تفسيره وجوه: أحدها: أنهم كانوا يسافرون آمنين لا يتعرض لهم أحد، ولا يغير عليهم أحد لا في سفرهم، ولا في حضرهم وكان غيرهم لا يأمنون من الغارة في السفر والحضر، وهذا معنى قوله: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً ءامِناً ﴾ ثانيها: أنه آمنهم من زحمة أصحاب الفيل.
وثالثها: قال الضحاك والربيع: وآمنهم من خوف الجزام، فلا يصيبهم ببلدتهم الجذام.
ورابعها: آمنهم من خوف أن تكون الخلافة في غيرهم.
وخامسها: آمنهم بالإسلام، فقد كانوا في الكفر يتفكرون، فيعلمون أن الدين الذي هم عليه ليس بشيء، إلا أنهم ما كانوا يعرفون الدين الذي يجب على العاقل أن يتمسك به.
وسادسها: أطعمهم من جوع الجهل بطعام الوحي، وآمنهم من خوف الضلال ببيان الهدى، كأنه تعالى يقول: يا أهل مكة كنتم قبل مبعث محمد تسمون جهال العرب وأجلافهم، ومن كان ينازعكم كانوا يسمون أهل الكتاب، ثم أنزلت الوحي على نبيكم، وعلمتكم الكتاب والحكمة حتى صرتم الآن تسمون أهل العلم والقرآن، وأولئك يسمون جهال اليهود والنصارى، ثم إطعام الطعام الذي يكون غذاء الجسد يوجب الشكر، فإطعام الطعام الذي هو غذاء الروح، ألا يكون موجباً للشكر!
وفي الآية سؤالات: السؤال الأول: لم لم يقل: عن جوع وعن خوف؟
قلنا: لأن معنى عن أنه جعل الجوع بعيداً عنهم، وهذا يقتضي أن يكون ذلك التبعيد مسبوقاً بمقاساة الجوع زماناً، ثم يصرفه عنه، و(من) لا تقتضي ذلك، بل معناه أنهم عندما يجوعون يطعمون، وحين ما يخافون يؤمنون.
السؤال الثاني: لم قال: من جوع، من خوف على سبيل التنكير؟
الجواب: المراد من التنكير التعظيم.
أما الجوع فلما روينا: أنه أصابتهم شدة حتى أكلوا الجيف والعظام المحرقة.
وأما الخوف، فهو الخوف الشديد الحاصل من أصحاب الفيل، ويحتمل أن يكون المراد من التنكير التحقير، يكون المعنى أنه تعالى لما لم يجوز لغاية كرمه إبقاءهم في ذلك الجوع القليل والخوف القليل، فكيف يجوز في كرمه لو عبدوه أن يهمل أمرهم، ويحتمل أن يكون المراد أنه: أَطْعَمَهُم مّن جُوعٍ دون جوع: وآمنهم من خوف دون خوف، ليكون الجوع الثاني، والخوف الثاني مذكراً ما كانوا فيه أولاً من أنواع الجوع والخوف، حتى يكونوا شاكرين من وجه، وصابرين من وجه آخر، فيستحقوا ثواب الخصلتين.
السؤال الثالث: أنه تعالى إنما أطعمهم وآمنهم إجابة لدعوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام أما في الإطعام فهو قوله: ﴿ وارزق أَهْلَهُ ﴾ وأما الأمان فهو قوله: ﴿ اجعل هذا البلد امِنًا ﴾ وإذا كان كذلك كان ذلك منة على إبراهيم عليه السلام، فكيف جعله منة على أولئك الحاضرين؟
والجواب: أن الله تعالى لما قال: ﴿ إِنّى جاعلك لِلنَّاسِ إِمَامًا ﴾ قال إبراهيم: ﴿ وَمِن ذُرّيَتِى ﴾ فقال الله تعالى: ﴿ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين ﴾ فنادى إبراهيم بهذا الأدب، فحين قال: ﴿ رَبّ اجعل هذا البلد امِنًا وارزق أَهْلَهُ مِنَ الثمرات ﴾ قيده بقوله: ﴿ مَنْ ءامَنَ بالله ﴾ فقال الله: لا حاجة إلى هذا التقيد، بل ومن كفر فأمتعه قليلاً، فكأنه تعالى قال: أما نعمة الأمان فهي دينية فلا تحصل إلا لمن كان تقياً، وأما نعمة الدنيا فهي تصل إلى البر والفاجر والصالح والطالح، وإن كان كذلك كان إطعام الكافر من الجوع، وأمانه من الخوف إنعاماً من الله ابتداء عليه لا بدعوة إبراهيم، فزال السؤال.
والله سبحانه وتعالى أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
﴿ لإيلاف قُرَيْشٍ ﴾ متعلق بقوله: ﴿ فَلْيَعْبُدُواْ ﴾ أمرهم أن يعبدوه لأجل إيلافهم الرحلتين فإن قلت: فلم دخلت الفاء؟
قلت: لما في الكلام من معنى الشرط لأن المعنى: إما لا فليعبدوه لإيلافهم، على معنى: أنّ نعم الله عليهم لا تحصى، فإن لم يعبدوه لسائر نعمه، فليعبدوه لهذه الواحدة التي هي نعمة ظاهرة.
وقيل: المعنى: عجبوا لإيلاف قريش.
وقيل: هو متعلق بما قبله، أي: فجعلهم كعصف مأكول لإيلاف قريش، وهذا بمنزلة التضمين في الشعر: وهو أن يتعلق معنى البيت بالذي قبله تعلقاً لا يصحّ إلاّ به، وهما في مصحف أبيّ سورة واحدة، بلا فصل.
وعن عمر: أنه قرأهما في الثانية من صلاة المغرب.
وقرأ في الأولى: ﴿ والتين ﴾ .
والمعنى أنه أهلك الحبشة الذين قصدوهم ليتسامع الناس بذلك، فيتهيبوهم زيادة تهيب، ويحترموهم فضل احترام، حتى ينتظم لهم الأمن في رحلتهم، فلا يجترئ أحد عليهم، وكانت لقريش رحلتان؛ يرحلون في الشتاء إلى اليمن، وفي الصيف إلى الشام، فيمتارون ويتجرون، وكانوا في رحلتيهم آمنين لأنهم أهل حرم الله وولاة بيته، فلا يتعرّض لهم، والناس غيرهم يتخطفون ويغار عليهم، والإيلاف من قولك: آلفت المكان أولفه إيلافاً: إذا ألفته، فأنا مألف.
قال: مِنَ الْمُؤْلِفَاتِ الرَّهْوِ غَيْرِ الأوَاركِ وقرئ: ﴿ لئلاف قريش ﴾ أي: لمؤالفة قريش.
وقيل: يقال: ألفته إلفاً وإلافاً.
وقرأ أبو جعفر: ﴿ لإلف قريش ﴾ ، وقد جمعهما من قال: زَعَمْتُمْ أَنْ إخْوَتَكُمْ قُرَيْشٌ ** لَهُمْ إلْفٌ وَلَيْسَ لَكُمْ إلاَفُ وقرأ عكرمة: ﴿ ليألف قريش إلفهم رحلة الشتاء والصيف ﴾ .
وقريش: ولد النضر بن كنانة سموا بتصغير القرش: وهو دابة عظيمة في البحر تعبث بالسفن، ولا تطاق إلاّ بالنار.
وعن معاوية أنه سأل ابن عباس رضي الله عنهما: بم سميت قريش؟
قال: بدابة في البحر تأكل ولا تؤكل، وتعلو ولا تعلى.
وأنشد: وَقُرَيْشٌ هِيَ الَّتِي تَسْكُنُ ** الْبَحْرَ بِهَا سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشاً والتصغير للتعظيم.
وقيل: من القرش وهو الكسب: لأنهم كانوا كسابين بتجاراتهم وضربهم في البلاد.
أطلق الإيلاف ثم أبدل عنه المقيد بالرحلتين، تفخيماً لأمر الإيلاف، وتذكيراً بعظم النعمة فيه؛ ونصب الرحلة بإيلافهم مفعولاً به، كما نصب (يتيماً) بإطعام، وأراد رحلتي الشتاء والصيف، فأفرد لأمن الإلباس، كقوله: كُلُوا فِي بَعْضِ بَطْنِكُمُ......
وقرئ: ﴿ رحلة ﴾ بالضم: وهي الجهة التي يرحل إليها: والتنكير في ﴿ جُوعٍ ﴾ و ﴿ خوْفٍ ﴾ لشدتهما، يعني: أطعمهم بالرحلتين من جوع شديد كانوا فيه قبلهما، وآمنهم من خوف عظيم وهو خوف أصحاب الفيل، أو خوف التخطف في بلدهم ومسايرهم.
وقيل: كانوا قد أصابتهم شدّة حتى أكلوا الجيف والعظام المحرقة، وآمنهم من خوف الجذام فلا يصيبهم ببلدهم.
وقيل: ذلك كله بدعاء إبراهيم صلوات الله عليه.
ومن بدع التفاسير: وآمنهم من خوف، من أن تكون الخلافة في غيرهم.
وقرئ: ﴿ من خوف ﴾ بإخفاء النون.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة لإيلاف قريش أعطاه الله عشر حسنات بعدد من طاف بالكعبة واعتكف بها» .
﴿ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ ﴾ ﴿ الَّذِي أطْعَمَهم مِن جُوعٍ ﴾ أيْ بِالرِّحْلَتَيْنِ والتَّنْكِيرُ لِلتَّعْظِيمِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ شِدَّةٌ أكَلُوا فِيها الجِيَفَ والعِظامَ.
﴿ وَآمَنَهم مِن خَوْفٍ ﴾ أصْحابِ الفِيلِ أوِ التَّخَطُّفِ في بَلَدِهِمْ ومَسايِرِهِمْ، أوِ الجُذامِ فَلا يُصِيبُهم بِبَلَدِهِمْ.
عَنْ رَسُولِ اللَّهِ : «مَن قَرَأ سُورَةَ لِإيلافِ قُرَيْشٍ أعْطاهُ اللَّهُ عَشْرَ حَسَناتٍ بِعَدَدِ مَن طافَ بِالكَعْبَةِ واعْتَكَفَ بِها».»
فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)
{فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هذا البيت الذى أَطْعَمَهُم مّن جوع وآمنهم من خوف} والتنكير فى جوع وخوف لشدتهما يعني أطعمهم بالرحلتين من جوع شديد كانوا فيه قبلهما وآمنهم من خوف عظيم وهو خوف أصحاب الفيل أو خوف التخطف في بلدهم ومسايرهم وقيل كانوا قد أصابتهم شدة حتى أكلوا الجيف والعظام المحرقة آمنهم من خوف الجذام فلا يصيبهم ببلدهم وقيل ذلك كله بدعاء إبراهيم عليه السلام.
سورة الماعون
بسم الله الرحمن الرحيم {أرأيت الذي يكذب بالدين}
﴿ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ ﴾ هو الكَعْبَةُ الَّتِي حُمِيَتْ مِن أصْحابِ الفِيلِ.
وعَنْ عُمَرَ أنَّهُ صَلّى بِالنّاسِ بِمَكَّةَ عِنْدَ الكَعْبَةِ فَلَمّا قَرَأ ( لْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ ) جَعَلَ يُومِي بِإصْبَعِهِ إلَيْها وهو في الصَّلاةِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعالى.
﴿ الَّذِي أطْعَمَهُمْ ﴾ بِسَبَبِ تَيْنِكَ الرِّحْلَتَيْنِ اللَّتَيْنِ تَمَكَّنُوا مِنهُما بِواسِطَةِ كَوْنِهِمْ مِن جِيرانِهِ ﴿ مِن جُوعٍ ﴾ شَدِيدٍ كانُوا فِيهِ قَبْلَهُما، وقِيلَ أُرِيدَ بِهِ القَحْطُ الَّذِي أكَلُوا فِيهِ الجِيَفَ والعِظامَ.
﴿ وآمَنَهم مِن خَوْفٍ ﴾ عَظِيمٍ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ وهو خَوْفُ أصْحابِ الفِيلِ أوْ خَوْفُ التَّخَطُّفِ في بَلَدِهِمْ ومَسايِرِهِمْ، أوْ خَوْفُ الجُذامِ؛ كَما أخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، فَلا يُصِيبُهم في بَلَدِهِمْ فَضْلًا مِنهُ تَعالى كالطّاعُونِ.
وعَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: أطْعَمَهم مِن جُوعٍ بِدَعْوَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ قالَ: ﴿ وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ ﴾ ﴿ وآمَنَهم مِن خَوْفٍ ﴾ حَيْثُ قالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا ﴾ .
و«مِن» قِيلَ: تَعْلِيلِيَّةٌ؛ أيْ: أنْعَمَ عَلَيْهِمْ وأطْعَمَهم لِإزالَةِ الجُوعِ عَنْهم.
ويُقَدَّرُ المُضافُ لِتَظْهَرَ صِحَّةُ التَّعْلِيلِ أوْ يُقالُ: الجُوعُ عِلَّةٌ باعِثَةٌ ولا تَقْدِيرَ.
وقِيلَ: بَدَلِيَّةٌ مِثْلَها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ ﴾ وحَكى الكِرْمانِيُّ في غَرائِبِ التَّفْسِيرِ أنَّهُ قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وآمَنَهم مِن خَوْفٍ ﴾ أنَّ الخِلافَةَ لا تَكُونُ إلّا فِيهِمْ؛ وهَذا مِنَ البُطْلانِ بِمَكانٍ كَما لا يَخْفى، وقَرَأ المُسَيَّبِيُّ عَنْ نافِعٍ: «مِن خَوْفٍ» بِإخْفاءِ النُّونِ في الخاءِ، وحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ سِيبَوَيْهِ وكَذا إخْفاؤُها مَعَ العَيْنِ نَحْوَ «مِن عَلى» مَثَلًا.
واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
وهي أربع آيات مكية قوله تعالى: لِإِيلافِ قُرَيْشٍ إِيلافِهِمْ قرأ ابن عامر لإلاف قريش، بغير ياء بعد الهمزة، والباقون بياء قبلها همزة، ومعناهما واحد، وهذا موصول بما قبله.
يعني: أن الله تعالى، أهلك أصحاب الفيل لإيلاف قريش، يعني: لتقر قريش بالحرم، ويجاورون البيت.
فقال عز وجل: فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ لإيلاف قريش يعني: فعل ذلك، ليؤلف قريشاً بهاتين الرحلتين، اللتين بهما عيشهم ومقامهم بمكة.
وقال أهل اللغة: ألفت موضع كذا، أي: لزمته وألفنيه الله.
كما يقال: لزمته موضع كذا، ألزمنيه الله.
وكرر لإيلاف على معنى التأكيد، كما يقال: أعطيتك المال لصيانة وجهك، وصيانتك عن جميع الناس.
وقال مجاهد: لئلاف قريش، يعني: لنعمتي على قريش، وقال سعيد بن جبير، أذكر نعمتي على قريش، ويقال: معناه لا يشق عليهم التوحيد، كما لا يشق عليهم رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ قال مقاتل وذلك أن قريشاً، كانوا تجاراً، وكانوا يمتارون في الشتاء من الأردن وفلسطين، لأن ساحل البحر كان أدناها، فإذا كان الصيف تركوا طريق الشام، وأخذوا طريق اليمن، فشق ذلك عليهم، فقذف الله تعالى في قلوب الحبشة، حتى حملوا الطعام في السفن إلى مكة للبيع، وجعل أهل مكة يخرجون إليهم على مسيرة ليلة، ويشترون فكفاهم الله تعالى مؤونة الشتاء والصيف.
ْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ لأن رب هذا البيت، كفاهم مؤونة الخوف والجوع، فليألفوا العبادة، كما ألفوا رحلة الشتاء والصيف وقال الزجاج: كانوا يترحلون في الشتاء إلى الشام، وفي الصيف إلى اليمن.
وهذا موافق لما قال مقاتل: وقال السدي في الشتاء إلى اليمن، وفي الصيف إلى الشام، وهكذا قال القتبي.
وروي عن أبي العالية، أنه قال: كانوا لا يقيمون بمكة صيفاً ولا شتاءً، فأمرهم الله تعالى بالمقام عند البيت، في العبادة.
ويقال معناه: قل لهم يا محمد حتى يجتمعوا على الإيمان والتوحيد، وعبادة رب هذا البيت، كاجتماعهم على رحلة الشتاء والصيف لْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ يعني: سيد وخالق هذا البيت، الذي صنع هذا الإحسان إليكم، حتى يكرمكم في الآخرة، كما أكرمكم في الدنيا الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ يعني: أشبعهم بعد الجوع الذي أصابهم، حتى جهدوا وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ يعني: من خوف الجهد، والعدو الغارة.
وقال السدي آمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ يعني: من خوف الجذام، والله تعالى أعلم بالصواب.
سُورَةُ قُرَيْشٍ وَيُقالُ لَها: سُورَةُ لِإيلافِ وَفِيها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: مَكِّيَّةٌ، قالَهُ الجُمْهُورُ.
والثّانِي: مَدَنِيَّةٌ، قالَهُ الضَّحّاكُ، وابْنُ السّائِبِ.
واخْتَلَفَ القُرّاءُ في " لِإيلافِ " فَقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " لِإلافِ " بِغَيْرِ ياءٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ، مِثْلُ: لِعِلافٍ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بِياءٍ ساكِنَةٍ مِن غَيْرِ هَمْزٍ.
ورَوى حَمّادُ بْنُ أحْمَدَ عَنِ الشَّمُونِيِّ بِهَمْزَتَيْنِ مُخَفَّفَتَيْنِ، الأُولى: مَكْسُورَةٌ، والثّانِيَةُ: ساكِنَةٌ عَلى وزْنٍ لِعِعْلافِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِهَمْزَةٍ بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ، مِثْلُ لِعِيلافِ.
وَفِي لامِ " لِإيلافِ " ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: مَوْصُولَةٌ بِما قَبْلَها، المَعْنى: ﴿ فَجَعَلَهم كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ﴾ ﴿ لإيلافِ قُرَيْشٍ ﴾ ، أيْ: أهْلَكَ اللَّهُ أصْحابَ الفِيلِ لِتَبْقى قُرَيْشٌ.
وما قَدْ ألِفُوا مِن رِحْلَةِ الشِّتاءِ، والصَّيْفِ [هَذا قَوْلُ الفَرّاءِ والجُمْهُورِ.
والثّانِي: أنَّها لامُ التَّعَجُّبِ، كَأنَّ المَعْنى: اعْجَبُوا لِإيلافِ قُرَيْشٍ رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ]، وتَرْكِهِمْ عِبادَةَ رَبِّ هَذا البَيْتِ، قالَهُ الأعْمَشُ، والكِسائِيُّ.
والثّالِثُ: أنَّ مَعْناها مُتَّصِلٌ بِما بَعْدَها.
المَعْنى: فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ لِإيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ، لِأنَّهم كانُوا في الرِّحْلَتَيْنِ آمِنِينَ، فَإذا عَرَضَ لَهم عارِضٌ قالُوا: نَحْنُ أهْلُ حَرَمِ اللَّهِ فَلا يُتَعَرَّضُ لَهُمْ، قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا الوَجْهُ قَوْلُ النَّحْوِيِّينَ الَّذِينَ تُرْتَضى أقْوالُهم.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: بَعْضُ النّاسِ يَذْهَبُ إلى أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ وسُورَةَ الفِيلِ واحِدَةٌ، وأكْثَرُ النّاسِ عَلى أنَّهُما سُورَتانِ، وإنْ كانَتا مُتَّصِلَتَيِ الألْفاظِ.
والمَعْنى: إنَّ قُرَيْشًا كانْتْ بِالحَرَمِ آمِنَةً مِنَ الأعْداءِ.
والحَرَمُ وادٍ جَدِيبٌ لا زَرْعَ فِيهِ ولا شَجَرَ، وإنَّما كانَتْ قُرَيْشٌ تَعِيشُ فِيهِ بِالتِّجارَةِ وكانَتْ لَهم رِحْلَتانِ في كُلِّ سَنَةٍ، رِحْلَةٌ في الشِّتاءِ، ورِحْلَةٌ في الصَّيْفِ إلى الشّامِ.
ولَوْلا هاتانِ الرِّحْلَتانِ لَمْ يَكُنْ بِهِ مُقامٌ.
ولَوْلا أنَّهم بِمُجاوَرَةِ البَيْتِ لَمْ يَقْدِرُوا عَلى التَّصَرُّفِ، فَلَمّا قَصَدَ أصْحابُ الفِيلِ هَدْمَ الكَعْبَةِ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ لِتُقِيمَ قُرَيْشٌ بِالحَرَمِ، فَذَكَّرَهُمُ اللَّهُ نِعْمَتَهُ بِالسُّورَتَيْنِ.
والمَعْنى: أنَّهُ أهْلَكَ أُولَئِكَ لِيُؤَلِّفَ قُرَيْشًا هاتَيْنِ الرِّحْلَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بِهِما مَعاشُهُمْ، ومَقامُهم بِمَكَّةَ.
تَقُولُ: ألِفْتُ مَوْضِعَ كَذا: إذا لَزِمْتَهُ، وألَّفَنِيهِ اللَّهُ، كَما تَقُولُ: لَزِمْتُ مَوْضِعَ كَذا وكَذا، وألْزَمَنِيهِ اللَّهُ، وكَرَّرَ " لِإيلافِ " لِلتَّوْكِيدِ، كَما تَقُولُ أعْطَيْتُكَ المالَ لِصِيانَةِ وجْهِكَ صِيانَتِهِ عَنْ كُلِّ النّاسِ.
قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: ألِفْتُ المَكانَ أُلْفًا، وآلَفْتُهُ إيلافًا بِمَعْنًى واحِدٍ.
وَأمّا قُرَيْشٌ فَهم ولَدُ النَّضْرِ بْنِ كِنانَةَ، وكُلُّ مَن لَمْ يَلِدْهُ النَّضْرُ فَلَيْسَ بِقُرَشِيٍّ.
وقِيلَ: هم مِن ولَدِ فِهْرِ بْنِ مالِكِ بْنِ النَّضْرِ، فَمَن لَمْ يَلِدْهُ فَهْرٌ فَلَيْسَ بِقُرَشِيٍّ.
وإنَّما سُمُّوا قُرَيْشًا لِتِجارَتِهِمْ وجَمْعِهِمُ المالَ.
والقَرْشُ: الكَسْبُ.
يُقالُ: هو يَقْرِشُ لِعِيالِهِ، ويَقْتَرِشُ، أيْ: يَكْتَسِبُ.
وقَدْ سَألَ مُعاوِيَةُ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ: لِمَ سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشًا؟
فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِدابَّةٍ تَكُونُ في البَحْرِ يُقالُ لَها: القُرَيْشُ لا تَمُرُّ بِشَيْءٍ مِنَ الغَثِّ والسَّمِينِ إلّا أكَلَتْهُ.
وأنْشَدَ: وقُرَيْشٌ هي الَّتِي تَسْكُنُ البَحْـ - ـرَ بِها سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشا وَقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: قالَ قَوْمٌ: سُمُّوا قُرَيْشًا بِالِاقْتِراشِ، وهو وُقُوعُ الرِّماحِ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ.
قالَ الشّاعِرُ: ولَمّا دَنا الرّاياتُ واقْتَرَشَ القَنا ∗∗∗ وطارَ مَعَ القَوْمِ القُلُوبُ الرَّواجِفُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إيلافِهِمْ ﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وابْنُ فُلَيْحٍ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، والوَلِيدُ ابْنُ عُتْبَةَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، والتَّغْلِبِيُّ عَنِ ابْنِ ذَكْوانَ، عَنْهُ " إلافِهِمْ " بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ مِن غَيْرِ ياءٍ بَعْدَها، مِثْلُ: عِلافِهِمْ.
ورَوى الخُزاعِيُّ عَنِ ابْنِ فُلَيْحٍ، وأبانُ ابْنُ تَغْلِبَ عَنْ عاصِمٍ " إلْفِهِمْ " بِسُكُونِ اللّامِ أيْضًا.
ورَواهُ الشَّمُونِيُّ إلّا حَمّادًا بِهَمْزَتَيْنِ مَكْسُورَتَيْنِ بَعْدَهُما ياءٌ ساكِنَةٌ، ورَواهُ حَمّادٌ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ حَذَفَ الياءَ.
وقَرَأ الباقُونَ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ مِثْلُ " عِيلافِهِمْ " .
وجُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى أنَّ الرِّحْلَتَيْنِ كانَتا لِلتِّجارَةِ، وكانُوا يَخْرُجُونَ إلى الشّامِ في الصَّيْفِ، وإلى اليَمَنِ في الشِّتاءِ لِشِدَّةِ بَرْدِ الشّامِ، ورَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانُوا يَشْتُونَ بِمَكَّةَ، ويُصَيِّفُونَ بِالطّائِفِ.
قالَ الفَرّاءُ: والرِّحْلَةُ مَنصُوبَةٌ بِإيقاعِ الفِعْلِ عَلَيْها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ ﴾ أيْ: لِيُوَحِّدُوهُ ﴿ الَّذِي أطْعَمَهم مِن جُوعٍ ﴾ أيْ: بَعْدَ الجُوعِ، كَما تَقُولُ: كَسَوْتُكَ مِن عُرْيٍ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى آمَنَهم بِالحَرَمِ، فَلَمْ يُتَعَرَّضْ لَهم في رِحْلَتِهِمْ، فَكانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِإطْعامِهِمْ بَعْدَما كانُوا فِيهِ مِنَ الجُوعِ.
ورَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانُوا في ضُرٍّ ومَجاعَةٍ حَتّى جَمَعَهم هاشِمٌ عَلى الرِّحْلَتَيْنِ، فَكانُوا يُقَسِّمُونَ رِبْحَهم بَيْنَ الغَنِيِّ والفَقِيرِ حَتّى اسْتَغْنَوْا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَآمَنَهم مِن خَوْفٍ ﴾ وذَلِكَ أنَّهم كانُوا آمِنِينَ بِالحَرَمِ، إنْ حَضَرُوا حَماهُمْ، وإنْ سافَرُوا قِيلَ: هَؤُلاءِ أهْلُ الحَرَمِ، فَلا يَعْرِضُ لَهم أحَدٌ.
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ قُرَيْشٍ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ لإيلافِ قُرَيْشٍ ﴾ ﴿ إيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِتاءِ والصَيْفِ ﴾ ﴿ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ ﴾ ﴿ الَّذِي أطْعَمَهم مِن جُوعٍ وآمَنَهم مِن خَوْفٍ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "لِإيلافِ قُرَيْشٍ إيلافِهِمْ" عَلى "إفْعالٍ" والهَمْزَةُ الثانِيَةُ ياءٌ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "لِإلَآفِ" عَلى "فِعالٍ" "إيلافِهِمْ"، عَلى إفْعالٍ بِياءٍ في الثانِيَةِ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ بِهَمْزَتَيْنِ فِيهِما، الثانِيَةُ ساكِنَةٌ قالَ أبُو عَلِيٍّ: وتَحْقِيقُ عاصِمٍ هاتَيْنِ الهَمْزَتَيْنِ لا وجْهَ لَهُ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ "إلْفِهِمْ" بِلامٍ ساكِنَةٍ.
و"قُرَيْشٍ": ولَدُ النَضِرِ بْنِ كِنانَةَ، والتَقَرُّشُ: التَكَسُّبُ، تَقُولُ العَرَبُ "ألِفَ الرَجُلُ الأمْرَ وآلَفَهُ غَيْرُهُ إيّاهُ"، فاللهُ تَعالى آلَفَ قُرَيْشًا أيْ: جَعَلَهم يَأْلَفُونَ رِحْلَتَيْنِ في العامِ، واحِدَةٌ في الشِتاءِ وأُخْرى في الصَيْفِ، ويُقالُ أيْضًا: "ألِفَ" بِمَعْنى "آلَفَ"، وأنْشَدَ أبُو زَيْدٍ: مِنَ المُؤْلِفاتِ الرَمْلِ أدْماءُ حُرَّةٌ شُعاعُ الضُحى في جِيدِها يَتَوَضَّحُ فَإلْفٌ وإلافٌ مَصْدَرُ "ألِفَ"، وإيلافٌ مَصْدَرُ "آلَفُ"، قالَ بَعْضُ الناسِ: كانَتِ الرِحْلَتانِ إلى الشامِ في التِجارَةِ وقِيلَ الأرْباحُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: سِفْرَيْنِ سَنَّهُما لَهُ ولِغَيْرِهِ ∗∗∗ سَفَرُ الشِتاءِ ورِحْلَةُ الأصْيافِ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَتْ رِحْلَةَ الشِتاءِ إلى اليَمَنِ، ورِحْلَةَ الصَيْفِ إلى بُصَرى مِن أرْضِ الشامِ.
قالَ أبُو صالِحٍ: كانَتا جَمِيعًا إلى الشامِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: كانُوا يَرْحَلُونَ في الصَيْفِ إلى الطائِفِ حَيْثُ الماءُ والظِلُّ، ويَرْحَلُونَ في الشِتاءِ إلى مَكَّةَ لِلتِّجارَةِ وسائِرِ أغْراضِهِمْ، فَهاتانِ رِحْلَتا الشِتاءِ والصَيْفِ، قالَ الخَلِيلُ بْنُ أحْمَدَ: فَمَعْنى الآيَةِ: لِأنَّ اللهَ تَعالى فَعَلَ بِقُرَيْشٍ هَذا ومَكَّنَهم مِن إلْفِهِمْ هَذِهِ النِعْمَةَ لْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذِكْرُ "البَيْتِ" هُنا مُتَمَكِّنٌ لِتَقَدُّمِ حِمايَتِهِ في السُورَةِ الَّتِي قَبْلَها.
وقالَ الأخْفَشُ وغَيْرُهُ: قَوْلُهُ تَعالى: "لِإيلافِ قُرَيْشٍ" مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَجَعَلَهم كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ﴾ .
أيْ: لِيَفْعَلَ بِقُرَيْشٍ هَذِهِ الأفاعِيلَ الجَمِيلَةَ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: مَعْنى الآيَةِ: اعْجَبُوا لِإيلافِ قُرَيْشٍ هَذِهِ الأسْفارَ وإعْراضِهِمْ عن عِبادَةِ اللهِ ثُمَّ أمَرَهم تَعالى بِالعِبادَةِ بَعْدُ، وأعْلَمَهم أنَّ اللهَ هو الَّذِي أطْعَمَهم وآمَنَهم لا سَفَرَهُمْ، والمَعْنى: فَلْيَعْبُدُوا الَّذِي أطْعَمَهم بِدَعْوَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ حَيْثُ قالَ: ﴿ وارْزُقْهم مِنَ الثَمَراتِ ﴾ ، وآمَنُهم بِدَعْوَتِهِ حَيْثُ قالَ: ﴿ رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا ﴾ ، ولا تَشْتَغِلُوا بِالأسْفارِ فَإنَّها طَلَبُ كَسْبٍ وعَرْضِ دُنْيا.
وقالَ النَقّاشُ: كانَتْ لَهم أرْبَعُ رِحَلٍ، وهَذا قَوْلٌ مَرْدُودٌ، وقالَ عِكْرِمَةُ: مَعْنى الآيَةِ كَما ألِفُوا هاتَيْنِ الرِحْلَتَيْنِ لِدُنْياهم فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ لِآخِرَتِهِمْ، وقالَ قَتادَةُ: إنَّما عُدِّدَتْ عَلَيْهِمُ الرِحْلَتانِ لِأنَّهم كانُوا يَأْمَنُونَ مِنَ الناسِ في سَفَرِهِمْ، والناسُ يُغِيرُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، ولا يُمْكِنُ قَبِيلًا مِنَ العَرَبِ أنْ يَرْحَلَ آمِنًا كَما تَفْعَلُ قُرَيْشٌ، فالمَعْنى: فَلْيَعْبُدُوا الَّذِي خَصَّهم بِهَذِهِ الحالِ فَأطْعَمَهم وآمَنَهم.
وَقَوْلُهُ تَعالى: "مِن جُوعٍ" مَعْناهُ أنَّ أهْلَ مَكَّةَ قاطِنُونَ بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عُرْضَةً لِلْجُوعِ والجَدْبِ لَوْلا لُطْفُ اللهِ تَعالى وأنْ جَعَلَها بِدَعْوَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ تُجْبى إلَيْها ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: مِن خَوْفٍ أيٍ جَعَلَهم لِحُرْمَةِ البَيْتِ مُفَضَّلِينَ عِنْدَ العَرَبِ يَأْمَنُونَ والناسُ خائِفُونَ، ولَوْلا فَضْلُ اللهِ تَعالى في ذَلِكَ لَكانُوا بِمَدْرَجِ المَخاوِفِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَحّاكُ: "آمَنَهم مِن خَوْفٍ" مَعْناهُ مِنَ الجُذامِ فَلا تَرى بِمَكَّةَ مَجْذُومًا.
كَمُلَ تَفْسِيرُ [سُورَةِ قُرَيْشٍ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ
افتتاح مُبدع إذ كان بمجرور بلام التعليل وليس بإثْره بالقرب ما يصلح للتعليق به ففيه تشويق إلى متعلق هذا المجرور.
وزاده الطول تشويقاً إذ فصل بينه وبين متعلَّقه (بالفتح) بخمس كلمات، فيتعلق ﴿ لإيلاف ﴾ بقوله: ﴿ فليعبدوا ﴾ .
وتقديم هذا المجرور للاهتمام به إذ هو من أسباب أمرهم بعبادة الله التي أعرضوا عنها بعبادة الأصنام والمجرور متعلق بفعل «ليعبدوا».
وأصل نظم الكلام: لتَعْبُدْ قريشٌ ربَّ هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف لإيلافهم رحلة الشتاء والصيف، فلما اقتضى قصدُ الاهتمام بالمعمول تقديمه على عامله، تولَّدَ من تقديمه معنى جعله شرطاً لعامله فاقترن عامله بالفاء التي هي من شأن جواب الشرط، فالفاء الداخلة في قوله: ﴿ فليعبدوا ﴾ مؤذنة بأن ما قبلها في قوة الشرط، أي مؤذنة بأن تقديم المعمول مقصود به اهتمام خاص وعناية قوية هي عناية المشترط بشرطه، وتعليق بقية كلامه عليه لما ينتظره من جوابه، وهذا أسلوب من الإِيجاز بديع.
قال في «الكشاف»: دخلت الفاء لما في الكلام من معنى الشرط لأن المعنى إمَّا لاَ فليعبدوه لإِيلافهم، أي أن نعم الله عليهم لا تحصى فإن لم يعبدوه لسائر نعمه فليعبدوه لهذه الواحدة التي هي نعمة ظاهرة اه.
وقال الزجاج في قوله تعالى: ﴿ وربك فكبر ﴾ [المدثر: 3] دخلت الفاء لمعنى الشرط كأنه قيل: وما كان فلا تَدَعْ تكبيره اه.
وهو معنى ما في «الكشاف».
وسكتا عن منشإ حصول معنى الشرط وذلك أن مثل هذا جار عند تقديم الجار والمجرور، ونحوه من متعلقات الفعل وانظر قوله تعالى: ﴿ وإياي فارهبون ﴾ في سورة البقرة (40)، ومنه قوله تعالى: ﴿ فبذلك فليفرحوا ﴾ في سورة يونس (58) وقوله: ﴿ فلذلك فادع واستقم ﴾ في سورة الشورى (15).
وقول النبي للذي سأله عن الجهاد فقال له: ألك أبوان؟
فقال: نعم.
قال: ففيهما فجاهدْ.
ويجوز أن تجعل اللام متعلقة بفعل (اعْجَبوا) محذوفاً ينبئ عنه اللام لكثرة وقوع مجرور بها بعد مادة التعجب، يقال: عجباً لك، وعجباً لتلك قضية، ومنه قول امرئ القيس: فيا لَكَ من ليل لأن حرف النداء مراد به التعجب فتكون الفاء في قوله: فليعبدوا} تفريعاً على التعجيب.
وجوّز الفراء وابن إسحاق في «السيرة» أن يكون ﴿ لإيلاف قريش ﴾ متعلقاً بما في سورة الفيل (5) من قوله: ﴿ فجعلهم كعصف مأكول ﴾ قال القرطبي: وهو معنى قول مجاهد ورواية ابن جبير عن ابن عباس.
قال الزمخشري: وهذا بمنزلة التضمين في الشعر وهو أن يتعلق معنى البيت بالذي قبله تعلقاً لا يصح إلاّ به ا ه.
يعنون أن هذه السورة وإن كانت سورة مستقلة فهي ملحقة بسورة الفيل فكما تُلحق الآية بآية نزلت قبلها، تلحق آيات هي سورة فتتعلق بسورة نزلت قبلها.
والإِيلاف: مصدر أألف بهمزتين بمعنى ألف وهما لغتان، والأصل هو ألف، وصيغة الإِفعال فيه للمبالغة لأن أصلها أن تدل على حصول الفعل من الجانبين، فصارت تستعمل في إفادة قوة الفعل مجازاً، ثم شاع ذلك في بعض الأفعال حتى ساوى الحقيقة مثل سَافَر، وعافَاه الله، وقاتَلَهُم الله.
وقرأه الجمهور في الموضعين لإيلاف } بياء بعد الهمزة وهي تخفيف للهمزة الثانية.
وقرأ ابن عامر «لإلاف» الأول بحذف الياء التي أصلها همزة ثانية، وقرأه ﴿ إيلافهم ﴾ بإثبات الياء مثل الجمهور.
وقرأ أبو جعفر «لِيلاَف قريش» بحذف الهمزة الأولى.
وقرأ «إلافهم» بهمزة مكسورة من غير ياء.
وذكر ابن عطية والقرطبي أن أبا بكر عن عاصم قرأ بتحقيق الهمزتين في «لإِأَلاَفِ» وفي «إِأَلافهم»، وذكر ابن عطية عن أبي علي الفارسي أن تحقيق الهمزتين لا وجه له.
قلت: لا يوجد في كتب القراءات التي عرفناها نسبة هذه القراءة إلى أبي بكر عن عاصم.
والمعروف أن عاصماً موافق للجمهور في جعل ثانية الهمزتين ياء، فهذه رواية ضعيفة عن أبي بكر عن عاصم.
وقد كُتب في المصحف «إلافهم» بدون ياء بعد الهمزة وأما الألف المدّة التي بعد اللام التي هي عين الكلمة فلم تكتب في الكلمتين في المصحف على عادة أكثر المدَّات مثلها، والقراءات روايات وليس خط المصحف إلا كالتذكرة للقارئ، ورسم المصحف سُنّة متَّبعة سنَّها الصحابة الذين عُيّنوا لنسخ المصاحف وإضافة «إيلاف» إلى ﴿ قريش ﴾ على معنى إضافة المصدر إلى فاعله وحذف مفعوله لأنه هنا أطلق بالمعنى الاسمي لتلك العادة فهي إضافة معنوية بتقدير اللام.
وقريش: لقب الجد الذي يجمع بطوناً كثيرة وهو فهر بن مالك بن النضر بن كِنانة.
هذا قول جمهور النّسابين وما فوق فِهر فهم من كنانة، ولُقِّب فهرٌ بلقب قريش بصيغة التصغير وهو على الصحيح تصغير قَرْش (بفتح القاف وسكون الراء وشين معجمة) اسم نوع من الحوت قوي يعدو على الحيتان وعلى السفن.
وقال بعض النسابين: إن قريشاً لقب النضر بن كنانة.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم " أنه سئل منْ قريشٌ؟
فقال: مَنْ وَلَدَ النضْرُ ".
وفي رواية أنه قال: " إنّا وَلَدُ النضر بن كنانة لا نقفو أمَّنا ولا ننتفي من أبينا ".
فجميع أهل مكة هم قريش وفيهم كانت مناصب أهل مكة في الجاهلية موزعة بينهم وكانت بنو كنانة بخِيف منى.
ولهم مناصب في أعمال الحج خاصة منها النَّسِيء.
وقوله: ﴿ إيلافهم ﴾ عطف بيان من «إيلاف قريش» وهو من أسلوب الإجمال، فالتفصيل للعناية بالخبر ليتمكن في ذهن السامع ومنه قوله تعالى: ﴿ لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات ﴾ [غافر: 36] حكاية لكلام فرعون، وقول امرئ القيس: ويومَ دخلتُ الخِدْرَ خِدْرَ عُنَيْزَة *** والرحلة بكسر الراء: اسم للارتحال، وهو المسير من مكان إلى آخر بعيد، ولذلك سمي البعير الذي يسافَر عليه راحلة.
وإضافة رحلة إلى الشتاء من إضافة الفعل إلى زمانه الذي يقع فيه فقد يكون الفعل مستغرقاً لزمانه مثل قَولك: سَهَر الليل، وقد يكون وقتاً لابتدائه مثل صلاة الظهر، وظاهر الإِضافة أن رحلة الشتاء والصيف معروفة معهودة، وهما رحلتان.
فعطف ﴿ والصيف ﴾ على تقدير مضاف، أي ورحلة الصيف، لظهور أنه لا تكون رحلة واحدة تبتدأ في زمانين فتعين أنهما رحلتان في زمنين.
وجوز الزمخشري أن يَكون لفظ ﴿ رحلة ﴾ المفرد مضافاً إلى شيئين لظهور المراد وأمن اللبس.
وقال أبو حيان: هذا عند سيبويه لا يجوز إلا في الضرورة.
و ﴿ الشتاء ﴾ : اسم لفصل من السنة الشمسية المقسمة إلى أربعة فصول.
وفصل الشتاء تسعة وثمانون يوماً وبضع دقائق مبدؤها حلول الشمس في برج الجَدْي، ونهايتها خروج الشمس من بُرج الحوت، وبروجه ثلاثة: الجَدْي، والدَّلْوُ، والحوت.
وفصل الشتاء مُدة البرد.
و ﴿ الصيف ﴾ : اسم لفصل من السنة الشمسية، وهو زمن الحرّ ومدته ثلاثة وتسعون ويوماً وبضع ساعات، مبدؤها حلول الشمس في برج السَرَطان ونهايته خروج الشمس من برج السُّنْبُلَة، وبروجه ثلاثة: السرطان، والأسد، والسنبلة.
قال ابن العربي: قال مالك: الشتاء نصف السنة والصيف نصفها ولم أزل أرى ربيعة ابن أبي عبد الرحمان ومن معه لا يخلعون عمائمهم حتى تطلع الثريا (يعني طلوع الثريا عند الفجر وذلك أول فصل الصيف) وهو اليوم التاسع عشر من (بشنس) وهو يوم خمسة وعشرين من عدد الروم أو الفرس اه.
وشهر بشنس هو التاسع من أشهر السنة القبطية المجزأة إلى اثني عشر شهراً.
وشهر بشنس يبتدئ في اليوم السادس والعشرين من شهر نيسان (أبريل) وهو ثلاثون يوماً ينتهي يوم 25 من شهر (أيار مايه).
وطلوع الثريا عند الفجر وهو يوم تسعة عشر من شهر بشنس من أشهر القبط.
قال أيمة اللغة: فالصيف عند العامة نصف السنة وهو ستة أشهر والشتاء نصف السنة وهو ستة أشهر.
والسنة بالتحقيق أربعة فصول: الصيف: ثلاثة أشهر، وهو الذي يسميه أهل العراق وخراسان الربيع، ويليه القَيْظ ثلاثة أشهر، وهو شدة الحر، ويليه الخريف ثلاثة أشهر، ويليه الشتاء ثلاثة أشهر.
وهذه الآية صالحة للاصطلاحين.
واصطلاح علماء الميقات تقسيم السنة إلى ربيع وصيف وخريف وشتاء، ومبدأ السنة الربيع هو دخول الشمس في بُرج الحَمَل، وهاتان الرحلتان هما رحلتا تجارة ومِيرة كانت قريش تجهزهما في هذين الفصلين من السنة إحداهما في الشتاء إلى بلاد الحبشة ثم اليمن يبلغون بها بلاد حمير، والأخرى في الصيف إلى الشام يبلغون بها مدينة بُصرى من بلاد الشام.
وكان الذين سنّ لهم هاتين الرحلتين هاشم بن عبد مناف، وسبب ذلك أنهم كانوا تعتريهم خصاصة فإذا لم يجد أهل بيت طعاماً لقوتهم حمل ربُّ البيت عياله إلى موضع معروف فضرب عليهم خباء وبقوا فيه حتى يموتوا جوعاً ويسمى ذلك الاعتفار (بالعين المهملة وبالراء وقيل بالدال عوض الراء وبفاء) فحدث أن أهل بيت من بني مخزوم أصابتهم فاقة شديدة فهموا بالاعتفار فبلغ خبرهم هاشماً لأن أحد أبنائهم كان تِرباً لأسد بن هاشم، فقام هاشم خطيباً في قريش وقال: إنكم أحدثتم حدثاً تقِلون فيه وتكثر العرب وتذلون وتعزّ العرب وأنتم أهل حرم الله والناس لكم تُبّع ويكاد هذا الاعتفار يأتي عليكم، ثم جمع كل بني أب على رحلتين للتجارات فما ربح الغني قسمه بينه وبين الفقير من عشيرته حتى صار فقيرهم كغنيهم، وفيه يقول مطرود الخزاعي: يا أيها الرجُلُ المحوِّل رَحْله *** هلا نزلتَ بآل عبد مناف الآخذون العُهد من آفاقها *** والراحلون لرِحلة الإِيلاف والخالطون غنِيّهم بفقيرهم *** حتى يصير فقيرهم كالكافي ولم تزل الرحلتان من إيلاف قريش حتى جاء الإِسلام وهم على ذلك.
والمعروف المشهور أن الذي سنّ الإِيلاف هو هاشم، وهو المروي عن ابن عباس، وذكر ابن العربي عن الهروي: أن أصحاب الإِيلاف هاشم، وإخوته الثلاثة الآخرون عبدُ شمس، والمطلب، ونوفل، وأن كان واحد منهم أخذ حبلاً، أي عهداً من أحد الملوك الذين يمرون في تجارتهم على بلادهم وهم مَلِك الشام، وملك الحَبشة، وملك اليمن، ومَلِك فارس، فأخذ هاشم هذا من ملك الشام وهو ملك الروم، وأخذ عبد شمس من نجاشي الحبشة وأخذ المطلب من ملك اليمن وأخذ نوفل من كسرى ملك فارس، فكانوا يجعلون جُعلاً لرؤساء القبائل وسادات العشائر يسمى الإيلاف أيضاً يعطونهم شيئاً من الربح ويحملون إليهم متاعاً ويسوقون إليهم إبلاً مع إبلهم ليكفوهم مؤونة الأسفار وهم يكفون قريش دفع الأعداء فاجتمع لهم بذلك أمن الطريق كله إلى اليمن وإلى الشام وكانوا يسمَّوْن المُجِيرين.
وقد توهم النقاش من هذا أن لكل واحد من هؤلاء الأربعة رحلة فزعم أن الرِحَل كانت أربعاً، قال ابن عطية: وهذا قول مردود، وصدق ابن عطية، فإن كون أصحاب العهد الذي كان به الإِيلاف أربعة لا يقتضي أن تكون الرحلات أربعاً، فإن ذلك لم يقله أحد، ولعل هؤلاء الأخوة كانوا يتداولون السفر مع الرحلات على التناوب لأنهم المعروفون عند القبائل التي تمر عليهم العِير، أو لأنهم توارثوا ذلك بعد موت هاشم فكانت تضاف العِير إلى أحدهم كما أضافوا العير التي تَعرّض المسلمون لها يوم بدر عيرَ أبي سفيان إذ هو يومئذ سيد أهل الوادي بمكة.
ومعنى الآية تذكير قريش بنعمة الله عليهم إذ يسر لهم ما لم يتأت لغيرهم من العرب من الأمن من عدوان المعتدين وغارات المغيرين في السنة كلها بما يسر لهم من بناء الكعبة وشرعة الحج وأن جعلهم عمار المسجد الحرام وجعل لهم مهابة وحرمة في نفوس العرب كلهم في الأشهر الحرم وفي غيرها.
وعند القبائل التي تحرِّم الأشهر الحُرم والقبائللِ التي لا تحرّمها مثل طيء وقضاعة وخثعم، فتيسرت لهم الأسفار في بلاد العرب من جنوبها إلى شمالها، ولاذ بهم أصحاب الحاجات يسافرون معهم، وأصحاب التجارات يحمِّلونهم سلعهم، وصارت مكة وسطاً تُجلب إليها السلع من جميع البلاد العربية فتوزع إلى طالبيها في بقية البلاد، فاستغنى أهل مكة بالتجارة إذ لم يكونوا أهل زرع ولا ضرع إذ كانوا بوادٍ غير ذي زرع وكانوا يجلبون أقواتهم فيجلبون من بلاد اليمن الحبوب من بُرّ وشعير وذُرة وزبيب وأديم وثياب والسيوف اليمانية، ومن بلاد الشام الحبوب والتمر والزيت والزبيب والثياب والسيوف المشرفية، زيادة على ما جعل لهم مع معظم العرب من الأشهر الحرم، وما أقيم لهم من مواسم الحج وأسواقه كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿ فليعبدوا رب هذا البيت ﴾ .
فذلك وجه تعليل الأمر بتوحيدهم الله بخصوص نعمة هذا الإِيلاف مع أن لله عليهم نعماً كثيرة لأن هذا الإِيلاف كان سبباً جامعاً لأهم النعم التي بها قوام بقائهم.
وقد تقدم آنفاً الكلام على معنى الفاء من قوله: ﴿ فليعبدوا رب هذا البيت ﴾ على الوجوه كلها.
والعبادة التي أُمروا بها عبادة الله وحده دون إشراك الشركاء معه في العبادة لأن إشراك من لا يستحق العبادة مع الله الذي هو الحقيق بها ليس بعبادة أو لأنهم شُغلوا بعبادة الأصنام عن عبادة الله فلا يذكرون الله إلا في أيام الحج في التلبية على أنهم قد زاد بعضهم فيها بعد قولهم: لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تَملِكُه ومَا مَلَك.
وتعريف ﴿ رب ﴾ بالإضافة إلى ﴿ هذا البيت ﴾ دون أن يقال: فليعبدوا الله لما يومئ إليه لفظ ﴿ رب ﴾ من استحقاقه الإِفراد بالعبادة دون شريك.
وأوثر إضافة ﴿ رب ﴾ إلى ﴿ هذا البيت ﴾ دون أن يقال: ربهم للإِيماء إلى أن البيت هو أصل نعمة الإِيلاف بأن أمر إبراهيم ببناء البيت الحرام فكان سبباً لرفعة شأنهم بين العرب قال تعالى: ﴿ جعل اللَّه الكعبة البيت الحرام قياماً للناس ﴾ [المائدة: 97] وذلك إدماج للتنويه بشأن البيت الحرام وفضله.
والبيت معهود عند المخاطبين.
والإِشارة إليه لأنه بذلك العهد كان كالحاضر في مقام الكلام على أن البيت بهذا التعريف باللام صار علماً بالغلبة على الكعبة، و«رب البيت» هو الله والعرب يعترفون بذلك.
وأجري وصف الرب بطريقة الموصول ﴿ الذي أطعمهم من جوع ﴾ لما يؤذن به من التعليل للأمر بعبادة رب البيت الحرام بعلة أخرى زيادة على نعمة تيسير التجارة لهم، وذلك مما جعلهم أهل ثراء، وهما نعمة إطعامهم وأمنهم.
وهذا إشارة إلى ما يُسّر لهم من ورود سفن الحبشة في البحر إلى جدة تحمل الطعام ليبيعوه هناك.
فكانت قريش يخرجون إلى جدة بالإِبل والحمر فيشترون الطعام على مسيرة ليلتين.
وكان أهل تبالة وجُرَش من بلاد اليمن المخصبة يحملون الطعام على الإِبل إلى مكة فيباع الطعام في مكة فكانوا في سعة من العيش بوفر الطعام في بلادهم، وكذلك يسر لهم إقامة الأسواق حول مكة في أشهر الحج وهي سوق مجنَّة، وسوق ذي المَجاز، وسوق عُكاظ، فتأتيهم فيها الأرزاق ويتسع العيش، وإشارة إلى ما ألقي في نفوس العرب من حرمة مكة وأهلها فلا يريدهم أحد بتخويف.
وتلك دعوة إبراهيم عليه السلام إذ قال: ﴿ رب اجعل هذا بلداً آمناً وارزق أهله من الثمرات ﴾ [البقرة: 136] فلم يتخلف ذلك عنهم إلا حين دعا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم بدعوته: «اللهم اجعلها عليهم سنين كسنين يوسف» فأصابتهم مجاعة وقحط سبع سنين وذلك أوّل الهجرة.
و ﴿ مِن ﴾ الداخلة على ﴿ جوع ﴾ وعلى ﴿ خوف ﴾ معناها البدلية، أي أطعمهم بدلاً من الجوع وآمنهم بدلاً من الخوف.
ومعنى البدلية هو أن حالة بلادهم تقتضي أن يكون أهلها في جوع فإطعامُهم بدلٌ من الجوع الذي تقتضيه البلاد، وأن حالتهم في قلة العدد وكونهم أهل حضر وليسوا أهل بأس ولا فروسية ولا شكَّة سلاح تقتضي أن يكونوا معرضين لغارات القبائل فجعل الله لهم الأمن في الحرم عوضاً عن الخوف الذي تقتضيه قلتهم قال تعالى: ﴿ أولم يروا أنا جعلنا حرماً آمناً ويتخطف الناس من حولهم ﴾ [العنكبوت: 67].
وتنكير ﴿ جوع ﴾ و ﴿ خوف ﴾ للنوعية لا للتعظيم إذ لم يحلّ بهم جوع وخوف من قبلُ، قال مساور بن هند في هجاء بني أسد: زعمتم أن إخوتَكم قريش *** لهم إِلْفٌ وليس لكم إِلاَف أولئك أُومِنوا جُوعاً وخَوفاً *** وقد جاعت بنو أسد وخافوا
سُورَةُ قُرَيْشٍ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الأكْثَرِينَ، ومَدِنِيَّةٌ في قَوْلِ الضَّحّاكِ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى ﴿ لإيلافِ قُرَيْشٍ ﴾ الإيلافُ مَأْخُوذٌ مِن ألِفَ يَأْلَفُ، وهي العادَةُ المَأْلُوفَةُ، ومِنهُ قَوْلُهُمُ ائْتَلَفَ القَوْمُ.
وَفي قَوْلِهِ ﴿ لإيلافِ قُرَيْشٍ ﴾ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: نِعْمَتِي عَلى قُرَيْشٍ، لِأنَّ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أنْ ألَّفَهُ لَهم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ.
الثّانِي: لِإيلافِ اللَّهِ لَهم لِأنَّهُ آلَفُهم إيلافًا، قالَهُ الخَلِيلُ بْنُ أحْمَدَ.
الثّالِثُ: لِإيلافِ قُرَيْشٍ حَرَمِي وقِيامِهِمْ بِبَيْتِي، وهَذا مَعْنى قَوْلِ الحَسَنِ.
الرّابِعُ: لِإيلافِ ما ذَكَرَهُ مِن رِحْلَةِ الشِّتاءِ والصَّيْفِ في مَعايِشِهِمْ، قالَهُ مَكْحُولٌ.
وَفي اللّامِ الَّتِي في ﴿ لإيلافِ قُرَيْشٍ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ صِلَةٌ يَرْجِعُ إلى السُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ مِن قَوْلِهِمْ ﴿ ألَمْ تَرَ كَيْفَ ﴾ إلى أنْ قالَ: ﴿ فَجَعَلَهم كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ﴾ ﴿ لإيلافِ قُرَيْشٍ ﴾ ، فَصارَ مَعْناهُ أنَّ ما فَعَلَهُ بِأصْحابِ الفِيلِ لِأجْلِ إيلافِ قُرَيْشٍ، قالَهُ ثَعْلَبٌ، وكانَ عُمَرُ وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ لا يَفْصِلانِ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ ويَقْرَآنِهِما كالسُّورَةِ الواحِدَةِ، ويَرَيانِ أنَّهُما سُورَةٌ واحِدَةٌ، أيْ: ألَمْ تَرَ لِإيلافِ قُرَيْشٍ.
الثّانِي: أنَّ اللّامَ صِلَةٌ تَرْجِعُ إلى ما بَعْدَها مِن قَوْلِهِ ﴿ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ ﴾ ويَكُونُ مَعْناهُ لِنِعْمَتِي عَلى قُرَيْشٍ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ، قالَهُ أهْلُ البَصْرَةِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ، لِيَأْلَفَ قُرَيْشٌ، وكانَ يَعِيبُ عَلى مَن يَقْرَأُ ﴿ لإيلافِ قُرَيْشٍ ﴾ .
وقَرَأ بَعْضُ أهْلِ مَكَّةَ: إلافُ قُرَيْشٍ، واسْتُشْهِدَ بِقَوْلِ أبِي طالِبٍ يُوصِي أخاهُ أبا لَهَبٍ بِرَسُولِ اللَّهِ فَلا تَتْرُكَنَّهُ ما حَيِيتَ لِمُعَظَّمِ وكُنْ رَجُلًا ذا نَجْدَةٍ وعَفافِ ∗∗∗ تَذُودُ العِدا عَنْ عُصْبَةٍ هاشِمِيَّةٍ ∗∗∗ ألّا فُهُمُ في النّاسِ خَيْرُ إلافِ وَأمّا قُرَيْشٌ تَلِدُهُ فَهم بَنُو النَّضِيرِ بْنِ كِنانَةَ، وقِيلَ بَنُو فِهْرِ بْنِ مالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنانَةَ، ومَن لَمْ تَلِدْهُ فِهْرٌ فَلَيْسَ مِن قُرَيْشٍ، وعَلى المَشْهُورِ أنَّ بَنِي النَّضْرِ بْنِ كِنانَةَ ومَن تَلِدُهُ: مِن قُرَيْشٍ، وإنْ لَمْ يَكُونُوا مِن بَنِي فِهْرٍ، وقَدْ كانُوا مُتَفَرِّقِينَ في غَيْرِ الحَرَمِ فَجَمَعَهم قُصَيُّ بْنُ كِلابٍ في الحَرَمِ حَتّى اتَّخَذُوهُ مَسْكَنًا، قالَ الشّاعِرُ أبُونا قُصَيٌّ كانَ يُدْعى مُجَمِّعًا ∗∗∗ بِهِ جَمَعَ اللَّهُ القَبائِلَ مِن فِهْرِ واخْتَلَفُوا في تَسْمِيَتِهِمْ قُرَيْشًا عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: لِتَجَمُّعِهِمْ بَعْدَ التَّفَرُّقِ، والتَّقْرِيشُ التَّجْمِيعُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ إخْوَةٌ قَرَّشُوا الذُّنُوبَ عَلَيْنا ∗∗∗ في حَدِيثٍ مِن دَهْرِهِمْ وقَدِيمِ الثّانِي: لِأنَّهم كانُوا تُجّارًا يَأْكُلُونَ مِن مَكاسِبِهِمْ، والتَّقْرِيشُ التَّكَسُّبُ.
الثّالِثُ: أنَّهم كانُوا يُفَتِّشُونَ الحاجَّ عَنْ ذِي الخَلَّةِ فَيَسُدُّونَ خَلَّتْهُ، والقِرْشِ: التَّفْتِيشُ، قالَ الشّاعِرُ أيُّها الشّامِتُ المُقَرِّشُ عَنّا ∗∗∗ عِنْدَ عَمْرٍو فَهَلْ لَهُ إبْقاءُ الرّابِعُ: أنْ قُرَيْشًا اسْمُ دابَّةٍ في البَحْرِ، مِن أقْوى دَوابِّهِ، سُمِّيَتْ قُرَيْشًا لِقُوَّتِها وأنَّها تَأْكُلُ ولا تُؤْكَلُ، وتَعْلُو ولا تُعْلى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ واسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ الشّاعِرِ: هَكَذا في العِبادِ حَيُّ قُرَيْشٍ ؎ يَأْكُلُونَ البِلادَ أكْلًا كَشِيشًا ∗∗∗ ولَهم آخِرُ الزَّمانِ نَبِيٌّ ∗∗∗ يَكْثُرُ القَتْلُ فِيهِمُ والخَمُوشا ∗∗∗ يَمْلَأُ الأرْضَ خَيَلَةً ورِجالًا ∗∗∗ يَحْشُرُونَ المَطِيَّ حَشْرًا كَمِيشا ∗∗∗ تَأْكُلُ الغَثَّ والسَّمِينَ ولا تَتْ ∗∗∗ رُكُ يَوْمًا في جَناحَيْنِ رِيشا.
∗∗∗ وقُرَيْشٌ هي الَّتِي تَسْكُنُ البَحْ ∗∗∗ رَ بِها سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ قَرِيشا.
∗∗∗ سَلَّطَتْ بِالعُلُوِّ في لُجُجِ البَحْرِ ∗∗∗ عَلى سائِرِ البُحُورِ جُيُوشا.
﴿ إيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ ﴾ كانَتْ لِقُرَيْشٍ في كُلِّ عامٍ رِحْلَتانِ والرِّحْلَةُ السَّفْرَةُ، لِما يُعانى فِيها مِنَ الرَّحِيلِ والنُّزُولِ، رِحْلَةٌ في الصَّيْفِ ورِحْلَةٌ في الشِّتاءِ طَلَبًا لِلتِّجارَةِ والكَسْبِ.
واخْتُلِفَ في رِحْلَتَيِ الشِّتاءِ والصَّيْفِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ كِلْتا الرِّحْلَتَيْنِ إلى فِلَسْطِينَ، لَكِنَّ رِحْلَةَ الشِّتاءِ في البَحْرِ، طَلَبًا لِلدِّفْءِ، ورِحْلَةَ الصَّيْفِ عَلى بُصْرى وأذْرِعاتٍ، طَلَبًا لِلْهَواءِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الثّانِي: أنَّ رِحْلَةَ الشِّتاءِ إلى اليَمَنِ لِأنَّها بِلادٌ حامِيَةٌ، ورِحْلَةَ الصَّيْفِ إلى الشّامِ لِأنَّها بِلادٌ بارِدَةٌ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
فَإنْ قِيلَ فَما المَعْنى في تَذْكِيرِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ؟
فَفِيهِ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّهم كانُوا في سَفَرِهِمْ آمَنِينَ مِنَ العَرَبِ لِأنَّهم أهْلُ الحَرَمِ، فَذَكَّرَهم ذَلِكَ لِيَعْلَمُوا نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ في أمْنِهِمْ مَعَ خَوْفِ غَيْرِهِمْ.
الثّانِي: لِأنَّهم كانُوا يَكْسِبُونَ فَيَتَوَسَّعُونَ ويُطْعِمُونَ ويَصِلُونَ، كَما قالَ الشّاعِرُ فِيهِمْ يا أيُّها الرَّجُلُ المُحَوِّلُ رَحْلَهُ ∗∗∗ هَلّا نَزَلْتَ بِآلِ عَبْدِ مَنافِ.
∗∗∗ الآخِذُونَ العَهْدَ مِن آفاقِها ∗∗∗ والرّاحِلُونَ لِرِحْلَةِ الإيلافِ.
∗∗∗ والرّائِشُونَ ولَيْسَ يُوجَدُ رائِشٌ ∗∗∗ والقائِلُونَ هَلُمَّ لِلْأضْيافِ.
∗∗∗ والخالِطُونَ غَنِيَّهم بِفَقِيرِهِمْ ∗∗∗ حَتّى يَصِيرَ فَقِيرُهم كالكافِي.
∗∗∗ عَمْرُو العُلا هَشَّمَ الثَّرِيدَ لِقَوْمِهِ ∗∗∗ ورِجالُ مَكَّةَ مُسْنِتُونَ عِجافِ.
فَذَكَّرَهُمُ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ النِّعْمَةَ.
وَلِابْنِ عَبّاسٍ في رِحْلَةِ الشِّتاءِ والصَّيْفِ قَوْلٌ ثالِثٌ: أنَّهم كانُوا يُشَتُّونَ بِمَكَّةَ لِدِفْئِها، ويُصَيِّفُونَ بِالطّائِفِ لِهَوائِها، كَما قالَ الشّاعِرُ تَشْتِي بِمَكَّةَ نِعْمَةً ∗∗∗ ومَصِيفُها بِالطّائِفِ وَهَذِهِ مِن جَلائِلِ النِّعَمِ أنْ يَكُونَ لِلْقَوْمِ ناحِيَةُ حَرٍّ تَدْفَعُ عَنْهم بَرْدَ الشِّتاءِ وناحِيَةُ بَرْدٍ تَدْفَعُ عَنْهم حَرَّ الصَّيْفِ، فَذَكَّرَهُمُ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ النِّعْمَةَ.
﴿ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ ﴾ أمَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِعِبادَتِهِ، وفي تَعْرِيفِ نَفْسِهِ لَهم بِأنَّهُ رَبُّ هَذا البَيْتِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِأنَّهُ كانَتْ لَهم أوْثانٌ، فَمَيَّزَ نَفْسَهُ عَنْها.
الثّانِي: أنَّهم بِالبَيْتِ شُرِّفُوا عَلى سائِرِ العَرَبِ، فَذَكَرَ لَهم ذَلِكَ تَذْكِيرًا بِنِعْمَتِهِ.
وَفي مَعْنى هَذا الأمْرِ والضَّمِيرِ في دُخُولِ الفاءِ عَلى قَوْلِهِ ﴿ فَلْيَعْبُدُوا ﴾ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ بِأنَّهُ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِرِحْلَةِ الشِّتاءِ والصَّيْفِ.
الثّانِي: فَلْيَأْلَفُوا عِبادَةَ رَبِّ هَذا البَيْتِ كَما ألِفُوا رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ.
الثّالِثُ: فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ لِأنَّهُ أطْعَمَهم مِن جُوعٍ وآمَنُهم مِن خَوْفٍ.
الرّابِعُ: فَلْيَتْرُكُوا رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ بِعِبادَةِ رَبِّ هَذا البَيْتِ، فَإنَّهُ يُطْعِمُهم مِن جُوعٍ ويُؤَمِّنُهم مِن خَوْفٍ لِيَتَوَفَّرُوا بِالمَقامِ عَلى نُصْرَةِ رَسُولِهِ والذَّبِّ عَنْ دِينِهِ.
﴿ الَّذِي أطْعَمَهم مِن جُوعٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أطْعَمَهم مِن جُوعٍ بِما أعْطاهم مِنَ الأمْوالِ وساقَ إلَيْهِمْ مِنَ الأرْزاقِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
الثّانِي: أطْعَمَهم مِن جُوعٍ بِما اسْتَجابَ فِيهِمْ دَعْوَةَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
حِينَ قالَ: ﴿ وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ ﴾ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: أنَّ جُوعًا أصابَهم في الجاهِلِيَّةِ، فَألْقى اللَّهُ في قُلُوبِ الحَبَشَةِ أنْ يَحْمِلُوا إلَيْهِمْ طَعامًا، فَحَمَلُوهُ، فَخافَتْ قُرَيْشٌ مِنهم وظَنُّوا أنَّهم قَدِمُوا لِحَرْبِهِمْ، فَخَرَجُوا إلَيْهِمْ مُتَحَرِّزِينَ، فَإذا هم قَدْ جَلَبُوا إلَيْهِمُ الطَّعامَ وأعانُوهم بِالأقْواتِ، فَهو مَعْنى قَوْلِهِ ﴿ الَّذِي أطْعَمَهم مِن جُوعٍ ﴾ ﴿ وَآمَنَهم مِن خَوْفٍ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: آمَنَهم مِن خَوْفِ العَرَبِ أنْ يَسْبُوهم أوْ يُقاتِلُوهم تَعْظِيمًا لِحُرْمَةِ الحَرَمِ، لِما سَبَقَتْ لَهم مِن دَعْوَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ قالَ: ﴿ رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا ﴾ ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: مِن خَوْفِ الحَبَشَةِ مَعَ الفِيلِ، قالَهُ الأعْمَشُ.
الثّالِثُ: آمَنَهم مِن خَوْفِ الجُذامِ، قالَهُ الضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ وسُفْيانُ الثَّوْرِيُّ.
الرّابِعُ: يَعْنِي آمَنَ قُرَيْشًا ألّا تَكُونَ الخِلافَةُ إلّا فِيهِمْ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت ﴿ لإِيلاف قريش ﴾ بمكة.
وأخرج البخاري في تاريخه والحاكم وصححه والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الخلافيات عن أم هانئ بنت أبي طالب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «فضل الله قريشاً بسبع خصال لم يعطها أحداً قبلهم، ولا يعطيها أحداً بعدهم: إني فيهم وفي لفظ النبوّة فيهم، والخلافة فيهم، والحجابة فيهم، والسقاية فيهم، ونصروا على الفيل، وعبدوا الله سبع سنين، وفي لفظ عشر سنين لم يعبده أحد غيرهم، ونزلت فيهم سورة من القرآن لم يذكر فيها أحد غيرهم ﴿ لإِيلاف قريش ﴾ » .
وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه وابن عساكر عن الزبير بن العوّام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فضل الله قريشاً بسبع خصال.
فضلهم بأنهم عبدوا الله عشر سنين لا يعبده إلا قريش، وفضلهم بأنه نصرهم يوم الفيل وهم مشركون، وفضلهم بأنه نزلت فيهم سورة من القرآن لم يدخل فيها أحد من العالمين غيرهم وهي ﴿ لإِيلاف قريش ﴾ وفضلهم بأن فيهم النبوّة والخلافة والحجابة والسقاية» .
وأخرج الخطيب في تاريخه عن سعيد بن المسيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله فضل قريشاً بسبع خصال: أنا منهم، وأن الله أنزل فيهم سورة كاملة من كتابه لم يذكر فيها أحداً غيرهم، وأنهم عبدوا الله عشر سنين لا يعبده أحد غيرهم، وأن الله نصرهم يوم الفيل، وأن الخلافة والسقاية والسدانة فيهم» .
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر عن إبراهيم قال: صلى عمر بن الخطاب بالناس بمكة عند البيت فقرأ ﴿ لإِيلاف قريش ﴾ قال: ﴿ فليعبدوا رب هذا البيت ﴾ وجعل يومئ بأصبعه إلى الكعبة وهو في الصلاة.
وأخرج الفريابي وابن جرير والطبراني والحاكم وابن مردويه عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ويل أمكم يا قريش ﴿ لإِيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف ﴾ » .
وأخرج أحمد وابن أبي حاتم عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « ﴿ لإِيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف ﴾ ويحكم يا قريش اعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف» .
وأخرج ابن جرير عن عكرمة أنه كان يقرأ: ﴿ لإِيلاف قريش الفهم رحلة الشتاء والصيف ﴾ .
وأخرج ابن جرير عن عكرمة أنه كان يعيب ﴿ لإِيلاف قريش ﴾ ويقول انما هي لتألف قريش، وكانوا يرحلون في الشتاء والصيف إلى الروم والشام، فأمرهم الله أن يألفوا عبادة رب هذا البيت.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس في قوله: ﴿ لإِيلاف قريش ﴾ قال: نعمتي على قريش ﴿ إيلافهم رحلة الشتاء والصيف ﴾ قال: كانوا يشتون بمكة ويصيفون بالطائف ﴿ فليعبدوا رب هذا البيت ﴾ قال: الكعبة ﴿ الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف ﴾ قال: الجذام.
وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ لإِيلاف قريش ﴾ قال: نعمتي على قريش ﴿ إيلافهم رحلة الشتاء والصيف ﴾ قال: إيلافهم ذلك فلا يشق عليهم رحلة شتاء ولا صيف ﴿ وآمنهم من خوف ﴾ قال: من كل عدوّ في حرمهم.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ لإِيلاف قريش إيلافهم ﴾ يقول لزومهم ﴿ الذي أطعمهم من جوع ﴾ يعني قريشاً أهل مكة بدعوة إبراهيم حيث قال: ﴿ وارزقهم من الثمرات ﴾ [ ابراهيم: 37] ﴿ وآمنهم من خوف ﴾ حيث قال ابراهيم: ﴿ رب اجعل هذا البلد آمناً ﴾ [ ابراهيم: 35] .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد أنه سئل عن قوله: ﴿ لإِيلاف قريش ﴾ فقرأ ﴿ ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ﴾ إلى آخر السورة.
قال: هذا لإِيلاف قريش صنعت هذا بهم لألفة قريش لئلا أفرق إلفهم وجماعتهم إنما جاء صاحب الفيل يستبيد حرمهم فصنع الله ذلك بهم.
وأخرج ابن الزبير بن بكار في الموفقيات عن عمر بن عبد العزيز قال: كانت قريش في الجاهلية تحتفد، وكان احتفادها أن أهل البيت منه كانوا إذا سافت يعني هلكت أموالهم خرجوا إلى براز من الأرض فضربوا على أنفسهم الأخبية ثم تناوبوا فيها حتى يموتوا من قبل أن يعلم بخلتهم، حتى نشأ هاشم بن عبد مناف، فلما نبل وعظم قدره في قومه قال: يا معشر قريش إن العز مع الكثرة، وقد أصبحتم أكثر العرب أموالاً وأعزهم نفراً، وإن هذا الإِحتفاد قد أتى على كثير منكم، وقد رأيت رأياً.
قالوا: رأيك راشد فمرنا نأتمر.
قال: رأيت أن أخلط فقراءكم بأغنيائكم فأعمد إلى رجل غني فأضم إليه فقيراً عياله بعدد عياله، فيكون يوازره في الرحلتين رحلة الصيف إلى الشام ورحلة الشتاء إلى اليمن، فما كان في مال الغني من فضل عاش الفقير وعياله في ظله، وكان ذلك قطعاً للاحتفاد قالوا: نعم، ما رأيت فألف بين الناس.
فلما كان من أمر الفيل وأصحابه ما كان وأنزل الله ما أنزل وكان ذلك مفتاح النبوة وأول عز قريش حتى أهابهم الناس كلهم وقالوا أهل الله والله معهم، وكان مولد النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك العام، فلما بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم كان فيما أنزل الله عليه يعرف قومه وما صنع إليهم وما نصرهم من الفيل وأهله ﴿ ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ﴾ [ الفيل: 1] إلى آخر السورة ثم قال: ولم فعلت ذلك يا محمد بقومك وهم يومئذ أهل عبادة أوثان فقال لهم: ﴿ لإِيلاف قريش ﴾ إلى آخر السورة أي لتراحمهم وتواصلهم، وكانوا على شرك، وكان الذي آمنهم منه من الخوف خوف الفيل وأصحابه واطعامهم إياهم من الجوع من جوع الاحتفاد.
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ لإِيلاف قريش ﴾ الآية، قال: نهاهم عن الرحلة، وأمرهم أن يعبدوا رب هذا البيت، وكفاهم المؤنة، وكانت رحلتهم في الشتاء والصيف، ولم يكن لهم راحة في شتاء ولا صيف، فأطعمهم الله بعد ذلك من جوع وآمنهم من خوف فألفوا الرحلة، وكان ذلك من نعمة الله عليهم.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ﴿ لإِيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف ﴾ قال: ألفوا ذلك فلا يشق عليهم.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ لإِيلاف قريش ﴾ قال: عادة قريش رحلة في الشتاء ورحلة في الصيف، وفي قوله: ﴿ وآمنهم من خوف ﴾ قال: كانوا يقولون: نحن من حرم الله فلا يعرض لهم أحد في الجاهلية يأمنون بذلك، وكان غيرهم من قبائل العرب إذا خرج أغير عليهم.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ لإِيلاف قريش ﴾ قال: كان أهل مكة يتعاورون البيت شتاء وصيفاً تجاراً آمنين لا يخافون شيئاً لحرمهم، وكانت العرب لا يقدرون على ذلك ولا يستطيعونه من الخوف، فذكرهم الله ما كانوا فيه من الأمن حتى إن كان الرجل منهم ليصاب في الحيّ من أحياء العرب فيقال حرمي.
قال: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أذل قريشاً أذله الله» وقال: «ارقبوني وقريشاً فإن ينصرني الله عليهم فالناس لهم تبع» فلما فتحت مكة أسرع الناس في الإِسلام فبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الناس تبع لقريش في الخير والشر كفارهم تبع لكفارهم ومؤمنوهم تبع لمؤمنيهم» .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ لإِيلاف قريش ﴾ الآية، قال: أمروا أن يألفوا عبادة رب هذا البيت كإلفهم رحلة الشتاء والصيف.
وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر عن أبي صالح قال: علم الله حب قريش الشام فأمروا أن يألفوا عبادة رب هذا البيت كإيلافهم رحلة الشتاء والصيف.
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن أبي مالك في قوله: ﴿ لإِيلاف قريش ﴾ قال: كانوا يتجرون في الشتاء والصيف فألفتهم ذلك.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: كانت قريش تتجر شتاء وصيفاً فتأخذ في الشتاء على طريق البحر وإيلة إلى فلسطين يلتمسون الدفء وأما الصيف فيأخذون قبل بصرى وأذرعات يلتمسون البرد فذلك قوله: ﴿ إيلافهم ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد قال: كانت لهم رحلتان الصيف إلى الشام والشتاء إلى اليمن في التجارة.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ وآمنهم من خوف ﴾ قال: لا يخطفون.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الأعمش ﴿ وآمنهم من خوف ﴾ قال: خوف الحبشة.
وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك ﴿ وآمنهم من خوف ﴾ قال: من الجذام.
وأخرج البيهقي في الدلائل عن أبي ريحانة العامري أن معاوية قال لابن عباس: لم سميت قريش قريشاً؟
قال: بدابة تكون في البحر أعظم دوابه يقال لها القرش لا تمر بشيء من الغث والسمين إلا أكلته.
قال: فأنشدني في ذلك شيئاً فأنشده شعر الجمحي إذ يقول: وقريش هي التي تسكن البحر ** بها سميت قريش قريشا تأكل الغث والسمين ولا تترك ** منها لذي الجناحين ريشا هكذا في البلاد حي قريش ** يأكلون البلاد أكلاً كميشا ولهم آخر الزمان نبي ** يكثر القتل فيهم والخموشا وأخرج ابن سعد عن سعيد بن محمد بن جبير بن مطعم أن عبد الملك بن مروان سأل محمد بن جبير متى سميت قريش قريشاً؟
قال: حين اجتمعت إلى الحرم من تفرقها، فذلك التجمع التقرش، فقال عبد الملك ما سمعت هذا، ولكن سمعت أن قصياً كان يقال له القرشي ولم تسم قريش قبله.
وأخرج ابن سعد عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: لما نزل قصيّ الحرم وغلب عليه فعل أفعالاً جميلة فقيل له القرشي، فهو أول من سمي به.
وأخرج أحمد عن قتادة بن النعمان أنه وقع بقريش فكأنه نال منهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا قتادة لا تسبن قريشاً، فإنه لعلك أن ترى منهم رجالاً تزدري عملك مع أعمالهم وفعلك مع أفعالهم، وتغبطهم إذا رأيتهم لولا أن تطغى قريش لأخبرتهم بالذي لهم عند الله» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن معاوية سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الناس تبع لقريش في هذا الأمر خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإِسلام إذا فقهوا، والله لولا أن تبطر قريش لأخبرتها بما لخيارها عند الله» قال: وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «خير نسوة ركبن الإِبل صالح نساء قريش أرعاه على زوج في ذات يده وأحناه على ولد في صغره» .
وأخرج أحمد وابن أبي شيبة والنسائي عن أنس قال: كنا في بيت رجل من الأنصار فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى وقف فأخذ بعضادتي الباب فقال: «الأئمة من قريش، ولهم عليكم حق، ولكم مثل ذلك ما إن استحكموا عدلوا وإن استرحموا رحموا وإذا عاهدوا أوفوا، فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن جبير بن مطعم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن للقرشي مثلي قوة الرجل من غير قريش» قيل للزهري: ما عني بذلك؟
قال: نبل الرأي.
وأخرج ابن أبي شيبة عن سهل بن أبي حثمة أن رسول صلى الله عليه وسلم قال: «تعلموا من قريش ولا تعلموها، وقدموا قريشاً ولا تؤخروها، فإن للقرشي قوة الرجلين من غير قريش» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي جعفر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقدموا قريشاً فتضلوا، ولا تأخروا عنها فتضلوا، خيار قريش خيار الناس، وشرار قريش شرار الناس، والذي نفس محمد بيده لولا أن تبطر قريش لأخبرتها ما لها عند الله» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الناس تبع لقريش في الخير والشر إلى يوم القيامة» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن إسماعيل بن عبد الله بن رفاعة عن أبيه عن جده قال: «جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشاً فقال: هل فيكم من غيركم؟
قالوا: لا إلا ابن أختنا ومولانا وحليفتنا، فقال: ابن أختكم منكم ومولاكم منكم إن قريشاً أهل صدق وأمانة فمن بغى لهم الغواء أكبه الله على وجهه» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والناس تبع لقريش في هذا الأمر خيارهم تبع لخيارهم وشرارهم تبع لشرارهم» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي موسى قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم على باب فيه نفر من قريش فقال: «إن هذا الأمر في قريش» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقريش: «إن هذا الأمر فيكم وأنتم ولاته» .
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي من الناس اثنان» وحرك أصبعيه.
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الملك في قريش، والقضاء في الأنصار، والأذان في الحبشة» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عبيد بن عمير قال: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لقريش فقال: «اللهم كما أذقت أولهم عذاباً فأذق آخرهم نوالاً» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن سعد بن أبي وقاص أن رجلاً قتل فقيل للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: «أبعده الله أنه كان يبغض قريشاً» .
وأخرج الترمذي وصححه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم «أذقت أول قريش نكالاً فأذق آخرهم نوالاً» .
﴿ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ ﴾ أي بعد جوع، وهذا (١) (٢) أحدها: أن الله تعالى آمنهم بالحرم، وكونهم من أهله حتى لم يتعرض لهم في رحلتهم، وكان ذلك سبب إطعامهم بعد ما كانوا فيه من الجوع.
(كما ذكر عطاء عن ابن عباس (٣) (٤) (٥) وقال مقاتل: شق عليهم الاختلاف إلى الناحيتين في الشتاء والصيف، فقذف الله في قلوب الحبشة أن يحملوا الطعام في السفن إلى مكة، فحملوه، وجعل أهل مكة يخرجون إليهم بالإبل، والخمر فيشترون طعامهم من "جدة" (٦) (٧) وقال الكلبي: هذا الإطعام هو أنهم لما كذبوا محمدًا - - دعا عليهم فقال: "اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف".
فاشتد عليهم القحط، وأصابهم الجهد، فقالوا: يا محمد ادع الله لنا، فإنا مؤمنون، فدعا رسول الله فأخصبت تبَالَة (٨) (٩) (١٠) ﴿ أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ﴾ وهو أنهم كانوا يسافرون آمنين لا يتعرض لهم أحد، ولا يغير أحد عليهم، لا في سفرهم (١١) (١٢) وهذا معنى قوله: ﴿ أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا ﴾ الآية، أعلم الله تعالى أن من الدلالة على وحدانيته ما فعل بهؤلاء؛ أطعمهم وهم في بلدة لا زرع فيها ولا ضرع، وآمنهم وغيرهم خائفون، وأمرهم بعبادة الذي أنعم عليهم هذه النعمة.
(هذا قول جماعة المفسرين (١٣) (١٤) وقال الضحاك (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) (١) في (أ): (وهاذا).
(٢) في (ع): (عراي).
وعُرْي: يقال رجل عارٍ: إذا خلع ثوبه، والمرأة عُريانة، وفرس عُرْيَ ليس عليه سرج، وعَرِي من ثيابه بالكسر، وعُرْيا بالضم فهو عار.
"تهذيب اللغة" 3/ 159 (عرى)، "مختار الصحاح" 249، وانظر: "النهاية" 3/ 225.
(٣) انظر: "التفسير الكبير" 32/ 108، و"زاد المسير" 8/ 315.
(٤) ما بين القوسين ساقط من (أ).
(٥) "تفسير مقاتل" 253 ب.
(٦) جُدَّة: ساحل مكة، سُميت بذلك لأنها حاضرة البحر، والجُدَّ من البحر والنهر ما ولي البر، وأصل الجدة الطريق الممتد، وهي الآن ميناء بالمملكة العربية السعودية تطل على البحر الأحمر، وتعتبر المنفذ البحري لمكة، ينسب تأسيسها إلى الخليفة الثالث عثمان بن عفان - - انظر: "معجم ما استعجم من البلاد والمواضع" 1/ 371، و"القاموس الإسلامي" 1/ 585.
(٧) "التفسير الكبير" 32/ 108، وورد بمعناه من غير نسبه في: "النكت والعيون" 6/ 348، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 209.
(٨) كلمة (تبالة) ساقطة من (أ)، وتَبَالَة: وهي بلدة صغيرة من اليمن، أسلم أهلها من غير حرب وكان فتحها في سنة 10 هـ انظر: "معجم ما استعجم من البلاد والمواضع" 1/ 301، و"معجم البلدان" 2/ 9.
(٩) كلمة غير مقروء في (أ).
(١٠) ورد معنى قوله في: "التفسير الكبير" 32/ 108، وورد معناه أيضًا من غير عزو في: "الجامع لأحكام القرآن" 20/ 209، و"لباب التأويل" 4/ 412، و"فتح القدير" 5/ 498.
(١١) في (ع): (سفره).
(١٢) في (ع): (حضره).
(١٣) وهو معنى قول: ابن زيد، وقتادة، ومجاهد.
"جامع البيان" 30/ 308 - 309، وانظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 398، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 209، وبمعناه قال السمرقندي في: "بحر العلوم" 3/ 517، والزجاج في "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 366، والثعلبي في "الكشف والبيان" 13/ 161 أ، وانظر: "المحرر الوجيز" 5/ 526، و"زاد المسير" 8/ 315.
(١٤) ما بين القوسين ساقط من (أ).
(١٥) "جامع البيان" 30/ 309، و"النكت والعيون" 6/ 349، و"المحرر الوجيز" 5/ 526، و"معالم التنزيل" 4/ 531، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 209، و"فتح القدير" 5/ 498.
(١٦) المراجع السابقة عدا النكت، والمحرر.
(١٧) "فتح القدير" 5/ 498.
(١٨) ساقط من (أ).
(١٩) يراد به سفيان الثوري، وقد ورد قوله في المراجع السابقة عدا المحرر.
(٢٠) الجذام: مرض يصيب الجلد والأعصاب، ويجعل الجلد متورمًا، كثير العقد، ويتغير لونه، وهو مرض معدٍ، ويعد العلاج المبكر للجذام مهمًا جدًا لأنه يمنع التشوهات، والإعاقة الجسدية.
وأصل الجذم القطع، سمي بذلك لتجذم الأصابع وتقطعها.
انظر: "الموسوعة العربية العالمية" 8/ 223، و"الصحاح" 5/ 1884 (جذم)، و"لسان العرب" 12/ 78 (جذم).
(٢١) ما بين القوسين ساقط من (أ).
﴿ فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هذا البيت ﴾ هذا إقامة حجة عليهم بملاطفة واستدعاء لهم وتذكير بالنعم، والبيت هو المسجد الحرام ﴿ الذي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ ﴾ يحتمل أن يريد إطعامهم بسبب الرحتلين، فقد روي أنهم كانوا قبل ذلك في شدة وضيق حال حتى أكلوا الجيف ويحتمل أن يريد إطعامهم على الإطلاق، فقد كان أهل مكة ساكنين بواد غير ذي زرع، ولكن الله أطعمهم مما يجلب إليهم من البلاد، بدعوة أبيهم إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وهو قوله: ﴿ وارزق أَهْلَهُ مِنَ الثمرات ﴾ [البقرة: 126] ﴿ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ ﴾ يحتمل أن يريد: آمنهم من خوف أصحاب الفيل، ويحتمل أن يريد آمنهم في بلدهم بدعوة إبراهيم في قوله: ﴿ رَبِّ اجعل هذا بَلَداً آمِناً ﴾ [البقرة: 126] وقد فسرناه في موضعه، أو يعني آمنهم في أسفارهم لأنهم كانوا في رحلتهم آمنين، لا يتعرض لهم أحد بسوء، وكان غيرهم من الناس تؤخذ أموالهم وأنفسهم.
وقيل: آمنهم من الجذام فلا يرى بمكة مجذوماً.
قال الزمخشري: التنكير في جوع وخوف؛ لشدتهما.
القراءات: ﴿ لإيلاف ﴾ بتخفيف الهمزة: يزيد ﴿ إلافِهِم ﴾ بطرح الياء: يزيد ﴿ لألاف ﴾ بطرح الياء ﴿ إيلافهم ﴾ بإثباتها: ابن عامر.
الباقون: بإثبات الياء فيهما وحمزة يقف بتليين الهمزة ﴿ وإلفهم ﴾ بوزن العلم: ابن فليح ﴿ الشتاء ﴾ ممالة: قتيبة ونصير وهبيرة.
الوقف ﴿ قريش ﴾ ه لا ﴿ والصيف ﴾ ه لا لاحتمال تعلق اللام بما قبلها وبما بعدها كما يجيء ﴿ البيت ﴾ ه لا ﴿ من خوف ﴾ ه.
التفسير: في هذه اللام ثلاثة أقوال: الأول أنها لا تتعلق بظاهر وإنما هي لام العجب يقولون " لزيد وما صنعنا به " أي أعجبوا له عجب الله من عظيم حلمه وكرمه بهم فأنهم كل يوم يزدادون جهلاً وإنغماساً في عبادة الأوثان والله يؤلف شملهم ويدفع الآفات عنهم وينظم أسباب معاشهم، وهذا القول اختيار الكسائي والأخفش والفراء.
والثاني أنها متعلقة بما بعدها وهو قول الخليل وسيبويه والتقدير: فليعبدوا رب هذا البيت لإيلاف قريش أي ليجعلوا عبادتهم شكراً لهذه النعمة واعترافاً بها.
وفي الكلام معنى الشرط وفائدة الفاء وتقديم الجار أن نعم الله لا تحصى فكأنه قيل: إن لم يعبدوه لسائر نعمه فليعبدوه لهذه الواحدة التي هي نعمة ظاهرة، والقول الثالث أنها متعلقة بالسورة المتقدمة أي جعلهم كعصف مأكول لأجل إيلاف قريش، وهذا لا ينافي أن يكونوا قد أهلكوا لأجل كفرهم أيضاً.
ويجوز أن يكون الإهلاك لأجل الإيلاف فقط ويكون جزاء الكفر مؤخراً إلى يوم القيامة، ويجوز أن تكون هذه اللام لام العاقبة، ويحتمل أن تتعلق اللام بقوله ﴿ فعل ربك ﴾ كأنَّه قال:كل ما فعلنا بهم من تضليل كيدهم وإرسال الطير عليهم حتى تلاشوا إنما كان لأجل إيلاف قريش.
ولا يبعد أن تكون اللام بمعنى " إلى " أي فعلنا كل ما فعلنا مضمومة إلى نعمة أخرى وهي إيلافهم الرحلتين تقول: نعمة إلى نعمة ونعمة لنعمة.
قال الفراء: ومما يؤيد هذا القول الثالث ما روي أن أبي بن كعب جعلهما في مصحفه سورة واحدة بلا فصل.
وعن عمر أنه قرأهما في الثانية من صلاة المغرب من غير فصل بينهما بالبسملة.
والمشهور المستفيض هو الفصل بينهما بالبسملة فإن لم تكن اللام متعلقة بما قبلها فلا إشكال، وإن تعلقت بما قبلها من السورة فالوجه فيه أن القرآن كله بمنزلة كلام واحد والفصل بين طائفة وطائفة منه لا يوجب انقطاع إحدى الطائفتين عن الأخرى بالكلية.
ثم إن هؤلاء قالوا: لا شك أن مكة كانت خالية عن الزرع والضرع، وكان أشرف مكَّة يرتحلون للتجارة هاتين الرحلتين ويأتون لأنفسهم ولأهل بلدهم بما يحتاجون إليه من الأطعمة والثياب، وأن ملوك النواحي كانوا يعظمونهم ويقولون: هؤلاء جيران بيت الله وقطان حرمه فلا يجترىء أحد عليهم، فلو تم لأهل الحبشة ما عزموا عليهم من هدم الكعبة لزال منهم هذا العز فصار سكان مكة كسكان سائر النواحي يتخطفون ويغار عليهم ولا يتيسر لهم تجارة ولا ربح، فلما أهلك الله أصحاب الفيل ورد كيدهم في نحورهم ازداد وقع أهل مكة في القلوب واحترمهم الملوك فضل احترام وازدادت تلك المنافع والمتاجر.
قال علماء اللغة: ألفت الشيء وآلفته إلفاً وإيلافاً بمعنى أي لزمته، وعلى هذا يكون قوله ﴿ لإيلاف قريش ﴾ من إضافة المصدر إلى الفاعل وترك مفعوله الأول.
ثم جعل مقيداًً ثانياً في قوله ﴿ إيلافهم رحلة ﴾ إما لأن المقيد بدل من ذلك المطلق تفخيماً لأمر الإيلاف وتذكيراً لعظيم المنة فيه، وإما لأن الأول عام في كل مؤانسة وموافقة كانت بينهم فيدخل فيه مقامهم وسفرهم وسائر أحوالهم.
ثم خص إيلافهم الرحلة بالذكر كما في قوله ﴿ جبريل وميكائيل ﴾ لأنه قوام معاشهم.
وفائدة ترك واو العطف التنبيه على أنه كل النعمة.
والإلزام ضربان: إلزام بالتكليف والأمر، وإلزام بالمودة والمؤانسة، فإنه إذا أحب المرء شيئاً لزمه لقوة الداعي إليه ومنه ﴿ وألزمهم كلمة التقوى ﴾ كما أن الالتجاء قد يكون لدفع الضرر كالهرب من السبع، وقد يكون لجلب النفع العظيم كمن وجد كنزاً، ولا مانع من أخذه لا عقلاً ولا شرعاً ولا حساً فإنه يأخذه ألبتة كاللجأ.
وقال الفراء وابن الأعرابي: الإيلاف التجهيز والتهيئة والمعنى لتجهيز قريش رحلتيها حتى تتصلا ولا تنقطعا.
وعلى هذا القول يكون المصدر مضافاً إلى الفاعل أيضاً.
وقيل: الف كذا فلان لزمه وآلفه غيره إياه فيكون الإيلاف متعدياً إلى اثنين، والإضافة في ﴿ إيلافهم ﴾ إضافة المصدر إلى المفعول والمعنى إن هذه الألفة إنما حصلت في قريش بتدبير الله ولطفه وذلك بانهزام أصحاب الفيل، واتفقوا على أن قريشاً ولد النضر بن كنانة.
عن معاوية أنه سأل ابن عباس بم سميت قريش؟
قال: بدابة البحر تأكل ولا تؤكل تعلو ولا تعلى وهي التي تعبث بالسفن ولا تنطلق إلا بالنار وأنشد: وقريش هي التي تسكن البحـ *** ـربها سميت قريش قريشاً فالتصغير للتعظيم والدابة القرش.
وقيل: القرش الكسب لأنهم كانوا أهل كسب وتجارة فسموا بذلك.
وقال الليث: كانوا متفرقين في غير الحرم فجمعهم قصي بن كلاب في الحرم حتى اتخذوها مسكناً فسموا قريشاً لأن التقرش التجمع، وتقرش القوم اجتمعوا ولذلك سمي قصي مجمعاً، قال بعضهم: أبوكم قصي كان يدعي مجمعاً *** به جمع الله القبائل من فهر وقيل: القرش التفتيش.
قال ابن حلزة: أيها الشامت المقرش عنا *** عند عمر ووهل لذاك بقاء وكانت قريش يتفحصون عن حال الفقراء ويسدّون خلة المحاويج.
والرحلة اسم من الارتحال قال أكثر المفسرين: كانت لقريش رحلتان رحلة الشتاء إلى اليمن لأنه أدنى، ورحلة الصيف إلى الشام وكانت معايشهم قد استقرت على ذلك كما قررنا.
وقال آخرون: الرحلتان رحلة الناس إلى أهل مكة.
أما في رجب فللعمرة، وأما في ذي الحجة فللحج، وكانت إحداهما في الشتاء، والأخرى في الصيف وموسم منافع مكة يكون بهما.
فلو كان تم لأصحاب الفيل ما أرادوه لتعطلت هذه المنفعة والتقدير: رحلتي الشتاء والصيف أو رحلة الشتاء ورحلة الصيف فاقتصر لعدم الإلباس.
وفي قوله ﴿ فليعبدوا ﴾ وجهان أحدهما: أن العبادة مأمور بها شكراً لما فعل بأعدائهم ولما حصل لهم من إيلافهم الذي صار سبباً لطعامهم وأمنهم كما مر.
وقوله ﴿ من جوع ﴾ كقولهم " سقاه من العيمة " وهي من التعليلية أي الجوع صار سبباً للإطعام.
وقوله ﴿ من خوف ﴾ هي للتعدية يقال " آمنه الله الخوف ومن الخوف ".
الوجه الثاني: أن معناه فليتركوا رحلة الشتاء والصيف وليشتغلوا بعبادة رب هذا البيت فإنه يطعمهم من جوع ويؤمنهم من خوف.
ولعل في تخصيص لفظ الرب إشارة إلى ما قالوه لأبرهة " إن للبيت رباً سيحفظه " ولم يعولوا في ذلك على الأصنام فلزمهم لإقرارهم أن لا يعبدوا سواه كأنه يقول: لما عولتم في الحفظ عليّ فاصرفوا العبادة إليّ، وفي الإطعام وجوه أحدها: ما مر.
والثاني: قول مقاتل: شق عليهم الذهاب إلى اليمن والشام في الشتاء والصيف لطلب الرزق فقذف الله في قلوب الحبشة أن حملوا الطعام إلى مكة حتى خرجوا إليهم بالإبل والحمر واشتروا طعامهم من جدة على مسيرة ليلتين، وتتابع ذلك فكفاهم الله مؤنة الرحلتين.
والثالث: قال الكلبي: معنى الآية أنهم لما كذبوا محمد دعا عليهم فقال: اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف.
فاشتد عليهم القحط وأصابهم الجهد فقالوا: يا محمد ادع الله فإنّا مؤمنون فدعا رسول الله وأخصب أهل مكة فذلك قوله ﴿ أطعمهم من جوع ﴾ ووجه المنة بالإطعام مع أنه ليس من أصول النعم في الظاهر أنه سبب الفراغ للعبادة، وفيه أن البهيمة تطيع من يعلفها ولا يليق بالإنسان أن يكون دون الأنعام، على أنه يندرج في الإطعام النعم السابقة التي لا يحصل الغذاء إلا بعد وجودها كالأفلاك والعناصر وغيرها، والنعم اللاحقة التي لا يتم الانتفاع بالأكل إلا بها من القوى والآلات البدنية والخارجية.
وفي قوله ﴿ من جوع ﴾ إشارة إلى أن فائدة الطعام والغاية منه سد الجوعة لا الإشباع التام.
وأما الأمن فهو قصة أصحاب الفيل أو تعرض أهل النواحي لهم وكانوا بعد وقعة أصحاب الفيل يعظمونهم ولا يتعرّضون لهم.
وقال الضحاك والربيع: آمنهم من خوف الجذام.
وقيل: من أن تكون الخلافة في غيرهم وفيه تكلف.
وقيل: أطعمهم من جوع الجهل بطعام الإسلام والوحي وآمنهم من خوف الضلال ببيان الهدى.
وقيل: إشارة إلى ما دعا به إبراهيم في قوله ﴿ ربّ اجعل هذا بلداً آمناً وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم ﴾ فأجاب الله بقوله ﴿ ومن كفر ﴾ والتنكير في ﴿ جوع ﴾ و ﴿ خوف ﴾ للتعظيم.
وقد روي أنه أصابهم شدة حتى أكلوا الجيف والعظام المحرقة، وأما الخوف فهو الخوف الشديد الحاصل من أصحاب الفيل.
ويحتمل أن يكون المراد التقليل أي أطعمهم من جوع دون جوع ليكون الجوع الثاني والخوف الثاني مذكراً لما كانوا فيه أولاً فيكونوا شاكرين تارة وصابرين أخرى فيستحقوا ثواب الخصلتين.
قوله - عز وجل -: ﴿ لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ ٱلشِّتَآءِ وَٱلصَّيْفِ ﴾ ، هذا يخرج على وجوه: أحدها: ما قال الفراء: إن اللام لام الاعتدال لأن السورة صلة لسورة ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ ، قال: ﴿ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ ﴾ ، ﴿ لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ ﴾ ؛ كأنه يقول: أهلكت أصحاب الفيل، وفعلت بهم ما فعلت لتألف قريش بذلك المكان كما ألفوا به الرحتلين اللتين جعلتا لهم في الشتاء والصيف.
والثاني: يحتمل أن يقول: ألزمت الخلق عبادة رب هذا البيت حتى ألفوا ذلك البيت، وحملوا ما تحتاج إليه قريش، وأهل ذلك المكان من الطعام، وما يتعيشون به؛ لتألف قريش بعبادة رب ذلك البيت ما لولا ذلك لم يتهيأ لهم المقام بذلك المكان؛ لأنه لا زرع فيهن ولا نبات، ولا ما يتعيش به، وهو كما قال إبراهيم - -: ﴿ بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ ﴾ ، وإنما تعيشهم في ذلك المكان بما يحمل إليهم من الآفاق والأمكنة النائية؛ كقوله: ﴿ أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقاً مِّن لَّدُنَّا...
﴾ .
قوال بعضهم: أمرت قريش بأن يألفوا عبادة رب هذا البيت كإيلافهم رحلة الشتاء والصيف؛ يقول: كما ألفتم هاتين الرحتلين، فألفوا عبادة رب هذا البيت.
وقال بعضهم: إن أهل مكة كانوا يرتحلون تجارا آمنين في البلدان، لا يخافون شيئاً؛ لحرمتهم؛ لأن الناس يحترمونهم لمكان الحرم، حتى لا يتعرض لهم بشيء، ولا يؤذيهم أحد حتى إن كا نالرجل منهم ليصاب في حيّ من الأحياء؛ يقال: هذا حرمي؛ فيخلى عنه، وعن ماله؛ تعظيما لذلك المكان، وهو ما قال: ﴿ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ ﴾ .
وقيل: إن العرب كانت تغير بعضهم على بعض، ويسبي بعضهم بعضا، وأهل مكة كانوا آمنين في حرم الله - - كقوله - -: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ ﴾ ، فذكر عظيم نعمه عليهم ومننه؛ ليعلموا ذلك أنه منه.
وأصله أن الله - - لما كان من حكمته وإرادته جعل الرسالة في قريش وأبقاؤها إلى الوقت الذي أراد أن يبقى؛ جعل لهم من الأمن في ذلك المكان والأرزاق التي تجبى إليهم، وما يتعيشون به في ذلك؛ ليبقوا إلى الوقت الذي أراد بقاءهم إليه؛ فيكون ما أراد على ما أراد، فكما أنشأ هذا العالم للبقاء إلى الوقت الذي أراد أن يبقوا فيه جعل لهم من الأرزاق ما يبقون إلى الوقت الذي أراد؛ ليكن ما أراد؛ فعلى ذلك الأول.
قال القتبي: الإيلاف: مصدر آلفت فلانا إيلافا؛ كما تقول: ألزمته إلزاما.
وقال الكسائي: آلفت المكان، وألفته؛ لغتان.
وعن ابن عباس - -: ﴿ لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ ﴾ ، أي: كصنع قريش ﴿ إِيلاَفِهِمْ ﴾ ، أي: صنيعهم، ﴿ رِحْلَةَ ٱلشِّتَآءِ وَٱلصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَـٰذَا ٱلْبَيْتِ * ٱلَّذِيۤ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ ﴾ السنين الذي أصابهم، ﴿ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ ﴾ العدو، والله أعلم.
الَّذي أطعمهم من جوع، وآمنهم من خوف، بما وضع في قلوب العرب من تعظيم الحرم، وتعظيم سكانه.
(قريش) اسم للقبائل العربية من ولد النضر بن كنانة، كما قال القرطبي وعليه الفقهاء.
أو من ولد فهر بن مالك بن النضر بن كنانة، على ما قال الزبير بن بكار أنه قول جميع النسابين.
والإيلاف: من معنى الألفة والائتلاف.
وفيه معنى أنس شيء إلى آخر وتعلقه به.
وسلامته عن النفور منه.
وكانت لقريش رحلتان: إحداهما إلى اليمن زمن الشتاء، والأخرى إلى الشام في فصل الصيف..
يذهب التجار فيهما للكسب، واجتلاب الربح، والاستكثار من الرزق.
وكانت قوافل قريش معروفة عند العرب، محترمة في نفوسهم، لأنهم سكان مكة وجيران بيت الله، فكانوا يذهبون آمنين ويعودون سالمين، لا يمسهم السوء، على كثرة ما كان بين العرب من النهب والسلب.
فكان احترام البيت ضربًا من القوة المعنوية التي كانت تحتمي بها قريش في أسفار أرباب التجارة منها..
ولهذا ألفت نفوسهم تلك الأسفار، وتعلقت بالرحيل لاستدرار مادة الرزق.
ولو نزلت مكانة البيت من نفوس العرب، ونقصت حرمته عندهم، واستطالت الأيدي بالتعدي على سفارهم -لنفروا من تلك الرحلات، وكرهتها نفوسهم، فقلت وسائل الكسب بينهم، لأن أرضهم ليست بذات زرع، وما هم بأهل صناعة مشهورة يحتاج الناس إليها فيأتونهم-وهم في عقر ديارهم- ليأخذوا منها...
فكانت تضيق عليهم مسالك الأرزاق، وتنقطع عنهم ينابيع الخير.
وهذا الإجلال -الذي ملك نفوس العرب من البيت الحرام- إنما هو من تسخير رب البيت سبحانه.
وقد حفظ حرمته برد الحبشة الذين أرادوا هدمه وإهلاكهم قبل أن ينقضوا منه حجرًا، بل قبل أن يدنوا منه، بل زاد ذلك في إجلاله لتدوم ألفتهم للأسفار والترحل في الصيف والشتاء.
فعليهم أن (يعبدوا رب هذا البيت) الذي حماه، ومكن منزلته من النفوس.
وقد (أطعمهم) بذلك، وأوسع لهم من الرزق...
ولولا ذلك لكانوا في جوع وضنك عيش.
(وآمنهم) من التعدي وتطاول الأيدي إلى أموالهم وأرواحهم..
ولولا ذلك لأخذهم الخوف من كل مكان.
فإذا كانوا يعرفون أن هذا كله إنما هو فضل رب هذا البيت، فلم يتوسلون إليه بتعظيم غيره.
وتوسيط سواه عنده، مع أنه لا فضل لأحد ممن يوسطونه في شيء من النعمة التي هم فيها: نعمة الأمن -وهي أكبر نعمة- ونعمة الرزق وكفاية الحاجة؟
من الحق أن يفردوه بالتعظيم، ويخصوه بالإخلاص.
لهذا المعنى الذي بيناه ذهب بعض المفسرين إلى أن هذه السورة متعلقة بالتي قبلها، وأن اللام في قوله: لإيلاف قريش، متعلقة بقوله: فجعلهم كعصف مأكول.
أي أنه أرسل الجماعات من الطير على أصحاب الفيل ترميهم بالحجارة حتى أُصيبوا بمرض الجدري أو الحصبة وهلكوا به..
فعل ذلك كله لإيلاف قريش رحلة الشتاء.
وهو وجيه ولا ينافيه الفصل بالبسملة، وكونها سورة مستقلة، لأنه لا مانع من أن تكون سورة مستقلة متعلقة بأخرى.
والفصل إنما هو لإظهار العناية بما احتوت عليه كل من السورتين، حتى إن كل جملة مما حوتاه يصح أن تقصد لذاتها.
وما تضمنته سورة قريش جدير بالعناية، لأن الخطاب والتذكير كان لهم، وهم قومه ، والسامعون لدعوته..
فحق أن يفصل ما يختص بهم عما قبله بفاصل يلفت الذهن إليه، وإن كان مرتبطًا به.
وبعضهم يقول: إن اللام متعلقة بمحذوف.
أي اعجبوا لإيلاف قريش وما فيه من عظم النعمة، وهو من إجلال العرب للبيت، وذلك من فضل ربه..
ومع ذلك يعظمون غيره ويتوسلون إليه بسواه، فإن لم تكن هناك نعمة سوى هذه النعمة فليعبدوه ويخلصوا له لأجلها.
وهذا خلاف لا يهم طالب العظة والاعتبار.
فوجه التذكير ظاهر: إيلافهم رحلة الشتاء بدل إيلاف قريش.
وإفراد الرحلة مع إضافتها إلى متعدد مما يعرف مثله في كلام العرب.
قال شاعرهم: * حمامة بطن الواديين ترنمي * ولم يقل بطني الواديين.
وقال آخر: كلوا في بعض بطنكم تعفوا فإن زمانكم زمن خميص ولم يقل في أبعاض بطونكم.
وبقية المعنى ظاهر مما سبق بيانه والله أعلم.