الآية ٢ من سورة النصر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 110 النصر > الآية ٢ من سورة النصر

وَرَأَيْتَ ٱلنَّاسَ يَدْخُلُونَ فِى دِينِ ٱللَّهِ أَفْوَاجًۭا ٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 86 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢ من سورة النصر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢ من سورة النصر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وروى ابن جرير ، عن محمد بن حميد ، عن مهران ، عن الثوري ، عن عاصم ، عن أبي رزين ، عن ابن عباس ، فذكر مثل هذه القصة ، أو نحوها .

وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن فضيل ، حدثنا عطاء ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : لما نزلت : ( إذا جاء نصر الله والفتح ) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " نعيت إلي نفسي " .

.

بأنه مقبوض في تلك السنة .

تفرد به أحمد .

وروى العوفي ، عن ابن عباس ، مثله .

وهكذا قال مجاهد وأبو العالية والضحاك وغير واحد : إنها أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم نعي إليه .

وقال ابن جرير : حدثني إسماعيل بن موسى ، حدثنا الحسين بن عيسى الحنفي ، عن معمر ، عن الزهري ، عن أبي حازم ، عن ابن عباس قال : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة إذ قال : " الله أكبر ، الله أكبر!

جاء نصر الله والفتح ، جاء أهل اليمن " .

قيل : يا رسول الله ، وما أهل اليمن ؟

قال : " قوم رقيقة قلوبهم ، لينة طباعهم ، الإيمان يمان ، والفقه يمان ، والحكمة يمانية " ثم رواه عن ابن عبد الأعلى ، عن ابن ثور ، عن معمر ، عن عكرمة مرسلا .

وقال الطبراني : حدثنا زكريا بن يحيى ، حدثنا أبو كامل الجحدري ، حدثنا أبو عوانة ، عن هلال بن خباب ، عن عكرمة عن ابن عباس قال : لما نزلت : ( إذا جاء نصر الله والفتح ) حتى ختم السورة ، قال : نعيت لرسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه حين نزلت ، قال : فأخذ بأشد ما كان قط اجتهادا في أمر الآخرة .

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك : " جاء الفتح ونصر الله ، وجاء أهل اليمن " .

فقال رجل : يا رسول الله ، وما أهل اليمن ؟

قال : " قوم رقيقة قلوبهم ، لينة قلوبهم ، الإيمان يمان ، والفقه يمان " .

وقال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، عن سفيان ، عن عاصم ، عن أبي رزين ، عن ابن عباس قال : لما نزلت : ( إذا جاء نصر الله والفتح ) علم النبي صلى الله عليه وسلم أنه قد نعيت إليه نفسه ، فقيل : ( إذا جاء نصر الله والفتح ) السورة كلها .

حدثنا وكيع ، عن سفيان ، عن عاصم ، عن أبي رزين : أن عمر سأل ابن عباس عن هذه الآية : ( إذا جاء نصر الله والفتح ) قال : لما نزلت نعيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه وقال الطبراني : حدثنا إبراهيم بن أحمد بن عمر الوكيعي ، حدثنا أبي ، حدثنا جعفر بن عون ، عن أبي العميس ، عن أبي بكر بن أبي الجهم ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن ابن عباس قال : آخر سورة نزلت من القرآن جميعا : ( إذا جاء نصر الله والفتح ) .

وقال الإمام أحمد أيضا : حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن عمرو بن مرة ، عن أبي البختري الطائي ، عن أبي سعيد الخدري ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : لما نزلت هذه السورة : ( إذا جاء نصر الله والفتح ) قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ختمها ، فقال : " الناس حيز ، وأنا وأصحابي حيز " .

وقال : " لا هجرة بعد الفتح ، ولكن جهاد ونية " .

فقال له مروان : كذبت - وعنده رافع بن خديج وزيد بن ثابت ، قاعدان معه على السرير - فقال أبو سعيد : لو شاء هذان لحدثاك ، ولكن هذا يخاف أن تنزعه عن عرافة قومه ، وهذا يخشى أن تنزعه عن الصدقة .

فرفع مروان عليه الدرة ليضربه ، فلما رأيا ذلك قالا : صدق .

تفرد به أحمد ، وهذا الذي أنكره مروان على أبي سعيد ليس بمنكر ، فقد ثبت من رواية ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم الفتح : " لا هجرة ، ولكن جهاد ونية ، ولكن إذا استنفرتم فانفروا " .

أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما .

فالذي فسر به بعض الصحابة من جلساء عمر رضي الله عنهم أجمعين ، من أنه قد أمرنا إذا فتح الله علينا المدائن والحصون أن نحمد الله ونشكره ونسبحه ، يعني نصلي ونستغفره - معنى مليح صحيح ، وقد ثبت له شاهد من صلاة النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة وقت الضحى ثماني ركعات ، فقال قائلون : هي صلاة الضحى .

وأجيبوا بأنه لم يكن يواظب عليها ، فكيف صلاها ذلك اليوم وقد كان مسافرا لم ينو الإقامة بمكة ؟

ولهذا أقام فيها إلى آخر شهر رمضان قريبا من تسعة عشر يوما يقصر الصلاة ويفطر هو وجميع الجيش ، وكانوا نحوا من عشرة آلاف .

قال هؤلاء : وإنما كانت صلاة الفتح ، قالوا : فيستحب لأمير الجيش إذا فتح بلدا أن يصلي فيه أول ما يدخله ثماني ركعات .

وهكذا فعل سعد بن أبي وقاص يوم فتح المدائن ، ثم قال بعضهم : يصليها كلها بتسليمة واحدة .

والصحيح أنه يسلم من كل ركعتين ، كما ورد في سنن أبي داود : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسلم يوم الفتح من كل ركعتين .

وأما ما فسر به ابن عباس وعمر رضي الله عنهما ، من أن هذه السورة نعي فيها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه الكريمة ، واعلم أنك إذا فتحت مكة - وهي قريتك التي أخرجتك - ودخل الناس في دين الله أفواجا ، فقد فرغ شغلنا بك في الدنيا ، فتهيأ للقدوم علينا والوفود إلينا ، فالآخرة خير لك من الدنيا ، ولسوف يعطيك ربك فترضى ،

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

حدثنا ابن المثنى, قال: ثني عبد الأعلى, قال: ثنا داود، عن عامر, عن مسروق, عن عائشة, قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر من قول: سبحان الله وبحمده, وأستغفر الله وأتوب إليه; قالت: فقلت: يا رسول الله أراك تُكثر قول: سبحان الله وبحمده, وأستغفر الله وأتوب إليه, فقال: " خَبَّرَنِي رَبِّي أنّي سأرَى عَلامَةً فِي أمَّتِي, فإذَا رَأَيْتُهَا أكْثَرْتُ مِنْ قَوْل سُبْحَانَ الله وبحَمْدِهِ, وأسْتَغْفِرُهُ وأتُوبُ إلَيْهِ, فَقَدْ رَأَيْتُها( إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ) فتح مكة ( وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) " .

حدثنا ابن وكيع, قال: ثنا عبد الأعلى, قال: ثنا داود عن الشعبي, عن مسروق, عن عائشة, عن النبي صلى الله عليه وسلم, بنحوه.

حدثنا ابن المثنى, قال: ثنا عبد الوهاب, قال: ثنا داود, عن عامر, عن عائشة, قالت: كان نبي الله صلى الله عليه وسلم يكثر قبل موته من قول سبحان الله وبحمده ثم ذكر نحوه .

حدثني إسحاق بن شاهين, قال: ثنا خالد, عن داود, عن عامر, عن مسروق, عن عائشة, عن النبي صلى الله عليه وسلم, بنحوه.

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن عكرمة قال : لما نـزلت: ( إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ) قال النبيّ صلى الله عليه وسلم : " جَاءَ نَصْرُ الله والفَتْحُ, وَجَاءَ أهْلُ اليَمَنِ", قالوا: يا نبيّ الله, وما أهل اليمن؟

قال: " رَقِيقَةٌ قُلُوبُهُمْ, لَيِّنَةٌ طِبَاعُهُمْ, الإيمَانُ يَمَانٍ, والْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ" .

وأما قوله;( أَفْوَاجًا ) فقد تقدّم ذكره في معنى أقوال أهل التأويل.

وقد حدثني الحارث, قال: ثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا الحسن, قال : ثنا ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد ( فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا ) قال: زُمرًا زُمرًا .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا قوله تعالى : ورأيت الناس أي العرب وغيرهم .

يدخلون في دين الله أفواجا أي جماعات : فوجا بعد فوج .

وذلك لما فتحت مكة قالت العرب : أما إذا ظفر محمد بأهل الحرم ، وقد كان الله أجارهم من أصحاب الفيل ، فليس لكم به يدان .

فكانوا يسلمون أفواجا : أمة أمة .

قال الضحاك : والأمة : أربعون رجلا .

وقال عكرمة ومقاتل : أراد بالناس أهل اليمن .

وذلك أنه ورد من اليمن سبعمائة إنسان مؤمنين طائعين ، بعضهم يؤذنون ، وبعضهم يقرءون القرآن ، وبعضهم يهللون ؛ فسر النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك ، وبكى عمر وابن عباس .

وروى عكرمة عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ : إذا جاء نصر الله والفتح وجاء أهل اليمن رقيقة أفئدتهم ، لينة طباعهم ، سخية قلوبهم ، عظيمة خشيتهم ، فدخلوا في دين الله أفواجا .

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أتاكم أهل اليمن ، هم أضعف قلوبا ، وأرق أفئدة ، الفقه يمان ، والحكمة يمانية .

وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - قال : إني لأجد نفس ربكم من قبل اليمن وفيه تأويلان : أحدهما : أنه الفرج ؛ لتتابع إسلامهم أفواجا .

والثاني : معناه أن الله تعالى نفس الكرب عن نبيه - صلى الله عليه وسلم - بأهل اليمن ، وهم الأنصار .

وروى جابر بن عبد الله قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : إن الناس دخلوا في دين الله أفواجا ، وسيخرجون منه أفواجا ذكره الماوردي ، ولفظ الثعلبي : وقال أبو عمار حدثني جابر لجابر ، قال : سألني جابر عن حال الناس ، فأخبرته عن حال اختلافهم وفرقتهم ؛ فجعل يبكي ويقول : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : إن الناس دخلوا في دين الله أفواجا ، وسيخرجون من دين الله أفواجا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ودخول الناس في دين الله أفواجًا، بحيث يكون كثير منهم من أهله وأنصاره، بعد أن كانوا من أعدائه، وقد وقع هذا المبشر به،

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا ) زمرا وأرسالا القبيلة بأسرها ، والقوم بأجمعهم من غير قتال .

قال الحسن : لما فتح الله - عز وجل - مكة على رسوله قالت العرب بعضها لبعض : إذا ظفر محمد بأهل الحرم - وقد كان الله أجارهم من أصحاب الفيل - فليس لكم به يدان ، فكانوا يدخلون في دين الله أفواجا بعد أن كانوا يدخلون واحدا واحدا ، واثنين اثنين .

وقال عكرمة ومقاتل : أراد بالناس أهل اليمن : أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد الله الطيسفوني أخبرنا عبد الله بن عمر الجوهري حدثنا أحمد بن الكشميهني حدثنا علي بن حجر حدثنا إسماعيل بن جعفر حدثنا محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " أتاكم أهل اليمن هم أضعف قلوبا وأرق أفئدة الإيمان والحكمة يمانية " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ورأيت الناس يدخلون في دين الله» أي الإسلام «أفواجا» جماعات بعدما كان يدخل فيه واحد واحد، وذلك بعد فتح مكة جاءه العرب من أقطار الأرض طائعين.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ورأيت الكثير من الناس يدخلون في الإسلام جماعات جماعات.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

قال الإِمام ابن كثير : والمراد بالفتح هنا فتح مكة قولا واحدا ، فإن أحياء العرب كانت تتلوم - أى : تنتظر - بإسلامها فتح مكة ، يقولون : إن ظهر على قومه فهو نبى ، فلما فتح الله عليه مكة ، دخلوا فى دين الله أفواجا ، فلم تمض سنتان حتى استوسقت - أى : اجتمعت - جزيرة العرب على الإِيمان ، ولم يبق فى سائر قبائل العرب إلا مظهر للإِسلام ، ولله الحمد والمنة .والأفواج : جمع فوج ، وهو الجماعة والطائفة من الناس

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

فيه مسائل: المسألة الأولى: (رأيت) يحتمل أن يكون معناه أبصرت، وأن يكون معناه علمت، فإن كان معناه أبصرت كان يدخلون في محل النصب على الحال، والتقدير: ورأيت الناس حال دخولهم في دين الله أفواجاً، وإن كان معناه علمت كان ﴿ يدخلون في دين الله ﴾ مفعولاً ثانياً لعلمت، والتقدير: علمت الناس داخلين في دين الله.

المسألة الثانية: ظاهر لفظ الناس للعموم، فيقتضي أن يكون كل الناس كانوا قد دخلوا في الوجود مع أن الأمر ما كان كذلك الجواب: من وجهين: الأول: أن المقصود من الإنسانية والعقل، إنما هو الدين والطاعة، على ما قال: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ  ﴾ فمن أعرض عن الدين الحق وبقي على الكفر، فكأنه ليس بإنسان، وهذا المعنى هو المراد من قوله: ﴿ أُوْلَئِكَ كالأنعام بَلْ هُمْ أَضَلُّ  ﴾ وقال: ﴿ آمنوا كما آمن الناس  ﴾ وسئل الحسن بن علي عليه السلام من الناس؟

فقال: نحن الناس، وأشياعنا أشباه الناس، وأعداؤنا النسناس، فقبله علي عليه السلام بين عينيه، وقال: الله أعلم حيث يجعل رسالته، فإن قيل: إنهم إنما دخلوا في الإسلام بعد مدة طويلة وتقصير كثير، فكيف استحقوا هذا المدح العظيم؟

قلنا: هذا فيه إشارة إلى سعة رحمة الله، فإن العبد بعد أن أتى بالكفر والمعصية طول عمره، فإذا أتى بالإيمان في آخر عمره يقبل إيمانه، ويمدحه هذا المدح العظيم، ويروى أن الملائكة يقولون لمثل هذا الإنسان: أتيت وإن كنت قد أبيت.

ويروى أنه عليه السلام قال: «لله أفرح بتوبة أحدكم من الضال الواجد، والظمآن الوارد» والمعنى كان الرب تعالى يقول: ربيته سبعين سنة، فإن مات على كفره فلابد وأن أبعثه إلى النار، فحينئذ يضيع إحساني إليه في سبعين سنة، فكلما كانت مدة الكفر والعصيان أكثر كانت التوبة عنها أشد قبولاً الوجه الثاني: في الجواب، روى أن المراد بالناس أهل اليمن، قال أبو هريرة: لما نزلت هذه السورة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الله أكبر جاء نصر الله والفتح، وجاء أهل اليمن قوم رقيقة قلوبهم الإيمان يمان والفقه يمان والحكمة يمانية»، وقال: «أجد نفس ربكم من قبل اليمن».

المسألة الثالثة: قال جمهور الفقهاء وكثير من المتكلمون: إن إيمان المقلد صحيح، واحتجوا بهذه الآية، قالوا: إنه تعالى حكم بصحة إيمان أولئك الأفواج وجعله من أعظم المنن على محمد عليه السلام، ولو لم يكن إيمانهم صحيحاً لما ذكره في هذا المعرض، ثم إنا نعلم قطعاً أنهم ما كانوا عالمين حدوث الأجساد بالدليل ولا إثبات كونه تعالى منزهاً عن الجسمية والمكان والحيز ولا إثبات كونه تعالى عالماً بجميع المعلومات التي لا نهاية لها ولا إثبات قيام المعجز التام على يد محمد صلى الله عليه وسلم، ولا إثبات أن قيام المعجز كيف يدل على الصدق والعلم بأن أولئك الأعراب ما كانوا عالمين بهذه الدقائق ضروري، فعلمنا أن إيمان المقلد صحيح، ولا يقال: إنهم كانوا عالمين بأصول دلائل هذه المسائل لأن أصول هذه الدلائل ظاهرة، بل إنما كانوا جاهلين بالتفاصيل إلا أنه ليس من شرط كون الإنسان مستدلاً كونه عالماً بهذه التفاصيل، لأنا نقول: إن الدليل لا يقبل الزيادة والنقصان، فإن الدليل إذا كان مثلاً مركباً من عشر مقدمات، فمن علم تسعة منها، وكان في المقدمة العاشرة مقلداً كان في النتيجة مقلداً لا محالة لأن فرع التقليد أولى أن يكون تقليداً وإن كان عالماً بمجموع تلك المقدمات العشرة استحال كون غيره أعرف منه بذلك الدليل، لأن تلك الزيادة إن كانت جزأً معتبراً في دلالة هذا الدليل لم تكن المقدمات العشرة الأولى تمام الدليل، فإنه لابد معها من هذه المقدمة الزائدة، وقد كنا فرضنا تلك العشرة كافية، وإن لم تكن الزيادة معتبرة في دلالة ذلك الدليل كان ذلك أمراً منفصلاً عن ذلك الدليل غير معتبر في كونه دليلاً على ذلك المدلول، فثبت أن العلم بكون الدليل دليلاً لا يقبل الزيادة والنقصان، فأما أن يقال: إن أولئك الأعراب كانوا عالمين بجميع مقدمات دلائل هذه المسائل بحيث ما شذ عنهم من تلك المقدمات واحدة، وذلك مكابرة أو ما كانوا كذلك.

فحينئذ ثبت أنهم كانوا مقلدين، ومما يؤكذ ما ذكرنا ما روى عن الحسن أنه قال: لما فتح رسول الله مكة أقبلت العرب بعضها على بعض فقالوا: إذا ظفر بأهل الحرم وجب أن يكون على الحق، وقد كان الله أجارهم من أصحاب الفيل، وكل من أرادهم بسوء ثم أخذوا يدخلون في الإسلام أفواجاً من غير قتال، هذا ما رواه الحسن، ومعلوم أن الاستدلال بأنه لما ظفر بأهل مكة وجب أن يكون على الحق ليس بجيد، فعلمنا أنهم ما كانوا مستدلين بل مقلدين.

المسألة الرابعة: دين الله هو الإسلام لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الدّينَ عِندَ الله الإسلام  ﴾ ولقوله: ﴿ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ  ﴾ وللدين أسماء أخرى، منها الإيمان قال الله تعالى: ﴿ فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ  فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ ٱلْمُسْلِمِينَ  ﴾ ومنها الصراط قال تعالى: ﴿ صراط الله الذي لَهُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الارض  ﴾ ومنها كلمة الله، ومنها النور: ﴿ لِيُطْفِئُواْ نُورَ الله  ﴾ ومنها الهدي لقوله: ﴿ يَهْدِى بِهِ مَن يَشَاء  ﴾ ومنها العروة: ﴿ فَقَدِ استمسك بالعروة الوثقى  ﴾ ومنها الحبل: ﴿ واعتصموا بِحَبْلِ الله  ﴾ ومنها صبغة الله، وفطرة الله، وإنما قال: ﴿ فِى دِينِ الله ﴾ ولم يقل: في دين الرب، ولا سائر الأسماء لوجهين: الأول: أن هذا الاسم أعظم الأسماء لدلالته على الذات والصفات، فكأنه يقول: هذا الدين إن لم يكن له خصلة سوى أنه دين الله فإنه يكون واجب القبول والثاني: لو قال: دين الرب لكان يشعر ذلك بأن هذا الدين إنما يجب عليك قبوله لأنه رباك، وأحسن إليك وحينئذ تكن طاعتك له معللة بطلب النفع، فلا يكون الإخلاص حاصلاً، فكأنه يقول أخلص الخدمة بمجرد أني إله لا لنفع يعود إليك.

المسألة الخامسة: الفوج: الجماعة الكثيرة كانت تدخل فيه القبيلة بأسرها بعدما كانوا يدخلون فيه واحداً واحداً وإثنين إثنين، وعن جابر بن عبد الله أنه بكى ذات يوم فقيل له: ما يبكيك فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: دخل الناس في دين الله أفواجاً، وسيخرجون منه أفواجاً نعوذ بالله من السلب بعد العطاء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ إِذَا جَاء ﴾ منصوب بسبح، وهو لما يستقبل.

والاعلام بذلك قبل كونه من أعلام النبوّة.

روي أنها نزلت في أيام التشريق بمنى في حجة الوداع.

فإن قلت: ما الفرق بين النصر والفتح حتى عطف عليه؟

قلت: النصر الإغاثة والإظهار على العدوّ.

ومنه: نصر الله الأرض غاثها.

والفتح: فتح البلاد والمعنى نصر رسول الله صلى الله عليه وسلم على العرب أو على قريش وفتح مكة وقيل: جنس نصر الله للمؤمنين وفتح بلاد الشرك عليهم.

وكان فتح مكة لعشر مضين من شهر رمضان سنة ثمان، ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار وطوائف العرب، وأقام بها خمس عشرة ليلة، ثم خرج إلى هوازن، وحين دخلها وقف على باب الكعبة، ثم قال: «لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده» ، ثم قال: «يا أهل مكة، ما ترون أني فاعل بكم؟» قالوا: خيراً أخ كريم وابن أخ كريم.

قال: «اذهبوا فأنتم الطلقاء» ، فأعتقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان الله تعالى أمكنه من رقابهم عنوة، وكانوا له فيئاً، فلذلك سمى أهل مكة الطلقاء، ثم بايعوه على الإسلام ﴿ فِى دِينِ الله ﴾ في ملة الإسلام التي لا دين له يضاف إليه غيرها ﴿ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ ﴾ [آل عمران: 85] .

﴿ أَفْوَاجاً ﴾ جماعات كثيفة كانت تدخل فيه القبيلة بأسرها بعد ما كانوا يدخلون فيه واحداً واحداً واثنين اثنين.

وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه: أنه بكى ذات يوم، فقيل له.

فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «دخل الناس في دين الله أفواجا وسيخرجون منه أفواجا» وقيل: أراد بالناس أهل اليمن.

وقال أبو هريرة: لما نزلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الله أكبر جاء نصر الله والفتح، وجاء أهل اليمن: قوم رقيقة قلوبهم، الإيمان يمان، والفقه يمان، والحكمة يمانية» وقال: «أجد نفير ربكم من قبل اليمن» وعن الحسن: لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة أقبلت العرب بعضها على بعض، فقالوا: أما إذ ظفر بأهل الحرم فليس به يدان، وقد كان الله أجارهم من أصحاب الفيل وعن كل من أرادهم، فكانوا يدخلون في الإسلام أفواجاً من غير قتال.

وقرأ ابن عباس: فتح الله والنصر.

وقرئ: ﴿ يدخلون ﴾ على البناء للمفعول.

فإن قلت: ما محل يدخلون؟

قلت: النصب إما على الحال، على أن رأيت بمعنى أبصرت أو عرفت.

أو هو مفعول ثانٍ على أنه بمعنى علمت ﴿ فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ ﴾ فقل سبحان الله: حامداً له، أي: فتعجب لتيسير الله ما لم يخطر ببالك وبال أحد من أن يغلب أحد على أهل الحرم، واحمده على صنعه.

أو: فاذكره مسبحاً حامداً، زيادة في عبادته والثناء عليه، لزيادة إنعامه عليك.

أو فصل له.

روت أمّ هانئ: أنه لما فتح باب الكعبة صلى صلاة الضحى ثماني ركعات، وعن عائشة: كان عليه الصلاة والسلام يكثر قبل موته أن يقول: «سبحانك اللهم وبحمدك، أستغفرك وأتوب إليك» ، والأمر بالاستغفار مع التسبيح تكميل للأمر بما هو قوام أمر الدين: من الجمع بين الطاعة والاحتراس من المعصية، ليكون أمره بذلك مع عصمته لطفاً لأمته، ولأنّ الاستغفار من التواضع لله وهضم النفس، فهو عبادة في نفسه.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «إني لأستغفر في اليوم والليلة مائة مرة» وروي: أنه لما قرآها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أصحابه استبشروا وبكى العباس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما يبكيك يا عم» ؟

قال: نعيت إليك نفسك.

قال: «إنها لكما تقول» فعاش بعدها سنتين لم ير فيهما ضاحكاً مستبشراً، وقيل: إن ابن عباس هو الذي قال ذلك؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد أوتي هذا الغلام علماً كثيراً» وروي: أنها لما نزلت خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إن عبداً خيره الله بين الدنيا وبين لقائه، فاختار لقاء الله» ، فعلم أبو بكر رضي الله عنه، فقال: فديناك بأنفسما وأموالنا وآبائنا وأولادنا.

وعن ابن عباس أن عمر رضي الله عنهما كان يدينه ويأذن له مع أهل بدر، فقال عبد الرحمن: أتأذن لهذا الفتى معنا وفي آبائنا من هو مثله؟

فقال إنه ممن قد علمتم.

قال ابن عباس: فأذن لهم ذات يوم، وأذن لي معهم، فسألهم عن قول الله تعالى: ﴿ إِذَا جَاء نَصْرُ الله ﴾ ولا أراه سألهم إلاّ من أجلي؛ فقال بعضهم: أمر الله نبيه إذا فتح عليه أن يستغفره ويتوب إليه؛ فقلت: ليس كذلك، ولكن نعيت إليه نفسه؛ فقال عمر: ما أعلم منها إلاّ مثل ما تعلم، ثم قال: كيف تلومونني عليه بعدما ترون؟

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه دعا فاطمة رضي الله عنها فقال: «يا بنتاه إنه نعيت إليّ نفسي» ، فبكت، فقال: «لا تبكي، فإنك أوّل أهلي لحوقاً بي» وعن ابن مسعود أنّ هذه السورة تسمى سورة التوديع ﴿ كَانَ تَوَّاباً ﴾ أي: كان في الأزمنة الماضية منذ خلق المكلفين تواباً عليهم إذا استغفروا، فعلى كل مستغفر أن يتوقع مثل ذلك.

عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة إذا جاء نصر الله أعطي من الأجر كمن شهد مع محمد يوم فتح مكة» .

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

سُورَةُ النَّصْرِ مَدَنِيَّةٌ، وآيُها ثَلاثُ آياتٍ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ ﴾ إظْهارُهُ إيّاكَ عَلى أعْدائِكَ.

﴿ والفَتْحُ ﴾ وفَتْحُ مَكَّةَ، وقِيلَ: المُرادُ جِنْسُ نَصْرِ اللَّهِ المُؤْمِنِينَ وفَتْحُ مَكَّةَ وسائِرِ البِلادِ عَلَيْهِمْ، وإنَّما عَبَّرَ عَنِ الحُصُولِ بِالمَجِيءِ تَجَوُّزًا لِلْإشْعارِ بِأنَّ المُقَدَّراتِ مُتَوَجِّهَةٌ مِنَ الأزَلِ إلى أوْقاتِها المُعَيَّنَةِ لَها فَتَقْرُبُ مِنها شَيْئًا فَشَيْئًا، وقَدْ قَرُبَ النَّصْرُ مِن وقْتِهِ فَكُنْ مُتَرَقِّبًا لِوُرُودِهِ مُسْتَعِدًّا لِشُكْرِهِ.

﴿ وَرَأيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا ﴾ جَماعاتٍ كَثِيفَةً كَأهْلِ مَكَّةَ والطّائِفِ واليَمَنِ وهَوازِنَ وسائِرِ قَبائِلِ العَرَبِ، ويَدْخُلُونَ حالٌ عَلى أنَّ رَأيْتَ بِمَعْنى أبْصَرْتَ أوْ مَفْعُولٌ ثانٍ عَلى أنَّهُ بِمَعْنى عَلِمْتَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَرَأَيْتَ الناس يَدْخُلُونَ} هو حال من الناس على أن رَأَيْتُ بمعنى أبصرت أو عرفت أو مفعول ثانٍ على أنه بمعنى علمت {فِى دِينِ الله أفواجا} هو حال من فاعل يدخلون وجواب إذا فَسَبّحْ أي إذا جاء نصر الله إياك على من ناواك وفتح البلاد ورأيت أهل اليمن يدخلون في ملة الإسلام جماعات كثيرة بعد ما كانوا يدخلون فيه واحداً واحداً واثنين اثنين

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ورَأيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا ﴾ ولَوْ بِاعْتِبارٍ آخَرَ داخِلٍ؛ وهو مِمّا لا بَأْسَ بِهِ إنْ لَمْ يَكُنِ النُّزُولُ بَعْدَ تَمامِ الدُّخُولِ.

وقِيلَ: المُرادُ جِنْسُ نَصْرِ اللَّهِ تَعالى لِرَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والمُؤْمِنِينَ، وجِنْسُ الفَتْحِ؛ فَيَعُمُّ ما كانَ في أمْرِ مَكَّةَ -زادَها اللَّهُ تَعالى شَرَفًا- وغَيْرِهِ، وأمْرُ الِاسْتِقْبالِ عَلَيْهِ ظاهِرٌ، وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ بِالمَجِيءِ الحُصُولُ وهو حَقِيقَةٌ فِيهِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ كَلامِ الرّاغِبِ.

وقالَ القاضِي: مَجازٌ، والظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ في «رَأيْتَ» لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ أوْ عِلْمِيَّةٌ مُتَعَدِّيَةٌ لِمَفْعُولَيْنِ، و«النّاسَ» العَرَبُ.

و«دِينِ اللَّهِ» مِلَّةُ الإسْلامِ الَّتِي لا دِينَ لَهُ تَعالى يُضافُ إلَيْهِ غَيْرُها، والأفْواجُ جَمْعُ فَوْجٍ وهو عَلى ما قالَ الرّاغِبُ: الجَماعَةُ المارَّةُ المُسْرِعَةُ ويُرادُ بِهِ مُطْلَقُ الجَماعَةِ.

قالَ الحُوفِيُّ: وقِياسُ جَمْعِهِ أفْوُجٌ؛ ولَكِنِ اسْتُثْقِلَتِ الضَّمَّةُ عَلى الواوِ فَعُدِّلَ إلى أفْواجٍ.

وفي البَحْرِ: قِياسُ فِعْلٍ صَحِيحِ العَيْنِ أنْ يُجْمَعَ عَلى أفْعُلٍ لا عَلى أفْعالٍ، ومُعْتَلُّ العَيْنِ بِالعَكْسِ، فالقِياسُ فِيهِ أفْعالٌ كَحَوْضٍ وأحْواضٍ، وشَذَّ فِيهِ أفْعُلٌ كَثَوْبٍ وأثْوُبٌ.

ونَصْبُ ( أفْواجًا ) عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ ( يَدْخُلُونَ ) وأمّا جُمْلَةُ ( يَدْخُلُونَ ) فَهي حالٌ مِنَ النّاسِ عَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ في الرُّؤْيَةِ ومَعْفُولٌ ثانٍ عَلى الِاحْتِمالِ الثّانِي فِيها، وكَوْنُها حالًا أيْضًا بِجَعْلِ رَأيْتَ بِمَعْنى عَرَفْتَ كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ تَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِقَوْلِهِ: لا نَعْلَمُ أنْ رَأيْتَ جاءَتْ بِمَعْنى عَرَفْتَ، فَيُحْتاجُ في ذَلِكَ إلى اسْتِثْباتٍ، والمُرادُ بِدُخُولِ النّاسِ في دِينِهِ تَعالى أفْواجًا أيْ جَماعاتٍ كَثِيرَةً إسْلامُهم مِن غَيْرِ قَتّالٍ، وقَدْ كانَ ذَلِكَ بَيْنَ فَتْحِ مَكَّةَ ومَوْتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكانُوا قَبْلَ الفَتْحِ يَدْخُلُونَ فِيهِ واحِدًا واحِدًا واثْنَيْنِ اثْنَيْنِ.

أخْرَجَ البُخارِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ قالَ: لَمّا كانَ الفَتْحُ بادَرَ كُلُّ قَوْمٍ بِإسْلامِهِمْ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وكانَتِ الأحْياءُ تَتَلَوَّمُ بِإسْلامِها فَتْحَ مَكَّةَ فَيَقُولُونَ: دَعَوْهُ وقَوْمَهُ؛ فَإنْ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ فَهو نَبِيٌّ.

وعَنِ الحَسَنِ قالَ: لَمّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَكَّةَ قالَتِ الأعْرابُ: أمّا إذا ظَفِرَ بِأهْلِ مَكَّةَ وقَدْ أجارَهُمُ اللَّهُ تَعالى مِن أصْحابِ الفِيلِ فَلَيْسَ لَكم بِهِ يَدانِ، فَدَخَلُوا في دِينِ اللَّهِ تَعالى أفْواجًا.

وقالَ أبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ البَرِّ: لَمْ يُتَوَفَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وفي العَرَبِ رَجُلٌ كافِرٌ، بَلْ دَخَلَ الكُلُّ في الإسْلامِ بَعْدَ حُنَيْنٍ والطّائِفِ مِنهم مَن قَدِمَ، ومِنهم مَن قَدْ وافَدَهُ وتَأوَّلَ ذَلِكَ ابْنُ عَطِيَّةَ فَقالَ: المُرادُ -واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ- العَرَبُ عَبَدَةُ الأوْثانِ؛ فَإنَّ نَصارى بَنِي تَغْلِبَ ما أراهم أسْلَمُوا في حَياةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ولَكِنْ أعْطَوُا الجِزْيَةَ، ونَصَّ بَعْضُهم عَلى أنَّهم لَمْ يُسْلِمُوا إذْ ذاكَ فالمُرادُ بِالنّاسِ عَبَدَةُ الأوْثانِ مِنَ العَرَبِ كَأهْلِ مَكَّةَ والطّائِفِ واليَمَنِ وهَوازِنَ ونَحْوِهِمْ.

وقالَ عِكْرِمَةُ ومُقاتِلٌ: المُرادُ بِالنّاسِ أهْلُ اليَمَنِ وفَدَ مِنهم سَبْعُمِائَةِ رَجُلٍ وأسْلَمُوا واحْتَجَّ لَهُ بِما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ الحُصَيْنِ بْنِ عِيسى عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أبِي حازِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «بَيْنَما رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في المَدِينَةِ إذْ قالَ: «اللَّهُ أكْبَرُ، اللَّهُ أكْبَرُ، جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ، وجاءَ أهْلُ اليَمَنِ».

قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، وما أهْلُ اليَمَنِ؟

قالَ «قَوْمٌ رَقِيقَةٌ قُلُوبُهم لَيِّنَةٌ طاعَتُهُمُ الإيمانُ والفِقْهُ يَمانٍ والحِكْمَةُ يَمانِيَةٌ»».

وأخْرَجَ أيْضًا مِن طَرِيقِ عَبْدِ الأعْلى عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ مُرْسَلًا.

وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ««الإيمانُ يَمانٍ»» جاءَ في حَدِيثٍ أخْرَجَهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ: ««أتاكم أهْلُ اليَمَنِ هم أرَقُّ أفْئِدَةً وألْيَنُ قُلُوبًا، الإيمانُ يَمانٍ والحِكْمَةُ يَمانِيَةٌ»».

فَقِيلَ: قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ذَلِكَ لِأنَّ مَكَّةَ يَمانِيَةٌ؛ ومِنها بُعِثَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وفَشا الإيمانُ.

وقِيلَ: أرادَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَدْحَ الأنْصارِ لِأنَّهم يَمانُونَ وقَدْ تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ.

وقَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في الخَبَرِ في المَدِينَةِ يُعارِضُ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّ ذَلِكَ إنَّما قالَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِتَبُوكَ وكانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ اليَمَنِ مَكَّةُ والمَدِينَةُ وهُما دارا الإيمانِ ومَظْهَراهُ ويُحْتَمَلُ تَكْرارُ القَوْلِ، والظّاهِرُ أنَّهُ ثَناءٌ عَلى أهْلِ اليَمَنِ لِإسْراعِهِمْ إلى الإيمانِ وقَبُولِهِمْ لَهُ بِلا سَيْفٍ، ويَشْمَلُ الأنْصارَ مِن أهْلِ اليَمَنِ وغَيْرَهُمْ، فَكَأنَّ الإيمانَ كانَ في سِنْخِ قُلُوبِهِمْ فَقَبِلُوهُ كَما أنْهى إلَيْهِمْ كَمَن يَجِدُ ضالَّتَهُ، ومِثْلُهُ في الثَّناءِ عَلَيْهِمْ «قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «أجِدُ نَفَسَ رَبِّكم مِن قِبَلِ اليَمَنِ»».

وقالَ عِصامُ الدِّينِ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ فِي: «رَأيْتَ النّاسَ» عامًّا لِكُلِّ مُؤْمِنٍ ثُمَّ قالَ: وما يَخْتَلِجُ في القَلْبِ أنَّ المُناسِبَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا ﴾ أنْ يَحْمِلَ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ والفَتْحُ ﴾ عَلى فَتْحِ بابِ الدِّينِ عَلَيْهِمُ انْتَهى.

وكِلا الأمْرَيْنِ كَما تَرى.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ كَما أخْرَجَ أبُو عُبَيْدَةَ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ: «إذا جاءَ فَتْحُ اللَّهِ والنَّصْرُ».

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ: «يُدْخَلُونَ» بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وهي ثلاث آيات مكية قوله تعالى: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وروى عبد الملك بن سليمان قال: سمعت سعيد بن جبير يقول كان أناس من المهاجرين قد وجدوا عمر وفي إدنائه ابن عباس  ما دونهم وكان يسأله فقال عمر: أما إني سأريكم منه اليوم ما تعرفون به فضله فسأله عن هذه السورة إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ قال بعضهم: أمر الله تعالى نبيه محمدا  إذا رأى الناس يدخلون في دين الله أفواجا أن يحمده ويستغفره فقال لابن عباس تكلم، فقال أعلمه الله متى يموت فقال: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ فهي آيتك من الموت فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ، قال مقاتل لما نزلت هذه السورة قرأ رسول الله  على أصحابه أبي بكر وعمر  ما فاستبشروا فسمع بذلك ابن عباس فبكى فقال النبي  ما يبكيك فقال نعيت نفسك فقال: «صَدَقْتَ» فعاش بعد هذه السورة سنتين.

وروى أبو عبيد بن عبد الله أن النبي  كان يكثر أن يقول: «سُبْحَانَكَ رَبِّي وَبِحَمِدكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي» وقال علي  لما نزلت هذه السورة مرض النبيّ  فخرج إلى الناس فخطبهم وودعهم ثم دخل المنزل وتوفي بعد أيام.

وروي عن ابن عباس  ما في قوله تعالى: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ يعني: إذا أتاك نصر من الله تعالى على الأعداء من قريش وغيرهم، وَالْفَتْحُ يعني: فتح مكة والطائف وغيرها وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً يعني: جماعة جماعة وقبيلة قبيلة، وكان قبل ذلك يدخلون واحداً واحداً فدخلوا فوجاً فوجاً فإذا رأيت ذلك فاعلم أنك ميت فاستعد للموت بكثرة التسبيح والاستغفار فذلك قوله: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ يعني: سبحه، ويقال: يعني: سبح صل لربك وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً يعني: مسبحاً وذلك لمن تاب.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ النَّصْرِ وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ وَفِي أفْرادِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ جَمِيعًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ ﴾ أيْ: مَعُونَتُهُ عَلى الأعْداءِ.

والفَتْحُ: فَتْحُ مَكَّةَ.

قالَ الحَسَنُ: «لَمّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ  مَكَّةَ قالَتِ العَرَبُ: أما إذْ ظَفِرَ مُحَمَّدٌ بِأهْلِ الحَرَمِ، وقَدْ أجارَهُمُ اللَّهُ مِن أصْحابِ الفِيلِ، فَلَيْسَ لَكم بِهِ يَدانِ فَدَخَلُوا في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا.» قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: والأفْواجُ: جَماعاتٌ في تَفْرِقَةٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الصَّلاةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: التَّسْبِيحُ المَعْرُوفُ، قالَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: نُعِيَتْ إلَيْهِ نَفْسُهُ بِنُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ، وأُعْلِمَ أنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ أجْلُهُ، فَأُمِرَ بِالتَّسْبِيحِ والِاسْتِغْفارِ لِيُخْتَمَ لَهُ عُمْرُهُ بِالزِّيادَةِ في العَمَلِ الصّالِحِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿ إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ ﴾ : داعٍ مِنَ اللَّهِ، ووَداعٌ مِنَ الدُّنْيا.

قالَ قَتادَةُ: وعاشَ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ سَنَتَيْنِ.

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ النَصْرِ وهِيَ مَدَنِيَّةٌ اجْتِماعًا.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إذا جاءَ نَصْرُ اللهِ والفَتْحُ ﴾ ﴿ وَرَأيْتَ الناسَ يَدْخُلُونَ في دِينِ اللهِ أفْواجًا ﴾ ﴿ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ إنَّهُ كانَ تَوّابًا ﴾ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "إذا جاءَ نَصْرُ اللهِ والفَتْحُ"، وسَألَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ جَمْعًا مِنَ الصَحابَةِ الأشْياخِ وبِالحَضْرَةِ ابْنُ عَبّاسٍ، رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، عن مَعْنى هَذِهِ السُورَةِ وسَبَبُها، فَقالُوا كُلُّهُمْ: مُقْتَضى ظاهِرُ ألْفاظِها أنَّ رَسُولَ اللهِ  أمَرَ عِنْدَ الفُتُوحِ الَّتِي فُتِحَتْ عَلَيْهِ -مَكَّةُ وغَيْرُها- بِأنْ يُسَبِّحَ رَبَّهُ ويَحْمَدَهُ ويَسْتَغْفِرَهُ، فَقالَ لِابْنِ عَبّاسٍ: فَما تَقُولُ أنْتَ يا بْنَ عَبّاسٍ فَقالَ: هو أجْلُ رَسُولِ اللهِ  ، أعْلَمَهُ اللهُ تَعالى بِقُرْبِهِ إذا رَأى هَذِهِ الأشْياءَ، فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ ما أعْلَمُ مِنها إلّا ما ذَكَرْتَ.

وهَذا المَنزَعُ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ذَكَرَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وأصْحابُهُ، ومُجاهِدٌ وأصْحابُهُ، وقَتادَةُ والضَحّاكُ، ورَوَتْ مَعْناهُ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، «وَأنَّهُ  لَمّا فُتِحَتْ مَكَّةُ وأسْلَمَ العَرَبُ جَعَلَ يُكْثِرُ أنْ يَقُولَ: "سُبْحانَ اللهِ وبِحَمْدِهِ، اللهُمَّ إنِّي أسْتَغْفِرُكَ"، يَتَأوَّلُ القُرْآنَ في هَذِهِ السُورَةِ وقالَ لَها مَرَّةً: ما أراهُ إلّا حُضُورُ أجْلِي»، وتَأوَّلَهُ عُمَرُ والعَبّاسُ رَضِيَ اللهُ عنهُما بِحَضْرَةِ النَبِيِّ  فَصَدَقَهُما.

و"النَصْرُ" الَّذِي رَآهُ رَسُولُ اللهِ  غَلَبَتُهُ لِقُرَيْشٍ وهَوازِنَ وغَيْرِ ذَلِكَ، و"الفَتْحُ" هو فَتْحُ مَكَّةَ والطائِفِ ومُدُنِ الحِجازِ وكَثِيرٍ مِنَ اليَمَنِ، و"دُخُولُ الناسِ في دِينِ اللهِ أفْواجًا"؛ كانَ مِن فَتْحِ مَكَّةَ إلى مَوْتِ رَسُولِ اللهِ  .

قالَ أبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ البَرِّ رَحِمَهُ اللهُ في كِتابِهِ "الِاسْتِيعابُ في الصَحابَةِ" في بابِ أبِي خِراشٍ الهُذَلِيِّ -: لَمْ يَمُتْ رَسُولُ اللهِ  وفي العَرَبِ رَجُلٌ كافِرٌ، بَلْ دَخَلَ الكُلُّ في الإسْلامِ بَعْدَ حُنَيْنٍ والطائِفِ، مِنهم مَن قَدِمَ، ومِنهم مَن قَدِمَ وافِدُهُ، ثُمَّ كانَ بَعْدَهُ  مِنَ الرِدَّةِ ما كانَ ورَجَعُوا كُلُّهم إلى الدِينِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والمُرادُ -واللهُ أعْلَمُ- العَرَبُ الأوثانُ، وأمّا نَصارى بَنِي تَغْلِبَ فَما أراهم أسْلَمُوا قَطُّ في حَياةِ رَسُولِ اللهِ  ، لَكِنْ أعْطَوُا الجِزْيَةَ.

و"الأفْواجُ" الجَماعَةُ إثْرَ الجَماعَةِ، وكَما قالَ تَعالى: ﴿ أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ  ﴾ .

وقالَ مُقاتِلٌ: المُرادُ بِـ "الناسِ" أهْلُ اليَمَنِ، وفَدَ مِنهم سَبْعُمِائَةُ رَجُلٍ، وقالَهُ عِكْرِمَةُ، وقالَ الجُمْهُورُ: المُرادُ جَمِيعُ وُفُودِ العَرَبِ؛ لِأنَّهم قالُوا: إذا فُتِحَ الحَرَمُ لِمُحَمَّدٍ وقَدْ حَماهُ اللهُ مِنَ الحَبَشَةِ وغَيْرِهِمْ، فَلَيْسَ لَكم بِهِ يُدانُ.

«وَذَكَرَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ فِرْقَةَ الصَحابَةِ فَبَكى، وقالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ  يَقُولُ: "دَخَلَ الناسُ في الدِينِ أفْواجًا وسَيَخْرُجُونَ مِنهُ أفْواجًا".» وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ كانَ تَوّابًا ﴾ بِعَقِبِ "واسْتَغْفِرْهُ" تَرْجِيَةٌ عَظِيمَةٌ لِلْمُسْتَغْفِرِينَ، جَعَلَنا اللهُ مِنهُمْ، وحَكى النَقّاشُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّ النَصْرَ هو صُلْحُ الحُدَيْبِيَةِ، وأنَّ الفَتْحَ فَتَحُ مَكَّةَ، وقالَ ابْنُ عُمَرَ: نَزَلَتْ هَذِهِ السُورَةُ عَلى النَبِيِّ  بِمِنى في وسَطِ أيّامِ التَشْرِيقِ، في حِجَّةِ الوَداعِ، وعاشَ بَعْدَها ثَمانِينَ يَوْمًا أو نَحْوَها،  ،.

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [النَصْرِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ إذا ﴾ اسم زمان مبهم يتعين مقدارهُ بمضمون جملةٍ يضاف إليها هو.

ف ﴿ إذا ﴾ اسمُ زمان مطلق، فقد يستعمل للزمن المستقبل غالباً.

ولذلك يضمَّن معنى الشرط غالباً، ويكون الفعل الذي تضاف إليه بصيغة الماضي غالباً لإفادة التحقق، وقد يكون مضارعاً كقوله تعالى: ﴿ وهو على جمعهم إذا يشاء قدير ﴾ [الشورى: 29].

ويستعمل في الزمن الماضي وحينئذ يتعين أن تقع الجملة بعده بصيغة الماضي، ولا تضمن ﴿ إذا ﴾ معنى الشرط حينئذ وإنما هي لمجرد الإِخبار دون قصد تعليق نحو: ﴿ وإذَا رأوا تجارةً أو لهواً انفضوا إليها ﴾ [الجمعة: 11].

و ﴿ إذا ﴾ هنا مضمنة الشرط لا محالة لوجود الفاء في قوله: ﴿ فسبح بحمد ربك ﴾ وقضية الاستقبال وعدمه تقدمت.

والنصر: الإِعانة على العدوّ.

ونصر الله يعقبه التغلب على العدو.

و ﴿ الفتح ﴾ : امتلاك بلد العدوّ وأرضِه لأنه يكون بفتح باب البلد كقوله تعالى: ﴿ ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون ﴾ [المائدة: 23]، ويكون باقتحام ثغور الأرض ومحارسها فقد كانوا ينزلون بالأَرضين التي لها شعاب وثغور قال لبيد: وأَجَنَّ عوراتتِ الثغور ظَلاَمُها وقد فتح المسلمون خيْبر قبل نزول هذه الآية فتعين أن الفتح المذكور فيها فتح آخر وهو فتح مكة كما يشعر به التعريف بلام العهد، وهو المعهود في قوله تعالى: ﴿ إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ليغفر لك اللَّه ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطاً مستقيماً وينصرك اللَّه نصراً عزيزاً ﴾ [الفتح: 1 3].

فإضافة ﴿ نصر ﴾ إلى ﴿ اللَّه ﴾ تشعر بتعظيم هذا النصر وأنه نصر عزيز خارق للعادة اعتنى الله بإيجاد أسبابه ولم تجر على متعارف تولد الحوادث عن أمثالها.

و ﴿ جاء ﴾ مستعمل في معنى: حصَل وتحقق مجازاً.

والتعريف في «الفتح» للعهد وقد وعد الله رسوله صلى الله عليه وسلم به غير مرة من ذلك قوله تعالى: ﴿ إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد ﴾ [القصص: 85] وقوله: ﴿ لتدخلن المسجد الحرام إن شاء اللَّه آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحاً قريباً ﴾ [الفتح: 27].

وهذه الآية نزلت عام الحديبية وذلك قبل نزول سورة ﴿ إذا جاء نصر الله ﴾ على جميع الأقوال.

وقد اتفقت أقوال المفسرين من السلف فمَن بعدهم على أن الفتح المذكور في هذه السورة هو فتح مكة إلا رواية عن سعيد بن جبير عن ابن عباس هو فتح المدائن والقصور، يعنون الحصون.

وقد كان فتح مكة يخالج نفوس العرب كلهم فالمسلمون كانوا يرجونه ويعلمون ما أشار به القرآن من الوعد به وأهل مَكة يتوقعونه وبقية العرب ينتظرون ماذا يكون الحال بين أهل مكة وبين النبي صلى الله عليه وسلم ويتلومون بدخولهم في الإِسلام فتحَ مكة يقولون: إنْ ظهر محمد على قومه فهو نبيء.

وتكرر أنْ صَدَّ بعضُهم بعضاً ممن يريد اتباع الاسلام عن الدخول فيه وإنظاره إلى ما سيظهر من غلب الإِسلام أو غلب الشرك.

أخرج البخاري عن عمرو بن سلمة قال: «لما كان الفتح بادر كل قوم بإسلامهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت الأحياء تتلوم بإسلامها فتح مكة فيقولون دَعوه وقومه فإن ظهر عليهم فهو نبيء».

وعن الحسن: لما فتحت مكة أقبلت العرب بعضها على بعض فقالوا: أما إذ ظفر بأهل الحرم فليس لنا به يَداننِ فكانوا يدخلون في الإِسلام أفواجاً.

فعلى قول الجمهور في أن الفتح هو فتح مكة يستقيم أن تكون هذه السورة نزلت بعد فتح خيبر وهو قول الأكثرين في وقت نزولها.

ويحتمل على قول القائلين بأنها نزلت عقب غزوة حنين أن يكون الفتح قد مضى ويكون التعليق على مجموع فتح مكة ومجيء نصر من الله آخر ودخول الناس في الإِسلام وذلك بما فتح عليه بعد ذلك ودخول العرب كلهم في الإِسلام سنة الوفود.

وعلى ما روي عن ابن عمر: «أنها نزلت في حجة الوداع» يكون تعليق جملة: ﴿ فسبح بحمد ربك ﴾ على الشرط الماضي مراداً به التذكير بأنه حصل، أي إذا تحقق ما وعدناك به من النصر والفتح وعموم الإِسلام بلادَ العرب فسبح بحمد ربك، وهو مراد مَن قال من المفسرين ﴿ إذا ﴾ بمعنى (قد)، فهو تفسير حاصل المعنى، وليست ﴿ إذا ﴾ مما يأتي بمعنى (قد).

والرؤية في قوله: ﴿ ورأيت الناس ﴾ يجوز أن تكون علمية، أي وعلمت علم اليقين أن الناس يدخلون في دين الله أفواجاً وذلك بالأخبار الواردة من آفاق بلاد العرب ومواطن قبائلهم وبمَنْ يحضر من وفودهم.

فيكون جملة ﴿ يدخلون ﴾ في محل المفعول الثاني ل ﴿ رأيت ﴾ .

ويجوز أن تكون رؤية بصرية بأن رأى أفواج وفود العرب يردون إلى المدينة يدخلون في الإِسلام وذلك سنة تسع، وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم ببصره ما علم منه دخولهم كلهم في الإِسلام بمن حضر معه الموقف في حجة الوداع فقد كانوا مائة ألف من مختلف قبائل العرب فتكون جملة ﴿ يدخلون ﴾ في موضع الحال من الناس.

و ﴿ دين اللَّه ﴾ هو الإِسلام لقوله تعالى: ﴿ إن الدين عند اللَّه الإسلام ﴾ [آل عمران: 19] وقوله: ﴿ فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرت اللَّه التي فطر الناس عليها ﴾ [الروم: 30].

والدخول في الدين: مستعار للنطق بكلمة الشهادة والتزام أحكام الدين الناشئة عن تلك الشهادة.

فشُبه الدين ببيت أو حظيرة على طريقة المكنية ورمز إليه بما هو من لوازم المشبه به وهو الدخول، على تشبيه التلبس بالدين بتلبس المظروف بالظرف، ففيه استعارة أخرى تصريحية.

و ﴿ الناس ﴾ : اسم جمع يدل على جماعة من الآدميين، وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ ومن الناس من يقول آمنا باللَّه ﴾ في سورة [البقرة: 8].

وإذا عُرّف اسم ناس باللام احتملت العهد نحو: ﴿ الذين قال لهم الناس ﴾ [آل عمران: 173]، واحتملت الجنس نحو: ﴿ إن الناس قد جمعوا لكم ﴾ [آل عمران: 173] واحتملت الاستغراق نحو: ﴿ ومن الناس من يقول ﴾ [البقرة: 8] ونحو: ﴿ قل أعوذ برب الناس ﴾ [الناس: 1].

والتعريف في هذه الآية للاستغراق العرفي، أي جميع الناس الذين يخطرون بالبال لعدم إرادة معهودين معينني ولاستحالة دخول كل إنسان في دين الله بدليل المشاهدة، فالمعنى: ورأيتَ ناساً كثيرين أو ورأيت العرب.

قال ابن عطية: «قال أبو عُمر بن عبد البر النمري رحمه الله في كتاب «الاستيعاب» في باب خراش الهذلي: لم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي العرب رجل كافر بل دخل الكل في الإِسلام بعد حُنين والطائِف، منهم من قدِم ومنهم من قدِم وافده» ا ه.

وإنما يراد عرب الحجاز ونجد واليمن لأن مِن عرب الشام والعراق من لم يدخلوا في الإِسلام، وهم: تَغلب وغسان في مشارف الشام والشاممِ، وكذلك لخم وكلب من العراق فهؤلاء كانوا نصارى ولم يسلم من أسلم منهم إلا بعد فتح الشام والعراق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلون في دين الله رؤية بصرية.

ويجوز أن يكون اللَّهُ أعلمه بذلك إن جعلنا الرؤية علمية.

والأفواج: جمع فوج وهو الجماعة الكثيرة، وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ هذا فوج مقتحم معكم ﴾ في سورة [ص: 59]، أي يدخلون في الإِسلام قبائل، وانتصب أفواجاً } على الحال من ضمير ﴿ يدخلون ﴾ .

وجملة: ﴿ فسبح بحمد ربك ﴾ جواب ﴿ إذا ﴾ باعتبار ما تضمنته من معنى الشرط، وفعل ﴿ فسبح ﴾ هو العامل في ﴿ إذا ﴾ النصبَ على الظرفية، والفاء رابطة للجواب لأنه فعل إنشاء.

وقَرن التسبيح بالحمد بباء المصاحبة المقتضية أن التسبيح لاحقٌ للحمد لأن باء المصاحبة بمعنى (مع) فهي مثل (مع) في أنها تدخل على المتبوع فكان حمد الله على حصول النصر والفتح ودخول الناس في الإِسلام شيئاً مفروغاً منه لا يحتاج إلى الأمر بإيقاعه لأن شأن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قد فعله، وإنما يحتاج إلى تذكيره بتسبيح خاص لم يحصل من قبل في تسبيحاته وباستغفار خاص لم يحصل من قبل في استغفاره.

ويجوز أن يكون التسبيح المأمور به تسبيحَ ابتهاج وتعجب من تيسير الله تعالى له ما لا يخطر ببال أحد أن يتم له ذلك، فإن سبحان الله ونحوه يستعمل في التعجب كقول الأعشى: قد قلتُ لما جاءني فخرُه *** سبحانَ من علقمةَ الفاخِر وفي تقديم الأمر بالتسبيح والحمد على الأمر بالاستغفار تمهيد لإجابة استغفاره على عادة العرب في تقديم الثناء قبل سؤال الحاجة كما قال ابن أبي الصلت: إذا أثنى عليك المرء يوماً *** كفاه عن تعرضه الثناء فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يخلو عن تسبيح الله فأريد تسبيح يقارن الحمد على ما أعطيه من النصر والفتح ودخول الأمة في الإِسلام.

وعطف الأمر باستغفار الله تعالى على الأمر بالتسبيح مع الحمد يقتضي أنه من حَيِّز جواب ﴿ إذا ﴾ ، وأنه استغفار يحصل مع الحمد مثل ما قرر في ﴿ فسبح بحمد ربك ﴾ فيدل على أنه استغفار خاص لأن الاستغفار الذي يعم طلب غفران التقصير ونحوه مأمور به من قبل وهو من شأن النبي صلى الله عليه وسلم فقد قال: " إنه لَيُغَانَ على قلْبي فأستغفر اللَّه في اليوم والليلة مائة مرة " فكان تعليق الأمر بالتسبيح وبالاستغفار على حصول النصر والفتح إيماءً إلى تسبيح واستغفار يحصل بهما تقرب لم يُنْو من قبل، وهو التهيّؤ للقاء الله، وأن حياته الدنيوية أوشكت على الانتهاء، وانتهاء أعمال الطاعات والقربات التي تزيد النبي صلى الله عليه وسلم في رفع درجاته عند ربه فلم يبق إلا أن يسأل ربه التجاوز عما يعرض له من اشتغال ببعض الحظوظ الضرورية للحياة أو من اشتغال بمهم من أحوال الأمة يفوته بسببه أمر آخر هو أهم منه، مثل فِداء أسرى بدر مع فوات مصلحة استئصالهم الذي هو أصلح للأمة فعوتِبَ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: ﴿ ما كان لنبيء أن يكون له أسرى ﴾ [الأنفال: 67] الآية، أو من ضرورات الإِنسان كالنوم والطعام التي تنقص من حالة شبهه بالملائكة الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون، فكان هذا إيذاناً باقتراب وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بانتقاله من حياة تحمل أعباء الرسالة إلى حياة أبدية في العلويات الملكية.

والكلام من قبيل الكناية الرمزية وهي لا تنافي إرادة المعنى الصريح بأن يحمل الأمر بالتسبيح والاستغفار على معنى الإِكثار من قول ذلك.

وقد دل ذوق الكلام بعضَ ذوي الأفهام النافذة من الصحابة على هذا المعنى وغاصت عليه مثل أبي بكر وعمر والعباس وابنه عبد الله وابن مسعود، فعن مقاتل: " لما نزلت قرأها النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه ففرحوا واستبشروا وبكى العباس فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ما يبكيك يا عم؟

قال: نُعيتْ إليك نفسك.

فقال: إنه لكَما تقول ".

وفي رواية: " نزلت في منى فبكى عمر والعباس فقيل لهما، فقالا: فيه نُعي رسول الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم صدقتما نُعِيَتْ إليّ نفسي ".

وفي «صحيح البخاري» وغيره عن ابن عباس: «كان عمر يأذن لأهل بدر ويأذن لي معهم فوجد بعضهم من ذلك، فقال لهم عمر: إنه مَن قد علمتم.

قال: فأذن لهم ذات يوم وأذن لي معهم، فسألهم عن هذه السورة: ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ﴾ فقالوا: أمر الله نبيئه إذا فتح عليه أن يستغفره ويتوب إليه فقال: ما تقول يا ابن عباس؟

قلت: ليس كذلك ولكن أخبر الله نبيئه حضور أجله فقال: ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ﴾ ، فذلك علامة موتك؟

فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تقول» فهذا فهم عمر والعباس وعبد الله ابنه.

وقال في «الكشاف»: روي أنه لما نزلت خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " إن عبداً خيّره الله بين الدنيا وبين ما عند الله فاختار ما عند الله عز وجل.

فعلم أبو بكر فقال: فديناك بأنفسنا وأموالنا وآبائنا وأولادنا " اه.

قال ابن حجر في «تخريج أحاديث الكشاف»: الحديث متفق عليه إلا صدره دون أوله من كونه كان عند نزول السورة ا ه.

ويحتمل أن يكون بكاء أبي بكر تكرر مرتين أولاهما عند نزول سورة النصر كما في رواية «الكشاف» والثانية عند خطبة النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه.

وعن ابن مسعود أن هذه السورة «تسمى سورة التوديع» أي لأنهم علموا أنها إيذان بقرب وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقديم التسبيح والحمد على الاستغفار لأن التسبيح راجع إلى وصف الله تعالى بالتنزه عن النقص وهو يجمع صفات السلب، فالتسبيح متمحض لجانب الله تعالى، ولأن الحمد ثناء على الله لإنعامه، وهو أداء العبد ما يجب عليه لشكر المنعم فهو مستلزم إثبات صفات الكمال لله التي هي منشأ إنعامه على عبده فهو جامع بين جانب الله وحظ العبد، وأما الاستغفار فهو حظ للعبد وحده لأنه طلبه اللَّه أن يعفو عما يؤاخذه عليه.

ومقتضى الظاهر أن يقول: فسبح بحمده، لتقدم اسم الجلالة في قوله: ﴿ إذا جاء نصر اللَّه ﴾ فعدل عن الضمير إلى الاسم الظاهر وهو ﴿ ربك ﴾ لما في صفة (رب) وإضافتها إلى ضمير المخاطب من الإِيماء إلى أن من حكمة ذلك النصر والفتح ودخول الناس في الإِسلام نعمةً أنعم الله بها عليه إذا حصل هذا الخير الجليل بواسطته فذلك تكريم له وعناية به وهو شأن تلطف الرب بالمربوب، لأن معناه السيادة المرفوقة بالرفق والإِبلاغ إلى الكمال.

وقد انتهى الكلام عند قوله: ﴿ واستغفره ﴾ .

وقد روي: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في قراءته يقف عند ﴿ واستغفره ﴾ ثم يكمل السورة».

﴿ واستغفره إِنَّهُ كَانَ ﴾ .

تذييل للكلام السابق كله وتعليل لما يقتضي التعليل فيه من الأمر باستغفار ربه باعتبار الصريح من الكلام السابق كما سيتبين لك.

وتوّاب: مثال مبالغة من تاب عليه.

وفعل تاب المتعدي بحرف (على) يطلق بمعنى: وفّق للتوبة، أثبته في «اللسان» و«القاموس»، وهذا الإِطلاق خاص بما أسند إلى الله.

وقد اشتملت الجملة على أربع مؤكدات هي: إنّ، وكانَ، وصيغة المبالغة في التوّاب، وتنوين التعظيم فيه.

وحيث كان توكيد ب (إنَّ) هنا غير مقصودٍ به ردُّ إنكار ولا إزالة تردد إذ لا يفرضان في جانب المخاطب صلى الله عليه وسلم فقد تمحض (إنَّ) لإفادة الاهتمام بالخبر بتأكيده.

وقد تقرر أن من شأن (إنَّ) إذا جاءت على هذا الوجه أن تغني غَناء فاء الترتيب والتسبب وتفيد التعليل وربط الكلام بما قبله كما تفيده الفاء، وقد تقدم غير مرة، منها عند قوله تعالى: ﴿ إنك أنت العليم الحكيم ﴾ في سورة [البقرة: 32]، فالمعنى: هو شديد القبول لتوبة عباده كثير قبوله إياها.

وإذ قد كان الكلام تذييلاً وتعليلاً للكلام السابق تعين أن حذف متعلق ﴿ تواباً ﴾ يُقدر بنحو: على التائبين.

وهذا المقدر مراد به العموم، وهو عموم مخصوص بالمشيئة تخصصه أدلة وصف الربوبية، ولما ذكر دليل العموم عَقب أمرِه بالاستغفار أفاد أنه إذا استغفره غفر له دلالة تقتضيها مستتبعات التراكيب، فأفادت هذه الجملة تعليل الأمر بالاستغفار لأن الاستغفار طلب لغفر، فالطالب يترقب إجابة طلبه، وأما ما في الجملة من الأمر بالتسبيح والحمد فلا يحتاج إلى تعليل لأنهما إنشاء تنزيه وثناء على الله.

ومن وراء ذلك أفادت الجملة إشارة إلى وعدٍ بحسن القبول عند الله تعالى حينما يقدم على العالم القدسي، وهذا معنى كنائي لأن من عُرف بكثرة قبول توبة التائبين شأنه أن يكرم وفادة الوافدين الذين سَعوْا جهودهم في مرضاته بمنتهى الاستطاعة، أو هو مجاز بعلاقة اللزوم العرفي لأن منتهى ما يخافه الأحبة عند اللقاء مرارة العتاب، فالإِخبار بأنه توّاب اقتضى أنه لا يخاف عتاباً.

فهذه الجملة بمدلولها الصريح ومدلولها الكنائي أو المجازي ومستتبعاتها تعليل لما تضمنته الجملة التي قبلها من معنى صريح أو كنائي يناسبه التعليل بالتسبيح والحمد باعتبارهما تمهيداً للأمر بالاستغفار كما تقدم آنفاً لا يحتاجان إلى التعليل، أو يغني تعليل الممهد له بهما عن تعليلهما ولكنهما باعتبار كونهما رمزاً إلى مداناة وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم يكون ما في قوله: ﴿ إنه كان تواباً ﴾ من الوعد بحسن القبول تعليلاً لمدلولهما الكنائي، وأما الأمر بالاستغفار فمناسبة التعليل له بقوله: ﴿ إنه كان تواباً ﴾ ناهضة باعتبار كلتا دلالتيه الصريحة والكنائيّة، أي إنه متقبل استغفارك ومتقبلك بأحسن قبول، شأنَ من عهد من الصفح والتكرم.

وفعل ﴿ كان ﴾ هنا مستعمل في لازم معنى الاتصاف بالوصف في الزمن الماضي.

وهو أن هذا الوصف ذاتي له لا يتخلف معموله عن عباده فقد دل استقراء القرآن على إخبار الله عن نفسه بذلك من مبدأ الخليقة قال تعالى: ﴿ فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم ﴾ [البقرة: 37].

ومقتضى الظاهر أن يقال: إنه كان غفّاراً، كما في آية: ﴿ فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفاراً ﴾ [نوح: 10] فيُجرى الوصف على ما يناسب قوله: ﴿ واستغفره ﴾ ، فعُدل عن ذلك تلطفاً مع النبي صلى الله عليه وسلم بأنَّ أمره بالاستغفار ليس مقتضياً إثبات ذنب له لما علمت آنفاً من أن وصف (تواب) جاء من تاب عليه الذي يستعمل بمعنى وفقه للتوبة إيماء إلى أن أمره بالاستغفار إرشاد إلى مقام التأدب مع الله تعالى، فإنه لا يُسأل عما يفعل بعباده، لولا تفضله بما بيَّن لهم من مراده، ولأن وصف (توّاب) أشد ملاءمة لإقامة الفاصلة مع فاصلة ﴿ أفواجاً ﴾ لأن حرف الجيم وحرف الباء كليهما حرف من الحروف الموصوفة بالشدة، بخلاف حرف الراء فهو من الحروف التي صفتها بين الشدة والرِّخوة.

وروي في «الصحيح» عن عائشة قالت: «ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاةً بعد أن نزلت عليه سورة: ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ﴾ إلا يقول: " سبحانك ربّنا وبحمدك، اللهم اغفر لي يتأول القرآن " أي يتأول الأمر في قوله: ﴿ فسبح بحمد ربك واستغفره ﴾ على ظاهره كما تأوله في مقام آخر على معنى اقتراب أجله صلى الله عليه وسلم

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ النَّصْرِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ ﴾ أمّا النَّصْرُ فَهو المَعُونَةُ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ قَدْ نَصَرَ الغَيْثُ الأرْضَ إذا أعانَ عَلى نَباتِها ومَنَعَ مِن قَحْطِها، قالَ الشّاعِرُ إذا انْسَلَخَ الشَّهْرُ الحَرامُ فَوَدِّعِي بِلادَ تَمِيمٍ وانْصُرِي أرْضَ عامِرِ وَفِي المَعْنِيِّ بِهَذا النَّصْرِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: نَصْرُ الرَّسُولِ عَلى قُرَيْشٍ، قالَهُ الطَّبَرِيُّ.

الثّانِي: نَصْرُهُ عَلى كُلِّ مَن قاتَلَهُ مِن أعْدائِهِ، فَإنَّ عاقِبَةَ النَّصْرِ كانَتْ لَهُ.

وَقِيلَ: إذا جاءَ نَصْرُهُ بِإظْهارِهِ إيّاكَ عَلى أعْدائِكَ، والفَتْحُ: فَتْحُهُ مَكَّةَ وقِيلَ المُرادُ حِينَ نَصَرَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ وفَتَحَ مَكَّةَ وسائِرَ البِلادِ عَلَيْهِمْ.

وَإنَّما عَبَّرَ عَنِ الحُصُولِ بِالمَجِيءِ تَجَوُّزًا لِلْإشْعارِ بِأنَّ المُقَدَّراتِ مُتَوَجِّهَةٌ حِينٌ إلى أوْقاتِها المُعَيَّنَةِ لَها، فَتُعْرَفُ مِنها شَيْئًا فَشَيْئًا، وقَدْ قَرَّبَ النَّصْرُ مَن قُوَّتِهِ فَكُنْ مُتَرَقِّبًا لِوُرُودِهِ مُسْتَعِدًّا لِشُكْرِهِ.

وَفِي هَذا الفَتْحِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: فَتْحُ مَكَّةَ، قالَهُ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ.

الثّانِي: فَتْحُ المَدائِنِ والقُصُورِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ، وقِيلَ ما فَتَحَهُ عَلَيْهِ مِنَ العُلُومِ.

﴿ وَرَأيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم أهْلُ اليَمَنِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ النَّبِيَّ  قالَ: « (اَلدِّينُ يَمانٍ والفِقْهُ يَمانٍ والحِكْمَةُ يَمانِيَةٌ)» ورُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: « (إنِّي لَأجِدُ نَفَسَ رَبِّكم مِن قِبَلِ اليَمَنِ)» وفِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الفَرَجُ لِتُتابِعِ إسْلامِهِمْ أفْواجًا.

الثّانِي: مَعْناهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى نَفَّسَ الكَرْبَ عَنْ نَبِيِّهِ بِأهْلِ اليَمَنِ، وهُمُ الأنْصارُ.

القَوْلُ الثّانِي: أنَّهم سائِرُ الأُمَمِ الَّذِينَ دَخَلُوا في الإسْلامِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.

وَقالَ الحَسَنُ: لَمّا فَتَحَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مَكَّةَ، قالَتِ العَرَبُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: أيُّها القَوْمُ لَيْسَ لَكم بِهِ ولا بِالقَوْمِ يَدٌ، فَجَعَلُوا يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا أُمَّةً أُمَّةً.

قالَ الضَّحّاكُ: والأُمَّةُ أرْبَعُونَ رَجُلًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الأفْواجُ (اَلزُّمَرُ)، وقالَ الكَلْبِيُّ: الأفْواجُ القَبائِلُ.

وَرَوى جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ  يَقُولُ: « (إنَّ النّاسَ دَخَلُوا في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا وسَيَخْرُجُونَ أفْواجًا)» .

﴿ أفْواجًا ﴾ جَماعاتٍ كَثِيفَةً كَأهْلِ مَكَّةَ والطّائِفِ واليَمَنِ وهَوازِنَ وقَبائِلِ سائِرِ العَرَبِ.

﴿ يَدْخُلُونَ ﴾ حالٌ، عَلى أنَّ (رَأيْتَ) بِمَعْنى أبْصَرْتَ، أوْ مَفْعُولٌ ثانٍ عَلى أنَّ رَأيْتَ بِمَعْنى عَلِمْتَ.

﴿ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ إنَّهُ كانَ تَوّابًا ﴾ في أمْرِهِ بِهَذا التَّسْبِيحِ والِاسْتِغْفارِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ بِالتَّسْبِيحِ الصَّلاةَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وبِالِاسْتِغْفارِ مُداوَمَةَ الذِّكْرِ.

الثّانِي: أنَّهُ أرادَ صَرِيحَ التَّسْبِيحِ، الَّذِي هو التَّنْزِيهُ والِاسْتِغْفارُ مِنَ الذُّنُوبِ.

رَوَتْ عائِشَةُ قالَتْ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ  بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ يُكْثِرُ أنْ يَقُولَ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما هَذِهِ الكَلِماتُ الَّتِي أراكَ أحْدَثْتَها؟

فَقالَ: (جُعِلَتْ لِي عَلامَةً في أُمَّتِي إذا رَأيْتُها قُلْتُها)» وفي قَوْلِهِ ﴿ إنَّهُ كانَ تَوّابًا ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: قابِلُ التَّوْبَةِ.

والثّانِي: مُتَجاوِزٌ عَنِ الصَّغائِرِ.

وَفي أمْرِهِ بِهَذا بَعْدَ النَّصْرِ والفَتْحِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِيَكُونَ ذَلِكَ مِنهُ شُكْرًا لِلَّهِ تَعالى عَلى نِعَمِهِ، لِأنَّ تَجْدِيدَ النِّعَمِ يُوجِبُ تَجْدِيدَ الشُّكْرِ.

الثّانِي: أنَّهُ نَعى إلَيْهِ نَفْسَهُ، لِيَجِدَّ في عَمَلِهِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وداعٌ مِنَ اللَّهِ، ووَداعٌ مِنَ الدُّنْيا، فَلَمْ يَعِشْ بَعْدَها إلّا سَنَتَيْنِ مُسْتَدِيمًا التَّسْبِيحَ والِاسْتِغْفارَ كَما أُمِرَ، وكانَ قَدْ لَبِثَ أرْبَعِينَ سَنَةً لَمْ يُوحَ إلَيْهِ، ورَأى رُؤْيا النُّبُوَّةِ سَنَتَيْنِ، وماتَ في شَهْرِ رَبِيعٍ الأوَّلِ وفِيهِ هاجَرَ.

وَقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ بَعْدَ فَتْحِ الطّائِفِ، والفَتْحُ فَتْحُ مَكَّةَ، والنّاسُ أهْلُ اليَمَنِ، وهي آيَةُ مَوْتِ النَّبِيِّ  فَلَمّا نَزَلَتْ قَرَأها عَلى أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ فَفَرِحا بِالنَّصْرِ وبِدُخُولِ النّاسِ أفْواجًا في دِينِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وسَمِعَها العَبّاسُ فَبَكى، فَقالَ النَّبِيُّ  : « (ما يُبْكِيكَ يا عَمُّ؟

فَقالَ: نُعِيَتْ إلَيْكَ نَفْسُكَ)، قالَ: (إنَّهُ لَكَما تَقُولُ)» .

وهَذِهِ السُّورَةُ تُسَمّى التَّوْدِيعَ، عاشَ النَّبِيُّ بَعْدَها حَوْلًا عَلى قَوْلِ مُقاتِلٍ، وحَوْلَيْنِ عَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، ثُمَّ حَجَّ رَسُولُ اللَّهِ  مِن قابِلٍ، فَنَزَلَ ﴿ اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ ﴾ الآيَةَ، فَعاشَ بَعْدَها ثَمانِينَ يَوْمًا، ثُمَّ نَزَلَتْ ﴿ لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ ﴾ فَعاشَ بَعْدَها خَمْسَةً وثَلاثِينَ يَوْمًا، ثُمَّ نَزَلَتْ ﴿ واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ ﴾ فَعاشَ بَعْدَها واحِدًا وعِشْرِينَ يَوْمًا.

وَقالَ مُقاتِلٌ: عاشَ بَعْدَها سَبْعَةَ أيّامٍ، واَللَّهُ أعْلَمُ وصَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ مُتَتابِعَةٌ لا تَنْقَطِعُ عَلى مَرِّ الأزْمانِ وكَرِّ الأوانِ، وعَلى جَمِيعِ الأنْبِياءِ والمُرْسَلِينَ.

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: أنزل بالمدينة ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير قال: أنزل ﴿ إذا جاء نصر الله ﴾ بالمدينة.

وأخرج ابن جرير عن عطاء بن يسار قال: نزلت ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ﴾ كلها بالمدينة بعد فتح مكة ودخول الناس في الدين ينعى إليه نفسه.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبزار وأبو يعلى وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عمر قال: هذه السورة نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم أوسط أيام التشريق بمنى وهو في حجة الوداع ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ﴾ حتى ختمها، فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه الوداع.

وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن ابن عباس أنه قرأ: ﴿ إذا جاء فتح الله والنصر ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ﴾ قال: فتح مكة ﴿ ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توّاباً ﴾ قال: أعلم أنك ستموت عند ذلك.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ أفواجاً ﴾ قال: الزمر من الناس.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله: ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ﴾ قال: كانت هذه السورة آية لموت النبي صلى الله عليه وسلم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ﴾ قال: ذكر لنا أن ابن عباس قال: هذه السورة علم وحد حده الله لنبيه ونعى نفسه أي إنك لن تعيش بعدها إلا قليلاً.

قال قتادة: والله ما عاش بعدها إلا قليلاً سنتين ثم توفي.

وأخرج أحمد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس قال: «لما نزلت ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعيت إلى نفسي إني مقبوض في تلك السنة» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: «لما نزلت ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ﴾ قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم نعيت إلى نفسي وقرب أجلي» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: لما نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ﴾ علم أنه نعيت إليه نفسه.

وأخرج الطيالسي وابن أبي شيبة وأحمد والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن أبي سعيد الخدري قال: «لما نزلت هذه السورة ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ﴾ قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ختمها ثم قال: أنا وأصحابي خير والناس خير لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية» .

وأخرج النسائي وعبدالله بن أحمد في زوائد الزهد وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال: لما نزلت ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ﴾ نعيت لرسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه حين أنزلت فأخذني أشد ما يكون اجتهاداً في أمر الآخرة.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أم حبيبة قالت: «لما نزلت ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله لم يبعث نبياً إلا عمر في أمته شطر ما عمر النبي الماضي قبله، وإن عيسى ابن مريم كان أربعين سنة في بني إسرائيل، وهذه لي عشرون سنة وأنا ميت في هذه السنة» فبكت فاطمة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنت أول أهل بيتي لحوقاً بي فتبسمت» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: «لما أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة حنين أنزل عليه ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ﴾ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا علي بن أبي طالب، يا فاطمة بنت محمد جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً فسبحان ربي وبحمده واستغفره إنه كان توابا» .

وأخرج الخطيب وابن عساكر عن علي قال: نعى الله لنبيه صلى الله عليه وسلم نفسه حين أنزل عليه ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ﴾ فكان الفتح سنة ثمان بعدما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما طعن في سنة تسع من مهاجره تتابع عليه القبائل تسعى فلم يدر متى الأجل ليلاً أو نهاراً، فعمل على قدر ذلك فوسع السنن، وشدد الفرائض، وأظهر الرخص، ونسخ كثيراً من الأحاديث، وغزا تبوك، وفعل فعل مودع.

وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال: لما أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة حنين أنزل عليه ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ﴾ إلى آخر القصة.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا علي بن أبي طالب، ويا فاطمة بنت محمد، جاء نصر الله والفتح إلى آخر القصة، سبحان ربي وبحمده وأستغفره إنه كان توّاباً، ويا علي إنه يكون بعدي في المؤمنين الجهاد.

قال: علام نجاهد المؤمنين الذين يقولون آمنا؟

قال: على الاحداث في الدين إذا عملوا بالرأي، ولا رأي في الدين، إنما الدين من الرب أمره ونهيه قال علي: يا رسول الله أرأيت إن عرض علينا أمر لم ينزل فيه قرآن ولم يقض فيه سنة منك.

قال: تجعلونه شورى بين العابدين من المؤمنين ولا تقضونه برأي خاصة، فلو كنت مستخلفاً أحداً لم يكن أحد أحق منك لقربك في الإِسلام، وقرابتك من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصهرك، وعندك سيدة نساء المؤمنين، وقبل ذلك ما كان بلاء أبي طالب إياي، ونزل القرآن وأنا حريص على أن أرعى له في ولده» .

وأخرج أحمد والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: «لما نزلت ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ﴾ دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة فقال: إنه قد نعيت إلى نفسي» .

وأخرج سعيد بن منصور وابن سعد والبخاري وابن جرير وابن المنذر والطبراني وابن مردويه والبيهقي وأبو نعيم معاً في الدلائل عن ابن عباس قال: كان عمر يدخلني وأشياخ بدر، فقال له عبد الرحمن بن عوف: لم تدخل هذا الفتى معنا ولنا أبناء مثله فقال: إنه ممن قد علمتم، فدعاهم ذات يوم ودعاني معهم وما رأيته دعاني يومئذ إلا ليريهم مني، فقال: ما تقولون في قوله: ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ﴾ حتى ختم السورة فقال بعضهم: أمرنا الله أن نحمده ونستغفره إذا جاء نصر الله وفتح علينا وقال بعضهم: لا ندري وبعضهم لم يقل شيئاً فقال لي يا ابن عباس: أكذاك تقول؟

قلت: لا.

قال: فما تقول؟

قلت: هو أجل رسول الله أعلمه الله ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون ﴾ والفتح فتح مكة، فذلك علامة أجلك ﴿ فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً ﴾ فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تعلم.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس أن عمر سألهم عن قول الله: ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ﴾ فقالوا: فتح المدائن والقصور، قال: فأنت يا ابن عباس ما تقول؟

قال: قلت مثل ضرب لمحمد نعيت له نفسه.

وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم في فضائل الصحابة والخطيب في تالي التلخيص عن ابن عباس قال: لما نزلت ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ﴾ جاء العباس إلى عليّ فقال: انطلق بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن كان هذا الأمر لنا من بعده لم تشاحنا فيه قريش، وإن كان لغيرنا سألناه الوصاة لنا.

قال: لا، قال العباس: جئت فذكرت ذلك له، فقال: «إن الله جعل أبا بكر خليفتي على دين الله ووحيه وهو مستوص فاسمعوا له وأطيعوا تهتدوا وتفلحوا، واقتدوا به ترشدوا» قال ابن عباس: فما وافق أبا بكر على رأيه ولا وازره على أمره ولا أعانه على شأنه إذ خالفه أصحابه في ارتداد العرب إلا العباس.

قال: فوالله ما عدل رأيهما وحزمهما رأي أهل الأرض أجمعين.

وأخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ﴾ قال: ذاك حين نعى لهم نفسه يقول: إذا رأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً يعني إسلام الناس يقول فذلك حين حضر أجلك ﴿ فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توّاباً ﴾ .

وأخرج ابن مردويه والخطيب وابن عساكر عن أبي هريرة في قوله: ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ﴾ قال: علم وحد حده الله لنبيه صلى الله عليه وسلم ونعى إليه نفسه أنك لا تبقى بعد فتح مكة إلا قليلاً.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن مردويه عن ابن عباس قال: آخر سورة نزلت من القرآن جميعاً ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ﴾ .

وأخرج البخاري عن سهل بن سعد الساعدي عن أبي بكر أن سورة ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ﴾ حين أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم علم أن نفسه نعيت إليه.

وأخرج البيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة الفتح فتح مكة فخرج من المدينة في رمضان ومعه من المسلمين عشرة آلاف، وذلك على رأس ثمان سنين ونصف سنة من مقدمة المدينة، وافتتح مكة لثلاث عشرة بقيت من رمضان.

وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه، عن عائشة قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر من قول: سبحان الله وبحمده وأستغفر الله وأتوب إليه، فقلت يا رسول الله: أراك تكثر من قول: سبحان الله وبحمده وأستغفر الله وأتوب إليه، فقال: خبرني أني سأرى علامة في أمتي فإذا رأيتها أكثرت من قول سبحان الله وبحمده وأستغفر الله وأتوب إليه، فقد رأيتها ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ﴾ فتح مكة ﴿ ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً ﴾ » .

وأخرج عبد الرزاق وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده.

«سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي» يتأول القرآن يعني ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن عائشة قالت: ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أنزلت عليه هذه السورة ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ﴾ إلا يقول مثلهما: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي» .

وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن أم سلمة قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر عمره لا يقوم ولا يقعد ولا يذهب ولا يجيء إلا قال: سبحانك اللهم وبحمدك، استغفرك وأتوب إليك فقلت له: قال: إني أمرت بها وقرأ ﴿ إذا جاء نصر الله ﴾ » إلى آخر السورة.

وأخرج عبد الرزاق ومحمد بن نصر وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن ابن مسعود قال: «لما نزلت ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ﴾ كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول: سبحانك اللهم وبحمدك اغفر لي إنك أنت التواب الغفور» .

وأخرج الحاكم وابن مردويه عن ابن مسعود قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول: سبحانك ربنا وبحمدك فلما نزلت ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ﴾ قال:سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي إنك أنت التواب الرحيم» .

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: «لما نزلت ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: جاء أهل اليمن هم أرقْ قلوباً الإِيمان يمان والفقه يمان والحكمة يمانيه» .

وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ﴿ ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً ﴾ فقال: ليخرجن منه أفواجاً كما دخلوا فيه أفواجاً» .

وأخرج الطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية عن الفضيل بن عياض قال: «لما نزلت ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ﴾ إلى آخر السورة قال محمد صلى الله عليه وسلم: يا جبريل نعيت إليَّ نفسي قال جبريل: الآخرة خير لك من الأولى» .

وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الناس دخلوا في دين الله أفواجاً وسيخرجون منه أفواجاً» .

وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ﴾ وجاء أهل اليمن رقيقة أفئدتهم وطباعهم سجية قلوبهم عظيمة حسنتهم دخلوا في دين الله أفواجاً» .

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ الله والفتح ﴾ يعني بالفتح فتح مكة والطائف وغيرهما من البلاد التي فتحها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال ابن عباس: إن النصر صلح الحديبية، والفتح فتح مكة، وقيل: النصر إسلام أهل اليمن، والإخبار بذلك كله قبل وقوعه إخباره بغيب، فهو من أعلام النبوّة ﴿ وَرَأَيْتَ الناس يَدْخُلُونَ فِي دِينِ الله أَفْوَاجاً ﴾ أي جماعات، وذلك أنه أسلم بعد فتح مكة بشر كثير، فقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان معه في فتح مكة عشرة آلاف، وكان معه في غزوة تبوك سبعون ألفاً وقال أبو عمر بن عبد البر: لم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي العرب رجل كافر.

وقد قيل: إن عدد المسلمين عند متوه مائة ألف وأربعة عشر ألفاً بل أكثر ﴿ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واستغفره ﴾ قد ذكر التسبيح والاستغفار ومعنى بحمد ربك فيما تقدم، فإن قيل: لم أمره الله بالتسبيح والحمد والاستغفار عند رؤية النصر والفتح، وعند اقتراب أجله؟

فالجواب: أنه أمر بالتسبيح والحمد ليكون شكراً على النصر والفتح وظهور الإسلام وأمره بذلك وبالاستغفار عند اقتراب أجله ليكون ذلك زاداً للآخرة وعدة للقاء الله.

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

الوقوف: ﴿ والفتح ﴾ ه ﴿ أفواجاً ﴾ ه لا ﴿ واستغفره ﴾ ط ﴿ تواباً ﴾ ه.

التفسير: السورة المتقدمة اشتملت على نصرة الله بقوله ﴿ يا أيها الكافرون  ﴾ وعلى فتح مكة القلب بعسكر التوحيد، وعلى تسخير جميع القوى البدنية في طاعة خالقها بقوّة البراءة عن الأديان الباطلة كلها فقال الله  : نصرتني بلسانك فكان جزاؤه ﴿ إذا جاء نصر الله ﴾ فتح مكة في الظاهر وسخرت قواك لطاعتي فجازيناك بدخول الناس في دين الله أفواجاً.

ثم إنه قابل هذه الخلع الثلاث بحكم تهادوا تحابوا بثلاثة أنواع العبودية إن نصرتك فسبح تنزيهاً لفعلي عن مشابهة المحدثات وتنبيهاً على أن لا يستحق أحد عليّ شيء، وإذا فتحت مكة فاحمد لأن النعمة يجب مقابلتها بالحمد، وإذا رأيت الناس قد أطاعوك فاستغفر لذنبك وهو الاشتغال بماعسى أن يقع من لذة الجاه والقبول وللمؤمنين والمؤمنات، لأنهم كلما كانوا أكثر كانت ذنوبهم أكثر وكان احتياجهم إلى الاستغفار أشد.

وقوله ﴿ إذا جاء نصر الله ﴾ معناه لا تذهب إلى النصر بل النصر يجيء إليك نظيره " زويت لي الأرض " يعني لا تذهب إلى الأرض بل تجيء الأرض إليك، ولا ترحل إلا إلى مقام قاب قوسين ﴿ سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً  ﴾ بل أزيد على هذا فأفضل فقراء أمتك على أغنيائهم ثم آمر الأغنياء بالضحايا ليتخذوها مطايا، فإذا بقي الفقراء من غير مطية أسوق الجنة إليهم ﴿ وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد  ﴾ وإنما قال في السورة المتقدّمة ﴿ ما أعبد  ﴾ وههنا قال ﴿ نصر الله ﴾ إشارة إلى أنه يجب أن لا يذكر اسمي مع الأعداء حتى لا يهينوه ولكن اذكر اسمي مع الأحباب حتى يكرموه.

والفرق بين النصر والفتح أن النصر أي الإعانة على تحصيل المطلوب هو الطريق، والفتح هو المقصود، ولهذا قدم الأول على الثاني.

وقيل: النصر كمال الدين والفتح الإقبال الدنيوي له ولأمته كقوله ﴿ أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي  ﴾ وقيل: النصر هو الظفر على المنى في الدنيا والفتح في الآخرة ﴿ وفتحت أبوابها  ﴾ وكان رسول الله  أبداً منصوراً بالدلائل والمعجزات إلا أن الغلبة على قريش بل على أكثر العرب لما حصلت في هذا التاريخ صح التقييد به.

ثم إن جمهور المفسرين ومنهم ابن عباس ذكروا أن الفتح هو فتح مكة الذي يقال له فتح الفتوح.

يروى أن فتح مكة كان سنة ثمان ونزول السورة سنة عشر ولم يعش رسول الله  بعد نزولها إلا سبعين يوماً ولذلك تسمى سورة التوديع، وقد اتفق أكثر الصحابة على أنها دلت على نعي الرسول  وفهمه بعض الصحابة منها، وخطب رسول الله  بعد نزولها فقال: إن عبداً خيرّه الله بين الدنيا وبين لقائه في الآخرة فاختار لقاء الله.

قالوا: ومما يدل عليه أنه ذكر مقروناً بالنصرة وقد كان يجد النصر دون الفتح كبدر، والفتح دون النصر كإجلاء بني النضير فإن فتح البلد لكن لم يأخذ القوم.

أما يوم فتح مكة فاجتمع له الأمران، وصار الخلق له كالأرقاء حتى أعتقهم "وذلك أنه  وقف على باب المسجد وقال: لا إله إلا الله وحده صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده.

ثم قال: يا أهل مكة ما ترون أني فاعل بكم؟

فقالوا: خير، أخ كريم وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء" .

فسموا بذلك.

وقيل: فتح خيبر.

وقيل: فتح الطائف.

وعن أبي مسلم: النصر على الكفار وفتح بلاد الشرك على الإطلاق.

وقيل: انشراح الصدر للخيرات والأعمال الفاضلة، والفتح انفتاح أبواب المعارف والكشوف.

أما الذين قالوا إن الفتح فتح مكة وكان نزول السورة قبله على ما يدل عليه ظاهر صيغة إذاً فالآية من جملة المعجزات لأنها إخبار بالغيب وقد وقع.

واللام في الفتح بدل من الإضافة كأنه قيل: وفتح الله.

قوله ﴿ ورأيت ﴾ ظاهره أنها رؤية القلب، وجوز أن تكون رؤية البصر فيكون ﴿ يدخلون ﴾ حالاً.

وظاهر لفظ الناس يقتضي العموم فيجيب أن يقدر غيرهم كالنسناس بدليل قوله ﴿ أولئك كالأنعام  ﴾ وسئل الحسن بن عليّ فقال: نحن الناس وأشياعنا أشباه الناس وأعداؤنا النسناس، فقبّله عليّ بين عينينه وقال ﴿ الله أعلم حيث يجعل رسالته  ﴾ قيل: إنهم لما دخلوا في الإسلام بعد مدة طويلة وتقصير كثير فكيف استحقوا المدح بأنهم الناس؟

وأجيب بأنه إشارة إلى سعة رحمة الله فإن العبد بعد أن أتى بالكفر والمعصية سبعين سنة فإذا أتى بالإيمان في آخر عمره قبل إيمانه كأن الرب  يقول: ربيته سبعين سنة مات على كفره وقع في النار وضاع إحساني إليه في سبعين سنة.

ويروى أن الملائكة تقول لمثل هذا الإنسان: أتيت وإن كنت قد أبيت.

وعن النبي  " الله أفرح بتوبة أحدكم من الضال الواجد والظمآن الواردة " ويجوز أن يكون المراد بالناس أهل اليمن على ما روي عن أبي هريرة انه لما نزلت السورة قال النبي  : "الله أكبر جاء نصر الله والفتح.

وجاء أهل اليمن قوم رقيقة قلوبهم الإيمان يمان والفقه يمان والحكمة يمانية" وقال " إني لأجد نفس الرحمن من جانت اليمن" " قال جمهور الفقهاء وكثير من المتكلمين: إن إيمان المقلد صحيح لأنه  حكم بصحة إيمان أولئك الأفواج وجعله من أعظم المنن على نبيه.

ثم إنا نعلم قطعاً أنهم ما كانوا يعرفون حدوث الأجسام بالدلائل ولا صفات الكمال ونعوت الجلال، وكونه  متصفاً بها منزهاً عن غيرها ولا ثبوت المعجز التام على يد محمد  ولا وجه دلالة المعجزة على النبوة.

وعن الحسن: لما فتح رسول الله  مكة قالت العرب: لا يدي لنا به فقد ظفر بأهل مكة وقد كان الله أجارهم من أصحاب الفيل وكل من أرادهم بسوء فأخذوا يدخلون في الإسلام أفواجاً من غير قتال.

ولا شك أن هذا القدر مما يفيد غلبة الظن فقط.

والفوج الجماعة الكثيرة كانت تدخل فيه القبيلة بأسرها بعدما كانوا يدخلون فيه واحداً واحداً واثنين اثنين.

وروي أن جابر بن عبد الله بكى ذات يوم فقيل له: ما يبكيك؟

فقال: سمعت رسول الله  يقول: دخل الناس في دين الله أفواجاً وسيخرجون منه أفواجاً.

ثم إنه أمره بالتسبيح ثم بالحمد ثم بالاستغفار فكأنه  ضاق قلبه عن تأخير النصر كما قال ﴿ وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله  ﴾ فأمر بالتسبيح تنزيهاً لله عما لا يليق بكماله وحكمته وعنايته بخلقه، وأمر أن يكون التسبيح مقروناً بالحمد لأن المقام يستدعي تذكير النعمة وهي الفتح والنصر ودخول الناس في الدين من غير متاعب الجهاد ومؤن القتال، ثم أمر بالاستغفار كفارة لما عسى أن يبدو ويدور في الخلد من ملاحظة حاله بعين الكمال، وكما أن التسبيح المقرون بالحمد نظر من الحق إلى الخلق فالاستغفار عكسه وهو التفات عن الخلق إلى الحق.

وإنما فهمت الصحابة من السورة نعي النبي  لأن كل كمال فإنه يدل على زوال كما قيل: إذا تم أمر يدا نقصه *** توقع زوالاً إذا قيل تم ويمكن أن يقال: إنه أمر بالتسبيح والحمد والاستغفار مطلقاً.

ولا يخفى أن الاشتغال بهذه الأعمال يمنع من الاشتغال بأعباء التبليغ وبأداء ما كان يواظب عليه من رعاية مصالح الأمة، فكان هذا كالتنبيه على أن أمر الرسالة قد تم وكمل بسبب الموت والإلزام العزل.

"روت عائشة أن رسول الله  بعد نزول هذه السورة كان يكثر أن يقول: سبحانك اللهم وبحمدك أستغفرك وأتوب إليك" .

وفي رواية: "كان يكثر أن يقول في ركوعه: سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي" .

وفي رواية أخرى "كان نبي الله  في آخر أمره لا يقوم ولا يقعد ولا يذهب ولا يجيء إلا قال: سبحان الله وبحمده.

فقلت: يا رسول الله إنك تكثر من قول سبحان الله وبحمده قال: إني أمرت بها وقرأ السورة" .

وعن ابن مسعود أنه لما نزلت هذه السورة كان  "يكثر أن يقول: سبحانك الله وبحمدك اللهم اغفر لي إنك أنت التواب الرحيم" .

وفي الآية تنبيه على أن العاقل إذا قرب أجله وأنذره الشيب أقبل على التوبة والاستغفار وتدارك بعض ما فات في أوان الغفلة والاغترار.

وفي معنى الباء في قوله ﴿ بحمد ربك ﴾ وجوه للمفسرين منها: أن المراد قل سبحان الله والحمد لله تعجباً مما أراك من مقصودك.

يقال: شربت اللبن بالعسل أي خلطتهما فشربت المخلوط.

ومنها أن الباء للآلة أي سبحه بواسطة تحميده لأن الثناء يتضمن التنزيه عن النقائص، والدليل عليه أنه  عند فتح مكة بدأ بالتحميد قائلاً الحمد لله الذي نصر عبده.

ومنها أن المراد فسبح متلبساً بالحمدنية لأنك لا يتأتى لك الجمع بينهما لفظاً فاجمعهما نية.

وقيل: سبحه مقروناً بحمد الله على ما هداك إلى تسبيحه كما روي أنه  كان يقول: الحمد لله على الحمد لله.

وقيل: الباء للبدل أي ائت بالتسبيح بدل الحمد الواجب عليك في مقابلة نعمة النصر والفتح لأن الحمد لا حصر له ﴿ وإن تعدّوا نعمة الله لا تحصوها  ﴾ وقيل: فيه إشارة إلى أن التسبيح والحمد لله أمر أن لا يجوز تأخير أحدهما عن الآخر لوجوب الإتيان بكل منهما على الفور كما لو ثبت له حق الشفعة وحق الرد بالعيب وجب أن يقول اخترت الشفعة بردّي ذلك المبيع.

وقيل: الباء صلة أي طهر محامد ربك عن النقائض والرياء.

وفي تخصيص الرب بالمقام إشارة إلى أن التربية هي الموجبة للحمد، أما الاستغفار فإن كان لأجل الأمة فلا إشكال، وإن كان لأجل نفسه فإما للاقتداء وإما لترك الأولى والأفضل، وإما بالنظر إلى المرتبة المتجاوز عنها فإن السالك يلزمه عند الارتقاء في كل درجة يصل إليها أن يستغفر عما يخلفها.

وفي قوله ﴿ تواباً ﴾ دون أن يقول " غفاراً كما في سورة نوح إشارة إلى أن هذا النبي  بل هذه الأمة امتثلوا فاستغفروا وتابوا فوجب على فضل الله قبول توبتهم بخلاف قوم نوح.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ ﴾ : قال عامة أهل التأويل: إن قوله -  -: ﴿ إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ ﴾ هو مكة، والنصر الذي نصر رسول الله  على أهل مكة.

قال أبو بكر الأصم: هذا لا يحتمل؛ لأن فتح مكة كان بعد الهجرة بثماني سنين، ونزول هذه السورة كان بعد الهجرة بعشر سنين، ولا يقال للذي مضى: ﴿ إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ ﴾ ، ولكن أراد سائر الفتوح التي فتحها له، أو كلام نحو هذا، ولكن يحتمل أن يكون قوله: ﴿ إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ ﴾ يعني: إذ جاء.

وجائز ذلك في اللغة، وفي القرآن كثير "إذا" مكان "إذ"، فإن كان [على] هذا فيستقيم حمله على فتح مكة؛ على ما قاله أولئك.

أو يكون قوله: ﴿ إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: قد جاء نصر الله.

أو يكون أراد بما ذكر من النصر والفتح: الفتوح التي كانت له من بعد حين دخل الناس في دين الله أفواجا؛ على ما ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ نَصْرُ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: عون الله وخذلانه لأعدائه.

أو أن يكون قوله -  -: ﴿ إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ ﴾ : هي فتوح الأمور التي فتحها الله - عز وجل - عليه من تبليغ الراسلة إلى من أمر بتبليغها إليهم، والقيام بالأمور التي أمره أن يقوم بها، فتح تلك الأمور عليه وأتمها، فإن كان على هذا، تصير فتوح تلك الأمور له نعيا له؛ بالدلالة على ما قاله أهل التأويل: إنه نعى لرسول الله  نعيه، وجهة الاستدلال الوجوه التي ذكرنا.

وقوله - عز وجل 0: ﴿ وَرَأَيْتَ ٱلنَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ ٱللَّهِ أَفْوَاجاً ﴾ .

ذكر أهل التأويل أنه كان قبل ذلك يدخل واحداً واحداً، فلما كان فتح مكة، جعلوا يدخلون دينه أفواجا أفواجا، وقبيلة قبيلة.

ويحتمل ما ذكرنا من سائر الفتوح، أي: فتوح الأمور التي ذكرنا، على ما روي عن النبي  أنه قال: "نصرت بالرعب مسيرة شهرين، شهار أمامى، وشهرا ورائي".

ثم [فى] قوله: ﴿ إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ ٱلنَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ ٱللَّهِ أَفْوَاجاً ﴾ الآية، نعي لرسول الله  من وجوه، وقد ذكر في الأخبار: أنه نعى إليه نفسه بهذه السورة.

أحدها: ما ذكرنا من جهة الاستدلال عرف أنه قد دنا أجله؛ حيث أتم ما أمر به، وفرغ منه: من التبليغ والدعاء.

والثاني: عرف ذلك اطلاعا من الله  ، أطلعه عليه بعلامات جعلها له؛ ففهم رسول الله  ما لا يدرك أفهامنا ذلك.

والثالث: لما كفي مؤنة القيام بالتبليغ بنفسه بدخول الناس في الدين جماعة جماعة، وكان قبل ذلك يقوم بنفسه، عرف بذلك حضور أجله، وهو نوع من الدلالة.

ووجه الدلالة: أن القوم لما دخلوا في دين الله فوجا فوجا؛ دل ذلك على ظهور الإسلام وكثرة أهله؛ فكانت الغلبة والنصر دليل الأمن من الزوال عما هم عليه من الدين إذا زال الرسول.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ﴾ ، قال أهل التأويل: أي: صل بأمر ربك، وأصله: ما ذكرنا فما تقدم: أن التسبيح هو التنزيه، والتبرئة عن جميع معاني الخلق، والوصف بما يليق به، قال: نزهه وبرئه بالثناء عليه، وصفه بالصفات العلا، وسمه بالأسماء الحسنى التي علمك ربك.

ويحتمل أن يكون معنى قوله: ﴿ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ﴾ ، أي: قل: "سبحان الله وبحمده" على ما جاء في الأخبار أن النبي  كان يكثر في دعائه "سبحان الله وبحمده، وأستغفر الله وأتوب إليه" وهذا لأن "  الله" حرف جامع يجمع جميع ما يستحق من الثناء عليه، والوصف له بالعلو والعظمة والجلال، والتنزيه عن جميع العيوب والآفات، وعن جميع معاني الخلق، جعل لهم هذا الحرف الجامع؛ لما عرف عجزهم عن القيام بالوصف بجميع ما يستحق من الثناء عليه.

وكذلك حرف "الحمد لله"، هو حرف جامع يجمع شكر جميع ما أنعم الله عليهم، جعل لهم ذلك؛ لما عرف من عجزهم، وقلة شكر ما أنعم عليهم واحدا بعد واحد.

وعلى ذلك يخرج قوله: "اللهم صل على محمد"، امرهم أن يجعلوا الصلاة على رسول الله  بقوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيماً  ﴾ ولما لم يجعل في وسعهم القيام بما يستحقه أمروا أن يقولوا: "اللهم صل على محمد"؛ ليكون هو المتولي ذلك بنفسه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱسْتَغْفِرْهُ ﴾ : قال أبو بكر الأصم: دل قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱسْتَغْفِرْهُ ﴾ على أن كان منه تقصير وتفريط في أمره حتى أمره بالاستغفار عن ذلك.

لكن هذا كلام وحش؛ لا يصف رسول الله  بالتقصير في شيء، ولا بالتفريط في أمر قط، ولكن قد جعل الله -  - على كل أحد من نعمه وفضله وإحسانه في طرفة عين ولحظة بصر ما ليس في وسعه وطاقته القيام بشكر واحد منها، وإن لطف، وإن طال عمره؛ فأمر بالاستغفار؛ لما يتوهم منه التقصير في أداء شكر نعمه عن القيام بذلك.

أو أن يكون لأمته لا لنفسه.

فإن قال قائل: ما معنى أمره بالاستغفار، وقد ذكر أنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟

فالجواب عنه من وجهين: أحدهما: أنه يجوز أن يكون أمر بالاستغفار لأمته، نحو قوله -  -: ﴿ وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ  ﴾ .

أو أن يكون الله -  - وعد له المغفرة إذا لزم الاستغفار، ودام عليهز وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً ﴾ : أي: كان لم يزل توابا، ليس أن صار توابا بأمر اكتسبه وأحدثه، على ما تقول المعتزلة: إنه صار توابا.

ثم قوله: ﴿ تَوَّاباً ﴾ ، على التكثير، أي: يقبل توبة بعد توبة، أي: إذا تاب مرة، ثم ارتكب الجرم وعصاه؛ ثم تاب ثانيا، وثالثا، وإن كثر؛ فإنه يقبل توبته.

والثاني: ﴿ تَوَّاباً ﴾ ، أي: رجاعا يرجعهم ويردهم عن المعاصي، إلى أن يتوبوا، أي: هو الذي يوفقهم على التوبة.

ثم قال: ﴿ تَوَّاباً ﴾ ، ولم يقل: "غفاراً"، وحق مثله من الكلام أن يقال: "إنه كان غفارا"؛ كما قال في آية أخرى: ﴿ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً  ﴾ ، ولكن المعنى فيه عندنا: أن المراد من الاستغفار ليس قوله: "أستغفر الله"، ولكن أن يتوب إليه، ويطلب منه المغفرة بالتوبة؛ ﴿ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً ﴾ .

ويجوز أن يكون فيه إضمار؛ كأنه قال: "واستغفره، وتب إليه؛ إن كان توابا".

ويجوز [أن يستغنى] بذكر الاستغفار في السؤال عن ذكره في الجواب، وأحرى [أن يستغنى] بذكر التوبة في الجواب عن ذكرها في السؤال، ووقد يجوز مثل هذا في الكلام.

ثم الدين اسم يقع على ما يدين به الإنسان، حقا كان أو باطلا، وعلى ذلك أضاف النبي  ما كان يدين به إلى نفسه، وما دان به الكفرة إليهم، حيث قال: ﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ  ﴾ ، وأما إضافته إلى الله -  - حيث قال: ﴿ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ ٱللَّهِ أَفْوَاجاً ﴾ \[الآية\]؛ لأنه الدين الذي أمرهم به، ودعاهم إليه؛ لذلك خرجت الإضافة والنسبة إليه، والله أعلم [بالصواب].

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ورأيت الناس يدخلون في الإسلام وفدًا بعد وفد.

<div class="verse-tafsir" id="91.9Yv6k"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

الخطاب الذي يرد في كتاب الله مفردًا، تارة يكون للنبي  خاصة كقوله: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ  ﴾ ، وقد يكون لكل من يفهم الخطاب كقوله: ﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى  عَبْدًا إِذَا صَلَّى  أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى  أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى  ﴾ ، وكقوله: ﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ  ﴾ ، وقد يكون خطابًا له  مقصودًا به نفسه الشريفة مع من معه من أصحابه والمخلصين من أُمته.

ومن هذا الأخير ما جاء من الخطاب في سورة النصر.

كان المؤمنون أيام قلتهم وفقرهم وكثرة عدد عدوهم وقوته واشتداده عليهم ومضايقته لهم، يمر الضجر بنفوسهم، ويأخذ الحزن منها مأخذه.

وكان  يحزن ويضيق صدره لما يكذبه قومه -والحق يسطع نوره وهم يعمون عنه- حتى قال الله له: ﴿ فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ  ﴾ وقال له: ﴿ قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ  ﴾ وقال بعد ذلك ﴿ وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنْ الْجَاهِلِينَ  ﴾ .

وجاء في غير ذلك من آيات الكتاب ما يدل على أن النبي  وأصحابه كانوا يضجرون ويقلقون لشدة ما كانوا يلقون.

ولا يخفى ما في القلق والضجر من استبطاء نصر الله للحق الذي بعث به نبيه، بل فيه شيء من السهو عن وعد الله بتأييد دينه.

وليس ذلك من النقص الذي يعاب به  ، فإن كل مخلوق لا يعلم من غيب الله ما يعلم الله، لا بد أن يمسه هذا الضجر، ويصيبه هذا القلق، وتأخذه الشدة بهذا النسيان حتى يكون الكمال لله وحده.

قال: ﴿ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ  ﴾ .

ولكن الله جل شأنه قد يعده على أقرب المقربين إليه، كما قالوا حسنات الأبرار سيئات المقربين.

وقد يراه النبي  -إذا رجع إلى نفسه، وخرج من غمرة الشدة- ذنبًا يتوب إلى الله ويستغفره منه.

ولهذا ورد له الأمر الإلهي بالاستغفار مما كان منه من حزن وضجر في أوقات الشدة ...

ورد له ذلك الأمر في صورة البشارة بقرب مجيء الفتح والنصر حيث قال ﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ  ﴾ فعبر بإذا المفيدة لتحقيق وقوع ما يضاف إليه، أي عندما ترى نصر الله لدينه الحق على الباطل، ويفتح الله بينك وبين قومك، فيجعل لك الغلبة عليهم، ويضعف أمرهم في التمسك بعقائدهم الباطلة.

(ورأيت الناس) عند ذلك (يدخلون في دين الله)، وهو دينك الذي جئتهم به لزوال ذلك الغطاء الذي كان يحول بينهم وبينه، وهو غطاء قوة الباطل فيقبلون عليه (أفواجًا): أي طوائف وجماعات لا آحادًا كما كان ذلك في بدء الأمر أيام الشدة.

إذا حصل ذلك كله -وهو لا ريب حاصل- (فسبح بحمد ربك): أي فنزه ربك عن أن يهمل الحق ويدعه للباطل يأكله، وعن أن يخلف وعده في تأييده، وليكن هذا التنزيه بواسطة حمده والثناء عليه بأنه القادر الذي لا يغلبه غالب، والحكيم الذي إذا أمهل الكافرين ليمتحن قلوب المؤمنين، فلن يضيع أجر العاملين، ولا يصلح عمل المفسدين والبصير بما في قلوب المخلصين والمنافقين، فلا يذهب عليه رياء المرائين.

(واستغفره): أي اسأله أن يغفر لك ولأصحابك ما كان من القلق والضجر والحزن لتأخر زمن النصر والفتح.

والاستغفار إنما يكون بالتوبة الخالصة.

والتوبة من القلق إنما تكون بتكميل الثقة بوعد الله وتغليب هذه الثقة على خواطر النفس التي تحدثها الشدائد.

وهو -وإن كان مما يشق على نفوس البشر- ولكن الله علم أن نفس نبيه  قد تبلغ ذلك الكمال، فلذلك أمره به، وكذلك تقاربه قلوب الكُمَّل من أصحابه وأتباعه  ، والله يتقبل ذلك منهم.

(إنه كان توابًا) أي إنه سبحانه لا يزال يوصف بأنه كثير القبول للتوبة لأنه رب يربي النفوس بالمحن، فإذا وجدت الضعف أنهضها إلى طلب القوة، وشدد هممها بحسن الوعد: ولا يزال بها حتى تبلغ الكمال.

وهي في كل منزلة تتوب عن التي قبلها، وهو سبحانه يقبل توبتها فهو التّواب الرحيم.

وكأن الله يقول إذا حصل الفتح وتحقق النصر، وأقبل الناس على الدين الحق، فقد ارتفع الخوف، وزال موجب الحزن، فلم يبق إلا تسبيح الله وشكره، والنزوع إليه عما كان من خواطر النفس، فلن تعود الشدة تأخذ نفوس المخلصين ما داموا على تلك الكثرة في ذلك الإخلاص.

ومن هذا أخذ النبي  أن الأمر قد تم، ولم يبق له إلا أن يسير إلى ربه فقال -فيما روي عنه- "إنه قد نعيت إليه نفسه" والله أعلم.

مزيد من التفاسير لسورة النصر

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده