الآية ١ من سورة الفلق

الإسلام > القرآن > سور > سورة 113 الفلق > الآية ١ من سورة الفلق

قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلْفَلَقِ ١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 140 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١ من سورة الفلق: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١ من سورة الفلق عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

تفسير سورتي المعوذتين وهما مدنيتان .

قال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا حماد بن سلمة ، أخبرنا عاصم بن بهدلة ، عن زر بن حبيش ، قال : قلت لأبي بن كعب : إن ابن مسعود [ كان ] لا يكتب المعوذتين في مصحفه ؟

فقال : أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرني أن جبريل عليه السلام ، قال له : " قل أعوذ برب الفلق " فقلتها ، قال : " قل أعوذ برب الناس " فقلتها .

فنحن نقول ما قال النبي صلى الله عليه وسلم .

ورواه أبو بكر الحميدي في مسنده ، عن سفيان بن عيينة ، حدثنا عبدة بن أبي لبابة وعاصم بن بهدلة ، أنهما سمعا زر بن حبيش قال : سألت أبي بن كعب عن المعوذتين ، فقلت : يا أبا المنذر ، إن أخاك ابن مسعود يحكهما من المصحف .

فقال : إني سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : " قيل لي : قل ، فقلت " .

فنحن نقول كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وقال أحمد : حدثنا وكيع ، حدثنا سفيان ، عن عاصم ، عن زر قال : سألت ابن مسعود عن المعوذتين فقال : سألت النبي صلى الله عليه وسلم عنهما فقال : " قيل لي ، فقلت لكم ، فقولوا " .

قال أبي : فقال لنا النبي صلى الله عليه وسلم فنحن نقول .

وقال البخاري : حدثنا علي بن عبد الله ، حدثنا سفيان ، حدثنا عبدة بن أبي لبابة ، عن زر بن حبيش - وحدثنا عاصم ، عن زر - قال : سألت أبي بن كعب فقلت : أبا المنذر ، إن أخاك ابن مسعود يقول كذا وكذا .

فقال : إني سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " قيل لي ، فقلت " .

فنحن نقول كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم .

ورواه البخاري أيضا والنسائي ، عن قتيبة ، عن سفيان بن عيينة ، عن عبدة وعاصم بن أبي النجود ، عن زر بن حبيش ، عن أبي بن كعب به .

وقال الحافظ أبو يعلى : حدثنا الأزرق بن علي ، حدثنا حسان بن إبراهيم ، حدثنا الصلت بن بهرام ، عن إبراهيم ، عن علقمة قال : كان عبد الله يحك المعوذتين من المصحف ، ويقول : إنما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتعوذ بهما ، ولم يكن عبد الله يقرأ بهما ورواه عبد الله بن أحمد من حديث الأعمش ، عن أبي إسحاق ، عن عبد الرحمن بن يزيد قال : كان عبد الله يحك المعوذتين من مصاحفه ، ويقول : إنهما ليستا من كتاب الله - قال الأعمش : وحدثنا عاصم ، عن زر بن حبيش ، عن أبي بن كعب قال : سألنا عنهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : " قيل لي ، فقلت " .

وهذا مشهور عند كثير من القراء والفقهاء : أن ابن مسعود كان لا يكتب المعوذتين في مصحفه ، فلعله لم يسمعهما من النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يتواتر عنده ، ثم لعله قد رجع عن قوله ذلك إلى قول الجماعة ، فإن الصحابة ، رضي الله عنهم ، كتبوهما في المصاحف الأئمة ، ونفذوها إلى سائر الآفاق كذلك ، ولله الحمد والمنة .

وقد قال مسلم في صحيحه : حدثنا قتيبة ، حدثنا جرير ، عن بيان ، عن قيس بن أبي حازم ، عن عقبة بن عامر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ألم تر آيات أنزلت هذه الليلة لم ير مثلهن قط : " قل أعوذ برب الفلق " و " قل أعوذ برب الناس " .

ورواه أحمد ومسلم أيضا ، والترمذي والنسائي من حديث إسماعيل بن أبي خالد ، عن قيس بن أبي حازم ، عن عقبة به .

وقال الترمذي : حسن صحيح .

طريق أخرى : قال الإمام أحمد : حدثنا الوليد بن مسلم ، حدثنا ابن جابر ، عن القاسم أبي عبد الرحمن ، عن عقبة بن عامر قال : بينا أنا أقود برسول الله صلى الله عليه وسلم في نقب من تلك النقاب ، إذ قال لي : " يا عقبة ، ألا تركب ؟

" .

قال : [ فأجللت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أركب مركبه .

ثم قال : " يا عقيب ، ألا تركب ؟

" .

قال ] فأشفقت أن تكون معصية ، قال : فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وركبت هنيهة ، ثم ركب ، ثم قال : " يا عقيب ، ألا أعلمك سورتين من خير سورتين قرأ بهما الناس ؟

" .

قلت : بلى يا رسول الله .

فأقرأني : " قل أعوذ برب الفلق " و " قل أعوذ برب الناس " ثم أقيمت الصلاة ، فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ بهما ، ثم مر بي فقال : " كيف رأيت يا عقيب ، اقرأ بهما كلما نمت وكلما قمت " .

ورواه النسائي من حديث الوليد بن مسلم وعبد الله بن المبارك ، كلاهما عن ابن جابر به .

ورواه أبو داود والنسائي أيضا ، من حديث ابن وهب ، عن معاوية بن صالح ، عن العلاء بن الحارث ، عن القاسم بن عبد الرحمن ، عن عقبة به .

طريق أخرى : قال أحمد : حدثنا أبو عبد الرحمن ، حدثنا سعيد بن أبي أيوب ، حدثني يزيد بن عبد العزيز الرعيني وأبو مرحوم ، عن يزيد بن محمد القرشي ، عن علي بن رباح عن عقبة بن عامر قال : أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقرأ بالمعوذات في دبر كل صلاة .

ورواه أبو داود والترمذي والنسائي من طرق ، عن علي بن أبي رباح .

وقال الترمذي : غريب .

طريق أخرى : قال أحمد : حدثنا يحيى بن إسحاق ، حدثنا ابن لهيعة ، عن مشرح بن هاعان ، عن عقبة بن عامر قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اقرأ بالمعوذتين ، فإنك لن تقرأ بمثلهما " .

تفرد به أحمد .

طريق أخرى : قال أحمد : حدثنا حيوة بن شريح ، حدثنا بقية ، حدثنا بحير بن سعد ، عن خالد بن معدان ، عن جبير بن نفير ، عن عقبة بن عامر أنه قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهديت له بغلة شهباء ، فركبها فأخذ عقبة يقودها له ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اقرأ " قل أعوذ برب الفلق " .

فأعادها له حتى قرأها ، فعرف أني لم أفرح بها جدا ، فقال : " لعلك تهاونت بها ؟

فما قمت تصلي بشيء مثلها " .

ورواه النسائي ، عن عمرو بن عثمان ، عن بقية به .

ورواه النسائي أيضا من حديث الثوري ، عن معاوية بن صالح ، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير ، عن أبيه ، عن عقبة بن عامر : أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المعوذتين ، فذكر نحوه .

طريق أخرى : قال النسائي : أخبرنا محمد بن عبد الأعلى ، حدثنا المعتمر ، سمعت النعمان ، عن زياد أبي الأسد ، عن عقبة بن عامر ; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن الناس لم يتعوذوا بمثل هذين : " قل أعوذ برب الفلق " و " قل أعوذ برب الناس " .

طريق أخرى : قال النسائي : أخبرنا قتيبة ، حدثنا الليث ، عن ابن عجلان ، عن سعيد المقبري ، عن عقبة بن عامر قال : كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " يا عقبة ، قل " .

فقلت : ماذا أقول ؟

فسكت عني ، ثم قال : " قل " .

قلت : ماذا أقول يا رسول الله ؟

فسكت عني ، فقلت : اللهم اردده علي .

فقال : " يا عقبة ، قل " .

قلت : ماذا أقول يا رسول الله ؟

فقال : " " قل أعوذ برب الفلق " ، فقرأتها حتى أتيت على آخرها ، ثم قال : " قل " .

قلت : ماذا أقول يا رسول الله ؟

قال : " " قل أعوذ برب الناس " ، فقرأتها حتى أتيت على آخرها ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك : " ما سأل سائل بمثلهما ، ولا استعاذ مستعيذ بمثلهما " .

طريق أخرى : قال النسائي : أخبرنا محمد بن يسار ، حدثنا عبد الرحمن ، حدثنا معاوية ، عن العلاء بن الحارث ، عن مكحول ، عن عقبة بن عامر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ بهما في صلاة الصبح .

طريق أخرى : قال النسائي : أخبرنا قتيبة ، حدثنا الليث ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي عمران أسلم ، عن عقبة بن عامر قال : اتبعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو راكب ، فوضعت يدي على قدمه فقلت : أقرئني سورة هود أو سورة يوسف .

فقال : " لن تقرأ شيئا أنفع عند الله من " قل أعوذ برب الفلق " .

حديث آخر : قال النسائي : أخبرنا محمود بن خالد ، حدثنا الوليد ، حدثنا أبو عمرو الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث ، عن أبي عبد الله ، عن ابن عائش الجهني : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : " يا ابن عائش ، ألا أدلك - أو : ألا أخبرك - بأفضل ما يتعوذ به المتعوذون ؟

" .

قال : بلى ، يا رسول الله .

قال : " " قل أعوذ برب الفلق " و " قل أعوذ برب الناس " هاتان السورتان " .

فهذه طرق عن عقبة كالمتواترة عنه ، تفيد القطع عند كثير من المحققين في الحديث .

وقد تقدم في رواية صدي بن عجلان وفروة بن مجاهد ، عنه : " ألا أعلمك ثلاث سور لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلهن ؟

" قل هو الله أحد " و " قل أعوذ برب الفلق " و " قل أعوذ برب الناس " .

حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا إسماعيل ، حدثنا الجريري ، عن أبي العلاء قال : قال رجل : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر ، والناس يعتقبون ، وفي الظهر قلة ، فحانت نزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزلتي ، فلحقني فضرب [ من بعدي ] منكبي ، فقال : " " قل أعوذ برب الفلق " ، فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرأتها معه ، ثم قال : " " قل أعوذ برب الناس " ، فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرأتها معه ، فقال : " إذا صليت فاقرأ بهما " .

الظاهر أن هذا الرجل هو عقبة بن عامر ، والله أعلم .

ورواه النسائي ، عن يعقوب بن إبراهيم ، عن ابن علية به .

حديث آخر : قال النسائي : أخبرنا محمد بن المثنى ، حدثنا محمد بن جعفر ، عن عبد الله بن سعيد ، حدثني يزيد بن رومان ، عن عقبة بن عامر ، عن عبد الله الأسلمي - هو ابن أنيس - : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع يده على صدره ثم قال : " قل " .

فلم أدر ما أقول ، ثم قال لي : " قل " .

قلت : " قل هو الله أحد " ثم قال لي : " قل " .

قلت : " أعوذ برب الفلق من شر ما خلق " حتى فرغت منها ، ثم قال لي : " قل " .

قلت : " قل أعوذ برب الناس " حتى فرغت منها .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هكذا فتعوذ ، ما تعوذ المتعوذون بمثلهن قط " .

حديث آخر : قال النسائي : أخبرنا عمرو بن علي أبو حفص ، حدثنا بدل ، حدثنا شداد بن سعيد أبو طلحة ، عن سعيد الجريري ، حدثنا أبو نضرة ، عن جابر بن عبد الله قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اقرأ يا جابر " .

قلت : وما أقرأ بأبي أنت وأمي ؟

قال : " اقرأ : " قل أعوذ برب الفلق " و " قل أعوذ برب الناس " .

فقرأتهما ، فقال : " اقرأ بهما ، ولن تقرأ بمثلهما " .

وتقدم حديث عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بهن ، وينفث في كفيه ، ويمسح بهما رأسه ووجهه ، وما أقبل من جسده .

وقال الإمام مالك : عن ابن شهاب ، عن عروة عن عائشة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذتين وينفث ، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه ، وأمسح بيده عليه ، رجاء بركتها .

ورواه البخاري ، عن عبد الله بن يوسف .

ومسلم ، عن يحيى بن يحيى .

وأبو داود ، عن القعنبي .

والنسائي ، عن قتيبة - ومن حديث ابن القاسم وعيسى بن يونس - وابن ماجه من حديث معن وبشر بن عمر ، ثمانيتهم عن مالك به .

وتقدم في آخر سورة : " ن " من حديث أبي نضرة عن أبي سعيد : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ من أعين الجان وعين الإنسان ، فلما نزلت المعوذتان أخذ بهما ، وترك ما سواهما .

رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه ، وقال الترمذي : حديث حسن .

قال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن عصام ، حدثنا أبو أحمد الزبيري ، حدثنا حسن بن صالح ، عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر قال : الفلق : الصبح .

وقال العوفي عن ابن عباس : ( الفلق ) الصبح .

وروي عن مجاهد ، وسعيد بن جبير ، وعبد الله بن محمد بن عقيل ، والحسن ، وقتادة ، ومحمد بن كعب القرظي ، وابن زيد ، ومالك ، عن زيد بن أسلم ، مثل هذا .

قال القرظي وابن زيد وابن جرير : وهي كقوله تعالى : ( فالق الإصباح ) [ الأنعام : 96 ] .

وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : ( الفلق ) الخلق .

وكذا قال الضحاك : أمر الله نبيه أن يتعوذ من الخلق كله .

وقال كعب الأحبار : ( الفلق ) بيت في جهنم ، إذا فتح صاح جميع أهل النار من شدة حره ، ورواه ابن أبي حاتم ، ثم قال : حدثنا أبي ، حدثنا سهيل بن عثمان ، عن رجل سماه ، عن السدي عن زيد بن علي ، عن آبائه أنهم قالوا : ( الفلق ) جب في قعر جهنم ، عليه غطاء ، فإذا كشف عنه خرجت منه نار تصيح منه جهنم ، من شدة حر ما يخرج منه .

وكذا روي عن عمرو بن عبسة والسدي وغيرهم .

وقد ورد في ذلك حديث مرفوع منكر ، فقال ابن جرير : حدثني إسحاق بن وهب الواسطي ، حدثنا مسعود بن موسى بن مشكان الواسطي ، حدثنا نصر بن خزيمة الخراساني ، عن شعيب بن صفوان ، عن محمد بن كعب القرظي ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ( الفلق ) جب في جهنم مغطى " إسناده غريب ولا يصح رفعه .

وقال أبو عبد الرحمن الحبلي : ( الفلق ) من أسماء جهنم .

قال ابن جرير : والصواب القول الأول ، أنه فلق الصبح .

وهذا هو الصحيح ، وهو اختيار البخاري رحمه الله ، في صحيحه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد، أستجير بربّ الفلق من شرّ ما خلق من الخلق.

واختلف أهل التأويل في معنى ( الفلق ) فقال بعضهم: هو سجن في جهنم يسمى هذا الاسم.

* ذكر من قال ذلك: حدثني الحسين بن يزيد الطحان، قال: ثنا عبد السلام بن حرب، عن إسحاق بن عبد الله، عمن حدثه عن ابن عباس قال: ( الفلق ): سجن في جهنم .

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد الزبيري، قال: ثنا عبد السلام بن حرب، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، عن رجل، عن ابن عباس، في قوله: ( الفَلَقِ ) : سجن في جهنم .

حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا العوّام بن عبد الجبار الجولاني، قال: قَدم رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الشأم، قال: فنظر إلى دور أهل الذمة، وما هم فيه من العيش والنضارة، وما وُسِّع عليهم في دنياهم، قال: فقال: لا أبا لك أليس من ورائهم الفلق؟

قال: قيل: وما الفلق؟

قال: بيت في جهنم إذ فُتح هَرّ أهْلُ النار .

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، قال: سمعت السديّ يقول: ( الفَلَق ) : جُب في جهنم .

حدثني عليّ بن حسن الأزدي، قال: ثنا الأشجعيّ، عن سفيان، عن السديّ، مثله.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن السديّ، مثله.

حدثني إسحاق بن وهب الواسطيُّ، قال: ثنا مسعود بن موسى بن مشكان الواسطيُّ، قال: ثنا نصر بن خُزَيمة الخراساني، عن شعيب بن صفوان، عن محمد بن كعب القُرَظِيِّ، عن أبي هُريرة، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: " الفَلَق: جبّ في جهنم مغطًّى " .

حدثنا ابن البرقي، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: ثنا نافع بن يزيد، قال: ثنا يحيى بن أبي أسيد عن ابن عجلان، عن أبي عبيد، عن كعب، أنه دخل كنيسة فأعجبه حُسنها، فقال: أحسن عمل وأضلّ قوم، رضيت لكم الفلق، قيل: وما الفلق؟

قال: بيت في جهنم إذا فُتح صاح جميع أهل النار من شدّة حرّه .

وقال آخرون: هو اسم من أسماء جهنم.

* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سمعت خيثم بن عبد الله يقول: سألت أبا عبد الرحمن الحبلي، عن ( الفلق ) ، قال: هي جهنم .

وقال آخرون: الفلق: الصبح.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ( أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ) قال: ( الفلق ): الصبح .

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبي عديّ، قال: أنبأنا عوف، عن الحسن، في هذه الآية ( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ) قال: ( الفلق ): الصبح .

قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جُبير، قال: ( الفلق ) : الصبح .

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع؛ وحدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران جميعا، عن سفيان، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جُبير، مثله.

حدثني عليّ بن الحسن الأزدي، قال: ثنا الأشجعيّ، عن سفيان، عن سالم، عن سعيد بن جُبير، مثله.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن الحسن بن صالح، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر، قال: ( الفَلَق ): الصبح .

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا الحسن بن صالح، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله، مثله.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، أخبرنا أبو صخر، عن القُرَظِيّ أنه كان يقول في هذه الآية: ( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ) يقول: فالق الحبّ والنوى، قال: فالق الإصباح .

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ) قال: الصبح .

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ) قال: ( الفَلَق ): فَلق النهار .

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: ( الفلق ): فلق الصبح .

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قول الله: ( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ) قيل له: فلق الصبح؟

قال: نعم، وقرأ: فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا .

وقال آخرون: ( الفلَق ): الخلق، ومعنى الكلام: قل أعوذ بربّ الخلق.

* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: لنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ( الفلق ) : يعني: الخلق .

والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله جلّ ثناؤه أمر نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يقول: ( أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ) والفلق في كلام العرب: فلق الصبح، تقول العرب: هو أبين من فَلَق الصُّبح، ومن فرق الصبح.

وجائز أن يكون في جهنم سجن &; 24-702 &; اسمه فَلَق.

وإذا كان ذلك كذلك، ولم يكن جلّ ثناؤه وضعَ دلالة على أنه عُنِي بقوله: ( بِرَبِّ الْفَلَقِ ) بعض ما يُدْعَى الفلق دون بعض، وكان الله تعالى ذكره ربّ كل ما خلق من شيء، وجب أن يكون معنيا به كل ما اسمه الفَلَق، إذ كان ربّ جميع ذلك.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

تفسير سورة الفلقوهي خمس آياتو هي مكية في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر ، ومدنية في أحد قولي ابن عباس وقتادة وهذه السورة وسورة ( الناس ) و ( الإخلاص ) : تعوذ بهن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين سحرته اليهود ؛ على ما يأتي .

وقيل : إن المعوذتين كان يقال لهما المقشقشتان ؛ أي تبرئان من النفاق .

وقد تقدم .

وزعم ابن مسعود أنهما دعاء تعوذ به ، وليستا من القرآن ؛ خالف به الإجماع من الصحابة وأهل البيت .

قال ابن قتيبة : لم يكتب عبد الله بن مسعود في مصحفه المعوذتين ؛ لأنه كان يسمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعوذ الحسن والحسين - رضي الله عنهما - بهما ، فقدر أنهما بمنزلة : أعيذكما بكلمات الله التامة ، من كل شيطان وهامة ، ومن كل عين لامة .

قال أبو بكر الأنباري : وهذا مردود على ابن قتيبة ؛ لأن المعوذتين من كلام رب العالمين ، المعجز لجميع المخلوقين ؛ و ( أعيذكما بكلمات الله التامة ) من قول البشر بين .

وكلام الخالق الذي هو آية لمحمد - صلى الله عليه وسلم - خاتم النبيين ، وحجة له باقية على جميع الكافرين ، لا يلتبس بكلام الآدميين ، على مثل عبد الله بن مسعود الفصيح اللسان ، العالم باللغة ، العارف بأجناس الكلام ، وأفانين القول .

وقال بعض الناس : لم يكتب عبد الله المعوذتين لأنه أمن عليهما من النسيان ، فأسقطهما وهو يحفظهما ؛ كما أسقط فاتحة الكتاب من مصحفه ، وما يشك في حفظه وإتقانه لها .

فرد هذا القول على قائله ، واحتج عليه بأنه قد كتب : إذا جاء نصر الله والفتح ، و إنا أعطيناك الكوثر ، و قل هو الله أحد وهن يجرين مجرى المعوذتين في أنهن غير طوال ، والحفظ إليهن أسرع ، ونسيانهن مأمون ، وكلهن يخالف فاتحة الكتاب ؛ إذ الصلاة لا تتم إلا بقراءتها .

وسبيل كل ركعة أن تكون المقدمة فيها قبل ما يقرأ من بعدها ، فإسقاط فاتحة الكتاب [ ص: 226 ] من المصحف ، على معنى الثقة ببقاء حفظها ، والأمن من نسيانها ، صحيح ، وليس من السور ما يجري في هذا المعنى مجراها ، ولا يسلك به طريقها .

وقد مضى هذا المعنى في سورة ( الفاتحة ) .

والحمد لله .بسم الله الرحمن الرحيم قل أعوذ برب الفلقروى النسائي عن عقبة بن عامر ، قال : أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو راكب ، فوضعت يدي على قدمه ، فقلت : أقرئني سورة ( هود ) أقرئني سورة يوسف .

فقال لي : " لن تقرأ شيئا أبلغ عند الله من قل أعوذ برب الفلق " .

وعنه قال : بينا أنا أسير مع النبي - صلى الله عليه وسلم - بين الجحفة والأبواء ، إذ غشتنا ريح مظلمة شديدة ، فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتعوذ بـ أعوذ برب الفلق ، و أعوذ برب الناس ، ويقول : " يا عقبة ، تعوذ بهما فما تعوذ متعوذ بمثلهما " .

قال : وسمعته يقرأ بهما في الصلاة .

وروى النسائي عن عبد الله قال : أصابنا طش وظلمة ، فانتظرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخرج .

ثم ذكر كلاما معناه : فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليصلي بنا ، فقال : قل .

فقلت : ما أقول ؟

قال : " قل هو الله أحد والمعوذتين حين تمسي ، وحين تصبح ثلاثا ، يكفيك كل شيء " .وعن عقبة بن عامر الجهني قال : قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " قل " .

قلت : ما أقول ؟

قال : [ ص: 227 ] " قل : قل هو الله أحد .

قل أعوذ برب الفلق .

قل أعوذ برب الناس - فقرأهن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ثم قال : لم يتعوذ الناس بمثلهن ، أو لا يتعوذ الناس بمثلهن " .

وفي حديث ابن عباس ( قل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس ، هاتين السورتين ) .

وفي صحيح البخاري ومسلم عن عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا اشتكى قرأ على نفسه بالمعوذتين وينفث ، كلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه ، وأمسح عنه بيده ، رجاء بركتها .

النفث : النفخ ليس معه ريق .ثبت في الصحيحين من حديث عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سحره يهودي من يهود بني زريق ، يقال له لبيد بن الأعصم ، حتى يخيل إليه أنه كان يفعل الشيء ولا يفعله ، فمكث كذلك ما شاء الله أن يمكث - في غير الصحيح : سنة - ثم قال : " يا عائشة أشعرت أن الله أفتاني فيما استفتيته فيه .

أتاني ملكان ، فجلس أحدهما عند رأسي ، والآخر عند رجلي ، فقال الذي عند رأسي للذي عند رجلي : ما شأن الرجل ؟

قال : مطبوب .

قال ومن طبه ؟

قال لبيد بن الأعصم .

قال في ماذا ؟

قال في مشط ومشاطة وجف طلعة ذكر ، تحت راعوفة في بئر ذي أروان " فجاء البئر واستخرجه .

انتهى الصحيح .وقال ابن عباس : " أما شعرت يا عائشة أن الله تعالى أخبرني بدائي " .

ثم بعث عليا والزبير وعمار بن ياسر ، فنزحوا ماء تلك البئر كأنه نقاعة الحناء ، ثم رفعوا الصخرة وهي الراعوفة - صخرة تترك أسفل البئر يقوم عليها المائح ، وأخرجوا الجف ، فإذا مشاطة رأس إنسان ، وأسنان من مشط ، وإذا وتر معقود فيه إحدى عشرة عقدة مغرزة بالإبر ، فأنزل الله تعالى هاتين السورتين ، وهما إحدى عشرة آية على عدد تلك العقد ، وأمر أن يتعوذ بهما ؛ فجعل كلما قرأ آية انحلت عقدة ، ووجد النبي - صلى الله عليه وسلم - خفة ، حتى انحلت العقدة الأخيرة ، فكأنما أنشط من عقال ، وقال : ليس به بأس .

وجعل جبريل يرقي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيقول : " باسم الله أرقيك ، من كل شيء يؤذيك ، من شر حاسد وعين ، والله يشفيك " .

فقالوا : يا رسول الله ، ألا نقتل الخبيث .

فقال : " أما أنا فقد شفاني الله ، وأكره أن [ ص: 228 ] أثير على الناس شرا " .

وذكر القشيري في تفسيره أنه ورد في الصحاح : أن غلاما من اليهود كان يخدم النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فدست إليه اليهود ، ولم يزالوا به حتى أخذ مشاطة رأس النبي - صلى الله عليه وسلم - .

والمشاطة ( بضم الميم ) : ما يسقط من الشعر عند المشط .

وأخذ عدة من أسنان مشطه ، فأعطاها اليهود ، فسحروه فيها ، وكان الذي تولى ذلك لبيد بن الأعصم اليهودي .

وذكر نحو ما تقدم عن ابن عباس .تقدم في ( البقرة ) القول في السحر وحقيقته ، وما ينشأ عنه من الآلام والمفاسد ، وحكم الساحر ؛ فلا معنى لإعادته .قوله تعالى : الفلق اختلف فيه ؛ فقيل : سجن في جهنم ؛ قاله ابن عباس .

وقال أبي بن كعب : بيت في جهنم إذا فتح صاح أهل النار من حره .

وقال الحبلي أبو عبد الرحمن : هو اسم من أسماء جهنم .

وقال الكلبي : واد في جهنم .

وقال عبد الله بن عمر : شجرة في النار .

سعيد بن جبير : جب في النار .

النحاس : يقال لما اطمأن من الأرض فلق ؛ فعلى هذا يصح هذا القول .

وقال جابر بن عبد الله والحسن وسعيد بن جبير أيضا ومجاهد وقتادة والقرظي وابن زيد : الفلق ، الصبح .

وقاله ابن عباس .

تقول العرب : هو أبين من فلق الصبح وفرق الصبح .

وقال الشاعر :يا ليلة لم أنمها بت مرتفقا أرعى النجوم إلى أن نور الفلقوقيل : الفلق : الجبال والصخور تنفرد بالمياه ؛ أي تتشقق .

وقيل : هو التفليق بين الجبال والصخور ؛ لأنها تتشقق من خوف الله - عز وجل - .

قال زهير :ما زلت أرمقهم حتى إذا هبطت أيدي الركاب بهم من راكس فلقاالراكس : بطن الوادي .

وكذلك هو في قول النابغة :[ وعيد أبي قابوس في غير كنهه ] أتاني ودوني راكس فالضواجعوالراكس أيضا : الهادي ، وهو الثور وسط البيدر ، تدور عليه الثيران في الدياسة .

وقيل : الرحم تنفلق بالحيوان .

وقيل : إنه كل ما انفلق عن جميع ما خلق من الحيوان والصبح والحب [ ص: 229 ] والنوى ، وكل شيء من نبات وغيره ؛ قاله الحسن وغيره .

قال الضحاك : الفلق الخلق كله ؛ قال :وسوس يدعو مخلصا رب الفلق سرا وقد أون تأوين العقققلت : هذا القول يشهد له الاشتقاق ؛ فإن الفلق الشق .

فلقت الشيء فلقا أي شققته .

والتفليق مثله .

يقال : فلقته فانفلق وتفلق .

فكل ما انفلق عن شيء من حيوان وصبح وحب ونوى وماء فهو فلق ؛ قال الله تعالى : فالق الإصباح قال : فالق الحب والنوى .

وقال ذو الرمة يصف الثور الوحشي :حتى إذا ما انجلى عن وجهه فلق هاديه في أخريات الليل منتصبيعني بالفلق هنا : الصبح بعينه .

والفلق أيضا : المطمئن من الأرض بين الربوتين ، وجمعه : فلقان ؛ مثل خلق وخلقان ، وربما قال : كان ذلك بفالق كذا وكذا ؛ يريدون المكان المنحدر بين الربوتين ، والفلق أيضا مقطرة السجان .

فأما الفلق ( بالكسر ) : فالداهية والأمر العجب ؛ تقول منه : أفلق الرجل وافتلق .

وشاعر مفلق ، وقد جاء بالفلق أي بالداهية .

والفلق أيضا : القضيب يشق باثنين ، فيعمل منه قوسان ، يقال لكل واحدة منهما فلق ، وقولهم : جاء بعلق فلق ؛ وهي الداهية ؛ لا يجرى [ مجرى عمر ] .

يقال منه : أعلقت وأفلقت ؛ أي جئت بعلق فلق .

ومر يفتلق في عدوه ؛ أي يأتي بالعجب من شدته .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: { قل } متعوذًا { أَعُوذُ } أي: ألجأ وألوذ، وأعتصم { بِرَبِّ الْفَلَقِ } أي: فالق الحب والنوى، وفالق الإصباح.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

مدنية ( قل أعوذ برب الفلق ) قال ابن عباس ، وعائشة - رضي الله عنهما - : كان غلام من اليهود يخدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [ فدبت ] إليه اليهود ، فلم يزالوا به حتى أخذ مشاطة رأس النبي - صلى الله عليه وسلم - وعدة أسنان من مشطه ، فأعطاها اليهود فسحروه فيها ، وتولى ذلك لبيد بن الأعصم ، رجل من يهود ، فنزلت السورتان فيه أخبرنا أبو حامد أحمد بن عبد الله الصالحي ، أخبرنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم ، حدثنا محمد بن عبد الله بن [ عبد الحكم ] أخبرنا أنس بن عياض عن [ هشام ] عن أبيه عن عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - : طب حتى أنه ليخيل إليه أنه قد صنع شيئا وما صنعه ، وأنه دعا ربه ، ثم قال : أشعرت أن الله تعالى أفتاني فيما استفتيته فيه ؟

فقالت عائشة : وما ذاك يا رسول الله ؟

قال : جاءني رجلان فجلس أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي .

فقال أحدهما لصاحبه : ما وجع الرجل ؟

قال الآخر : هو مطبوب .

قال : من طبه ؟

قال لبيد بن الأعصم قال : في ماذا ؟

قال : في مشط ومشاطة وجف طلعة ذكر .

قال : فأين هو ؟

قال : في ذروان - وذروان بئر في بني زريق - قالت عائشة : فأتاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم رجع إلى عائشة ، فقال : والله لكأن ماءها نقاعة الحناء ، ولكأن نخلها رءوس الشياطين .

قالت : فقلت له : يا رسول الله هلا أخرجته ؟

قال : " أما أنا فقد شفاني الله ، فكرهت أن أثير على الناس به شرا " .

وروي أنه كان تحت صخرة في البئر ، فرفعوا الصخرة وأخرجوا جف الطلعة ، فإذا فيه مشاطة رأسه ، وأسنان مشطه أخبرنا المطهر بن علي الفارسي ، أخبرنا محمد بن إبراهيم الصالحاني ، حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر أبو الشيخ الحافظ ، أخبرنا ابن أبي عاصم ، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن يزيد بن حيان بن أرقم قال : سحر النبي - صلى الله عليه وسلم - رجل من اليهود ، قال : فاشتكى لذلك أياما .

قال : فأتاه جبريل ، فقال : إن رجلا من اليهود سحرك وعقد لك عقدا ، فأرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليا فاستخرجها فجاء بها ، فجعل كلما حل عقدة وجد لذلك خفة ، فقام رسول الله كأنما نشط من عقال ، فما ذكر ذلك لليهود ولا رأوه في وجهه قط .

قال مقاتل والكلبي : كان في وتر عقد عليه إحدى عشرة عقدة .

وقيل : كانت العقد مغروزة بالإبرة ، فأنزل الله هاتين السورتين وهما إحدى عشرة آية .

سورة الفلق خمس آيات ، وسورة الناس ست آيات ، كلما قرئت آية انحلت عقدة ، حتى انحلت العقد كلها ، فقام النبي - صلى الله عليه وسلم - كأنما نشط من عقال .

وروي : أنه لبث فيه ستة أشهر واشتد عليه ثلاث ليال ، فنزلت المعوذتان .

أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر ، أخبرنا عبد الغافر بن محمد ، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي ، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان ، حدثنا مسلم بن الحجاج ، حدثنا بشر بن هلال الصواف ، حدثنا [ عبد الوارث ] حدثنا عبد العزيز بن صهيب ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد : أن جبريل - عليه السلام - أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا محمد اشتكيت ؟

قال : نعم ، فقال : " بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك من شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك ، بسم الله أرقيك والله يشفيك " .

قوله - عز وجل - : ( قل أعوذ برب الفلق ) أراد بالفلق : الصبح ، وهو قول جابر بن عبد الله والحسن ، وسعيد بن جبير ، ومجاهد ، وقتادة ، وأكثر المفسرين ، وهي رواية العوفي عن ابن عباس ، بدليل قوله " فالق الإصباح " .

وروي عن ابن عباس : إنه سجن في جهنم .

وقال الكلبي : واد في جهنم .

وقال الضحاك : يعني الخلق ، وهي رواية الوالبي عن ابن عباس ، والأول هو المعروف .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قل أعوذ برب الفلق» الصبح.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قل -أيها الرسول-: أعوذ وأعتصم برب الفلق، وهو الصبح.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

الفلق : أصله شق الشئ عن الشئ ، وفصل بعض عن بعض ، والمراد به هنا : الصبح ، وسمى فلقا لإِنفلاق الليل وانشقاقه عنه ، كما فى قوله - تعالى - : ( فَالِقُ الإصباح ) أى : شاقٌّ ظلمة آخر الليل عن بياض الفجر .

.ويصح أن يكون المراد به ، كل ما يفلقه الله - تعالى - من مخلوقات كالأرض التى تنفلق عن النبات ، والجبال التى تنفلق عن عيون الماء .

.أى : قل - أيها الرسول الكريم - أعوذ وأستجير وأعتصم ، بالله - تعالى - الذى فلق الليل ، فانشق عنه الصباح ، والذى هو رب جميع الكائنات ، ومبدع كل المخلوقات .

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

فيه مسائل: المسألة الأولى: في قوله: ﴿ قُلْ ﴾ فوائد أحدها: أنه سبحانه لما أمر بقراءة سورة الإخلاص تنزيهاً له عما لا يليق به في ذاته وصفاته، وكان ذلك من أعظم الطاعات، فكأن العبد قال: إلهنا هذه الطاعة عظيمة جداً لا أثق بنفسي في الوفاء بها، فأجاب بأن قال: ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ الفلق ﴾ أي استعذ بالله، والتجيء إليه حتى يوفقك لهذه الطاعة على أكمل الوجوه.

وثانيها: أن الكفار لما سألوا الرسول عن نسب الله وصفته، فكأن الرسول عليه السلام قال: كيف أنجو من هؤلاء الجهال الذين تجاسروا وقالوا: فيك مالا يليق بك، فقال الله: ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ الفلق ﴾ أي استعذ بي حتى أصونك عن شرهم.

وثالثها: كأنه تعالى يقول: من التجأ إلى بيتي شرفته وجعلته آمناً فقلت: ﴿ ومن دخله كان آمناً  ﴾ فالتجئ أنت أيضاً إلي حتى أجعلك آمناً: فقل أعوذ برب الفلق.

المسألة الثانية: اختلفوا في أنه هل يجوز الاستعانة بالرقى والعوذ أم لا؟

منهم قال: إنه يجوز واحتجوا بوجوه: أحدها: ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اشتكى فرقاه جبريل عليه السلام، فقال: بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك، والله يشفيك.

وثانيها: قال ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا من الأوجاع كلها والحمى هذا الدعاء: بسم الله الكريم، أعوذ بالله العظيم من شر كل عرق نعار، ومن شر حر النار.

وثالثها: قال عليه السلام: «من دخل على مريض لم يحضره أجله؛ فقال: أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك سبع مرات شفي».

ورابعها: عن علي عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل على مريض قال: «أذهب البأس رب الناس، اشف أنت الشافي، لا شافي إلا أنت».

وخامسها: عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوذ الحسن والحسين يقول: «أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة» ويقول: «هكذا كان أبي إبراهيم يعوذ ابنيه إسماعيل وإسحاق».

وسادسها: قال عثمان بن أبي العاص الثقفي: قدمت على رسول الله وبي وجع قد كاد يبطلني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اجعل يدك اليمنى عليه، وقل بسم الله أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد سبع مرات».

ففعلت ذلك فشفاني الله.

وسابعها: روي أنه عليه السلام كان إذا سافر فنزل منزلاً يقول: «يا أرض، ربي وربك الله أعوذ بالله من شرك وشر ما فيك وشر ما يخرج منك، وشر ما يدب عليك، وأعوذ بالله من أسد وأسود وحية وعقرب، ومن شر ساكني البلد ووالد وما ولد».

وثامنها: قالت عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا اشتكى شيئاً من جسده قرأ: ﴿ قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ ﴾ والمعوذتين في كفه اليمنى ومسح بها المكان الذي يشتكي ومن الناس من منع من الرقى لما روي عن جابر، قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرقى، وقال عليه السلام: «إن لله عباداً لا يكتوون ولا يسترقون وعلى ربهم يتوكلون» وقال عليه السلام: «لم يتوكل على الله من اكتوى واسترقى» وأجيب عنه بأنه يحتمل أن يكون النهي عن الرقى المجهولة التي لا تعرف حقائقها، فأما ما كان له أصل موثوق، فلا نهي عنه، واختلفوا في التعليق، فروى أنه عليه السلام قال: «من علق شيئاً وكل إليه».

وعن ابن مسعود: أنه رأى على أم ولده تميمة مربوطة بعضدها، فجذبها جذباً عنيفاً فقطعها، ومنهم من جوزه، سئل الباقر عليه السلام عن التعويذ يعلق على الصبيان فرخص فيه، واختلفوا في النفث أيضاً، فروي عن عائشة أنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفث على نفسه إذا اشتكى بالمعوذات ويمسح بيده، فلما اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه الذي توفي فيه طفقت أنفث عليه بالمعوذات التي كان ينفث بها على نفسه، وعنه عليه السلام: أنه كان إذا أخذ مضجعه نفث في يديه وقرأ فيهما بالمعوذات، ثم مسح بهما جسده ومنهم من أنكر النفث، قال عكرمة: لا ينبغي للراقي أن ينفث ولا يمسح ولا يعقد.

وعن إبراهيم قال: كانوا يكرهون النفث في الرقى، وقال بعضهم: دخلت على الضحاك وهو وجيع، فقلت: ألا أعوذك يا أبا محمد؟

قال: بلى ولكن لا تنفث، فعوذته بالمعوذتين.

قال الحليمي: الذي روي عن عكرمة أنه ينبغي للراقي أن لا ينفث ولا يمسح ولا يعقد، فكأنه ذهب فيه إلى أن الله تعالى جعل النفث في العقد مما يستعاذ منه، فوجب أن يكون منهياً عنه إلا أن هذا ضعيف، لأن النفث في العقد إنما يكون مذموماً إذا كان سحراً مضراً بالأرواح والأبدان.

فأما إذا كان هذا النفث لإصلاح الأرواح والأبدان وجب أن لا يكون حراماً.

المسألة الثالثة: أنه تعالى قال في مفتاح القراءة: ﴿ فاستعذ بالله  ﴾ وقال هاهنا: ﴿ أَعُوذُ بِرَبّ الفلق ﴾ وفي موضع آخر: ﴿ وَقُلْ رَّبّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشياطين  ﴾ وجاء في الأحاديث: أعوذ بكلمات الله التامات ولا شك أن أفضل أسماء الله هو الله، وأما الرب فإنه قد يطلق على غيره، قال تعالى: ﴿ ءأَرْبَابٌ مُّتَّفَرّقُونَ  ﴾ فما السبب في أنه تعالى عند الأمر بالتعوذ لم يقل: أعوذ بالله بل قال: ﴿ بِرَبّ الفلق ﴾ ؟

وأجابوا عنه من وجوه: أحدها: أنه في قوله: ﴿ فَإِذَا قَرَأْتَ القرءان فاستعذ بالله  ﴾ إنما أمره بالاستعاذة هناك لأجل قراءة القرآن، وإنما أمره بالاستعاذة هاهنا في هذه السورة لأجل حفظ النفس والبدن عن السحر، والمهم الأول أعظم، فلا جرم ذكر هناك الاسم الأعظم.

وثانيها: أن الشيطان يبالغ حال منعك من العبادة أشد مبالغة في إيصال الضر إلى بدنك وروحك، فلا جرم ذكر الاسم الأعظم هناك دون هاهنا.

وثالثها: أن اسم الرب يشير إلى التربية فكأنه جعل تربية الله له فيما تقدم وسيلة إلى تربيته له في الزمان الآتي، أو كان العبد يقول: التربية والإحسان حرفتك فلا تهملني، ولا تخيب رجائي.

ورابعها: أن بالتربية صار شارعاً في الإحسان، والشروع ملزم.

وخامسها: أن هذه السورة آخر سور القرآن فذكر لفظ الرب تنبيهاً على أنه سبحانه لا تنقطع عنك تربيته وإحسانه، فإن قيل: إنه ختم القرآن على اسم الإله حيث قال: ﴿ مَلِكِ الناس * إله الناس ﴾ قلنا: فيه لطيفة وهي كونه تعالى قال: قل أعوذ بمن هو ربي ولكنه إله قاهر لوسوسة الخناس فهو كالأب المشفق الذي يقول ارجع عند مهماتك إلى أبيك المشفق عليك الذي هو كالسيف القاطع والنار المحرقة لأعدائك فيكون هذا من أعظم أنواع الوعد بالإحسان والتربية.

وسادسها: كان الحق قال لمحمد عليه السلام: قلبك لي فلا تدخل فيه حب غيري، ولسانك لي فلا تذكر به أحداً غيري، وبدنك لي فلا تشغله بخدمة غيري، وإن أردت شيئاً فلا تطلبه إلا مني، فإن أردت العلم فقل: رب زدني علماً وإن أردت الدنيا فاسألوا الله من فضله، وإن خفت ضرراً فقل: أعوذ برب الفلق فإني أنا الذي وصفت نفسي بأني خالق الإصباح.

وبأني فالق الحب والنوى، وما فعلت هذه الأشياء إلا لأجلك، فإذا كنت أفعل كل هذه الأمور لأجلك، أفلا أصونك عن الآفات والمخافات.

المسألة الرابعة: ذكروا في: الفلق وجوهاً أحدها: أنه الصبح وهو قول الأكثرين قال الزجاج: لأن الليل يفلق عنه الصبح ويفرق فعل بمعنى مفعول يقال: هو أبين من فلق الصبح ومن فرق الصبح وتخصيصه في التعوذ لوجوه: الأول: أن القادر على إزالة هذه الظلمات الشديدة عن كل هذا العالم يقدر أيضاً أن يدفع عن العائذ كل ما يخافه ويخشاه الثاني: أن طلوع الصبح كالمثال لمجيء الفرج، فكما أن الإنسان في الليل يكون منتظراً لطلوع الصباح كذلك الخائف يكون مترقياً لطلوع صباح النجاح الثالث: أن الصبح كالبشرى فإن الإنسان في الظلام يكون كلحم على وضم، فإذا ظهر الصبح فكأنه صاح بالأمان وبشر بالفرج، فلهذا السبب يجد كل مريض ومهموم خفة في وقت السحر، فالحق سبحانه يقول: قل أعوذ برب يعطي إنعام فلق الصبح قبل السؤال، فكيف بعد السؤال الرابع: قال بعضهم: إن يوسف عليه السلام لما ألقي في الجب وجعت ركبته وجعاً شديداً فبات ليلته ساهراً فلما قرب طلوع الصبح نزل جبريل عليه السلام بإذن الله يسليه ويأمره بأن يدعوا ربه فقال: يا جبريل ادع أنت وأؤمن أنا فدعا جبريل وأمن يوسف فكشف الله ما كان به من الضر، فلما طاب وقت يوسف قال جبريل: وأنا أدعو أيضاً وتؤمن أنت، فسأل يوسف ربه أن يكشف الضر عن جميع أهل البلاء في ذلك الوقت، فلا جرم ما من مريض إلا ويجد نوع خفة في آخر الليل، وروي أن دعاءه في الجب: يا عدتي في شدتي ويا مؤنسي في وحشتي ويا راحم غربتي ويا كاشف كربتي ويا مجيب دعوتي، ويا إلهي وإله آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ارحم صغر سني وضعف ركني وقلة حيلتي يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام الخامس: لعل تخصيص الصبح بالذكر في هذا الموضع لأنه وقت دعاء المضطرين وإجابة الملهوفين فكأنه يقول: قل أعوذ برب الوقت الذي يفرج فيه عن كل مهموم السادس: يحتمل أنه خص الصبح بالذكر لأنه أنموذج من يوم القيامة لأن الخلق كالأموات والدور كالقبور، ثم منهم من يخرج من داره مفلساً عرياناً لا يلتفت إليه، ومنهم من كان مديوناً فيجر إلى الحبس، ومنهم من كان ملكاً مطاعاً فتقدم إليه المراكب ويقوم الناس بين يديه، كذا في يوم القيامة بعضهم مفلس عن الثواب عار عن لباس التقوى يجر إلى الملك الجبار، ومن عبد كان مطيعاً لربه في الدنيا فصار ملكاً مطاعاً في العقبى يقدم إليه البراق السابع: يحتمل أنه تعالى خص الصبح بالذكر لأنه وقت الصلاة الجامعة لأحوال القيامة فالقيام في الصلاة يذكر القيام يوم القيامة كما قال: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الناس لِرَبّ العالمين  ﴾ والقراءة في الصلاة تذكر قراءة الكتب والركوع في الصلاة يذكر من القيامة قوله: ﴿ نَاكِسُواْ رُؤُوسَهُمْ  ﴾ والسجود في الصلاة يذكر قوله: ﴿ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السجود فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ  ﴾ والقعود يذكر قوله: ﴿ وترى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً  ﴾ فكان العبد يقول: إلهي كما خلصتني من ظلمة الليل فخلصني من هذه الأهوال، وإنما خص وقت صلاة الصبح لأن لها مزيد شرف على ما قال: ﴿ إن قرآن الفجر كان مشهوداً  ﴾ أي تحضرها ملائكة الليل والنهار الثامن: أنه وقت الاستغفار والتضرع على ما قال: ﴿ والمستغفرين بالأسحار  ﴾ القول الثاني: في الفلق أنه عبارة عن كل ما يفلقه الله كالأرض عن النبات: ﴿ إِنَّ الله فَالِقُ الحب والنوى  ﴾ والجبال عن العيون: ﴿ وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأَنهار  ﴾ والسحاب عن الأمطار والأرحام عن الأولاد والبيض عن الفرخ والقلوب عن المعارف، وإذا تأملت الخلق تبين لك أن أكثره عن انقلاب، بل العدم كأنه ظلمة والنور كأنه الوجود، وثبت أنه كان الله في الأزل ولم يكن معه شيء ألبتة فكأنه سبحانه هو الذي فلق بحار ظلمات العدم بأنوار الإيجاد والتكوين والإبداع، فهذا هو المراد من الفلق، وهذا التأويل أقرب من وجوه: أحدها: هو أن الموجود إما الخالق وإما الخلق، فإذا فسرنا الفلق بهذا التفسير صار كأنه قال: قل أعوذ برب جميع الممكنات، ومكون كل المحدثات والمبدعات فيكون التعظيم فيه أعظم، ويكون الصبح أحد الأمور الداخلة في هذا المعنى.

وثانيها: أن كل موجود إما واجب لذاته أو ممكن لذاته، والممكن لذاته يكون موجوداً بغيره، معدوماً في حد ذاته، فإذن كل ممكن فلابد له من مؤثر يؤثر فيه حال حدوثه ويبقيه حال بقائه، فإن الممكن حال بقائه يفتقر إلى المؤثر والتربية، إشارة لا إلى حال الحدوث بل إلى حال البقاء، فكأنه يقول: إنك لست محتاجاً إلى حال الحدوث فقط بل في حال الحدوث وحال البقاء معاً في الذات وفي جميع الصفات، فقوله: ﴿ بِرَبّ الفلق ﴾ يدل على احتياج كل ما عداه إليه حالتي الحدوث والبقاء في الماهية والوجود بحسب الذوات والصفات وسر التوحيد لا يصفو عن شوائب الشرك إلا عند مشاهدة هذه المعاني.

وثالثها: أن التصوير والتكوين في الظلمة أصعب منه في النور، فكأنه يقول: أنا الذي أفعل ما أفعله قبل طلوع الأنوار وظهور الأضواء ومثل ذلك مما لا يتأتى إلا بالعلم التام والحكمة البالغة وإليه الإشارة بقوله: ﴿ هُوَ الذي يُصَوّرُكُمْ فِي الأرحام كَيْفَ يَشَاء لا إله إِلاَّ هُوَ العزيز الحكيم  ﴾ .

القول الثالث: أنه واد في جهنم أوجب فيها من قولهم لما اطمأن من الأرض الفلق والجمع فلقان، وعن بعض الصحابة أنه قدم الشام فرآى دور أهل الذمة وما هم فيه من خصب العيش فقال لا أبالي، أليس من ورائهم الفلق، فقيل: وما الفلق؟

قال: بيت في جهنم إذا فتح صاح جميع أهل النار من شدة حره، وإنما خصه بالذكر هاهنا لأنه هو القادر على مثل هذا التعذيب العظيم الخارج عن حد أوهام الخلق، ثم قد ثبت أن رحمته أعظم وأكمل وأتم من عذابه، فكأنه يقول: يا صاحب العذاب الشديد أعوذ برحمتك التي هي أعظم وأكمل وأتم وأسبق وأقدم من عذابك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

الفلق والفرق: الصبح، لأنّ الليل يفلق عنه ويفرق: فعل بمعنى مفعول.

يقال في المثل: هو أبين من فلق الصبح، ومن فرق الصبح.

ومنه قولهم: سطع الفرقان، إذا طلع الفجر.

وقيل: هو كل ما يفلقه الله، كالأرض عن النبات، والجبال عن العيون، والسحاب عن المطر، والأرحام عن الأولاد، والحب والنوى وغير ذلك.

وقيل: هو واد في جهنم أوجب فيها من قولهم لما اطمأن من الأرض، الفلق، والجمع: فلقان.

وعن بعض الصحابة أنه قدم الشأم فرأى دور أهل الذمّة وما هم فيه من خفض العيش وما وسع عليهم من دنياهم، فقال: لا أبالى، أليس من ورائهم الفلق؟

فقيل: وما الفلق؟

قال: بيت في جهنم إذا فتح صاح جميع أهل النار من شدّة حرّه ﴿ مِن شَرّ مَا خَلَقَ ﴾ من شر خلقه.

وشرّهم: ما يفعله المكلفون من الحيوان من المعاصي والمآثم، ومضارة بعضهم بعضاً من ظلم وبغي وقتل وضرب وشتم وغير ذلك، وما يفعله غير المكلفين منه من الأكل والنهش واللدع والعضّ كالسباع والحشرات، وما وضعه الله في الموات من أنواع الضرر كالإحراق في النار والقتل في السم.

والغاسق: الليل إذا اعتكر ظلامه من قوله تعالى: ﴿ إلى غسق الليل ﴾ [الإسراء: 78] ومنه: غسقت العين امتلأت دمعاً، وغسقت الجراحة: امتلأت دماً.

ووقوبه: دخول ظلامه في كل شيء، ويقال: وقبت الشمس إذا غابت.

وفي الحديث: لما رأى الشمس قد وقبت قال: «هذا حين حلها، يعني صلاة المغرب» وقيل: هو القمر إذا امتلأ، وعن عائشة رضي الله عنها: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فأشار إلى القمر فقال: «تعوّذي بالله من شرّ هذا، فإنه الغاسق إذا وقب» ووقوبه: دخوله في الكسوف واسوداده.

ويجوز أن يراد بالغاسق: الأسود من الحيات: ووقبه: ضربه ونقبه.

والوقب: النقب.

ومنه: وقبة الثريد؛ والتعوّذ من شرّ الليل؛ لأن انبثاثه فيه أكثر، والتحرّز منه أصعب.

ومنه قولهم: الليل أخفى للويل.

وقولهم: أغدر الليل؛ لأنه إذا أظلم كثر فيه الغدر وأسند الشرّ إليه لملابسته له من حدوثه فيه ﴿ النفاثات ﴾ النساء، أو النفوس، أو الجماعات السواحر اللاتي يعقدن عقداً في خيوط وينفثن عليها ويرقين: والنفث النفخ من ريق، ولا تأثير لذلك، اللهم إلاّ إذا كان ثم إطعام شيء ضار، أو سقيه، أو إشمامه.

أو مباشرة المسحور به على بعض الوجوه؛ ولكن الله عزّ وجلّ قد يفعل عند ذلك فعلاً على سبيل الامتحان الذي يتميز به الثبت على الحقّ من الحشوية والجهلة من العوام، فينسبه الحشوية والرعاع إليهنّ وإلى نفثهن، والثابتون بالقول الثابت لا يلتفتون إلى ذلك ولا يعبئون به، فإن قلت: فما معنى الاستعاذة من شرّهن؟

قلت: فيها ثلاثة أوجه، أحدها: أن يستعاذ من عملهن الذي هو صنعة السحر ومن إثمهنّ في ذلك.

والثاني: أن يستعاذ من فتنتهنّ الناس عند نفثهن، ويجوز أن يراد بهنّ النساء الكيادات، من قوله: ﴿ إن كيدكن عظيم ﴾ [يوسف: 28] تشبيهاً لكيدهن بالسحر والنفث في العقد.

أو اللاتي يفتن الرجال بتعرضهنّ لهم ومحاسنهنّ، كأنهنّ يسحرنهم بذلك ﴿ إِذَا حَسَدَ ﴾ إذا ظهر حسده، وعمل بمقتضاه: من بغي الغوائل للمحسود، لأنه إذا لم يظهر أثر ما أضمره فلا ضرر يعود منه على من حسده، بل هو الضارّ لنفسه لاغتمامه بسرور غيره.

وعن عمر بن عبد العزيز: لم أر ظالماً أشبه بالمظلوم من حاسد.

ويجوز أن يراد بشرّ الحاسد: إثمه وسماجة حاله في وقت حسده، وإظهاره أثره.

فإن قلت: قوله: ﴿ مِن شَرّ مَا خَلَقَ ﴾ تعميم في كل ما يستعاذ منه، فما معنى الاستعاذة بعده من الغاسق والنفاثات والحاسد؟

قلت: قد خص شرّ هؤلاء من كلّ شر لخفاء أمره، وأنه يلحق الإنسان من حيث لا يعلم، كأنما يغتال به.

وقالوا: شر العداة المداجي الذي يكيدك من حيث لا تشعر.

فإن قلت: فلم عرّف بعض المستعاذ منه ونكر بعضه؟

قلت: عرفت النفاثات، لأن كل نفاثة شريرة، ونكر غاسق، لأنّ كل غاسق لا يكون فيه الشر، إنما يكون في بعض دون بعض، وكذلك كل حاسد لا يضرّ.

ورب حسد محمود، وهو الحسد في الخيرات.

ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: «لا حسد إلاّ في اثنتين» وقال أبو تمام: وَمَا حَاسِدٌ فِي المَكْرُمَاتِ بِحَاسِدِ وقال: إنَّ الْعُلاَ حَسَنٌ فِي مِثْلِهَا الْحَسَدُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ المعوّذتين فكأنما قرأ الكتب التي أنزلها الله تعالى كلها» .

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

سُورَةُ الفَلَقِ مُخْتَلَفٌ فِيها، وآيُها خَمْسُ آياتٍ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ ﴾ ما يُفْلَقُ عَنْهُ أيْ يُفْرَقُ كالفَرْقِ فَعَلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وهو يَعُمُّ جَمِيعَ المُمْكِناتِ، فَإنَّهُ تَعالى فَلَقَ ظُلْمَةَ العَدَمِ بِنُورِ الإيجادِ عَنْها، سِيَّما ما يَخْرُجُ مِن أصْلٍ كالعُيُونِ والأمْطارِ والنَّباتِ والأوْلادِ، ويَخْتَصُّ عُرْفًا بِالصُّبْحِ ولِذَلِكَ فُسِّرَ بِهِ.

وتَخْصِيصُهُ لِما فِيهِ مِن تَغَيُّرِ الحالِ وتَبَدُّلِ وحْشَةِ اللَّيْلِ بِسُرُورِ النُّورِ ومُحاكاةِ فاتِحَةِ يَوْمِ القِيامَةِ، والإشْعارِ بِأنَّ مَن قَدَرَ أنْ يُزِيلَ بِهِ ظُلْمَةَ اللَّيْلِ عَنْ هَذا العالَمِ قَدَرَ أنْ يُزِيلَ عَنِ العائِذِ بِهِ ما يَخافُهُ، ولَفْظُ الرَّبِّ هُنا أوْقَعُ مِن سائِرِ أسْمائِهِ تَعالى لِأنَّ الإعاذَةَ مِنَ المَضارِّ تَرْبِيَةٌ.

﴿ مِن شَرِّ ما خَلَقَ ﴾ خَصَّ عالَمَ الخَلْقِ بِالِاسْتِعاذَةِ عَنْهُ لِانْحِصارِ الشَّرِّ فِيهِ، فَإنَّ عالَمَ الأمْرِ خَيْرٌ كُلُّهُ، وشَرُّهُ اخْتِيارِيٌّ لازِمٌ ومُتَعَدٍّ كالكُفْرِ والظُّلْمِ، وطَبِيعِيٌّ كَإحْراقِ النّارِ وإهْلاكِ السَّمُومِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ الفلق} أي الصبح أو الخلق أو هو وادفى جهنم أوجبٌّ فيها

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

سُورَةُ الفَلَقِ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ وعَطاءٍ وعِكْرِمَةَ وجابِرٍ ورِوايَةِ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ أبِي صالِحٍ وقَتادَةَ وجَماعَةٍ وهو الصَّحِيحُ؛ لِأنَّ سَبَبَ نُزُولِها سِحْرُ اليَهُودِ كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وهم إنَّما سَحَرُوهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالمَدِينَةِ كَما جاءَ في الصِّحاحِ فَلا يُلْتَفَتُ لِمَن صَحَّحَ كَوْنَها مَكِّيَّةً وكَذا الكَلامُ في سُورَةِ النّاسِ وآيُها الخَمْسُ بِلا خِلافٍ.

ولَمّا شَرَحَ أمْرَ الإلَهِيَّةِ في السُّورَةِ قَبْلَها جِيءَ بِها بَعْدَها شَرْحًا لِما يُسْتَعاذُ مِنهُ بِاللَّهِ تَعالى مِنَ الشَّرِّ الَّذِي في مَراتِبِ العالَمِ ومَراتِبِ مَخْلُوقاتِهِ، وهي والسُّورَةُ الَّتِي بَعْدَها نَزَلَتا مَعًا كَما في الدَّلائِلِ لِلْبَيْهَقِيِّ؛ فَلِذَلِكَ قُرِنَتا مَعَ ما اشْتَرَكَتا فِيهِ مِنَ التَّسْمِيَةِ بِالمُعَوِّذَتَيْنِ ومِنَ الِافْتِتاحِ بِ «قُلْ أعُوذُ».

وأخْرَجَ مُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهُما عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««أُنْزِلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ آياتٌ لَمْ أرَ مِثْلَهُنَّ قَطُّ: قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ، وقُلْ أعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ»».

وأخْرَجَ البُخارِيُّ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ «عَنْ عائِشَةَ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ إذا أوى إلى فِراشِهِ كُلَّ لَيْلَةِ جَمَعَ كَفَّيْهِ ثُمَّ نَفَثَ فِيهِما فَقَرَأ فِيهِما: «قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ، وقُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ، وقُلْ أعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ» ثُمَّ تَمَسَّحَ بِهِما ما اسْتَطاعَ مِن جَسَدِهِ، يَبْدَأُ بِهِما عَلى رَأْسِهِ ووَجْهِهِ وما أقْبَلَ مِن جَسَدِهِ يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ».

وجاءَ في الحَدِيثِ أنَّ مَن قَرَأهُما مَعَ سُورَةِ الإخْلاصِ ثَلاثًا حِينَ يُمْسِي وثَلاثًا حِينَ يُصْبِحُ كَفَتَهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ.

وفِي فَضْلِهِما أخْبارٌ كَثِيرَةٌ غَيْرُ ما ذُكِرَ.

وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ أنْكَرَ قُرْآنِيَّتَهُما.

أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ والبَزّارُ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ صَحِيحَةٍ عَنْهُ أنَّهُ كانَ يَحُكُّ المُعَوِّذَتَيْنِ مِنَ المُصْحَفِ ويَقُولُ: لا تَخْلِطُوا القُرْآنَ بِما لَيْسَ مِنهُ؛ إنَّهُما لَيْسَتا مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى، إنَّما أُمِرَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يَتَعَوَّذَ بِهِما.

وكانَ ابْنُ مَسْعُودٍ لا يَقْرَأُ بِهِما قالَ البَزّارُ: لَمْ يُتابِعِ ابْنَ مَسْعُودٍ أحَدٌ مِنَ الصَّحابَةِ وقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قَرَأ بِهِما في الصَّلاةِ وأُثْبِتَتا في المُصْحَفِ.

وأخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ والبُخارِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ حِبّانَ وغَيْرُهم عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قالَ: «أتَيْتُ المَدِينَةَ فَلَقِيتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ فَقُلْتُ لَهُ: يا أبا المُنْذِرِ، إنِّي رَأيْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ لا يَكْتُبُ المُعَوِّذَتَيْنِ في مُصْحَفِهِ.

فَقالَ: أما والَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالحَقِّ لَقَدْ سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْهُما وما سَألَنِي عَنْهُما أحَدٌ مُنْذُ سَألْتُ غَيْرَكَ.

فَقالَ: قِيلَ لِي: قُلْ فَقُلْتُ: فَقُولُوا: فَنَحْنُ نَقُولُ كَما قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ».

وبِهَذا الِاخْتِلافِ قَدَحَ بَعْضُ المُلْحِدِينَ في إعْجازِ القُرْآنِ قالَ: لَوْ كانَتْ بَلاغَةُ ذَلِكَ بَلَغَتْ حَدَّ الإعْجازِ لَتَمَيَّزَ بِهِ غَيْرُ القُرْآنِ فَلَمْ يَخْتَلِفْ في كَوْنِهِ مِنهُ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ قَدْ وقَعَ الإجْماعُ عَلى قُرْآنِيَّتِهِما.

وقالُوا: إنَّ إنْكارَ ذَلِكَ اليَوْمِ كُفْرٌ، ولَعَلَّ ابْنَ مَسْعُودٍ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ، وفي شَرْحِ المَواقِفِ أنَّ اخْتِلافَ الصَّحابَةِ في بَعْضِ سُوَرِ القُرْآنِ مَرْوِيٌّ بِالآحادِ المُفِيدَةِ لِلظَّنِّ، ومَجْمُوعُ القُرْآنِ مَنقُولٌ بِالتَّواتُرِ المُفِيدِ لِلْيَقِينِ الَّذِي يَضْمَحِلُّ الظَّنُّ في مُقابَلَتِهِ، فَتِلْكَ الآحادُ مِمّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، ثُمَّ إنْ سَلَّمْنا اخْتِلافَهم فِيما ذُكِرَ قُلْنا: إنَّهم لَمْ يَخْتَلِفُوا في نُزُولِهِ عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولا في بُلُوغِهِ في البَلاغَةِ حَدَّ الإعْجازِ بَلْ في مُجَرَّدِ كَوْنِهِ مِنَ القُرْآنِ، وكَذَلِكَ لا يَضُرُّ فِيما نَحْنُ بِصَدَدِهِ.

انْتَهى.

وعَكْسُ هَذا القَوْلِ في السُّورَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ قِيلَ في سُورَتَيِ الخَلْعِ والحَفْدِ وفي ألْفاظِهِما رِواياتٌ مِنها ما يَقْنُتُ بِهِ الحَنَفِيَّةُ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّهُما في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وفي مُصْحَفِ ابْنِ عَبّاسٍ وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَهُما إنْ صَحَّ أنَّهُما كَلامُ اللَّهِ تَعالى مَنسُوخا التِّلاوَةِ ولَيْسا مِنَ القُرْآنِ كَما لا يَخْفى.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ قُلْ أعُوذُ ﴾ أيْ: ألْتَجِئُ وأعْتَصِمُ وأتَحَرَّزُ ﴿ بِرَبِّ الفَلَقِ ﴾ فَعَلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ كَقَصَصٍ بِمَعْنى مَقْصُوصٍ مِن فَلَقَ شَقَّ وفَرَّقَ وهو يَعُمُّ جَمِيعَ المَوْجُوداتِ المُمْكِنَةِ فَإنَّهُ تَعالى فَلَقَ بِنُورِ الإيجادِ عَنْها سِيما ما يَخْرُجُ مِن أصْلٍ كالعُيُونِ مِنَ الجِبالِ والأمْطارِ مِنَ السَّحابِ والنَّباتِ مِنَ الأرْضِ والأوْلادِ مِنَ الأرْحامِ، وخُصَّ عُرْفًا بِالصُّبْحِ، وإطْلاقُهُمُ المَفْلُوقَ عَلَيْهِ مَعَ قَوْلِهِمْ فَلَقَ اللَّهُ تَعالى اللَّيْلَ عَنِ الصُّبْحِ عَلى نَحْوِ إطْلاقِ المَسْلُوخِ عَلى الشّاةِ مَعَ قَوْلِهِمْ: سَلَخْتُ الجِلْدَ مِنَ الشّاةِ وتَفْسِيرُهُ بِالمَعْنى العامِّ أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنِ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

ولَفْظُهُ: «الفَلَقُ» الخَلْقُ.

وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ عَنْهُ أنَّهُ فَسَّرَهُ بِالصُّبْحِ.

وأنْشَدَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قَوْلَ زُهَيْرٍ: الفارِجُ الهَمِّ مَسْدُوَلًا عَساكِرُهُ كَما يُفَرِّجُ غَمَّ الظُّلْمَةِ الفَلَقُ وهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ وابْنِ جُبَيْرٍ والقُرْطُبِيِّ وابْنِ زَيْدٍ، وعَلَيْهِ فَتَعْلِيقُ العِياذِ بِاسْمِ الرَّبِّ المُضافِ إلى الفَلَقِ المُنْبِئِ عَنِ النُّورِ عَقِيبَ الظُّلْمَةِ والسِّعَةِ بَعْدَ الضِّيقِ، والفَتْقِ بَعْدَ الرَّتْقِ عِدَةٌ كَرِيمَةٌ بِإعاذَةِ العائِذِ مِمّا يَعُوذُ مِنهُ وإنْجائِهِ مِنهُ وتَقْوِيَةٌ لِرَجائِهِ بِتَذْكِيرِ بَعْضِ نَظائِرِهِ ومَزِيدُ تَرْغِيبٍ لَهُ في الجَلَدِ والِاعْتِناءِ بِقَرْعِ بابِ الِالتِجاءِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: إنَّ في تَخْصِيصِ «الفَلَقِ» بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ أُنْمُوذَجٌ مِن يَوْمِ القِيامَةِ فالدُّورُ كالقُبُورِ والنَّوْمُ أخُو المَوْتِ، والخارِجُونَ مِن مَنازِلِهِمْ صَباحًا مِنهم مَن يَذْهَبُ لِنَضْرَةٍ وسُرُورٍ، ومِنهم مَن يَكُونُ مِن مُطالَبَةِ دُيُونٍ في غُمُومٍ وشُرُورٍ إلى أحْوالٍ أُخَرَ تَكُونُ لِلْعِبادِ هي أشْبَهُ شَيْءٍ بِما يَكُونُ لَهم في المَعادِ، وفي تَفْسِيرِ القاضِي: إنَّ لَفْظَ الرَّبِّ هاهُنا أوْقَعُ مِن سائِرِ الأسْماءِ أيِ الَّتِي يَجُوزُ إضافَتُها إلى الفَلَقِ عَلى ما قِيلَ لِأنَّ الإعاذَةَ مِنَ المَضارِّ تَرْبِيَةٌ وهو عَلى تَعْمِيمِ الفَلَقِ ظاهِرٌ لِشُمُولِهِ لِلْمُسْتَعِيذِ والمُسْتَعاذِ مِنهُ، وعَلى تَخْصِيصِهِ بِالصُّبْحِ قِيلَ: لِأنَّهُ مُشْعِرٌ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ قادِرٌ مُغَيِّرٌ لِلْأحْوالِ مُقْلِقٌ لِلْأطْوارِ فَيُزِيلُ الهُمُومَ والأكْدارَ.

وقالَ الرَّئِيسُ ابْنُ سِينا بَعْدَ أنْ حَمَلَ الفَلَقَ عَلى ظُلْمَةِ العَدَمِ المَفْلُوقَةِ بِنُورِ الوُجُودِ: إنَّ في ذِكْرِ الرَّبِّ سِرًّا لَطِيفًا مِن حَقائِقِ العِلْمِ؛ وذَلِكَ أنَّ المَرْبُوبَ لا يَسْتَغْنِي في شَيْءٍ مِن حالاتِهِ عَنِ الرَّبِّ كَما يُشاهَدُ في الطِّفْلِ ما دامَ مَرْبُوبًا، ولَمّا كانَتِ الماهِيّاتُ المُمْكِنَةُ غَيْرَ مُسْتَغْنِيَةٍ عَنْ إفاضَةِ المَبْدَأِ الأوَّلِ لا جَرَمَ ذُكِرَ لَفْظُ الرَّبِّ لِلْإشارَةِ إلى ذَلِكَ وفِيهِ إشارَةٌ أُخْرى مِن خَفِيّاتِ العُلُومِ؛ وهو أنَّ العَوْذَ والعِياذَ في اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنِ الِالتِجاءِ إلى الغَيْرِ، فَلَمّا أُمِرَ بِمُجَرَّدِ الِالتِجاءِ إلى الغَيْرِ وعُبِّرَ عَنْهُ بِالرَّبِّ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ عَدَمَ الحُصُولِ لَيْسَ لِأمْرٍ يَرْجِعُ إلى المُسْتَعاذِ بِهِ المُفِيضِ لِلْخَيْراتِ، بَلْ لِأمْرٍ يَرْجِعُ إلى قابِلِها؛ فَإنَّ مِنَ المُقَرَّرِ أنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الكَمالاتِ وغَيْرِها مَبْخُولًا بِهِ مِن جانِبِ المَبْدَأِ الأوَّلِ سُبْحانَهُ، بَلِ الكُلُّ حاصِلٌ مَوْقُوفٌ عَلى أنْ يَصْرِفَ المُسْتَعِدُّ جِهَةَ قَبُولِهِ إلَيْهِ وهو المَعْنِيُّ بِالإشارَةِ النَّبَوِيَّةِ: ««إنَّ لِرَبِّكم في أيّامِ دَهْرِكم نَفَحاتٍ مِن رَحْمَتِهِ ألا فَتَعَرَّضُوا لَها»».

بَيَّنَ أنَّ نَفَحاتِ الألْطافِ دائِمَةٌ، وإنَّما الخَلَلُ مِنَ المُسْتَعِدِّ انْتَهى.

وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا وجَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِيِنَ أنَّ الفَلَقَ جُبٌّ في جَهَنَّمَ.

وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ قالَ: سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ ﴾ قالَ: «هُوَ سِجْنٌ في جَهَنَّمَ يُحْبَسُ فِيهِ الجَبّارُونَ والمُتَكَبِّرُونَ، وإنَّ جَهَنَّمَ لَتَعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى مِنهُ»».

وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنْ عَمْرِو بْنِ عَنْبَسَةَ قالَ: صَلّى بِنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقَرَأ: ﴿ قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ ﴾ فَقالَ: «يا ابْنَ عَنْبَسَةَ، أتَدْرِي ما الفَلَقُ؟» قُلْتُ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ.

قالَ: «بِئْرٌ في جَهَنَّمَ فَإذا سُعِّرَتِ البِئْرُ فَمِنها تُسَعَّرُ جَهَنَّمُ لِتَتَأذّى مِنهُ كَما يَتَأذّى ابْنُ آدَمَ مِن جَهَنَّمَ»».

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ كَعْبٍ قالَ: الفَلَقُ بَيْتٌ في جَهَنَّمَ إذا فُتِحَ صاحَ أهْلُ النّارِ مِن شِدَّةِ حَرِّهِ.

وعَنِ الكَلْبِيِّ أنَّهُ وادٍ في جَهَنَّمَ، وقِيلَ: هو جَهَنَّمُ، وهو عَلى ما في الكَشّافِ مِن قَوْلِهِمْ لِما اطْمَأنَّ مِنَ الأرْضِ الفَلَقُ والجَمْعُ فُلْقانٌ، كَخَلْقٍ وخِلْقانٍ، وتَخْصِيصُهُ بِالذِّكْرِ قِيلَ لِأنَّهُ مَسْكَنُ اليَهُودِ؛ فَعَنْ بَعْضِ الصَّحابَةِ أنَّهُ قَدِمَ الشّامَ فَرَأى دُورَ أهْلِ الذِّمَّةِ وما هم فِيهِ مِن خَفْضِ العَيْشِ وما وُسِّعَ عَلَيْهِمْ مِن دُنْياهم فَقالَ: لا أُبالِي ألَيْسَ مِن ورائِهِمُ الفَلَقُ.

وفُسِّرَ بِما رُوِيَ آنِفًا عَنْ كَعْبٍ.

ومِنهُمُ الَّذِي سَحَرَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَفي تَعْلِيقِ العِياذِ بِالرَّبِّ مُضافًا إلَيْهِ عِدَةٌ كَرِيمَةٌ بِإعاذَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن شَرِّهِمْ.

ولا يَخْفى أنَّ هَذا مِمّا لا يُثْلِجُ الصَّدْرَ، وأظُنُّ ضَعْفَ الأخْبارِ السّالِفَةِ ويَتَرَجَّحُ في نَظَرِي المَعْنى الأوَّلُ لِلْفَلَقِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

مختلف فيها وهي خمس آيات مكية قوله تعالى: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ يعني: قل يا محمد أعتصم وأستعيذ وأستعين بخالق الخلق، والفلق الخلق وأنما سمي الخلق فلقاً لأنهم فُلِقُوا من آبائهم وأمهاتهم ويقال: أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ يعني: بخالق الصبح، ويقال: فالق الحب والنوى قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى [الأنعام: 95] وقال فالِقُ الْإِصْباحِ [الأنعام: 96] ويقال الفلق واد في جهنم، ويقال: جب فِي النَّارِ.

وروي عن النبيّ  أنه قال: «الفَلَقُ شَجَرَةٌ فِي جَهَنَّمَ فَإِنْ أَرَادَ الله أنْ يُعَذِّبَ الكَافِرَ بِأَشَدِّ العَذَابِ يَأْمُرُهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ ثَمَرِهَا» .

وروي عن كعب الأحبار أنه دخل في بعض الكنائس التي للروم فقال: أخسر عمل وأضلُّ قوم قد رضيت لكم بالفلق فقيل له ما الفلق يا كعب؟

قال: بئر في النار إذا فتح بابها صاح جميع أهل النار من شدة عذابها.

ثم قال عز وجل: مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ قال الجن والإنس وقال الكلبي من شر ما خلق يعني: من شر ذي شر.

ثم قال عز وجل: وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ يعني: ظلمة الليل إذا دخل سواد الليل في ضوء النهار ويقال: إِذا وَقَبَ يعني: إذا جاء وأدبر وقال القتبي: الغاسق الليل والغسق الظلمة ويقال: الغاسق القمر إذا انكسف واسودّ وإِذا وَقَبَ يعني: إذا دخل في الكسوف.

ثم قال تعالى: وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ يعني: الساحرات المهيجات اللواتي ينفثن في العقد ثم قال عز وجل: وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ يعني: كل ذي حسد أراد به لبيد بن أعصم اليهودي ويقال لبيد بن عاصم.

وروى الأعمش عن يزيد بن حيان عن زيد بن أرقم قال سحر النبيّ  رجلٌ من اليهود عقد له عقداً فاشتكى لذلك أياماً فأتاه جبريل-  - فقال له: إن رجلاً من اليهود سحرك فبعث عليّا  واستخرجها فحلّها فجعل كلما حل عقدة وجد النبي  لذلك خفة حتى حلها كلها فقام النبيّ  كأنما نشط من عقال فما ذكر النبيّ  ذلك لليهود.

وروي في خبر آخر أن لبيد بن أعصم اتخذ لعبة للنبي  وأخذ من عائشة  ا فأفحل رسول الله  فجعل في اللعبة أحد عشرة عقدة ثم ألقاها في بئر، وألقى فوقها صخرة فاشتكى من ذلك رسول الله  شكواً شديداً فصارت أعضاؤه مثل العقد فبينما رسول الله  بين النائم واليقظان إذ أتاه ملكان أحدهما جلس عند رأسه والآخر عند قدميه فالذي عند قدميه يقول للذي عند رأسه ما شكواه قال السحر قال: من فعل به؟

قال لبيد بن أعصم اليهودي قال فأين صنع السحر قال في بئر كذا قال: ماذا رأوه يبعث إلى تلك البئر فنزح ماؤها فإنه انتهى إلى الصخرة فإذا رأها فليقلعها فإن تحتها كؤبة وهي كؤبة قد سقطت عنقها وفيه إحدى عشرة عقدة فيحرق في النار فيبرأ إن شاء الله تعالى فاستيقظ النبيّ  وقد فهم ما قالا فبعث عمار بن ياسر وعليا  ما إلى تلك البئر في رهط من أصحابه فوجدوها كما وصف النبيّ  لهم فنزلت هاتان السورتان وهي إحدى عشرة آية فكلما قرأ آية حل منها عقدة حتى انحلت كلها ثم أحرقها بالنار فبرأ رسول الله  وروي في بعض الأخبار عن النبيّ  أنه قال: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ما سأل منها سائل ولا استعاذ مستعيذ بمثلها قط وهذه الآية دليل أن الرقية جائزة إن كنت بذكر الله تعالى وبكتابه والله أعلم بالصواب.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ الفَلَقِ وَفِيها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: مَدَنِيَّةٌ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ في آخَرِينَ.

والثّانِي: مَكِّيَّةٌ، رَواهُ كُرَيْبٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، وجابِرٌ.

والأوَّلُ أصَحُّ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  سُحِرَ وهو مَعَ عائِشَةَ، فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ المُعَوِّذَتانِ.» فَذَكَرَ أهْلُ التَّفْسِيرِ في نُزُولِهِما: «أنَّ غُلامًا مِنَ اليَهُودِ كانَ يَخْدِمُ رَسُولَ اللَّهِ  ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِ اليَهُودُ حَتّى أخَذَ مُشاطَةَ رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ  ، وعِدَّةَ أسْنانٍ مِن مُشْطِهِ، فَأعْطاها اليَهُودَ فَسَحَرُوهُ فِيها.

وكانَ الَّذِي تَوَلّى ذَلِكَلَبِيدُ بْنُ أعْصَمَ اليَهُودِيُّ.

ثُمَّ دَسَّها في بِئْرٍ لِبَنِي زُرَيْقٍ، يُقالُ لَها: بِئْرُ ذِرْوانَ.

ويُقالُ: ذِي أرْوانَ، فَمَرِضَ رَسُولُ اللَّهِ  ، وانْتَشَرَ شَعْرُ رَأْسِهِ، وكانَ يَرى أنَّهُ يَأْتِي النِّساءَ وما يَأْتِيهِنَّ، ويُخَيَّلُ إلَيْهِ أنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ، وما يَفْعَلُهُ، فَبَيْنَما هو ذاتَ يَوْمٍ نائِمٌ أتاهُ مَلَكانِ، فَقَعَدَ أحَدُهُما عِنْدَ رَأْسِهِ، والآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيْهِ، فَقالَ أحَدُهُما لِلْآخَرِ: ما بالُ الرَّجُلِ؟

قالَ: طُبَّ.

قالَ: وما طُبَّ؟

قالَ: سُحِرَ.

قالَ: ومَن سَحَرَهُ؟

قالَ: لَبِيدُ بْنُ أعْصَمَ.

قالَ: وبِمَ طَبَّهُ؟

قالَ: بِمُشْطٍ ومُشاطَةٍ.

قالَ: وأيْنَ هُوَ؟

قالَ في جُفِّ طَلْعَةٍ تَحْتَ راعُوفَةٍ في بِئْرِ ذِرْوانَ -والجُفُّ: قِشْرُ الطَّلْعِ.

والرّاعُوفَةُ: صَخْرَةٌ تُتْرَكُ في أسْفَلِ البِئْرِ إذا حُفِرَتْ.

فَإذا أرادُوا تَنْقِيَةَ البِئْرِ جَلَسَ المُنَقِّي عَلَيْها-، فانْتَبَهَ رَسُولُ اللَّهِ  فَقالَ: يا عائِشَةُ أما شَعَرْتِ أنَّ اللَّهَ أخْبَرَنِي بِدائِي، ثُمَّ بَعَثَ عَلِيًّا، والزُّبَيْرَ، وعَمّارَ بْنَ ياسِرٍ، فَنَزَحُوا ماءَ تِلْكَ البِئْرِ، ثُمَّ رَفَعُوا الصَّخْرَةَ، وأخْرَجُوا الجُفَّ، وإذا فِيهِ مُشاطَةُ رَأْسِهِ، وأسْنانُ مُشْطِهِ، وإذا وتَرٌ مَعْقُودٌ فِيهِ إحْدى عَشْرَةَ عُقْدَةً [مَغْرُوزَةً بِالإبْرَةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى المُعَوِّذَتَيْنِ، فَجَعَلَ كُلَّما قَرَأ آيَةً انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ] .

ووَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ  خِفَّةً حِينَ انْحَلَّتِ العُقْدَةُ الأخِيرَةُ، وجَعَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ أرْقِيكَ مِن كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ، ومِن حاسِدٍ وعَيْنٍ، واللَّهُ يَشْفِيكَ.

فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ أفَلا نَأْخُذُ الخَبِيثَ فَنَقْتُلَهُ؟

فَقالَ: " أمّا أنا فَقَدَ شَفانِي اللَّهُ، وأكْرَهُ أنْ أُثِيرَ عَلى النّاسِ شَرًّا.» وَقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في " الصَّحِيحَيْنِ " مِن حَدِيثِ عائِشَةَ حَدِيثَ سِحْرِ رَسُولِ اللَّهِ  .

وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى ﴿ أعُوذُ ﴾ في أوَّلِ كِتابِنا.

وَفِي ﴿ الفَلَقِ ﴾ سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الصُّبْحُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والقُرَظِيُّ، وابْنُ زَيْدٍ، واللُّغَوِيُّونَ قالُوا: ويُقالُ: هَذا أبْيَنُ مِن فَلَقِ الصُّبْحِ وفَرَقِ الصُّبْحِ.

والثّانِي: أنَّهُ الخَلْقُ، رَواهُ الوالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وكَذَلِكَ قالَ الضَّحّاكُ: الفَلَقُ: الخَلْقُ كُلُّهُ.

والثّالِثُ: سِجْنٌ في جَهَنَّمَ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

وقالَ وهْبٌ والسُّدِّيُّ: جِبٌّ في جَهَنَّمَ.

وقالَ ابْنُ السّائِبِ: وادٍ في جَهَنَّمَ.

والرّابِعُ: شَجَرَةٌ في النّارِ، قالَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو.

والخامِسُ: أنَّهُ كُلُّ مَنِ انْفَلَقَ عَنْ شَيْءٍ كالصُّبْحِ، والحَبِّ، والنَّوى، وغَيْرِ ذَلِكَ، قالَهُ الحَسَنُ.

قالَ الزَّجّاجُ: وإذا تَأمَّلْتَ الخَلْقَ بانَ لَكَ أنَّ أكْثَرَهُ عَنِ انْفِلاقٍ، كالأرْضِ بِالنَّباتِ، والسَّحابِ بِالمَطَرِ.

والسّادِسُ: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ، قالَهُ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الحَبْلِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن شَرِّ ما خَلَقَ ﴾ وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ، وابْنُ يَعْمَرَ: " خُلِقَ " بِضَمِّ الخاءِ، وكَسْرِ اللّامِ.

وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ عامٌّ، وهو الأظْهَرُ.

والثّانِي: أنَّ شَرَّ ما خُلِقَ: إبْلِيسُ وذُرِّيَّتُهُ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: جَهَنَّمُ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

وَفِي " الغاسِقِ " أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ القَمَرُ، «رَوَتْ عائِشَةُ قالَتْ: نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ  إلى القَمَرِ، فَقالَ: اسْتَعِيذِي بِاللَّهِ مِن شَرِّهِ فَإنَّهُ الغاسِقُ إذا وقَبَ،» رَواهُ التِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ في كِتابَيْهِما.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ويُقالُ: الغاسِقُ: القَمَرُ إذا كَسَفَ فاسْوَدَّ.

ومَعْنى " وقَبَ " دَخَلَ في الكُسُوفِ.

والثّانِي: أنَّهُ النَّجْمُ، رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  .

والثّالِثُ: أنَّهُ اللَّيْلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والقُرَظِيُّ، والفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ.

قالَ اللُّغَوِيُّونَ: ومَعْنى ﴿ وَقَبَ ﴾ دَخَلَ في كُلِّ شَيْءٍ فَأظْلَمَ.

و " الغَسَقُ " الظُّلْمَةُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: الغاسِقُ: البارِدُ، فَقِيلَ لِلَّيْلِ: غاسِقٌ، لِأنَّهُ أبْرَدُ مِنَ النَّهارِ.

والرّابِعُ: أنَّهُ الثُّرَيّا إذا سَقَطَتْ، وكانَتِ الأسْقامُ، والطَّواعِينُ تَكْثُرُ عِنْدَ وُقُوعِها، وتَرْتَفِعُ عِنْدَ طُلُوعِها، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

فَأمّا " النَّفّاثاتُ " فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هُنَّ السَّواحِرُ يَنْفُثْنَ، أيْ: يَتْفُلْنَ إذا سَحَرْنَ، ورَقَيْنَ.

قالَ الزَّجّاجُ: يَتْفُلْنَ بِلا رِيقٍ، كَأنَّهُ نَفْحٌ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: قالَ اللُّغَوِيُّونَ: تَفْسِيرُ نَفَثَ: نَفَخَ نَفْخًا لَيْسَ مَعَهُ رِيقٌ، ومَعْنى تَفَلَ: نَفَخَ نَفْخًا مَعَهُ رِيقٌ.

قالَ ذُو الرُّمَّةِ: ومِن جَوْفِ ماءٍ عَرْمَضُ الحَوْلِ فَوْقَهُ مَتى يَحْسُ مِنهُ مائِحُ القَوْمِ يَتْفُلِ وَقَدْ رَوى ابْنُ أبِي سُرَيْجٍ " النّافِثاتِ " بِألِفٍ قَبْلَ الفاءِ مَعَ كَسْرِ الفاءِ وتَخْفِيفِها.

وَقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِالنَّفّاثاتِ هاهُنا: بَناتُ لَبِيدِ بْنِ أعْصَمَ اليَهُودِيِّ سَحَرْنَ رَسُولَ اللَّهِ  .

﴿ وَمِن شَرِّ حاسِدٍ ﴾ يَعْنِي: اليَهُودَ حَسَدُوا رَسُولَ اللَّهِ  .

وقَدْ ذَكَرْنا حَدَّ الحَسَدِ في [البَقَرَةِ: ١٠٩] .

والحَسَدُ: أخَسُّ الطَّبائِعِ.

وأوَّلُ مَعْصِيَةٍ عُصِيَ اللَّهُ بِها في السَّماءِ حَسَدُ إبْلِيسَ لِآدَمَ، وفي الأرْضِ حَسَدُ قابِيلَ هابِيلَ.

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الفَلَقِ هَذِهِ السُورَةُ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي مَدَنِيَّةٌ، وقالَ قَتادَةُ: هي مَكِّيَّةٌ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ ﴾ ﴿ مِن شَرِّ ما خَلَقَ ﴾ ﴿ وَمِن شَرِّ غاسِقٍ إذا وقَبَ ﴾ ﴿ وَمِن شَرِّ النَفّاثاتِ في العُقَدِ ﴾ ﴿ وَمِن شَرِّ حاسِدٍ إذا حَسَدَ ﴾ الخِطابُ لِلنَّبِيِّ  ، والمُرادُ هو وآحادُ أُمَّتِهِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ، والحَسَنُ، والقُرْطُبِيُّ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: "الفَلَقِ": الصُبْحُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "فالِقُ الإصْباحِ"  ﴾ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وجَماعَةٌ مِنَ الصَحابَةِ والتابِعِينَ: الفَلَقِ: جُبٌّ في جَهَنَّمَ، ورَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَبِيِّ  .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن شَرِّ ما خَلَقَ ﴾ يَعُمُّ كُلَّ مَوْجُودٍ لَهُ شَرٌّ.

وقَرَأ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ وبَعْضُ المُعْتَزِلَةِ القائِلِينَ بِأنَّ اللهَ تَعالى لَمْ يَخْلُقِ الشَرَّ: "مِن شَرٍّ" بِالتَنْوِينِ "ما خَلَقَ" عَلى النَفْيِ، وهَذِهِ قِراءَةٌ مَرْدُودَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى مَذْهَبٍ باطِلٍ، فاللهُ تَعالى خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ.

واخْتَلَفَ الناسُ في "الغاسِقِ إذا وقَبَ"، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ والحَسَنُ: الغاسِقُ: اللَيْلُ، ووَقَبَ: أظْلَمُ ودَخَلَ عَلى الناسِ، وقالَ الشاعِرُ: إنَّ هَذا اللَيْلَ قَدْ غَسَقا وشَكَوْتُ الهَمَّ والأرَقا وَقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: "غاسِقٌ": النَهارُ "إذا وقَبَ" أيْ دَخَلَ في اللَيْلِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ عَنِ العَرَبِ: الغاسِقُ سُقُوطُ الثُرَيّا، وكانَتِ الأسْقامُ والطاعُونُ تُهَيَّجُ عِنْدَهُ، وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "النَجْمُ هو الغاسِقُ"» فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الثُرَيّا، «وَقالَ عَلَيْهِ السَلامُ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها -وَقَدْ نَظَرَ إلى القَمَرِ-: "تَعَوَّذِي بِاللهِ مِن شَرِّ غاسِقٍ إذا وقَبَ، فَهَذا هُوَ"،» وقالَ القَتَبِيُّ وغَيْرُهُ: هو البَدْرُ إذا دَخَلَ في ساهُورِهِ فَخُسِفَ، قالَ الزُهْرِيُّ: الغاسِقُ إذا وقَبَ: الشَمْسُ إذا غَرَبَتْ، و"وَقَبَ" في كَلامِ العَرَبِ: دَخَلَ"......".

و( النَفّاثات في العَقْد ): السَواحِرُ، ويُقالُ: إنَّ الإشارَوَ أوَّلًا إلى بَناتِ لَبِيدِ بْنِ الأعْصَمِ اليَهُودِيِّ كُنْ ساحِراتٍ، وهُنَّ اللَواتِي سَحَرْنَ النَبِيَّ  ، وعَقَدَ لَهُ إحْدى عَشْرَةَ عُقْدَةً، فَأنْزَلَ اللهُ تَعالى إحْدى عَشْرَةَ آيَةً بِعَدَدِ العُقَدِ هى المُعَوِّذَتانِ، فَشَفى النَبِيُّ  ، و" النَفْثُ": شِبْهُ النَفْخِ دُونَ تُفْلِ رِيقٍ، وهَذا النَفْثُ هو عَلى تَعَقُّدٍ في خُيُوطٍ ونَحْوِها عَلى اسْمِ المَسْحُورِ فَيُؤْذى بِذَلِكَ، وهَذا الشَأْنُ في زَمانِنا مَوْجُودٌ شائِعٌ في صَحْراء المَغْرِبِ، وحَدَّثَنِي ثِقَةٌ أنَّهُ رَأى عِنْدَ بَعْضِهِمْ خَيْطًا أحْمَرَ قَدْ عُقِدَتْ فِيهِ عُقَدٌ عَلى فُصْلانٍ، فَمَنَعَتْ بِذَلِكَ رَضاعَ أُمَّهاتِها، فَكانَ إذا حَلَّ عُقْدَةً جَرى ذَلِكَ الفَصِيلُ إلى أُمِّهِ في الحِينِ فَرَضَعَ، أعاذَنا اللهُ تَعالى مِن شَرِّ السَحَرَةِ بِقُدْرَتِهِ.

وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ القاسِمِ، والحَسَنُ، وابْنُ عُمَرَ: "النافِثاتُ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِن شَرِّ حاسِدٍ إذا حَسَدَ ﴾ ، قالَ قَتادَةُ: مِن شَرِّ عَيْنِهِ ونَفْسِهِ، يُرِيدُ السَعْيَ الخَبِيثَ والإذايَةَ كَيْفَ قَدَّرَ؛ لِأنَّهُ عَدُوٌّ مُجِدٌّ مُمْتَحِنٌ، وقالَ الشاعِرُ: كُلُّ العَداوَةِ قَدْ تُرْجى إماتَتُها ∗∗∗ إلّا عَداوَةُ مَن عاداكَ مِن حَسَدٍ وعَيْنُ الحاسِدِ في الغالِبِ لاقِفَةٌ، نَعُوذُ بِاللهِ عَزَّ وجَلَّ مِن شَرِّها، قالَ الشاعِرُ: وإذا أرادَ اللهُ نَشْرَ فَضِيلَةٍ..

∗∗∗ طُوِيَتْ أتاحَ لَها لِسانُ حَسُودِ والحَسَدُ في الِاثْنَتَيْنِ اللَتَيْنِ قالَ رَسُولُ اللهِ  : حَسَدٌ مُسْتَحْسَنٌ غَيْرُ ضارٍّ، وإنَّما هو باعِثٌ عَلى خَيْرٍ.

وهَذِهِ السُورَةُ خَمْسُ آياتٍ، فَقالَ بَعْضُ الحُذّاقِ هي مُرادُ الناسِ بِقَوْلِهِمْ لِلْحاسِدِ إذا نَظَرَ إلَيْهِمْ: الخَمْسُ عَلى عَيْنَيْكَ وقَدْ غَلِطَتِ العامَّةُ في هَذا فَيُشِيرُونَ بِالأصابِعِ لِكَوْنِها خَمْسَةً.

وأمالَ أبُو عَمْرٍو "حاسِدٍ"، والباقُونَ بِفَتْحِ الحاءِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: ذَكَرَ اللهُ تَعالى الشُرُورَ في هَذِهِ السُورَةِ ثُمَّ خَتَمَها بِالحَسَدِ لِيُظْهِر أنَّهُ أخَسُّ طَبْعٍ.

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الفَلْقِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الأمر بالقول يقتضي المحافظة على هذه الألفاظ لأنها التي عينها الله للنبيء صلى الله عليه وسلم ليتعوذ بها فإجابتُها مرجوة، إذ ليس هذا المقول مشتملاً على شيء يُكلف به أو يُعمل حتى يكون المراد: قل لهم كذا كما في قوله: ﴿ قل هو الله أحد ﴾ [الإخلاص: 1]، وإنما هو إنشاء معنى في النفس تدل عليه هذه الأقوال الخاصة.

وقد روي عن ابن مسعود في أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن المعوذتين فقال: " قِيل لي قُل فقلتُ لكم فقولوا ".

يريد بذلك المحافظة على هذه الألفاظ للتعوذ وإذ قد كانت من القرآن فالمحافظة على ألفاظها متعينة والتعوذ يحصل بمعناها وبألفاظها حتى كَلِمة ﴿ قُل ﴾ .

والخطاب بقُل} للنبيء صلى الله عليه وسلم وإذ قد كان قرآناً كان خطاب النبي صلى الله عليه وسلم به يشمل الأمة حيث لا دليل على تخصيصه به، فلذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بعضَ أصحابه بالتعوذ بهذه السورة ولذلك أيضاً كان يعوِّذ بهما الحَسَن والحُسَيْن كما ثبت في «الصحيح»، فتكون صيغة الأمر الموجهة إلى المخاطب مستعملة في معنَيي الخطاب من توجُّهه إلى معيّن وهو الأصل، ومن إرادة كلّ من يصح خطابُه وهو طريق من طرق الخطاب تدل على قصده القرائن، فيكون من استعمال المشترك في معنييه.

واستعمال صيغة التكلم في فعل ﴿ أعوذ ﴾ يتبع ما يراد بصيغة الخطاب في فعل ﴿ قل ﴾ فهو مأمور به لكل من يريد التعوذ بها.

وأما تعويذُ قارئها غيرَه بها كما ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعوذ بالمعوذتين الحسن والحسين، وما رُوي عن عائشة قالت: «إن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينفث على نفسه في المرض الذي مات فيه بالمعوِّذات، فلما ثَقُل كنت أنفث عليه بهن وأمْسح بيدِ نفسه لبركتها»، فذلك على نية النيابة عمن لا يحسن أن يعوذ نفسه بنفسه بتلك الكلمات لعجز أو صغر أو عدم حفظ.

والعَوْذ: اللجأ إلى شيء يقِي من يلجأُ إليه ما يخافه، يُقال: عاذ بفلان، وعاذ بحصن، ويقال: استعاذ، إذا سأل غيره أن يُعيذه قال تعالى: ﴿ فاستعِذ باللَّه إنه سميع عليم ﴾ [الأعراف: 200].

وعاذ من كذا، إذا صار إلى ما يعيذه منه قال تعالى: ﴿ فاستعذ باللَّه من الشيطان الرجيم ﴾ [النحل: 98].

و ﴿ الفلق ﴾ : الصبح، وهو فَعَل بمعنى مفعول مثل الصَّمَد لأن الليل شبه بشَيء مغلق ينفلق عن الصبح، وحقيقة الفَلْق: الانشقاق عن باطن شيء، واستعير لظهور الصبح بعد ظلمة الليل، وهذا مثل استعارة الإخراج لظهور النور بعد الظلام في قوله تعالى: ﴿ وأغطش ليلها وأخرج ضحاها ﴾ [النازعات: 29]، واستعارة السلخ له في قوله تعالى: ﴿ وآية لهم الليل نسلخ منه النهار ﴾ [يس: 37].

وربُّ الفلق: هو الله، لأنه الذي خلق أسبابَ ظهور الصبح، وتخصيص وصف الله بأنه رب الفلق دون وصف آخر لأن شراً كثيراً يحدث في الليل من لصوص، وسباع، وذوات سموم، وتعذر السير، وعُسر النجدة، وبُعد الاستغاثة واشتداد آلام المرضى، حتى ظن بعض أهل الضلالة الليل إله الشر.

والمعنى: أعوذ بفالق الصبح مَنجاةً من شرور الليل، فإنه قادر على أن ينجيني في الليل من الشر كما أنجى أهل الأرض كلهم بأن خلق لهم الصبح، فوُصفَ الله بالصفة التي فيها تمهيدٌ للإِجابة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ الفَلَقِ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وعَطاءٍ وجابِرٍ، ومَدَنِيَّةٌ في أحَدِ قَوْلَيِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ.

وَهَذِهِ والنّاسُ مُعَوِّذَتا رَسُولِ اللَّهِ  حِينَ سَحَرَتْهُ اليَهُودُ، وقِيلَ إنَّ المُعَوِّذَتَيْنِ كانَ يُقالُ لَهُما (اَلْمُقَشْقِشَتانِ) أيْ مُبَرِّئَتانِ مِنَ النِّفاقِ، وزَعَمَ ابْنُ مَسْعُودٍ أنَّهُما دُعاءُ تَعَوُّذٍ بِهِ ولَيْسَتا مِنَ القُرْآنِ، وهَذا قَوْلٌ خالَفَ بِهِ الإجْماعَ مِنَ الصَّحابَةِ وأهْلِ البَيْتِ.

﴿ قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الفَلَقَ سِجْنٌ في جَهَنَّمَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ، قالَهُ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ.

الثّالِثُ: أنَّهُ الخَلْقُ كُلُّهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الرّابِعُ: أنَّهُ فَلَقُ الصُّبْحِ، قالَهُ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ يا لَيْلَةً لَمْ أنَمْها بِتُّ مُرْتَفِقًا أرْعى النُّجُومَ إلى أنْ نَوَّرَ الفَلَقُ.

الخامِسُ: أنَّها الجِبالُ والصُّخُورُ تَنْفَلِقُ بِالمِياهِ.

السّادِسُ: أنَّهُ كُلُّ ما انْفَلَقَ عَنْ جَمِيعِ ما خُلِقَ مِنَ الحَيَوانِ والصُّبْحِ والحَبِّ والنَّوى وكُلِّ شَيْءٍ مِن نَباتٍ وغَيْرِهِ، قالَهُ الحَسَنُ.

وَلِأصْحابِ الغَوامِضِ أنَّهُ فَلَقَ القُلُوبَ لِلْأفْهامِ حَتّى وصَلَتْ إلَيْها ووَصَلَتْ فِيها، وأصْلُ الفَلَقِ الشَّقُّ الواسِعُ، وقِيلَ لِلصُّبْحِ فَلَقٌ لِفَلْقِ الظَّلامِ عَنْهُ كَما قِيلَ لَهُ فَجْرٌ لِانْفِجارِ الضَّوْءِ مِنهُ.

﴿ مِن شَرِّ ما خَلَقَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ شَرَّ ما خَلَقَ جَهَنَّمُ، قالَهُ ثابِتٌ البَنانِيُّ.

الثّانِي: إبْلِيسُ وذُرِّيَّتُهُ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: مِن شَرِّ ما خَلَقَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

وَفي هَذا الشَّرِّ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى عُمُومِهِ في كُلِّ شَرٍّ.

الثّانِي: أنَّهُ خاصٌّ في الشَّرِّ الَّذِي يَسْتَحِقُّ المُصابُ بِهِ الثَّوابَ.

﴿ وَمِن شَرِّ غاسِقٍ إذا وقَبَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي الشَّمْسَ إذا غَرَبَتْ، قالَهُ ابْنُ شِهابٍ.

الثّانِي: القَمَرُ إذا ولَجَ أيْ دَخَلَ في الظَّلامِ.

رَوى أبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عائِشَةَ أنَّها قالَتْ: «أخَذَ رَسُولُ اللَّهِ  بِيَدِي ثُمَّ نَظَرَ إلى القَمَرِ فَقالَ: يا عائِشَةُ تَعَوُّذِي بِاَللَّهِ مِن شَرِّ غاسِقٍ إذا وقَبَ، وهَذا الغاسِقُ إذا وقَبَ» .

الثّالِثُ: أنَّهُ الثُّرَيّا إذا سَقَطَتْ، وكانَتِ الأسْقامُ والطَّواعِينُ تَكْثُرُ عِنْدَ وُقُوعِها، وتَرْتَفِعُ عِنْدَ طُلُوعِها، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الرّابِعُ: أنَّهُ اللَّيْلُ، لِأنَّهُ يُخْرِجُ السِّباعَ مِن آجامِها، والهَوامَّ مِن مَكامِنِها ويَبْعَثُ أهْلَ الشَّرِّ عَلى العَبَثِ والفَسادِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ، قالَ الشّاعِرُ يا طَيْفَ هِنْدٍ لَقَدْ أبْقَيْتَ لِي أرَقًا ∗∗∗ إذْ جِئْتَنا طارِقًا واللَّيْلُ قَدْ غَسَقًا وَأصْلُ الغَسَقِ الجَرَيانُ بِالضَّرَرِ، مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ غَسَقَتِ القُرْحَةُ إذا جَرى صَدِيدُها، والغَسّاقُ: صَدِيدُ أهْلِ النّارِ، لِجَرَيانِهِ بِالعَذابِ وغَسَقَتْ عَيْنُهُ إذا جَرى دَمْعُها بِالضَّرَرِ في الحَلْقِ.

فَعَلى تَأْوِيلِهِ أنَّهُ اللَّيْلُ في قَوْلِهِ ﴿ إذا وقَبَ ﴾ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: إذا أظْلَمَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: إذا دَخَلَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: إذا ذَهَبَ، قالَهُ قَتادَةُ.

الرّابِعُ: إذا سَكَنَ، قالَهُ اليَمانُ بْنُ رِئابٍ.

﴿ وَمِن شَرِّ النَّفّاثاتِ في العُقَدِ ﴾ قالَ أهْلُ التَّأْوِيلِ: مِنَ السَّواحِرِ يَنْفُثْنَ في عُقَدِ الخُيُوطِ لِلسِّحْرِ، قالَ الشّاعِرُ أعُوذُ بِرَبِّي مِنَ النّافِثا ∗∗∗ تِ في عِضَهِ العاضِهِ المَعْضِهِ وَرُبَّما فَعَلَ قَوْمٌ في الرُّقى مِثْلَ ذَلِكَ، طَلَبًا لِلشِّفاءِ، كَما قالَ مُتَمِّمُ بْنُ نُوَيْرَةَ نَفَثْتُ في الخَيْطِ شَبِيهِ الرُّقى ∗∗∗ مِن خَشْيَةِ الجِنَّةِ والحاسِدِ.

وَقَدْ رَوى الحَسَنُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « (مَن عَقَدَ عُقْدَةً ثُمَّ نَفَثَ فِيها فَقَدْ سَحَرَ ومَن سَحَرَ فَقَدْ أشْرَكَ، ومَن تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إلَيْهِ)»، والنَّفْثُ: النَّفْخُ في العُقَدِ بِلا رِيقٍ، والتَّفْلُ: النَّفْخُ فِيها بَرِيقٍ، وفي ﴿ شَرِّ النَّفّاثاتِ في العُقَدِ ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ إيهامٌ لِلْأذى وتَخَيُّلٌ لِلْمَرَضِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ تَأْثِيرٌ في الأذى والمَرَضِ، إلّا اسْتِشْعارٌ رُبَّما أحْزَنَ، أوْ طَعامٌ ضارٌّ رُبَّما نَفَذَ بِحِيلَةٍ خَفِيَّةٍ.

الثّانِي: أنَّهُ قَدْ يُؤْذى بِمَرَضٍ لِعارِضٍ يَنْفَصِلُ فَيَتَّصِلُ بِالمَسْحُورِ فَيُؤَثِّرُ فِيهِ كَتَأْثِيرِ العَيْنِ، وكَما يَنْفَصِلُ مِن فَمِ المُتَثائِبِ ما يَحْدُثُ في المُقابِلِ لَهُ مِثْلُهُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ بِمَعُونَةٍ مِن خَدَمِ الجِنِّ يَمْتَحِنُ اللَّهُ بَعْضَ عِبادِهِ.

فَأمّا المَرْوِيُّ مِن سِحْرِ النَّبِيِّ  فَقَدْ أثْبَتَهُ أكْثَرُهم، وأنَّ قَوْمًا مِنَ اليَهُودِ سَحَرُوهُ وألْقَوْا عُقْدَةَ سِحْرِهِ في بِئْرٍ حَتّى أظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْها.

رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ  اشْتَكى شَكْوًى شَدِيدَةً، فَبَيْنا هو بَيْنَ النّائِمِ واليَقْظانِ إذا مَلَكانِ أحَدُهُما عِنْدَ رَأْسِهِ، والآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيْهِ، فَقالَ أحَدُهُما: ما شَكْواهُ؟

فَقالَ الآخَرُ: مَطْبُوبٌ، (أيْ مَسْحُورٌ)، والطَّبُّ: السِّحْرُ قالَ: ومَن طَبَّهُ؟

قالَ: لَبِيدُ بْنُ الأعْصَمِ اليَهُودِيُّ فَطَرَحَهُ في بِئْرِ ذَرْوانَ تَحْتَ صَخْرَةٍ فِيها، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ  عَمّارَ بْنَ ياسِرٍ فاسْتَخْرَجَ السِّحْرَ مِنها، ويُرْوى أنَّ فِيهِ إحْدى عَشْرَةَ عُقْدَةً، فَأمَرَ بِحَلِّ العُقَدِ، فَكانَ كُلَّما حُلَّ عُقْدَةٌ وجَدَ راحَةً، حَتّى حُلَّتِ العُقَدُ كُلُّها، فَكَأنَّما أنْشَطَ مِن عِقالٍ، فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ المُعَوِّذَتانِ، وهُما إحْدى عَشْرَةَ آيَةً بِعَدَدِ العُقَدِ، وأُمِرَ أنْ يَتَعَوَّذَ بِهِما» .

وأنْكَرَهُ آخَرُونَ، ومَنَعُوا مِنهُ في رَسُولِ اللَّهِ  وإنْ صَحَّ في غَيْرِهِ، لِما في اسْتِمْرارِهِ عَلَيْهِ مِن خَبَلِ العَقْلِ، وأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أنْكَرَ عَلى مَن قالَ في رَسُولِهِ حَيْثُ يَقُولُ: ﴿ إنْ تَتَّبِعُونَ إلا رَجُلا مَسْحُورًا ﴾ ﴿ وَمِن شَرِّ حاسِدٍ إذا حَسَدَ ﴾ أمّا الحَسَدُ فَهو تَمَنِّي زَوالِ نِعْمَةِ المَحْسُودِ وإنْ لَمْ يَصِرْ لِلْحاسِدِ مِثْلُها، والمُنافَسَةُ هي تَمَنِّي مِثْلِها وإنْ لَمْ تَزُلْ، فالحَسَدُ شَرٌّ مَذْمُومٌ، والمُنافَسَةُ رَغْبَةٌ مُباحَةٌ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ  قالَ: « (اَلْمُؤْمِنُ يَغْبِطُ والمُنافِقُ يَحْسُدُ)» .

وفي الِاسْتِعاذَةِ مِن شَرِّ حاسِدٍ إذا حَسَدَ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِن شَرِّ نَفْسِهِ وعَيْنِهِ، فَإنَّهُ رُبَّما أصابَ بِها فَعانَ وضَرَّ، والمَعْيُونُ المُصابُ بِالعَيْنِ، وقالَ الشّاعِرُ قَدْ كانَ قَوْمُكَ يَحْسَبُونَكَ سَيِّدًا ∗∗∗ وإخالُ أنَّكَ سَيِّدٌ مَعْيُونُ الثّانِي: أنْ يَحْمِلَهُ فَرْطُ الحَسَدِ عَلى إيقاعِ الشَّرِّ بِالمَحْسُودِ فَإنَّهُ يَتْبَعُ المَساوِئَ ويَطْلُبُ العَثَراتِ، وقَدْ قِيلَ إنَّ الحَسَدَ أوَّلُ ذَنْبٍ عُصِيَ اللَّهُ بِهِ في السَّماءِ والأرْضِ فَحَسَدَ إبْلِيسُ آدَمَ حَتّى أخْرَجَهُ مِنَ الجَنَّةِ، وأمّا في الأرْضِ فَحَسَدَ قابِيلُ بْنُ آدَمَ لِأخِيهِ هابِيلَ حَتّى قَتَلَهُ، نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِن شَرِّ ما اسْتَعاذَنا مِنهُ.

وافْتَتَحَ السُّورَةَ بِـ(قُلْ) لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ نَبِيَّهُ أنْ يَقُولَها، وهي مِنَ السُّورَةِ لِنُزُولِها مَعَها، وقَدْ قالَ بَعْضُ فُصَحاءِ السَّلَفِ: احْفَظِ القَلاقِلَ، وفِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: قُلْ (قُلْ) في كُلِّ سُورَةٍ ذُكِرَ في أوائِلِها لِأنَّهُ مِنها.

والثّانِي: احْفَظِ السُّورَةَ الَّتِي في أوَّلِها (قُلْ) لِتَأْكِيدِها بِالأمْرِ بِقِراءَتِها.

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أحمد والبزار والطبراني وابن مردويه من طرق صحيحة عن ابن عباس وابن مسعود أنه كان يحك المعوّذتين من المصحف ويقول: لا تخلطوا القرآن بما ليس منه، إنهما ليستا من كتاب الله، إنما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يتعوّذ بهما، وكان ابن مسعود لا يقرأ بهما.

قال البزار: لم يتابع ابن مسعود أحد من الصحابة، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ بهما في الصلاة وأثبتتا في المصحف.

وأخرج الطبراني عن ابن مسعود: «أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن هاتين السورتين فقال: قيل لي فقلت فقولوا كما قلت» .

وأخرج أحمد والبخاري والنسائي وابن الضريس وابن الأنباري وابن حبان وابن مردويه عن زر بن حبيش قال: أتيت المدينة فلقيت أبيّ بن كعب فقلت: يا أبا المنذر إني رأيت ابن مسعود لا يكتب المعوذتين في مصحفه، فقال: أما والذي بعث محمداً بالحق قد سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهما وما سألني عنهما أحد منذ سألته غيرك.

قال: قيل لي قل فقلت فقولوا، فنحن نقول كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأخرج مسدد وابن مردويه عن حنظلة السدوسي قال: لعكرمة: إني أصلي بقوم فأقرأ ب ﴿ قل أعوذ برب الفلق ﴾ و ﴿ قل أعوذ برب الناس ﴾ فقال: اقرأ بهما فإنهما من القرآن.

وأخرج أحمد وابن الضريس بسند صحيح عن أبي العلاء يزيد بن عبد الله بن الشخير قال: «قال رجل: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، والناس يعتقبون، وفي الظهر قلة، فجاءت نزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزلتي فلحقني فضرب منكبي فقال: ﴿ قل أعوذ برب الفلق ﴾ فقلت ﴿ أعوذ برب الفلق ﴾ فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرأتها معه، ثم قال: ﴿ قل أعوذ برب الناس ﴾ فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرأتها معه.

قال: إذا أنت صليت فاقرأ بهما» .

وأخرج الطبراني في الأوسط بسند حسن عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لقد أنزل عليَّ آيات لم ينزل علي مثلهن المعوّذتين» .

وأخرج مسلم والترمذي والنسائي وابن الضريس وابن الأنباري في المصاحف وابن مردويه عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنزلت علي الليلة آيات لم أر مثلهن قط ﴿ قل أعوذ برب الفلق ﴾ و ﴿ قل أعوذ برب الناس ﴾ » .

وأخرج ابن الضريس وابن الأنباري والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن عقبة بن عامر قال: «بينا أنا أسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بين الجحفة والأبواء إذ غشينا ريح وظلمة شديدة فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوّذ ب ﴿ أعوذ برب الفلق ﴾ و ﴿ أعوذ برب الناس ﴾ ويقول: يا عقبة تعوّذ بهما فما تعوذ متعوّذ بمثلهما» قال: وسمعته يؤمنا بهما في الصلاة.

وأخرج ابن سعد والنسائي والبغوي والبيهقي عن أبي حابس الجهني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: «يا أبا حابس ألا أخبرك بأفضل ما تعوّذ به المتعوّذون؟

قال: بلى يا رسول الله.

قال: ﴿ قل أعوذ برب الفلق ﴾ و ﴿ قل أعوذ برب الناس ﴾ هما المعوّذتان» .

وأخرج الترمذي وحسنه والنسائي وابن مردويه والبيهقي عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذ من عين الجان ومن عين الإِنس فلما نزلت سورة المعوّذتين أخذ بهما وترك ما سوى ذلك.

وأخرج أبو داود والنسائي والحاكم وصححه عن ابن مسعود أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يكره عشر خصال: الصفرة يعني الخلوق، وتغيير الشيب، وجر الإِزار، والتختم بالذهب، وعقد التمائم والرقى إلا بالمعوذات والضرب بالكعاب، والتبرج بالزينة لغير بعلها، وعزل الماء لغير حله، وفساد الصبي غير محرمه.

وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن ابن مسعود قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره الرقى إلا بالمعوذات.

وأخرج ابن مردويه عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إقرؤوا بالمعوذات في دبر كل صلاة» .

وأخرج ابن أ بي شيبة وابن مردويه عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما سأل سائل ولا استعاذ مستعيذ بمثلهما يعني المعوذتين» .

وأخرج ابن مردويه عن عقبة بن عامر قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا عقبة اقرأ ب ﴿ قل أعوذ برب الفلق ﴾ و ﴿ قل أعوذ برب الناس ﴾ فإنك لن تقرأ أبلغ منهما» .

وأخرج ابن مردويه عن أم سلمة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أحب السور إلى الله ﴿ قل أعوذ برب الفلق ﴾ و ﴿ قل أعوذ برب الناس ﴾ » .

وأخرج ابن مردويه عن معاذ بن جبل قال: «كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فصلى الغداة فقرأ فيها بالمعوذتين، ثم قال: يا معاذ هل سمعت؟

قلت: نعم.

قال: ما قرأ الناس بمثلهن» .

وأخرج النسائي وابن الضريس وابن الأنباري وابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال: «أخذ منكبي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اقرأ قلت: ما أقرأ؟

بأبي أنت وأمي قال: ﴿ قل أعوذ برب الفلق ﴾ ثم قال: اقرأ قلت: بأبي أنت وأمي ما أقرأ: قال: ﴿ قل أعوذ برب الناس ﴾ ولن تقرأ بمثلهما» .

وأخرج ابن سعد عن يوسف بن محمد بن ثابت بن قيس بن شماس أن ثابت بن قيس اشتكى فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مريض فرقاه بالمعوّذات ونفث عليه، وقال: «اللهم رب الناس اكشف الباس عن ثابت بن قيس بن شماس ثم أخذ تراباً من واديهم ذلك يعني بطحان فألقاه في ماء فسقاه» .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن الضريس عن عقبة بن عامر الجهني قال: «كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فلما طلع الفجر أذن وأقام ثم أقامني عن يمينه ثم قرأ بالمعوذتين، فلما انصرف قال: كيف رأيت؟

قلت: قد رأيت يا رسول الله.

قال: فاقرأ بهما كلما نمت وكلما قمت» .

وأخرج ابن الأنباري عن قتادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعقبة بن عامر: «اقرأ ب ﴿ قل أعوذ برب الفلق ﴾ و ﴿ قل أعوذ برب الناس ﴾ فإنهما من أحب القرآن إلى الله» .

وأخرج الحاكم عن عقبة بن عامر قال: «كنت أقود برسول الله صلى الله عليه وسلم راحلته في السفر فقال: يا عقبة ألا أعلمك خير سورتين قرئتا؟

قلت: بلى.

قال: ﴿ قل أعوذ برب الفلق ﴾ و ﴿ قل أعوذ برب الناس ﴾ فلما نزل صلى بهما صلاة الغداة، ثم قال له: كيف ترى يا عقبة» .

وأخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم ركب بغلة فحادت به فحبسها وأمر رجلاً أن يقرأ عليها ﴿ قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق ﴾ فسكنت ومضت.

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: «أهدى النجاشي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بغلة شهباء فكان فيها صعوبة فقال للزبير: اركبها وذللها فكأن الزبير اتقى فقال له: أركبها واقرأ القرآن.

قال: ما أقرأ؟

قال: اقرأ ﴿ قل أعوذ برب الفلق ﴾ فوالذي نفسي بيده ما قمت تصلي بمثلها» .

وأخرج ابن الأنباري عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى قرأ على نفسه المعوذتين وتفل أو نفث.

وأخرج ابن الأنباري عن ابن عمر قال: إذا قرأت ﴿ قل أعوذ برب الفلق ﴾ فقل أعوذ برب الفلق، وإذا قرأت ب ﴿ قل أعوذ برب الناس ﴾ فقل: أعوذ برب الناس.

وأخرج محمد بن نصر عن أبي ضمرة عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الركعة الثانية التي يوتر بها ب ﴿ قل هو الله أحد ﴾ والمعوذتين.

وأخرج الطبراني عن ابن مسعود أنه رأى في عنق امرأة من أهله سيراً فيه تمائم فقطعه، وقال: إن آل عبد الله أغنياء عن الشرك، ثم قال: التولة والتمائم والرقى من الشرك، فقالت امرأة: إن إحدانا لتشتكي رأسها فتسترقى، فإذا استرقت ظنت أن ذلك قد نفعها، فقال عبد الله إن الشيطان يأتي أحداكن فينخس في رأسها فإذا استرقت حبس، فإذا لم تسترق نحر فلو أن إحداكن تدعو بماء فتنضحه على رأسها ووجهها ثم تقول: بسم الله الرحمن الرحيم ثم تقرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ و ﴿ قل أعوذ برب الفلق ﴾ و ﴿ قل أعوذ برب الناس ﴾ نفعها ذلك إن شاء الله.

وأخرج عبد بن حميد في مسنده عن زيد بن أسلم قال: سحر النبي صلى الله عليه وسلم رجل من اليهود فاشتكى فأتاه جبريل فنزل عليه بالمعوذتين وقال: إن رجلاً من اليهود سحرك، والسحر في بئر فلان، فأرسل علياً فجاء به فأمره أن يحل العقد ويقرأ آية فجعل يقرأ ويحل حتى قام النبي صلى الله عليه وسلم كأنما نشط من عقال.

وأخرج ابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن عائشة قالت: «كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم غلام يهودي يخدمه يقال له لبيد بن أعصم، فلم تزل به يهود حتى سحر النبي صلى الله عليه وسلم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يذوب ولا يدري ما وجعه، فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة نائم إذا أتاه ملكان فجلس أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه، فقال الذي عند رأسه للذي عند رجليه: ما وجعه؟

قال: مطبوب.

قال: من طبه؟

قال: لبيد بن أعصم.

قال: بم طبه؟

قال: بمشط وماشطة وجف طلعة ذكر بذي أروان وهي تحت راعوفة البئر.

فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم غدا ومعه أصحابه إلى البئر فنزل رجل فاستخرج جف طلعة من تحت الراعوفة، فإذا فيها مشط رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن مشاطة رأسه، وإذا تمثال من شمع تمثال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا فيها أبر مغروزة، وإذا وتر فيه إحدى عشرة عقدة، فأتاه جبريل بالمعوّذتين فقال: يا محمد ﴿ قل أعوذ برب الفلق ﴾ وحل عقدة ﴿ من شر ما خلق ﴾ وحل عقده حتى فرغ منها وحل العقد كلها وجعل لا ينزع إبرة إلا يجد لها ألماً ثم يجد بعد ذلك راحة، فقيل: يا رسول الله لو قتلت اليهودي فقال: قد عافاني الله وما وراءه من عذاب الله أشد فأخرجه» .

وأخرج ابن مردويه من طريق عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن لبيد بن الأعصم اليهودي سحر النبي صلى الله عليه وسلم وجعل فيه تمثالاً فيه إحدى عشرة عقدة، فأصابه من ذلك وجع شديد، فأتاه جبريل وميكائيل يعوذانه فقال ميكائيل يا جبريل إن صاحبك شاك.

قال أجل.

قال: أصابه لبيد بن الأعصم اليهودي وهو في بئر ميمون في كدية تحت صخرة الماء.

قال: فما وراء ذلك؟

قال: تنزح البئر ثم تقلب الصخرة فتأخذ الكدية فيها تمثال فيه إحدى عشرة عقدة فتحرق فإنه يبرأ بإذن الله، فأرسل إلى رهط فيهم عمار بن ياسر فنزح الماء فوجدوه قد صار كأنه ماء الحناء، ثم قلبت الصخرة إذا كدية فيها صخرة فيها تمثال فيها إحدى عشرة عقدة، فأنزل الله يا محمد ﴿ قل أعوذ برب الفلق ﴾ الصبح فانحلت عقدة ﴿ من شر ما خلق ﴾ من الجن والإِنس فانحلت عقدة ﴿ ومن شر غاسق إذا وقب ﴾ الليل وما يجيء به الليل ﴿ ومن شر النفاثات في العقد ﴾ السحارات المؤذيات فانحلت ﴿ ومن شر حاسد إذا حسد ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: صنعت اليهود بالنبي صلى الله عليه وسلم شيئاً فأصابه منه وجع شديد، فدخل عليه أصحابه فخرجوا من عنده وهم يرون أنه ألم به فأتاه جبريل بالمعوّذتين فعوّذه بهما ثم قال: «بسم الله أرقيك من كل شر يؤذيك ومن كل عين ونفس حاسد الله يشفيك باسم الله أرقيك» .

أخرج ابن مردويه عن عمرو بن عبسة رضي الله عنه قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ ﴿ قل أعوذ برب الفلق ﴾ فقال: «يا ابن عبسة أتدري ما الفلق؟

قلت الله ورسوله أعلم.

قال: بئر في جهنم إذا سعرت جهنم فمنه تسعر، وإنها لتتأذى به كما يتأذى بنو آدم من جهنم» .

وأخرج ابن مردويه عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أقرأ ﴿ قل أعوذ بر الفلق ﴾ هل تدري ما الفلق؟

باب في النار إذا فتح سعرت جهنم» .

وأخرج ابن مردويه والديلمي عن عبد الله بن عمرو بن العاصي رضي الله عنه قال: «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله: ﴿ قل أعوذ برب الفلق ﴾ قال: هو سجن في جهنم يحبس فيه الجبارون والمتكبرون، وإن جهنم لتعوذ بالله منه» .

وأخرج ابن جرير عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الفلق جب في جهنم مغطى» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن علي عن آبائه قال: الفلق جب في قعر جهنم عليه غطاء، فإذا كشف عنه خرجت منه نار تصيح منه جهنم من شدة حر ما يخرج منه.

وأخرج ابن جريرعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الفلق الصبح.

وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله تعالى ﴿ قل أعوذ برب الفلق ﴾ قال: أعوذ برب الصبح إذا انفلق عن ظلمة الليل.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم أما سمعت زهير بن أبي سلمى يقول: الفارج الهمّ مسدولاً عساكره ** كما يفرج غم الظلمة الفلق وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الفلق الخلق.

وأخرج أحمد والترمذي وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة والحاكم وصححه وابن مردويه عن عائشة قالت: «نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً إلى القمر لما طلع فقال يا عائشة استعيذي بالله من شر هذا فإن هذا الغاسق إذا وقب» .

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي هريرة «عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ ومن شر غاسق إذا وقب ﴾ قال: النجم هو الغاسق، وهو الثريا» .

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن زيد في قوله: ﴿ ومن شر غاسق إذا وقب ﴾ قال: كانت العرب تقول الغاسق سقوط الثريا، وكانت الأسقام والطواعين تكثر عند وقوعها وترتفع عند طلوعها.

وأخرج أبو الشيخ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا ارتفعت النجوم رفعت العاهة عن كل بلد» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن عطية ﴿ ومن شر غاسق إذا وقب ﴾ قال: الليل إذا ذهب.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب رضي الله عنه قال: الغاسق سقوط الثريا، والغاسق إذا وقب الشمس إذا غربت.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ ومن شر غاسق إذا وقب ﴾ قال: الليل إذا أقبل.

وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: عز وجل ﴿ ومن شر غاسق إذا وقب ﴾ قال: الغاسق الظلمة والوقب شدة سواده إذا دخل في كل شيء قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم أما سمعت زهيراً يقول: ظلت تجوب يداها وهي لاهية ** حتى إذا جنح الإِظلام والغسق وقال في الوقب: وقب العذاب عليهم فكأنهم ** لحقتهم نار السماء فأخمدوا وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ غاسق إذا وقب ﴾ قال: الليل إذا دخل.

أخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ ومن شر النفاثات ﴾ قال: الساحرات.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ النفاثات في العقد ﴾ قال: ما خالط السحر من الرقى.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه ﴿ النفاثات ﴾ قال: السواحر.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ النفاثات في العقد ﴾ قال: الرقى في عقد الخيط.

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك» .

وأخرج الحاكم وابن مردويه «عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه يعوده فقال: ألا أرقيك برقية رقاني بها جبريل؟

قلت بلى، بأبي أنت وأمي.

قال: بسم الله أرقيك والله يشفيك من كل داء فيك ﴿ من شر النفاثات في العقد ومن شر حاسد إذا حسد ﴾ فرقى بها ثلاث مرات» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنه: «أن النبي صلى الله عليه وسلم وجد وجعاً في رأسه فأبطأ على أصحابه ثم خرج إليهم فقال له عمر: ما الذي بطأ بك عنا؟

فقال: وجع وجدته في رأس فهبط عليّ جبريل، فوضع يده على رأسي ثم قال: بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك أو يصيبك ومن شر كل ذي شر معلن أو مسر، ومن شر الجن والإِنس ﴿ ومن شر النفاثات في العقد ومن شر حاسد إذا حسد ﴾ قال: فبرأت» .

أخرج ابن عدي في الكامل والبيهقي في شعب الإِيمان عن الحسن في قوله: ﴿ ومن شر حاسد إذا حسد ﴾ قال: هو أول ذنب كان في السماء.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه ﴿ ومن شر حاسد إذا حسد ﴾ يعني اليهود هم حسدة الإِسلام.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ ومن شر حاسد إذا حسد ﴾ قال: نفس ابن آدم وعينه.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه ﴿ ومن شر حاسد ﴾ قال: من شر عينه ونفسه.

وأخرج ابن مردويه عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن جبريل أتاه وهو يوعك فقال: بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك، من حسد حاسد، وكل عين، اسم الله يشفيك.

وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله أو عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم اشتكى فأتاه جبريل فقال: بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك، من كل كاهن وحاسد، والله يشفيك.

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إياكم والحسد فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب» .

وأخرج ابن مردويه عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل الدرجات العلى اللعان ولا منان ولا بخيل ولا باغ ولا حسود» .

وأخرج البيهقي في الشعب عن أنس رضي الله عنه قال: «كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم جلوساً فقال: يطلع عليكم الآن من هذا الفج رجل من أهل الجنة، فطلع رجل من الأنصار تنطف لحيته من وضوئه قد علق نعليه في يده الشمال فسلم، فلما كان من الغد، قال النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك فطلع الرجل مثل مرته الأولى، فلما كان اليوم الثالث قال النبي صلى الله عليه وسلم مثل مقالته فطلع ذلك الرجل على مثل حاله الأول، فلما قام النبي صلى الله عليه وسلم تبعه عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه فقال: إني لاحيت أبي فاقسمت أن لا أدخل عليه ثلاثاً فإن رأيت أن تأويني إليك حتى تمضي الثلاث فعلت قال: نعم.

قال أنس: فكان عبد الله يحدث أنه بات معه ثلاث ليال فلم يره يقوم إلا لصلاة الفجر، وإذا تقلب على فراشه ذكر الله وكبره، ولا يقول إلا خيراً.

فلما مضى الثلاث ليال وكدت احتقر عمله قلت يا عبد الله: لم يكن بيني وبين والدي غضب ولا هجرة، ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يطلع الآن عليكم رجل من أهل الجنة فطلعت أنت الثلاث مرات، فأردت أن آوي إليك فأنظر ما عملك فلم أرك تعمل كثير عمل، فلما وليت دعاني فقال: ما هو إلا ما رأيت غير أني لا أجد في نفسي غشاً على أحد من المسلمين ولا أحسده على خير أعطاه الله إياه.

قال عبد الله: فهذه التي بلغت بك وهي التي لا تطاق» .

وأخرج البيهقي عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الصلاة نور، والصيام جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، والحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب» .

وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كاد الفقر أن يكون كفراً، وكاد الحسد أن يغلب القدر» .

وأخرج البيهقي في الشعب عن الأصمعي رضي الله عنه قال: بلغني أن الله عز وجل يقول: الحاسد عدو نعمتي، متسخط لقضائي، غير راض بقسمتي التي قسمت بين عبادي.

وأخرج ابن أبي شيبة عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الحسد ليأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب» .

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ﴾ قال الكلبي (١) (٢)  - في إحدى عشر عقدة في وتر، ودسه في بئر يقال لها ذَرْوَان (٣)  -، (واشتد) (٤) (٥)  فجابها، فقال جبريل للنبي -  - حل عقدة واقرأ آية، ففعل، وجعل كلما يقرأ آية انحلت عقدة، وذهب عنه ما كان يجده.

وهذه القصة صحيحة (٦) والمعتزلة تنكرها (٧)  - مسحورًا، لأن الكفار كانوا يعيرونه بذلك، فلو قلنا: إنه سحر، وجوزنا ذلك كنا قد جاوزنا ما عير به.

والجواب: أن هذه القصة قد ثبتت (قصتها) (٨) ﴿ وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ ﴾ يعني اللاتي ينفثن بالرقي والعزائم، فلولا أن لشرهن تأثيرًا وإلا لم يؤمر بالاستعاذة من شرهن.

ولا يجوز أن يكون النبي -  -مسحورًا على الوجه الذي عيره به الكفار (٩) (١٠) (١١) (١٢) (١٣) واختلفوا في معنى "الفلق" فالأكثرون على أنه الصبح، وهو قول جابر (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) (وقال في رواية الوالبي يعني الخلق (٢٣) (٢٤) (٢٥) (٢٦) وروى (مهاجر الشامي (٢٧) (٢٨) (٢٩)  - قال: الفلق بيت في النار إذا فتح صاح أهل النار من شدة حره (٣٠) (٣١) وقال (أبو عبد الرحمن) (٣٢) (٣٣) (٣٤) (٣٥) وقال أبو إسحاق: الفلق الصبح وبيانه، يقال: هو أبين من فلق الصبح (٣٦) -قال- وقيل الفلق: الخَلْق قال الله تعالى: ﴿فَالِقُ (الْإِصْبَاح) (٣٧) ﴿ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى  ﴾ وكذلك فلق الأرض بالنبات، والسحاب بالقطر، وإذا تأملت الخلق تبين لك أن أكثره عن (٣٨) (٣٩) وروى عمرو عن أبيه: الفلق جهنم، والفلق بيان الصبح (٤٠) (١) "معالم التنزيل" 4/ 546، و"لباب النقول": ص 238 - 239 من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس.

(٢) "تفسير مقاتل" 257 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 246.

(٣) بياض في (ع).

(٤) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(٥) في (أ): (على).

(٦) وردت في: "صحيح البخاري" من طريق هشام عن أبيه عن عائشة -  ا- قال: كان رسول الله -  - سُحِرَ حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن.

قال سفيان: وهذا أشد ما يكون من السحر إذا كان كذا.

فقال: يا عائشة أعلمت أن الله قد أفتاني فيما استفتيه فيه؟

أتاني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجلي، فقال الذي عند رأسي للآخر: ما بال الرجل؟

قال: مطبوب.

قال: ومن طبَّه؟

قال لبيد بن أعصم رجل من بني زُريق حليف ليهود كان منافقًا.

قال: وفيم؟.

قال في مشط ومشاطة.

قال: وأين؟

قال في جُف طلعةٍ ذكر تحت رعوفة في بئر ذَرْوان.

قالت: فأتى النبي -  - البئر حتى استخرجه.

فقال هذه البئر التي أريتها، وكأن ماءها نقاعة الحناء، وكان نخلها رؤوس الشياطين.

قال: فاستخرج.

قالت: فقلت أفلا -أي تنشرت- فقال: أما والله فقد شفاني، وأكره أن أثير على أحد من الناس شرًّا.

"صحيح البخاري" 4/ 48 - 49: ح 5763.

5765: باب 47، 49، 50، ج 2/ 437: ح 3268: كتاب بدء الخلق: باب 11.

ومسلم في "صحيحه": 4/ 1719: ح 43، 44 مختصرًا: كتاب السلام: باب 17 ومن خلال ما ورد في الصحيحين يتبين أنه ليس فيه ما يدل على نزول المعوذتين على الرسول -  - عندما سحر.

قال ابن حجر: وقد وقع في حديث ابن عباس فيما أخرجه البيهقي في: الدلائل: بسند ضعيف في آخر قصة السحر الذي سحر به النبي -  - أنهم وجدوا وترًا فيه إحدى عشرة عقدة، وأنزلت سورة الفلق، والناس وجعل كلما قرأ آية انحلت عقده.

وأخرجه ابن سعد بسند آخر منقطع عن ابن عباس: أن عليا وعمارًا لما بعثهما النبي -  - لاستخراج السحر وجدا طلعة فيها إحدى عشرة عقدة فذكر نحوه.

فتح البارى: 10/ 225.

وقد وردت قصة سحر النبي -  -، وأن ذلك كان سببًا في نزول المعوذتين في "أسباب النزول": تح: ايمن ص 410، و"لبات النقول": 238 - 239، و"الكشف والبيان" == 13/ 192/ 1، و"معالم التنزيل" 4/ 546، و"زاد المسير" 8/ 332، و"معاني القرآن" للفراء 3/ 301 قال ابن كثير تعليقًا على رواية الثعلبي: هكذا أورده بلا إسناد، وفيه غرابة وفي بعضه نكارة شديدة، ولبعضه شواهد.

"تفسير القرآن العظيم" 4/ 615 "الدر المنثور" 8/ 687 وعزاه إلى ابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن عائشة وابن عباس.

(٧) قال المازني: أنكر بعض المبتدعة هذا الحديث، وزعموا أنه يحط من منصب النبوة ويشكك فيها -ثم قال- وهذا كله مردود.

"فتح الباري" 10/ 226 وقال ابن القيم: وهذا الحديث -يعني الذي في الصحيح- ثابت عند أهل العلم بالحديث يتلقى بالقبول بينهم لا يختلفون في صحته، وقد اعتاص على كثير من أهل الكلام وغيرهم، وأنكروه أشد الإنكار، وقابلوه بالتكذيب.

"تفسير المعوذتين" تحقيق مصطفى العدوي 57 - 58 وقد أنكره أيضًا الجصاص في "أحكام القرآن" 1/ 49.

(٨) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(٩) نحو ما جاء في قوله تعالى: ﴿ وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا  ﴾ ، وكقوله تعالى: ﴿ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ  ﴾ .

(١٠) شج: أي حصل جرح في رأسه الشريف، والجراحة إذا كانت في الوجه أو الرأس تسمى شجة.

"حاشية صحيح مسلم" 3/ 1417.

(١١) الرباعية: هي السن التي تلي الثنية من كل جانب وللإنسان أربع رباعيات.

"شرح صحيح مسلم" 12/ 390.

(١٢) أخرج مسلم في "صحيحه" 3/ 1417: ح 104: كتاب الجهاد والسير: باب 37 عن أنس أن الرسول -  - كسرت رباعيته يوم أحد، وشج في رأسه، فجعل يسلت الدم عنه ويقول: كيف يفلح قوم شجوا نبيهم، وكسروا رباعيته وهو يدعوهم إلى الله فأنول الله عَزَّ وَجَلَّ ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ﴾ (١٣) قال القاضي عياض عن بعض المحققين: وهذه الطوارئ والتغييرات المذكورة، إنما تختص بأجسامهم البشرية المقصود بها مقاومة البشر ومعاناة بني آدم لمشاكله الجنس وأما بواطنهم فمنزهة غالبًا من ذلك معصومة منه متعلقة بالملأ الأعلى والملائكة لأخذهم عنهم وتلقيها الوحي.

"الشفاء" 2/ 863.

(١٤) "جامع البيان" 30/ 350، و"الكشف والبيان" 13/ 192 ب، و"النكت والعيون" 6/ 374، و"معالم التنزيل" 4/ 547، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 254، و"البحر المحيط" 8/ 530، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 613.

(١٥) المراجع السابقة عدا "النكت"، وانظر أيضًا: "المحرر الوجيز" 5/ 538، و"تفسير سعيد بن جبير" ص 383.

(١٦) "الكشف والبيان" 13/ 192/ 2، و"معالم التنزيل" 4/ 247، و"المحرر الوجيز" 5/ 538، و"زاد المسير" 8/ 333، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 254، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 613، و"تفسير الحسن البصري" 2/ 445.

(١٧) "المحرر الوجيز" 5/ 538.

(١٨) "جامع البيان" 30/ 350، و"تفسير الإمام مجاهد" 761، و"الكشف والبيان" 13/ 192 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 547، و"المحرر الوجيز" 5/ 538، و"زاد المسير" 8/ 333، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 254، و"البحر المحيط" 8/ 530، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 613.

(١٩) "تفسير عبد الرزاق" 2/ 408، و"جامع البيان" 30/ 350، و"معالم التنزيل" 4/ 547، و"المحرر الوجيز" 5/ 538، و"زاد المسير" 8/ 333.

(٢٠) لم أعثر على مصدر لقوله من طريق عطاء.

(٢١) "جامع البيان" 30/ 350، و"الكشف والبيان" 13/ 192 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 547، وذكرت رواية ابن عباس من غير بيان طريقها في: "البحر المحيط" 8/ 530، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 613، و"الدر المنثور" 8/ 688 وهذا القول رجحه الطبري، وابن كثير، والبخاري في "صحيحه"، وعزاه الفخر إلى أكثر المفسرين 32/ 190.

(٢٢) ما بين القوسين ذكر بدلاً من ذكرهم عبارة (وجماعة) وذلك في (أ).

(٢٣) "جامع البيان" 30/ 351، و"الكشف والبيان" 13/ 192 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 547 حاشية، و"لباب التأويل" 4/ 429، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 613، و"الدرالمنثور" 8/ 689 وعزاه إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم، "صحيفة علي بن أبي طلحة": ص 544.

(٢٤) "الكشف والبيان" 13/ 192 ب، وانظر إضافة: "النكت والعيون" 6/ 374، و"معالم التنزيل" 4/ 547، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 613.

(٢٥) "تفسير مقاتل" 257 ب.

(٢٦) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(٢٧) مُهاجر الشامي: هو مهاجر بن أبي مسلم، واسمه دينار الشامي الأنصاري.

روى عن تُبيع الحميري بن امراة كعب الأحبار، وعنه ابناه محمد، وعمرو مقبول من الثالثة.

كتاب الثقات: 5/ 427، و"تهذيب الكمال" 28/ 582: ت 6217، و"تقريب التهذيب" 2/ 278، ت: 1411.

(٢٨) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(٢٩) ساقط من (أ).

(٣٠) وردت الرواية عن كعب الأحبار في: "بحر العلوم" 3/ 526، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 613 وورد في: "الكشف والبيان" 13/ 192 ب من طريق هشيم بن العوام عن عبد الجبار الحولاني عن رجل من أصحاب رسول الله -  -، وفي "الجامع لأحكام القرآن" عن أبي بن كعب: 20/ 254، وفي "البحر المحيط" 8/ 530 وعزاه إلى أحد الصحابة، وقد أورد ابن كثير الرواية وعزاه إلى ابن أبي حاتم وأسندها أيضًا إلى عمر بن عنبسة وابن عباس والسدي وزيد بن علي عن آبائه -ثم قال- وقد ورد في ذلك حديث مرفوع منكر إسناده غريب ولا يصح رفعه.

وقال ابن تيمية: وأما من قال إنه واد في جهنم أو شجرة في جهنم أو إنه اسم من أسماء جهنم، فهذا أمر لا تعرف صحته لا بدلالة الاسم عليه، ولا بنقل عن النبي -  - ولا في تخصيص ربوبيته بذلك حكمه بخلاف ما إذا قال: رب الخلق أو رب كل ما انفلق أو رب النور الذي يظهر على العباد بالنهار، فإن تخصيص هذا بالذكر ما يظهر به عظمة الرب المستعاذ به.

"مجموع الفتاوى" 17/ 505.

(٣١) "الكشف والبيان" 13/ 193 أ، و"زاد المسير" 8/ 333، و"البحر المحيط" 8/ 350 وعزاه إلى أحد التابعين، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 613.

(٣٢) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(٣٣) أبو عبد الرحمن الحبلي: هو عبد الله بن يزيد المعافري أبو عبد الرحمن الحُبُلي المصري -وعن ابن سعد الجبلي بالجيم- روى عن عبد الله بن عمر ثقة من الثالثة، مات سنة 100 بإفريقية "الطبقات الكبرى" 7/ 511، و"تهذيب الكمال" 16: 316/ ت 3663، "تقريب بالتهذيب" 1/ 462: ت 749.

(٣٤) وقد ورد قوله في "جامع البيان" 30/ 350، و"الكشف والبيان" 13/ 192 ب، و"النكت والعيون" 6/ 374، و"زاد المسير" 8/ 333، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 254، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 613.

(٣٥) ساقط من (أ).

(٣٦) هذا من أمثلة العرب راجع في ذلك: "جمهرة الأمثال" 1/ 205 رقم 348، و"مجمع الأمثال"1/ 208: رقم 597.

(٣٧) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(٣٨) في (أ): (على).

(٣٩) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 379.

(٤٠) "تهذيب اللغة" 9/ 157 برواية ثعلب عن عمرو عن أبيه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفلق ﴾ تقدم معنى أعوذ في التعوذ ومعنى رب اللغات والفاتحة، وفي الفلق ثلاثة أقوال: أنه الصبح ومنه فالق الإصباح قال الزمخشري: هو فعل بمعنى مفعول، الثاني: أنه كل ما يفلقه الله كفلق الأرض عن النبات والجبال عن العيون، والسحاب عن المطر والأرحام عن الأولاد والحب والنوى وغير ذلك، الثالث: أنه جُبٌ في جهنم.

وقد رُوي هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ مِن شَرِّ مَا خَلَقَ ﴾ هذا عموم في جميع المخلوقات وشرهم أنواع كثيرة، أعاذنا الله منها.

وما هنا موصلة أو موصوفة أو مصدرية ﴿ وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ ﴾ فيه سبعة أقوال، الأول: أنه الليل إذا أظلم ومنه قوله تعالى: ﴿ إلى غَسَقِ اليل ﴾ [الإسراء: 78] وهذا قول الأكثرين، وذلك ظلمة الليل ينتشر عندها أهل الشر من الأنس والجن، ولذلك قال في المثل: الليل أخفى للويل.

الثاني: أنه القمر.

خرَّج النسائي «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى القمر فقال: يا عائشة استعيذي بالله من شر هذا، فإنه الغاسق إذا وقب» ووقوبه هذا كسوفه، لأن وقب في كلام العرب يكون بمعنى الظلمة والسواد وبمعنى الدخول فالمعنى إذا دخل في الكسوف أو إذا أظلم به.

الثالث: أنه الشمس إذا غربت والوقوب على هذا المعنى الظلمة أو الدخول.

الرابع: أن الغاسق النهار إذا دخل في الليل، وهذا قريب من الذي قبله، الخامس: أن الغاسق سقوط الثريا وكانت الأسقام والطاعون تهيج عنده، وروي ن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: النجم هو الغاسق فيحتمل أن يريد الثريا السادس: قال الزمخشري: يجوز أن يراد بالغاسق الأسود من الحيات ووقبه ضربه السابع: أنه إبليس حكى ذلك السهيلي ﴿ وَمِن شَرِّ النفاثات فِي العقد ﴾ النفث شبه النفخ دون تفل وريق قاله ابن عطية، وقال الزمخشري: هو النفخ مع ريق وهذا النفث ضرب من السحر وهو: أن ينفث علىعقد تعقد في خيط أو نحوه على اسم مسحور فيضره ذلك، وحكى ابن عطية أنه حدثه ثقة أنه رأى عند بعض الناس بصحراء المغرب خيطاً أحمر قدعقدت فيه عقد على فُصْلان وهي أولاد الإبل فمنعها بذلك من رضاع أمهاتها، فكان إذا حل عقدة جرى ذلك الفصيل إلى أمه فرضع في الحين قال الزمخشري: إن في الاستعاذة من النفاثات ثلاثة أوجه: أحدها: أن يستعاذ من مثل عملهن وهو السحر، من ائتمن في ذلك.

والثاني: أن يستعاذ من خداعهن للناس وفتنتهن والثالث: أن يستعاذ مما يصيب من الشر عند نفثهن.

والنفاثات بناء مبالغة والموصوف محذوف تقديره: النساء النفاثات، والجماعة النفاثات، أو النفوس النفاثات، والأول أصح لأنه روي أنه إشارة إلى البنات لبيد من الأعصم اليهودي، وكنَّ ساحرات سحرن هن وأبوهن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعقدن له إحدى عشر عقدة، فأنزل الله المعوذتين إحدى عشر آية بعدد العقد وشفى الله رسوله صلى الله عليه وسلم، فإن قيل: لم عرّف النفاثات بالألف واللام ونكر ما قبله وهو غاسق وما بعده وهو حاسد مع أن الجميع مستعاذ منه؟

فالجواب: أنه عرف النفاثات ليفيد العموم لأنه كل نفاثة شريرة بخلاف الغاسق والحاسد فإن شرهما في بعض دون بعض.

﴿ وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ ﴾ الحسد خُلُق مذموم طبعاً وشرعاً، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب» وقال بعض العلماء: الحسد أول معصية عُصِيَ الله بها في السماء والأرض أما في السماء فحسد إبليس لآدم وأما في الأرض فقتل قابيل لأخيه هابيل بسبب الحسد، ثم إن الحسد على درجات.

الأولى: أن يحب الإنسان زوال النعمة عن أخيه المسلم وإن كانت لا تنتقل إليه بل يكره إنعام الله على غيره ويتألم به.

الثانية: أن يحب زوال تلك النعمة لرغبته فيها وجاء انتقالها إليه.

الثالثة: أن يتمنى لنفسه مثل تلك النعمة من غير أن يحب زوالها عن غيره وهذا جائز وليس بحسد وإنما هو غبطة.

والحاسد يضر نفسه ثلاث مضرات: أحدها: اكتساب الذنوب لأن الحسد حرام.

الثانية: سوء الأدب مع الله تعالى، فإن حقيقة الحسد كراهية إنعام الله على عبده واعتراض على الله في فعله.

الثالثة: تألم قلبه من كثرة همه وغمه.

فنرغب إلى الله أن يجعلنا محسودين لا حاسدين، فإن المحسود في نعمة والحاسد في كرب ونقمة، والله در القائل: وإني لأرحم حسَّادي لفرط ما ** ضمَّت صدورهمُ من الأوغار نظروا صنيع الله بي فعيونهم ** في جنة وقلوبهم في نار وقال آخر: إن يحسدوني فإني غيرُ لائمهم ** قبلي من الناس أهلَ الفضل قد حسدوا فدام لي ولهم ما بي وما بِهمُ ** وماتَ أكثرنا غيضاً بما يجدُ ثم إن الحسود لا تزال عداوته ولا تنفع مداراته وهو ظالم يشاكي كأنه مظلوم، ولقد صدق القائل: كل العداوة قد ترجى إزالتها ** إلا عداوة من عاداك من حسد وقال حكيم الشعراء: وأظلم خلق الله من بات حاسداً ** لمن بات في نعمائه يتقلب قال ابن عطية: قال بعض الحذاق: هذه السورة خمس آيات وهي مراد الناس بقولهم للحاسد الذي يخاف منه العين: الخمسة على عينك، فإن قيل: إذا وقب، وإذا حسد فقيد بإذا التي تقتضي تخصيص بعض الأوقات؟

فالجواب: أن شر الحاسد ومضرته إنما تقع إذا أمضى حسده، فحيئنذ يضر بقوله أو بفعله أو بإصابته بالعين، فإن عين الحسود قاتلة.

وأما إذا لم يمض حسده ولم يتصرف بمقتضاه فشره ضعيف ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثلاث لا ينجو منهم أحد: الحسد والظن والطيرة فمخرجه من الحسد أن لا يبقى ومخرجه من الظن أن لا يحقق ومخرجه من الطيرة ألا يرجع، فلهذا خصه بقوله إذا وقب، فإن قيل: إن قوله من شر ما خلق عموم يدخل تحته كل ما ذكر بعده فلأي شيء ذكر ما بعده؟

فالجواب: أن هذا من التجريد للاعتناء بالمذكور بعد العموم، ولقد تأكد ما ذكر في هذه السورة بعد العموم بسبب السحر الذي سحر اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم وشدة حسدهم له.

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

الوقوف: ﴿ الفلق ﴾ ه لا ﴿ خلق ﴾ ه لا ﴿ وقب ﴾ ه لا ﴿ العقد ﴾ ه لا ﴿ حاسد ﴾ ﴿ إذا حسد ﴾ ه.

التفسير: لما أمره بقراءة سورة الإخلاص تنزيهاً له عما لا يليق به في ذاته وصفاته وكان ذلك من أشرف الطاعات، أمره أن يستعيذ به من شر من يصده عن ذلك كالمشركين وكسائر شياطين الإنس والجن.

يروى أن جبرائيل أتاه وقال: إن عفريتاً من الجن يكيدك فقل إذا أتيت على فراشك: أعوذ برب الفلق أعوذ برب الناس.

وعن سعيد بن المسيب أن قريشاً قالوا نتجوع فنعين محمداً ففعلوا ثم أتوه وقالوا: ما أشدّ عضدك وأقوى ظهرك وأنضر وجهك!

فأنزل الله المعوّذتين.

وقال جمهور المفسرين: إن لبيد بن الأعصم اليهودي سحر النبي  في إحدى عشرة عقدة في وتر ودسه في بئر ذي أروان، فمرض النبي  واشتدّ ذلك عليه ثلاث ليال فنزلت المعوّذتان، وأخبره جبرائيل بموضع السحر فأرسل علياً بطلبه وجاء به وقال جبرائيل: اقرأ السورتين.

فكان كلما يقرأ آية تنحل عقدة فيجد بعض الراحة والخفة، حتى إذا أتمهما فكأنما أنشط من عقال.

طعنت المعتزلة في هذه الرواية بأنها توجب تسلط الكفار والأشرار على الأنبياء.

وأيضاً لو صححت لصح قولهم ﴿ إن تتبعون إلا رجلاً مسحوراً  ﴾ والجواب أن التسليط الكلي بحيث يمنعه عن تبليغ الرسالة لا يجوز، ولكن لا نسلم أن بعض الأضرار في بدنه لا يجوز لا سيما وقد تداركه الله  بفضله وخصوصاً إذا كان فيه لطف لغيره من أمته حتى يفعلوا في مثل تلك الواقعة كما فعل، ولهذا استدل أكثر العلماء على أنه يجوز الاستعانة بالرقى والعوذ ويؤيده ما روي أن رسول الله  قال " "بسم الله أرقيك من كل يؤذيك والله يشفيك " وعن ابن عباس كان رسول الله  يعوّذ الحسن والحسين  ما بقوله " أعيذكما بكلمات الله التامّه من كل شيطان وهامّه ومن كل عين لامّه " ويقول هكذا كان أبي إبراهيم يقول لابنيه إسماعيل وإسحق.

وعنه كان رسول الله  يعلمنا من الحمى والأوجاع كلعا " "بسم الله الكريم أعوذ بالله العظيم ومن شر كل عرق نعار ومن شر حرّ النار" وعن علي  كان النبي  إذا دخل على مريض قال " "أذهب البأس رب الناس أشف أنت الشافي لا شافي إلا أنت " وروي أنه  كان إذا سافر فنزل منزلاً يقول " يا أرض ربي وربك الله أعوذ بالله من شرّك ومن شرّ ما فيك وشرّ ما يخرج منك ومن شرّ ما يدب عليك، وأعوذ بالله من شرّ أسد وأسود وحية وعقرب، ومن شرّ ساكن البلد ووالد ما ولد " وعن عائشة كان النبي  إذا اشتكى شيئاً من جسده قرأ قل هو الله أحد والمعوّذتين في كفه اليمنى ومسح بها المكان الذي يشتكي.

"وروي أنه  دخل على عثمان بن مظعون فعوّذه بـ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ وبهاتين السورتين.

ثم قال: تعوّذ بهن فما تعوّذت بخير منها" .وأما قول الكفار إنه مسحور فإنما أرادوا به الجنون والسحر الذي أثر في عقله ودام مع فلذلك وقع الإنكار عليهم.

ومن الناس من لم يرحض في الرقى لرواية جابر نهى النبي  عن الرقة وقال " "إن لله عباداً لا يكتوون ولا يسترقون وعلى ربهم يتوكلون " وأجيب بأن النهي وارد على الرقى المجهولة التي يفهم معناها.

واختلف في التعليق؛ فروى أنه  قال " "من علق شيئاً وكل إليه" وعن ابن مسعود أنه رأى على أم ولده تميمه مربوطة بعضدها فجذبها جذباً عنيفاً فقطعها.

ومنهم من حوزه؛ سئل الباقر  عن التعويذ يعلق على الصبيان فرخص فيه.

واختلفوا في النفث أيضاً فروي عن عائشة أنها قالت: كان النبي  ينفث على نفسه إذا اشتكى بالمعوذات ويمسح بيده، فلما اشتكى رسول الله  وجعه الذي توفي فيه طفقت أنفث عليه  بالمعوّذات التي كان ينفث بها على نفسه.

وعنه  أنه كان إذا أخذ مضجعه نفث في يديه وقرأ فيهما بالمعوّذات ثم مسح جسده.

ومنهم من أنكر النفث؛ عن عكرمة: لا ينبغي للراقي أن ينفث ولا يمسح ولا يعقد.

وعن إبراهيم: كانوا يكرهون النفث في الرقى.

وقال بعضهم: دخلت على الضحاك وهو وجع فقلت: ألا أعوّذك يا أبا محمد؟

قال: بلى ولكن لا تنفث فعوّذته بالمعوّذتين.

قال بعض العلماء: لعلهم كرهوا النفث لأن الله تعالى جعل النفث مما يستعاذ منه فوجب أن يكون منهياً عنه.

وقال بعضهم: النفث في العقد المنهي عنه هو الذي يكون سحراً مضراً بالأرواح والأبدان، وأما الذي يكون لإصلاح الأرواح والأبدان فيجب أن لا يكون حراماً.

سؤال: كيف قال في افتتاح القراءة ﴿ فاستعذ بالله  ﴾ وقال ههنا ﴿ أعوذ برب ﴾ دون أن يقول " بالله "؟

وأجيب بأن المهم الأوّل أعظم من حفظ النفس والبدن عن السحر والوسوسة فلا جرم ذكر هناك الاسم الأعظم، وأيضاً الشيطان يبالغ في منع الطاعة أكثر مما يبالغ في إيصال الضرر إلى النفس وأيضاً كأن العبد يجعل تربيته السابقة وسيلة في التربية اللاحقة.

وفي الفلق وجوه؛ فالأكثرون على أنه الصبح من قوله ﴿ فالق الإصباح  ﴾ وخص ههنا بالذكر لأنه أنموذج من صبح يوم القيامة ولأنه وقت الصلاة والجماعة والاستغفار ﴿ إن قرآن الفجر كان مشهوداً ﴾ وفيه إشارة إلى أن القادر على إزالة الظلمة عن وجه الأرض قادر على دفع ظلمة الشرور والآفات عن العبد بصلاح النجاح.

روي أن يوسف  حين ألقي في الجبّ وجعت ركبته وجعاً شديداً فبات ليلته ساهراً، فلما قرب طلوع الصبح نزل جبرائيل  يسليه ويأمره بأن يدعو ربه فقال: يا جبرائيل ادع أنت وأؤمن أنا.

فدعا جبرائيل فأمن يوسف فكشف الله ما كان به من الضرّ، فلما حصل له الراحة قال: يا جبرائيل أنا أدعو وتؤمن أنت فسأل يوسف ربه أن يكشف الضرّ عن جميع أهل البلاء في ذلك الوقت، فلا جرم ما من مريض إلا ويجد نوع خفة في آخر الليل.

وروي أن دعاءه في الجبّ: يا عدّتي عند شدتي، ويا مؤنسي في وحشتي، ويا راحم غربتي، ويا كاشف كربتي، ويا مجيب دعوتي، ويا إلهي وإله آبائي إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب، راحم صغر سني، وضعف ركني، وقلة حيلتي، يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام.

وقل: هو كل ما يفلقه الله كالأرض عن النبات ﴿ إن الله فالق الحب والنوى  ﴾ والجبال عن العيون ﴿ وإن منها لما يتفجر منه الأنهار  ﴾ والسحاب عن المطر، والأرحام عن الأولاد، والقبض عن البسط، والشدّة عن الفرج، والقلوب عن المعارف.

وقيل: هو واد في جهنم إذا فتح صاح جميع من في جهنم من شدّة حره كأن العبد قال: يا صاحب العذاب الشديد أعوذ برحمتك التي هي أعظم وأكمل وأسبق وأقدم من عذابك.

وصاحب هذا القول زعم أن المراد من شر ما خلق أي من شدائد ما خلق فيها.

وعن ابن عباس: يريد إبليس خاصة لأن الله  لم يخلق خلقاً هو شرّ منه.

ويدخل فيه الاستعاذة من السحرة لأنهم أعوانه وجنوده.

وقل: أراد أصناف الحيوانات المؤذية من الهوام والسباع.

وقيل: الأسقام والآفات والمحن فإنها شرور إضافية وإن جاز أن تكون خيرات باعتبارات أخر والكل بقدر كما مر في مقدمة الكتاب في تفسير الاستعاذة.

وذكر في الغاسق وجوه؛ فعن الفراء وأبي عبيدة: هو الليل إذا جنّ ظلامه ومنه غسقت العين أو الجراحة إذا امتلأت دمعاً أو دماً.

وقال الزجاج: هو البارد وسمي الليل غاسقاً لأنه أبرد من النهار، فعلى هذا لعله أريد به الزمهرير.

وقال قوم: هو السائل من قولهم غسقت العين تغسق غسقاً إذا سالت بالماء، وسمي الليل غاسقاً لانصباب ظلامه على الأرض.

قلت: ولعل الاستعاذة على هذا التفسير إنما تكون من الغساق في قوله  ﴿ إلا حميماً وغساقاً  ﴾ والوقوب الدخول في الشيء بحيث يغيب عن العين.

هذا من حيث اللغة.

ثم أن الغاسق إذا فسر بالليل فوقوبه دخوله وهو ظاهر.

ووجه التعوذ من شره أن السباع فيه تخرج من آجامها والهوام من مكامنها، وأهل الشر والفتنة من أماكنها، ويقل فيه الغوث ولهذا قالت الفهقاء: لو شهر أحد سلاحاً على إنسان ليلاً فقتله المشهور عليه لم يلزمه قصاص ولو كان نهاراً لزمه لوجود الغوث.

وقد يقال: إنه تنشر في الليل الأرواح المؤذية المسماة بالجن والشياطين، وذلك لأن قوة الشمس وشعاعها كأنها تقهرهم، أما في الليل فيحصل لهم نوع استيلاء.

وعن ابن عباس: هو ظلمة الشهوة البهيمية إذا غلبت داعية العقل.

قال ابن قتيبة: الغاسق القمر لأنه يذهب ضوءه عند الخسوف، ووقوبه دخوله في ذلك الاسوداد.

"وعن عائشة أن رسول الله  أخذ بيدها وقال لها: استعيذي بالله من شر هذا فإنه الغاسق إذا وقب" ، وعلى هذا التفسير يمكن تصحيح قول الحكيم إن القمر جرم كثيف مظلم في ذاته لكنه يقبل الضوء عن الشمس ويختلف حاله في ذلك بحسب قربه منها وبعده عنها.

ووقوبه إما دخوله في دائرة الظلام في الخسوفات، وإما دخوله تحت شعاع الشمس في آخر كل شهر، وحينئذ يكون منحوساً قليل القوة ولذلك تختار السحرة ذلك الوقت للتمريض والإضرار والتفريق ونحوها.

وقيل: الغاسق الثريا إذا سقط في المغرب.

قال ابن زيد: وكانت الأسقام تكثر حينئذ.

وقال في الكشاف: يجوز أن يراد به الأسود من الحيات ووقبه خربه ونقبه.

وقيل: هو الشمس إذا غابت وسميت غاسقاً لسيلانها ودوام حركتها.

وأما النفث فهو النفخ بريق.

وقيل: النفخ فقط.

والعقد جمع عقدة.

والسبب فيه أن الساحر إذا أخذ في قراءة الرقية أخذ خيطاً ولا يزال يعقد عليه عقداً بعد عقد وينفث في تلك العقد.

ووجه التأنيث إما الجماعة لأن اجتماع السحرة على عمل واحد أبلغ تأثيراً، وإما لأن هذه الصناعة إنما تعرف بالنساء لأنهن يعقدن وينفثن وذلك أن الأصل الكلي في ذلك الفن هو ربط القلب وتعليق الوهم بذلك الأمر وأنه في النساء أوفر لقلة علمهن وشدّة شهوتهن.

وقال أبو عبيدة: إنهن بنات لبيد بن الأعصم اليهودي اللاتي سحرن النبي  .

وقال أبو مسلم: العقد عزائم الرجال والنفث حلها لأن من يريد حل عقدة الحبل ينفث عليه بريق يقذفه عليه ليصير حله سهلاً.

والمعنى: إن النساء لكثرة حيلهن يتصرفن في عزائم الرجال يحوّلنهم من رأي إلى رأي ومن عزيمة إلى عزيمة، فأمر الله رسوله بالتعوّذ من شرهن، وهذا القول مناسب لما جاء في مواضع أخر من القرآن ﴿ إن من أزواجكم وأولادكم عدوّاً لكم فاحذروهم  ﴾ ﴿ إن كيدكن عظيم  ﴾ والاستعاذة منهن الاستعاذة من إثم عملهن، أو من فتنتهن الناس بسحرهن، أو من إطعامهن الأطعمة الردية المورثة للجنون، و الموت.

والحاسد هو الذي تشتد محبته لإزالة نعمة الغير إليه حتى لو تمكن من ذلك بالحيل لفعل فلذلك أمر الله رسوله  بالتعوذ منه.

وقد دخل في هذه السورة كل شر يتوقى ويتحرّز منه ديناً ودنيا فلذلك لما نزلت فرح رسول الله  بها لكونها مع أختها جامعة في التعوذ من كل شيء بل قوله ﴿ من شر ما خلق ﴾ عام والبواقي تخصيص بعد تعميم تنبيهاً على أنها أعظم الشرور، وأهم شيء يستعاذ منه.

وعرفت النفاثات لأن كل نفاثة شريرة.

ونكر ﴿ غاسق ﴾ و ﴿ حاسد ﴾ لأنه ليس كل غاسق بشره بل الليل للغاسقين شر وليس كل حسد مذموماً بل منه ما هو خير كما قال  " لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله القرآن فقام به آناء الليل وآناء النهار ورجل أعطاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار" وفائدة الظرف هو قوله ﴿ إذا حسد ﴾ أنه لا يستعاذ من الحاسد من جهات أخرى ولكن من هذه الجهة، ولو جعل الحاسد بمعنى الغابط أو بمعنى أعم وقوله ﴿ حسد ﴾ بالمعنى المذموم كان له وجه.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلْفَلَقِ ﴾ : قال الفقيه - رحمه الله -: الأمر بالتعوذ به يحتمل وجوها ثلاثة: أحدها: على التعليم، لا النازلة كانت في ذلك الوقت؛ لكن لما علم الله -  - من عظيم شر من ذكر بما يظن الأغلب أن شر ما ذكر يتصل بالذي ذكر في علم الله  ؛ فأمرهم بالتعوذ به، كما أخبر في أمر الشيطان: أنه عدو لهم، وأنه يراهم من حيث لا يرونه؛ ليكونوا أبدا معدين متيقظين فزعين إلى الله -  - معتصمين، هذا أحق في التعليم من الذي ذكر في سورة الناس؛ لأنه أضر من ذلك العدو؛ لأن ضرره إنما يتصل به بإتيانه ما دعاه إليه الشيطان، وما يوسوس في صدره الوسواس، وذلك فعله يمكنه الامتناع عنه، وهذا الضرر يقع بفعل غيره من وجه لا يعلم مأتاه - أعني: شر النفاثات ونحو ذلك - فهو أحق في تعليم العباد فيه، والأمر بالفزع إلى من بلطفه جعل ذلك الفعل ممن ذكرنا معمولا فيه مؤثرا.

والثاني: ما قيل: "نزل جبريل -  - على رسول الله  [فقال]: إن عفريتا من الجن يكيدك؛ فتعوذ بأعوذ برب الفلق، وبرب الناس من شره إذا أويت إلى الفراش" والثالث: قيل: إن واحدا من اليهود سحر رسول الله  ، فنزل هذا.

قال أبو بكر الأصم: ذكروا في [هذه السورة] حديثا فيه ما لا يجوز؛ فتركته.

قال الفقيه - رحمه الله -: ولكن عندنا فيما قيل: إن رسول الله  سحر - وجهان في إثبات [رسالته ونبوته].

أحدهما: بما أعلمه بالوحي أنه سحر، وذلك فعل فعلوه سرا منه، ولا وقوف لأحد على الغيب إلا بالوحي.

والثاني: بما أبطل عمل السحر بتلاوة القرآن؛ فيصير لتلاوته في إبطال عمل السحر ما لعصا موسى -  - وأن هذا في كمونه آية أعظم مما فعل موسى  ؛ لأن ذلك يتنوع بتنوع ما له الفعل والعمل من حيث الجوهر والطبع من حيث مرأى العين؛ فإنه ثعبان يلقف ما صنعوا.

فأما إبطال السحر وعمله بتلاوته القرآن لا يكون إلا باللطف من الله  ، والله أعلم.

ثم الأصل في هذا عندنا: أنه قد ثبت الأمر بالتعوذ بقوله: ﴿ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلْفَلَقِ ﴾ ، وقد بينا حق الاشتراك فيما يتضمن هذا الأمر إن كان على نازلة في واحد، أو على ابتداء التعليم، فهو أمر فيه رجاء للفرج والمخرج من الأمور الضارة بما يعتصم فيها بالله -  - بما عنده من اللطائف؛ فجائز تمكينه من أمور ضارة باللطف من حيث لا يعلم البشر مأتاه، ولعل الذي يعمل به لا يعلم حقيقة ذلك العمل الذي جعل الله لذلك العمل إلا بما سبق من وقوع ذلك، وقد يجوز الأمر والنهي بأشياء يعينها من الأفعال؛ لمكان ما يتولد عنها من المنافع والمضار باللطف من حيث لا فعل في حقيقة ذلك للخلق؛ وإنما ذلك لطف من الله -  - نحو ما نهى عن أكل أشياء، وأمر بها، مما بها الاعتداء والقتل، من غير أن نعلم حقيقة وصول ذلك إلى ما يعدو أو يقتل وأي حكمة في ذلك ومعنى له؟.

وكذلك الموضوع من المناكح لطلب الولد وسقي الأشجار [والزروع بما يحدث الله فيها، وإن كان وجه العمل بالمأمور به، والمنهي عنه، وحقيقته بغر الذي له ذلك.

وعلى ذلك الأمر بالاستماع]، والنظر لما يلقى إليه ويراه، وإن لم يكن حقيقة الإدراك فعله.

وعلى ذلك التقدير جائز أن يكون الله -  - يجعل النفث بالعزائم، أو بأنواع السحر، أو بأنواع الرقى - أعمالا في المقصود بها من النفع والضر، لا يعلم حقيقة الوقوع والمعنى الموضوع فيه له من فيه ذلك الفعل، وهو به مأمور، وعنه منهي؛ بما له من حقيقة الفعل، وإن لم يكن النافع به في حقيقة فعله.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْفَلَقِ ﴾ اختلفوا فيه: قال بعضهم: الصبح.

وقيل: كل شيء ينفلق من جميع ما خلق، نحو الأرحام؛ ليتعرف ما فيها، والحب، والنوى، والهوام، وكل شيء.

فمن ذهب إلى تخصيص الصبح؛ فهو لأنه آخر الليل، وأول النهار، وقد جرى تدبير الله -  - في إنشاء هذين الوقتين على جميع العالم، بحيث لا يملك أحد الامتناع عن حكمهما فيما جعل لهما، وهما النهاية في العلم بعلم الله -  - الغيب؛ إذ جرى من تدبيره في أمر الأوقات في الليل والنهنار على حد واحد كل عام، بما فيهما من الرحمة للخلق وأنواع المحنة، ومَنَّ عليهما بما يأتيان الخلق ويذهبان؛ فكأنما ذكر جميع الخلق على ما ذكر في تأويل قوله -  -: ﴿ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ  ﴾ ؛ فيكون فيه لو [قصد بالذكر] ما في كل ذلك، ولا قوة إلا بالله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مِن شَرِّ مَا خَلَقَ ﴾ ، له وجهان: أحدهما: من شر خلقة؛ لما أضاف إلى فعله؛ كما يقال: "من شر فعل فلان"، أي: من شر [ما] يفعله.

ويحتمل من شر يكون في خلقه، ولكن الإضافة إليه بما هو خالق كل شيء من فعل خلقه، ومن خلق ما له الفعل ولا فعل.

والأول كأنه أقرب؛ لما ذكر في بقية السورة [من] الواقع بخلقه المكتسب من جهتهم، وأضيف إليه، لما [بينا، ولأن] كل شر اكتسبه الخلق فذلك منسوب إلى الله -  - خلقا، وهو فعل المكتسب وكسبه، فمتى كان المراد من قوله -  -: ﴿ مِن شَرِّ مَا خَلَقَ ﴾ هذا النوع؛ فكأن ذكر مابعده يكون تكريرا.

وإذا حمل الأول على محض التخليق فيما لا صنع للخلق فيه من الشرور، كان ذكر ما لهم صنع فيه - وإن كان بخلق الله  ، لا يكون تكريرا - فيكون هذا التأويل أحق، مع ما قد بينا أنه يمنع في فعل غيره بلطف، [أو إعجاز، وفي الإعجاز لا يحتمل التعوذ من شر من لا يقدر على فعل يتصل به الشر، وفي ذلك إثبات التمكين لما يقع به الشر؛ فيجوز] التعوذ من الذي منه أذية تكون من غيره، على ما بينا من جواز الأمر والنهي عن أفعال لمكان ما يقع بها، وإن لم يكن الواقع في الحقيقة لهم؛ فعلى ذلك التعوذ من شر خلقه، وهو التمكين [والله الموفق والمعين]..

وفي هذا تعلق بعض من يقول [بأن القوة] تسبق الفعل: أنه لو لم يكن له قوة على الشر كيف كان يتعوذ من شر من لا يقوى عليه؟.

والجواب من وجهين: أحدهما: أن التعوذ يكون بما سيفعل بما يملك هو ما يقع لديه الفعل، وهو الآلات السليمة والقدر تحدث تباعاً على حدوث الأفعال، وتحدث لما يختار هو؛ فصارت القدرة في كمنها لما يختار؛ ككون ما يختار من الفعل بالاختيار بحدوث القدرة حالة الفعل؛ فيتعوذ منه؛ لعلمه أن الذي به كأنه في يده.

والثاني: أن قد جرت العادة ب العلم بما يقع في المتعارف: كالعلم بما هو واقع في الرغبة والرهبة؛ ألا ترى أنه يتعوذ من ظلم الجبابرة والظلمة، على ما بينهم من بعد الأمكنة وطول المدد؛ لإمكان الوصول بما اعتيد منهم بلوغ أمثال ذلك، وإن كانت القدرة على الظلم في حقه للحال معدومة، لا بتقى في مثل هذه المدة؛ فعلى ذلك الأمر الأول: وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ ﴾ ، اختلف فيه: قيل: الغاسق: هو الليل المظلم: والغسق الظلمة.

وقيل: سمي بالليل: غاسقا؛ لأن الغاسق: البارد، قال الله  : ﴿ لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلاَ شَرَاباً  إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً  جَزَآءً وِفَاقاً  ﴾ ، والليل أبرد من النهار؛ لذلك سمي: غاسقا.

والأصل في هذا: أن الذي ذكر لا يكون منه ضرر يتعوذ منه، لكنه يرجع إلى من كان في ظلمة الليل، أو في نور القمر من الذي يأتي منه المضار، ومعلوم أن من الشرور ما لا يمكن منها إلا في ظلمة الليل، ومنها في الليالي لا يمكن إلا بنور القمر؛ فأمر بالتعوذ مما يكون فيها، لا أن يكون منها، وهو كقوله -  -: ﴿ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً  ﴾ ؛ لما يقع به الإبصار؛ لا أنه يقع منه ذلك.

وهذا - والله أعلم - ليس على تخصيص الليل بذلك؛ لأنه ليس له فعل الضر، لكن قد يعرض به الإمكان من الشر؛ لما المعلوم أن من الشرور ما لا يمكن منها إلا في ظلمة الليل، ومنها في الليل لا يمكن إلا بنور القمر؛ فأمر بالتعوذ منه عما يتحقق فيه؛ فعلى ذلك يجوز التعوذ من شر النهار، على تأويل ما يقع به من التمكين من الشر، ويوجد فيه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِذَا وَقَبَ ﴾ اختلفوا في معنى ﴿ وَقَبَ ﴾ : قيل: إذا جاء ودخل.

وقيل: ذهب.

وقيل: معناه: القمر إذا خسف، أمر بالاستعاذة من ذلك؛ إذ هو علم من أعلام الساعة؛ لهذا قال: ﴿ إِذَا وَقَبَ ﴾ ؛ إذا القمر لا يخسف إلا في الليل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِن شَرِّ ٱلنَّفَّاثَاتِ فِي ٱلْعُقَدِ ﴾ : فهذا تعود من شرهم بحسب سببه، لكنه في الحقيقة فعل لهم، وفي الأول يقع سببه بلا صنع لهم، فكأنه في الجملة أمر بالتعوذ من كل سبب خيف تولد الشر منه، فعلا كان ذلك له أو لم يكن؛ ألا ترى إلى قوله -  -: ﴿ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ  ﴾ ، وقد يكون للشيطان فعل في الحقيقة، ولا يكون للحياة الدنيا فعل؛ فوقع النهي عن الاغترار بهما؛ فعلى ذلك التعوذ من شر الأمرين وإن لم يكن لأحدهما فعل بما يقع فيه.

وجائز أن يكون من هذا الوجه في الملائكة محنة في الدفع والحفظ؛ لقوله - عز وجل -: ﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ  ﴾ ، قيل: فيه: أي: بأمر الله يقع حفظه؛ فجائز أن يكون في هذه الأمور الخفية، وأنواع المضار من حيث لا يعلم إلا بعد جهد يقع الحفظ بالله -  - على استعمال الملائكة.

وعلى ذلك يجوز أن يكون أمر سلامة المطاعم والمشارب والمنافع التي للبشر عن إفساد الجن، يحفظ ما ذكر؛ ليكون فيها محنة للملائكة، على ما كان مكان وسواس الشيطان إيقاظ الملائكة ومعونتهم.

ويحتمل أن يكون الله -  - لم يمكنهم إفساد ما ذكرنا وإن مكنهم الوسواس؛ إذ باللطف يمنع من حيث لا يعلم.

وقيل - أيضا -: من أمر الله: عذابه وأنواع البلايا إلى وقت إرادة الله -  - الوقوع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: إذا كان الحاسد دون المحسود، لا يقوى على الشر ليفعل به، والشر المتوهم منه يكون من شر عينه، وعمل الحسد إرادة زوال نعم المحسود وذهاب دولته.

وإنه جائز أن يكون الله - عز وجل - بلطفه يجعل في بعض الأعيان عملا يتأدى بالنظر إلى ما يستحسنه من النعم إلى الزوال، ويؤثرون ذهاب الدولة عنه؛ فأمر بالتعوذ لهذا، وقد بينا لك المتولدات من الأفعال بما جعل الله -  - فيها من المضار والمنافع ما لا يبلغها علوم الخلق، بل لو أراد الخلق أن يعرفوا ما في ا لبصر من الحكمة التي تدرك بفتح البصر ما بين السماء والأرض من غير كثير مهلة، لم يقدروا عليه.

وروى عمران بن حصين أن رسول الله  قال: "لا رقية إلا من عين حمة" وعن ابن عباس -  -: "العين حق، فإن كان شيء يسبق القدر لسبقه العين" وفي خبر أخر: "لا شر في الهام، والعين حق" ويدل عليه في قصة أخوة يوسف -  -: ﴿ وَقَالَ يٰبَنِيَّ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَٱدْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ  ﴾ .

وقد فسر قوم وجه عمل العين وكيفيته، ولكنه أمر كعمل الشمس في العين نفسها فيما تبصر الشمس وتنظر إليها، فإنها تضره وتغلبه عن النظر على بعدها من العين بما جعل الله -  - وذلك من اللطف الحكمة، وكذلك عمل العين في المعيون.

والثاني: أن يكون بما حسد أن يبعث حسده على الحيل وأنواع ما به العين من السعي في الأمور التي بها الفساد على ضفعه في نفسه؛ قال الله -  - في صفة المنافقين: ﴿ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ ٱلْعَدُوُّ فَٱحْذَرْهُمْ  ﴾ ، فمع ما بين من فشلهم وضعفهم، أمرهم بالحذر عنهم، وقال: ﴿ إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَٰنِ كَانَ ضَعِيفاً  ﴾ ، ثم أمر بالتعوذ من شره؛ فكذلك الحاسد، والله أعلم [بالصواب].

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قل -أيها الرسول-: أعتصم بربّ الصبح، وأستجير به.

<div class="verse-tafsir" id="91.A5Ndk"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

(الفلق).

قيل: هو الصبح.

وربه: هو الله الذي وضع نظام الكواكب على أن يكون في الأرض ليل يغمر الأرض بظلمته، ثم يكون صبح فيفلق هذا الظلام ويفرج كربه عن الأنام.

وقال جمع من المفسرين: إن الفلق هو الموجود الممكن كله.

وربه هو خالقه الذي شق ظلمة العدم عنه.

ومن كان رب الوجود كله، أو رب الصبح ولا يمكن أن يأتي بالصبح سواه - فهو جدير بأن يتعوذ به ويلجأ إليه وحده دون سواه.

(من شر ما خلق): أي من كل شر وأذى يصيبك من أي شيء خلقه.

إن الله خلق الخلق لما لا نعلمه من الحكمة وقد يقفنا على حكمته في بعض خلقه.

وقد خلق كل مخلوق ليصيب من الوجود الحظ الذي قدره له، ووهبه كل ما يتم به ذلك الحظ المقدر فكل مخلوق فهو خير في نفسه لأنه أخذ مكانه من الوجود، وهو الحق الذي لا يمكن أن يزحزح عنه.

وإنما الشرور التي تعرض أمور نسبية، فما هو شر بالنسبة إليك خير لكائن آخر.

يأكلك السبع فتألم وتموت، ويحزن لك الأقارب والأصدقاء، ويحرم سعيك الأولاد والفقراء، فكل ذلك أذى وشر بالنسبة إليك وإليهم، ولكنه خير بالنسبة إلى السبع، وتكميل لحظة.

ولهذا أضاف الشر إلى ما خلق لأن الشر إنما يأتي بمراعاة تلك الإضافة.

أما أفعال الله في نفسها فكل منها خير في نفسه، كما بينا.

وهذا هو الذي يصح الاستعاذة بالله منه، والاستعانة به على أن يخلصك من أذاه.

فأنت تلجأ إلى الله أن يقيك الوقوع في نسبة مع مخلوق آخر يصيبك أذى في تلك النسبة، كأن لا يخلى بينك وبين الأسد، أو لا يدعه ينتبه إليك، أو يقدرك على دفعه..

وهكذا.

ثم خصص بعض ما خلق لكثرة ما يقع الشر فيه مع غلبة الضعف عن دفعه، فقال: ﴿ وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ  ﴾ أصل المعنى في مادة غسق السيلان والانصباب وأصل الوقب النقرة في الجبل ونحوه.

ووقب بمعنى دخل دخولًا لم يترك شيئًا إلا مر به.

والمراد من الغاسق هنا الليل، ووقب أي دخل وغمر كل شيء، كأنما انصب عليه، واشتدت ظلمته.

فإنه في هذا الحالة خوف موضع لأن يدهمك وأنت لا تدري كيف تخلص منه: فإن كنت بصدد سفر ضللت الطريق ولا تدري كيف تهتدي، وإن كنت في خصام مع عدو فقد يكون الظلام أشد أعوانه عليك.

ولا حاجة لتعديد ما في الظلام من أطوار الشر، فذلك مما لا يكاد يخفى على أحد من البشر.

فكان جديرًا أن يخص بالاستعاذة من شره بربه سبحانه، فهو القادر على الكفاية منه.

ثم خص مخلوقات أخر لظهور ضررها وعسر الاحتياط منه، فلا بد من الفزع إلى الله والاستنجاد بقدرته الشاملة على دفع شرها، فقال ﴿ وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ  ﴾ .

(العقد): ما تعرفه في الخيط والحبل جمع عقدة، ثم تستعمل العقدة في كل ما ربط وأحكم ربطه.

ولذلك سمى الله الارتباط الشرعي بين الزوجين عقدة النكاح.

وسمي الإيجاب والقبول في البيع ونحوه عقدًا، ونسميه عقدة أيضًا.

(والنفث): النفخ الخفيف أو النفخ مع شيء من الريق.

و (النفاثة) من صيغ المبالغة، كالعلامة والفهامة.

ويستعمل كذلك للذكر والأنثى.

(النفاثات) جمعه.

والمراد بهم هنا النمامون، المقطعون لروابط الألفة، المحرقون لها بما يلقون عليها من ضرام دمائمهم.

وإنما جاءت العبارة كما في الآية لأن الله جل شأنه أراد أن يشبههم بأولئك السحرة المشعوذين الذين إذا أرادوا أن يحلوا عقدة المحبة بين المرء وزوجه -مثلًا فيما يوهمون به العامة- عقدوا عقدة، ثم نفثوا فيها وحلوها ليكون ذلك حلًا للعقدة التي بين الزوجين.

والنميمة تشبه أن تكون ضربًا من السحر، لأنها تحول ما بين الصديقين من محبة إلى عداوة بوسيلة خفية كاذبة.

والنميمة تضلل وجدان الصديقين كما يضلل الليل من يسير فيه بظلمته، ولهذا ذكرها عقب ذكر الغاسق إذا وقب.

ولا يسهل على أحد أن يحتاط للتحفظ من النمام، فإنه يذكر عنك ما يذكر لصاحبك، وأنت لا تعلم ماذا يقول ولا ما يمكن أن يقول.

وإذا جاءك فربما دخل عليك بما يشبه الصدق حتى لا يكاد يمكنك تكذيبه، فلا بد لك من قوة أعظم من قوتك تستعين بها عليه، وهي قوة الله.

وقد رووا ههنا أحاديث في أن النبي  سحره لبيد بن الأعصم وأثر سحره فيه حتى كان يخيل له أنه يفعل الشيء وهو لا يفعله أو يأتي شيئًا وهو لا يأتيه، وأن الله أنبأه بذلك، وأُخرجت مواد السحر من بئر وعوفي  مما كان نزل به من ذلك ونزلت هذه السورة.

ولا يخفى أن تأثير السحر في نفسه  ، حتى يصل به الأمر إلى أن يظن أنه يفعل شيئًا وهو لا يفعله، ليس من قبيل تأثير الأمراض في الأبدان ولا من قبيل عروض السهو والنسيان في بعض الأمور العادية، بل هو ماس بالعقل، آخذ بالروح، وهو مما يصدق قول المشركين فيه: (إن تتبعون إلا رجلًا مسحورًا).

وليس المسحور عندهم إلا من خولط في عقله، وخيل له أن شيئًا يقع وهو لا يقع، فيخيل إليه أنه يوحي إليه ولا يوحى إليه.

وقد قال كثير من المقلدين الذين لا يعقلون ما هي النبوة ولا ما يجب لها: إن الخبر بتأثير السحر في النفس الشريفة قد صح فيلزم الاعتقاد به، وعدم التصديق به من بدع المبتدعين لأنه ضرب من إنكار السحر، وقد جاء القرآن بصحة السحر.

فانظر كيف ينقلب الدين الصحيح والحق الصريح في نظر المقلد بدعة!

نعوذ بالله!

يحتج بالقرآن على ثبوت السحر، ويعرض عن القرآن في نفيه السحر عنه  وعده من افتراء المشركين عليه، ويؤول في هذه ولا يؤول في تلك!

مع أن الذي قصده المشركون ظاهر، لأنهم كانوا يقولون: إن الشيطان يلابسه  ، وملابسة الشيطان تعرف بالسحر عندهم، وضرب من ضروبه.

وهو بعينه أثر السحر الذي نسب إلى لبيد، فإنه قد خالط عقله وإدراكه في زعمهم.

والذي يجب اعتقاده أن القرآن مقطوع به، وأنه كتاب الله بالتواتر عن المعصوم  ، فهو الذي يجب الاعتقاد بما يثبته وعدم الاعتقاد بما ينفيه.

وقد جاء ينفي السحر عنه  حيث نسب القول بإثبات حصول السحر له إلى المشركين أعدائه ووبخهم على زعمهم هذا.

فإذن هو ليس بمسحور قطعًا.

وأما الحديث -على فرض صحته- فهو آحاد، والآحاد لا يؤخذ بها في باب العقائد، وعصمة النبي من تأثير السحر في عقله عقيدة من العقائد لا يؤخذ في نفيها عنه إلا باليقين، ولا يجووز أن يؤخذ فيها بالظن والمظنون.

على أن الحديث الذي يصل إلينا من طريق الآحاد إنما يُحَصِّل الظن عند من صح عنده.

أما من قامت له الأدلة على أنه غير صحيح، فلا تقوم به عليه حجة.

وعلى أي حال فلنا بل علينا أن نفوض الأمر في الحديث ولا نحكمه في عقيدتنا ونأخذ بنص الكتاب وبدليل العقل فإنه إذا خولط النبي في عقله -كما زعموا- جاز عليه أن يظن أنه بلّغ شيئًا وهو لم يبلّغه أو أن شيئًا نزل عليه وهو لم ينزل عليه.

والأمر ظاهر لا يحتاج إلى بيان..

ثم إن نفي السحر عنه لا يستلزم نفي السحر مطلقًا.

فربما جاز أن يصيب السحر غيره بالجنون نفسه، ولكن من المحال أن يصيبه لأن الله عصمه منه.

ما أضر المحب الجاهل!

وما أشد خطره على من يظن أنه يحبه!

نعوذ بالله من الخذلان.

على أن نافي السحر بالمرة لا يجوز أن يعد مبتدعًا لأن الله تعالى ذكر ما يعتقد به المؤمنون في قوله: ﴿ آمَنَ الرَّسُولُ  ﴾ الآية، وفي غيرها من الآيات.

وردت الأوامر بما يجب على المسلم أن يؤمن به حتى يكون مسلمًا، ولم يأت في شيء من ذلك ذكر السحر على أنه مما يجب الإيمان بثبوته أو وقوعه على الوجه الذي يعتقد به الوثنيون في كل ملة.

بل الذي ورد في الصحيح هو أن تعلم السحر كفر.

فقد طلب منا أن لا ننظر بالمرة فيما يعرف عند الناس بالسحر ويسمى باسمه.

وجاء ذكر السحر في القرآن في مواضع مختلفة، وليس من الواجب أن نفهم منه ما يفهم هؤلاء العميان.

فإن السحر في اللغة معناه صرف الشيء عن حقيقته.

قال الفراء في قوله تعالى ﴿ فَأَنَّا تُسْحَرُونَ  ﴾ : أي أن تؤفكون وتصرفون.

سحره وأفكه بمعنى واحد.

وماذا علينا لو فهمنا من السحر الذي يفرق بين المرء وزوجه، تلك الطرق الخبيثة الدقيقة التي تصرف الزوج عن زوجته والزوجة عن زوجها؟

وهل يبعد أن يكون مثل هذا الطرق مما يتعلم وتطلب له الأساتذة، ونحن نرى كتبًا ألفت ودروسًا تلقى لتعليم أساليب التفريق بين الناس لمن يريد أن يكون من عمال السياسة في بعض الحكومات؟

وقد يكون ذكر المرء وزوجه من قبيل التمثيل، وإظهار الأمر في أقبح صورة: أي بلغ من أمر ما يتعلمونه من ضروب الحيل وطرق الإفساد، أن يتمكنوا به من التفريق بين المرء وزوجه.

وسياق الآية لا يأباه، وذكر الشياطين لا يمنعنا من ذلك بعد أن سمى الله خبثاء الإنس المنافقين بالشياطين.

قال: ﴿ وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ  ﴾ .

وقال: ﴿ شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ  ﴾ ، وسحر فرعون كان ضربًا من الحيلة، ولذلك قال: ﴿ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى  ﴾ ، وما قال إنها تسعى بسحرهم.

قال يونس: تقول العرب ما سحرك عن وجه كذا، أي ما صرفك عنه؟

ولو كان هؤلاء يقدرون الكتاب قدرة، ويعرفون من اللغة ما يكفي لعاقل أن يتكلم، ما هذروا هذا الهذر، ولا وصموا الإسلام بهذه الوصمة..

وكيف يصح أن تكون هذه السورة نزلت في سحر النبي  مع أنها مكية -في قول عطاء والحسن وجابر وفي رواية ابن كريب عن ابن عباس- وما يزعمونه من السحر إنما وقع في المدينة؟!

لكن من تعود القول بالمحال لا يمكن الكلام معه بحال..

نعوذ بالله من الخبال.

(ومن شر حاسد إذا حسد): الحاسد الذي يتمنى زوال نعمة محسوده، ولا يرضى أن تتجدد له نعمة.

وهو -إذا حسد، أي أنفذ حسده وحققه بالسعي والجد في إزالة نعمة من يحسده- من أشد خلق الله أذى، ومن أخفاهم حيلة، وأدقهم وسيلة.

وليس في طاقة محسوده إرضاؤه بوجه، ولا في استطاعته الوقوف على ما يدبره من المكايد، فلا ملجأ منه إلا إلى الله وحده، فهو القادر على كف أذاه، وإحباط سعيه، وقانا الله شر الحاسدين وكف عنا كيد الكائدين.

والله أعلم.

مزيد من التفاسير لسورة الفلق

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله